← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

٤٥٨٨ - [١٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ، فَإِذَا بَعَثَ عَامِلًا سَأَلَ عَنِ اسْمِهِ، فَإِذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُئِيَ كَرَاهِيةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا دَخَلَ قَرْيَةً سَأَلَ عَنِ اسْمِهَا، فَإِنْ أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ بِهِ، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهَا رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِك فِي وَجهه. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢٠]. ٤٥٨٩ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! إِنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كثُرَ فِيهَا عَدَدُنَا وَأَمْوَالُنَا فَتَحَوَّلْنَا إِلَى دَارٍ قَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا وَأَمْوَالُنَا. فَقَالَ (١) ﷺ : "ذَرُوهَا ذَمِيمَةً". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢٤]. ــ ٤٥٨٨ - [١٣] (بريدة) قوله: (سأل عن اسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به) ومثل ذلك ما وقع في طريق المدينة عند هجرته ﷺ إليها حين لقيه بريدة الأسلمي، وقد أرسلته قريش لياخذ النبي ﷺ ، وشرطوا له على ذلك مئة إبل، فقال له: (ما اسمك؟ ) قال: بريدة، قال: (برد أمرنا)، ثم سأل: (ممن؟ ) قال: من أسلم؟ قال: (سلم لنا الأمر)، ثم قال: (من أي أسلم؟ ) قال: من بني سهم، قال: (أصبت سهمك)، فأسلم بريدة، الحديث (٢). ٤٥٨٩ - [١٤] (أنس) قوله: (ذروها ذميمة) لما وقع في أوهامهم الكراهة والوسواس أمرهم بالخروج عنها لئلا يقعوا في ورطة الشرك الخفي كما مر.

стр. 4377

٤٥٩٠ - [١٥] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! عِنْدَنَا أَرْضٌ يُقَالُ لَهَا: أَبْيَنُ، وَهِيَ أَرْضُ رِيفِنَا وَمِيرَتِنَا، وَإِنَّ وَبَاءَهَا شَدِيدٌ. فَقَالَ: "دَعْهَا عَنْكَ فَإِنَّ مِنَ القَرَفِ التَّلَفَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢٣]. ــ ٤٥٩٠ - [١٥] (يحيى بن عبد اللَّه) قوله: (ابن بحير) بفتح الموحدة وكسر المهملة على وزن فقير، و (فروة) بفتح الفاء وسكون الراء، (ابن مسيك) بالسين المهملة آخره الكاف بلفظ التصغير. وقوله: (أبين) بلفظ اسم التفضيل من البيان اسم رجل ينسب إليه عدن، يقال: عدن أبين. وقوله: (هي أرض ريفنا وميرتنا) الريف بكسر الراء وسكون الياء التحتانية: الزرع، والخضب، والميرة بكسر الميم وسكون الياء التحتانية: الطعام يجلب إلى الأهل، وفي رواية: (أرض ريعنا) بالعين. وقوله: (فإن من القرف التلف) القرف بالقاف والراء المفتوحتين: ملابسة الداء ومداناة المرض، وفي (الصراح) (١): قرف بفتحتين: نزديك آمدن بيماري، وفي (القاموس) (٢): القرف: مقارفة الوباء والعدوى، ومن الأراضي: الْمَحَمَّةُ، وقيل: ليس هذا من العدوى، وإنما هو من باب الطب، فإن الهواء الصالح الموافق يعين على صلاح البدن وصحته، كذا قال الطيبي (٣)، ولعل الفارين من الوباء والطاعون يتمسكون

стр. 4378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بهذا الحديث؛ لأن الرجل شكا من الوباء في تلك الأرض، فقال له ﷺ : (دعها عنك فإن من القرف التلف)، ولكن التمسك لا يتم لأنه شكا وتشاءم بها، فرخص له ﷺ نظرًا إلى ضعف حاله وخوفًا من وقوعه في ورطة الشرك الخفي في خروجه منها، وترك السكونة فيها؛ لأن الوباء وقع فيها، وبعد الوقوع جوز الفرار والخروج منها، وإنما الكلام فيه، والوظيفة في البلاء قبل وقوعه الاحترازُ والاجتنابُ، وبعد وقوعه الصبر والرضا والتضرع والدعاء بدليل ورود الأحاديث الصحيحة المذكورة في الصحيحين وغيرهما بالمنع والنهي عن الفرار، والحث والترغيب على الصبر والثبات، والحكم بالشهادة على ذلك، وهذا الحديث في (سنن أبي داود)، ولا يصادم أحاديث الصحيحين، وقالوا: إن فروة بن مسيك لم يرو عنه إلا حديث أو حديثان، وذلك أيضًا من رجل مجهول لا يعرف اسمه، وقد اختلف في يحيى بن عبد اللَّه بن يحيى أنه ثقة أم لا. وقد يفرق بين الوباء والطاعون، وإن كان الصواب المراد في هذا المقام هو البلاء الشائع والموت الشائع كما قال رسول اللَّه ﷺ لأبي ذر: (وإياك والفرار عن الزحف، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت) كما مر في أول الكتاب في (باب الكبائر)، وشبه في حديث عائشة الفرار عن الطاعون بالفرار عن الزحف، وبالجملة الفرار عنه منهي عنه ومعصية، وإن اعتقد أنه على تقدير الصبر يموت، وبالفرار ينجو كفر وإلا كان عاصيًا، وقياسه على الخروج من بيت وقع فيه زلزلة أو وقعت نار فاسد لورود النص على خلافه، وأيضًا الهلاك في صورة الزلزلة والنار غالب فهو من الأسباب العادية، وفي الوباء مشكوك وموهوم، فهو من الأسباب الوهمية، وإن قالوا: إن الصبر عزيمة وتوكل أو الخروج رخصة ومباح. قلنا: التشبه بالزحف وورود الوعيد ينافيه، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى

стр. 4379

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٥٩١ - [١٦] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا. [د: ٣٩١٢]. * * * التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ظاهر في عدم الذهاب إلى مكان فيه الوباء لا في الثبات فيه، وقد وقع التصريح نصًا أن الحكم فيه عدم الخروج عن أرض وقع فيها، وعدم الذهاب إلى أرض وقع فيها، فإن قالوا: تقدير اللَّه شامل لكلا الصورتين؟ قلنا: هذا الكلام باطل وغير مسموع في مقابلة حكم الشرع، والشرع قد حكم وأمر ونهى، ولا مدخل للعقل فيه. الفصل الثالث ٤٥٩١ - [١٦] (عروة بن عامر) قوله: (أحسنها الفأل) مبني على أن الطيرة كما مرّ في الفصل الأول: (خيرها الفأل). وقوله: (ولا ترد) بلفظ نهي الغائب، أي: لا ينبغي أن ترد وترجع الطيرة المسلم عما قصده من موضع أو عمل. وقوله: (فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات. . . إلخ)، وجاء في حديث آخر يقول: (لا خير اللهم إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك) (١).

стр. 4380

٢ - باب الكهانة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٥٩٢ - [١] عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَم قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ، قَالَ: "فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ" قَالَ: قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ قَالَ: . . . . . ــ ٢ - باب الكهانة في (القاموس) (١): كهن له، كمنع ونصر وكرم، كهانة، بالفتح، فهو كاهن، وكُهَّانٌ وكَهَنةٌ جمعه، وحِرْفتُهُ: الكِهَانة بالكسر، وقال الكرماني (٢): بكسر الكاف وفتحها. وقال الشُّمُنِّي: كهن يكهن من باب نصر، وإذا أردت أنه صار كاهنًا، قلت: كهن بالضم، والكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، فمنهم من له تابع من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام أو فعل أو حال، ويخص باسم العراف وهو الذي يتعاطى مكان المسروق ومكان الضالة ونحوهما، وحديث: (من أتى كاهنًا) (٣) يشمل الكاهن والعراف والمنجم، قالوا: وينبغي للمحتسب منعهم وتأديبهم، وأن يؤدِّب الآخذَ والمعطي. الفصل الأول ٤٥٩٢ - [١] (معاوية بن الحكم) قوله: (عن معاوية بن الحكم) بفتحتين.

