← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّار". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٦٧]. ١٧٤ - [٣٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اتَّبِعُوا السَّوَادَ الأَعْظَمَ، فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. [جه: ٣٩٥٠]. ــ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقوله: (يد اللَّه على الجماعة) كناية عن النصرة والعصمة للجماعة المتَّفِقَة من أهل الإسلام، وأنها في كنف اللَّه ووقايته، وهم بعيد من الأذى والخوف، وقيل: سكينة ورحمة مع المتفقين محفوظون من الأذى والخوف والاضطراب؛ فإذا تفرقوا زالت السكينة وأُوقِع بأسُهم بينهم، وفسدت الأحوال، والشذوذ: الانفراد والندور عن الجمهور، و (شذ) في الشرط مصحح بصيغة المعلوم، وفي الجزاء بها وبالمجهول، وكذا في الحديث الثاني. ١٧٤ - [٣٥] (عنه) قوله: (اتبعوا السواد الأعظم) في (القاموس) (١): السواد الشخص، ومن البلدة قراها، والعدد الكثير، ومن الناس عامتهم، ومن القلب حبَّتُه، والمراد: الحث على اتِّباع ما عليه الأكثر من علماء المسلمين، قالوا: وهذا في عقائد، أما في الفروع فيجوز العمل بمن قلد مذهبه وإن لم يجمع عليه، نعم إذا جمع بين المذاهب فيما يمكن الجمع كان أولى وأحسن. وقوله: (رواه) (٢) في الأصل بياض، وكتب العلامة الجزري في الهامش: ابن ماجه من حديث أنس وابن أبي عاصم سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: (إن أمتي لا تجتمع

стр. 492

١٧٥ - [٣٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبحَ وَتُمْسِيَ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ" ثُمَّ قَالَ: "يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْبَّ سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجنَّة". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٧٨]. ١٧٦ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمُّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِئَةِ شَهِيدٍ". رَوَاهُ. ١٧٧ - [٣٨] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَتَاهُ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّا نسْمَعُ أَحَادِيثَ. . . . . ــ على الضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا كثيرًا فعليكم بالسواد الأعظم). ١٧٥ - [٣٦] (أنس) قوله: (وليس في قلبك غش) الغش بالكسر: الغل والحقد. ١٧٦ - [٣٧] (أبو هريرة) قوله: (فله أجر مئة شهيد) كناية عن لحوق غاية الجهد والمشقة في ذلك. وقوله: (رواه البيهقي (١). . . إلخ)، في بعض النسخ ههنا بياض، وفي بعضها مكتوب في الأصل. ١٧٧ - [٣٨] (جابر) قوله: (حين أتاه) ظرف لما يفهم من قوله: (عن النبي ﷺ )

стр. 493

مِنْ يَهُودَ تُعْحِبُنَا أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: "أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ . . . . . ــ من معنى القول. وقوله: (من يهود) في (مجمع البحار) (١): الهَود: التوبة، ومنه ﴿إنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، قيل: ومنه لفظ اليهود وكان اسم مدح، ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازمًا لهم، وإن زال عنه المدح، والهوادة السكون والمحاباة. وقال البيضاوي (٢): اليهود إما عربي من هاد: إذا تاب، سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل، وإما معرب يهوذا وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب. وقال التُّورِبِشْتِي (٣): يهود لا ينصرف، والسبب فيه العلمية والتأنيث؛ لأنه يجري في كلامهم مجرى القبيلة، وقال الزمخشري: والأصل في يهود ومجوس أن يستعمل بغير لام التعريف؛ لأنهما علمان خاصان لقومين والقبيلتين، وإنما جوز تعريفهما باللام لأنه أجري يهودي ويهود مجرى شعيرة وشعير. وقوله: (أمتهوكون أنتم) في (القاموس) (٤): هوك كفرح، والمتهوك: المتحير كالهوّاك كشداد، والساقط في هوة الردى، والهوكة بالضم: الحفوة، والتهوك: الوقوع في الشيء بغير مبالاة، والظاهر أن المراد في الحديث معنى التحير، أي: متحيرون أنتم في دين تام كامل لا يحتاج إلى غيره من الأديان حتى تأخذوه من أهل الكتاب.

стр. 494

لَقَدْ جِئتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الْإِيمَانِ". [حم: ٣/ ٣٨٧، هب: ١٧٦]. ١٧٨ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا، وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَكَثِيرٌ فِي النَّاسِ؟ قَالَ: "وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ بَعْدِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُ. [ت: ٢٥٢٠] ــ. وقوله: (لقد جئتكم بها) الضمير للملة، وإن لم يجر لها ذكر؛ لشهرتها. وقوله: (بيضاء نقية) منصوبان على الحال، أي: طاهرة صافية خالصة عن الشك والشبهة والالتباس والاشتباه، ومصونة عن التبديل والتحريف، خالية عن التكاليف الشاقة، فماذا بعد لكم من العمى والتحير؟ . وقوله: (ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي) فكيف بقومه وسائر الناس من ورائهم؛ لأن الشرائع كلها نسخت بشريعتي. ١٧٨ - [٣٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من أكل طيبًا) أي: حلالًا (وعمل في سنة) أي: لأجل سنة، أي: لأجل كونها سنة ليوافقها، أو جعل السنة ظرفًا مبالغة، ونكر (سنَّة) ليفيد التعميم، كقولهم: تمرة خير من جرادة. وقوله: (بوائقه) البائقة: الداهية جاءت بالشر والخصومات، أي: شره وغايته. وقوله: (إن هذا) أي. هذا الأمر الذي ذكر (اليوم) أي: في يومنا وزماننا (الكثير) وكيف يكون فيما بعده؟ (قال: وسيكون في قرون (١) بعدي) ولا ينقطع الخير عن أمتي قطعًا وإن تفاوتت

