٤٦٣٩ - [١٢] وَعَن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٥٤، م: ١٧٩٨].
٤٦٤٠ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: "فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ"، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى. . . . .
ــ
٤٦٣٩ - [١٢] (أسامة بن زيد) قوله: (من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود) قال الطيبي (١): (عبدة الأوثان) بدل من (المشركين)، وكذا قوله: (اليهود)، وجعلهم مشركين إما لقولهم: عزير ابن اللَّه، وإما للتغليب، أقوال. ويراد بالمشركين الكافرون، أو يعطف اليهود على المشركين، وإبدال عبدة الأوثان من المشركين للإشارة إلى أن مشركي العرب لم يكونوا إلا المشركين في العبادة دون الوجود والخلق.
وقوله: (فسلّم عليهم) وقصد التسليم على المسلمين.
٤٦٤٠ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ما لنا من مجالسنا بد) في (القاموس) (٢): بدده تبديدًا: فرقه، ولا بد: لا فراق ولا محالة.
وقوله: (إلا المجلس) في أكثر النسخ المصححة بكسر اللام، وهو الظاهر، وفي بعض الحواشي أنه بفتح اللام، مصدر ميمي.
стр. 4449
وَرَدُّ السَّلَام، والأَمرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٢٩، م: ٢١٢١].
٤٦٤١ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: "وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِيبَ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ هَكَذَا. [د: ٤٨١٦].
٤٦٤٢ - [١٥] وَعَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: "وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ، وَتَهْدُوا الضَّالَّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِيْبَ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَكَذَا، وَلَمْ أَجَدْهُمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ". [د: ٤٨١٧].
ــ
وقوله: (ورد السلام) إنما قال: رد السلام بناء على السنة أن يسلم الماشي على القاعد.
وقوله: (والأمر بالمعروف) أي: ما عرف في الشرع وجوده وحسنه، و (المنكر) ما لم يعرف فيه وجوده وحسنه.
٤٦٤١ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (رواه أبو داود عقيب حديث الخدري هكذا) يعني أنه روى ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن أبي هريرة مع زيادة: (وإرشاد السبيل).
٤٦٤٢ - [١٥] (عمر) قوله: (وتغيثوا الملهوف) أي: المظلوم المكروب، وفي (القاموس) (١): الملهوف واللهيف واللهفان واللاهف: المظلوم المضطر يستغيث ويتحسر، وهو عطف على (وإرشاد) بتقدير (أن)، وإرشاد السبيل أعمّ من هداية الضال.
стр. 4450
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٦٤٣ - [١٦] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ بِالْمَعْرُوفِ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَتْبَعُ جِنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ، وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٧٣٦، دي: ٢/ ٢٧٦].
٤٦٤٤ - [١٧] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَشْرٌ". ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: "عِشْرُونَ"، ثم جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: "ثَلَاثُونَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٦٨٩، د: ٥١٩٥].
ــ
الفصل الثاني
٤٦٤٣ - [١٦] (علي) قوله: (بالمعروف) أي: ملتبسة بالمعروف، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى (من).
وقوله: (ويتبع جنازته) وهو إنما يكون بعد الصلاة، فكأنها مذكورة في ضمنها، أو يقال: الصلاة واجبة، واتباع الجنازة من حسن الخلق، وزيادة في أداء حقه، ولذلك خصه بالذكر.
٤٦٤٤ - [١٧] (عمران بن حصين) قوله: (عشر) أي: له بذلك عشر حسنات، وفي الحديث استحباب أن يسلم بلفظ الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحدًا؛ لتقريره ﷺ إياه.
стр. 4451
٤٦٤٥ - [١٨] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ، وَزَاد: ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ: "أَرْبَعُونَ"، وَقَالَ: "هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٩٦].
٤٦٤٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢٥٤، ت: ٢٦٩٤، د: ٥١٩٧].
٤٦٤٧ - [٢٠] وَعَنْ جَرِيرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٣٥٧].
ــ
٤٦٤٥ - [١٨] (معاذ بن أنس) قوله: (وزاد: ثم أتى آخر) وروى صاحب (سفر السعادة) (١) الحديثين حديثًا واحدًا، وقال: وفي إسناد هذا الحديث ضعف.
وقال صاحب (جامع الأصول) (٢): معاذ بن أنس الجهني معدود من أهل مصر، وحديثه عندهم، روى عنه ابنه سهل، وابنه لين الحديث، وأحاديثه حسان في الرغائب والفضائل.
٤٦٤٦ - [١٩] (أبو أمامة) قوله: (إن أولى الناس باللَّه) أي: أقربهم وأخصهم إليه، والمراد من الناس المتلاقيَين؛ لأنهما متساويان في حق السلام، أما إذا كان أحدهما واردًا والآخر قاعدًا فالتسليم حق الوارد؛ فإذا ابتدأ به لا يكون أولى.
٤٦٤٧ - [٢٠] (جرير) قوله: (فسلم عليهن) قيل: هذا مختص بالنبي ﷺ
стр. 4452
٤٦٤٨ - [٢١] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" مَرْفُوعًا، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: رَفَعَهُ الْحَسَنُ ابْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ. [شعب: ١١/ ٢٦٨، د: ٥٢١٠].
٤٦٤٩ - [٢٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الإِشَارَةُ بِالأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [ت: ٢٦٩٥].
ــ
لأمنه من الوقوع في الفتنة، وأما غيره فيكره أن يسلم على المرأة الأجنبية وبالعكس، إلا أن تكون عجوزة بعيدة عن مظنة الفتنة.
٤٦٤٨ - [٢١] (علي بن أبي طالب) قوله: (يجزئ عن الجلوس) جمع جالس، كقعود جمع قاعد، والظاهر أن حكم التلاقي كذلك، والحاصل أن سنية التسليم ووجوب رده على الكفاية، إن فعل واحد سقط عن الجماعة.
وقوله: (وروى أبو داود، وقال: رفعه الحسن بن علي، وهو) أي: الحسن ابن علي (شيخ أبي داود)، يعني أن أبا داود رواه موقوفًا على علي بن أبي طالب ﵁ من طريق بعض شيوخه، ورواه من طريق الحسن بن علي -وهو أيضًا شيخه- مرفوعًا كما رفعه البيهقي.
٤٦٤٩ - [٢٢] (عمرو بن شعيب) قوله: (إسناده ضعيف) قال الطيبي (١): فيه
стр. 4453
٤٦٥٠ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٠٠].
٤٦٥١ - [٢٤] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا دَخَلْتُمْ بَيْتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهِ، وَإِذَا خَرَجْتُمْ فَأَوْدِعُوا أَهْلَهُ بِسَلَامٍ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" مُرْسَلًا. [شعب: ٨٨٤٥].
ــ
إيماء إلى أن الحكم قد يكون على خلافه، وليس بذلك، وأقول: لا يلزم من تضعيف الإسناد كون الحكم على خلافه، لعله ثبت بدليل آخر؛ فإن من عادة المحدثين أن يبينوا حال الإسناد ضعفًا وقوة وليس لهم غرض بالحكم، وإنما مقصودهم بيان الواقع من غير تعرض للحكم، صرح بمثل ذلك السيوطي، فتدبر.
٤٦٥٠ - [٢٣] (أبو هريرة) قوله: (فإن حالت بينهما شجرة أو جدار. . . إلخ)، فيه تأكيد للتسليم وإن قربت مدة المفارقة.
