← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

٤٧٤١ - [١٠] وَعَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ، فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ: وَعَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ، فَكَأَنَّ الرَّجُلَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَقُلْ إِلَّا مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، إِذْ (١) عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ، إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ــ تشميت مخصوص. ٤٧٤١ - [١٠] (هلال بن يساف) قوله: (هلال بن يساف): (يساف) بفتح الياء تحتها نقطتان وتخفيف السين المهملة وبالفاء، وفي (المغني) (٢): هو بفتح الياء وكسرها، وقيل: بكسر همزة مكان الياء، ثم المصحح في كثر النسخ بالتنوين منصرفًا، وصحح في نسخة مصححة بالفتح غير منصرف وحك التنوين، كأنه جعله منقولًا من المضارع، كيزيد ويشكر، واللَّه أعلم. وقوله: (وجد في نفسه) وجد موجدة ووجدانًا: غضب، ووجد وجدًا: حزن، وفي (الصراح) (٣): موجدة ووجدان: خشم كَرفتن بركسي، ووجد بالفتح: أندوهكَين شدن. وقوله: (فقال النبي ﷺ : "عليك وعلى أمك، إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد للَّه. . . إلخ")، يعني أن الوظيفة في العطاس هذه الأذكار وهذه الأدعية،

стр. 4517

وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٤٠، ٥٠٣١]. ٤٧٤٢ - [١١] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "شَمِّتِ الْعَاطِسَ ثَلَاثًا، فَمَا زَادَ فَإنْ شِئتَ فَشَمِّتْهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [د: ٥٠٣٦، ت: ٢٧٤٤]. ٤٧٤٣ - [١٢] وَعَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ قَالَ: شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: . . . . . ــ والسلام على الحاضرين ليس بشيء معتبر في ذلك، ولكن لما سلم الرجل رد رسول اللَّه ﷺ . وأما قوله: (على أمك) فذكروا فيه وجوهًا: الأول أنه إشارة إلى أن السلام في هذا المحل لم يقع في موقعه كما أن يسلم أحد عند إرادة السلام عليك [و] على أمك، الثاني: أنه تذكير له أن هذا أدب الأميين الذين لم تصلهم التربية من الرجال واكتسبوا في حجر الأمهات الآداب النسائية، الثالث: أنه تنبيه على حماقته من جهة سراية صفات أمه إليه، فافتقر إلى الدعاء لأمه بالسلامة عن الآفات، وذكر في بعض الحواشي [أن] التقدير: عليك الويل وعلى أمك؛ لعدم تأدبك بآداب الرجال، ولعدم تأديبها إياك وحسن تربيتها إياك، واللَّه أعلم. ٤٧٤٢ - [١١] (عبيد) قوله: (وعن عبيد) بلفظ التصغير (ابن رفاعة) بكسر الراء. ٤٧٤٣ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (وقال) ظاهره أن فاعل (قال) أبو داود،

стр. 4518

لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنَّهُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . [د: ٥٠٣٥]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٧٤٤ - [١٣] عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عمَرَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأَنَا أَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَلَيْسَ هَكَذَا، عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٧٣٩]. * * * ــ وليس كذلك، بل الفاعل الراوي عن أبي هريرة، وهو سعيد المقبري على ما يفهم من (سنن أبي داود)، كذا في الحاشية، ويمكن أن يكون المعنى قال أبو داود في حديثه: قال الراوي عن أبي هريرة: لا أعلم إلا أنه رفع الحديث، أي: لا أعلمه إلا مرفوعًا، أي: أن الحديث مرفوع البتة وليس موقوفًا على أبي هريرة. الفصل الثالث ٤٧٤٤ - [١٣] (نافع) قوله: (وأنا أقول) أي: أنا أقول: (الحمد) ثابت (للَّه والسلام على رسول اللَّه)، ولكن ليس المسنون في هذه الحال هذا القول، وإنما الذي علمنا فيها (أن نقول: الحمد للَّه على كل حال) فقط من غير زيادة سلام، فنبّه على أنه ينبغي في الذكر والدعاء الاقتصار على المأثور من غير أن يزاد أو ينقص، فالزيادة في مثله نقصان في الحقيقة، كما لا يزاد في الأذان بعد التهليل: محمد رسول اللَّه ﷺ ، وأمثال ذلك كثيرة.

стр. 4519

٧ - باب الضحك * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٧٤٥ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٩٢]. ٤٧٤٦ - [٢] وَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي. . . . . ــ ٧ - باب الضحك فيه أربع لغات: بفتح الضاد وكسرها وسكون الحاء، وبكسرهما، وبفتح الأول وكسر الثانية. الفصل الأول ٤٧٤٥ - [١] (عائشة) قوله: (مستجمعًا ضاحكًا) استجمع السيل: اجتمع، و (ضاحكًا) حال أو تمييز على نحو: للَّه دره فارسًا، وحاصل المعنى: ما ضحك ضحكًا تامًّا، و (اللهوات) جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق. وقوله: (إنما كان يتبسم) في (القاموس) (١): بَسَم يَبسِم بَسْمًا، وابتسم وتبسم، وهو أقل الضحك، والمبسم كمنزل: الثغر، وكمقعد: التبسم. ٤٧٤٦ - [٢] (جرير) قوله: (ما حجبني) أي: ما منعني عن الدخول عليه في أيّ وقت شئت في مجلس الرجال، أو ما منعني ما سألت منه، وأعطاني كل ما سألت،

стр. 4520

إِلَّا تَبَسَّمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٨٩، م: ٢٤٧٥]. ٤٧٤٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ. [م: ٢٣٢٢، ت: ٢٨٥٠]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٧٤٨ - [٤] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ. . . . . ــ أو ما منعني عما فعلت، أي: ما صدر مني ما يكرهه حتى يمنع. ٤٧٤٧ - [٣] (جابر بن سمرة) قوله: (ويتبسم) وذلك لغاية حلمه وخلقه وشفقته ﷺ على المسلمين وإيلافه قلوبهم، ولا بد أن لا يكون في تحديثهم حرام ومكروه، وقد ورد في خلقه ﷺ : كنا إذا ذكرنا الدنيا ذكر معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، أو كما ورد. الفصل الثاني ٤٧٤٨ - [٤] (عبد اللَّه بن الحارث) قوله: (ابن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاي. وقوله: (ما رأيت أحدًا أكثر. . . إلخ)، قد تقرر أن مثل هذا التركيب يفيد أكثرية مدخول (من).

стр. 4521

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٤٢]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٧٤٩ - [٥] عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: هَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَالإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَعْظَمُ مِنَ الْجَبَلِ، وَقَالَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ: أَدْرَكْتُهُمْ يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الأَغْرَاضِ، وَيَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّة". [شرح السنة: ١٢/ ٣١٨]. * * * ــ الفصل الثالث ٤٧٤٩ - [٥] (قتادة) قوله: (والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل) أي: لا يضحكون كما يضحك الغافلون يميت قلوبهم ويطفئ نور الإيمان، والمراد أنهم مع كون الإيمان راسخًا في قلوبهم يضحكون، فليس الإيمان منافيًا للضحك، فافهم. وقوله: (يشتدون) الشد: العدو، والغرض: الهدف زنةً ومعنًى، يعني كانوا يترامون ويلعبون بالرمي، ويضحك ويميل ويباسط بعضهم إلى بعض في الترامي وغيره. وقوله: (رهبانًا) أي: خائفين من اللَّه تعالى متعبدين وخاشعين، ورهب كعلم رهبة، ورهبًا بالضم والفتح وبالتحريك، ورهبانًا: خاف، والراهب واحد رهبان النصارى، ومصدره الرهبة والرهبانية، وقد يجمع الرهبان على رهابين ورهابنة ورهبانون، و (لا رهبانية في الإسلام) هي كالاختصاء، واعتناق السلاسل، ولبس المسوح، وترك