стр. 4381

"ذَلِكَ شَيْءٌ يَجدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ". قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ (١) قَالَ: "كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَهُ فَذَاكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٣٧]. ــ وقوله: (فلا يصدنكم) أي: لا يمنعنكم عما قصدتم، أو لا يمنعنكم وقوعه عن اعتقاد الحق وحكم الشريعة. وقوله: (فمن وافق خطه) وفي رواية: (فمن وافق خطه علم مثل علمه)، والمراد بالنبي دانيال، وقيل: إدريس ﵉، وبالخط ما يخطه الحازي وهو علم تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوانًا فيأمر غلامًا فيخط على الأرض الرخوة يميل خطوطًا كثيرة بالعجلة لئلا يلحقه العدد، ثم يمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: ابني عيان اسرعا البيان، فإن بقي خطان فعلامة النجح، والواحد علامة الخيبة، وهو ضرب من الكهانة، ويستخرجون به الضمير وغيره، والحازي: الكاهن، في (القاموس) (٢): تحزى: تكهن. وقوله: (فذاك) أي: مباح، لكن لا يعلم موافقته يقينًا فلا يباح لنا، والمراد بموافقة الخط موافقته في الصورة والحالة، وهو قوة الخاط في الفراسة وكماله في العلم والعمل فذا مصيب، كذا قيل، والظاهر أن المراد بالموافقة في إصابة ذلك العمل وإدراك المقصود بأن يقع على طريقه ونهجه، و (خطه) بالنصب على المشهور، وروي بالرفع، فالمفعول محذوف، ومضى الحديث في أوائل الكتاب في (باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة).

стр. 4382

٤٥٩٣ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ. . . . . ــ ٤٥٩٣ - [٢] (عائشة) قوله: (ليسوا بشيء) أي: ليس قولهم بشيء صحيح يعتمد عليه، فبين ﷺ أن إصابتهم أحيانًا بإلقاء الجني ما استرقها فيزيدوا عليها بالقياس فربما أصاب، والغالب الخطأ، وهم فيما علم بشهادة الامتحان قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطبائع نارية يفتنهم الشياطين لمناسبة بينهم وبذل الوسع في مساعفتهم، فهم يفزعون إليهم ويستفتونهم في الحوادث، وفي معناهم الشعراء، روي عن جرير ابن عبد اللَّه: كنت في سفر في الجاهلية، وأضللنا الطريق، فصرنا إلى خيام فإذا هي من الجن، فقدموا لنا أليات الوحش فغنّى واحد من شيوخهم بيتين، فقلت: أحدهما لطرفة والآخر للأعمش، فقال: كذبا، ما قالاه، أنا الذي كنت ألقي الشعر على لسانهما. وقوله: (من الحق) في أكثر نسخ (المشكاة) المصححة هكذا بالحاء والقاف، وقال الطيبي (١): نقلا عن محيي السنة: هو بالجيم والنون في جميع نسخ مسلم في بلادنا، أي: مسموعة من الجن ألقاها إليه. وقوله: (يخطفها الجني) نسبة إلى الجن، والظاهر أنها نسبة الفرد إلى الطبيعة. وقوله: (فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة) قال القاضي عياض في (مشارق

стр. 4383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأنوار) (١): ويروى الزجاجة، وفي الرواية الأخرى: (فيقر قرها في أذنه كقرقرة الدجاجة)، وفي الأخرى: (كما تقر القارورة) وهي بمعنى الزجاجة، كذا ضبطه الأصيلي: (يَقُرُّها) بضم القاف وفتح الياء، وعند غيره: (يُقِرّها) بكسر القاف وضم الياء، وصوب بعضهم الأول، وكلاهما صواب، والمعنى أنه يصوت بها كما تصوت الزجاجة، يقال: قرت الدجاجة: تقر قرًّا: إذا قطعت صوتها، وقرقرت قرقرة: إذا رددته، أو كما تصوت الزجاجة: إذا حركتها على شيء، أو كما يتردد ما يصب في الآنية، والقارورة في جوانبها، ويصح هذا على الروايتين: الضم والكسر، يقال: قررت الماء في الآنية، وأقررته: إذا صببته، وقيل: يقرها بمعنى يساره بها، ويصح هذا على رواية ضم القاف، يقال: قر الخبر في أذنه يقره قرًّا، وقيل: يقره: يودعه فيه، وهذا على رواية الكسر من أقر الشيء يقره، وقال: لم يختلف الرواية في (كتاب مسلم) في الدجاجة بالدال. واختلفت فيه الروايات في البخاري، فروى بعضهم: الزجاجة بالزاي المضمومة، وكذا جاء للمستملي وابن السكن وأبي ذر وعبدوس والقابسي في (كتاب التوحيد)، وللأصيلي هناك الدجاجة، وكذلك اختلفوا في مواضع أخر، وذكر الدارقطني أن الصواب الأول. وقد ذكر في بعض رواياته في القارورة، فمن رواه الدجاجة بالدال شبه إلقاء الشيطان ما يسترقه من السمع في أذن وليه بقر الدجاجة، أي: صوتها، وهو صوتها لصواحبها، وقيل: يقرها يسار بها، ومن قال: الزجاجة بالزاي، فقيل: يلقيها ويودعها في أذن وليه كما يقر الشيء في القارورة والزجاجة، وقيل: يقرها بصوت وحس كحس الزجاجة إذا حركتها على الصفا أو غيره.

стр. 4384

فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ كَذْبَةٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢١٣، م: ٢٢٢٨]. ٤٥٩٤ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ -وَهُوَ السَّحَابُ- فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّماءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتُسْمِعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِئَةَ كِذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢١٠]. ــ وقيل: معناه يرددها في أذن وليه كما يتردد ما يصب في الزجاجة والقارورة فيها وفي جوانبها، لاسيما على رواية من رواه فيقرقرها، واللغة الفصيحة في الدجاج والدجاجة الفتح، وقد كسرها بعضهم، هذا كلام القاضي عياض، وقد تكرر بعض معانيه لما وقع في الموضعين في مادة الدال والجيم، وفي القاف والراء، نقلته هكذا لإيضاح المقصود، وتركت ألفاظًا اشتبهت علي، وظهر منه أن ترجيح الشيخ التُّورِبِشْتِي رواية الزجاجة بالزاي على رواية الدجاجة بالدال ليس كما ينبغي، بل كاد الأمر أن يكون على العكس كما نقله من الدارقطني الذي هو من أمهر النقاد من المتأخرين. وقيل فيه: لم يأت بعده من يعتد به في هذا الشأن، وكما نقله الطيبي من الشيخ ابن الصلاح رحمة اللَّه عليهم أجمعين. وقوله: (أكثر من مئة كذبة) لعل المراد به المبالغة والتكثير، واللَّه أعلم. ٤٥٩٤ - [٣] (وعنها) قوله: (وهو السحاب) في (القاموس) (١): (العنان) بالفتح: السحاب الذي لا يمسك الماء، واحدته بهاء، وبالكسر: ما بدا لك منها إذا نظرتها، انتهى. وفسر بعضهم المفتوح بهذا في حديث: (لو بلغت ذنوبه عنان السماء) (٢)،

стр. 4385

٤٥٩٥ - [٤] وَعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٣٠]. ٤٥٩٦ - [٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربُّكم؟ ! قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءَ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤمِنٌ بِالْكَوْكِبِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٩١، م: ٨٣]. ــ ويفهم من كلام الطيبي (١): أن المراد هنا السماء حيث قال: فالسحاب مجاز من السماء، وفيه أن ما في السماء إنما هو سماع الملائكة ما قضي فيها، ونزول الجن وسماعهم إنما هو تحت السماء، وهو المراد بعنان السماء المفسر بالسحاب، فافهم. ٤٥٩٥ - [٤] (حفصة) قوله: (من أتى عرافًا) قد عرفت معنى العراف وأنه أحد أنواع الكهنة، وأن المراد به في هذا الحديث ما يشمل العراف والكاهن والمنجم. وقوله: (لم تقبل لى صلاة أربعين ليلة) فكيف بغيرها من العبادة، والمراد بعدم القبول عدم الثواب وإن كانت جائزة تبرئ الذمة، وكذلك جاء في الأحاديث بهذا المعنى، فتدبر. ٤٥٩٦ - [٥] (زيد بن خالد الجهني) قوله: (على إثر سماء) أي: عقيب مطر نزل الليلة، و (إثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين. وقوله: (فذلك كافر بي) إن اعتقد التأثير من الكواكب فهو كفر بالاتفاق، وإلا فهو