стр. 495

١٧٩ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٦٧]. ١٨٠ - [٤١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]. . . . . ــ الحال كثرة وقلة، فتكثير (قرون) للتقليل، ويحتمل للتكثير لكثرته في نفسه وإن قلَّت بالإضافة، ويشبه أن يكون المراد: القرون الموسومة بخير القرون، ولكن هذه الصفات ليست مخصوصة، واللَّه أعلم. ١٧٩ - [٤٠] (أبو هريرة) قوله: (إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به (١)) الحديث، قالوا: ورد هذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فالأوامر لا يسع تركها لأحد، ويحتمل أن يكون بما أمر به السنن والمندوبات سوى الفرائض والواجبات. ١٨٠ - [٤١] (أبو أمامة) قوله: (إلا أوتوا الجدل) محركة: اللدود في

стр. 496

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ٢٥٢، ٢٥٦، ت: ٣٢٥٣، جه: ٤٨]. ١٨١ - [٤٢] وَعَن أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ــ الخصومة والقدرة عليها، والمراد به هنا العناد والمراء والتعصب لترويج مذهبهم؛ لأنهم لو تركوا سبيل الهدى واختاروا الضلال سلكوا طريق الجدل، إذ له خاصية في ذلك بجريان عادة اللَّه تعالى. وأول الآية: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف: ٥٧]، ولما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قال المشركون: رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى لأنه عبد، وذلك مضمون قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] أي: يضجون فرحًا بما سمعوه، أو يصدون عن الحق ويعرضون، ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] أي: عيسى، فإن كان في النار فليكن معه آلهتنا، أي: ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدال والخصومة لا لتميز الحق من الباطل؛ لعلمهم أن (ما) لغير العاقل فلا يتناول عيسى، ولهذا قال ﷺ على ما قيل- لابن الزِّبَعْرَى الذي جادله: ما أجهلك بلسان قومك، إن (ما) لما لا يعقل. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] شديد الخصومة. ١٨١ - [٤٢] (أنس) قوله: (لا تشددوا على أنفسكم) فإن التوسط والاقتصاد هو المحمود، وهو يدوم ويستقيم ويوصل إلى المقصود، والإكثار يورث الملال، والتشديد يضيع حق النفس وغيره، وخير العمل أدومه، وقد ورد: قليل العمل مع الدوام خير من كثيره مع عدمه، وقد نطقت به الأحاديث وهو السنَّة.

стр. 497

فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧]. رَوَاهُ أَبُو داوُدَ. [د: ٤٩٠٤]. ــ وقوله: (فتلك بقاياهم) قال الطيبي (١): تلك إشارة إلى ما في الذهن من تصور جماعة باقية من أولئك المشددين، والخبر بيان له. وقوله: (في الصوامع والديار) الصوامع: جمع صومعة بفتح الميم: بيت للنصارى لدقةٍ في رأسها، والديار جمع دير، وهو خان النصارى، كذا في (القاموس) (٢)، وفيه: الخان: الحانوت، أو صاحبه، وخان التجّار [معروف]، والحانوت دُكّان الخمّار، في (الصراح) (٣): دير كليسائ رهبانان. وقوله: (رهبانية ابتدعوها) منصوبة على شريطة التفسير، في (القاموس) (٤): رهب كعلم رَهْبَةً ورُهْبًا بالضم وبالفتح وبالتحريك، ورُهْبانا بالضم ويحرك: خاف، والاسم الرَّهْبَى، ويضمّ [ويمدّان]، والراهب واحد رهبان النصارى، ومصدره: الرَّهْبة والرَّهْبانية، والرهبان قد يكون واحدًا، والجمع: رهابين ورَهابنة ورَهْبانون، و (لا رهبانية في الإسلام) هي كالاختصاء، واعتناق السلاسل، ولبس الْمُسوح، وترك اللحم، ونحوها. وقال البيضاوي: هي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس، منسوبة إلى الرهبان وهو جمع راهب كراكب وركبان (٥). ولعله يريد أن الرُّهبانية بالضم منسوب إلى الرُّهبان، والفتح من تغيرات النسب، وإلا فركبان جمع راكب بالضم، قال في