стр. 4522

٨ - باب الأسامي ــ اللحم، ونحوها، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): رهب بفتحتين ورهبة بسكون، ورهب بالضم: ترسيدن، من سمع يسمع، رجل رهوب بفتح راء: مرد ترسنده، والمراد في الحديث: التشبه بهم في الرياضة والعبادة والخوف، ويجوز أن يكون مصدرًا بمعنى الخوف من قبيل: رجل عدل، والمصدر لا يجمع. ٨ - باب الأسامي [أي] في بيان ما يجوز التسمية به وما لا يجوز، و [ما] يحسن التسمية به وما يكره، والمراد بالاسم هنا أعم من العلم واسم الجنس، وقد ذكر في الباب التسمية والتكني باسم رسول اللَّه وكنيته ﷺ . واعلم أن في هذه المسألة أقوالًا: الأول: أنه يجوز التسمية باسمه ﷺ ولا يجوز التكنية بكنيته، سواء كان الاسم محمدًا حتى يجتمع الاسم والكنية، أو لا يكون حتى تكون الكنية وحدها، وهذا القول منقول عن الشافعي ﵀، ويتمسك بهذين الحديثين، إذ ظاهرهما تجويز التسمية وإباحتها والنهي عن التكني، سواء كان الاسم محمدًا أو لا، والحمل على النهي عن الجمع بعيد. الثاني: أنه لا يجوز الجمع بين الاسم والكنية، حتى لا يجوز أن يقال لأحد: محمد أبو القاسم، ولكن التكني بكنيته ﷺ من غير التسمية جائز، والدليل عليه حديث أبي داود (٣) عن جابر عن النبي ﷺ قال: (من تسمى باسمي فلا يكتنى بكنيتي، ومن تكنى

стр. 4523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بكنيتي فلا يتسم باسمي)، وحديث الترمذي (١): (إذا تسميتم باسمي فلا تكتنوا بكنيتي)، وعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته، ويسمى محمدًا أبا القاسم، وفي رواية: (إذا تسميتم بي فلا تكتنوا بي)، وهؤلاء يقولون: إن هذه الأحاديث تقيد وتفسر الحديثين السابقين، يعني أن النهي عن التكني فيهما مقيد بأن يكون الاسم محمدًا، والمراد بهما أيضًا النهي عن الجمع، كأنه قال: سموا باسمي، وإذا سميتم باسمي فلا تكتنوا بكنيتي، حتى يلزم الجمع بينهما، ونقل عن (المحيط) أن هذا قول محمد ﵀. الثالث: أن الجمع بين الاسم والكنية أيضًا جائز، ونقل هذا القول عن مالك ﵀، واستدلاله حديث أبي داود عن علي ﵁ قال: قلت: أرأيت يا رسول اللَّه إن ولد لي بعدك ولد أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: (نعم)، صححه الترمذي، وفي (جامع الأصول) (٢) أورده عن أبي داود عن محمد بن الحنفية عن أبيه، ويحدثه عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه! إني قد ولدت غلامًا فسميته محمدًا وكنيته أبا القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك، فقال: (ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي)، وهذه الطائفة تقول: إن الأحاديث التي جاءت في المنع عن الجمع بينهما منسوخة، وهو جائز في حياة النبي وبعد وفاته ﷺ . الرابع: أن التكني بأبي القاسم كان ممنوعًا في حياته ﷺ ، أما بعد وفاته فجائز؛ لأن سبب المنع كان الالتباس على ما علم من الحديث المتفق عليه: أنه ﷺ كان في

стр. 4524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السوق -وفي رواية: بالبقيع- فنادى رجل يا أبا القاسم! فالتفت إليه النبي ﷺ ، الحديث المذكور في أول الباب، وهذا المحذور إنما يلزم في حياته، وفي حديث علي ﵁ إشارة إلى ذلك، حيث قال ﷺ : إن ولد لي بعدك، وقد ضعف بعضهم هذا الحديث، كذا قيل، ولكن الترمذي صححه، والصحيح في الجواب أن هذه الرخصة كانت مخصوصة بعلي ﵁ حيث جاء في حديث الترمذي: وقال: وكانت رخصة لي. وذكر السيوطي في (جمع الجوامع) (١): عن ابن عساكر أنه وقع بين علي وطلحة كلام، قال طلحة لعلي: أنت سميت ولدك باسم النبي ﷺ وكنيته بكنيته ﷺ ، وقد نهى عن الجمع بينهما، فقال علي المرتضى ﵁: المجترئ من تجرأ على اللَّه ورسوله، فدعا جماعة من الصحابة من قريش فحضروا وشهدوا أن النبي ﷺ رخص لعلي في الجمع بينهما، وحرم على سائر الأمة ممن سواه. وهذه الأقوال الأربعة هي المشهورة الدائرة بين الألسنة، وقد ذهب بعض العلماء أنه قد صح النهي عن التكنية، فلا يجوز التسمية أيضًا قياسًا على التكنية، لعدم الفرق بينهما؛ لأن كلاهما علم مخصوص بذاته؛ ولأن المحذور اللازم من التكني كما علم من نداء شخص رجلًا بأبي القاسم لازم في التسمية أيضًا، ولا تعريج على هذا القول، ولعل وجهه أن اختصاص الكنية أشد وأقوى وأشهر بالنسبة إلى الاسم، ولزوم المحذور المذكور في النداء بالاسم محل منع للعلم باشتراك الاسم، فلا يقع الالتفات عند النداء به؛ ولأن التسمية باسمه ﷺ تجوز بلا شبهة، وكم من الصحابة

стр. 4525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كانوا مسمين باسم محمد، وقد قرره النبي ﷺ ، بل يكاد يستحب؛ لورود صيغة الأمر ووجود الترغيب والتبشير به في بعض الأحاديث وإن كانت ضعيفة، فهو قياس وتعليل في مقابلة النص، فلا يجوز. هذا وقد ذكر الطيبي (١) في المنع عن التسمية باسمه ﷺ أنه قد جاء فيه أنه قال ﷺ (تسمون أولادكم محمدًا ثم تلعنونهم)، وفي دلالة هذا الحديث على المنع خفاء ظاهر. نعم ما نقل أنه كتب عمر إلى أهل الكوفة: لا تسموا أحدًا باسم النبي ﷺ ، وسببه أنه سمع رجلًا يقول لمحمد بن زيد بن الخطاب ابن أخيه: فعل اللَّه بك يا محمد، فدعاه عمر ﵁، فقال: أرى رسول اللَّه ﷺ يسب بك، واللَّه لا تدعى محمدًا ما بقيت، وسماه عبد الرحمن. وذهب بعض العلماء أن التسمية بالقاسم أيضًا مكروه؛ لأنه إذا سمي بالقاسم كان أبوه أبا القاسم ضرورة، فيلزم التكني بكنيته، وقد رُوي أن عبد الملك بن مروان كان اسمه في الأصل قاسمًا؛ فلما سمع مروان النهي عن التكني بكنيته ﷺ غير اسمه وسماه عبد الملك، وقد جاء مثله من بعض الأنصار أيضًا. إذا عرفت هذا فاعلم أن الصواب من هذه الأقاويل أن التسمية باسمه ﷺ جائزة، والتكني بكنيته ممنوع، ومنعه في زمنه ﷺ كان أقوى وأشد، والجمع بين الاسم والكنية ممنوع بطريق الأولى، والجواب عن حديث عائشة ﵂: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، الحديث: أنه غريب لا يعارض الحديث الصحيح، واللَّه أعلم.