стр. 4386

٤٥٩٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللَّهُ الْغَيْثَ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٥٩٨ - [٧] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ١/ ٣١١، د: ٣٩٠٥، جه: ٣٧٢٦]. ــ مكروه؛ لأنه من شعار الجاهلية، فالمراد كفران النعمة. ٤٥٩٧ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من بركة) يجوز أن يراد بالبركة المطر، فيكون قوله: (ينزل اللَّه الغيث) بيانًا له، وأن يراد الأرزاق النازلة من العالم العلوي، والكفر به إسناده إلى الأسباب، فيكون قوله: (ينزل [اللَّه] الغيث) مثالًا لذلك. الفصل الثاني ٤٥٩٨ - [٧] (ابن عباس) قوله: (من اقتبس علمًا) أي: شيئًا منه وإن كان قليلًا. وقوله: (زاد ما زاد) أي: زاد من السحر ما زاد من النجوم، وقيل: معناه زاد رسول اللَّه ﷺ في تذميم علم النجوم على ما رواه ابن عباس ما زاد، كذا نقل من (المفاتيح شرح المصابيح) (١)، فقيل: إنه على هذا التقدير يكون هذا قول الراوي من ابن عباس وهو بعيد، إذ هو لم يسمع إلا من ابن عباس ما رواه، والظاهر على هذا الوجه أن يكون هذا قول ابن عباس يقول: زاد النبي ﷺ في تذميم النجوم وتقبيحه ما زاد،

стр. 4387

٤٥٩٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقهُ بِمَا يَقُولُ أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ حَائِضًا، أَو أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا فقدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ". رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٤٠٨، د: ٣٩٠٤]. ــ وما رويت ذلك كله واكتفيت بهذا المقدار، ويحتمل أن يكون على تقدير كونه قول الراوي من ابن عباس أن يكون ضمير زاد لابن عباس، فافهم. ٤٥٩٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أو أتى امرأته حائضًا) في (القاموس) (١): حاضت المرأة تحيض حيضًا، فهي حائض وحائضة، وقال عياض (٢) في قول عائشة: وأنا حائض، جاءت في هذا الحديث في بعض روايات مسلم: وأنا حائضة، والمعروف في هذا حائض، وهو مما جاء للمؤنث بغير هاء لاختصاصه بها كطالق ومرضع، فاستغنى عن علامة التأنيث فيها، وقيل: بل المراد على النسبة والإضافة أي: ذات حيض وطلاق ورضاع كما قال ﵎: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] أي: ذات انفطار، هذا وقد ذكر بعضهم أنه إذا كان المراد معنى الثبوت فبدون التاء، كما إذا أريد بالحائض التي في سن الحيض، أي: البلوغ، وإن كان بمعنى الحدوث فالتاء كالتي في حالة الحيض، وينتقض هذا بنحو أنت طالق في حالة التطليق، فالحق ما ذكره عياض، وقال الطيبي (٣): حائضًا حال منتقلة، ولهذا جاز حذف التاء، ولو كانت صفة لكانت التاء لازمة، انتهى. ويفهم منه الفرق بين الحال والصفة في وجوب التاء وعدمه، فتدبر، واللَّه أعلم.

стр. 4388

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٦٠٠ - [٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ ربُّكُمْ؟ . . . . . ــ ثم الظاهر أن المراد فاستحله، أو المراد بالبراءة أعم من البراءة اعتقادًا أو عملًا، أو المراد كأنه براء أو تغليظ على إتيان الحائض والإتيان من الدبر، فافهم. الفصل الثالث ٤٦٠٠ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (خضعانًا) يروى بضم الخاء وكسرها مصدر كالغفران والوجدان مفعول له، أي: خضوعا وتذللًا، وقد يجعل جمع خاضع، ويروى: (خضعًا) فيكون حالًا، قال في (المشارق) (١): وجوز بعضهم الفتح، والخضوع: الرضا بالذل، وخضع لازم ومتعد، يقال: خضعته فخضع، انتهى. وقوله: (كأنه سلسلة على صفوان) تشبيه للقول المذكور في خفاء صوته، والصفوان: الحجر الأملس، وهذا كما جاء في صفة الوحي: مثل صلصلة الجرس، والصلصلة: الصوت المتدارك الذي يسمع ولا يثبت أول ما قرع السمع حتى يفهمه بعد. وقوله: (فإذا فزع عن قلوبهم) الفزع: الخوف، وباب التفعيل هنا للكشف والإزالة نحو التقشير، أي: سمعوا القول وأزيل عنهم الخوف الذي عرضهم عند إلقاء القول، وقد جاء في رواية أبي داود على ما نقله الطيبي (٢): إذا تكلم اللَّه بالوحي سمع

стр. 4389

قَالُوا: لِلَّذِي قَالَ الْحَقُّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَسَمِعَهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا، بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ". وَوَصَفَ سُفْيَانُ. . . . . ــ أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبرئيل، فإذا جاء جبرئيل فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبرئيل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق الحق، يعني سمع القول المقربون من الملائكة، فيسألهم الملائكة، ويقولون: ماذا قال ربكم؟ قال المقربون للذي قاله اللَّه تعالى وقضى وقدر (الحق)، أي: هو الحق الكائن الثابت الذي لا يبدل، وعلى هذا فالحق مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقال الطيبي (١): ويحتمل أن يكون صفة مصدر محذوف، أي: قالوا: لأجل ما قال اللَّه تعالى القول الحق، ولكن لا يكون على هذا التقدير مقول (قالوا) مذكور إلا أن يكون (قالوا) بمعنى أجابوا لأجله، ويحتمل أن يكون (للذي قال) بمعنى الجنس، والمراد الملائكة السائلون، ويقدر الفعل، أي: قالوا للسائلين: قال اللَّه القول الحق، ويفهم من بعض الحواشي أن يكون (الحق) مفعولًا به، أي: قالوا للذي قال اللَّه تعالى وقضى وقدر (الحق)، أي: عبروا عنه بلفظ (الحق). وقوله: (وهو العلي الكبير) إثبات وتأكيد لكون ما قال وقدر حقًا. وقوله: (مسترقو السمع) وهم الجن والشياطين الذين صعدوا لاستماع أخبار الملكوت ليلقوها على أوليائهم من الكهنة، ثم بين بقوله: (ومسترقو السمع هكذا) ترتيبهم وقيامهم، وفسره بقوله: (بعضه فوق بعض) على سبيل البدل، ثم (وصف سفيان) وصور بعضهم فوق بعض بأصابعه، وتوحيد الضمير في بعضه باعتبار الجنس المذكور.

стр. 4390

بِكَفِّهِ فَحَرَّفَهَا، وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، "فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢٤]. ٤٦٠١ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَّهُمْ بَيْنَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُمِيَ بِنَجْمٍ وَاسْتَنَارَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نقُولُ: وُلدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ــ وقوله: (فربما أدرك الشهاب) بالرفع والنصب على فاعل أو مفعول، والشهاب: شعلة من نار ساطعة، كذا في (القاموس) (١). وقوله: (فيقال: أليس قد قال) أي: يقول مصدق الكاهن لمن لامه على تصديقه: أليس قد قال الكاهن (يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ ) فظهر صدقه ووقوعه فكيف تنسبه إلى الكذب؟ ٤٦٠١ - [١٠] (ابن عباس) قوله: . . . . .

стр. 4391

حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِي يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَا قَالَ، فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَيَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ، فَمَا جَاؤُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيزِيدُونَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٢٩]. ٤٦٠٢ - [١١] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: خلقَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا. . . . . ــ (فيقذفون) الجن الخبر ما سمع. وقوله: (ويرمون) بلفظ المجهول، فهذا سبب رمي الكواكب لا ما زعموا. وقوله: (يقرفون) أي: يكذبون. ٤٦٠٢، ٤٦٠٣ - [١١، ١٢] (قتادة، والربيع) قوله: (خلق اللَّه هذه النجوم لثلاث) يعني أن العمدة في ذلك وما ينتفع به أهل الدين والمعرفة ما نطق به كلام اللَّه سبحانه، وأما الزوائد على ذلك فإن كان ذلك مما صحت التجربة بذلك كاختلاف الفصول، ونضج الثمار والفواكه، ونزول الأمطار، وأمثال ذلك، فلا شك أن للأجرام السماوية دخلًا في ذلك بجريان العادة وتقدير اللَّه إياه، وأما ما يخبر به المنجمون ويحكمون بالأحكام من جريان الحوادث والكائنات والسعادة والنحوسة والتقيد بأحكامها في كل حركة وسكنة، فإن اعتقدوا تأثيرها وفاعليتها حقيقة فهو كفر بلا شبهة، وإلا فبدعة وضلال مخالف لطريقة السلف من علماء الدين، ومناف لسلوك طريق التوكل والتوحيد، هذا هو القول الفصل، وهو المختار، واللَّه أعلم.