стр. 498

١٨٢ - [٤٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: حَلَالٍ، وَحَرَامٍ، وَمُحْكَمٍ، وَمُتَشَابِهٍ، وَأَمْثَالٍ، فَأَحِلُّوا الْحَلَالَ، وَحَرِّمُوا الْحَرَامَ، وَاعْمَلُوا بِالْمُحْكَمِ، وَآمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ، وَاعْتَبِرُوا بِالأَمْثَالِ". هَذَا لَفْظُ "الْمَصَابِيحِ". وَرَوَى البَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيْمَانِ" وَلَفْظُهُ: "فَاعْمَلُوا بِالْحَلَالِ، وَاجْتَنِبُوا الْحَرَامَ، وَاتَّبِعُوا الْمُحْكَم". [هب: ٢٣٩٢]. ١٨٣ - [٤٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الأَمْرُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ، ــ (القاموس): راكب جمعه رُكّاب ورُكْبان ورُكوب بضمهن (١). والأظهر ما قال الطيبي (٢): إن الرهبانية الفعلة المنسوبة إلى الرَّهْبان، وهو الخائف، فَعْلان من رَهِبَ، كخشيان من خشي، فتدبر. ثم التشديد يكون بالفعل، وقد يكون بالتعمق في السؤال، كما فعل بنو إسرائيل في ذبح البقرة. ١٨٢ - [٤٣] (أبو هريرة) قوله: (حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال) هذه تقسيمات يجتمع أقسامها وليست أقساما متباينة، فإن المحكم قد يكون الحلال والحرام، وقد يكون الاعتقاديات، فافهم. ١٨٣ - [٤٤] (ابن عباس) قوله: (الأمر ثلاثة) أي: حكم اللَّه تعالى أو شأن المكلف، والظاهر أن مضمون هذا الحديث هو مضمون قوله ﷺ : (الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات)، واللَّه أعلم.

стр. 499

وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ (١) فَكِلْهُ إِلَى اللَّهِ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [لم نجده في "مسند أحمد"، ولكن رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/ ٣١٨، ١٠٧٧٤)]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٨٤ - [٤٥] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنْسَانِ كَذِئبِ الْغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاذَّةَ وَالْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٤٣]. ١٨٥ - [٤٦] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا. . . . . ــ الفصل الثالث ١٨٤ - [٤٥] (معاذ بن جبل) قوله: (يأخذ الشاذة والقاصية والناحية) الشاذة النافرة، والقاصية البعيدة من غير تنفر، والناحية التي بقيت في جانب. وقوله: (والشعاب) جمع شعب بكسر الشين، وهو ما انفرج بين الجبلين أو الطريق بينهما، والمقصود عدم الخروج والبعد عن الجماعة والجمهور كما قال: (وعليكم بالجماعة والعامة). ١٨٥ - [٤٦] (أبو ذر) قوله: (شبرًا) (٢) في (القاموس) (٣): الشبر بالكسر ما بين

стр. 500

فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داوُدَ. [حم: ٥/ ١٨٠، د: ٤٧٥٨]. ١٨٦ - [٤٧] وَعَن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ". رَوَاهُ فِي "الْمُوَطَّأ". [ط: ٢/ ٨٩٩، رقم: ١٥٩٤]. ١٨٧ - [٤٨] وَعَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ الثُّمَالِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ، ــ أعلى الإبهام وأعلى الخنصر. وقوله: (فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) الربق بالكسر: حبل فيه عدة عرى يشد به البهم، ويجعل في عنق كل واحد ربقة بالكسر والفتح. ١٨٦ - [٤٧] (مالك بن أنس) قوله: (تركت فيكم أمرين، الحديث) معناه ظاهر، وسيجيء الكلام فيه في (مناقب أهل البيت) في آخر الكتاب إن شاء اللَّه تعالى. ١٨٧ - [٤٨] (غضيف بن الحارث) قوله: (غضيف) بضم الغين وفتح الضاد المعجمتين، ويقال: غطيف بالطاء المهملة. وقوله: (الثمالي) بمثلثة مضمومة وخِفَّةِ ميمٍ منسوب إلى ثمالة بن أسلم، كذا في (جامع الأصول) (١). وقوله: (ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة) لعل المراد بالمثلية: في

стр. 501

فتَمَسُّكٌ بِسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٠٥]. ١٨٨ - [٤٩] وَعَنْ حَسَّانَ قَالَ: مَا ابْتَدَع قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلَّا نزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٥٨]. ١٨٩ - [٥٠] وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الإِسْلَامِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. . . . . ــ المقدار والمرتبة، وإذا كان إحداث بدعة رافعًا للسنة كانت إقامة السنة لعل أيضًا قامعة للبدعة، فالتمسك بالسنة ولو كانت قليلة خير من إحداث بدعة وإن كانت حسنة، فبالأول يزيد النور، وبالثاني تشيع الظلمة، وهذا مبالغة في قمع البدعة وآثارها، وإلا فقد عرفت أن من البدع ما هو واجب كتعلم النحو وتعليمه وحفظ غريب الكتاب والسنة ونحوهما، أو مندوب كبناء الربط والمدارس، ولعل الظاهر أن تحمل البدعة على البدعة المغيرة للسنة، واللَّه أعلم. ١٨٨ - [٤٩] (حسان) قوله: (وعن حسان) حسان يجيء منصرفًا وغير منصرف، فعلى الأول من الحُسْنِ، فالألف والنون أصليتان، وعلى الثاني من الحَسِّ، فهما زائدتان. وقوله: (ما ابتدع قوم. . . إلخ) مضمونه مضمون الحديث السابق مع زيادة عدم إعادتها إلى يوم القيمة. ١٨٩ - [٥٠] (إبراهيم بن ميسرة) قوله: (من وقر صاحب بدعة) في (القاموس) (١): التوقير التبجيل (فقد أعان على هدم الإسلام) لأن توقيره وتبجيله