٤٦٥١ - [٢٤] (قتادة) قوله: (فسلموا على أهله) أي: أهل البيت، وإن لم يكن في البيت أحد يقول: السلام على عباد اللَّه، يريد به الملائكة.
وقوله: (فأودعوا أهله بسلام) أي: اجعلوه وديعة عندهم، والمقصود سلموا عليهم، ولما كان هذا التسليم وقت الخروج جعله كأنه وديعة عندهم يجده، أي: خيره وبركته عندهم في الآخرة، وقال الطيبي (١): كي ترجعوا إليهم وتستردوا وديعتكم؛ فإن الودائع تستعاد تفاؤلًا بالسلامة والمعاودة مرة بعد أخرى.
стр. 4454
٤٦٥٢ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا بُنَيَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُونُ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٩٨].
٤٦٥٣ - [٢٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. [ت: ٢٦٩٩].
٤٦٥٤ - [٢٧] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَقُولُ: أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا،
ــ
٤٦٥٢ - [٢٥] (أنس) قوله: (يكون) أي: السلام، (بركة) أي: زيادة خير ودوامًا فيه.
٤٦٥٣ - [٢٦] (جابر) قوله: (السلام قبل الكلام) أي: ينبغي أن يسلم ثم يكلم، ولا يبادر بالكلام ويترك السلام، أو يسلم بعده.
٤٦٥٤ - [٢٧] (عمران بن حصين) قوله: (أنعم اللَّه بك عينًا) من النعومة بمعنى اللين، نعم الشيء بالضم نعومة، أي: صار ناعمًا لينًا، وقد يجيء من باب سمع، وقد يتداخل مثل فَضُلَ يَفْضُلُ، ثم الظاهر أن الباء للسببية، و (عينًا) مفعول (أنعم)، والمراد عين من يحب المخاطب، فيكون كناية عن طيب عيشه ورفاهية حاله، ويقال: الباء زائدة و (عينًا) تمييز، أي: أقر عينك برؤية ما تحب، أو (أنعم) بمعنى دخل في النعيم، فيعدى بالباء، و (عينًا) تمييز.
وهنا عبارة أخرى، وهي: نعم اللَّه بك عينًا على لفظ المجرد، فبعضهم منعوا عنها إذ يلزم منها وصف للباري تعالى بالحاسة.
стр. 4455
وَأَنْعِمْ صَبَاحًا، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٢٧].
٤٦٥٥ - [٢٨] وَعَنْ غَالِبٍ قَالَ: إِنَّا لَجُلُوسٌ بِبَابِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: بَعَثنَي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ائْتِهِ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، فَقَالَ: "عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٣١].
ــ
وقال الزمخشري: هي صحيحة فصيحة، والباء للتعدية، و (عينًا) تمييز من الكاف، فيكون المعنى نعم اللَّهُ عينَك، وقد جاء نعَّمك اللَّه عينًا بحذف الجار وإيصال الفعل، والمانع حَسِبَ أنه تمييز عن الفاعل، كما في نعمتَ بهذا الأمر عينًا، وأما قولهم (وأنعم صباحًا) بمعنى صر ذا نعومة، والمقصود يطيب عيشه في الصباح، فيكون (صباحًا) ظرفًا، ويحتمل أن يكون تمييزًا، أي: صار صباحك ناعمًا، وإنما خص الصباح؛ لأن الغارات والمكاره أكثر ما تقع في وقت الصباح.
وقوله: (فلما كان الإسلام نهينا عن ذلك) وكذلك عن مثل: أسلم، وزه هزار سال (١)؛ فإنه كان لكل قوم تحية وتعظيم لملوكهم ورؤسائهم، وهذا ما قيل في معنى: التحيات للَّه، أي: التحيات والتعظيمات كلها للَّه تعالى، ولذلك جمع ليشمل الكل.
٤٦٥٥ - [٢٨] (غالب) قوله: (فأقرئه) من الإقراء، وكذلك قوله: (يقرئك).
وقوله: (فقال عليك وعلى أبيك السلام) فالسنة إذا بلّغ أحد السلام عن أحد أن يرد السلام على المبلغ والمبلغ عنه.
стр. 4456
٤٦٥٦ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ الْعَلَاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ: أَنَّ الْعَلَاءَ الْحَضْرَمِيَّ كَانَ عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ إِذَا كَتَبَ إِليْهِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ. رَوَاهُ أَبَو دَاوُدَ. [د: ٥١٣٤].
٤٦٥٧ - [٣٠] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَتَبَ أَحَدُكُمْ كِتَابًا فَلْيُتَرِّبْهُ؛ فَإِنَّهُ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ مُنَكَرٌ. [ت: ٢٧١٣].
ــ
٤٦٥٦ - [٢٩] (ابن العلاء) قوله: (وعن ابن أبي العلاء بن الحضرمي أن العلاء ابن الحضرمي) النسخ في هذا الموضع مختلفة، ففي نسخة هكذا كما صورناه بوجود الابن في الموضعين، وفي نسخة مصححة: عن أبي العلاء الحضرمي أن العلاء الحضرمي بلفظ (أبي) مكان (ابن) في الأول وترك (ابن) في الثاني، وقد غير في بعض نسخ (المصابيح) هكذا: عن ابن العلاء بن الحضرمي.
وفي (التقريب) (١): العلاء بن الحضرمي كان حليف بعض بني أمية، صحابي جليل، عمل على البحرين لرسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر ﵂، وقال: ابن العلاء بن الحضرمي، عن أبيه، مقبول، من الثالثة، وأظن اسمه عبد اللَّه.
وقوله: (بدأ بنفسه) يعني كان يكتب: من العلاء الحضرمي إلى رسول اللَّه: السلام عليكم ورحمة اللَّه، وهكذا كان النبي ﷺ يكتب: من رسول اللَّه إلى فلان، ثم يكتب السلام عليه إن كان من المسلمين، أو يكتب على العموم كقوله: سلام على من اتبع الهدى إن كان من المشركين كما كتب إلى هرقل.
٤٦٥٧ - [٣٠] (جابر) قوله: (فليتربه؛ فإنه أنجح للحاجة) قيل: المراد بالتتريب
стр. 4457
٤٦٥٨ - [٣١] وَعَنْ زَيْدٍ بنِ ثَابِتٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ يَدَيْهِ كَاتِبٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ضَعِ الْقَلَمَ عَلَى أُذُنِكَ (١)، فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لِلْمَآلِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. . . . .
ــ
ذر التراب على المكتوب، في (القاموس) (٢): أتربه وتربه: جعل عليه التراب، وفي بعض الروايات: (أتربوا الكتاب؛ فإنه أنجح للحاجة).
قال في (النهاية) (٣): أتربته: إذا جعلت عليه التراب، فإنجاحه للحاجة بالخاصية لا يعلم سره إلا بنور النبوة، وقيل: المراد المبالغة في التواضع في الخطاب، وعلى هذا يكون الضمير في (فليتربه) لـ (أحد)، أي: يذلّله ويضعه في مقام أدنى، ويجوز أن يكون الكتاب بتقدير (في)، وقيل: المراد فليسقطه على التراب حتى كأنه يصير أقرب إلى المقصد، وقال أهل التحقيق: إنما أمره بالإسقاط على التراب اعتمادًا على الحق سبحانه تعالى في إيصاله إلى المقصد، أو بإسقاطه من اليد والاعتماد عليه.