стр. 4392

بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخَطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْلَمُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. وَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ: "تَكَلَّفَ مَا لَا يَعْنِيهِ وَمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَمَا عَجَزَ عَنْ عِلْمِهِ الأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ". [خت: ك: ٥٩، ب: ٣]. ٤٦٠٣ - [١٢] وَعَنِ الرَّبِيعِ مِثْلُهُ وَزَادَ: وَاللَّهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي نَجْمٍ حَيَاةَ أَحَدٍ، وَلَا رِزْقَهُ، وَلَا مَوْتَهُ، وَإِنَّمَا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَيَتَعَلَّلُون بِالنُّجُومِ. ٤٦٠٤ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَبَسَ بَابًا مِنْ عِلْم النُّجُومِ لِغَيْرِ مَا ذَكرَ اللَّهُ، فَقَدِ اقْتبَسَ شُعبةً مِنَ السِّحْرِ، الْمُنَجِّمُ كَاهِنٌ، وَالْكَاهِنُ سَاحِرٌ، وَالسَّاحِرُ كَافِرٌ". رَوَاهُ رَزِينٌ. [أخرجه ابن ماجه: ٣٩٠٥]. ٤٦٠٥ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَمْسَكَ اللَّهُ الْقَطْرَ عَنْ عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ ثُمَّ أَرْسَلَهُ، ــ وقوله: (أخطأ) أي: ضل عن طريق الصواب، ووقع في الغلط البتة، فإن الأمر عسير جدًا. وقوله: (وأضاع نصيبه) أي: أضاع حظه من عمره، ووقع فيما لا يعنيه وما هو من ضرورة أمره من العبادة وتهذيب النفس. ٤٦٠٤ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (المنجم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر) أي: لا فرق بينهم في حكم الإثم والكذب، وفيه أن عمل السحر كفر كما هو المذهب المختار. ٤٦٠٥ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (خمس سنين) كناية عن طول الزمان، يعني

стр. 4393

لأَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: سُقِينَا بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٥٢٦]. ــ أن النوء موجود على حاله، فلم لم يقطر إلى خمس سنين؟ فعلم أن القطر بقدرة اللَّه يرسله متى شاء. وقوله: (بنوء المجدح) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح الدال المهملة وبالحاء المهملة، وهو عند العرب من أنواء المطر التي لا يكاد يخطئ، وفي (القاموس) (١): المِجْدَح: الدَبَران، أو نجم صغير بينه وبين الثريا، ومجاديح السماء: أنواؤها، وفي (الصحاح) (٢): جدحت السويق، أي: لتته، والمجدح: خشبة طرفها ذو جوانب، يجدح بها السويق. * * *

стр. 4394

(٢٤) كتاب الرؤيا

стр. 4395

(٢٤) كتاب الرؤيا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٤ - كتاب الرؤيا الرؤيا في الأصل مصدر بمعنى الرؤية، سمي به ما يرى في المنام من الصور، في (القاموس) (١): الرؤيا: ما رأيته في منامك، وهو مقصور مهموز، وقد تبدل الهمزة بالواو، وقد اختلف العقلاء في تحقيق الرؤيا لإشكال يرد هنا، وهو أن النوم ضد الإدراك، فالذي يرى فيه ما هو، فذهب جمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة إلى أنه خيال باطل. أما عند المعتزلة فلفقد شرائط الإدراك حالة النوم من المقابلة، وانبثاث الشعاع، وتوسط الهواء الشفاف إلى غير ذلك، فما يراه النائم ليس من الإدراكات في شيء، بل هي من قبيل الخيالات الفاسدة والأوهام الباطلة. وأما عند الأشاعرة إذ لم يشترطوا شيئًا من ذلك، فلأن الإدراك حالة النوم خلاف العادة، إذ لم يجر عادته تعالى بخلق الإدراك في الشخص وهو نائم، ولأن النوم ضد الإدراك فلا يجامعه، فلا تكون الرؤيا إدراكًا حقيقة، بل هي من قبيل الخيال الباطل، كذا في (المواقف) وشرحه.

стр. 4396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أقول: لعل مرادهم بكونه خيالًا فاسدًا أنه ليس بإدراك حقيقة، بل شيء مشابه به لا عدم الصحة والاعتبار بالتعبير أو بدونه؛ لأن صحة الرؤيا الصالحة وحقيقتها مجمع عليه عند أهل الحق، وقد نطق به الكتاب والسنة فكأنهم قالوا: إن الرؤيا ليس بإدراك حقيقة، بل هو خيال محض، ومع ذلك له تعبير واعتبار، وحينئذٍ كان الأصوب أن يقال: خيال محض أو نحوه مكان الفاسد أو الباطل. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني من الأشاعرة: إن رؤيا المنام إدراك حق بلا شبهة، إذ لا فرق بين ما يجده النائم من نفسه في نومه من أبصاره وسمعه وذوقه وغيرها من الإدراكات، وبين ما يجده اليقظان في يقظته من إدراكاته، فلو جاز التشكيك فيما يجده النائم لجاز التشكيك فيما يجده اليقظان، ولزم السفسطة والقدح في الأمور المعلومة بديهة، وقالوا: لم يخالف الأستاذ في كون النوم ضدًا للإدراك، لكنه زعم أن الإدراك يقوم بجزء من أجزاء الإنسان غير ما يقوم به النوم من أجزائه، فلا يلزم اجتماع الضدين في محل واحد، ولعل الأستاذ قال هذا بطريق المنع، ولهذا لم يعين الأجزاء التي يقوم بها النوم والتي يقوم بها الإدراك، والاحتمال كاف في ذلك. وقال الطيبي (١): المذهب الحق أن حقيقة الرؤيا خلق اللَّه تعالى في قلب النائم علومًا وإدراكات كما في اليقظان، وهو تعالى قادر عليه، لا اليقظة موجب له، ولا النوم مانع عن ذلك الخلق، وخلق هذه الإدراكات في النائم علامة ودليل على أمور أخر تعرضه في ثاني الحال وهي تعبيرها كالسحاب دليل على وجود المطر، انتهى. فعلى هذا الرؤيا إدراك حقيقة، وليس بين النوم والإدراك تضاد، وللحكماء تحقيق

стр. 4397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للرؤيا موقوف على بيان الحواس الباطنة وحقائقها، وليس هذا الكتاب محل ذلك، والذي يمكن أن يقال مجملًا: إن في الإنسان قوة متصرفة من شأنها التركيب والتفصيل بين الصور والمعاني بعضها مع بعض، فإن استعملها العقل يسمى متفكرًا، وإن استعمل الوهم يسمى مخيلة، وهي في عملها دائمًا من غير انقطاع يقظة ومنامًا، وللنفس الناطقة الإنسانية اتصال معنوي روحاني بعالم الملكوت وصور جميع الكائنات أزلًا وأبدًا. حاصله في الجواهر المجردة التي تسمى المبادئ العالية عندهم، وإذا حصل للنفس فراغ من الاشتغال بتدبير البدن وبما يتعلق بالعالم ارتسم فيها مما في المبادئ العالية من الصور مما يليق بها من أحوالها، وأحوال ما يقرب منها، ثم قد تليه القوة المتخيلة لما من شأنها المحاكاة والانتقال والتفصيل والتركيب صورًا قريبة أو بعيدة، تارة بالانتقال من النظير بعلاقة المماثلة، وتارة من ضد إلى ضد بعلاقة التضاد فيحتاج إلى التعبير، وقد لا يتصرف فيه المتخيلة فيؤديه كما هو بعينه، فيقع بلا حاجة إلى التعبير، وقد يرد على الحس المشترك صور من الخيال الذي هو خزانة صور المحسوسات مما ارتسم فيه في اليقظة، ولذلك من دام فكره في شيء يراه في منامه، وقد تحدث الصور من بعض الأمراض، فإن الدموي يرى في حلمه الأشياء الحمر، والصفراوي النيران، والأشقر والسوداوي الجبال والأدخنة، والبلغمي يرى المياه والألوان البيض، وهذان القسمان من قبيل أصغاث الأحلام لا يقعان ولا تعبير لهما، هذا تحقيق الفلاسفة للرؤيا، ولبعض الصوفية ممن يقول بعالم المثال تحقيق آخر مذكور في محله، وقد عمل في ذلك الولد الأعز نور الحق في هذه المسألة رسالة مفيدة جدًا، وأتى بما يوضح الحق، واللَّه أعلم.