стр. 502

فِي "شُعَبِ الإيمانِ" مُرْسَلًا. [هب: ٩٤٦٤]. ١٩٠ - [٥١] وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ كتَابَ اللَّهِ ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فِيهِ هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ فِي الدُّنْيَا، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللَّهِ لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. رَوَاهُ رَزِينٌ. [أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٦/ ١٢٠)]. ١٩١ - [٥٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَنْ جَنَبَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرَخَاةٌ، وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّراطِ دَاعٍ يَقُولُ: اسْتَقِيمُوا عَلَى الصِّرَاطِ وَلَا تعْوَجُّوا، وَفَوْقَ ذَلِكَ دَاعٍ يَدْعُو، ــ تأييد وإعانة له، وهو يفضي إلى استخفافٍ لسنَّةٍ عليها مدار قوة الإسلام ورواجه. ١٩٠ - [٥١] (ابن عباس) قوله: (هداه من الضلالة) عدّي بمن لتضمين هدى معنى أمِنَ وعصم. ١٩١ - [٥٢] (ابن مسعود) قوله: (ضرب اللَّه مثلًا صراطًا) أي: جعل اللَّه مثلًا لدين الإسلام وما فيه من المحارم والحدود وأحكام القرآن صراطًا مستقيمًا، فقوله: (صراطًا) مفعول أول لجعل، و (مثلًا) مفعول ثان له، كقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]، والسور حائط المدينة، وأرخى الستر أسدله. وقوله: (فوق ذلك) أي: فوق الصراط، ويجوز أن يكون إشارة إلى الداعي الذي عند رأس الصراط.

стр. 503

كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ أَنْ يَفْتَحِ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ! لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ" ثُمَّ فَسَّرَهُ فَأَخْبَرَ: أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الإِسْلَامُ، وَأَنَّ الأَبْوَابَ الْمُفتَّحَةَ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَأَنَّ السُّتُورَ الْمُرَخَاةَ حُدُودُ اللَّهِ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ مِنْ فَوْقِهِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤمِنٍ". رَوَاهُ رَزِينٌ وَأَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٨٢، ١٨٣]. ــ وقوله: (ويحك) كلمة ترحم وتوجع، وويل كلمة عذاب. وقوله: (لا تفتحه) يدل على أن تلك الأبواب مردودة، فمعنى قوله سابقًا (أبواب مفتحة): غير مغلقة، كذا في بعض الشروح، ويمكن أن يكون إطلاق لا تفتحه باعتبار الستور، فليست الأبواب مردودة ولا مغلقة بل مفتوحة عليها ستور مرخاة، وكذلك أبواب المحارم ليست مغلقة ولا مردودة على الناس، وإنما بينهم وبينها ستور، وهي ستور النهي، فإذا رفعوا تلك الستور ولجوها. وقوله: (ثم فسره فأخبر) من عطف المفصل على المجمل، و (حدود اللَّه): الأحكام التي نهى عن قربانها كقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] قال البيضاوي (١): ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى ما حد من الأحكام. وقوله: (هو واعظ اللَّه) قال الطيبي (٢): هو لَمَّةُ المَلَك في قلب المؤمن، وقال: وإنما جعل لمة الملك فوق داعي القرآن؛ لأنه إنما ينتفع بالقرآن إذا كان محلًا له، وعبارته هذه تدل على أن المشار إليه بذلك في قوله: (وفوق ذلك داع) هو الداعي الذي عند الصراط كما ذكرنا.

стр. 504

١٩٢ - [٥٣] وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيْمَانِ" عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ أخْصَرَ مِنْهُ. [هب: ٧٢١٦، ت: ٢٨٥٩]. ١٩٣ - [٥٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ كانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الْحَيَّ. . . . . ــ ١٩٢ - [٥٣] (النواس بن سمعان) قوله: (النواس) بفتح النون وتشديد الواو. (سمعان) بكسر السين وفتحها، كذا في (المغني) (١) عن النووي، وفي (جامع الأصول) (٢): بكسرها. ١٩٣ - [٥٤] (ابن مسعود) قوله: (من كان مستنًّا فليستن) (٣) سنن الطريق واستنها: سارها، أي: من كان يريد أن يسلك طريق الهدى فيسلك طريق الصحابة، ويقتدي بهم، قاله ابن مسعود في زمانه نصيحة للتابعين. وقوله: (فإن الحي) أي: الذين هم أحياء من أهل زماننا ما عدا الصحابة، ويحتمل أن يكون عبارة عن سيرة الشيخين: الصديق والفاروق ﵄، فإن ابن مسعود مات في

