قَالَ: "هِيهِ"، فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: "هِيهِ"، ثم أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: "هِيهِ"، حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِئَة بَيتٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٥٥].
ــ
عطشًا وعناء، وهم في مفازة لا ماء فيها، فقالوا لأمية: هل عندك من حيلة أو غناء؟ فقال: لعلها، ثم ذهب حتى جاوز كثيبًا، فرأى ضوء نار على بُعد، فأتبعه حتى أتى على شيخ في خباء، فشكا إليه ما نزل به وبصحبه، وكان الشيخ جنيًّا، فقال: اذهب فإذا جاءتكم فقل: باسمك اللهم سبعًا، فرجع إليهم وهم قد أشرفوا على الهلكة، فلما جاءتهم الجنيّة قالوا ذلك، فقالت: تبًّا لكم، مَن علَّمكم، فذهبت وأخذوا إبلهم، وكان فيهم حرب بن أمية جد معاوية، فقتلته بعد ذلك الجن بثأر تلك الجنّية، وقالوا فيه شعرًا:
وقَبْرُ حَرْبٍ بمكانٍ قفر ... وليس قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ
ذكر هذا كله في (الكوكب المنير لشرح الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير).
وروي أنه كان أمية متدينًا متعبدًا في الجاهلية، وكان حريصًا على استعلام النبي الموعود من العرب، وكان يرجو أن يكون نفسه، فلما أخبر أنه من قريش منعه الحسد من الإيمان به ﷺ .
وذكر ابن الجوزي في (كتاب الوفاء): أنه لما سمع منهم علامات نبوة محمد ﷺ كان يقول: لئن ظهر وأنا حي لأبلِيَنَّ اللَّه في نصره عذرًا، فلما ظهر ﷺ نكص على عقبيه، وقال: ما كنت لأومن برسول من غير ثقيف أبدًا، وكان هو من ثقيف. وذكر في سماع أمية علامات نبوته ﷺ حكايات عجيبة، فعليك بـ (كتاب الوفاء).
وقوله: (هيه) بكسر الهاء وسكون الياء بمعنى (إيه)، و (إيه) اسم فعل، وهو بغير تنوين أمر باستزادة حديث معهود، وبه بغير معهود، و (إيهًا) بالنصب للتسكيت
стр. 4552
٤٧٨٨ - [٦] وَعَنْ جُنْدُبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ أُصْبُعُهُ، فَقَالَ:
"هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ"
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٠٢، م: ١٧٩٦].
ــ
والكف إذا وقف على آخر الكلمة بالتسكين، وإذا لم يوقف حرك بالكسر، وإذا نكر نون، وقال الكرماني (١): (هيه) بكسر الهاء الأولى لاستزادة حديث أو فعل، وقد تحذف الهاء الثانية، ومنه: هي يا بن الخطاب، أو هي ضمير قصة، و (هيه) استزادة لشعر أمية؛ لأنه كان تقيًّا ترهب قبل الإسلام.
٤٧٨٨ - [٦] (جندب) قوله: (في بعض المشاهد) وهو غزوة أحد على ما قال الطيبي (٢)، أصاب الحجر أصبع رجله ﷺ ، كذا في (سفر السعادة).
وقوله: (وفي سبيل اللَّه ما لقيت) (ما) موصولة، وهو مبتدأ خبره مقدم، وقيل: نافية، أي: ما لقيت شيئًا في سبيل اللَّه، تحقيرًا لما لقيت من الجراحة، و (دميت) على بناء الفاعل على وزن (رضيت)، وكذا (لقيت)، والتاء مكسورة فيهما، وقيل: هما بالسكون فيهما فرارًا من الوزن، ورد بأنه مع السكون أيضًا موزون من الكامل.
واختلفوا في أنه هل قاله النبي ﷺ منشئًا أو متمثلًا؟ وبالثاني جزم الطبري وغيره، فقيل: هو للوليد بن الوليد، وقيل: لعبد اللَّه بن رواحة، قاله في غزوة مؤتة، وقد أصيبت
стр. 4553
٤٧٨٩ - [٧] وَعَنِ الْبَراءِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ: "اهْجُ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ"، وَكَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: "أَجِبْ عَنِّي، اللهمَّ أيِّدْهُ بِرُوُحِ الْقُدُسِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢١٢، ٢٤٨٥].
ــ
أصبعه؛ ذكر ذلك كله السيوطي، وقيل: هذا رجز ومثله لا يعدّ شعرًا؛ وأيضًا وقع موزونًا من غير قصد، فلا يكون شعرًا، ولا يعد قائل مثله شاعرًا، وأما ما قيل: إن قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] وأمثاله مسوق لتكذيب الكفار فيما نسبوه، ولا يقال من تفوه ببيت واحد على ندر: إنه شاعر، فمحل نظر؛ لأنهم فسروا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] بمعنى أنه لا يتيسر ولا يتصور ولا يأتي منه الشعر قطعًا.
٤٧٨٩ - [٧] (البراء) قوله: (لحسان) هو منصرف إن كان من الحسن، وغير منصرف إذا كان من الحس.
وقوله: (اهج) في (القاموس) (١): هجاه هجوًا: شتمه بالشعر، وفي (الصراح) (٢): هجاء بالكسر والمد: نكوهيدن، خلاف المدح، وقال السيد في (شرح الكشاف): إن التهجي تعديد الحروف بأساميها، ومن المجاز يهجو فلانًا: يعد معايبه.
وقوله: (اللهم أيده بروح القدس) المراد به جبرئيل، سمي به لأنه يأتي الأنبياء بما فيه حياة القلب، والقدس بمعنى المقدس، وهو اللَّه تعالى بإضافة الروح إليه
стр. 4554
٤٧٩٠ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اهْجُوا قُرَيْشًا؛ فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩٠].
٤٧٩١ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: "إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ"، وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هَجَاهُمْ حَسَّان فَشَفَى وَاشْتَفَى". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩٠].
ــ
للتشريف، أو القدس صفة الروح لكونه بمعنى المقدس، أو باعتبار الوصف بالمصدر، وإنما أضيف إليه تنبيهًا على زيادة الاختصاص، كقولهم: حاتم الجود، ورجل صدق.
٤٧٩٠ - [٨] (عائشة) قوله: (من رشق النبل): (الرشق) بالفتح: الرمي بالنبل وغيره، مصدر رشقه: إذا رماه بالسهام، وبالكسر الوجه من الرمي، وإذا رمى القوم كلهم دفعة واحدة، قالوا: رمينا رشقًا، و (النبل) بفتح وسكون؛ السهام، وهي جمع لا واحد لها، وقيل: واحد، وجمعه نبال وأنبال ونبلان.
٤٧٩١ - [٩] (وعنها) قوله: (ما نافحت) نافحه: كافحه وخاصمه، ونافحت عن فلان: خاصمت عنه.
وقوله: (فشفى) أي: غيره، (واشتفى) أي: بنفسه، وفي (القاموس) (١): اشتفى بكذا: تشفى من غيظه، وفي (الصحاح) (٢): استشفى، أي: طلب الشفاء.
стр. 4555
٤٧٩٢ - [١٠] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى اغْبَرَّ بَطْنُهُ، يَقُولُ:
وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وثبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ: "أَبَيْنَا أَبَيْنَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٠٤، م: ١٨٠٣].
٤٧٩٣ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ. . . . . .
ــ
٤٧٩٢ - [١٠] (البراء) قوله: (فأنزلن) أمر من الإنزال بالنون الخفيفة، خطاب على طريقة الالتفات.
وقوله: (إن الأولى) على وزن العلى، أي: الذين (بغوا علينا) أي: الأحزاب أو أهل مكة.
وقوله: (إذا أرادوا فتنة) أي: ردنا إلى الكفر.
وقوله: (يرفع بها) أي: بهذه الكلمة المذكورة، يفسرها قوله: (أبينا أبينا)، (صوته) ويكررها، وفيه مشروعية الجهر بالذكر، وقالوا: هذا الرجز من عبد اللَّه بن رواحة.