стр. 4398

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٦٠٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٩٠]. ٤٦٠٧ - [٢] وَزَادَ مَالِكٌ بِرِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: "يَراهَا الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ ". [ط: ٢/ ٩٥٧]. ــ الفصل الأول ٤٦٠٦، ٤٦٠٧ - [١، ٢] (أبو هريرة، عطاء) قوله: (إلا المبشرات) بضم ميم وكسر شين مشددة من البشارة بضم الباء وكسرها: الخبر السار، ويقال لها بالفارسية: مزده، ويفهم من كلام بعضهم اعتبار الصدق فيه، وأما البشارة بالفتح فيفهم من (الصحاح) (١) أنه بمعنى السرور، وقال في (القاموس) (٢): البشارة والبشرى بالكسر، ويضم فيهما، وبالفتح: الجمال، وهو أبشر منه، أي: أحسن وأجمل وأسمن، ويستعمل البشارة غالبًا في الخير، وقد يستعمل في الشر نادرًا، كذا قال الطيبي (٣)، والمفهوم من (الصحاح) أن المطلق لا يستعمل إلا في الخير، واستعماله في الشر يقع مقيدًا به نحو قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] وقال بعض المفسرين: إنه بطريق الاستهزاء. وقوله: (الرؤيا الصالحة) أي: الحسنة، وقالوا: الرؤيا الحسنة على أقسام، منها

стр. 4399

٤٦٠٨ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٨٣، م: ٢٢٦٤]. ــ ما هي حسنة ظاهرًا وباطنًا كرؤية الأنبياء والأولياء والكلام معهم، أو ظاهرًا فقط كسماع الملاهي والملاعب، أو قبيح ظاهرًا وباطنًا كلدغ الحيات والعقارب، أو قبيح ظاهرًا فقط كذبح الولد، أقول: الظاهر أن العبرة في حسن الرؤيا وقبحها بتعبيرها، فإن وقع التعبير بشيء حسن فهو حسن عند الرائي، وقبيح فقبيح، فتأمل، وقد يفسر الصالحة بالصادقة، والمعنى الأول وإن كان أظهر وأوفق بمعنى المبشرات، ولكن سياق الحديث ينظر إلى المعنى الثاني؛ لأن المعتبر في النبوة هو الخبر الصادق مبشرًا كان أو منذرًا فإطلاق المبشرات بتغليب أو تجريد، والمراد المخبرات. ٤٦٠٨ - [٣] (أنس) قوله: (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) الصواب أن المراد بالصالحة هنا الصادقة كما ذكرنا، وليس هنا ما ينظر إلى كونها بمعنى الحسنة كما كان في الحديث السابق، ثم الظاهر أن المراد بالجزء ليس ما هو مصطلح أرباب المعقول حقيقة، بل المراد أن الرؤيا الصالحة من لواحق النبوة وصفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا شك أن صفات الأنبياء باقية بعدهم ويتصف بها من سواهم من الصالحين. والمقصود مدح الرؤيا وإعلاء درجتها وأنها من عالم الوحي ومشابهة له وإن لم يكن صاحبها نبيًّا كما جاء في الحديث: (السمت الحسن والتُؤَدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة) (١)، بل جميع صفات الكمال أصله ومنبعه النبوة، والتخصيص لمزيد الاختصاص والامتياز، ولا شك أنها موجودة في غير الأنبياء لأن

стр. 4400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الولاية ظل النبوة، فعلى هذا التوجيه لا يرد ما يقال: إن جزء النبوة لا يكون إلا مع النبوة، لأن الجزء وإن كان وجد بدون الكل، ولكن ليس في تلك الحالة جزءًا له إلا باعتبار ما كان وهو مجاز، فينبغي أن لا تثبت الرؤيا الصالحة لغير النبي، والحال أنها ثابتة له، وإن النبوة نسبة وصفية وكون الرؤيا الصالحة جزءًا لها لا معنى له، فما معنى كونها جزءًا منها؟ وإن النبوة قد ذهبت والرؤيا الصالحة باقية، فكيف يصح كونها جزءًا منها؟ ولا يحتاج إلى أن يجاب عن الأول بأن المراد أن الرؤيا جزء من النبوة في حق الأنبياء؛ لأنه كان يوحى إليهم في المنام مع انتقاض هذا الجواب بما جاء في الحديث الآخر منه: (أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين)، الحديث. وعن الثاني والثالث بأن المراد أن الرؤيا جزء من أجزاء علوم النبوة، وعلوم النبوة باقية كما جاء في الحديث: (ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة)، كذا قال الطيبي (١) مع أنه لا يخفى أن الرؤيا ليست جزءًا من علوم النبوة، بل من طرق علومها؛ لأن الرؤيا من طرق العلم، وبأن المراد أن الرؤيا تأتي على وفق النبوة لا أنها جزء منها حقيقة باقية بعد. وهذا الجواب اعتراف بعدم الجزئية كما قلنا مع أنه لا يظهر المراد من قولهم: إن الرؤيا تأتي على وفق النبوة، ولعل المراد أن الرب تعالى كما يخص بمحض فضله من يشاء من عباده بموهبة النبوة كذلك يخص بعض عباده بعطية الرؤيا، وفهم هذا المعنى من العبارة غير متضح، وبأن النبوة هنا بمعنى الإنباء يعني أن الرؤيا إخبار صدق لا كذب فيه، مع أن هذا المعنى أيضًا لا يناسب الجزئية ولا يثبتها، ولا يناسب اعتبار

стр. 4401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العدد المذكور في الحديث، وبأن جزء النبوة لا يكون نبوة فلا ينافي ذهاب النبوة وبقاءها، وهذا الجواب يخص بالثالث، نعم يتجه الإشكال بأنه ما وجه التخصيص بعدد ست وأربعين. والمشهور في توجيهه ما قيل: إن زمان الوحي كان ثلاثًا وعشرين سنة، وكان أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة، وذلك في ستة أشهر من سني الوحي، ونسبة ذلك إلى سائرها نسبة جزء إلى ستة وأربعين جزءًا، وتعقب عليه التُّورِبِشْتِي (١) بأن حصر سني الوحي في ثلاث عشرين مسلم، فإنه مما ورد فيه الروايات المعتد بها مع اختلاف في ذلك، وأما كون زمان الرؤيا فيها ستة أشهر، فشيء قدره هذا القائل في نفسه، ولم يساعده فيه النقل، انتهى. وهذا القول إشارة إلى اختلاف جاء في مدة إقامته ﷺ بمكة، أي: ثلاثة عشر أو خمسة عشر أو عشر، والمختار هو الأول، ويكون عليه زمان النبوة ثلاثًا وعشرين سنة، وحاصله أن كون الوحي في المنام ستة أشهر في هذه المدة مما لم يثبت، وقد قدح النووي في (شرح صحيح مسلم) (٢) في كون زمان الرؤيا ستة أشهر، وقال: لم يثبت ذلك، فالسبيل في تخصيص هذا العدد التسليم والتفويض إلى علم النبوة؛ لأن الوقوف على أمثال هذه العلوم من خواص النبوة، ولا يدرك بقياس العقل كنه حقيقتها، وكذلك حكم الأعداد في سائر المواضع مثل أعداد الركعات والتسبيحات. وقد جاء في رواية: (جزء من خمسة وأربعين)، وفي أخرى: (من أربعين)،

стр. 4402

٤٦٠٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "من رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٠، م: ٢٢٦٦]. ٤٦١٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ منْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٩٦، م: ٢٢١٧]. ــ وتوجيه خمس وأربعين أن وفاته ﷺ في أثناء السنة الثالثة بعد ستين، وتوجيه الأربعين أنه مبني على رواية أن عمره ستون سنة، والراجح المختار هو الأول، وقال الطبري: إن اختلاف العدد في الرؤيا بحسب اختلاف حال الصفاء والكدورة في الرائي، أو باعتبار الخفاء وجلاء الرؤيا، وقد جاء في رواية: (جزء من سبعين جزءًا)، والظاهر أن المراد المبالغة في تعليله وحطه من درجة النبوة لا عين العدد، واللَّه أعلم بحقيقة الحال. ٤٦٠٩ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (من رآني في المنام فقد رآني) بأي صورة رآه كما يأتي تحقيقه في شرح الحديث الآتي. ٤٦١٠ - [٥] (أبو قتادة) قوله: (فقد رأى الحق) الظاهر أنه مفعول به، أي: رأى الأمر الثابت المحقق، ويحتمل أن يكون مفعولًا مطلقًا أي: رآني الرؤيا الحق، وتذكيره باعتبار أنه مصدر في الأصل أو صفة مصدر. اعلم أن هذه الأحاديث مع تعدد طرقها واختلاف ألفاظها تدل على أن من رأى رسول اللَّه ﷺ في المنام فقد رآه، وأن رؤياه حق ثابت، وليس للكذب والبطلان حول حماه طريق، وأنه ليس للشيطان ولا ينبغي له أن يتمثل بصورته ﷺ ويلبس ويدخل في خيال الرائي أنه هو ﷺ مع أن اللَّه تعالى أقدره ومكنه من أن يتمثل بأي صورة شاء، ويلبس على الخلق ويكذب سواء كان في اليقظة أو في المنام، ولكن لم يقدره على تمثله بصورته ﷺ والكذب عليه به، هكذا جرت سنة اللَّه، ولن تجد لسنة اللَّه تبديلًا،