٤٦٥٨ - [٣١] (زيد بن ثابت) قوله: (فإنه أذكر للمآل) أي: أشد وأسرع تذكيرًا للعاقبة، أي: فيما يراد ويقصد من إنشاء العبارات في أداء المقاصد، والظاهر أنه بالخاصية كذر التراب على الكتاب كما ذكرنا، وأما ما نقل الطيبي (٤) مما حاصله: أن السر في ذلك أن القلم أحد اللسانين، واللسان مترجم عما في القلب، والأذن محل
стр. 4458
وَفِي إِسْنَادِهِ ضُعْفٌ. [ت: ٢٧١٤].
٤٦٥٩ - [٣٢] وَعَنْهُ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَعَلَّمَ السُّرْيَانِيَّةَ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ أَتعَلَّمَ كتَابَ يَهُودَ، وَقَالَ: "إِنِّي مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابٍ"، قَالَ: فَمَا مَرَّ بِيَ نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُ، فَكَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ، وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَه (١). . . . .
ــ
الاستماع، فيقرب منه ليسمعه القلب ما يريده من العبارات وفنون الكلام، فمناسبة ونكتة تخييلية، ومع ذلك لا يخلو عن خفاء، فافهم.
وقوله: (وفي إسناده ضعف) وكذا في الحديث قبله، كذا ذكره التُّورِبِشْتِي (٢).
٤٦٥٩ - [٣٢] (وعنه) قوله: (السريانية) أي: اللغة السريانية، وهي لغة التوراة، والمراد بكتاب يهود خطبهم ومكاتيبهم، وعدم الأمن من يهود بأن يكتب أحد منهم شيئًا من قبله ﷺ ، أو يقرأ عليه شيئًا من كتاب ليس فيه، أو يزيد وينقص في الكتابة والقراءة، والأظهر في تفسيره ما ذكره الطيبي (٣): أخاف إن أمرت يهوديًّا بأن يكتب عني كتابًا إلى اليهود أن يزيد أو ينقص، وأخاف إن جاء كتاب من اليهود فيقرأ يهودي فيزيد وينقص فيه، وهو الأوفق بقول زيد بن ثابت: (فكان إذا كتب إلى يهود. . . إلخ).
وقوله: (حتى تعلمت) أي: حصل لي العلم بكتابهم.
стр. 4459
كِتَابَهُمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧١٥].
٤٦٦٠ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ، ثُمَّ إِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٩٦، د: ٥٢٠٨].
٤٦٦١ - [٣٤] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا خَيْرَ فِي جُلُوسٍ فِي الطُّرُقَاتِ إِلَّا لِمَنْ هَدَى السَّبِيلَ، وَرَدَّ التَّحِيَّةَ، وَغَضَّ الْبَصَرَ، وَأَعَانَ عَلَى الْحُمُولَةِ" رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ"، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي جُرَيٍّ فِي "بَابِ فَضْلِ الصَّدَقَةِ". [شرح السنة: ٣٣٣٩].
ــ
٤٦٦٠ - [٣٣] (أبو هريرة) قوله: (فليست الأولى باحق من الآخرة) الظاهر أن المراد بيان مساواة التسليمتين لا أحقية الآخرة كما هو المتعارف من مثل هذا التركيب عند البعض.
٤٦٦١ - [٣٤] (وعنه) قوله: (وأعان على الحمولة) بالفتح: الدواب الحاملة للأثقال كالركوبة، وبالضم الأحمال، أي: يعين صاحبه على حمل الأثقال على الحمولة، ويروى بالفتح والضم، والأول أقوى رواية، والثاني أظهر دراية، وأما الحمول بلا هاء فهي الإبل التي عليها الهوادج كان فيها نساء أو لا.
فإن قلت: الحمول بمعنى الحامل، و (فعول) إذا كان بمعنى (الفاعل) لا يدخلها الهاء؟ قلنا: معناه محمول بها، كذا في (الصحاح) (١).
стр. 4460
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٦٦٢ - [٣٥] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ ربُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا آدَمُ! اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ -إِلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ جُلُوسٍ- فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، قَالُوا: عَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ لَهُ اللَّهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ؟ فَقَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي. . . . .
ــ
الفصل الثالث
٤٦٦٢ - [٣٥] (أبو هربرة) قوله: (فقال: الحمد للَّه فحمد اللَّه بإذنه) يعني إنما حمده بتوفيقه؛ لأن حمده تعالى أمر عظيم لا يتيسر إلا به، فقوله: (فحمد اللَّه) ليس بيانًا لتحميده حتى يكون المعنى كما قال الطيبي (١): المعنى أراد أن يحمده فحمده.
وقوله: (إلى ملأ منهم) الظاهر أنه من كلام النبي ﷺ بيانًا للمشار إليهم في كلام اللَّه تعالى، ويجوز أن يكون من كلام اللَّه، والملأ: الجماعة لأنهم يملؤون المجلس.
وفي (النهاية) (٢): أشراف الناس ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم؛ لأنهم ملئوا بالرأي والغنى.
وقوله: (ثم رجع إلى ربه) أي: إلى مكان كان فيه لما كلمه ربّه.
стр. 4461
وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَاركَةٌ، ثُمَّ بَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ،
ــ
وقوله: (وكلتا يدي ربي يمين مباركة) من كلام آدم، أو من كلام النبي ﷺ ، ولهم في شرح هذا القول معان وتأويلات:
أحدها: أن الثابت له يد صفة لا يد جارحة، وهذه العبارة كناية عن نفي اليد الجارحة؛ لأنه لو كانت لكانت يمينًا وشمالًا، وقد أشار في آخر الكلام أن المراد وجود الخير والبركة التي هي لازمة لليد اليمين ومادة استقامة، فافهم.
وثانيها: أن الشمال تكون ناقصة في القوة والبطش، فكنى بكون كلتيهما يمينًا نفي النقصان عن صفاته تعالى، وأن صفاته كلها كاملة.
وثالثها: أن آدم لما قال: اخترت يمين ربي قال: وكلتا يدي ربي يمين، أراد به الشكر على جميع نعمه، وأن له الفضل والنعمة، وأن جميع ما بيده فضل وطول؛ دفعًا لما يتوهم من الاختيار وترجيح صفاته اللطفية على القهرية.
ورابعها: أنه أراد به وصف اللَّه تعالى بغاية الجود والكرم والإحسان والتفضل؛ لأن العرب تقول لمن ينفع مطلقًا: كلتا يديه يمين، ولمن يضر: جعل سهمه بالشمال، ولمن لا ينفع ولا يضر: ليس فلان باليمين ولا بالشمال.
وخامسها: أن اليد تطلق على القدرة والنعمة، وعلى الأول اليدان عبارة عن خلق الهدى والإيمان والضلال والكفر، وعلى الثاني عن منح الألطاف وتيسر الهدى للمهتدي، وكل من ذلك عدل وحكمة؛ لأنه عزيز يتصرف في ملكه ما يشاء، حكيم يعلم ما يخفى على من سواه، يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم.
وقوله: (فإذا فيها آدم وذريته) أي: مثلهم في عالم الغيب.
стр. 4462
فَإِذَا كُلُّ إِنْسَانٍ مَكْتُوبٌ عُمْرُهُ بَين عَيْنَيْهِ، فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ أَضْوَؤُهُمْ -أَوْ مِنْ أَضْوَئِهِمْ- قَالَ: يَا رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ وَقَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمْرَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ: يَا رَبِّ زِدْ فِي عُمْرِهِ، قَالَ: ذَلِكَ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي. . . . .