٤٧٩٣ - [١١] (أنس) قوله: (يحفرون الخندق) في (القاموس) (١): الخندق
стр. 4556
وهم يَقُولُونَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايعُوا محمَّدَا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يُجِيبُهُمْ:
"اللهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ ... فَاغْفِرْ للأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ"
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٣٥، م: ١٨٠٥].
٤٧٩٤ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٥٥، م: ٢٢٥٧].
ــ
كجعفر: حفيرٌ حول أسوار المدن، معربُ كَنْدَة، حفروه حول المدينة في غزوة الأحزاب بالتماس سلمان الفارسي أن ذلك من عادة الفرس، فقبل ذلك منه رسول اللَّه ﷺ وأمر بحفره.
٤٧٩٤ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (يريه) بفتح الياء وكسر الراء مضارع وَرَى، مثل وعد يعد، من الوري، على وزن الرمي، وهو داء يفسد الجوف، ومعناه قيحًا يأكل جوفه ويفسده، والمراد الشعر المذموم، وفي قوله: (يمتلئ) إشارة إلى كون الشعر مستوليًا عليه بحيث يشغله عن القرآن والذكر والعلوم الشرعية، وهو مذموم من أي شعر كان، وفي (القاموس) (١): الوري: قيح في الجوف، أو قرح شديد يُقَاء منه القيح والدم، وَرَى القَيْحُ جوفَه: أفسده.
стр. 4557
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٧٩٥ - [١٣] عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ فِي الشِّعْرِ مَا أَنْزَلَ،
ــ
الفصل الثاني
٤٧٩٥ - [١٣] (كعب) قوله: (عن كعب بن مالك) أحد شعراء المسلمين، وكان شعراؤهم: حسان بن ثابت، وعبد اللَّه بن رواحة، وكعب بن مالك، وقيل: كان كعب يخوفهم بالحرب، وحسان بن ثابت يقبل على الأنساب، وعبد اللَّه بن رواحة يعيرهم على الكفر، وقيل: إن دوسًا إنما آمنت ورقّت من قول كعب حيث قال:
قضينا من تهامة كل وتر ... وخيبر ثم أغمدنا السيوفا
نخيّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنّ دوسًا أو ثقيفًا
فقالت دوس: انطلقوا وخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف، كذا في (أسد الغابة) (١).
وروي أنه ﷺ قال لحسان بن ثابت: (تقبل على أنسابهم وتهجوهم بها ولي فيهم نسب، فاحذر أن تقع في نسبي)، قال: أخرجك يا رسول اللَّه منهم كما يخرج الشعر من الخمير، فقال رسول اللَّه ﷺ : (شاور في ذلك أبا بكر)، وكان ﵁ أعلمهم بالأنساب وأيام العرب.
وقوله: (إن اللَّه قد أنزل في الشعر ما أنزل) يعني قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، فأجاب ﷺ بأنه ليس على إطلاقه، بل للهائمين في أودية
стр. 4558
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنَّمَا تَرْمُونَهُمْ بِهِ نَضْحَ النَّبْلِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣٤٠٩].
وَفِي "الِاسْتِيعَابِ" لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَاذَا تَرَى فِي الشِّعْرِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهد بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ".
٤٧٩٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ". . . . .
ــ
الضلال، والذين يقولون ما لا يفعلون، وقد استثنى سبحانه المؤمنين بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية [الشعراء: ٢٢٧].
وقوله: (لكأنما ترمونهم به) أي: بالشعر الذي تهجونهم به، و (النضح) بمعنى الرمي، يقال: نضح فلانًا بالنبل، أي: رماهم.
فقوله: (نضح النبل) مفعول مطلق أو مفعول به، أي: ترمونهم به النبل المنضوحة، والمراد أن هجاءكم إياهم يؤثر فيهم كتأثير النبل، وفي هذا إثبات كونه جهادًا باللسان.
٤٧٩٦ - [١٤] (أبو أمامة) قوله: (الحياء والعي شعبتان من الإيمان) أما كون الحياء شعبة من الإيمان فقد سبق تحقيقه في (كتاب الإيمان)، وأما العي بكسر العين وإدغام الياء فهو العجز والحصر في الكلام، ضد البيان، عَيِي في منطقه عِيًّا كرضي رضا: حَصِر، وَعييٌّ على وزن (فعيل)، وعيٌّ أيضًا على (فَعْل) صفة منه، والجمع أعياء وأعيياء، والعِيُّ أيضًا: عدم الاهتداء بالأمر، عَيِي كرضي وعيَّ، والإدغام أكثر، وتعايا واستعيا: لم يهتد لوجه مراده، أو عجز عنه، ولم يطق إحكامه، والظاهر أن المراد هنا المعنى الأول بقرينة قوله: (والبذاء والبيان شعبتان من النفاق) والبذاء:
стр. 4559
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٢٧].
ــ
الفحش في الكلام، وقال في (القاموس) (١): البذاء: الكلام القبيح، والبذي كرضي: الرجل الفاحش، وفي (الصراح) (٢): البذاء: بيهوده كَفتن، وأصله بذاءة فحذفت الهاء، مثل كرامة وصلابة، والبيان عرف معناه، وإنما كان العي شعبة من الإيمان، والبذاء والبيان شعبة من النفاق؛ لأن المؤمن لحيائه وانكساره ومسكنته وشغله بالعبادات وإصلاح الباطن وهمّ الآخرة وعدم تشدقه باللسان لا يقدر على التقرير والبيان، ويعجز عن ذلك، بخلاف المنافق؛ فإنه بذيء فاحش جريء على البيان والتشدق، ويؤول معنى هذا الحديث إلى معنى قوله ﷺ : (المؤمن غر كريم، والمنافق خب لئيم)، ويمكن حمل العي على المعنى الثاني، وهو عدم الاهتداء في الأمور والعجز عن أحكامها، فيكون أقرب معنى إلى هذا الحديث.
وقال الطيبي (٣): إن الإيمان يكون باعثًا على الحياء والتحفظ في الكلام والاحتياط فيه، وهو علامة الإيمان، وما يخالفها من النفاق، وعلى هذا يكون المراد بالعي ما يكون بسبب التأمل في المقال والتحرز عن الوبال، لا لخلل في اللسان، وبالبيان ما يكون سببه الاجتراء وعدم المبالاة بالطغيان وعدم التحرز عن الزور والبهتان، ولعله إنما قوبل العي في الكلام مطلقًا بالبيان الذي هو التعمق في المنطق وإظهار التقدم على الناس مبالغة في ذم البيان، وإن هذه النقيصة ليست بمضرة للإيمان مضرة ذلك البيان، فتدبر.
стр. 4560
٤٧٩٧ - [١٥] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَسَاوِئُكُمْ أَخْلَاقًا، الثَّرْثَارُوْنَ الْمُتَشَدِّقُونَ المُتَفَيْهِقُونَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٤٦١٦].
٤٧٩٨ - [١٦] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنْ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَتِهِ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّه! قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُوْنَ. . . . .
ــ
٤٧٩٧ - [١٥] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (إن أبغضكم إلي) الظاهر أن الخطاب للمؤمنين، ولا شك أن فيهم محبوبين ومبغوضين من جهات مختلفة، وإن كانوا جميعًا محبوبين، ثم هم يتفاوتون في مراتب المحبة والبغض، فبعضهم أحب وبعضهم أبغض، فلا إشكال في هذه العبارة، ولا حاجة إلى التمحلات والتكلفات التي ذكروها كما يظهر بالنظر في كلام الطيبي (١)، فتأمل.
وقوله: (مساوئكم) الظاهر أنه جمع سوء، كمحاسن جمع حسن بالضم على غير قياس، كما في (القاموس) (٢) وغيره، فهو مصدر وصف به ثم جمع، وفي رواية: (أساوئكم) جمع أسوأ، كأحاسن جمع أحسن، وهذه الرواية أظهر وإن كانت الأولى أقوى.
٤٧٩٨ - [١٦] (جابر) قوله: (الثرثارون) في (الصراح) (٣): ثرثرة الكلام: كثرته
стр. 4561
وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا المُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: "الْمُتَكَبِّرُوْنَ". [ت: ٢٠١٨].