стр. 4403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعدّ العلماء ذلك من خصائصه ﷺ ، ومقتضاه أنه لا يجري في أحد ممن سواه ﷺ ، واللَّه أعلم. ثم اختلفوا فقال جماعة: إن محل هذه الأحاديث أن يراه في صورته الخاصة، وحليته المخصوصة التي كانت له ﷺ ، ثم إن بعضًا من هذه الجماعة وسعوا الأمر وقالوا: يراه بصورة وشكل كان ﷺ في وقت ما من مدة عمره سواء كان في الشباب أو الكهولة أو في آخر عمره، وبعضهم ضيقوا رحمة اللَّه الواسعة وقالوا: أريد أن يراه على صورة كان في آخر عمره عليها التي قبض عليها حتى اعتبروا عدد الشعرات البيض التي كانت في لحيته ورأسه ﷺ التي لم تبلغ عشرين شعرة. وعن حماد بن زيد قال: كان محمد يعني ابن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره، وسنده صحيح. وقد أخرج الحاكم (١) من طريق عاصم بن كليب حدثني. . . إلى أن قال: قلت لابن عباس: (رأيت النبي ﷺ في المنام، قال: صفه لي، قال: فذكرت الحسن بن علي ﵄ فشبهته به، قال: قد رأيته)، وسنده جيد، لكن يعارضه ما أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من رآني في المنام فقد رآني، فإني أرى في كل صورة)، وفي سنده ابن التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط. وذهب جماعة إلى أن رؤيته ﷺ بحليته المخصوصة وصفاته المعلومة رؤية لذاته

стр. 4404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكريمة، وإدراك لحقيقته الشريفة، وعلى غير تلك الصفات إدراك مثال، وكلاهما رؤيا حق ليس منه أضغاث أحلام، ولا مجال للشيطان في تمثله بصورته، لكن الأول حق وحقيقة وتحقيق، والثاني حق وتمثل وتأويل، ولا يحتاج الأول إلى التعبير لعدم تصوير المتخيلة وتلبيسه، والثاني يحتاج إليه كما حققنا في تحقيق الرؤيا، فمعنى قوله ﷺ : (فقد رآني) أو (فقد رأى الحق) أنه على كل صورة رأى فهو الحق ومن الحق، وليس بباطل ومن الشيطان. وقال الشيخ محيي الدين النووي (١): إن هذا القول أيضًا ضعيف، والصحيح أنه رآه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها، والاختلاف في الصفات لا يوجب الاختلاف في الذات كاختلاف الزمان والمكان، فالمرئي في كل صورة هو الذات، والصفة لباس الذات سواء كان في اليقظة أو في المنام. وأقول: هذا هو الحق، نعم رؤيته بالصفة المعروفة أتم وأكمل لدلالته على صقالة مرآة الرائي، وسلامة دينه، وكمال إيمانه، وبغيرها لخلل في ذات الرائي ونقصان في مرآته كما سنحققه في توضيح ما حققه الإمام الغزالي، فإنه له ﵀ تحقيقًا في هذا المقام مبنيًا على أن حقيقة الإنسان هو الروح المجردة والنفس الناطقة، والبدن آلة يوصل إدراكه إلى إدراك تلك الحقيقة، وليس معنى قوله ﷺ : (فقد رآني) أنه رأى جسمي وبدني، وإنما المراد أنه رأى مثالًا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي، والبدن في اليقظة أيضًا ليس إلا آلة لإدراك النفس، والآلة قد تكون حقيقة وقد تكون خيالية، والنفس الناطقة غير المثال الحقيقي والخيالي، فالذي رأى من شكل

стр. 4405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وصورة فهو مثال روحه المقدسة التي محل النبوة الموصوف بها لا روحه وشخصه، ومثل ذلك من يرى اللَّه تعالى وتقدس في المنام فإن ذاته تعالى منزه عن الشكل والصورة، لكن تنتهي تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره من الصور الجميلة التي تصلح أن تكون مثالًا للجمال الحقيقي المعنوي الذي لا صورة فيه ولا لون، ويكون ذلك المثال صادقًا وحقًا وواسطة في التعريف. فيقول الرائي: رأيت اللَّه في المنام لا بمعنى أني رأيت ذاته تعالى عن ذلك، وكذلك رؤية النبي ﷺ فإن ذاته المقدسة وروحه المجردة منزه عن الشكل والصورة، ولكن كان له في الحياة بدن كانت الروح متعلقة به ومدبرة فيه، وكان ذلك البدن آلة وواسطة لإدراك تلك الروح المقدسة، وبعد صيرورة ذلك البدن محجوبًا عنا ومودعًا في البقعة الشريفة من المدينة تصير الأبدان الخيالية آلات ووسائط لإدراك تلك الروح، فالمرئي ليس الروح ولا شخص البدن الموح في المدينة، لأن حضور شخص في الأماكن المتعددة المخصوصة في زمان واحد بصفات متعددة مختلفة مما لا يعقل ويتصور إلا على وجه التمثل، فالمرئي في المنامات مثالات روحه المقدسة وهي حقه ومن الحق لا مدخل فيها للبطلان والشيطان، فإن الشيطان لا يقدر على التمثل بمثاله على ما جرت سنة اللَّه تعالى، هذا خلاصة كلام الغزالي منقحًا ملخصًا. وعلى هذا التحقيق صارت حقيقة الحال واحدة، ولم يبق محل الاختلاف، وثبت أن المرئي حقيقته ﷺ لكن بالمثال، وسبب اختلاف الأمثلة مع أن المرئي ذاته وهو واحد اختلاف أحوال مرايا قلوب الرائين، فإن لاختلاف أحوال المرايا في الصقالة والكدرة والاستقامة والاعوجاج وأمثالها مدخلًا في اختلاف أحوال الصور والأشكال المرئية فيها في الحسن والجمال والاستقامة والاعوجاج لاختلاف أحوال المرايا في

стр. 4406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصقالة والكدرة والاستقامة والاعوجاج وأمثالها، فمن رآه في صورة حسنة كما هي فهو من صقالة مرآة قلبه وسلامتها من الخلل على حسب التفاوت فيها، ومن رأى على خلاف ذلك فذلك من خلل ونقصان واقع فيها، وكذلك من رآه راضيًا أو ساخطًا أو ضاحكًا أو باكيًا أو شابًّا أو شيخًا إلى غير ذلك من الاختلافات، فتلك من اختلاف أحواله في نفسه، وليس في الذات اختلاف وتعدد، ففي رؤيته ﷺ ضابطة مفيدة للسالكين يعرفون بها أحوال بواطنهم وقلوبهم في التصفية حتى يعرفوا إلى أيّ حد وصلوا، وأيّ مقام حصلوا، فيعالجوها في التصفية، بل حقيقته ﷺ مرآة مصقلة مثورة يرون صور أحوالهم فيها. وعلى هذا المعنى يحمل ما وقع في كلام بعض العرفاء أنه قال: رأيت النبي ﷺ كذا وكذا مرة في المنام، فتحققت آخرًا أنه ما رأيت إلا نفسي، فإن هذا الكلام ليس بمعنى أن رؤيته ﷺ خيال محض، ولا يرى كل أحد إلا متخيلة، حاشا من ذلك، بل معناه أن المرئي حقيقته، ولكن مرآة أحوال الرائي ومعيار معرفتها، وعلى هذا القياس قال أهل التحقيق: إذا سمع كلام من النبي ﷺ عرض على شريعته المطهرة، فإن وافقها فقد صح وإلا فذلك لخلل في سمعه، كما نقل عن بعض الفقراء أنه رأى في المنام أنه ﷺ قال له: اشرب الخمر، فتمحل له تأويلات، فعرضه على بعض مشايخ زمانه فقال: إنما قال النبي ﷺ : لا تشرب الخمر فأخطأ سمعك وسمعت: اشرب، مكان: لا تشرب، هذا الكلام في رؤيته ﷺ في المنام. أما في اليقظة فقد حكي في ذلك حكايات الصالحين كثيرة بالغة حد التواتر، والمنكر لهذا إما أن يصدق بكرامة الأولياء أو لا، فان كان الثاني فقد سقط البحث معه لأنه يكذب ما أثبته الكتاب والسنة، وإن كان الأول يقال له: إن هذه منها، وعلى ما حققنا