стр. 505

لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبه نَبِيِّهِ وَلإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنُّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَي الْمُسْتَقِيم. رَوَاهُ رَزِينٌ. [أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (٢/ ٩٧)]. ١٩٤ - [٥٥] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَسَكَتَ، فَجَعَلَ يقْرَأ وَوَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ! . . . . . ــ أواخر زمن عثمان سنة اثنين وثلاثين، ولكن قوله: (أولئك أصحاب محمد) يدل على تعميم الصحابة، واللَّه أعلم. وقوله: (وأعمقها علمًا) عمَّق النظر في الأمور: بالَغَ وتأمل. وقوله: (تكلفًا) أي: تصنعًا ومراياةً للخلق ومراعاةً للرسوم والعادات المتعارفة فيما بين الناس. وقوله: (اختارهم اللَّه لصحبة نبيه) يعني: لما جعلهم اللَّه أصحاب النبي ﷺ واصطفاهم من بين الخلائق بهذه الفضيلة عُلم أنهم أفضل الناس وأخيار الخلق ممن بعدهم تلميحًا إلى قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٦]. ١٩٤ - [٥٥] (جابر) قوله: (بنسخة من التوراة) نسخ الكتاب: كتبه عن معارضةٍ، كانتسخه واستنسخه، والمنتسخ منه النسخة. وقوله: (ثكلتك الثواكل) جمع ثاكلة، وهي المرأة التي مات ولدها، وقد سبق

стр. 506

مَا تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ بَدَا لَكُمْ مُوسىَ فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَركتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَوْ كانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي لَاتَّبَعَنِي". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. ١٩٥ - [٥٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ كَلَامِي، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا". ١٩٦ - [٥٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَادِيثَنَا يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَنَسْخِ الْقُرْآنِ". ١٩٧ - [٥٨] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي قَالَ: . . . . ــ تحقيق معناه في (كتاب الإيمان) [برقم: ٢٩]. وقوله: (ما ترى) (ما) نافية بحذف حرف الاستفهام، وفي قوله: (ما بوجه) موصولة أو موصوفة. ١٩٥، ١٩٦ - [٥٦، ٥٧] (جابر، ابن عمر) قوله: (كلامي لا ينسخ كلام اللَّه) قد ثبت عند الحنفية أن الحديث يكون ناسخًا للكتاب، فالمراد بـ (كلامي) ههنا: أي: ما أقوله اجتهادًا ورأيًا، أو المراد نسخ تلاوة الكتاب، أو يكون هذا الحديث منسوخًا، ولو حمل قوله: (كنسخ القرآن) في حديث ابن عمر الآتي على معنى نسخ الأحاديث القرآنَ بإضافة المصدر إلى المفعول لكان ناسخًا لهذا الحديث، واللَّه أعلم. ١٩٧ - [٥٨] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (الخشني) بضم الخاء وفتح الشين

стр. 507

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا". رَوَى الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٤/ ١٤٥، ١٨٤]. ــ المعجمتين بعدهما نون منسوب إلى خشن بطن من قضاعة. وقوله: (فلا تنتهكوها) انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل، والنَّهْكُ مبالغة في كل شيء، يقال: نَهَكْتُ الدابة حلبًا: إذا لم تُبق في ضرعها لبنًا، وفي الحديث: (لينتهك الرجل بين أصابعه أو لتنتهكنّه النار) (١) أي: ليبالِغْ في غسل ما بينهما في الوضوء أو لتبالغن النار في إحراقه، وحديث: (انهكوا أعقابكم أو لتنهكنّها النار) (٢)، أي: بالغوا في غسلها وتنظيفها، و (انهكوا وجوه القوم) (٣) أي: ابلغوا جهدكم في قتالهم، وحديث: (انهكوا الشوارب) (٤) أراد الاستئصال في قص الشوارب، وحديث: (تنتهك ذمة اللَّه وذمة رسوله) (٥) يريد نقض العهد والغدر بالمعاهدة، وغير ذلك من المواضع. تم كتاب الإيمان بعون الملك المنان، ويتلوه كتاب العلم، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 508

(٢) كِتَابُ العِلْمِ

стр. 509

(٢) كِتَابُ العِلْمِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢ - كتاب العلم (١) العلم يطلق على معان أعمها حصول صورة الشيء في العقل يعم التصور والتصديق الجازم وغير الجازم والمطابق وغير المطابق الثابت وغير الثابت والكلي والجزئي، ثم قد يخص بالتصديق وبالجازم منه وباليقين، والمراد ههنا العلم الديني مما يتعلق بالكتاب والسنة، وهو المراد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وبأمثال ذلك مما ورد في فضل العلم، وربما يشمل العلوم المالية التي يتوقف معرفة الكتاب والسنة عليها أو يكمل ويتم بها كعلوم العربية، قال الشيخ الإمام أحمد بن زَرّوق (٢) في مقدمة (شرح

