وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُكَذَّبُ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: وَأَنَا أَقُولُ: الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: حَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ، وَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيقُمْ فَلْيُصَلِّ، قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ الْغُلَّ فِي النَّوْمِ. . . . .
ــ
ولم يظهر ذلك في بعض الوجوه، فالأحسن التفويض إلى علم الشارع وعدم إحاطة علومنا بذلك، فتدبر، وسيأتي ذكر هذه اللفظة في الفصل الأول من (كتاب الفتن).
ثم لما علم من الحديث صحة الرؤيا وصدقها أورد كلامًا من ابن سيرين، وقد أعطي ﵁ حظًّا وافرًا من علم تعبير الرؤيا لبيان أقسام الرؤيا، وأشار به إلى أن جميع أقسام الرؤيا ليس بصحيحة وقابلة للتعبير والاعتبار إلا قسم منها هو بشارة وإعلام وتعريف من الحق تعالى للعبد، والمراد بقول ابن سيرين: (وأنا أقول) أي: أروي مما ورد من قول النبي ﷺ ، فإنه قد ورد ذلك في الأحاديث.
وقوله: (فلا يقصه على أحد) لأنه لما لم يكن له تعبير واعتبار، فحكايته وقصته عبث مما لا يعنيه، وأيضًا إن قصه ويعبره السامع بتعبير يسوؤه يلزم التوهم والتطير، ويوقعه في الوسواس مع أن للتعبير خاصية في الوقوع كما سيأتي، فالأصل أن لا يقصه على أحد وإن كان لا بد أن يقصه فليقصه على من يحبه كما مرّ في الحديث السابق.
وقوله: (قال: وكان يكره الغل في النوم) الغل بضم الغين المعجمة: الطوق في العنق، واعلم أن في ضمير (قال: وكان يكره) احتمالات، أحدها: أن ضمير (قال) لابن سيرين كما هو ظاهر العبارة بالنظر إلى قوله: (قال محمد بن سيرين)، وعلى هذا التقدير ضمير (كان يكره) للنبي ﷺ ، والمعنى قال ابن سيرين: كان النبي ﷺ يكره رؤية الغل في المنام؛ لأنه من صفات أهل جهنم كما قال: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾
стр. 4412
وَيُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ، وَيُقَالُ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠١٧، م: ٢٢٦٣].
ــ
[غافر: ٧١] وثانيها: أن ضمير (قال) لابن سيرين، (وكان يكره) لأبي هريرة، وابن سيرين راو عنه، ومشهور بروايته عنه حتى ذكر في أصول الحديث أنه إذا قيل: قال محمد فهو ابن سيرين عن أبي هريرة، أي: قال ابن سيرين: وكان أبو هريرة يكره الغل، والظاهر أن أبا هريرة سمعه من النبي ﷺ وعبره باجتهاده.
وثالثها: أن ضمير (قال) للراوي عن ابن سيرين، و (كان يكره) لابن سيرين، يعني كان ابن سيرين يكره الغل في النوم، ولعله كان لهذا الاحتمال لاستلزامه إسناد التعبير إلى ابن سيرين وهو المشهور بتأويل الرؤيا وتعبيرها نوع رجحان.
وقوله: (ويعجبهم القيد) هكذا جاء في رواية البخاري بصيغة الجمع، فعلى الاحتمال الأول الضمير راجع إلى النبي ﷺ وأصحابه، وعلى الثاني لأبي هريرة وأتباعه، وعلى الثالث لابن سيرين ومعاصريه من المعبرين، فافهم.
وقوله: (ويقال: القيد ثبات في الدين) وعلامة الكف عن القبائح والمعاصي، وثبات القدم على الطاعات، وهذا التعبير يكون بالنسبة إلى أهل الدين والطاعة، وقالوا: إذا رأى القيد في الرجلين وهو في مسجد أو مشهد خير أو على حالة حسنة فهو دليل لثباته في ذلك، ولو رآه مريض أو مسجون أو مسافر أو مكروب كان دليلا على ثباته فيه، كذا نقل الطيبي (١).
أقول: وهكذا يختلف تعبير الرؤيا باختلاف الرائي، مثلًا: إذا رأى تاجر أنه جالس على السفينة وتهب الرياح الموافقة فهو علامة السلامة في السفر والربح في التجارة،
стр. 4413
٤٦١٥ - [١٠] قَالَ البُخَارِيُّ: رَوَاهُ قَتَادَةُ وَيُونُسُ وَهُشَيْمٌ وَأَبُو هِلَالٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ يُونُسُ: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقَيْدِ.
وَقَالَ مُسْلِمٌ: لَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ؟ وَفِي رِوَايَةٍ نَحْوُهُ. . . . .
ــ
وإذا رآه أحد من سالكي طريق الآخرة فتعبيره اتباع الشريعة والوصول إلى مقام الحقيقة.
٤٦١٥ - [١٠] قوله: (قال البخاري. . . إلخ)، بيان لما اختلف فيه الشيخان في هذا الحديث، فالبخاري رواه عن هؤلاء المذكورين عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفًا، وذكر عن واحد منهم وهو يونس بن عبيد أن الحديث مرفوع في القيد، أي في قولهم: ويعجبهم القيد، والقيد ثبات في الدين، وليس موقوفًا على أبي هريرة ولا على ابن سيرين.
وقوله: (و [قال] مسلم) روى الحديث عن أيوب السختياني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بهذا اللفظ قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا ثلاث، فالرؤيا الصالحة بشرى من اللَّه، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس، قال: وأحب القيد، وأكره الغل، والقيد ثبات في الدين) فلا أدري أهو في الحديث أم قاله ابن سيرين، إلى هنا لفظ مسلم، ولا يخفى ما في حديثه وحديث البخاري من المخالفات، وأن قوله: (والرؤيا ثلاث) لا تصريح فيه بكونه قول ابن سيرين إلا أن
стр. 4414
وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: وَأَكْرَهُ الْغُلَّ. . . إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ.
٤٦١٦ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٦٨].
٤٦١٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ،
ــ
يجعل قوله: فلا أدري أهو في الحديث أم قاله ابن سيرين إشارة إلى مجموع قوله: والرؤيا ثلاث. . . إلى آخر الحديث، ثم في رواية أخرى لمسلم عن أيوب وهشام بهذا الإسناد، وقال أبو هريرة ﵁: فيعجبني القيد وأكره الغل، والقيد ثبات في الدين، وقال النبي ﷺ : (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)، وفي رواية أخرى عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وأدرج في الحديث قوله: وأكره الغل. . . إلى تمام الكلام، ولم يذكر الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، هذه ألفاظ مسلم في الأحاديث الثلاثة، وبهذا ظهر أن الضمير في (أدرج) و (قوله) لابن سيرين أو لأبي هريرة، وظهر أيضًا تحقيق حال الضمائر في (قال: وكان يكره) فتدبر، واللَّه الموفق.