٤٧٩٩ - [١٧] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ. . . . .
ــ
وترديده، يقال: ثرثر فهو ثرثار، أي: مكثار مهذار، وفي (القاموس) (١): الثرثرة: كثرة الكلام وترديده، والإكثار من الأكل وتخليطه.
وقوله: (المتشدقون) في (القاموس) (٢): الشدق بالكسر ويفتح، والدال مهملة: طِفْطَفَةُ الفم من باطن الخدين، والجمع الأشداق، والشَّدق محركة: سعة الشدق، وخطيب أشدق: بليغ، وامرأة شدقاء، وتشدق: لوى شدقَه للتفصح.
وقوله: (المتفيهقون) في (القاموس) (٣): فهق الإناء كفرح فهقًا ويحرك: امتلأ، والفهيق: الواسع من كل شيء، وبئر مفهاق: كثيرة الماء، وأفهقه: ملأه، وتفيهق في كلامه: تنطع وتوسع كأنه ملأ به فمه، وفي (الصراح) (٤): فلان يتفيهق في كلامه، أي: يتوسع فيه ويتنطع، وأصله فهق، وهو الامتلاء، كأنه ملأ فمه، ولا يخفى أن هذا من التكبر والرعونة، ولهذا فسره في الحديث بالمتكبرين.
٤٧٩٩ - [١٧] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (يأكلون بألسنتهم) أي: يجعلون ألسنتهم وسائل أكلهم، فيمدحون الناس ويذمونهم بالباطل، ويكذبون ويتشدقون، ويلقون الكلام بألسنتهم في ذلك حتى يحصل لهم شيء من الدنيا وشهوات نفوسهم
стр. 4562
كَمَا تَأْكُلُ الْبَقَرَةُ بأَلْسِنَتِهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ١٨٤].
٤٨٠٠ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ الْبَاقِرَةُ بِلِسَانِهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٨٥٣].
ــ
(كما تأكل البقرة) الحشيش (بألسنتها) وتلف، فلا تميز بين الرطب واليابس، والجيد والرديء، ولهذا سميت بقرة، لأن البقر هو الشق والتوسع، ومنه سمي الإمام محمد ابن علي بالباقر، لتبقره في العلم وتبحره فيه، بخلاف سائر الحيوانات التي تأكل بأسنانها، فهؤلاء أيضًا لا يميزون بين ما ينبغي من القول وما لا ينبغي، ولا بين ما يحصل بسببه من الحلال والحرام.
٤٨٠٠ - [١٨] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (يتخلل بلسانه) أي: من يتشدق في الكلام ويفخم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفًّا، هكذا فسروه، وأصل التخلل الدخول في خلال الشيء، يقال: تخلله: ثقبه ونفذه، ومنه الخلال يتخلل بين الأسنان، شبه إدارة لسانه في الفم حال التكلم تفاصحًا بما تفعل البقرة بلسانها، وأما من يخطب ويفصح من غير تكلف فلا يدخل فيه، فلا يكره.
و(الباقرة) جمع بقر، وأكثر استعماله بدون التاء، قال في (القاموس) (١): وأما باقر والبقير والبيقور والباقور وباقروة فأسماء للجمع، هذا وأما البقرة فالظاهر أن التاء للوحدة كما في تمرة، ومع ذلك جمع اللسان في قوله: (كما تأكل البقرة بألسنتها)، وقال: (الباقرة بلسانها)، وأما الثاني فيظهر وجهه بإرادة الجنس، وأما الأول فلا يظهر له وجه إلا أن يقال: إن التاء للنقل دون الوحدة، فتدبر.
стр. 4563
٤٨٠١ - [١٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِقَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنَ النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
٤٨٠٢ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلَامِ لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوبَ الرِّجَالِ أَوِ النَّاسِ. . . . . .
ــ
٤٨٠١ - [١٩] (أنس) قوله: (هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون) ومن هذا الوجه ورد: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنّة من فقهه) (٢).
٤٨٠٢ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (من تعلم صرف الكلام) صرف الحديث: أن يزاد فيه ويحسن، من الصرف في الدراهم، وهو فضل بعضه على بعض في القيمة، وكذلك صرف الكلام، وله عليه صرف، أي: شرف وفضل، وهو من صرفه يصرفه؛ لأنه إذا فضل صرف عن إشكاله، وقال الطيبي (٣): صرف الكلام: فضله، وما يتكلف الإنسان من الزيادة فيه وراء الحاجة، يدخله الرياء ومخالطة الكذب ويحوله عن موضعه بلسان إرادة التلبيس والتخليط، وبهذا الوجه شبه بالسحر الذي أصله الصرف، وقيل: صرف الكلام: إيراده على وجوه مختلفة.
وقوله: (ليسبي به قلوب الرجال أو الناس) شك من الراوي، والسبي: الأسر،
стр. 4564
لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٠٦].
٤٨٠٣ - [٢١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا، وَقَامَ رَجُلٌ فَأَكْثَرَ الْقَوْلَ. فَقَالَ عَمْرٌو: لَوْ قَصَدَ فِي قَوْلِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَقَدْ رَأَيْتُ -أَوْ أُمِرْتُ- أَنْ أَتَجَوَّزَ فِي الْقَوْلِ، فَإِنَّ الْجَوَازَ هُوَ خَيْرٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٠٨].
ــ
سبى العدو سبيًا وسباء: أسره كاستباه، فهو سبي وهي سبي أيضًا، والجمع سبايا، والمراد هنا الإمالة والصرف، والمراد التعلم بتحصيل الجاه، فإن الجاه تملك القلوب.
وقوله: (صرفًا ولا عدلًا) الصرف: التوبة، والعدل: الفدية، أو الصرف النافلة، والعدل الفريضة، أو بالعكس، أو الصرف الوزن، والعدل الكيل، أو الصرف الاكتساب، والعدل الفدية أو الحيلة، ومنه ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ [الفرقان: ١٩] معناه ما يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم العذاب، ذكر ذلك كله في (القاموس) (١).
٤٨٠٣ - [٢١] (عمرو بن العاص) قوله: (لو قصد في قوله لكان خيرًا) في (القاموس) (٢): القصد: استقامة الطريق وضد الإفراط، كالاقتصاد (لقد رأيت) أي: علمت (أو أمرت) بلفظ المجهول، شك من الراوي.
وقوله: (أن أتجوز في القول) تجوز في الصلاة: خفف، وفي الكلام: تكلم بالمجاز، والمراد هنا الإسراع والتخفيف، وفي (الصراح) (٣): الجواز رواني وروان شدن، وكَذشتن از جائ وراهي، وسبك كَزاردن نماز، وسخن بمجاز كَفتن.
стр. 4565
٤٨٠٤ - [٢٢] وَعَنْ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا،
ــ
٤٨٠٤ - [٢٢] (صخر بن عبد اللَّه) قوله: (وإن من العلم جهلًا) قال الطيبي نقلًا عن (النهاية) (١): هو أن يتعلم من العلوم ما لا يحتاج إليه، كالنجوم وعلم الأوائل، ويدع ما يحتاج إليه من القرآن والسنة فيجهله، وقيل: هو أن لا يعمل بعلمه فكأنه جاهل، انتهى. ويمكن أن يقال: إن من يدعي لنفسه بزعمه علمًا وليس كذلك في نفس الأمر لبطلان زعمه فهو جهل، أو المراد من يتوغل في ذات اللَّه وصفاته بالكنه ويريد أن يعلمه بالكنه، وذلك العلم جهل في الحقيقة، إذ لا سبيل إلى العلم بالكنه، أو المراد أن الاعتراف بالجهل في بعض المواضع علم؛ لكونه مما لا يعلم، فيكون هذا فرد العلم، وهو جهل، فيكون بعض العلم جهلًا، فافهم.
وقوله: (وإن من الشعر حكمًا) وفي رواية: (لحكمًا)، أي: كلامًا نافعًا يمنع من الجهل والسفه، قيل: أراد بها المواعظ والأمثال التي ينتفع بها الناس، والحكم: العلم، والفقه، والقضاء بالعدل، وهو مصدر حكم، ويروى (لحكمة)، وهو بمعنى الحكم، كذا ذكر في (مجمع البحار) (٢) نقلًا عن (النهاية).