стр. 4526

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٧٥٠ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ (١) ﷺ فِي السُّوقِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ: "سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٢٠، م: ٢١٣١]. ٤٧٥١ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، فَإِنِّي إِنَّمَا جُعِلْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١١٤، م: ٢١٣٣]. ــ الفصل الأول ٤٧٥٠ - [١] (أنس) قوله: (ولا تكتنوا) رويت هذه اللفظة بوجوه: بفتح تاء وكاف ونون مشددة من باب التفعل بحذف إحدى التاءين، وبفتح تاء وسكون كاف من الكنية، وبضم التاء وفتح كاف ونون مشددة من التفعيل، و (تكتنوا) بفتح التاءين بينهما كاف ساكنة من الافتعال، وأكثر ما يوجد في نسخ (المشكاة) المصححه هذا، ويكتبون في الهامش من التفعيل، واللَّه أعلم. ٤٧٥١ - [٢] (جابر) قوله: (فإني إنما جعلت قاسمًا أقسم بينكم) يعني إنما كنيت بأبي القاسم رعاية لمعنى القسمة، فإني أقسم بينكم بأمر اللَّه تعالى العلم والمال والبشارة والنذارة وخير الأعمال، ولا يشاركني في هذا المعنى أحد، فلم يجز أن يكنى به. هذا، وقد يذهب الفهم إلى أن تكنيته ﷺ بأبي القاسم من جهة ابنه القاسم الذي ولد قبل النبوة، ولكن الحديث يدل على ما يدل، فتدبر. وذهب بعضهم أنه يمنع من

стр. 4527

٤٧٥٢ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٣٢]. ٤٧٥٣ - [٤] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَياحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلَا يَكُونُ، فَيَقُولُ: لَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: "لَا تُسَمِّ غُلَامكَ رَبَاحًا، وَلَا يَسَارًا، وَلَا أَفْلَحَ، وَلَا نَافِعًا". [م: ٢١٣٦]. ــ التكنية بأبي القاسم إذا روعي فيه معنى القسمة التي كني بها رسول اللَّه ﷺ ، ولو كني به أحد للنسبة إلى ابن له اسمه قاسم أو للعلمية المجردة جاز، وهذا القول ضعيف. ٤٧٥٢ - [٣] (ابن عمر) قوله: (إن أحب أسمائكم إلى اللَّه عبد اللَّه وعبد الرحمن) لما فيهما من الاعتراف بالعبودية والتعلق بذات اللَّه تعالى المستجمع لصفات الكمال، والتمسك بصفاته المقدسة، والظاهر أن حكم جميع الأسماء التي يضاف فيها العبد إلى اسم من أسمائه تعالى كذلك، اللهم إلا أن يفرق بين الصفات اللطفية والقهرية، ثم إنه قد قيد في بعض الحواشي بقوله: بعد أسماء الأنبياء، وإضافة أسماء إلى ضمير المخاطبين ربما يشعر بذلك، وسيجيء في آخر (الفصل الثالث) ما يتعلق به. ٤٧٥٣ - [٤] (سمرة بن جندب) قوله: (فلا يكون) أي: فلا يوجد ذلك الغلام في ذلك المكان. وقوله: (فيقول) أي: المجيب، (لا) أي: لا يسار ولا رباح، ولا يحسن هذا النفي، وليس هذا من النظير؛ لأنه إنما يكون عند إرادة الفعل والشروع فيه، فافهم. وقوله: (ولا نافعًا) قد ذكر في هذه الرواية نافع لا نجيح، ويستشعر من ذلك بعدم الانحصار في هذه الأسماء، وذلك ظاهر، وقد جاء التصريح به في حديث جابر

стр. 4528

٤٧٥٤ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، وَبِبَرَكَةَ، وَبِأَفْلَحَ، وَبِيَسَارٍ، وَبِنَافِعٍ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، ثُمَّ قُبِضَ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٣٨]. ٤٧٥٥ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ". . . . . ــ حيث قال: وبنحو ذلك. ٤٧٥٤ - [٥] (جابر) قوله: (ثم رأيته سكت بعد عنها، ثم قبض ولم ينه عن ذلك) هذا الخبر ناف، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة النهي، والمثبت مقدم على النافي، أو المراد النهي التحريمي. ٤٧٥٥ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (أخنى الأسماء) أي: أقبحها وأفحشها، في (الصراح) (١): خنى: سخن بيهوده كَفتن، وأخنى عليه في منطقه: إذا فحش، وأخنى عليه الدهر: أي أبى عليه وأهلكه. وقوله: (رجل يسمى ملك الأملاك) أي: اسم رجل سمي بهذا الاسم، و (يسمى) بلفظ المجهول من التسمية، وهو الصحيح، وفي بعض النسخ [بفتح الفوقية] بصيغة المعلوم من التسمي، ومعناه بالفارسية: شاهنشاه، وفي رواية: (أخنع)، وفي (القاموس) (٢): أخنع الأسماء عند اللَّه ملك الأملاك، أي: أذلها وأقهرها، وفي (الصراح) (٣): خنعة بدكَماني، ويروى أيضًا أنخع الأسماء، وفسّره أيضًا في (القاموس):

стр. 4529

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ". [خ: ٦٢٠٦، م: ٢١٤٣]. ٤٧٥٦ - [٧] وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: سُمِّيتُ بَرَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، ــ بأذلها وأقهرها، وقال في (الصراح) (١): الانتخاع: دور شدن، فيكون معناه: أبعدها عن رضا اللَّه وقبوله. وقوله: (وفي رواية لمسلم قال: أغيظ رجل) في (القاموس) (٢): الغيظ: الغضب، أو أشده، أو سَورَتُه وأوله، غاظه يَغيظه فاغتاظ، وغيَّظه، فتغيَّظ، وأغاظه وغايظه، قال الطيبي (٣): أي أكثر من يغضب عليه غضبًا، اسم تفضيل بني للمفعول، وفي (الصراح) (٤): غيظ: خشم بنهان وبخشم در آوردن، وعلى المعنى الثاني يجوز حمله على المبني للفاعل. وفي قوله: (لا ملك إلا اللَّه) مبالغة؛ لأنه إذا لم يكن غيره تعالى ملكًا فكيف يكون ملك الأملاك. ٤٧٥٦ - [٧] (زينب بنت أبي سلمة) قوله: (لا تزكوا أنفسكم) تزكية الرجل

стр. 4530

اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ، سَمُّوهَا زَيْنَبَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٤٢]. ٤٧٥٧ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ جُويرِيَةُ اسْمُهَا بَرَّةُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْمَهَا جُويرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٤٠]. ٤٧٥٨ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ بِنْتًا كَانَتْ لِعُمَرَ يُقَالُ لَهَا: عَاصِيَةُ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمِيلَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٣٩]. ــ نفسه: ثناؤه عليها، و (البر) اسم لكل فعل مرضي. ٤٧٥٧ - [٨] (ابن عباس) قوله: (كانت جويرية) هي زوجة النبي ﷺ من قبيلة بني المصطلق. وقوله: (وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة) علل النهي عن التسمية ببرة في زينب بتوهم التزكية، وهنا بهذه الكراهة، وكل منهما يصلح للسببية، ولا مزاحمة في الأسباب، ولعله ﷺ وجد من قوم زينب التمدح في التسمية دون جويرية، واللَّه أعلم. ولا يخفى أن ما ذكر في النهي عن تسمية الغلام بنجيح وأفلح يجري ههنا أيضًا، وما ذكر هنا يجري هناك. ٤٧٥٨ - [٩] (ابن عمر) قوله: (عاصية) كانت العرب يسمون بالعاصي والعاصية ذهابًا إلى معنى التكبر والتعظيم عن الذل والانقياد والعجز والتنزه عن العيب والنقصان، فلما جاء الإسلام نهوا عنه. وقوله: (فسماها جميلة) قريب التضاد من معنى العاصية، مع أنه لا يلزم أن يكون التغير إلى الضد، بل من القبح إلى الحسن.