٤٦١٦ - [١١] (جابر) قوله: (وقال: إذا لعب الشيطان بأحدكم) قيل: قد علم النبي ﷺ بوحي أو بدلالة أخرى أن رؤيا هذا الرجل من أضغاث أحلام، وإلا فالمعبرون قد عبروا قطع الرأس بزوال النعمة ومفارقة القوم، وتغير الحال وأمثاله، وسيجيء مثل هذا في مواضع أخر كتعبير السوارين بالكذابين، واللَّه أعلم.
٤٦١٧ - [١٢] (أنس) قوله: (في دار عقبة بن رافع) قرشي صحابي ابن خالة
стр. 4415
فَأُوتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٧٠].
٤٦١٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ. . . . .
ــ
عمرو بن العاص، و (ابن طاب) كان رجلًا بالمدينة ينسب إليه هذا النوع من الرطب بأن أنشأه وغرسه أو كان يعجبه أكله أو غير ذلك، واللَّه أعلم. ويقال: رطب ابن طاب وعذق ابن طاب وتمر ابن طاب.
وقوله: (أن الرفعة) أخذها من لفظ رافع، (والعاقبة) أخذها من لفظ عقبة، (وأن ديننا قد طاب) وفي رواية: قد أرطب وطاب، أخذًا من رطب ابن طاب، وقد كان [من] عادته الكريمة التفاؤل بالأسماء، ولم يخص ذلك بتعبير الرؤيا بل كان يأخذ في اليقظة أيضًا كما ذكر سابقًا من قصة بريدة الأسلمي في الفصل الثاني من (باب الفأل والطيرة) في حديث بريدة.
٤٦١٨ - [١٣] (أبو موسى) قوله: (فذهب وهلي) أي: وهمي، الوهل: الوهم وزنًا ومعنى، يقال: وهل إلى الشيء يهل وهلًا: ذهب وهمه إليه، واعلم أنهم قد ذكروا أنه ﷺ لما أمر بالمهاجرة من مكة أري في منامه أولًا موضعًا ذات نخيل، وكان يتطرق إليه الاشتراك والاشتباه بمواضع متعددة لما أنه في أرض الحجاز مواضع من هذا القبيل، أحدها (اليمامة) بفتح الياء وخفة الميم، وهي قرية دون المدينة في وسط الشرق عن مكة على ست عشرة مرحلة من البصرة، وعن الكوفة نحوها، والنسبة يمامي، ويمامة: جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، وبلاد الجو منسوبة إليها سميت باسمها، وكانت أكثر نخيلًا من سائر بلاد الحجاز، وبها تنبأ مسيلمة الكذاب،
стр. 4416
أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ. وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ: أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ،
ــ
والأخرى (هجر) بفتح الهاء والجيم، بلد باليمن بينه وبين عَثَّرَ يوم وليلة، مذكر مصروف، وقد يؤنث ويمنع، وهو اسم أرض البحرين كلها، وهو الذي وقع في حديث القلتين: (إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر) كما مرّ في (كتاب الطهارة). وفي (الصحاح) (١): اسم بلد ينسب إليه التمر.
ثم لما اتضح الأمر وخلصت الأمارات وارتفع الاشتباه تعين أن مهاجره المدينة التي كان اسمها في الجاهلية يثرب وأثرب على وزن مسجد، يقال: إن يثرب اسم لواحد من ولد نوح ﵇ توطن في هذه الأرض بعد تفرق ذريته، وقد ذهب جماعة من العلماء إلى المنع من تسمية المدينة بيثرب، وأخرج البخاري في (تاريخه) حديثًا: (أن من قال: يثرب مرة، فعليه أن يقول: مدينة عشر مرات تلافيًا لما صدر عنه من الخطيئة) (٢)، وروى أحمد وأبو يعلى: (أن من قال للمدينة: يثرب استغفر، اسمها طابة طابة) (٣)، وقد جاء في هذا الباب روايات أخر، قالوا: ووجه الكراهة اشتقاقه من ثرب محركًا بمعنى الفساد أو من التثريب بمعنى المؤاخذة والعقاب، أو أنه لما كان في الأصل اسم كافر كره تسميتها به تنزيهًا لساحة غير هذه البلدة المطهرة من دنس الشرك والكفر، وما وقع في القرآن المجيد: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] فهو من لسان المنافقين.
стр. 4417
ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٢٢، م: ٢٢٧٢].
ــ
وقد وقع في بعض الأحاديث تسمية يثرب، فقيل: إن ذلك قبل ورود النهي، وهذا الحديث أيضًا يحتمله، أو لبيان أصل الجواز، والنهي تنزيهي، والمدينة في الأصل اسم لبيوت مجتمعة جاوزت في الكثرة والعمارة حد القرية، ولم يبلغ حد المصر، فالمصر فوق الكل، والقرية تحت الكل، والبلد والمدينة بينهما في مرتبة واحدة، وبعضهم جعلوا المصر والمدينة في مرتبة، والمدينة بالألف واللام علم لمدينة رسول اللَّه ﷺ غلب عليه كالنجم، والنسبة إليها مدني، وإلى غيرها مديني.
قال الجوهري (١): إذا نسبت إلى مدينة النبي ﷺ قلت: مدني، وإلى مدينة المنصور مديني، وإلى مدائن كسرى مدائني، وقال الحافظ المقدسي: قال البخاري: المديني من أقام بمدينة رسول اللَّه ﷺ ولم يفارقها، والمدني هو الذي تحول عنها، كذا ذكر الكرماني، ولهذه البلدة الشريفة أسماء تجاوز المئة، وقد ذكرنا نبذة منها في كتاب (جذب القلوب إلى ديار المحبوب).
وقوله: (فإذا هو ما جاء اللَّه به من الفتح واجتماع المؤمنين) المراد هو ما حصل من الفتح في ذلك اليوم؛ لأن المسلمين تزلزلوا عن مركزهم الذي أمرهم رسول اللَّه ﷺ الثبات فيه، وضربوا على الغنائم، ثم رجعوا إلى الاستقامة فظهرت آثار الفتح والنصرة، ويحتمل أن يكون المراد ما حصل من الفتوح بعد يوم أحد، فافهم.
واعلم أن هذه الرؤيا إن كانت قبيل غزوة أحد فما رأى أحوال الهجرة والخروج، لها أحوال سابقة عليها أريت له ﷺ الآن، وإن كانت في بدء الهجرة أريت
стр. 4418
٤٦١٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي كَفَّيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبُ صَنْعَاءَ وَصَاحِبُ الْيَمَامَةِ".