والحاصل أن الحكم والحكمة يجيء بمعنى واحد، ففي رواية وقع فيها الحكمة يجوز أن تحمل على معنى الحكم، وفي رواية جاء فيها الحكم يحمل على معنى الحكمة.
стр. 4566
وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠١٢].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٨٠٥ - [٢٣] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُ عَلَيْهِ قَائِمًا، يُفَاخِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ يُنَافِحُ. وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا نَافَحَ أَوْ فَاخَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
٤٨٠٦ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَادٍ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ،
ــ
وقوله: (وإن من القول عيالًا) أي: وبالًا على القائل، أو على السامع الجاهل الذي لا يفهمه، أو العالم الذي يعلمه، أو ثقلًا على من لا يريد أن يسمعه، كذا فسروه.
الفصل الثالث
٤٨٠٥ - [٢٣] (عائشة) قوله: (يفاخر) في (القاموس) (١): الفخر: التمدح بالخصال كالافتخار، وفاخره مفاخرة وفخارًا: عارضه بالفخر.
٤٨٠٦ - [٢٤] (أنس) قوله: (حاد) اسم فاعل من الحداء، قال في (القاموس) (٢): حَدَا الإبلَ حدوًا وحُداء وحِداء: زجرها وساقها، وفي (الصراح) (٣): حدا: راندن شتر بسرود وآواز، والحداء من الغناء مباح لا خلاف فيه لأحد، و (أنجشة) بفتح الهمزة
стр. 4567
وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ! لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ"، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعْفَةَ النِّسَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢١١، م: ٢٣٢٣].
ــ
وسكون النون وفتح الجيم والشين المعجمة آخره تاء، وكان أنجشة يحدو بالنساء، والبراء بن عازب يحدو بالرجال.
وقوله: (رويدك): (رويد) تصغير رود بالضم، يقال: امش على رود، أي: مهل، أرواد ومرود نرم رفتن وراندن، ويقال: أرود في السير والسفر، ويقال: رويدك عمرًا، فالكاف للخطاب لا موضع لها من الإعراب، و (رويد) غير مضاف إليها، وهو متعد إلى عمرو؛ لأنه اسم سمي به الفعل، ويعمل عمل الفعل؛ لأن الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أفعل، ويقال: رويدكني، رويدكماني، رويدكموني، رُوَيدَكُنَّنِي، وحركة الدال لالتقاء الساكنين، ويستعمل على وجوه أربعة: اسم فعل كقولك: رويد زيدًا: أمهله، وصفة نحو سار سيرًا رويدًا، وحالًا مثل سار القوم رويدًا، ومصدر نحو قولك: رويد عمرو بالإضافة، ومنصوب بفعله المقدر، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (لا تكسر القوارير، قال قتادة: يعني ضعفة النساء) فسر قتادة القوارير بالنساء، يعني شبه النساء بالقوارير في الرقة والضعف وسرعة الانكسار، فذكر اسم المشبه به وأراد المشبهة استعارة، أمر ﷺ أنجشة أن يغض من صوته الحسن، وخاف الفتنة عليهن من حداه بأن يقع من قلوبهن موقعًا؛ لضعف عزائمهن وسرعة تأثرهن، وقيل: خاف ضعفهن وتعبهن من سرعة مشي الإبل بحداه، والأول أصح وأشهر،
стр. 4568
٤٨٠٧ - [٢٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشِّعْرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُوَ كَلَامٌ فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٤/ ١٥٥].
٤٨٠٨ - [٢٦] وروى الشَّافِعِيُّ عَنْ عُرْوَةَ مُرْسلًا. [مسند الشافعي: ٩٢١].
٤٨٠٩ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعَرْجِ إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذُوا الشَّيْطَانَ، أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ، لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٥٩].
ــ
كذا في (مجمع البحار) (١).
٤٨٠٧، ٤٨٠٨ - [٢٥، ٢٦] (عائشة) قوله: (هو كلام. . . إلخ)، يعني أن الشعر كلام لا يزيد إلا بوزن وقافية وما فيهما من شيء، والكلام ينقسم إلى حسن وقبيح باعتبار حسن مضمونه وقبحه، فكذلك الشعر.
٤٨٠٩ - [٢٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (بالعرج) بفتح العين وسكون الراء المهملتين وبالجيم: اسم موضع.
وقوله: (أو أمسكوا الشيطان) شك من الراوي، لعله كان ينشد من أشعار الجاهلية ما فيه فحش أو هجو أو شرك أو نحو ذلك مما اشتملت عليه أشعار أهل الجاهلية من الغاوين.
стр. 4569
٤٨١٠ - [٢٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٤/ ٢٧٩].
٤٨١١ - [٢٩] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي طَرِيقٍ، فَسَمِعَ مِزْمَارًا، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَنَاءَ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ، ثُمَّ قَالَ لِي بَعْدَ أَنْ بَعُدَ: يَا نَافِعُ هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا، فَرَفَعَ أُصْبُعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَ صَوْتَ يَرَاعٍ، فَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ، قَالَ نَافِعٌ: فَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ صَغِيرًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٣٨، د: ٤٩٢٤].
* * *
ــ
٤٨١٠ - [٢٨] (جابر) قوله: (الغناء ينبت النفاق) الكلام في حرمة الغناء والمزامير طويل، وبعض المحدثين على أنه لم يصح حديث فيها، وقد تكلمنا فيه في (شرح سفر السعادة) وغيره من المواضع، وقد اكتفينا به، فإن المسألة مشهورة.
٤٨١١ - [٢٩] (نافع) قوله: (فسمع صوت يراع) في (القاموس) (١): اليراع: القصب، قال النووي: في اليراع وجهان، صحح البغوي الحرمة، والغزالي الجواز، وليس المراد من اليراع كل قصب بل المزمار العراقي، ثم قال: والأصح حرمة اليراع، وهو هذه الزمارة التي تسمى الشبابة.
وقوله: (فكنت إذ ذاك صغيرًا) جواب عما يقال لم يمنع ابن عمر نافعًا من سماعه،
стр. 4570
١٠ - باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٨١٢ - [١] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٧٤].
ــ
فعلم أن سماعه مباح، والنهي للتنزيه، وكان اجتناب ابن عمر للورع.
١٠ - باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
ذكر الغيبة والشتم بعد حفظ اللسان من ذكر الخاص بعد العام، تقدير الكلام: حفظ اللسان عن السوء وعن الغيبة والشتم، خصهما بالذكر لكثرة وقوعهما وورود الأحاديث فيهما، والغيبة بكسر الغين المعجمة اسم من الاغتياب، ويعرف معناه وأحكامه من الأحاديث وشرحها.
الفصل الأول
٤٨١٢ - [١] (سهل بن سعد) قوله: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) اللحيان بفتح اللام وسكون الحاء: عظمان ينبت عليهما الأسنان علوًا وسفلًا، واحده لحي، ومنه اللحية، وهو اسم لما نبت من الشعر على الخدين والذقن.
والمراد بما بين لحييه اللسان ونطقه بما لا يعنيه وما يوجب المعصية، وقيل: أراد الفم؛ ليتناول الأكل والشرب والكلام، قالوا: والأول أصوب؛ لأن المقصود التنبيه على معظم ما يأتي منه المعصية، وهو اللسان والفرج، ولذا جعل المؤلف عنوان الباب: (حفظ اللسان والغيبة والشتم).
والمراد بما بين رجليه الفرج وخطيئاته، والمراد بضمانهما حفظهما عما لا ينبغي
стр. 4571
٤٨١٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ. . . . .
ــ
مؤكدًا كالذي يضمنه بحق واجب الأداء، وكذا المراد بضمان الرسول الجنة التي تترتب عليه، وهو في الحقيقة من اللَّه وبحكمه وأمره.