ــ
وقوله: (فإذا فيهم رجل أضوؤهم) أظهر اللَّه تعالى داود على آدم ﵉ بنوع من الامتياز في الظهور والنورانية ليحمله على السؤال ويترتب عليه ما ترتب من قصة عمره وجحوده، وليس المراد بأضوئيته زيادة في صفات الكمال بأسرها، ولعله كان في صورة داود ﵇ نوع من الضوء والنورانية في ذلك العالم أو في الدنيا أيضًا يمتاز به عن سائر إخوانه من النبيين، وكل من الأنبياء يختص بصفة ويمتاز، وليس يلزم من ذلك فضله على سائر الأنبياء.
وقد بين الرواية الثانية أعني من أضوئهم أن الأضوئية مشتركة بينه وبين طائفة من الأنبياء، ولا يجب أن يكون الباعث على سؤاله عن حال داود ورؤيته إياه ممتازًا عن الكل بل اتفق بوقوع نظره عليه قصدًا، ولا يفهم هذا المعنى من لفظ هذا الحديث على ما ذكر في أول الكتاب في (باب الإيمان بالقدر): (وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه)، فليفهم.
وقوله: (وقد كتبت له عمره أربعين سنة) قال الطيبي (١): نصب (أربعين) على المصدر على تأويل: كتبت له أن يعمر أربعين سنة، ويمكن أن يضمن (كتبت) معنى الجعل، وفي بعض النسخ: (عمر أربعين) بدون الضمير، والإضافة بيانية.
وقوله: (قال: أي رب) ذكر في بعض المواضع: (أي)، وفي بعضها: (يا) إشارة
стр. 4463
سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، قَالَ: ثُمَّ سَكَنَ الْجَنَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهَا، وَكَانَ آدَمُ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ، فَاتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: قَدْ عَجلْتَ، قَدْ كُتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ. قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لِابْنِكَ دَاوُدَ سِتِّينَ سَنَةً، فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيتُهُ، وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ"، قَالَ: . . . . . .
ــ
إلى قربه تعالى من جهة لطفه ورحمته بعباده، وبُعده من حيث الكبرياء والعظمة، وذكر لفظ البعيد بعد القريب والقريب بعد البعيد إيماء إلى أنه في عين قربه بعيد، وفي بعده قريب من جهتين لا يتقيد بأحدهما، فليفهم.
وقوله: (أنت وذاك) من قبيل: كل رجل وضيعته، أي: أنت وهذا المطلوب مقرونان، أي: الاختيار لك إن جعلت له من عمرك فلا بأس.
وقوله: (فأتاه) أي: لما بلغ تسع مئة وأربعين، يفهم ذلك من سياق الكلام.
وقوله: (ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة) اعلم أنه ذكر فيما سبق في (باب الإيمان بالقدر) عكس ما ذكر هنا، فهناك جعل عمره أولًا ستين سنة، فجعل له آدم من عمره أربعين، ولا يرى ذلك إلا سهوًا من الراوي، وفي الحديثين اختلاف من غير هذا الوجه أيضًا، فتدبر.
وقوله: (فجحد) المراد به قوله: (قد عجلت، قد كتب لي ألف سنة) فهو في صورة الجحد، فكأنه عطف تفسيري له، فيكون هذا في حكم المعاريض التي قد صدرت مثلها من الأنبياء، وإلا فالجحد والإنكار صريحًا كيف يتصور وهو كذب، أو يكون هذا مبنيًا على النسيان، وأما الذرية فقد جحدوا صريحًا وتعمدًا، هذا ما يخطر لي في توجيهه، ولم أر من الشراح من ذكر فيه شيئًا.
وأما النسيان في قوله: (فنسي) فهو إشارة إلى ما ذكر في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا
يَا أَبَا بَطْنٍ -قَالَ: وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ- إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِينَاهُ (١). رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [ط: ٢/ ٩٦١، شعب: ٨٤١١].
٤٦٦٥ - [٣٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لِفُلَانٍ فِي حَائِطِي عَذْقٌ، وَإِنَّهُ قَدْ آذَانِي مَكَانُ عَذْقِهِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَنْ بِعْنِي عَذْقَكَ"، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَبْ لِي"، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَبِعْنِيهِ بِعَذْقٍ فِي الْجَنَّةِ"؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا رَأَيْتُ الَّذِي هُوَ أَبْخَلُ مِنْكَ إِلَّا الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلَامِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٣/ ٣٢٨].
٤٦٦٦ - [٣٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْبَادِئُ بِالسَّلَامِ. . . . .
ــ
وقوله: (على من لقيناه) بالضمير المرفوع للمتكلم، وفي بعض النسخ: (لَقِيَنَا) بالضمير المنصوب.
٤٦٦٦٥, ٤٦٦٦ - [٣٨ , ٣٩] (جابر، وعبد اللَّه) قوله: (عذق) في (القاموس) (٢): العذق بالفتح: النخلة، وبالكسر: القنو منها والعنقود من العنب، والمراد هنا الأول، فإنه كان في بستانه عذق لغيره، و (مكان) فاعل (آذاني) مقحم، أي: وجوده. وقوله: (قال: لا) قيل: كلامه ﷺ كان شفاعة لا أمرًا، والرجل كان مسلمًا بدليل قوله: (في الجنة)، والصحابة إنما تهذبت أخلاقهم وحصل لهم الكمال بطول صحبة النبي ﷺ
стр. 4466
بَرِيءٌ مِنَ الْكِبْرِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٨٧٨٦].
* * *
٢ - باب الاستئذان
ــ
وملازمته ﷺ ، وكأن الرجل كان في ابتداء إسلامه، واللَّه أعلم.
٢ - باب الاستئذان
الاستئذان: طلب الإذن، والإذن يجيء بمعنى العلم، يقال: أذن بالشيء: علم به، كما في قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، أي: كونوا على علم، وأذن له في الشيء: أباحه له، واستأذنه: طلب منه الإذن، وأجمعوا على أن الاستئذان مستحب، والقرآن المجيد ناطق بذلك، وهو قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٧]، والمراد بالاستئناس الاستئذان.
والسنة أن يجمع بينه وبين السلام، والصحيح تقديم السلام على الاستئذان، كما وقع في الأحاديث الصحيحة، وقيل بتقديم الاستئذان على السلام تمسكًا بالآية المذكورة؛ لأن الواو وإن لم تدل على الترتيب لكن التقديم في الذكر لا يخلو عن إشارة ما إلى أوليته، وما قدمه اللَّه في الذكر يكون تقديم العبد إياه في العمل أفضل، كما يشير إليه الحديث الوارد في الابتداء بالصفا على المروة من قوله: (أبدأ بما بدأ اللَّه به)، ولكن الجمهور يقولون: إن الآية مجملة بينتها السنة، ومن قال: إنه إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل الدخول قدم السلام وإلا قدم الاستئذان، فلعله أخذ بالأنسب عقلًا، ولكن لا بد من إثباته بالنقل، والأحاديث دالة
стр. 4467
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٦٦٧ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَتَانَا أَبُو مُوسَى قَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا فَلَمْ تَرُدُّوْا عليَّ فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ"، فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فقُمْتُ مَعَهُ فَذَهبتُ إِلى عمرَ فشهِدتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٤٥، م: ٢١٥٣].
٤٦٦٨ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "إِذْنُكَ عَلَيَّ. . . . .
ــ
على خلافه، واللَّه أعلم.
الفصل الأول
٤٦٦٧ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فسلمت ثلاثًا) أي: للاستئذان.