стр. 4407

٤٦١١ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "من رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٩٣، م: ٢٢٦٦]. ــ ظهر أن ذلك أيضًا بالمثال، لكنه في اليقظة، وقالوا: إنه لا يخلو عن طريان نوع من الغيبة في الذكر، واللَّه أعلم. ٤٦١١ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) ذكروا لهذا الحديث محامل وتأويلات، أحدها: أنه يرى تأويل تلك الرؤيا وتصديقها، يعني تكون لها آثار وأنوار يراها في اليقظة في الدنيا، ثانيها: أن المراد رؤيته ﷺ في الآخرة، وتعقب أن الأمة بأجمعهم يرونه ﷺ في الآخرة، فما وجه التخصيص بأهل الرؤيا إلا أن تكون الرؤية بمزيد خصوصيته وحصول مزيته في حصول القرب والشفاعة لرفع الدرجات لا يحصل لمن لم يتشرف برؤيته في الدنيا، ولا يبعد أن بعض العصاة الساقطين في ورطة الغفلة يعذبون بالمنع عن رؤية جماله الشريف، فبشر من فاز بهذه السعادة في الدنيا بعدم ابتلائه بهذا العذاب هكذا قالوا. ثالثها: أن المراد من يراني في المنام فكأنما يراني في اليقظة، والمقصود بيان صحة الرؤيا وحقانيتها بلا شك وريب، ولا يخفى أن إرادة هذا المعنى من عبارة (فسيراني في اليقظة) في غاية البعد، ولكن ورود هذا الحديث في بعض الروايات بلفظ: (فكأنما يراني في اليقظة) يؤيد هذه الإرادة. رابعها: أن هذه بشارة لأهل عصره ومن لم يهاجر إليه ﷺ بأنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أن يراه بعد ذلك في اليقظة، ويهاجر ويتشرف بصحبته، وأوحى اللَّه ذلك إليه. خامسها: أن هذه بشارة لمن شرفه اللَّه برؤيته في المنام أن يوصله إلى درجة

стр. 4408

٤٦١٢ - [٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ، فَلَا يُحَدِّثُ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، ــ يراه في اليقظة عيانًا كما هو حال بعض العارفين من أهل الخصوص، وذلك عند ارتفاع الكدورات النفسانية وقطع العلائق الجسمانية. وقال صاحب (المواهب اللدنية) (١): وحمل هذا الحديث ابن أبي جمرة على محمل آخر، فذكر عن ابن عباس: أنه رأى النبي ﷺ في النوم فبقي بعد أن استيقظ متفكرًا في هذا الحديث، فدخل على بعض أمهات المؤمنين -لعلها خالته ميمونة واللَّه أعلم- فأخرجت المرآة التي كانت للنبي ﷺ ، فنظر فيها صورة النبي ﷺ ولم ير صورة نفسه، فالمراد أنه يراه في اليقظة في المرآة التي كانت إن أمكنه ذلك، وقال الحافظ ابن حجر (٢): وهذا من أبعد المحامل، انتهى. ٤٦١٢ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (الرؤيا الصالحة) أي: الحسنة الصادقة (من اللَّه) أي: بشارة منه تعالى وعلامة على لطفه ورحمته على عبده، (والحلم) أي: الرؤيا القبيحة الكاذبة (من الشيطان) أي: واقعة على رضاه وهواه، وإن كان كلاهما صادر بخلقه وقدرته تعالى، والمراد أن الرؤيا الصالحة بشارة من جانب الرب تعالى لعبده حتى يبعثه على حسن ظنه به تعالى وإكثار شكره، ويوجبه مزيد شوق وطلب، والحلم يلعبه الشيطان ليحزن المسلم وبسيء ظنه بربه تعالى، ويفتر سعيه في سلوك طريق الحق، واللَّه أعلم. وقوله: (فلا يحدث) بالرفع والجزم، وقوله: (إلا من يحب) ليعبرها أحسن

стр. 4409

وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفُلْ ثَلَاثًا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٩٢، م: ٢٢٦١]. ٤٦١٣ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِه ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٦١]. ٤٦١٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ يَكَدْ يَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ، ــ تعبير مما يحسنه لا بما يسوؤه. ٤٦١٣ - [٨] (جابر) قوله: (فليبصق عن يساره) ذكر في هذا الحديث البصق، وفي الحديث السابق التفل، والبصق: إخراج ماء الفم من داخله حتى يخرج منه شيء من الحلق، وقد تبدل الصاد بالزاي، وما يخرج هو البصاق والبزاق، وبعد البصق التفل معه شيء من ماء الفم، وبعده النفث وهو نفخ معه شيء مع ماء الشفة، وبعده النفخ ليس معه شيء من الماء، ثم قيد في هذا الحديث بجانب اليسار، ولعل التخصيص هذا الجانب بعلاقة الدنائة والخساسة، ونسبته إلى الشر أنسب بالشيطان وطرده. وقوله: (وليتحول عن جنبه الذي كان عليه) تغييرًا للحال المكروهة، وهو إذا اضطجع على وجه السنة يكون الجنب الأيمن، ويتحول إلى الأيسر ويتفل عنه ثلاثًا، ويمكن أنه كان اضطجع على وجه السنة، ثم تحول إلى الأيسر، فإن السنة إنما هو الاضطجاء ابتداء فيتفل عن الأيسر ثم يتحول، فليتدبر. ٤٦١٤ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (إذا اقترب الزمان لم يكد يكذب رؤيا المؤمن) الحديث، فيه أقوال: أحدها: أن المراد باقتراب الزمان آخر الزمان واقتراب الساعة؛

стр. 4410

وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، ــ لأن الشيء إذا قل وتقاصر تقاربت أطرافه، ومنه قيل للقصير: متقارب، وجاء في حديث آخر صريحًا: (لم يكد يكذب رؤيا المؤمن في آخر الزمان)، وسمعت من بعض مشايخي أن المراد اقتراب زمان الموت. وثانيها: أن المراد زمان استواء الليل والنهار؛ لأن الأمزجة في هذا الزمان أصح وأعدل، فتكون الرؤيا سالمة عن الخلل والتخليط. وثالثها: أن المراد بتقارب الزمان أن تكون السنة كالشهر، والشهر كالأسبوع، والأسبوع كاليوم، واليوم كالساعة، ووقع في الحديث: (الشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم)، والمراد بها الأسبوع، وذلك أيضًا يكون في آخر الزمان لذهاب الخير والبركة ورفاهية الحال فيه، وقيل: بل يكون في زمان المهدي وبسطة عدله لأنه زمان حسن العيش والنعم والراحة، وهو وإن امتد وطال يرى قصيرًا بخلاف زمان الهم والغم ونكد العيش، فإنه وإن قصر وقل يرى ممتدًا طويلًا، ففي زمن المهدي تجيء الرؤيا الصادقة لأنه زمان الصدق، وقد جاء في الحديث: (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا). وقال بعض الشراح: إن اقتراب الزمان كناية عن قصر العمر وقلة البركة، أو المراد تقارب أهل الزمان في الشر والفساد، أو تقارب أجزء الزمان وتشابههما في الشر، أو انقراض زمن الدول والقرون وانقطاعه، فيتقارب أزمانها، ولا يخفى أن سياق الحديث ناظر إلى أن صدق الرؤيا عند اقتراب الزمان من جهة قوة الإيمان وكماله بغلبة الصدق والسداد، فتوجيه تقارب الزمان بالتقارب في الشر والفساد لا يناسبه إلا أن يقال: إن صدق الرؤيا في ذلك الزمان بخاصية لا نعلمها ولا يحيط علمنا بذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (ورؤيا المؤمن جزء. . . إلخ)، قد يختلج هنا أن هذا يدل على كون رؤيا المؤمن مطلقًا لا يكذب، وقد علقه باقتراب الزمان، ولا بد أن يكون ذلك علة