وقد وقع مثل هذا الضمان في مواضع متعددة منه ﷺ ، ويجوز للأنبياء مثل ذلك نيابة عن اللَّه وإخبارًا من جهته تعالى، وتسمية بعض الأنبياء بذي الكفل بهذا المعنى؛ فإنه تكفل لأمته بالجنة من اتبعه، وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، وحمله الطيبي (١) على التمثيل، نحو: أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، فافهم.
٤٨١٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (بالكلمة من رضوان اللَّه) رضي عنه وعليه يرضى رضًا ورضوانًا -ويُضَمَّانِ- ومرضاة: ضدُّ سخط، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (الصراح) (٣): رضوان: خوشنودي، مرضاة كذلك، وبسنديدن، والظاهر أن (من) ابتدائية، أي: الكلمة الصادرة أو صادرة من مقام ﵁، ويحتمل أن يكون تعليلية متعلقة بقوله: (ليتكلم)، أي: يتكلم لأجل رضا اللَّه ومن جهته.
وقال الطيبي (٤): بيانية حال من الكلمة، وهو صحيح إن جعل المصدر بمعنى المفعول، أو يقدر: من كلمة فيه رضوان اللَّه، كما في بعض الشروح، وقد أشرنا إلى ذلك، وأيضًا لا يتعين كونه حالًا، ويجوز كونه صفة، بل قد يرجح كونه صفة على
стр. 4572
لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٧٨].
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: "يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ". [خ: ٦٤٧٧، م: ٢٩٨٨].
٤٨١٤ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سِبَابُ الْمُسْلِم فُسُوقٌ،
ــ
كونه حالًا في مثل هذا التركيب، فتدبر.
وقوله: (لا يلقي لها بالًا) هذا أيضًا صفة أو حال من ضمير (يتكلم)، والضمير في (لها) للكلمة، و (البال) يجيء بمعنى القلب والحال والخاطر، أي: لا يلقي العبد لتلك الكلمة ولا يحضر لها قلبه ولا يلتفت إلى عاقبتها، أو لا يلقي لها الحال والخاطر، ولا يتأمل فيها وفي عاقبتها، ولا يرى فيها بأسًا.
وقوله: (يرفع اللَّه) جملة مستأنفة جواب عن سؤال: ما ثمرتها ونتيجتها؟ والتنوين في (درجات) للتكثير والتعظيم، أي: درجات كثيرة عظيمة.
وقوله: (يهوي) أي: يسقط العبد بسبب تلك الكلمة، وهوى يهوي من ضرب يضرب بمعنى السقوط، ومن سمع يسمع بمعنى المحبة.
وقوله: (أبعد ما بين المشرق والمغرب) صفة مصدر محذوف أي: هويًا بليغًا بعيد المبدأ والمنتهى، كذا قال الطيبي (١).
٤٨١٤ - [٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (سباب المسلم) بالكسر، في
стр. 4573
وَقِتَالُهُ كُفْرٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨، م: ٦٤].
٤٨١٥ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٠٤، م: ٦٠].
ــ
(النهاية) (١): السب والسباب: الشتم، والإضافة إما إلى الفاعل أو إلى المفعول، وفي بعض الحواشي: أنها إلى الفاعل؛ لأنه جاء في رواية الترمذي: (سباب المسلم أخاه فسق، وقتاله إياه كفر)، وأما قوله: (وقتاله كفر) تغليظ، أو المراد استباحته أو لكونه مسلمًا كما هو المشهور.
٤٨١٥ - [٤] (ابن عمر) قوله: (أيما رجل قال لأخيه: كافر. . . إلخ)، اعلم أن هذا الحديث والحديثين بعده تدل بظاهره على أن من قال لأحد: هو كافر، وقال: يا كافر، وهو ليس بكافر فقد كفر، واستشكل بأن غاية ما فيه أنه كذب ومعصية، والكذب ليس بكفر، والمؤمن لا يكفر بالمعاصي.
وتوجيهه أنه لما قال للمسلم: كافر فقد جعل الإسلام كفرًا، واعتقد بطلان دين الإسلام، فافهم، وأما إذا قال بقصد الكذب والسب من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، فقد يوجه بأنه محمول على المستحل لذلك، واستحلال المعصية كفر، والضمير في (بها) لهذه الكلمة، أي: بما يلزمها من المعصية؛ فإن صدق رجع بها أخوه بما فيه من الكفر، وإن كذب رجع بها القائل بما يلزمه من معصية الكذب وتكفير من ليس بكافر، وبأن المراد أنه يوؤل ويفضي به إلى الكفر؛ لأن المعصية قد تجرّ إلى الكفر، وبأن الراجع إلى القائل ليس هو الكفر حقيقة، بل المراد أنه لما كفر أخاه فكأنه كفر نفسه، لكونه كفر من هو مثله، أو لأنه فعل مثل فعل الكافر؛ لأنه لا يكفر المسلم
стр. 4574
٤٨١٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٤٥].
٤٨١٧ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حارَ عَلَيْهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [م: ٦١].
ــ
إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام.
وقيل: إنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا مبني على قول من يكفر أهل القبلة، والجمهور على خلافه، نقل هذه التوجيهات الطيبي (٢) عن محيي السنة، وهي إنما يحتاج إليها إذا لم يكن حكم تكفير المسلم من غير تأويل، وهو المراد هنا الكفر، وهو محل نظر، وليس بمستبعد، فقد يكون بعض الكذبات كفرًا كما ذهب إليه الجويني والد إمام الحرمين، أحيث ذهب، إلى تكفير من تعمد الكذب على النبي ﷺ وخلوده في النار استدلالًا بظاهر حديث: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)، فهذه الأحاديث أيضًا دالة على تكفير المكفر، وتوجيهه ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
٤٨١٦ - [٥] (أبو ذر) قوله: (إلا ارتدت) أي: الكلمة عليه، أما الفسق فظاهر، وأما الكفر فحاله ما ذكرنا.
٤٨١٧ - [٦] (عنه) قوله: (من دعا رجلًا بالكفر) أي: قال له: يا كافر.
وقوله: (إلا حار) أي: رجع عليه، قيل: (من) استفهامية، أي: لم يدع إلا رجع عليه، وقيل: شرطية وجواب الشرط محذوف، وهو المستثنى منه.
стр. 4575
٤٨١٨ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٨٧].
٤٨١٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يَكُونَ لعَّانًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٩٧].
٤٨٢٠ - [٩] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّعَّانِينَ. . . . .
ــ
٤٨١٨ - [٧] (أنس وأبو هريرة) قوله: (المستبان ما قالا، فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم): (المستبان) مبتدأ، و (ما قالا) مبتدأ ثان متضمن لمعنى الشرط.
وقوله: (فعلى البادئ) خبر المبتدأ الثاني، (ما لم يعتد) قيد للنسبة في الظرف، أي: إذا سب كل واحد الآخر فإثم ما قالا على الذي بدأ في السب، أما إثم ما قاله فظاهر، وأما إثم الآخر فلكونه الذي حمله على السب وظلمه، وهذا إذا لم يعتد ويتجاوز المظلوم الحد، بأن سبه أكثر وأفحش منه، وأما إذا اعتدى كان إثم ما اعتدى عليه والباقي على البادئ.
٤٨١٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (لا ينبغي لصديق) في (القاموس) (١): الصديق هو بمعنى كثير الصدق، و (اللعن) الطرد والبعد، وهو لعين وملعون، واللُّعْنة بالضم: من يلعنه الناس، وكهُمَزة: كثير اللعن لهم، وامرأة لعين، فإذا لم يذكر الموصوف فبالهاء، انتهى.
٤٨٢٠ - [٩] (أبو الدرداء) قوله: (إن اللعانين) أي: الذين يكون ديدنهم اللعنة
стр. 4576
لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاء يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٩٩].
٤٨٢١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢٣].
٤٨٢٢ - [١١] وَعَنْهُ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٥٨، م: ٢٥٢٦].
٤٨٢٣ - [١٢] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. . . . .
ــ
على الخلق.
وقوله: (لا يكونون شهداء) أي: للمطيعين.
وقوله: (ولا شفعاء) أي: للعاصين.