وقوله: (فقال عمر: أقم عليه البينة) لما كان هذا مقام التأكيد والاحتياط شدّد الأمر؛ لئلا يتهاون الناس في امتثال أمر الخلفاء وائتمارهم، لا لأجل أن خبر الرجل الواحد غير مقبول؛ فإنه مجمع عليه سيما مثل أبي موسى الأشعري، وقد كان عمر ﵁ يقبله من غير نكير، فلا تمسك فيه من أنكر قبول خبر الواحد مع أن المراد بخبر الواحد في مبحث الإنكار والإقرار ما سوى المتواتر والمشهور، فخبر الاثنين أيضًا خبر الواحد، فلا يفيده، فافهم.
٤٦٦٨ - [٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إذنك علي) متعلق بـ (إذنك) باعتبار تضمين معنى الدخول.
стр. 4468
أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ، وَأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي حَتَّى أَنهَاكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٦٩].
٤٦٦٩ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ الْبَابَ فَقَالَ: "مَنْ ذَا؟ " فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ: "أَنَا أَنَا"، كَأَنَّهُ كَرِهَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٥٠، م: ٢١٥٥].
ــ
وقوله: (أن ترفع الحجاب) وكان لبيوته ﷺ حجب من حصير، و (السواد) بكسر السين: المساودة، يقال: ساودته مساودة وسوادًا، أي: مسارة وسرارًا، وهو المكالمة سرًّا، والمراد به المبالغة، أي: وإن كنت أسارر أحدًا ففي صورة المجاهرة يدخل بطريق الأولى، والغرض المعر فة بوجوده ﷺ في البيت.
٤٦٦٩ - [٣] (جابر) قوله: (في دين) أي: في قضية دين أو من جهته؛ فإن أباه عبد اللَّه الأنصاري قد استشهد في غزوة أحد وترك دينًا، فشدد على جابر غرماؤه، فأتى جابر النبي ﷺ ليعرض قصته عليه، وكان مال أبيه الذي تركه قليلًا، وما هو إلا شيء من التمر على النخل، فبورك فيه بمعجزته ﷺ وبقي بعد وفاء الدين كما كان، وذلك مذكور في الأحاديث.
وقوله: (كأنه كرهها) وجه الكراهة أن السؤال للاستكشاف ودفع الإبهام، ولا يحصل ذلك بمجرد قوله: (أنا) إلا أن يضم إليه اسمه أو كنيته أو لقبه.
نعم قد يحصل التعيين بمعرفة الصوت، ولكنه ﷺ أنكر هذه الكلمة على جابر تعليمًا للأدب، وبيانًا لقاعدة الباب، وقيل: إنما كرهها لتركه الاستئذان بالسلام، والأول هو الأظهر، وإنما كرر (أنا) تأكيدًا، وهو الذي يفهم منه الإنكار عرفًا، فافهم.
وأما ما حكي من بعض المتصوفة من أنه يكره للرجل أن يجري على لسانه (أنا)
стр. 4469
٤٦٧٠ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ: "أَبَا هِرٍّ الْحَقْ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ"، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٤٦].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٦٧١ - [٥] عَنْ كَلَدَةَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ. . . . .
ــ
لإشعاره بالوجود والأنانية فليس بكلي، وإنما هو إذا كان على قصد التكبر والنفسانية، وإلا فقد وقع من الصحابة كثيرًا، كما مر في (كتاب الجنائز): أنه ﷺ سأل (من عاد اليوم مريضًا؟ ) فقال أبو بكر ﵁: أنا، ثم قال: (من أصبح صائمًا؟ ) فقال ﷺ : أنا، الحديث، وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى، بل وقع ذلك من بعضهم في مقام الافتخار والمباهاة وإظهار الفضيلة لغرض صحيح ديني.
٤٦٧٠ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (فأقبلوا فاستأذنوا) وكأنّ أبا هريرة ﵁ لم يجئ معهم، وإلا لم يحتاجوا إلى الاستئذان، لما يأتي في الفصل الثاني من حديث أبي هريرة من أنه: (إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن)، وأيضًا في صورة المجيء مع الرسول لا يحتاج إلى الاستئذان، ولكنه ليس بممنوع، فهم استأذنوا معه احتياطًا وتأدبًا، والمقصود بيان ما وقع منهم، وقال الطيبي (١): هذا الحديث دل على أن الدعاء لا يكفي بل لا بد من الاستئذان، اللهم إلا أن يقرب زمان الإذن.
الفصل الثاني
٤٦٧١ - [٥] (كلدة بن حنبل) قوله: (عن كلدة) بفتحات أخو صفوان بن
стр. 4470
أُمَيَّةَ بَعَثَ بِلَبَنٍ أَو جِدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِأَعْلَى الْوَادِي، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ارْجِعْ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧١١، د: ٥١٧٦].
٤٦٧٢ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: "رَسُولُ. . . . .
ــ
أمية لأمّه.
وقوله: (أو جداية) بفتح الجيم وكسرها والتحتانية: ما بلغ ستة أشهر أو سبعة أشهر من أولاد الظباء، ذكرًا كان أو أنثى، بمنزلة الجدي من المعز، كذا في بعض الحواشي، وفي (القاموس) (١): الجداية بالفتح ويكسر: الغزال، وقال في (الصراح) (٢): جداية بالفتح والكسر: آهو بره، (والضغابيس) صغار القثاء، جمع ضُغْبُوس، كذا في (القاموس) (٣)، والمراد بـ (الوادي) مكة.
٤٦٧٢ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (فإن ذلك له إذن) أي: لا يحتاج إلى الاستئذان، ويجوز أن يكتفي بمجيئه مع الرسول، فلو استأذن احتياطًا وتأدبًا لكان أحسن، كما يفهم من الحديث السابق من استئذان أهل الصفة مع مجيئهم مع أبي هريرة.
٤٦٧٥ - [٩] وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَدْخَلٌ بِاللَّيْلِ وَمَدْخَل بِالنَّهَارِ، فَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ بِاللَّيْلِ تَنَحْنَحَ لِي، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٢١٢].
٤٦٧٦ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَأْذَنُوا لِمَنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالْسَّلَامِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٨٨١٦].
* * *
٣ - باب المصافحة والمعانقة
ــ
٤٦٧٥ - [٩] (علي ﵁) قوله: (تنحنح لي) قال الطيبي (١): علامة الإذن بالليل التنحنح، انتهى.
أقول: وقع في رواية أخرى (فكنت إذا دخلت بالليل، فإن تنحنح انصرفت)، فيكون علامة عدم الإذن، ويمكن حمل عبارة حديث الكتاب على هذا، فتدبر.
٤٦٧٦ - [١٠] (جابر) قوله: (لا تأذنوا من لم يبدأ بالسلام) صريح في استحباب الابتداء بالسلام قبل الاستئذان.
٣ - باب المصافحة والمعانقة
في (القاموس) (٢): المصافحة: الأخذ باليد، كالتصافح، وقول الطيبي (٣): المصافحة: الإفضاء بصفحة اليد، إشارة إلى ما هو معنى التصفح في الأصل، وهو
стр. 4473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العرض، فصفح الوجه والسيف عرضه، ويقال: صفح بالسيف: ضرب بعرضه، والصفح: السماء، ووجه كل شيء عريض.
والمصافحة سنة بكلتي يديه، ولا بأس بمصافحة عجوز لا تشتهى، وكذا إن كان شيخًا يامن على نفسه، وروي: أن أبا بكر ﵁ كان في خلافته يخرج إلى بعض القبائل الذي كان مسترضعا فيهم، فكان يصافح العجائز، ولما مرض ابن الزبير ﵁ بمكة، استأجر عجوزًا لمرضه، وكانت تغمز رجله، وتفلي رأسه، وينبغي أن يحترز عن مصافحة الأمرد الحسن الوجه، كذا في (مطالب المؤمنين).