стр. 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحكم): العلم إما أن يكون مرادًا للتشدق كالمنطق والجدل ونحوه مما غاية القصد به إفحام الخصم ونحوه، وهذا متروك عند ذوي الدين إلا من حيث إنه كمال في ذاته أو معين على غيره. وإما أن يكون مرادًا للتخلق كالتصوف على طريق الإمام أبي حامد الغزالي والمحاسبي وغيره، فلا ينبغي أن يهمل علمه ولا يقتصر دون عمل به وإن قل؛ لأنه مقصده، فإن تعذر علمه أو قصر دونه فلا يبطل علمه، إذ لو شرط في العلم العمل لما صح تعلمه للزوم الدور وما هو كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لو شرط الاتصاف فيه لبطل، وبطلانه باطل للزوم ارتفاعه لذلك. وإما أن يكون مرادًا للتحقق كالمعارف والأحوال، وهي أمور خاصة لمخصوصين، وفيها وقع الغلط لخلق كثير باعتبار حقائقها، وباعتبار ادعائها، فلزم الوقوف مع المبادئ في الأول؛ لأن السير والسلوك إنما هو لتحقيقها وكمالها وليس ثمة غيرها، ومن فهم غير ذلك فقد ضلّ وأضلّ، فكل ما لا يصح أصله في المبادئ لا يقبل في المناهي، ولزم التوقف عن القبول في الثاني حتى لا يشك فيه لكثرة الغلط، واللَّه أعلم. وإما أن يكون مرادًا لهما كالفروع الفقهية والأحكام العملية ويتعين قصد الأفضل بها، وإلا لكانت وبالًا على صاحبها، ولإسراع المفاسد للقصد فيها منع المشايخ اشتغال المريد بها وحذروا من الإكثار منها، لأنها يشعب الذهن ويشغله ولكن ذو الحقيقة لا يزيده إلا كمالًا، فلزم الاعتناء بها مع تصحيح النية في المعاوضة وإعطاء كل وقت حقه، واللَّه أعلم، وهذا كلام جامع مفيد شامل للظاهر والباطن، قال شيخنا ومولانا سيدي الشيخ عبد الوهاب المكي المتقي رحمة اللَّه عليه ونفعنا اللَّه ببركات علومه: ولا يقدم علم الباطن على الظاهر، ولا يكتفي بالظاهر عن الباطن، وباللَّه التوفيق.

стр. 511

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٩٨ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةٌ، ــ الفصل الأول ١٩٨ - [١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (بلغوا عني) قيل: يفهم من الحديث اتصال السند بنقل العدل والثقة عن مثله إلى منتهاه وأداء اللفظ كما سمعه من غير تغيير؛ لأن التبليغ من البلوغ، وهو انتهاء الشيء إلى غايته، ولوقوع (بلغوا عني) مقابلًا لقوله: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) إذ ليس في التحديث ما في التبليغ من الحرج والتضييق، انتهى. ويمكن أن يكون وجه فهم هذا المعنى من التبليغ من جهة أن في التبليغ معنى الجودة والبلوغ إلى الكنه، يقال: شيء بليغ جيد، والبليغ الفصيح يبلغ بعبارته كنه ضميره، هذا، والظاهر أن المراد الاتصال، واشتراط اتصال السند والأداء من غير تغير يفهم من مواضع أخر. وقوله: (ولو آية) الظاهر أن المراد القرآن أي: ولو كانت آية قصيرة من القرآن، والقرآن مبلَّغ عن رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه الجائي به من عند اللَّه، ويفهم منه تبليغ الحديث بالطريق الأولى؛ فإن القرآن مع انتشاره وكثرة حملته وتكفُّل اللَّه سبحانه بحفظه، لمَّا أمرنا بتبليغه، فالحديث أولى به، وقد يراد بها الكلام المفيد (١) فائدة شريفة شاملة بكون

стр. 512

وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، ــ آية دالة على عظم معناه المراد به كالأحاديث التي هي من جوامع الكلم، وبذلك يشر كلام الطيبي، والحق أن كل أحاديثه ﷺ كذلك، فيكون المعنى ولو حديثًا واحدًا، ويعتذر على هذا الوجه من تخصيص التحريض على التبليغ بالأحاديث لعدم الحاجة إليه في تبليغ القرآن لما ذكر، ولا يخفى بعد ذلك، وأبعد منه حمل الآية على العلامة بمعنى كون المبلغ فعلًا أو إشارة باليد والأصابع ونحو ذلك وإن كان فيه تتميم ومبالغة في المقصود، هذه حاصل ما ذكره الطيبي (١) مع تنقيح وتلخيص لمقصوده. وقوله: (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) قال التُّورِبِشْتِي (٢): يحتمل أن القوم لما سمعوا قول النبي ﷺ : (أَمُتَهَوِّكُوْنَ أنتم؟ ) تحرجوا عن التحديث عن بني إسرائيل، فرخص لهم في الحديث عنهم، ويحتمل أنهم تعجبوا بما حدثوا به عن بني إسرائيل من جلائل الأمور وعظائم الشؤون حتى تحرجوا عن التحدث به، خشية أن يفضي بهم ذلك إلى التفوه بالكذب، فقالوا: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، فقد كان فيهم الآيات الغريبة والوقائع العجيبة، انتهى. أشار إلى أن المراد التحدث بالقصص والمواعظ والحكم والأمثال دون الشرائع والأحكام لنسخها ووقوع التحريف فيها، وقيل: هذا بعد قوة الإسلام، والنهي كان قبلها، وإلى أن المراد بقوله: (لا حرج) أي: لا تضيق لوجوب الاحتياط في ذلك؛ لأن المقصود العبرة والاتعاظ على نحو ما تقرر أنه يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وقد يقال: يحتمل أن يكون المراد بقوله: (لا حرج) إن لم تحدثوا؛ لأن