стр. 4531

٤٧٥٩ - [١٠] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُتِيَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وُلِدَ، فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ فَقَالَ: "مَا اسْمُهُ؟ " قَالَ: فلَانٌ، قَالَ: "لَا، لَكِنِ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٩١، م: ٢١٤٩]. ٤٧٦٠ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي، وَجَارِيتِي، وَفَتَايَ، وَفَتَاتِي، وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ: رَبِّي، ــ ٤٧٥٩ - [١٠] (سهل بن سعد) قوله: (قال: فلان) قال الشيخ (١): لم أقف على تعيينه. وقوله: (لا) أي: لا تسموه به، أو لا أرضى بأن يكون اسمه ذلك، والمنذر في معنى الفقيه، أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]. ٤٧٦٠ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (ولكن ليقل: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي) قال في (القاموس) (٢): الغلام من حين يولد إلى حين يشبّ، وفي (الصراح) (٣): غلام: كودك، وجارية: دختر خرد، وفتى: مرد جوان، وفتاة: زن جوان، وفي إطلاق الغلام على العبيد والإماء رحمة وشفقة لهم، وإنما أطلق الفتى والفتاة لأنه يعامل معهم معاملة الشباب ولا يوقرون كالمشايخ، ويمكن أن يكون لأجل أنهم يتجلدون في الخدمة كتجلد الشباب وإن كانوا هرمى. وقوله: (ولا يقل العبد: ربي) لأنه وإن كان مربيًا للعبد ولكن التربية على الحقيقة

стр. 4532

وَلَكِنْ لِيَقُلْ: سَيِّدِي". وَفِي رِوَايَةٍ: "لِيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ". وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا يَقُلِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: مَوْلَايَ، فَإِنَّ مَوْلَاكُمُ اللَّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٤٩]. ٤٧٦١ - [١٢] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُولُوا: الْكَرْمَ؛ فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤمِنِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٤٧]. ٤٧٦٢ - [١٣] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: "لَا تَقُولُوا: الْكَرْمَ؛ وَلَكِنْ قُولُوا: الْعِنَبَ وَالْحَبَلَةَ". [م: ٢٢٤٨]. ــ صفة خاصة للَّه رب العالمين، فإطلاقه يوهم الاشتراك، وكذلك حال المولى، ولكن يجوز إطلاق الموالاة دون الربوبية؛ فإن أمرها أقوى وأشد، وأما السيادة والرياسة والفضيلة فثابتة للمالك على المملوك لا محالة. ٤٧٦١ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (لا تقولوا: الكرم؛ فإن الكرم قلب المؤمن) الكرم بفتح الراء وسكونها مصدر كرم يكرم، يوصف به للمبالغة على طريقة رجل عدل، يستوي المذكر والمؤنث والمفرد والتثنية والجمع، ويقال: رجل كرم وامرأة كرم ورجلان كرم ورجال كرم ونسوة كرم بمعنى كريم، كذا قال الطيبي (١)، والكرم يطلق على العنب وشجره، وجاء في رواية: (فإن الكرم الرجل المسلم) (٢). ٤٧٦٢ - [١٣] (وائل بن حجر) قوله: (والحبلة) بالحاء المهملة والباء الموحدة المفتوحتين، وقد تسكن الباء، اسم لشجر العنب، وقد يطلق على العنب نفسه مجازًا.

стр. 4533

٤٧٦٣ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، ــ وقد ذكروا في الحديث وجهين: أحدهما: أن المقصود هو النهي عن تسمية العنب أو شجره كرمًا، فإن العرب كانوا يسمونه كرمًا بسكون الراء لما أن شرب الخمر التي تحصل منه يورث الكرم والسخاوة فنهي عنه؛ لأن وصف ما هو أم الخبائث ومنشأ الآثام ورجس من عمل الشيطان ذريعة إلى مدح المحرمات، وتهييج للنفوس إليها وترغيب لها فيها، وقال: إن هذا الاسم إنما يليق بالمؤمن أو بقلبه لكونه معدن أنوار العلم والتقوى ومنبع الأسرار والمعارف، لأن لفظ الكرم شامل لجميع الخيرات والمكارم، قالوا: إذا وصفت أحدًا بالكرم فكأنك أثبتَّ له الخيرات والحسنات كلها. وثانيهما: إنه ليس المقصود الأصلي من الحديث النهي عن التسمية، بل نهى عن تخصيص هذا الاسم به، والمراد تنبيه المؤمنين وتحريضهم على تحلية القلوب بالتقوى ومكارم الأخلاق ومحامد الصفات، وعلى أن لا يرضوا بأن يوسم هذا النوع من الأشجار باسم الكرم وهم أحقاء بذلك، فكأنه قال: تسمون العنب بالكرم وتخصونه به، وينبغي لكم أن تكونوا أصحاب هذا الاسم ومتصفين بهذه الصفة، وهذا حاصل ما ذكره الزمخشري أن المقصود من هذا الحديث تقرير قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وتأكيده بطريق أنيق ومسلك لطيف بأن المؤمن المتقي متأهل ومستحق بالاسم المشتق من الكرم، وهو الكريم. ٤٧٦٣ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (لا تسموا العنب الكرم) قد يستأنس بالاكتفاء

стр. 4534

وَلَا تَقُولُوا: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدهرُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦١٨٢]. ٤٧٦٤ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَسُبُّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٤٧]. ٤٧٦٥ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٧٩، م: ٢٢٥٠]. وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: "يُؤذِينِي ابْنُ آدمَ" فِي (بَابِ الْإِيمَانِ). ــ بالنهي عن التسمية من غير تعليله بقوله: (فإن الكرم قلب المؤمن) بأن الظاهر هو الوجه الأول من الوجهين المذكورين للنهي عن التسمية بالكرم، واللَّه أعلم. ٤٧٦٤ - [١٥] (وعنه) قوله: (فإن اللَّه هو الدهر) أي: المصرف الفعال، قد سبق شرحه في أول الكتاب في (كتاب الإيمان). ٤٧٦٥ - [١٦] (عائشة) قوله: (ولكن ليقل: لقست نفسي) قال في (القاموس) (١): لقست نفسه إلى الشيء كفرح: نازعته إليه، ومنه: غَثَتْ وخبثت، وفي (الصراح) (٢): لقس: شوريدن دل وتباه شدن. وإنما كره ﷺ لفظ خبثت لقبحه، ولئلا ينسب المسلم الخبث إلى نفسه، والحاصل أن خبثت ولقست عبارتان في الغثيان، وكره الأول لما ذكر.

стр. 4535

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٧٦٦ - [١٧] عَن شُرَيْحِ بْنِ هَانِئ عَنْ أَبيهِ: أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ " قَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بِحُكْمِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَحْسَنَ هَذَا! ، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ " قَالَ: لِي شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: "فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ " قَالَ: قُلْتُ: شُرَيْحٌ. قَالَ: "فَأَنْتَ. . . . . ــ الفصل الثاني ٤٧٦٦ - [١٧] (شريح بن هانئ) قوله: (أنه) أي: إياه، و (أبو الحكم) بفتحتين هو الحاكم، وقد يضيفون الأب في الكنى إلى المشتق الدال على الذات مع الصفة مثل أبو القاسم، والمقصود هو الصفة. وقوله: (ما أحسن هذا) الظاهر أنه صيغة تعجب، رد ﷺ عليه عذره وحاله؛ فإنه لما كان الحكم هو اللَّه تعالى، وانحصرت هذه الصفة في اللَّه تعالى، لم يكن تكنية القوم إياه الحكم عذرًا في ذلك، ولكنه ﷺ منعه على وجه لطيف، وحسن أمره بأن ذلك حسن، ولكن التكنية به لا تحسن، كذا قال الطيبي (١)، وفي بعض الحواشي: أن كلمة (ما) نافية، و (هذا) إشارة إلى التكني، ولكن صيغة الإفعال لا تلائمه إلا أن تكون للضرورة، والظاهر: ما حسن، والوجه هو الأول لفظًا ومعنًى، فافهم.

стр. 4536

أَبُو شُرَيْحٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٩٥٥، ن: ٥٣٨٧]. ٤٧٦٧ - [١٨] وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: لَقِيتُ عُمَرَ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَعِ. قَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الأَجْدَعُ شَيْطَانٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وابنُ مَاجَه. [د: ٤٩٥٧، جه: ٣٧٣١]. ٤٧٦٨ - [١٩] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ؛ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ١٩٤، د: ٤٩٤٨]. ــ ٤٧٦٧ - [١٨] (مسروق) قوله: (الأجدع شيطان) قال في (القاموس) (١): الجدع: قطع الأنف والأذن واليد والشفة، والأجدع: الشيطان، ووالد مسروق التابعي الكبير، وغيّره عمر بن الخطاب وسماه عبد الرحمن، انتهى. ٤٧٦٨ - [١٩] (أبو الدرداء) قوله: (تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم) قد جاء في بعض الروايات أنه يدعى الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم، وقيل: الحكمة في ذلك ستر حال أولاد الزنا لئلا يفتضحوا لعدم الآباء لهم، وقيل: ذلك لرعاية حال عيسى بن مريم عليهم الصلاة والسلام إذ لا أب له، وقيل: لإظهار فضل الحسن والحسين وشرفهما سلام اللَّه تعالى عليهما بإظهار نسبتهما إلى رسول اللَّه ﷺ ، فإن ثبتت هذه الرواية حمل الآباء على التغليب كما في الأبوين، ويحمل أنهم يدعون تارة بالآباء وأخرى بالأمهات، أو يدعى البعض بالآباء والبعض بالأمهات، أو في بعض المواطن بهم وفي بعضها بهن، واللَّه أعلم.