ــ
له أحوال لاحقة ظهرت بعدها، وتعيين تعبيرها بغزوة أحد موكول إلى علمه وتعليم اللَّه إياه في تعبيره، فإن التعبيرات النبوية بوحي أو إلهام كما أشرنا إليه، ولهذا عبر السيف بالمؤمنين من المهاجرين والأنصار، وإن كانت للسيف تعبيرات أخر عند المعبرين كالولد، والأخ، والزوجة، واللسان، والولاية وأمثالها كما ذكره الطيبي (١)، وكذلك تعبيره ﷺ السوارين بالكذابين في الحديث الآتي كما سنبينه.
٤٦١٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فوضع في كفي) الرواية بإفراد الكف، وقال الطيبي (٢): الظاهر بلفظ التثنية كما جاء في الرواية الأخرى: (في يدَيَّ)، وصرح النووي أنها بلفظ التثنية، فبالقياس عليها يكون في هذه الرواية أيضًا بلفظ التثنية، ولا يخفى أن الرواية لا تثبت بالقياس، ثم رؤية السوارين من ذهب لعلها لانهماك الكذابين في زينة الدنيا وشدة كراهة أمرهما وغلظته، والنفخ لاستحقار شأنهما وعدم ثبات أمرهما كالشيء الخفيف والتافه ينفخ ويطير في الهواء ويزول.
و(صنعاء) بلد من بلاد اليمن، وصاحبه الأسود العنسي بفتح العين وسكون النون ادعى النبوة في آخر عهد رسول اللَّه ﷺ فقتله فيروز الديلمي في مرض وفاة رسول اللَّه ﷺ ، فأخبر به رسول اللَّه ﷺ وقال: فاز فيروز، و (اليمامة) بلد من بلاد حجاز
стр. 4419
وَفِي رِوَايَةٍ: "يُقَالُ: أَحَدُهُمَا مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، وَالْعَنْسِيُّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ"، لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ". وَذَكَرهَا صَاحِبُ "الْجَامِعِ" عَنِ التِّرْمِذِيِّ. [خ: ٤٣٧٤، م: ٢٢٧٤، ت: ٢٢٩٢].
٤٦٢٠ - [١٥] وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "ذَلِكَ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٠١٨].
ــ
كما عرفت، وصاحبه مسيلمة الكذاب على صيغة التصغير كان اسمه مسلمة بفتح الميم وسكون السين وفتح اللام صغره المسلمون، قتل على يد وحشي بن حرب في خلافة الصديق ﵁، وقصته مشهورة.
ثم قالوا في تأويل السوارين بهذين الكذابين: إن السوار مشابه بالقيد لليد كما يكون للرجل، والقيد يمنع اليد من الأخذ والبطش والعمل والتصرف كما ينبغي، فالكذابان لما عارضا أمر رسول اللَّه ﷺ شابها القيد في المنع عن العمل والتصرف كأنهما أخذا يديه ولم يتركا أن يعمل بهما ويتصرف، كذا قالوا، وهذا وجه مناسبة ذكروه بعد وقوع التعبير بهما، وليس أنه ﷺ عبر بهما أخذًا بهذه المناسبة، بل تعبيره ﷺ بوحي أو إلهام وقع في قلبه الشريف، هكذا ينبغي أن يفهم، وقد أشرنا إليه مرارًا، وفي الحقيقة: التعبير لا يصلح إلا لأهل الكشف الذين يطلعون على حقيقة الأمر لا بمجرد المناسبة يذكرونها أهل التعبير في الظاهر كما ذكر أهل التحقيق.
٤٦٢٠ - [١٥] (أم العلاء الأنصارية) قوله: (ذلك عمله يجرى له) بلفظ المجهول من الإجراء أو المعلوم من الجري، وتشبيه العمل بالعين في الجريان وبقاء أثره وجزائه ظاهر، وسمعت الشيخ الجليل الكبير ولي اللَّه عبد الوهاب المتقي يقول: رأيت شيخي
стр. 4420
٤٦٢١ - [١٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ " قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ. فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: "هَلْ رَأَى مِنْكُمْ أَحَدٌ رُؤْيَا؟ " قُلْنَا: لَا، قَالَ: "لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدَيَّ، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَإِذَا رَجُل جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِه كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ، يُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ فَيَشُقُّهُ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ،
ــ
الشيخ علي المتقي رحمة اللَّه عليه في المنام، فإذا عنده حياض صغار وكبار، وجداول، وأنهار فيشير إليها، ويقول: هذا الجامع الكبير، وهذا الجامع الصغير، وهذا رسالتي فلانة، وهذا كتابي فلان، يعد كتبه ورسائله المصنفة في علوم الدين.
٤٦٢١ - [١٦] (سمرة بن جندب) قوله: (إلى أرض مقدسة) في بعض الحواشي: أن المراد أرض الشام، والظاهر من تنكيرها الإطلاق، وأن التوصيف بالمقدسة للمدح، و (الكلوب) بفتح الكاف وتشديد اللام المضمومة: حديدة معوجة الرأس له شعب تعلق بها اللحم، وجمعه كلاليب، يجذب به الشيء بشدة، و (الشدق) بكسر الشين وسكون الدال المهملة: طرف الشفة من جانب الأذن، وفي (الصراح) (١): شدق بالكسر: كنج دهن أشداق جماعت، انتهى. ومنه التشدق، وفي صفته ﷺ : (يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه) (٢) وهي جوانب الفم، وذلك لرحب شدقيه، والعرب
стр. 4421
فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ يَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ، كَمَا كَانَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا إِلَى ثَقْبٍ (١) مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلَهُ وَاسِعٌ،
ــ
تمتدح به، وأما حديث: (أبغضكم الثرثارون المتشدقون)، فهم المتوسعون في الكلام بلا احتياط، والمتكلفون المتصنعون المتكلمون على أفواههم تفاصحًا وتعظيمًا لنطقهم، وقيل: أراد به المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم، و (الفهر) بكسر الفاء وسكون الهاء: حجر ملأ الكف، وقيل: هو الحجر مطلقًا، وفي (القاموس) (٢): الفهر، بالكسر: الحجر قدر ما يُدَقُّ به الجَوْزُ أو ما يملأ الكف، يذكر ويؤنث، انتهى.
وفي الحديث: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، جاءت امرأته، وفي يدها فهر (٣)، أي: حجر ملأ الكف.