وأما المعانقة فالصحيح أنها جائزة إن لم يكن هناك خوف فتنة، لما سيأتي من حديث زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب ﵄، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه: يكره أن يقبل الرجل فم الرجل أو يده أو شيئًا منه، أو يعانقه، لورود النهي عنه كما سيأتي من حديث أنس ﵁، ونقل عن الشيخ أبي منصور الماتريدي ﵀ في التوفيق بين الأحاديث: أن المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة، وأما على وجه البر والكرامة فجائزة، وقيل: الخلاف فيما إذا لم يكن عليه غير الإزار، أما إذا كان عليه قميص أوجبة فلا بأس بالإجماع، وهو الصحيح، وكل من حرم النظر إليه حرم مسه، بل المس أشد؛ فإنه يحل النظر إلى أجنبية إذا أراد أن يتزوجها، وفي حال البيع والشراء، ولا يجوز مسها في شيء من ذلك، وقيل: تقبيل يد العالم على سبيل التبرك جائز، وتقبيل يد غيره لا يرخص فيه، قال الصدر الشهيد: هو المختار، وما يفعله الجهال من تقبيل يد نفسه بعد المصافحة فليس بشيء، بل مكروه، وقال الفقيه أبو جعفر: من قبل الأرض بين يدي سلطان أو أمير أو سجد له؛ فإن كان على
стр. 4474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجه التحية لا يكفر، ولكن يصير آثمًا مرتكبًا للكبيرة.
وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه قال: لا بأس بأن يقبل الرجل وجه الرجل إذا كان عالمًا أو زاهدًا، يريد بذلك إعزاز الدين، ويكره تقبيل امرأة فم امرأة عند الوداع أو اللقاء، وإن طلب أحد من عالم أو زاهد أن يرفع قدميه ليقبله لا يرخص، ولا يجيب إلى ذلك، ولا بأس بالقبلة للولد الصغير بل مأجور فيها، وقيل: تقبيل الرجل ولده واجب ذكرًا أو أنثى على وجه الشفقة والرحمة، وكان رسول اللَّه ﷺ يقبل رأس فاطمة، ويقول: (إني لأجد ريح الجنة)، وكان إذا قدم من السفر بدأ بها فعانقها، وقبّل رأسها، كذا في السغناقي.
وأما ما ذكر في بعض الكتب من أن وجدان رائحة الجنة من تقبيل فاطمة من جهة أن رسول اللَّه ﷺ أكل ليلة المعراج من فاكهة الجنة، ومنها كان علوق فاطمة فخطأ؛ لأن ولادتها ﵂ قبل النبوة بخمس سنين حين بنت قريش البيت، وقيل: ولدت سنة إحدى وأربعين من الفيل، ولا يجب أن يكون وجدان رائحة الجنة منها من جهة ما ذكر، بل يجوز أن يكون لها رائحة مثل رائحة أوراد الجنة وأزهارها، كما كان يوجد لرسول اللَّه ﷺ رائحة طيبة.
ويقال: القبلة على خمسة أوجه: قبلة المودة، وهي قبلة الوالدين للولد على الخد، وقبلة الرحمة، وهي قبلة الولد لوالديه على الرأس، وقبلة الشهوة وهي قبلة الزوج للزوجة على الفم، وقبلة التحية وهي قبلة المؤمنين فيما بينهم على اليد، وقبلة الشفقة وهي قبلة الأخت للأخ على الجبهة؛ وإذا كان تقبيل يد غيره لدنياه وثروته وشوكته في الدنيا فهو مكروه أشد كراهة، وفي هذا فروع ومسائل كثيرة مذكورة في موضعها.
стр. 4475
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٦٧٧ - [١] عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَكَانَتِ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٦٣].
٤٦٧٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ". . . . .
ــ
الفصل الأول
٤٦٧٧ - [١] (قتادة) قوله: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول اللَّه ﷺ ؟ ) إنما خص السؤال بكونها في الصحابة؛ لأنهم القدوة في السنة؛ دفعًا لأن يتوهم حدوثه بعدهم فيكون بدعة، أو دفعًا لأن يتوهم نسخها لوجودها بعده ﷺ .
٤٦٧٨ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (من لا يرحم) أي: خلق اللَّه، ويدخل فيه الأولاد وغيرهم، أو المراد على الأولاد بقرينة السياق، وقال الطيبي (١): لعل وضع الرحمة في الأولى للمشاكلة؛ فإن المعنى من لم يشفق على الأولاد لا يرحمه اللَّه، أو أتى بالعام لتدخل فيه الشفقة دخولًا أوليًّا، انتهى.
لعل مراده أن الرحمة إن كانت مخصوصة بما هو صفة اللَّه كان إطلاقها على ما هو صفة العبد -وهي الشفقة- بطريق المشاكلة، وإن كانت أعم فلا حاجة إلى اعتبار المشاكلة؛ لأن الرحمة لما كانت عامة شاملة للشفقة أيضًا كان إطلاق الرحمة عليها حقيقة لا يحتاج إلى القول بالمشاكلة؛ لأنها إنما تناسب على تقدير أن يكون مباينًا لها كما يظهر من الأمثلة التي ذكروا لها من نحو: جزاء سيئة سيئة مثلها، ونحو: اطبخوا
стр. 4476
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَثَمَّ لُكَعُ" فِي (بَابِ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ حَدِيثَ أُمِّ هَانِئ فِي (بَابِ الأَمَانِ). [خ: ٥٩٩٧، م: ٢٢١٨].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٦٧٩ - [٣] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (١): "مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا، وَحَمِدَا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَاهُ، غُفِرَ لَهُمَا". [ت: ٢٧٢٧، جه: ٣٧٠٣، د: ٥٢١١].
ــ
لي جبة وقميصًا؛ فإنه لو قيل هنا: اصنعوا أو اعملوا لي جبة لا يكون من باب المشاكلة بلا شبهة، ولا يخفى أن الظاهر هو الثاني، فالوجه أن يكتفى به.
وقوله: (وذكر حديث أم هانئ في باب الأمان) لأنه أنسب وأوفق بذلك الباب، وإنما ذكره صاحب (المصابيح) هنا لأنه وقع في ذلك الحديث: (مرحبًا بأم هانئ)، والترحيب في معنى المصافحة ومناسب لها، كما ذكر حديث عكرمة بن أبي جهل في (الفصل الثاني) باعتبار اشتماله على الترحيب، لكن الحديث طويل، وهو بطوله مسوق لثبوت الأمان، فالمناسب ذكره في بابه، وإنما وقع فيه كلمة واحدة مناسبة لباب المصافحة، وهو قوله: (مرحبا بأم هانئ)، وصاحب (المصابيح) لم يذكر منه ههنا إلا هذه الكلمة.
الفصل الثاني
٤٦٧٩ - [٣] (البراء بن عازب) قوله: (وفي رواية) الفرق بين الروايتين أن في
стр. 4477
٤٦٨٠ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: "لَا"، قَالَ: أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: "لَا"، قَالَ: أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٢٨].
٤٦٨١ - [٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "تَمَامُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ. . . . .
ــ
الثانية زيد قيد الحمد والاستغفار، ولم يقيده بقوله: (قبل أن يتفرقا)، والظاهر أنه عبارة عن سرعة وجود المغفرة، فافهم.