стр. 4537

٤٧٦٩ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَجْمَعَ أَحَدٌ بَيْنَ اسْمِهِ وكُنْيَتِهِ، وَيُسَمِّي مُحَمَّدًا أَبَا الْقَاسِم. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٨٤١]. ٤٧٧٠ - [٢١] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَمَّيْتُمْ بِاسْمِي فَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: "مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي فَلَا يَكْتَنِ بِكُنْيَتِي، وَمَنْ تَكَنَّى بِكُنْيَتِي فَلَا يَتَسَمَّ بِاسْمِي". [ت: ٢٨٤٢، جه: ٥٧٨٦، د: ٤٩٦٦]. ٤٧٧١ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي وَلَدْتُ غُلَامًا فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّيْتُهُ أَبَا الْقَاسِمِ، فَذُكِرَ لِي أَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: "مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي؟ أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي؟ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ مُحْيِيُ السُّنَّةِ: غَرِيبٌ. [د: ٤٩٦٨]. ــ ٤٧٦٩ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (ويسمي محمدًا أبا القاسم) في بعض الروايات (يسمى) على بناء المجهول و (محمد) مرفوع، فيكون (أبا القاسم) مفعولًا ثانيًا، وفي بعضها على بناء الفاعل، وعلى هذا يحتمل أن يكون (أبا القاسم) مفعولًا ثانيًا، أو يكون بدلًا من (محمدًا) كما يقع في التراكيب والتراجم، والمفعول الأول لـ (يسمى) محذوفًا، أي: يسميه محمدًا أبا القاسم، فافهم. ٤٧٧٠ - [٢١] (جابر) قوله: (إذا سميتم باسمي فلا تكتنوا بكنيتي) ظاهر في عدم الجمع بين الاسم والكنية وجواز التكني مفردًا، ورواية أبي داود أصرح في ذلك. ٤٧٧١ - [٢٢] (عائشة) قوله: (أنك تكره ذلك) أي: الجمع. وقوله: (أو ما الذي) شك من الراوي بتقديم إحدى الجملتين على الأخرى،

стр. 4538

٤٧٧٢ - [٢٣] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ وُلِدَ لِي بَعْدَكَ وَلَد أُسَمِّيهِ بِاسْمِكَ وَأُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٦٧]. ٤٧٧٣ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَنَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَقْلَةٍ كُنْتُ أَجْتَنِيهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي "الْمَصَابِيحِ" صَحَّحَهُ. [ت: ٣٨٣٠]. ــ وهذا الحديث يدل على أن النهي من ذلك للتنزيه لا للتحريم، لكن الحديث ضعيف. ٤٧٧٢ - [٢٣] (محمد بن الحنفية) قوله: (إن ولد لي بعدك) يدل على أن النهي مقصور على زمانه ﷺ . وقوله: (رواه أبو داود) وفي بعض النسخ: وكانت رخصة لي، وكتب في الحاشية: هذه رواية الترمذي، وقد سبق تفصيل الكلام في هذا المقام. ٤٧٧٣ - [٢٤] (أنس) قوله: (ببقلة كنت أجتنيها) وهي الحمزة، وهي بقلة خريفية في طعمها حموضة، يقال لها بالفارسية: تره تيزك، وفي (الصراح) (١): حمز: زبان كز شدن شراب وكَياه، حمزة: تره تيزك، وكنية أنس ﵁ بأبي حمزة بهذا الوجه. وقوله: (وفي المصابيح صححه) أي: حكم بصحة هذا الحديث، وإن ذكره في (الفصل الثاني) من الحسان ردًّا على الترمذي حيث حكم بغرابته، حيث قال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا يذهب عليك أن توحد الطريق والغرابة لا ينافي الصحة، إلا أن يراد بالغريب الشاذ؛ فإنه قد يطلق عليه، ولكن ظاهر عبارته لا يلائمه كما حققناه

стр. 4539

٤٧٧٤ - [٢٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٨٣٩]. ٤٧٧٥ - [٢٦] وَعَنْ بَشِيرِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَمِّهِ أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ: أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: أَصْرمُ كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا اسْمُكَ؟ " قَالَ: أَصْرَمُ، قَالَ: "بَلْ أَنْتَ زُرْعَةُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٥٤]. ٤٧٧٦ - [٢٧] وَقَالَ: وَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ الْعَاصِ، ــ في المقدمة، فتدبر. ٤٧٧٤ - [٢٥] (عائشة) قوله: (كان يغير الاسم القبيح) إما إلى ضده وهو الأكثر، كما روي: أن رجلًا كان اسمه أسود فسماه أبيض، وإما إلى اسم آخر ليس فيه قباحة وإن لم يكن ضدًّا كما أشرنا إليه سابقًا. ٤٧٧٥، ٤٧٧٦ - [٢٦، ٢٧] قوله: (وعن بشير بن ميمون) بفتح الباء و (أخدري) على وزن الأشعري. وقوله: (قال: بل أنت زرعة) لما كان الصرم بمعنى القطع منبئًا بانقطاع الخير والبركة غيّره إلى زرعة المشتق من الزرع المشعر بهما، وفيهما معنى التضاد، وهو من باب الزراعة، إذ الصرم هو قطع النخل والشجر، في (القاموس) (١): صرم النخل والشجر: جزّه. وقوله: (وغير النبي ﷺ اسم العاص) الحديث، العاص مخفف العاصي، وهو

стр. 4540

وَعَزِيزٍ، وَعَتَلَةَ، وَشَيْطَانٍ، وَالْحَكَمِ، وَغُرَابٍ، وَحُبَابٍ، وَشِهَابٍ، وَقَالَ: تَرَكْتُ أَسَانِيدَهَا لِلاخْتِصَارِ. ــ يدل على العصيان وعدم الإطاعة والانقياد، وشعار المؤمن الإطاعة والاستسلام، (وعزيز) دال على العزة والغلبة، ودأب العبد الذل والخضوع، والعزة وإن كانت ثابتة للمؤمن ولكنه بإعزاز اللَّه الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، وشأنه في نفسه الذل ولا يصح ادعاؤه لنفسه، والتسمية به تنبع عن الادعاء. (وعتلة) بفتحات: المدرة الكبيرة تنقلع من الأرض [إذا أثيرت]، وحديدة كأنها رأس فأس، والعصا الضخمة من حديد لها رأس مُفَلْطَحٌ يُهدم بها الحائط، وبيرم النجار، وهي تشعر بالغلظة والشدة والخشونة، وصفات المؤمن خلاف ذلك، (وشيطان) إن اعتبر ما في أصل معناه الذي هو الشَّطَن من البعد والخبث، يقال: بئرٌ شَطونٌ: بعيدة القعر، والشاطن: الخبيث، أو الشوط من الطرد والإعياء والاحتراق والهلاك، فذاك، وإن اعتبر اسم إبليس فظاهر. (والحكم) قد علم أنه الحاكم الذي لا يرد حكمه، ولا حاكم إلا اللَّه، (وغراب) إن اعتبر أصل معناه ففيه معنى البعد والذهاب والتنحي والحدة والنشاط والتمادي والغربة، وإن اعتبر اسمًا للطائر المعروف فهو أخبث الطيور؛ لوقوعه على الجيف والقاذورات، (وحباب) اسم للحية وجمع حبابة: دويبة سوداء مائية، واسم الشيطان، (وشهاب) اسم شعلة نار ساطعة يرمى بها الشياطين، فكرِه التسمية بهذه الأسماء، ثم إنهم لم يذكروا أسماء غيَّرها إليها، واللَّه أعلم. وقوله: (وتركت أسانيدها للاختصار) لأنه لا يتعلق بها غرض واجب شرعي يهتم بصحة إسناده أو ضعفه، بل هو أمر استحساني يعمل به على وجه الاستحسان وإن ضعف الإسناد.