وقوله: (أو صخرة) شك من الراوي، و (الشدخ) الكسر، وفي (الصحاح) (٤): كسر الرأس، من باب منع، وفي (النهاية) (٥): كسر الشيء الأجوف، و (تدهده) بمعنى تدحرج، و (الثقب) بفتح المثلثة وسكون القاف، وفي رواية: (نقب) بفتح النون،
стр. 4422
تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نارٌ فَإِذَا ارْتَقَتْ (١) ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسْطِ النَّهَرِ، وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ،
ــ
وكلاهما بمعنى، كذا يفهم من (الصحاح) (٢)، وفي (القاموس) (٣): الثقب بالثاء: الخرق النافذ، وقال: النقب بالنون: الثقب، وفي الحواشي بعلامة (المغرب): الثقب بالثاء: الخرق النافذ، وإنما يقال هذا فيما يقل ويصغر، وأما نقب الحائط ونحوه بالنون فذلك فيما يعظم.
وقوله: (فإذا ارتفعت) أي: اشتعلت وارتفعت.
وقوله: (فارتفعوا) أي: أهله الداخلون فيه، يفهم من المقام.
وقوله: (حتى كاد أن يخرجوا) كاد تامة أو الخبر محذوف، أي: كاد خروجهم يتحقق.
وقوله: (على وسط النهر) صححه الوسط بفتح السين وسكونها، والسكون أظهر.
وقوله: (بين يديه حجارة) جمع حجر، كذا في (القاموس) (٤).
стр. 4423
فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ وَإِذَا رَجُل قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ، بَيْنَ يَدَيْهِ نارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي دَارًا وَسْطَ الشَّجَرَةِ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا، فَصَعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ مِنْهَا، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، فَقُلْتُ لَهُمَا: إِنَّكُمَا قَدْ طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ،
ــ
وقوله: (فجعل كلما جاء) جعل من أفعال المقاربة، وحقه أن يكون خبره فعلًا مضارعًا، فما جاء على خلافه فهو على خلاف الأصل، و (الروضة) موضع يستنقع فيه الماء، والروضة البستان في غاية النضارة، وفي (الكشاف) (١): كل أرض ذات نبات وماء، وفي (القاموس) (٢): الروضة والريضة، بالكسر من الرمل والعشب: مُسْتَنْقَعُ الماء، لاستراضة الماء فيها، وفي (الصراح) (٣): روضة: مرغزار.
و(الشباب) بفتح الشين وخفة الموحدة جمع شاب، وفي الحديث: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) (٤).
وقوله: (طوفتماني) بالنون وبالباء.
стр. 4424
يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ، حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنعُ بِهِ مَا تَرَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّقْبِ (١) فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا، وَالشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ -وَفِي رِوَايَةٍ: مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ- قَالَا: ذَلِكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي،
ــ
وقوله: (فنام عنه بالليل ولم يعمل بما فيه بالنهار) لا يذهب عليك أن العمل بالقرآن واجب بالليل والنهار، وأن تلاوة القرآن بالليل عمل به، ولكن لما كانت السنة في الليل العمل به بتلاوته خصها بالليل، والعمل بأحكام أمر القرآن بالنهار باعتبار الغلبة، فافهم.
وقوله: (فهم الزناة) لعله عبر الواقعين في التنور بالزناة لاحتراقهم بنار الشهوة ووقوعهم فيها.
وقوله: (آكل الربا) يأكل الحجر مكان أكل الربا، و (الربابة) بفتح الراء وخفة الموحدتين في آخره تاء: السحاب المتراكم الذي ركب بعضها بعضًا، وقيل: السحابة البيضاء، فالبيضاء صفة مؤكدة.
وقوله: (دعاني) دعا تثنية (دع) أمر بمعنى أتركاني.
стр. 4425
قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوِ (١) اسْتَكْمَلْتَهُ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَذَكرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ فِي "بَابُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ". [خ: ٧٠٤٨].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٦٢٢ - [١٧] عَنْ أَبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا، فَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ". وَأَحْسِبُهُ قَالَ: "لَا تُحَدِّثْ إِلَّا حَبِيبًا. . . . .
ــ
الفصل الثاني
٤٦٢٢ - [١٧] (أبو رزين العقيلي) قوله: (على رجل طائر) كناية عن السقوط وعدم الاستقرار، والعرب تقول في أمر لم يتقرر وهو في محل السقوط: هو على رجل طائر، فإن الطير في غالب أحواله لا يستقر، فكيف ما يكون على رجله، أي: لا يستقر الرؤيا قرارها، ولا يعتبر بها، ولا يقع ما لم يحدث بها، فإذا حدث بها وعبرت استقرت ووقعت كما عبرت، فلا ينبغي أن يحدث برؤيا يتوهم ضررها لو وقعت.
وقوله: (وأحسبه قال) الظاهر أن هذا قول أبي رزين، والضمير المنصوب في (أحسبه) والمرفوع في (قال) للنبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون قول راوي أبي رزين، والضميران له.
وقوله: (لا تحدث) وفي بعض النسخ بزيادة (بها).
وقوله: (إلا حبيبًا) لتحمله المحبة على التعبير بالخير وما يسره، والعداوة تحمل
стр. 4426
أَوْ لَبِيبًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ (١): "الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرَ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ". وَأَحْسِبُهُ قَالَ: "وَلَا تَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ". [ت: ٢٢٧٨، ٢٢٧٩].
ــ
على التعبير بالمكروه وما يسوؤه، (أو لبيبًا) حتى يصرفها بقوة الفكر وإعمال الروية إلى جانب الخير، وبما يدفع توهم الضرر، وكلمة (أو) إما للشك من الراوي، وإن كان للتنويع فلا يخلو عن شيء؛ لأنها تدل على أن أحد الوصفين كاف، والظاهر أن المحبة وحدها مع عدم اللب غير كاف، وكذا اللب مع عدم المحبة، بل لا بد من اجتماعهما، اللهم إلا أن يكون المراد لا يحدث إلا حبيبًا يكون حبه معلومًا عنده وتيقن به، وإن لم يكن حبه معلومًا ولا عداوته لا بد أن يكون لبيبًا ليصرف بقوة الفكر إلى الخير، وأما على تقدير الجزم بالعداوة فلا يفيد اللب، وهذا التوجيه لا يخلو عن خفاء ودقة، والحمل على الشك أسلم وأظهر، وعلى تقدير الحمل عليه يمكن لنا اعتبار أحد الوصفين في الآخر وانضمامه معه، فليفهم.
وقوله: (وفي رواية لأبي داود قال: الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت) الحديث، مضمون هذه الرواية هو مضمون الرواية الأولى، ولا فرق بينهما إلا أن في الأولى رتب الوقوع على التحديث، وفي الثانية على التعبير، والظاهر أن في الأولى أيضًا التعبير معتبر كما أشرنا إليه في أثناء التقرير؛ لأن النهي عن التحديث إلا مع الحبيب أو اللبيب يدل على ذلك، وذكر في هذه الرواية (الواد) مكان الحبيب، والود والحب واحد، وكذلك اللبيب وذو رأي.