٤٦٨٠ - [٤] (أنس) قوله: (أينحني له؟ ) في بعض الحواشي: الانحناء: إمالة الرأس والظهر، وهو المشهور، والظاهر أن المراد هنا انحناء الظهر كما قال محيي السنة: إن انحناء الظهر مكروه، وإن كان يفعله كثير ممن ينسب إلى علم وصلاح، ونقل عن الشيخ أبي منصور: أن تقبيل الأرض وانحناء الظهر وإمالة الرأس لا يكون كفرًا بل إثمًا ومعصية كبيرة؛ لأن المقصود التعظيم دون العبادة، انتهى.
وبعض المشايخ رحمهم اللَّه تعالى قد شددوا في المنع عن ذلك، وقالوا: كاد الانحناء أن يكون كفرًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا) وهذا متمسك ما روي عن أبي حنيفة ومحمد من كراهة المعانقة والتقبيل، وقيل: المكروه إنما هو ما كان على سبيل التملق والتعظيم، والجائز ما كان عند التوديع والقدوم، أو لطول عهد الملاقاة، أو شدة الحب في اللَّه، وعند الأمن من الفتنة، وإن قبّل لا يقبّل الفم بل اليد أو الجبهة، والصحيح أنه عند القدوم جائز بالاتفاق.
٤٦٨١ - [٥] (أبو أمامة) قوله: (أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده)
стр. 4478
عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى يَدِهِ فَيَسْأَلَهُ: كَيْفَ هُوَ؟ وَتَمَامُ تَحِيَّاتِكُمْ بَيْنَكُمُ الْمُصَافَحَةُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. [حم: ٥/ ٢٦٥، ت: ٢٧٣١].
٤٦٨٢ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، فَأَتَاهُ فَقَرَعَ البابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُرْيَانًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٣٢].
٤٦٨٣ - [٧] وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ بُشَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَنَزةَ أَنَّه قَالَ: قُلْتُ لِأبِي ذَرٍّ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَافِحُكُمْ إِذَا لَقِيتُمُوهُ؟ قَالَ: مَا لَقِيتُهُ قَطُّ إِلَّا صَافَحَنِي، وَبَعَثَ إِلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ فِي أَهْلِي، فَلَمَّا جِئْتُ أُخْبِرْتُ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ فَالْتَزَمَنِي،
ــ
هذا إذا كان المرض ساريًا في البدن كالحمى ونحوه، وأما إذا كان الألم في موضع مخصوص فالأولى أن يضع يده فيه.
وقوله: (وتمام تحياتكم بينكم المصافحة) يدل على أن السنة المصافحة مع السلام لا بدونه.
٤٦٨٢ - [٦] (عائشة) قوله: (في بيتي) بيان للواقع أو مبالغة في المقصود، فافهم.
وقوله: (ما رأيته عريانًا) أي: في مثل هذه الحال على هذا الوجه، والعري إنما كان من الرداء، وهو ظاهر.
٤٦٨٣ - [٧] قوله: (وعن أيوب بن بشير) بلفظ التصغير من البشارة.
стр. 4479
فَكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢١٤].
٤٦٨٤ - [٨] وَعَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ جِئْتُهُ: " مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٣٥].
٤٦٨٥ - [٩] وَعَن أُسَيدِ بْنِ حُضَيرٍ -رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ- قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ. . . . .
ــ
وقوله: (فكانت تلك) أي: الفعلة -وهي الالتزام- (أجود) الالتزامات، أو أجود من المصافحة.
وقوله: (وأجود) تكريره للتوكيد والتقرير، وعلم من هذا الحديث جواز المعانقة في غير حالة القدوم؛ إظهارًا لشدة المحبة والعناية.
٤٦٨٤ - [٨] قوله: (عكرمة بن أبي جهل) كان شديد العداوة لرسول اللَّه ﷺ هو وأبوه، وكان فارسًا مشهورًا، وهرب يوم الفتح فلحق باليمن، فلحقت به امرأته أم حكيم بنت حارث بن هشام، بنت عمه، فأتت به النبي ﷺ فلما رآه قال: (مرحبًا بالراكب المهاجر)، وفي رواية: لما رآه قام إليه فاعتنقه، وقال: (مرحبًا بالراكب المهاجر)، فأسلم بعد الفتح سنة ثمان، وحسن إسلامه.
٤٦٨٥ - [٩] قوله: (وعن أسيد بن حضير) بلفظ التصغير فيهما.
وقوله: (رجل من الأنصار) الظاهر من لفظ (المصابيح)، ومما أورده المؤلف أيضًا أن لفظ (رجل) مجرور بدل من (أسيد)، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو رجل، وأنه القائل والمحدث والمضحك، ولكن لفظ (جامع الأصول) (١) هكذا:
стр. 4480
الْقَوْمَ -وَكَانَ فِيهِ مُزَاحٌ- بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ، فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ فَقَالَ: أَصْبِرْنِي، قَالَ: "اصْطَبِرْ"، قَالَ: إنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ، فَرَفَعِ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَمِيصِهِ فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٢٤].
٤٦٨٦ - [١٠] وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَقَّى جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَالْتَزَمَهُ وقبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي. . . . .
ــ
أن أسيد بن حضير قال: إن رجلًا من الأنصار كان فيه مزاح، فبينما هو يحدث القوم يضحكهم، إذ طعنه النبي ﷺ ، الحديث، وقد تركه الشيخ التُّورِبِشْتِي على ظاهره، ووجه الطيبي (١) عبارة (المصابيح)، ووفقه بلفظ (جامع الأصول) بما لا يخلو عن تكلف، حمله على ذلك أن أسيد بن حضير من عظماء الصحابة ونقباء الأنصار، وصدور أمثال هذه الأفعال عنه مستبعد جدًّا، واللَّه أعلم.
و(المزاح) بالضم الاسم، وبالكسر مصدر مازحه.
وقوله: (أصبرني) بفتح الهمزة، والإصبار والاصطبار؛ الاقتصاص، والمراد مكِّني من القصاص حتى أطعن من خاصرتك كما طعنت خاصرتي.
وقوله: (اصطبر) أي: اقتص من نفسي.
وقوله: (عن قميصه) عدّي بـ (عن) لتضمنه معنى (كشف).
وقوله: (فاحتضنه) أي: اعتنقه، وهذا موضع الاستدلال؛ لتقريره ﷺ .
٤٦٨٦ - [١٠] (الشعبي) قوله: (وعن الشعبي) بفتح الشين وسكون المهملة من
стр. 4481
"شُعَبِ الإِيمَانِ" مُرْسَلًا. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ "الْمَصَابِيحِ" وَفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" عَنِ البَيَاضِي مُتَّصِلًا. [د: ٥٢٢٠، شعب: ١١/ ٢٩٥].
٤٦٨٧ - [١١] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي قِصَّةِ رُجُوعِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ، فَتَلَقَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاعْتَنَقَنِي، ثُمَّ قَالَ: "مَا أَدْرِي: أَنَا بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَفْرَحُ أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ؟ ". وَوَافَقَ ذَلِكَ فَتْحَ خَيْبَرَ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١٢/ ٢٩١].
٤٦٨٨ - [١٢] وَعَنْ زَارعٍ -وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ- قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا،
ــ
التابعين، و (البياضي) صحابي، وفي (جامع الأصول) (١): البياضي بفتح الباء وتخفيف الياء تحتها نقطتان والضاد المعجمة منسوب إلى بياضة بن عامر، خزرجي.