٤٨٢١ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (فهو أهلكهم) يروى بصيغة التفضيل من الهلاك، أي: أكثرهم هلاكًا؛ لأنه اشتغل بعيب الناس وأعجب بنفسه، وبصيغة الماضي من الإهلاك، أي: أوقعهم في الهلاك؛ لأن قوله لهم هذا يوجب نأيهم عن الطاعة، وانهماكهم في المعاصي، والظاهر هو الأول.
٤٨٢٢ - [١١] (وعنه) قوله: (ذا الوجهين) إما أن يكون المراد المنافق، ويكون عذابه أشد، أو المراد من صفته هذه من المؤمنين، ويكون حاله شرًّا من سائر المؤمنين.
٤٨٢٣ - [١٢] (حذيفة) قوله: (قتات) بالتشديد، قال الطيبي (١): القتات هو
стр. 4577
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمِ: "نَمَّامٌ". [خ: ٦٠٥٦، م: ١٠٥].
٤٨٢٤ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا،
ــ
الذي يتسَمَّعُ على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم، وقال في (القاموس) (١): رجل قتات: نمام، أو يسَّمَّع أحاديث الناس من حيث لا يعلمون، سواء نمّها أو لم ينمّها.
وقال السيوطي في (مختصر النهاية) (٢): القتات: النمام، وقيل: هو الذي يسمّع على القوم وهم لا يعلمون، والنمام: الذي يكون معهم.
وأما ما قال الطيبي: قتَّ الحديث: إذا زوَّره، وهيأه، وسواه، فهو بمعنى الافتراء والبهتان، ولم يذكر في كتب اللغة للقتِّ هذا المعنى، نعم ذكر في (القاموس) من معاني النمِّ: تزيين الكلام بالكذب، ولما كان القتُّ بمعنى النمِّ كان ذلك معناه أيضًا، وهو نقله برمز (النهاية)، ولم يذكرها السيوطي في مختصرها، واللَّه أعلم.
٤٨٢٤ - [١٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (فإن الصدق يهدي إلى البر) لعل الصدق بخاصيته يفضي إلى أعمال البر، أو المراد من البر هو الصدق نفسه، كما تدل عليه الرواية الأخرى لمسلم، وهدايته إليه بالمغايرة الاعتبارية في المفهوم والعنوان، كقولهم: صفة العلم لزيد توجب صفة كمال له.
وقوله: (حتى يكتب عند اللَّه صديقًا) الظاهر أن المراد كتابته في ديوان الأعمال
стр. 4578
وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ". [خ: ٦٠٩٤، م: ٢٦٠٧].
٤٨٢٥ - [١٤] وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقولُ خَيْرًا وَيَنْمِي. . . . . .
ــ
في الملأ الأعلى، ويحتمل أن يكون المراد الحكم بالصديقية وإثبات الصفة له، والمقصود إظهار ذلك في الناس وإعلامهم له بهذه الصفة وبهذا الاسم في قلوبهم وعلى لسانهم، على قياس قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]، وعلى هذا القياس التقرير في الكذب.
٤٨٢٥ - [١٤] (أم كلثوم) قوله: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرًا وينمي خيرًا) حاصله أن الكذب ورفع الحديث لإصلاح ذات البين جائز، وليس هو من النميمة والكذب المذموم؛ فإن النميمة رفع الحديث إشاعة له وإفسادًا، ثم الظاهر من العبارة أن يكون (الكذاب) اسم (ليس) وخبره (الذي يصلح)، أي: ليس الكذب المذموم في الدين المصلح بل غيره، ويجوز أن يكون خبرًا مقدمًا على الاسم، ويؤيده ما جاء في بعض الروايات: ليس بالكذاب.
وقوله: (ينمي) بفتح الياء وسكون النون مخففة الميم، وقال عياض في (المشارق) (١): قال أبو عبيد: نمى الحديث مخفف الميم، أي: أبلغه، ونميته إلى غيري
стр. 4579
خَيْرًا". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٢، م: ٢٦٠٥].
٤٨٢٦ - [١٥] وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ". . . . .
ــ
مثل أسندته، ونمَّيته بالتشديد: أبلغته على وجه النميمة، وقال ابن قتيبة وغيره: نمَّيته بالتثقيل: نقلته على جهة الإفساد، وقال في (القاموس) (١) أيضًا: نمى الحديث: ارتفع، ونميته ونمّيته: رفعته وعزوته، وأنماه: أذاعه على وجه النميمة، وفي (الصراح) (٢): نمو نما: كَواكيدن وبرداشتن حديث وخبر بكسي، يقال منه: نموت ونميت إليه الحديث، ونسبت كردن بكسي، انتمى كذلك، يقال: نما إليه، وينمي إليه، وسخن رسانيدن بوجه إصلاح ونيكوئي، وتنمية: سخن رسانيدن ببدي وسخن جيني كردن، وهيزم نهادن برآتش.
٤٨٢٦ - [١٥] (المقداد بن الأسود) قوله: (المداحين) المراد بالمداح من اتخذ مدح الناس حرفة ليتأكل به، ولا يراعي الحق في ذلك، ولا يميز بين من يستحق ومن لا يستحق، وهو مذموم مكروه؛ لأنه يتضمن الكذب من المادح، ومداخلة العجب من الممدوح.
وقوله: (فاحثوا في وجوههم التراب) أي: ارموه، في (القاموس) (٣): حثا التراب يحثوه ويحثيه حثوًا وحثيًا، والحثى كالثرى: التراب المحثو، والحثي كالرمي: ما رفعت به يدك، وأرض حثواء: كثيرة التراب، والمراد في الحديث لا تعطوه شيئًا
стр. 4580
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٠٢].
٤٨٢٧ - [١٦] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ" ثَلَاثًا، "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيْبُهُ، إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَا يُزكِّي على اللَّهِ أَحَدًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٦٢، م: ٣٠٠٠].
ــ
واحرموه، وقيل: أراد الرضخ، وهو العطاء القليل المشبه لقلته وحقارته بالتراب، ومنهم من حمله على ظاهره، وقد يروى أن المقداد حثا في وجه المادح عند عثمان ﵄ التراب.
٤٨٢٧ - [١٦] (أبو بكرة) قوله: (قطعت عنق أخيك) أي: أهلكته لوقوعه في العجب والكبر، و (ثلاثًا) متعلق بـ (قال).
وقوله: (أحسب فلانًا واللَّه حسيبه) أي: أظن فلانًا كذا وكذا، أي: موصوفًا بالصفات الحميدة، واللَّه عليم بحقيقة حاله وسرّه، ومحاسبه ومجازيه على أعماله، وعلى هذا يكون قوله: (واللَّه حسيبه) من تتمة مقول (فليقل)، ويحتمل أن يكون معترضًا من قول النبي ﷺ بين قوله: (فليقل: أحسب فلانًا) وبين ما يتعلق به من الشرط وهو قوله: (إن كان يرى أنه كذلك) أي: إنما يقول: أحسب فلانًا كذا وكذا إن كان المادح يظن أن الممدوح كذلك، أي: كما مدحه، ولا يقول ذلك أيضًا كاذبًا من غير ظن وحسبان.
وقوله: (ولا يزكي على اللَّه أحدًا) نفي في معنى النهي عطف على قوله: (فليقل)، وهو نهي عن الجزم بكونه كما مدحه، أي لا يثني [على] أحد ولا يظهره حاكمًا على اللَّه وموجبًا عليه، كأنه لما جزم بمدحه حكم على اللَّه وأوجب عليه أن يكون ما علمه كما مدحه، ولعله لا يكون كذلك.
стр. 4581
٤٨٢٨ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ"، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: "إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: "إِذَا قُلْتَ لِأَخِيكَ مَا فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِذَا قُلْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ". [م: ٢٥٨٩].
٤٨٢٩ - [١٨] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ"، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
٤٨٢٨ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (ذكرك أخاك بما يكره) سواء في دينه أو دنياه، في نفسه أو فيما يتعلق به، والمراد ما يفهم به معنى سواء كان باللفظ أو بالكتابة أو بالإشارة، وتفصيله في كتاب (الإحياء) وأمثاله.