стр. 4427
٤٦٢٣ - [١٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن وَرَقَةَ. فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: إِنَّهُ كَانَ قَدْ صَدَّقَكَ، وَلَكِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُرِيتُهُ فِي الْمَنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذَلِكَ". . . . .
ــ
وجاء في بعض الروايات: (الرؤيا لأول عابر وهي على رجل طائر) الحديث، يعني إذا كانت الرؤيا محتملة لتعبيرات متعددة فحدث بها لأحد وعبر على أحد الاحتمالات، ثم ذكر للآخر وعبر على احتمال آخر، فالمعتبر هو التعبير الأول ويقع على حسبه، وهنا إشكال يوردونه وهو أن وقوع جميع الأشياء بقضاء اللَّه وقدره، فما وجه كتمان الرؤيا في السقوط وتعبيرها في الوقوع؟
والجواب أن هذا أيضًا بقضاء اللَّه وقدره، فما هو حكم الدعاء والصدقة وسائر الأسباب حكمه ولا إشكال.
٤٦٢٣ - [١٨] (عائشة) قوله: (سئل رسول اللَّه ﷺ عن ورقة) هو ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى بن قصي، ابن عم أم المؤمنين خديجة بن خويلد بن أسد، وذكره في (أسد الغابة) (١) في الصحابة وقال: اختلف في إسلامه، ثم أورد هذا الحديث بعينه دليلًا على إسلامه، ثم إن عائشة ﵂ روت هذا الحديث سماعًا من غيرها؛ لأنها لم تكن حينئذ عند النبي ﷺ ، فالحاصل أنه قد سئل النبي ﷺ عن حال ورقة أهو مؤمن أم لا؟ فقالت خديجة: كلامًا بين بين، رعاية لحال ابن عمها، وأدبًا مع رسول اللَّه ﷺ ، الأول منهما ناظرًا إلى إيمانه وهو قولها: (إنه قد صدقك) أي: إجمالًا، والثاني إلى التوقف وهو قولها: (ولكن مات قبل أن تظهر) يعني أنه لم يدرك زمان دعوتك ليصدقك
стр. 4428
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٦/ ٦٥، ت: ٢٢٨٨].
٤٦٢٤ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي خُزَيْمَةَ ﵃: أَنَّهُ رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى جَبْهَةِ النَّبِيِّ ﷺ فأَخْبَرَهُ، فَاضْطَجَعَ لَهُ وَقَالَ: "صَدِّقْ رُؤْيَاكَ" فَسَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ: كَأَنَّ مِيزَانًا نزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فِي "بَابِ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄". [شرح السنة: ١٢/ ٢٢٥].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٦٢٥ - [٢٠] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يَكْثُرُ أَنْ يَقُولَ لِأصْحَابِهِ: "هَلْ رَأَى أَحَد مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟ " فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ (١) شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ: . . . . .
ــ
فيما تجيء به من عند اللَّه تفصيلًا، ويأتي بالأعمال على موجب شريعتك، فأخبر ﷺ أنه من أهل الجنة فثبت إيمانه، والحمد للَّه.
٤٦٢٤ - [١٩] (ابن خزيمة بن ثابت) قوله: (صدق رؤياك) فيه دليل على استحباب العمل بمقتضى الرؤيا في اليقظة إن كان من جنس الطاعة كما إذا رأى أنه صام أو صلى أو تصدق أو زار صالحًا وأمثال ذلك، كذا قال الطيبي (٢).
الفصل الثالث
٤٦٢٥ - [٢٠] (سمرة بن جندب) قوله: (مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم) وضع (ما) موضع (من)؛ لأنه أعم، أو بإرادة الصفة كما في قوله
стр. 4429
"إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا". وَذَكَرَ مِثْلَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَصْلِ الأَوَّلِ بِطُولِهِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: "فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتِمَةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ، وإذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ. قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا مَا هَؤُلَاءِ؟ " قَالَ: "قَالَا لِيَ: . . . . .
ــ
تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، وفيه تفخيم له، ويكثر من الإكثار، و (أن يقول) مفعوله، وإن كان من الكثرة فهو فاعله، و (هل رأى) مقول القول، وكلام الطيبي (١) مخصوص بكونه من الكثرة، لكن كونه من الإكثار أقوى رواية، فتدبر.
وقوله: (وإنهما ابتعثاني) بعثه وابتعثه بمعنى، و (معتمة) بضم ميم وسكون مهملة وكسر مثناة وتخفيف ميم، مشتق من العتمة بمعنى شدة الظلام، ووصف (الروضة) بها لشدة الخضرة، وروي بفتح المثناة وتشديد الميم أيضًا، وقال الطيبي (٢): أي طويلة النبات، يقال: اعتم النبت: إذا طال.
وقوله: (من أكثر ولدان رأيتهم قط) كلمة (قط) جاءت هنا لتأكيد المثبت، وقد جاء في (صحيح البخاري) (٣) في الكسوف: (أطول صلاة قط)، وفي (سنن أبي داود) (٤): وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا قط، فعلم أن مجيء (قط) بعد المثبت لغة، والمشهور بين النحاة أنها مخصوصة بتأكيد النفي.
стр. 4430
انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ، لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَا أَحْسَنَ". قَالَ: "قَالَا لِيَ: ارْقَ فِيهَا". قَالَ: "فَارْتَقَيْنَا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ، وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ، شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ". قَالَ: "قَالَا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ"، قَالَ: "وَإِذَا نَهرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ فِي الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا،
ــ
وقد تنبه لذلك بعض النحاة، فجعل القاعدة أكثرية، وقد نص بذلك في (التسهيل)، وقال: وربما يستعمل بدون نفي تارة لفظًا ومعنى، وتارة لفظًا لا معنى، ومثل لذلك في شرحه للأول بقول بعض الصحابة: فقصرنا الصلاة في السفر مع النبي ﷺ أكثر ما كنا قط وآمنه (١)، وللثاني بما جاء في الحديث: أن أبيًّا قال: كم يرى سورة الأحزاب؟ فقال عبد اللَّه: ثلاثًا وسبعين، فقال: قط (٢)، أي: ما كانت قط، وبعضهم أول لفظ الحديث وقال: تقديره، أي: إذا حول الرجل ولدان ما رأيت ولدًا قط أكثر منهم، يشهد له قوله: (لم أر روضة قط أعظم منها).
وقوله: (بلبن ذهب) بفتح اللام وكسر الباء، واحدة لبنة، ويقال بكسر لام وسكون باء.