стр. 4541

٤٧٧٧ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ -أَوْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِأَبِي مَسْعُودٍ-: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي زَعَمُوا؟ ". قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. . . . . ــ ٤٧٧٧ - [٢٨] (أبو مسعود الأنصاري) قوله: (في زعموا) أي: في شأن هذه اللفظة ومعناها، والزعم بضم الزاي وفتحها قريب من معنى الظن، كذا في (النهاية) (١)، وفي (الصراح) (٢): زعم: كَفتن أز باب نصر ينصر، وفي (المجمل): الزعم قول بلا صحة واعتماد، وفي (القاموس) (٣): الزعم مثلثة: القول الحق والباطل والصدق والكذب، ضد، وأكثر ما يقال فيما شك فيه. وقوله: (بئس مطية الرجل) أي: زعموا، والمخصوص محذوف، وفيه وجهان: أحدهما: أنه شبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه يتوصل به إلى غرضه ومقصوده منه بالمطية، أي: المركب الذي يصل به إلى حاجته، يعني أن (زعموا) بئس مطية يجعلها المتكلم مقدمة كلامه، والمقصود أن الإخبار بخبر مبناه على الشك والتخمين دون الجزم واليقين قبيح، بل ينبغي أن يكون لخبره سند وثبوت، ويكون على ثقة من ذلك لا مجرد حكاية على ظن وحسبان كما جاء في الحديث: (كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع)، وفي المثل: زعموا مطية الكذب. وثانيهما: أنه لا ينبغي للرجل أن ينسب الزعم والكذب إلى الناس ويقول:

стр. 4542

وَقَالَ: إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ حُذَيْفَةُ. [د: ٤٩٧٢]. ٤٧٧٨ - [٢٩] وَعَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فلَانٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٣٨٤، د: ٤٩٨٠]. ــ زعم فلان إلا أن يكون على يقين من كذبه ويريد أن يجنب عن كذبه الناس ويحذرهم عن ذلك، فيجوز لمثل هذه المصلحة نسبة الزعم والكذب إلى أحد كما يفعله المحدثون وأمثالهم في الجرح والتعديل، ومناسبة هذا الحديث للباب لا تخلو عن خفاء، فكأن (زعموا) صار اسمًا لهذا الجنس من الخبر. ٤٧٧٨, ٤٧٧٩ - [٢٩، ٣٠] (حذيفة) قوله: (لا تقولوا: ما شاء اللَّه وشاء فلان) لسوء الأدب وتوهم الإشراك، إذ مشيئة اللَّه تعالى هي المشيئة، لا يعتبر في جنبها مشيئة العبد، ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن. وقوله: (ولكن قولوا: ما شاء اللَّه ثم شاء فلان) يعني إن كان لا بد تذكرون مشيئة العبد اعتبارًا لظاهر الأسباب العادية اذكروا ما يدل على تبعيتها وتأخرها عن مشيئة اللَّه في الرتبة، ولا تذكروها بحيث يدل على مساواتها لها، هذا في حق العامة، وأما في حق نفسه ﷺ فلا يجوز إلا التوحيد، ونهى أن يقولوا: (ما شاء اللَّه وشاء محمد)، بل ينبغي أن يقولوا: (ما شاء اللَّه وحده)، وذلك لكونه في غاية العبودية الحقيقية والتواضع لجناب عزة اللَّه، ومستغرقًا في بحر التوحيد، وأيضًا لرفعة شأنه وعلو قدره يغلب توهم الإشراك فيه كما تقول العامة: ما فعل اللَّه ورسوله، ما شاء اللَّه ورسوله، كما يتوهم ذلك في الوزير مع الملك، ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي﴾ [آل عمران: ٧٩].

стр. 4543

٤٧٧٩ - [٣٠] وَفِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعًا قَالَ: "لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١٢/ ٣٦١]. ٤٧٨٠ - [٣١] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ؛ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٧٧]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٧٨١ - [٣٢] عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَحَدَّثَنِي أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "مَا اسْمُكَ؟ ". . . . . ــ و(حذيفة) قوله: (وفي رواية منقطعًا) أي غير متصل سنده، وهو معنى الحديث المنقطع، ويخص بغير صورة الإرسال، وقد يستعملان مترادفين. ٤٧٨٠ - [٣١] (وعنه) قوله: (فإنه إن يك سيدًا فقد أسخطتم ربكم) قيل: معناه إن يك سيدا وجب طاعته، وذلك موجب لسخط الرب تعالى، وحاصله أن القول بكون المنافق سيدًا اعتراف بوجوب طاعته وانقياده موجب لسخطه تعالى، وقيل: أراد أنكم بهذا القول أسخطتم ربكم، فوضع الكون موضع القول، وقيل: معناه إن يك سيدًا؛ أي: ذا مال وجاه دنيوي أغضبتم اللَّه؛ لأنكم عظمتم من لا يستحق التعظيم، وإن لم يكن كذلك فقد كذبتم، فافهم. الفصل الثالث ٤٧٨١ - [٣٢] (عبد الحميد) قوله: (فحدثني أن جده حزنًا) وكان من المهاجرين

стр. 4544

قَالَ: اسْمِي حَزْنٌ، قَالَ: "بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ"، قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٣٦]. ٤٧٨٢ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي وَهَبٍ الْجُشَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وهمامٌ، ــ من أشراف قريش في الجاهلية، روى عنه ابنه المسيب، وقتل يوم اليمامة، وكان المسيب ممن بايع تحت الشجرة، و (الحزن) بفتح الحاء وسكون الزاي: ما غلظ من الأرض، ضد السهل، وفي (الصراح) (١): الحزن: زمين درشت، سهل: زمين نرم، نقيض جبل، ولما استقبح رسول اللَّه ﷺ هذا الاسم لإنبائه عن حزونة الحال وشدته أشفق عليه وأراد أن يغيره بضده، لكنه لم يقبله لكونه جافي الطبع، فأظهر الجفاء والخشونة، ولعل عدم قبوله تغير اسمه كان في أول قدومه وهجرته للإسلام حين لم يحسن إسلامه، ولم يتهذب أخلاقه، ولم يتشرف بطول صحبته ﷺ ، والصحابة إنما تهذب أخلاقهم بصحبته وطول خدمته ﷺ ، اللهم إلا من كان صافي الجوهر وصيقله من الأصل، وقليل ما هم، واللَّه أعلم. ٤٧٨٢ - [٣٣] (أبو وهب) قوله: (وعن أبي وهب الجشمي) بضم الجيم وفتح الشين المعجمة، منسوب إلى جشم بن سعد. وقوله: (وأصدقها حارث وهمام) قال في (القاموس) (٢): الحرث: الكسب،

стр. 4545

وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ ومُرَّةُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٥٠]. * * * ٩ - باب البيان والشعر ــ وجمع المال، والزرع، وهمام من الهم، ولا يخلو أحد من الكسب والهم، ولو لوحظ معنى الزرع وأريد التوفيق لعمل الآخرة تفاؤلًا بحكم الدنيا مزرعة الآخرة والاهتمام له لم يبعد، وأما معنى جمع المال والميل إليه والمحبة له فلا يشمل الكل، اللهم إلا بحكم الطبيعة والجبلة، والأصح الأظهر إرادة معنى الكسب. واعلم أنه ﷺ أمر أولًا بالتسمي بأسماء الأنبياء، ولما كان في ذلك شائبة عجب وتزكية للنفس نزل إلى قوله: (أحب الأسماء عبد اللَّه وعبد الرحمن)؛ لأن فيه خضوعًا واستكانة على ما سبق، ثم نظر إلى أن العبد قد يقصر في العبودية فلا يكون هذا الاسم صادقًا [عليه، فـ] نزل إلى نحو حارث وهمام؛ فإنه صادق قطعًا، كذا قال الطيبي (١). ٩ - باب البيان والشعر (٢) (البيان) في الأصل: الكشف والظهور، في (القاموس) (٣): بان بيانًا: اتضح، فبان وبيَّن وتبيَّن وأبان واستبان كلها لازمة متعدية، وفي (الصراح) (٤): بيان: سخن