стр. 4411

وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُكَذَّبُ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: وَأَنَا أَقُولُ: الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: حَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ، وَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيقُمْ فَلْيُصَلِّ، قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ الْغُلَّ فِي النَّوْمِ. . . . . ــ ولم يظهر ذلك في بعض الوجوه، فالأحسن التفويض إلى علم الشارع وعدم إحاطة علومنا بذلك، فتدبر، وسيأتي ذكر هذه اللفظة في الفصل الأول من (كتاب الفتن). ثم لما علم من الحديث صحة الرؤيا وصدقها أورد كلامًا من ابن سيرين، وقد أعطي ﵁ حظًّا وافرًا من علم تعبير الرؤيا لبيان أقسام الرؤيا، وأشار به إلى أن جميع أقسام الرؤيا ليس بصحيحة وقابلة للتعبير والاعتبار إلا قسم منها هو بشارة وإعلام وتعريف من الحق تعالى للعبد، والمراد بقول ابن سيرين: (وأنا أقول) أي: أروي مما ورد من قول النبي ﷺ ، فإنه قد ورد ذلك في الأحاديث. وقوله: (فلا يقصه على أحد) لأنه لما لم يكن له تعبير واعتبار، فحكايته وقصته عبث مما لا يعنيه، وأيضًا إن قصه ويعبره السامع بتعبير يسوؤه يلزم التوهم والتطير، ويوقعه في الوسواس مع أن للتعبير خاصية في الوقوع كما سيأتي، فالأصل أن لا يقصه على أحد وإن كان لا بد أن يقصه فليقصه على من يحبه كما مرّ في الحديث السابق. وقوله: (قال: وكان يكره الغل في النوم) الغل بضم الغين المعجمة: الطوق في العنق، واعلم أن في ضمير (قال: وكان يكره) احتمالات، أحدها: أن ضمير (قال) لابن سيرين كما هو ظاهر العبارة بالنظر إلى قوله: (قال محمد بن سيرين)، وعلى هذا التقدير ضمير (كان يكره) للنبي ﷺ ، والمعنى قال ابن سيرين: كان النبي ﷺ يكره رؤية الغل في المنام؛ لأنه من صفات أهل جهنم كما قال: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾

стр. 4412

وَيُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ، وَيُقَالُ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠١٧، م: ٢٢٦٣]. ــ [غافر: ٧١] وثانيها: أن ضمير (قال) لابن سيرين، (وكان يكره) لأبي هريرة، وابن سيرين راو عنه، ومشهور بروايته عنه حتى ذكر في أصول الحديث أنه إذا قيل: قال محمد فهو ابن سيرين عن أبي هريرة، أي: قال ابن سيرين: وكان أبو هريرة يكره الغل، والظاهر أن أبا هريرة سمعه من النبي ﷺ وعبره باجتهاده. وثالثها: أن ضمير (قال) للراوي عن ابن سيرين، و (كان يكره) لابن سيرين، يعني كان ابن سيرين يكره الغل في النوم، ولعله كان لهذا الاحتمال لاستلزامه إسناد التعبير إلى ابن سيرين وهو المشهور بتأويل الرؤيا وتعبيرها نوع رجحان. وقوله: (ويعجبهم القيد) هكذا جاء في رواية البخاري بصيغة الجمع، فعلى الاحتمال الأول الضمير راجع إلى النبي ﷺ وأصحابه، وعلى الثاني لأبي هريرة وأتباعه، وعلى الثالث لابن سيرين ومعاصريه من المعبرين، فافهم. وقوله: (ويقال: القيد ثبات في الدين) وعلامة الكف عن القبائح والمعاصي، وثبات القدم على الطاعات، وهذا التعبير يكون بالنسبة إلى أهل الدين والطاعة، وقالوا: إذا رأى القيد في الرجلين وهو في مسجد أو مشهد خير أو على حالة حسنة فهو دليل لثباته في ذلك، ولو رآه مريض أو مسجون أو مسافر أو مكروب كان دليلا على ثباته فيه، كذا نقل الطيبي (١). أقول: وهكذا يختلف تعبير الرؤيا باختلاف الرائي، مثلًا: إذا رأى تاجر أنه جالس على السفينة وتهب الرياح الموافقة فهو علامة السلامة في السفر والربح في التجارة،

стр. 4413

٤٦١٥ - [١٠] قَالَ البُخَارِيُّ: رَوَاهُ قَتَادَةُ وَيُونُسُ وَهُشَيْمٌ وَأَبُو هِلَالٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ يُونُسُ: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقَيْدِ. وَقَالَ مُسْلِمٌ: لَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ؟ وَفِي رِوَايَةٍ نَحْوُهُ. . . . . ــ وإذا رآه أحد من سالكي طريق الآخرة فتعبيره اتباع الشريعة والوصول إلى مقام الحقيقة. ٤٦١٥ - [١٠] قوله: (قال البخاري. . . إلخ)، بيان لما اختلف فيه الشيخان في هذا الحديث، فالبخاري رواه عن هؤلاء المذكورين عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفًا، وذكر عن واحد منهم وهو يونس بن عبيد أن الحديث مرفوع في القيد، أي في قولهم: ويعجبهم القيد، والقيد ثبات في الدين، وليس موقوفًا على أبي هريرة ولا على ابن سيرين. وقوله: (و [قال] مسلم) روى الحديث عن أيوب السختياني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بهذا اللفظ قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا ثلاث، فالرؤيا الصالحة بشرى من اللَّه، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس، قال: وأحب القيد، وأكره الغل، والقيد ثبات في الدين) فلا أدري أهو في الحديث أم قاله ابن سيرين، إلى هنا لفظ مسلم، ولا يخفى ما في حديثه وحديث البخاري من المخالفات، وأن قوله: (والرؤيا ثلاث) لا تصريح فيه بكونه قول ابن سيرين إلا أن

стр. 4414

وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: وَأَكْرَهُ الْغُلَّ. . . إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ. ٤٦١٦ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٦٨]. ٤٦١٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، ــ يجعل قوله: فلا أدري أهو في الحديث أم قاله ابن سيرين إشارة إلى مجموع قوله: والرؤيا ثلاث. . . إلى آخر الحديث، ثم في رواية أخرى لمسلم عن أيوب وهشام بهذا الإسناد، وقال أبو هريرة ﵁: فيعجبني القيد وأكره الغل، والقيد ثبات في الدين، وقال النبي ﷺ : (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)، وفي رواية أخرى عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وأدرج في الحديث قوله: وأكره الغل. . . إلى تمام الكلام، ولم يذكر الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، هذه ألفاظ مسلم في الأحاديث الثلاثة، وبهذا ظهر أن الضمير في (أدرج) و (قوله) لابن سيرين أو لأبي هريرة، وظهر أيضًا تحقيق حال الضمائر في (قال: وكان يكره) فتدبر، واللَّه الموفق. ٤٦١٦ - [١١] (جابر) قوله: (وقال: إذا لعب الشيطان بأحدكم) قيل: قد علم النبي ﷺ بوحي أو بدلالة أخرى أن رؤيا هذا الرجل من أضغاث أحلام، وإلا فالمعبرون قد عبروا قطع الرأس بزوال النعمة ومفارقة القوم، وتغير الحال وأمثاله، وسيجيء مثل هذا في مواضع أخر كتعبير السوارين بالكذابين، واللَّه أعلم. ٤٦١٧ - [١٢] (أنس) قوله: (في دار عقبة بن رافع) قرشي صحابي ابن خالة

стр. 4415

فَأُوتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٧٠]. ٤٦١٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ. . . . . ــ عمرو بن العاص، و (ابن طاب) كان رجلًا بالمدينة ينسب إليه هذا النوع من الرطب بأن أنشأه وغرسه أو كان يعجبه أكله أو غير ذلك، واللَّه أعلم. ويقال: رطب ابن طاب وعذق ابن طاب وتمر ابن طاب. وقوله: (أن الرفعة) أخذها من لفظ رافع، (والعاقبة) أخذها من لفظ عقبة، (وأن ديننا قد طاب) وفي رواية: قد أرطب وطاب، أخذًا من رطب ابن طاب، وقد كان [من] عادته الكريمة التفاؤل بالأسماء، ولم يخص ذلك بتعبير الرؤيا بل كان يأخذ في اليقظة أيضًا كما ذكر سابقًا من قصة بريدة الأسلمي في الفصل الثاني من (باب الفأل والطيرة) في حديث بريدة. ٤٦١٨ - [١٣] (أبو موسى) قوله: (فذهب وهلي) أي: وهمي، الوهل: الوهم وزنًا ومعنى، يقال: وهل إلى الشيء يهل وهلًا: ذهب وهمه إليه، واعلم أنهم قد ذكروا أنه ﷺ لما أمر بالمهاجرة من مكة أري في منامه أولًا موضعًا ذات نخيل، وكان يتطرق إليه الاشتراك والاشتباه بمواضع متعددة لما أنه في أرض الحجاز مواضع من هذا القبيل، أحدها (اليمامة) بفتح الياء وخفة الميم، وهي قرية دون المدينة في وسط الشرق عن مكة على ست عشرة مرحلة من البصرة، وعن الكوفة نحوها، والنسبة يمامي، ويمامة: جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، وبلاد الجو منسوبة إليها سميت باسمها، وكانت أكثر نخيلًا من سائر بلاد الحجاز، وبها تنبأ مسيلمة الكذاب،
следующие страницы →