стр. 513

وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٤٦١]. ــ التحديث مباح، والمعنى الأول هو الراجح. وقوله: (ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) أي: لينزل منزله من النار، بوأه منزلًا أي: أسكنه إياه، وتبوأت منزلًا: اتخذته، والمباءة: المنزل، وهذا الكلام أمر، ومعناه خبر أو دعاء أي: بوأه اللَّه، واستدل به الجويني والد إمام الحرمين على خلود النار للكاذب عليه تعمدًا وأنه كفر، وإلا فكل كاذب أوعد بالنار، فلا وجه للتخصيص، وضعفه العلماء، وقيل: هذا جزاؤه، وقد يعفى، وقد يتوب، وقيل: الكذب عليه ﷺ كبيرة وغيره صغيرة. وقال الشيخ زكريا في شرح ثلاثيات البخاري: إنه ليس للفظ (عَلَيَّ) مفهوم لأنه لا يتصور أن يكذب له، إذ هو منهي عنه مطلقًا، ونقل الأبهري عن الكرماني: كذب عليه: نسب الكلام إليه كاذبًا سواء كان عليه أو له، انتهى. وفي هذا سد للذريعة على من ذهب إليه من الكرامية. وقد ينسب إلى بعض المتصوفة أيضًا -واللَّه أعلم- أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب زعمًا منهم أنه كذب له لا عليه، والصواب الذي أجمع عليه المحدثون أنه حرام، وقالوا: يدخل في هذا الوعيد من روى حديثًا علم أو ظن أنه موضوع ولم يتبين حاله. واختلف في قبول رواية من كذب على رسول اللَّه ﷺ ، ثم تاب، والأصح الجواز إذا حسنت توبته، والأكثر على أنه لا يقبل، وقد مرّ الكلام في أن هذا الحديث متواتر أم لا في المقدمة (١)، فتذكر.

стр. 514

١٩٩ - [٢] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [مق: ١]. ــ ١٩٩ - [٢] (سمرة بن جندب) قوله: (وعن سمرة) بفتح السين وضم الميم، و (جندب) بضم الدال وفتحها. قوله: (والمغيرة) بضم الميم وكسرها، والضم أشهر. وقوله: (يرى) بضم الياء أي: يظن، وبفتحها أي: يعلم، والعلم بمعنى الظن لأنه لا يشترط في المنع عن التحديث اليقين بكذبه، بل إذا حصل الظن بكذبه أمسك عن تحدثه، كذا في شرح الشيخ، أي: لا ينبغي أن يروي الحديث إلا عن يقين أو غلبة ظن، انتهى. يعني بصدقه، فإذا حصل الظن بكذبه لم يرو، بقي صورة الشك، والظاهر عدم صحة الرواية على ما يفهم مما ذكر الشيخ، فالمراد بظن كذبه معنى يشمل الشك أيضًا على ما هو مقتضى المعنى اللغوي. قال التُّورِبِشْتِي (١): الرؤية قد يستعمل على معنى الوهم والتخيل نحو: أرى أن زيدًا منطلق، مثل هذا المعنى أريد منه ههنا، وكذلك أريت، ويجوز أن يكون من الرأي الذي هو اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظن، ثم صوب هذا المعنى، وقال: إذ ليس لأحد أن يدع الرواية بمجرد الوهم والتخيل، فتدبر. وقوله: (أحد الكاذبين) يروى بلفظ الجمع وبلفظ التثنية، وقد يروى في حديث

стр. 515

٢٠٠ - [٣] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١، ٣٦٤١، م: ١٠٣٧]. ــ سمرة بالتثنية، وفي حديث المغيرة بالشك في التثنية والجمع، وإنما سماه كاذبًا لأنه لما لم يحتط ولم يتحر فكأنه رضي بالكذب، ولأنه أعان الكاذب وشاركه في إشاعته، فاشترك معه في الوزر. ٢٠٠ - [٣] (معاوية) قوله: (يفقهه في الدين) الفقه الفهم والفطنة وهي تهيؤ النفس لجودة فهم ما يرد عليها من الغير أي: يعطيه فهمًا خاصًّا في أحكام الدين يدرك به المراد مما يرد عليه من الكتاب والسنة ويصل إلى حقيقة معناه، وهو أخص من مطلق العلم، حتى لا يحسن إطلاق العلم في بعض المواضع التي يحسن فيه إطلاق الفقه كما قيل في تعريف الفقه، هو معرفة ما لها وما عليها، فغلب في عرف الشرع على معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بدلائلها المستنبطة هي منها، ولعل إرادة المعنى الأول ههنا أولى وأحسن، قال التُّورِبِشْتِي (١): أي: يجعله عالمًا بأحكام الشريعة ثقفًا ذا بصيرة فيه، فيصير قلبه ينبوع العلم يستخرج بفهمه المعاني الكثيرة من اللفظ الموجز، فافهم. وقوله: (وإنما أنا قاسم واللَّه يعطي) أشار ﷺ إلى أن الأمر كله بيد اللَّه، وهو المعطي لمن شاء ما شاء، وإنما على يدي قسمة ما أعطى تأكيدًا لقوله: (من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين) وتنبيهًا على شهود التوحيد والرضا بقسمته ﷺ وإن كانت القسمة بتفضيل بعضهم على بعض، وترجيحه بزيادة القسم؛ لأنه من عند اللَّه، هذا ما يفهم من ظاهر لفظ الحديث، واللَّه أعلم.