стр. 4546

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٧٨٣ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ. . . . . ــ بيدا وكشاده كَفتن وفصاحت، ويقال: فلان أبين من فلان، أي: أفصح وأوضح كلامًا، تبين: بيدا شدن وكردن، وقال البيضاوي (١): البيان: الكشف عما في الضمير وإفهام الغير، وقال الطيبي (٢): إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وقيل: هو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير، والكل متقارب في المعنى، والكلام في أن المراد بالفصاحة والبلاغة في تعريفه هو المعنى اللغوي لهما أو الاصطلاحي، فتدبر. و(الشعر) في اللغة: العلم والفطنة، شعر به كنصر وكرم: علم به وفطن له وعقله، ومنه قولهم: ليت شعري، والشاعر: العالم والفطن، وفي الاصطلاح: كلام موزون مقفى قصد القائل موزونيته، والشاعر بهذا المعنى كتامر ولابن، أي: صاحب شعر، اللهم إلا أن يفسر بانشاء كلام كذلك. الفصل الأول ٤٧٨٣ - [١] (ابن عمر) قوله: (قدم رجلان من المشرق) نقل الطيبي (٣) عن الميداني أن الرجلين أحدهما الزبرقان بن بدر بكسر زاي وسكون موحدة وكسر راء وبقاف، وثانيهما عمرو بن أهتم بفتح الهمزة وسكون الهاء وفتح الفوقية، وفي (القاموس) (٤): زبرق ثوبه: صبغه بحمرة أو صفرة، والزبرقان بالكسر: القمر والخفيف

стр. 4547

فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٦٧]. ــ اللحية، ولقب الحصين بن بدر الصحابي؛ لجماله أو لصفرة عمامته، أو لأنه لبس حلة وراح إلى ناديهم، فقالوا: زبرق حصين. والأهتم لقب سنان بن خالد؛ لأن ثنيته هتمت يوم الكلاب، أي: كسرت، وقصتهما أن الزبرقان تفاخر وتكلم في فضائله بكمالات (١) فصيحة، فأجابه عمرو ونسبه إلى اللؤم بكلام بليغ، وقال الزبرقان: واللَّه يا رسول اللَّه! إنه قد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم بذلك إلا الحسد، فأجابه عمرو ثانيًا بما هو أبلغ من الأول. وفي (إحياء العلوم) (٢): مدحه يومًا ثم ذمه يوما آخر، فقال رسول اللَّه ﷺ : (ما هذا؟ ) قال: لقد صدقت فيما قلت أولًا وما كذبت فيما قلت ثانيًا، هو أرضاني أمس فقلت أحسن ما علمت فيه، وأغضبني اليوم فقلت أقبح ما وجدت فيه، فقال ﷺ : (إن من البيان لسحرًا) يعني بعض البيان بمثابة السحر في صرف القلوب وإمالتها إلى الباطل، وظاهر سياق المقصد أنه ذمه على تشدق اللسان وتلون الكلام تارة فتارة، لكنهم اختلفوا في تأويله، فمنهم من حمله على الذم في التصنع في الكلام والتكلف لتحسينه ليشتمل به قلوب السامعين ويصرفها إلى قبول قوله، وإن كان غير حق، ويتكلف بزيادة ما لا يعني، ويخلط بالتلبيس، ويذهب بحق الغير، كحديث: (لعل بعضكم ألحن بحجته)، وذهب آخرون أن المراد منه مدح البيان والحث على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ، ولفظ الحديث على ما رواه المؤلف محتمل للوجهين، فالحاصل

стр. 4548

٤٧٨٤ - [٢] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦١٤٥]. ٤٧٨٥ - [٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ". قَالَهَا ثَلَاثًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٧٠]. ــ أن بعض البيان بمنزلة السحر في ميلان القلوب إليه أو في العجز عن الإتيان بمثله، وهذا النوع ممدوح إذا صرف إلى الحق، ومذموم إذا صرف إلى الباطل، فيكون على نمط قوله: (الشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح). ٤٧٨٤ - [٢] (أبي بن كعب) قوله: (إن من الشعر حكمة) في (القاموس) (١): الحكمة: العدل والعلم والحلم، وأحكمه: أتقنه ومنعه عن الفساد، وعن الأمر: منعه مما يريد، والفرس: جعل للجامه حكمة، والحكمة محركة: ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه، والظاهر أن المراد هنا العلم وأحكامه كالأشعار المشتملة على الموعظة والنصيحة، وقيل: معناه إن من الشعر كلامًا نافعًا يمنع عن الجهل والسفه. وأصل الحكمة المنع، وبها سمي اللجام، لأنها تمنع الدابة، ثم قيل: هذا يدل على أن المراد بقوله: (إن من البيان لسحرا) مدح البيان، وقد روي القرينان في حديث واحد، وقد يقال: يمكن أن يكون قوله: (وإن من الشعر حكمة) ردًّا من زعم أن الشعر كله مذموم، والبيان كله حسن، فقال: إن بعض البيان كالسحر في البطلان، وبعض الشعر كالحكمة في الحقيقة، والحق أن الكلام ذو وجهين يختلف بحسب المقاصد، كذا قالوا. ٤٧٨٥ - [٣] (ابن مسعود) قوله: (هلك المتنطعون) في (القاموس) (٢): تنطع

стр. 4549

٤٧٨٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٤٧، م: ٢٢٥٦]. ٤٧٨٧ - [٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ. . . . . ــ في الكلام: تعمق، وغالى، وتأنق، وفي عمله: تحذق، والنطع كعنب: ما ظهر من الغار الأعلى في الحنك، فيه آثار كالتحزيز، والحروف النطعية الطاء والدال والتاء، انتهى. وفي (شرح الأرجوزة) للجزري: سميت نطعية لخروجها من نطع الغار، أي: سقفه، والمراد المتشدقون المتكلفون في الكلام المقتصرون من الألفاظ والعبارات الهائلة المعجبة للناس من غير رعاية المعنى وملاحظة الحق رياءً وتصنعًا، وقال الطيبي (١): أراد به المتعمقين الغالين في خوضهم فيما لا يعنيهم من الكلام. ٤٧٨٦ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (كلمة لبيد). وقوله: (باطل) أي: فانٍ مضمحل، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] الآيتين، وآخره: وكلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زائِلُ سوى جَنَّةِ الفردوسِ إن نعيمَها ... سيبقى وإن الموتَ لابد نازل ٤٧٨٧ - [٥] (عمرو بن الشريد) قوله: (أمية بن أبي الصلت) قال النووي: هو كافر، وسمع النبي ﷺ شعره الذي فيه حكمة، واسم أبي الصلت عبد اللَّه بن ربيعة

стр. 4550

شَيْءٌ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، ــ ابن عوف بن عقدة بن غيرة -بكسر الغين المعجمة- ابن عوف بن قسي، وهو ثقيف، كان أمية يتعبد في الجاهلية ويؤمن بالبعث وينشد في إثباته الشعر المليح، وأدرك الإسلام ولم يسلم، ثبت في (صحيح مسلم) عن الشريد بن سويد، فذكر الحديث، ومن شعره ما رأيته منقولًا عن البغوي أنه قال: روي عن أمية أنه لما غشي إليه أفاق فقال: كل عيش وإن تطاول دهرًا ... صائرٌ مَرّة إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا إن يوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الوليد يومًا ثقيلا قال الدميري: وذكر عن السهيلي (١) أن النبي ﷺ لما سمع قول أمية: لك الحمد والنعماء والفضل ربّنا ... فلا شيءَ أعلَى منك حمدًا ومجدًا قال: آمن شعر أمية وكفر قلبه، وهو أول من كتب باسمك اللهم، ومنه تعلمت قريش، فكانت تكتب كذلك في الجاهلية. قال: ولتعلم أمية هذه الكلمة سبب عجيب ذكره المسعودي، وذلك أن أمية كان مصحوبًا تبدو له الجن، فخرج في عير قريش، فمرت بهم جنِّية فقتلوها، فاعترضت لهم جنّية تطلب بثأرها وقالت: قتلتم فلانة، ثم ضربت الأرض بقضيب فنفرت الإبل، فلم يقدروا عليها إلا بعد عناء شديد، فلما جمعوها جاءت فضربت ثانية فنفرتها، فلم يقدروا عليها إلى نصف الليل، ثم جاءت فنفرتها، حتى كادوا أن يهلكوا بها