٤٦٨٧ - [١١] (جعفر بن أبي طالب) قوله: (فاعتنقني) ذكر السمهودي في كتاب (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى): أنه قدم سفيان بن عيينة على مالك فصافحه مالك، وقال: عانقتك أيضًا لو لم تكن بدعة، فقال سفيان: قد عانق من هو أفضل منك ومني، عانق رسول اللَّه ﷺ جعفر بن أبي طالب وقبله عند قدومه من الحبشة، فقال مالك: ذاك مخصوص بجعفر، فقال سفيان: لا بل هو عام، وحكمنا وحكم جعفر واحد إن كنا من الصالحين، أتأذن لي أن أحدثك بذلك؟ قال مالك: نعم قد أذنت لك، فروى سفيان هذا الحديث بسند كان له، وسكت مالك.
٤٦٨٨ - [١٢] (زارع) قوله: (فجعلنا نتبادر من رواحلنا) وروي أنه لما قدم
стр. 4482
فَنُقَبِّلُ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٢٥].
٤٦٨٩ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا. . . . .
ــ
وفد عبد القيس تبادروا من رواحلهم وسقطوا منها على الأرض وفعلوا ما فعلوا، وقررهم على ذلك النبي ﷺ ، وأما الذي كان رأسهم ومقدمهم اسمه الأشج، نزل أولًا في منزل له، واغتسل ولبس الثياب البيض، ثم دخل المسجد فصلى فيه ركعتين ودعا، فقصد إلى النبي ﷺ خاضعًا خاشعًا بتأن ووقار، فلما رأى ﷺ هذا الأدب أثنى عليه، وقال: (إن فيك لخصلتين يحبهما اللَّه ورسوله: الحلم والأناة)، انتهى.
و(الأناة) على وزن (نواة): الوقار، وهذا الذي ذكر من الأشج هو أدب زيارته ﷺ الآن.
وفي الحديث دليل على جواز تقبيل الأرجل، وجاء في غير هذا الحديث أيضًا.
٤٦٨٩ - [١٣] (عائشة) قوله: (سمتًا وهديًا ودلًّا) قال في (القاموس) (١): السمت: الطريق، وهيئة أهل الخير، والسير على الطريق بالظن، وحسن النَّحو، وقصد الشيء، سمت يسمِت ويسمُت، وسمَت لهم يسمِت: هيأ لهم وجهَ الكلام، والهَدْي والهَدْية ويكسر: الطريقة والسيرة، والهادي المتقدم، والدَّل كالهدي، وهما من السكينة والوقار وحسن المنظر، وفي (الصراح) (٢): سمت: راه وروش نيكو وبحدس وكَمان وبراستي رفتن، وميانه راه رفتن، من نصر ينصر، هدي وهديه بالكسر روش وكار وجهت، ويقال: ما أحسن سمته، أي: هديه، وسمته، أي: قصده، وما أحسن
стр. 4483
-وَفِي رِوَايَةٍ: حَدِيثًا وَكَلَامًا- بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَاطِمَةَ، كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا، فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِها. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢١٧].
٤٦٩٠ - [١٤] وَعَنِ البَرَاءِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَائِشَةُ ابْنَتُهُ مُضْطَجِعَةٌ قَدْ أَصَابَتْهَا حُمَّى، فَأَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتِ يَا بُنَيَّةُ؟ وَقَبَّلَ خَدَّهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٢٢].
ــ
هديه وما أحسن هديته بالفتح والكسر، أي: سيرته، وهَدَى هدْيَ فلانٍ، أي: سار سيرته، وقال أبو عبيد: الدل قريب المعنى من الهدي، وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك، وفي الحديث: كان أصحاب عبد اللَّه يرحلون إلى عمر فينظرون إلى سمته وهديه ودلّه فيتشبهون به، هذه عبارة (القاموس) (١) و (الصراح)، ويظهر منها أن الثلاثة قريب في المعنى.
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وكأنها أشارت بالسمت إلى ما يرى على الإنسان من الخشوع والتواضع للَّه، وبالهدي إلى ما يتحلى من السكينة والوقار، وإلى ما يسلكه من المنهج المرضي، وبالدلّ: دماثة الخلق وحسن الحديث.
وقوله: (وفي رواية: حديثا وكلامًا) هما بمعنًى، إلا أن يراد بأحدهما نص الكلام وبالآخر التكلم وطريقته.
٤٦٩٠ - [١٤] (البراء) قوله: (دخلت مع أبي بكر) أي: بيته، وفي الحديث
стр. 4484
٤٦٩١ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِصَبِيٍّ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ، وَإِنَّهُمْ لَمِنْ رَيْحَانِ اللَّهِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [١٣/ ٣٥].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٦٩٢ - [١٦] عَنْ يَعْلَى قَالَ: إِنَّ حَسَنًا وَحُسَيْنًا اسْتَبَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ وَقَالَ: "إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٧٢].
٤٦٩٣ - [١٧] وَعَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "تَصَافَحُوا يُذْهَبِ الْغِلُّ،
ــ
دليل على تقبيل الرجل خدَّ ولده ولو كانت بنتًا.
٤٦٩١ - [١٥] (عائشة) قوله: (لمن ريحان اللَّه) الريحان: الرزق والنعمة، مشتق من الروح بمعنى الانتعاش، والرزق سببه، والنبت الطيبة الرائحة المشهورة، أو كل نبت كذلك، وكلا المعنيين محتمل في الحديث.
الفصل الثالث
٤٦٩٢ - [١٦] (يعلى) قوله: (إن الولد مبخلة مجبنة) قالوا: المراد هنا إظهار غاية المحبة والشفقة والمدح، وفيما سبق الكراهة والذم، واللفظ يحتملهما، فيحمل في كل مقام على ما يليق به، واللائق بالثاني إظهار المحبة والمدح لذكر الحسن والحسين.
٤٦٩٣ - [١٧] (عطاء) قوله: (يذهب) بالجزم والرفع بلفظ المعلوم من الذهاب أو الإذهاب، وكذلك (تذهب) الثاني، و (الغل) على الأول منصوب وعلى الثاني
стр. 4485
وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ". رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. [م: ٢: ٩٠٨].
٤٦٩٤ - [١٨] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الْهَاجِرَةِ فَكَأَنَّمَا صَلَّاهُنَّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْمُسْلِمَانِ إِذَا تَصَافَحَا لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا ذَنْبٌ إِلَّا سَقَطَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٨٩٥٥].
* * *
ــ
مرفوع (١)، وهو بالكسر الحقد والضغن، وذلك لما في المصافحة من ظهور التوادد والتحاب.
وقوله: (وتهادوا) بفتح الدال مخففة، و (تحابوا) بضم الباء مشددة، و (الشحناء) على وزن حمراء: العداوة التي تملأ القلب.
٤٦٩٤ - [١٨] (البراء بن عازب) قوله: (قبل الهاجرة) الهاجرة: وقت اشتداد الحر نصف النهار، والظاهر أن المراد بها صلاة الظهر، فهو ترغيب على محافظة راتبة الظهر أربعًا أو على صلاة في الزوال، واللَّه أعلم.
وقوله: (لم يبق بينهما ذنب) يعني أنه يغفر بها ذنبهما كما سبق من الأحاديث.
وقال الطيبي (٢): المراد بالذنب الغل والشحناء وضعًا لسبب مقام المسبب، ولعله إنما حمل على ذلك رعاية للفظ بينهما.