وقوله: (شطر من خلقهم) أي: نصف بدن كل واحد منهم.
стр. 4431
فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ". وَذَكَرَ فِي تَفْسِير هَذِه الزِّيَادَة: "وَأَما الرَّجلُ الطويلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ". قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكينَ، وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ قَدْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٤٠].
٤٦٢٦ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٢٦].
٤٦٢٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالأَسْحَارِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٢٧٤، دي: ٢/ ١٦٩].
ــ
قوله: (فقعوا) قعوا أمر من وقع يقع كقوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]، و (المحض) اللبن الخالص.
وقوله: (وأولاد المشركين) أي: منهم أو لا؟ فلم يعلم حالهم يقينًا.
٤٦٢٦ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (من أفرى الفرى) بكسر الفاء جمع فرية، وهي الكذبة، أي: من أكذب الكذبات (أن يرى الرجل عينيه ما لم تريا) أي: وصفهما بالرؤية، والمقصود الكذب في الرؤيا، وقد ورد الوعيد على الكذب في الرؤيا في الأحاديث.
٤٦٢٧ - [٢٢] (أبو سعيد) قوله: (أصدق الرؤيا بالأسحار) لكون السحر محل نزول الرحمة وصحة المزاج وصفاء الوقت والحال.
стр. 4432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تم (كتاب الرؤيا) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الآداب).
تم بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد السابع ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد الثامن وأوله: (كتاب الآداب).
وصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
* * *
стр. 4433
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
للخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)
تأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي
عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي
المولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى
تحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي
طبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان
ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة
المجلد الثامن
دار النوادر
стр. 4434
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4435
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
(٨)
стр. 4436
دار النوادر
المؤسس والمالك نور الدين طالب
مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.
سوريا - دمشق - الحلبوني:
ص. ب: ٣٤٣٠٦
جميع الحقوق محفوظة للمحقق
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
E-mail: info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com
شركات شقيقة
دار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
دار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)
دار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند
الهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١
الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١
البريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com
стр. 4437
(٢٥) كتاب الآداب
стр. 4438
(٢٥) كتاب الآداب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٥ - كتاب الآداب
قال الطيبي (١): الأدب اسم يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، وتركيبه يدل على الجمع والدعاء، ومنه الأدب، بمعنى جمع الناس إلى الطعام ودعائهم إليه، وقيل للصنيع: مأدبة، كما قيل له: مدعاة، ومنه الأديب؛ لأنه يأدِبُ الناس إلى المحامد، [أي]: يدعوهم إليها، وفي (القاموس) (٢): الأدب: حسن التناول، أَدُب كَحَسُنَ، أدَبًا، فهو أديب، والجمع أُدباء، وأدَّبه: علمه، فتأدّب واستأدب، والأدب بالفتح: العجب.
وفي (الصراح) (٣): أدب بفتحتين: فرهنكَـ ونكَاه داشت حد هر جيز، ويقال: أدب الرجل يأدب بالضم فهو أديب، وأدبته فتأدب.
وقال السيوطي: الأدب استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وقيل: الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع الحسنات، وقيل: تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك، ويقال: إنه مأخوذ من المأدَبة، وهي الدعوة إلى الطعام، سمي بذلك لأنه يدعى إليه،
стр. 4439
١ - باب السلام
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٦٢٨ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتهِ،
ــ
وفي (مجمع البحار) (١): الأدب: حسن الأخلاق، انتهى.
١ - باب السلام
هو اسم من التسليم بمعنى السلامة والبراءة من النقائص والعيوب، واسم من أسماء اللَّه تعالى، وقيل: التسليم مشتق من اسم اللَّه السلام، لسلامته من العيب والنقص، ومعنى قولهم: السلام عليك: أن اللَّه مطلع عليك فلا تغفل، أو اسم اللَّه عليك، أي: أنت في حفظه، كما يقال: اللَّه معك، وقيل: اسم السلام عليك إذا كان اسم اللَّه يذكر على الأعمال توقعًا لاجتماع معاني الخيرات فيه، وانتفاء عوارض الفساد عنه، وقيل: أي سلمت مني فاجعلني أسلم منك، من السلامة بمعنى السلم، أي: المصالحة، شرع هذا في ابتداء الإسلام لتمييز المسلم من الكافر فلا يتعرض له.
الفصل الأول
٤٦٢٨ - [١] (أبو هريرة) قوله: (خلق اللَّه آدم على صورته) اختلف العلماء، فمنهم من أمسك عن تأويله، قال: هو من حديث الصفات فتمسك عن تأويلها، ومنهم من أوله فقال: الصورة بمعنى الصفة كما يقال: صورة المسألة هكذا، أي: خلقه مظهرًا لصفاته وجعله موصوفًا بصفات هي آثار صفاته الكريمة، أو الإضافة للتشريف، كبيت اللَّه وروح اللَّه، وقيل: الضمير لآدم، أي: خلقه أول أمره بشرًا سويًّا بطول ستين،
стр. 4440
طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: . . . . .
ــ
لا كغيره نطفة في الأطوار فصبيًا فرجلًا، أو على صورته التي لا يشاركه [فيها] نوع آخر من الحيوانات؛ فإنه يوصف مرة بالعلم، ومرة بالجهل، ومرة بالاجتباء، ومرة بالعصيان، والظاهر أن الصورة على هذا الوجه بمعنى الصفة، أو على الصورة الخاصة التي أبدعها، وجعلها نسخة جامعة من جملة المخلوقات، إذ ما من مخلوق إلا وله مثال في صورته، ولهذا قيل: هو عالم صغيرٌ.
ويمكن أن تكون الصورة على هذا التقدير أيضًا بمعنى الصفة، يعني خلقه على صفات جامعة لصفات العالم كله، أو الصورة بمعنى الأمر والشأن في كونه مسجود الملائكة، مالكًا للحيوانات، مسخرًا لها، وقيل: الضمير للأخ في قوله: (إذا ضرب أحدكم أخاه فليجتنب الوجه)، وجاء في رواية أخرى: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يضرب وجه غلام، فقال: (لا تضرب الوجه؛ فإن اللَّه تعالى خلق آدم على صورته)، كأنه قيل هذا المضروب من أولاد آدم فاجتنبوا ضرب أشرف أجزائه؛ إذ أكثر الحواس فيه، ويضعف هذين الوجهين أنه قد جاء في حديث آخر: (خلق آدم على صورة الرحمن)، وقيل: لم يثبت هذا عند المحدثين، واللَّه أعلم.