стр. 4551

قَالَ: "هِيهِ"، فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: "هِيهِ"، ثم أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: "هِيهِ"، حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِئَة بَيتٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٥٥]. ــ عطشًا وعناء، وهم في مفازة لا ماء فيها، فقالوا لأمية: هل عندك من حيلة أو غناء؟ فقال: لعلها، ثم ذهب حتى جاوز كثيبًا، فرأى ضوء نار على بُعد، فأتبعه حتى أتى على شيخ في خباء، فشكا إليه ما نزل به وبصحبه، وكان الشيخ جنيًّا، فقال: اذهب فإذا جاءتكم فقل: باسمك اللهم سبعًا، فرجع إليهم وهم قد أشرفوا على الهلكة، فلما جاءتهم الجنيّة قالوا ذلك، فقالت: تبًّا لكم، مَن علَّمكم، فذهبت وأخذوا إبلهم، وكان فيهم حرب بن أمية جد معاوية، فقتلته بعد ذلك الجن بثأر تلك الجنّية، وقالوا فيه شعرًا: وقَبْرُ حَرْبٍ بمكانٍ قفر ... وليس قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ ذكر هذا كله في (الكوكب المنير لشرح الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير). وروي أنه كان أمية متدينًا متعبدًا في الجاهلية، وكان حريصًا على استعلام النبي الموعود من العرب، وكان يرجو أن يكون نفسه، فلما أخبر أنه من قريش منعه الحسد من الإيمان به ﷺ . وذكر ابن الجوزي في (كتاب الوفاء): أنه لما سمع منهم علامات نبوة محمد ﷺ كان يقول: لئن ظهر وأنا حي لأبلِيَنَّ اللَّه في نصره عذرًا، فلما ظهر ﷺ نكص على عقبيه، وقال: ما كنت لأومن برسول من غير ثقيف أبدًا، وكان هو من ثقيف. وذكر في سماع أمية علامات نبوته ﷺ حكايات عجيبة، فعليك بـ (كتاب الوفاء). وقوله: (هيه) بكسر الهاء وسكون الياء بمعنى (إيه)، و (إيه) اسم فعل، وهو بغير تنوين أمر باستزادة حديث معهود، وبه بغير معهود، و (إيهًا) بالنصب للتسكيت

стр. 4552

٤٧٨٨ - [٦] وَعَنْ جُنْدُبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ أُصْبُعُهُ، فَقَالَ: "هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٠٢، م: ١٧٩٦]. ــ والكف إذا وقف على آخر الكلمة بالتسكين، وإذا لم يوقف حرك بالكسر، وإذا نكر نون، وقال الكرماني (١): (هيه) بكسر الهاء الأولى لاستزادة حديث أو فعل، وقد تحذف الهاء الثانية، ومنه: هي يا بن الخطاب، أو هي ضمير قصة، و (هيه) استزادة لشعر أمية؛ لأنه كان تقيًّا ترهب قبل الإسلام. ٤٧٨٨ - [٦] (جندب) قوله: (في بعض المشاهد) وهو غزوة أحد على ما قال الطيبي (٢)، أصاب الحجر أصبع رجله ﷺ ، كذا في (سفر السعادة). وقوله: (وفي سبيل اللَّه ما لقيت) (ما) موصولة، وهو مبتدأ خبره مقدم، وقيل: نافية، أي: ما لقيت شيئًا في سبيل اللَّه، تحقيرًا لما لقيت من الجراحة، و (دميت) على بناء الفاعل على وزن (رضيت)، وكذا (لقيت)، والتاء مكسورة فيهما، وقيل: هما بالسكون فيهما فرارًا من الوزن، ورد بأنه مع السكون أيضًا موزون من الكامل. واختلفوا في أنه هل قاله النبي ﷺ منشئًا أو متمثلًا؟ وبالثاني جزم الطبري وغيره، فقيل: هو للوليد بن الوليد، وقيل: لعبد اللَّه بن رواحة، قاله في غزوة مؤتة، وقد أصيبت

стр. 4553

٤٧٨٩ - [٧] وَعَنِ الْبَراءِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ: "اهْجُ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ"، وَكَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: "أَجِبْ عَنِّي، اللهمَّ أيِّدْهُ بِرُوُحِ الْقُدُسِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢١٢، ٢٤٨٥]. ــ أصبعه؛ ذكر ذلك كله السيوطي، وقيل: هذا رجز ومثله لا يعدّ شعرًا؛ وأيضًا وقع موزونًا من غير قصد، فلا يكون شعرًا، ولا يعد قائل مثله شاعرًا، وأما ما قيل: إن قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] وأمثاله مسوق لتكذيب الكفار فيما نسبوه، ولا يقال من تفوه ببيت واحد على ندر: إنه شاعر، فمحل نظر؛ لأنهم فسروا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] بمعنى أنه لا يتيسر ولا يتصور ولا يأتي منه الشعر قطعًا. ٤٧٨٩ - [٧] (البراء) قوله: (لحسان) هو منصرف إن كان من الحسن، وغير منصرف إذا كان من الحس. وقوله: (اهج) في (القاموس) (١): هجاه هجوًا: شتمه بالشعر، وفي (الصراح) (٢): هجاء بالكسر والمد: نكوهيدن، خلاف المدح، وقال السيد في (شرح الكشاف): إن التهجي تعديد الحروف بأساميها، ومن المجاز يهجو فلانًا: يعد معايبه. وقوله: (اللهم أيده بروح القدس) المراد به جبرئيل، سمي به لأنه يأتي الأنبياء بما فيه حياة القلب، والقدس بمعنى المقدس، وهو اللَّه تعالى بإضافة الروح إليه

стр. 4554

٤٧٩٠ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اهْجُوا قُرَيْشًا؛ فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩٠]. ٤٧٩١ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: "إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ"، وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هَجَاهُمْ حَسَّان فَشَفَى وَاشْتَفَى". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩٠]. ــ للتشريف، أو القدس صفة الروح لكونه بمعنى المقدس، أو باعتبار الوصف بالمصدر، وإنما أضيف إليه تنبيهًا على زيادة الاختصاص، كقولهم: حاتم الجود، ورجل صدق. ٤٧٩٠ - [٨] (عائشة) قوله: (من رشق النبل): (الرشق) بالفتح: الرمي بالنبل وغيره، مصدر رشقه: إذا رماه بالسهام، وبالكسر الوجه من الرمي، وإذا رمى القوم كلهم دفعة واحدة، قالوا: رمينا رشقًا، و (النبل) بفتح وسكون؛ السهام، وهي جمع لا واحد لها، وقيل: واحد، وجمعه نبال وأنبال ونبلان. ٤٧٩١ - [٩] (وعنها) قوله: (ما نافحت) نافحه: كافحه وخاصمه، ونافحت عن فلان: خاصمت عنه. وقوله: (فشفى) أي: غيره، (واشتفى) أي: بنفسه، وفي (القاموس) (١): اشتفى بكذا: تشفى من غيظه، وفي (الصحاح) (٢): استشفى، أي: طلب الشفاء.

стр. 4555

٤٧٩٢ - [١٠] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى اغْبَرَّ بَطْنُهُ، يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وثبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ: "أَبَيْنَا أَبَيْنَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٠٤، م: ١٨٠٣]. ٤٧٩٣ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ. . . . . . ــ ٤٧٩٢ - [١٠] (البراء) قوله: (فأنزلن) أمر من الإنزال بالنون الخفيفة، خطاب على طريقة الالتفات. وقوله: (إن الأولى) على وزن العلى، أي: الذين (بغوا علينا) أي: الأحزاب أو أهل مكة. وقوله: (إذا أرادوا فتنة) أي: ردنا إلى الكفر. وقوله: (يرفع بها) أي: بهذه الكلمة المذكورة، يفسرها قوله: (أبينا أبينا)، (صوته) ويكررها، وفيه مشروعية الجهر بالذكر، وقالوا: هذا الرجز من عبد اللَّه بن رواحة. ٤٧٩٣ - [١١] (أنس) قوله: (يحفرون الخندق) في (القاموس) (١): الخندق
следующие страницы →