٤٨٢٩ - [١٨] (عائشة) قوله: (أن رجلًا استأذن) هو عيينة بن حصن ولم يحسن إسلامه حينئذ وإن كان قد أظهر الإسلام، قالوا: ضعيف الإسلام، وكان يظهر منه مدة حياته ما يدل على ضعف إيمانه، وقد ارتد بعده ﷺ وجيء به أسيرًا إلى الصديق ﵁، وقد عدّ قوله ﷺ فيه: (بئس أخو العشيرة) من علامات النبوة؛ لأنه ظهر كما أخبر، والعشيرة: القبيلة، وقد روي: ابن العشيرة وفتى العشيرة، وفي الحديث دليل على مداراة من يخاف شره، والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة تكون لاتقاء الشر وحفظ الوقت عن التفرقة والتضيع وللمصلحة الدينية، والمداهنة لأجل النفس وتحصيل شهواتها وللغرض الدنياوي، وأيضًا فيه دليل على جواز الغيبة للفاسق المجاهر ليتقي
стр. 4582
"مَتَى عَاهَدْتِنِي فَحَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاس مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "اتِّقَاءَ فُحْشِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٣٢، م: ٢٥٩١].
٤٨٣٠ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ،
ــ
الناس من شره.
وقوله: (متى عاهدتني) أي: وجدتني، يعني إنما ألنت له لذم الفحش ولم أكن قط فحاشًا، والفحش: التجاوز عن الحد في الكلام وفي غيره، وإنما قلت في غيبته تنبيهًا على حاله ليتقه الناس، وفيه مصلحة.
وقوله: (إن شر الناس عند اللَّه منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره) قال الشراح: معناه إني إنما ألنت له الكلام وتطلقت في وجهه وانبسطت إليه اتقاء الشر والفحش لئلا أكون من الأشرار الفحاشين الذين يتركهم الناس لفحشهم، لأني لو قلت له في حضوره ما قلت فيه غيبته لتركني اتقاء فحشي، وقيل: معناه إنما فعلت ذلك مع الرجل وتركته غير مفتش عن حقيقة حاله ومتعرض لكشفها اتقاء شره وفحشه، وشر الناس من تركه الناس ولم يتعرضوا له مداراة معه، ورواية (اتقاء شره) تنظر إلى هذا المعنى، ورواية (اتقاء فحشه) إلى المعنى الأول، فافهم.
٤٨٣٠ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (كل أمتي معافى) التذكير باعتبار لفظ (كل)، وفي أكثر الأصول (معافاة) باعتبار المضاف إليه، في (القاموس) (١): أعفاه من الأمر، أي: برأه، والمعنى: كل أمتي مبرأ ومسلم ومتروك عن الغيبة إلا من جاهر بالمعصية ولم يسترها، وأما رفع قوله: (إلا المجاهرون) فللتأويل بالمنفي، أي: لا يغتاب أحد
стр. 4583
وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ! عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: "من كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ" فِي (بَابِ الضِّيَافَةِ). [خ: ٦٠٦٩، م: ٢٩٩٠].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٨٣١ - [٢٠] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "من تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ بَاطِلٌ بُنِيَ لَهُ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ،
ــ
إلا المجاهرون، وقد يروى بالنصب فلا إشكال، واتفقوا على جواز غيبة الفاسق المجاهر، والإمام الجائر، والمبتدع الداعي، وراوي الأخبار، وعند التظلم والنصيحة وتزكية الشهود، وفي صورة التظلم إن صبر فهو الأفضل.
وقوله: (وإن من المجانة) مصدر مجن يمجن مجانة من باب نصر، وهو أن لا يبالي الإنسان بما يفعله ويقوله، ولا بما قيل له وصنع به من غيبته ومذمته، فمن أظهر ذنبه للناس فهو لا يبالي بأن يغتابه الناس ويذمونه، وهذا يضر به وبالناس.
الفصل الثاني
٤٨٣١ - [٢٠] (أنس) قوله: (وهو باطل) احتراز عن مواضع يرخص فيها الكذب مما فيه إصلاح ذات البين والمعاريض، والكذب في الحرب من أقسام الخدعة، وقيل: هو تأكيد لما قبله.
وقوله: (الربض) بفتحتين: سور البلد، وفي (الصراح) (١): ربض: ديوار كَرد
стр. 4584
وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَكَذَا فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ"، وَفِي "الْمَصَابِيحِ" قَالَ: غَرِيبٌ. [ت: ١٩٩٣].
٤٨٣٢ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ تَقْوَى اللَّهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، أَتَدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ الأَجْوَفَانِ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٠٠٤، جه: ٤٢٤٦].
ــ
شهر.
وقوله: (ومن ترك المراء) أي: الجدال والخصومة، (وهو محق) أي: مع أن الحق في جانبه يتركه كسرًا لنفسه كيلا تترفع نفسه على خصمه بظهور فضله، وينكسر قلب خصمه بعجزه وإفحامه، وهذا إنما يجوز إذا لم يكن متعلقًا بأمر ديني، ولم يقع فيه خلل بسكوته، أو يتوقع ظهور الحق بالآخرة بوجه آخر، وقد يسكت الخصم الألد بإبانة الكلام والسكوت والأعراض، وينفع ذلك في ظهور الحق ما لم ينفع المراء والجدال، وحسن الخلق شامل لجميع الحمايد والكمالات، وأكثر ما يستعمل حسن الخلق في العرف في لين الجانب وطلاقة الوجه والبشاشة.
٤٨٣٢ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (تقوى اللَّه وحسن الخلق) لا شك أن التقوى شامل لإتيان المأمورات وترك المنهيات كلها، وحسن الخلق أيضًا داخل فيها، فذكره بعدها من باب التخصيص بعد التعميم، إلا أن يراد بالتقوى الأعمال الظاهرة، وبحسن الخلق الأخلاق الباطنة، وقال الطيبي (١): التقوى إشارة إلى حسن المعاملة مع الخالق،
стр. 4585
٤٨٣٣ - [٢٢] وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الشَّرِّ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا، يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". وَرَوَى مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه نَحْوَهُ. [شرح السنة: ٤١٢٥، ت: ٢٣١٩، جه: ٣٩٦٩، ط: ٢/ ٩٨٥].
٤٨٣٤ - [٢٣] وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَيْلٌ لِمَنْ يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ. . . . .
ــ
وحسن الخلق إشارة إلى حسن المعاملة مع الخلق، والمراد الدخول مع السابقين الفائزين بالدرجات والكرامات، أو يقال: المراد أن اجتماع هذين الصفتين يوجب بالحكم الإلهي دخول الجنة، وإلا فاصل الدخول يكفي فيه أصل الإيمان كما هو المذهب، وإنما قيد بالأكثر لأنه يرجى بدون هذه الصفتين دخول الجنة ونيل الدرجات أيضًا بفضل اللَّه تعالى وشفاعة رسول اللَّه ﷺ ، فافهم.
٤٨٣٣ - [٢٢] (بلال بن الحارث) قوله: (يكتب اللَّه له بها رضوانه إلى يوم يلقاه) المراد تحقق رضاه تعالى له في الدنيا والآخرة، فالغاية داخلة في الحكم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨]، و (ما) في (ما يعلم) نافية.
٤٨٣٤ - [٢٣] (بهز) قوله: (وعن بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء آخره زاي.
وقوله: (فيكذب) فيه أنه إن صدق في الحديث ليضحك به فلا بأس، ومع ذلك لا ينبغي أن يكون مطمح نظره محض الإضحاك، بل يكون مقصوده الإفادة مع تضمنه
стр. 4586
لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ٣، ت: ٢٣١٥، د: ٤٩٩، دي: ٢/ ٢٩٦].
٤٨٣٥ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَقُولُ الْكَلِمَةَ لَا يَقُولُهَا إِلَّا لِيُضْحِكَ بِهِ (١) النَّاسَ، يَهْوِي بِهَا أَبْعَدَ مِمَّا (٢) بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَإِنَّهُ لَيَزِلُّ عَنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَزِلُّ عَنْ قَدَمِهِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٤٤٩٢].