وقوله: (طوله ستون ذراعًا) أي: هذا أنسب بجعل الضمير (لآدم) المفيد لكونه مخلوقًا من أول أمره كما هو، فيكون كالبيان لخلقه على صورته، وأما على تقدير كون الضمير للَّه يكون بيانًا لوصف آخر له بعد ذكر كونه مخلوقًا على صفته تعالى، وأما على تقدير كون الضمير للأخ؛ فلا يخلو ربطه بما قبله عن بعد، وإنما خص بيان الطول بالذكر لكونه مما لا يتعارف بخلاف سائر صفاته التي كانت عليها.
وفي (القاموس) (١): الذراع بالكسر: من طرف المرفق إلى طرف الأصبع
стр. 4441
اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ -وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ- فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَذَهَبَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، قَالَ: "فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ". . . . .
ــ
الوسطى، ويعلم بالمقايسة إليه حال العرض أيضًا مجملًا.
وقوله: (وهم نفر من الملائكة) النفر: رهط من الناس من الثلاثة إلى العشرة؛ فإما أن يكون المراد هنا أيضًا هذا العدد، ويكون الملائكة الجالسون هذا المقدار، أو يكون المراد مطلق الجماعة وإن كانوا أكثر، واللَّه أعلم.
ثم الظاهر أن هذا من كلام النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون من كلام اللَّه تعالى بيانًا للمشار إليهم، وسيجيء في الفصل الثالث مثل هذه العبارة المحتملة للوجهين، لكن الاحتمالين هناك يتساويان وهنا الراجح أحدهما، فافهم.
وقوله: (ما يحيونك): (ما) موصولة، ويحتمل أن تكون استفهامية، وفي أكثر الأصول بالحاء المهملة والياء المشددة، وفي بعضها: (يجيبونك) بالجيم والياء التحتانية والموحدة، من الجواب، والتحية: السلام، وهي (تفعلة) من الحياة بمعنى الإحياء والتبقية، حيّاه، أي: أحياه وعمّره، ويجيء التحية بمعنى الملك والبقاء، وبالكل فسر في (التحيات للَّه تعالى).
وقوله: (ذريتك) الذرية مشتق من الذر بمعنى البث والنشر، جمعه الذراري، ومنه: الذرة للنملة.
وقوله: (فزادوه ورحمة اللَّه) زيادة (ورحمة اللَّه) مستحب في ردِّ السلام، وقد جاء زيادة (وبركاته) أيضًا، وورد في بعض الروايات (ومغفرته) أيضًا كما يجيء في الفصل الثاني.
стр. 4442
قَالَ: "فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الآنَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٢٧، م: ٢٨٤١].
٤٦٢٩ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتُقْرِئُ السَّلَامَ. . . . .
ــ
وقوله: (فكل من يدخل الجنة) إلى آخر الحديث؛ فيه تقديم وتأخير في البيان، أي: خلق اللَّه آدم وطوله ستون ذراعًا، وكانت ذريته كذلك، ثم لم يزل أولاده ينقص بعده حتى الآن، فلما أدخلوا الجنة أعيدوا إلى ما كان أبوهم عليه من طول القامة والحسن والجمال، أي: كلهم على هذه الهيئة، وأما الجهنميون فضرس أحدهم مثل أحد على أقبح شكل وأفظعه، نعوذ باللَّه منها.
٤٦٢٩ - [٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (أي الإسلام) أي: أيّ أحكام الإسلام وآدابه.
وقوله: (تطعم الطعام وتقرأ السلام. . . إلخ)، خبران في معنى الأمر، والأظهر بحسب المعنى أن يكونا بتقدير (أن)، وهو إشارة إلى السخاوة والتواضع؛ فإنهما أصل حمايد الصفات وعمدة الخصائل التي تجب رعايتها بالنسبة إلى الخلق وتعاملهم.
وقال الطيبي (١): ولعل تخصيصهما من جهة المناسبة بحال السائل، ولذلك أسندهما إليه بلفظ الخطاب، انتهى.
والدليل على ذلك أنه قد أجاب في أحاديث أخر بخصائل أخر مثل: (الصلاة بالليل والناس نيام)، ونحو ذلك.
و(تقرئ) بضم التاء وكسر الراء من الإقراء، وقد يقرأ: (تقرأ) بفتح التاء والراء
стр. 4443
عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٣٦، م: ٣٩].
٤٦٣٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ: يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ،
ــ
من القراءة، ومعناه ظاهر، والصحيح الفصيح هو الأول كما جاء في الأحاديث مثل: (اللَّه يقرئك السلام) وغيره، ويقال: أَقْرِئْ فلانًا السلام، واقرأ ﵇، كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده، وقيل: إن كان بالكتابة فمن الإقراء، وإن كان بالكلام فمن القراءة، وقد سبق مثل هذا.
وقوله: (على من عرفت ومن لم تعرف) وهو معنى ما جاء في حديث آخر: (أفشوا السلام)، ويحتمل أن يكون ذلك بمعنى إظهار لفظه حتى يسمع المسلم عليه، وكذلك حكم الرد، وفي الحديث إشارة إلى أن السلام من حق الإسلام دون الصحبة، وكذلك حكم العيادة هو نحوها كما يأتي في الحديث الآتي.
٤٦٣٠ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (للمؤمن على المؤمن) لما كانت هذه الأشياء سنة مؤكدة أو مستحبة متأكدة الاستحباب أدخل حرف (على) المفيدة في الظاهر الوجوب مبالغة وتأكيدًا.
وقوله: (يعوده إذا مرض) من العود، وفي (القاموس) (١): العود: الرجوع، والصرف، والرد، وزيارة المريض، كالعياد والعيادة، والعواد بالضم، والمريض معود، انتهى.
ولعله إنما سميت عيادة لرجوع العائد إلى المريض، أو لأنه يعود ويكررها.
стр. 4444
وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ، ويُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ"، لَمْ أَجِدْهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَلَا فِي كتَابِ "الْحُمَيْدِيِّ"، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ صَاحِبُ "الْجَامِع" بِرِوَايَة النَّسَائِيِّ. [ن: ١٩٣٨].
ــ
وقوله: (ويشهده إذا مات) أي: صلاة الجنازة وتشييعها والدفن.
وقوله: (ويجيبه إذا دعاه) أي: للطعام إن لم يكن هنا مانع من بدعة ومنة ومفاخرة وغير ذلك كما عرف في موضعه.
وقوله: (ويسلم عليه إذا لقيه) ولم يقل: ويرد عليه إذا سلم؛ لأن ذلك واجب لازم للسلام.
وقوله: (ويشمته إذا عطس) التشميت بالشين والسين: جواب العاطس، وأصل التشميت بالمعجمة: إزالة الشماتة، فاستعمل للدعاء بالخير لتضمنه ذلك، ومعناه: جنّبك اللَّه تعالى الشماتة وأبعدك عما يشمت به عليك، والمعنى في ذلك أن العطاس علامة صحة المزاج وقوته، ففيه إزالة شماتة الأعداء، وقيل: مشتق من الشوامت بمعنى القوائم، كأنه دعا بالثبات على الطاعة.