٤٨٣٦ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَمَتَ نَجَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٢/ ١٧٧، ت: ٢٥٠١، دي: ٢/ ٢٩٩، شعب: ٤٦٢٩].
ــ
نوعًا من الطيبة وحسن المعاشرة مع الأصحاب، كما يدل عليه الحديث التالي: (لا يقولها إلا ليضحك)؛ فإن المزاح مشروع مسنون، ولكن لا يتخذ [هـ] حرفة ولا يفرط فيه.
٤٨٣٥ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (يهوي) أي: يسقط (بها) أي: بتلك الكلمة إلى جهنم، أو يبعد عن مقام الخير والرحمة.
٤٨٣٦ - [٢٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (من صمت نجا) قال الإمام الغزالي (٣): ويدلك على لزوم الصمت أمر، وهو أن الكلام أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم ضرر ومنفعة، وقسم لا ضرر ولا منفعة، أما الذي هو
стр. 4587
٤٨٣٧ - [٢٦] وَعَنْ عُقْبةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: مَا النَّجَاةُ؟ فَقَالَ: "أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ. . . . .
ــ
ضرر محض فلا بد من السكوت عنه، وكذا ما فيه ضرر ومنفعة؛ لأن دفع الضرر أهم، وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فالاشتغال به تضييع للوقت، وهو عين الخسران، فلا يبقى إلا القسم الثاني وفيه خطر، إذ يمتزج به ما فيه [إثم] من دقائق الرياء والتصنع وتزكية النفس، وكلام الغزالي في أمثال هذه المقامات إكسير للنفس وشفاء للقلوب، ولقد أكثر الطيبي فيها النقل منه، وهو جدير بذلك.
٤٨٣٧ - [٢٦] (عقبة بن عامر) قوله: (ما النجاة) أي: سبب النجاة.
وقوله: (أملك عليك لسانك) المصحح في النسخ: (أملك) بفتح الهمزة من الإملاك، ومعناه غير ظاهر؛ لأن الإملاك بمعنى التمليك كما ذكر في (القاموس) (١)، ولا معنى له ههنا، وقد ضبطه في بعض الشروح بكسر الهمزة، وقال: أما بفتحها فغير ظاهر، وقال في (مجمع البحار) (٢): هو أمر من الثلاثي، أي: احفظها عما لا خير فيه، وأما عبارة الطيبي (٣) فظاهر في كونه من الثلاثي، ولكنه لم يصرح بذلك، قال: أي لا تُجْرِهِ إلا بما يكون لك لا عليك، وعن بعضهم: أي اجعل لسانك مملوكًا لك فيما عليك وباله وتبعته، وأمسكه عما يضرك، وأطلقه فيما ينفعك، انتهى. وهذا ظاهر في الإملاك.
وقوله: (وليسعك) أمر من وسع يسع، كناية عن القعود في بيته اشتغالًا بالطاعة.
стр. 4588
بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٥/ ٢٥٩، ت: ٢٤٠٦].
٤٨٣٨ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ قَالَ: "إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ، فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا، فَإِنَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعوَجَجْنَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٠٧].
٤٨٣٩ - [٢٨] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ. [ط: ٢/ ٩٠٣، حم: ١/ ٢٠١].
٤٨٤٠ - [٢٩] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [جه: ٣٩٧٦].
ــ
٤٨٣٨ - [٢٧] (أبو سعيد) قوله: (تكفر اللسان) في (القاموس) (١): التكفير: أن يخضع الإنسان لغيره، وورد: يكره التكفير في الصلاة، وهو الانحناء الكثير في حالة القيام قبل الركوع، والمراد إطاعة الأعضاء وانقيادها لما يجري على اللسان، وذلك باعتبار كونه ترجمان القلب وخليفته، فحكمه حكمه، فلا يرد أن استقامة الجوارح واعوجاجها وصلاحها وفسادها بالقلب، وصلاحه وفساده لا باللسان، فلا ينافي حديث: (إن في الجسد لمضغة) الحديث.
وقوله: (فإن استقمت استقمنا. . . إلخ)، بيان للمراد بقوله: (نحن بك).
٤٨٣٩، ٤٨٤٠، ٤٨٤١ - [٢٨, ٢٩، ٣٠] (علي بن الحسين) قوله: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه): (من) تبعيضية؛ لأن ترك ما لا يعنيه بعض حسن
стр. 4589
٤٨٤١ - [٣٠] وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" عَنْهُمَا. [ت: ٢٣١٨، شعب: ٤٦٣٢، ٤٦٣٣].
ــ
الإسلام وشطره، وثاني شطريه هو الاشتغال بالعبادة كالتحلية بعد التخلية، فيكون في معنى قوله: (الطهور شطر الإيمان) على تأويل.
ومن العجب ما نقل الطيبي عن بعضهم من أنه يجوز أن يكون (من) بيانية، أقول: فأين المُبين، نعم لو قال: يجوز أن تكون زائدة لكان له وجه، وإن لم يكن من مواقع زيادة (من)، إلا أن يكون قوله: (بيانية) سهو القلم في مكان (زائدة)، واللَّه أعلم.
ومعنى قوله: (ما لا يعنيه) ما لا يعتني ولا يهتم به المرء، أي: ما من شأنه أن لا يهتم ويشتغل به، من قولهم عنى به، أي: اهتم به واشتغل، وعلى هذا يكون الضمير المستتر في (يعنيه) للمرء، والبارز لـ (ما)، من عناه الأمر: إذا تعلقت عنايته به وكان من غرضه وإرادته، وقال في (القاموس) (١): عناه الأمر يعنوه ويعنيه: أهمه، فعلى هذا المستتر لـ (ما)، والبارز لـ (المرء)، أي: ما يهمه ويجعله ذا هم إليه، والذي يعني الإنسان من الأمور ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه مما يشبعه ويرويه، ويستر عورته ويعف فرجه، ونحو ذلك مما يدفع الضرورة، دون ما فيه تلذذ واستمتاع واستكثار وفضول من الأقوال والأفعال وسائر الحركات والسكنات، [و] ما يتعلق بسلامته في معاده، وهو الإسلام والإيمان والإحسان، وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام مما يعدّ تمامه أو نصفه أو ثلثه أو نحو ذلك، وهو من جوامع الكلم.
قال أبو داود: كتبت عن رسول اللَّه ﷺ خمس مئة ألف حديث، وانتخبت منها
стр. 4590
٤٨٤٢ - [٣١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَلَا تَدْرِي، فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، أَوْ بَخِلَ بِمَا لَا يَنْقُصُهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣١٦].
٤٨٤٣ - [٣٢] وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَخْوَفُ. . . . . .
ــ
مما يتضمنه هذا الكتاب يعني (كتاب السنن)، وجمعت فيه أربعة آلاف وثمان مئة حديث، وقال في آخر هذا الكلام: ويكفي للإنسان لأمر دينه أربعة أحاديث منها: أولها: (إنما الأعمال بالنيات)، وثانيها: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وثالثها: (لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه)، ورابعها: (إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات)، الحديث.
قال الغزالي: وما لا يعنيك من الكلام أن تتكلم بكل ما لو سكت عنه لم تأثم ولم تتضرر في حال ولا مآل.
٤٨٤٢ - [٣١] (أنس) قوله: (أولا تدري) روي بفتح الواو عطفًا على مقدر أي: أتقول هذا ولا تدري ما يقول؟ أو للحال، أي: والحال أنك لا تدري، وروي بسكونها عطفًا على مقدر أيضًا، أي: أتدري أنه من أهل الجنة أو لا تدري؟ أي: بأي شيء علمت ذلك؟ والرواية الأولى أشهر، ومعناها أظهر.
وقوله: (أو بخل بما لا ينقصه) كتعليم العلم وأداء الزكاة، أو المراد إنفاق شيء قليل من مال كثير، والحال في ضميري (ما لا ينقصه) كما في ضميري (ما لا يعنيه)، وجعل المستتر فيه لـ (ما) أظهر، فافهم.
٤٨٤٣ - [٣٢] (سفيان) قوله: (ما أخوف) اسم تفضيل مبني للمفعول، و (ما)