والتسميت بالمهملة معناه جعلك اللَّه على سمت حسن، وسيجيء ذكره وذكر أحكامه في (باب العطاس والتثاؤب).
وقوله: (وينصح له إذا غاب أو شهد) أي: يريد به خيرًا حاضرًا وغائبًا، يقال: نصحته ونصحت له، وهو باللام أفصح، والنصح: إرادة الخير، وهو في الأصل الخلوص، والناصح: العسل الخالص، كذا في (القاموس) (١).
стр. 4445
٤٦٣١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُموهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٤].
٤٦٣٢ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٣٢، م: ٢١٦].
٤٦٣٣ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٣٠].
ــ
وفي (الصحاح) (١): قال الأصمعي: الناصح: الخالص من العسل وغيره مثل ناصع، وكل شيء خلص فقد نصح، والتوبة النصوح: الصادقة، وهو أن لا يرجع إلى ما تاب عنه، أو لا ينوي الرجوع.
٤٦٣١ - [٤] (وعنه) قوله: (ولا تؤمنوا) الظاهر إثبات النون، وهكذا وجد في بعض الأصول، وفي بعضها بحذف النون للمجانسة والازدواج.
٤٦٣٢ - [٥] (وعنه) قوله: (يسلم الراكب على الماشي) أي: ينبغي له أن يفعل ذلك، وإن ابتدأ الماشي فله الفضل.
٤٦٣٣ - [٦] (وعنه) قوله: (يسلم الصغير على الكبير. . . إلخ)، قالوا: هذا إذا تلاقى اثنان، أما الوارد فيبدأ بالسلام سواء كان كبيرًا أو صغيرًا.
стр. 4446
٤٦٣٤ - [٧] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٤٨٠، م: ٢١٦٨].
٤٦٣٥ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٦٧].
٤٦٣٦ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٥٧، م: ٢١٦٤].
٤٦٣٧ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكتابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٥٨، م: ٢١٦٣].
ــ
٤٦٣٤ - [٧] (أنس) قوله: (مرّ على غلمان فسلم عليهم) فيه غاية التواضع والشفقة على الأمة منه ﷺ ، وتعليم أن التسليم على المار.
٤٦٣٥ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام) مفهومه جواز الرد، ويجيء طريقه في الأحاديث الآتية، وجاء في بعض الروايات زيادة: (وهداك اللَّه).
وقوله: (فاضطروه إلى أضيقه) أي: اغلبوه حتى يضطر إلى التنحي من وسط الطريق إلى طرفه، وفي بعض الحواشي: مروه ليعدل عن الوسط إلى طرفيه.
٤٦٣٦ - [٩] (ابن عمر) قوله: (السَّام عليك) أي: الموت.
٤٦٣٧ - [١٠] (أنس) قوله: (فقولوا: وعليكم) جاءت الروايات بضمير الواحد والجمع، وبإثبات الواو وحذفها، فقيل: المختار حذفها؛ لئلا يلزم المشاركة فيما
٤٦٣٩ - [١٢] وَعَن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٥٤، م: ١٧٩٨].
٤٦٤٠ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: "فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ"، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى. . . . .
ــ
٤٦٣٩ - [١٢] (أسامة بن زيد) قوله: (من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود) قال الطيبي (١): (عبدة الأوثان) بدل من (المشركين)، وكذا قوله: (اليهود)، وجعلهم مشركين إما لقولهم: عزير ابن اللَّه، وإما للتغليب، أقوال. ويراد بالمشركين الكافرون، أو يعطف اليهود على المشركين، وإبدال عبدة الأوثان من المشركين للإشارة إلى أن مشركي العرب لم يكونوا إلا المشركين في العبادة دون الوجود والخلق.
وقوله: (فسلّم عليهم) وقصد التسليم على المسلمين.
٤٦٤٠ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ما لنا من مجالسنا بد) في (القاموس) (٢): بدده تبديدًا: فرقه، ولا بد: لا فراق ولا محالة.
وقوله: (إلا المجلس) في أكثر النسخ المصححة بكسر اللام، وهو الظاهر، وفي بعض الحواشي أنه بفتح اللام، مصدر ميمي.
стр. 4449
وَرَدُّ السَّلَام، والأَمرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٢٩، م: ٢١٢١].
٤٦٤١ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: "وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِيبَ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ هَكَذَا. [د: ٤٨١٦].
٤٦٤٢ - [١٥] وَعَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: "وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ، وَتَهْدُوا الضَّالَّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِيْبَ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَكَذَا، وَلَمْ أَجَدْهُمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ". [د: ٤٨١٧].
ــ
وقوله: (ورد السلام) إنما قال: رد السلام بناء على السنة أن يسلم الماشي على القاعد.
وقوله: (والأمر بالمعروف) أي: ما عرف في الشرع وجوده وحسنه، و (المنكر) ما لم يعرف فيه وجوده وحسنه.
٤٦٤١ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (رواه أبو داود عقيب حديث الخدري هكذا) يعني أنه روى ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن أبي هريرة مع زيادة: (وإرشاد السبيل).
٤٦٤٢ - [١٥] (عمر) قوله: (وتغيثوا الملهوف) أي: المظلوم المكروب، وفي (القاموس) (١): الملهوف واللهيف واللهفان واللاهف: المظلوم المضطر يستغيث ويتحسر، وهو عطف على (وإرشاد) بتقدير (أن)، وإرشاد السبيل أعمّ من هداية الضال.
стр. 4450
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٦٤٣ - [١٦] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ بِالْمَعْرُوفِ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَتْبَعُ جِنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ، وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٧٣٦، دي: ٢/ ٢٧٦].
٤٦٤٤ - [١٧] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَشْرٌ". ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: "عِشْرُونَ"، ثم جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: "ثَلَاثُونَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٦٨٩، د: ٥١٩٥].
ــ
الفصل الثاني
٤٦٤٣ - [١٦] (علي) قوله: (بالمعروف) أي: ملتبسة بالمعروف، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى (من).
وقوله: (ويتبع جنازته) وهو إنما يكون بعد الصلاة، فكأنها مذكورة في ضمنها، أو يقال: الصلاة واجبة، واتباع الجنازة من حسن الخلق، وزيادة في أداء حقه، ولذلك خصه بالذكر.
٤٦٤٤ - [١٧] (عمران بن حصين) قوله: (عشر) أي: له بذلك عشر حسنات، وفي الحديث استحباب أن يسلم بلفظ الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحدًا؛ لتقريره ﷺ إياه.