стр. 516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال التُّورِبِشْتِي (١): أشار النبي ﷺ بقوله: (وإنما أنا قاسم) إلى ما يلقي إليهم من العلم والحكمة، وبقوله: (واللَّه يعطي) إلى فهم ما يهتدى به إلى خفيات العلوم في كلمات الكتاب والسنة، وذلك لأنه لما ذكر التفقه في الدين وما فيه من الخير أعلمهم أنه لم يفضل في قسمة ما أوحي إليه أحدًا من أمته على الآخر، بل هو سَوَّى في البلاغ وعدل في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم، وهو واقع من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمعه آخر منهم أو من القرن الذي يليهم أو ممن أتى بعدهم فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء. وقال الطيبي (٢): الواو في قوله: (وإنما أنا قاسم) للحال من فاعل (يفقهه)، أو من مفعوله، وإذا كان الثاني فالمعنى: إن اللَّه يعطي كلًّا ممن أراد أن يفقهه استعدادًا لدرك المعاني على ما قدره، ثم يلهمني بإلقاء ما هو اللائق باستعداد كل واحد، وعليه كلام القاضي، وإذا كان الأول فالمعنى أني ألقي على ما يسنح لي وأسوِّي فيه، ولا أرجح بعضهم على بعض، فاللَّه تعالى يوفق كلًّا منهم على ما أراد وشاء من العطاء، وعليه كلام التُّورِبِشْتِي، انتهى. قال العبد الضعيف: المعنى الأول الذي عليه كلام القاضي يدل على تخصيص بعضهم بإلقاء بعض العلوم عليه لا على بعض آخر، وتفضيله عليه بذلك بناء على تفاوت الاستعدادات، فهذا ينظر إلى ما ذكرنا في معنى الحديث أولًا، والقسمة لا تقتضي

стр. 517

٢٠١ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "النَّاسُ مَعَادِنُ. . . . ــ التسوية، وليست التسوية داخلة في مفهومها، بل هو إيصال كل ما هو حقه ونصيبه من جانب المعطي، والمعنى الثاني: هو الذي نقلنا من التُّورِبِشْتِي عبارته، وهو دال على التسوية في القسمة، هذا، ولكن لا يظهر وجه تخصيص المعنى الأول بكون قوله: (وإنما أنا قاسم) حالًا من فاعل (يفقهه)، والمعنى الثاني بكونه حالًا من مفعوله، بل الظاهر أنه يجوز الحمل على كل من المعنيين على كل من التقديرين، فليتأمل. ثم قد قيل: أراد ﷺ بقوله: (وإنما أنا قاسم) قسمة المال، وقال هذا القول لئلا يكون في قلوبهم شحنة ونكير عن التفاضل في القسمة، فإنه من أمر اللَّه وأن اللَّه معطيه، وهذا المعنى صحيح ظاهر من اللفظ، لكن سوق الكلام ورعاية التناسب بين أول الكلام وآخره يأبى عنه ويحكم بأن الظاهر هو المعنى الأول، ولعل الذاهب إلى هذا القول عنده حديث آخر صريح في قسمة المال فبعثه إلى شرحه بهذا المعنى، لكن هذا الحديث بهذا اللفظ المذكور ظاهر في خلافه. وقيل: وجه المناسبة أنه ﷺ خص بعضهم بزيادة مال لمقتض، فتعرض بعض من خفي عليه المقتضي، فعرض ﷺ بأن من أريد به الخير يفهم في أمور الدين، ولا يخفى عليه المقتضي، ولا يتعرض لما ليس على وفق خاطره إذ الأمر كله للَّه، وهو المعطي والمانع، كذا في (مجمع البحار) (١) نقلًا عن الكرماني. ٢٠١ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الناس معادن) عدن بالبلد يَعْدِن ويَعْدُن عَدْنا وعُدُونًا: أقام، ومنه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، والمعدن كمجلس: منبت الجواهر من ذهب

стр. 518

كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فقُهُوا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٢٦]. ــ ونحوه لإقامة أهله فيه دائمًا، أو لإنبات اللَّه إياه فيه، ومكان كل شيء أصله فيه، كذا في (القاموس) (١). وقوله: (معادن) تشبيه بليغ، و (كمعادن) بدل منه أو تأكيد أو مجاز عن التفاوت، أي: متفاوتون في شرف النفس واستعدادها، فيتفاوتون في مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات على حسب الاستعدادات ومقدار الشرف تفاوت المعادن، فإن منها ما يستعد للذهب، ومنها ما يستعد للفضة وغيرهما من الجواهر المعدنية حتى ينتهي إلى الأدنى فالأدنى، كالحديد والكحل والزرنيخ والنورة، وكان من يستعد لقبول المآثر وجميل الصفات والفوقية على الأقران في الجاهلية وكان من خيار القبائل فيها، لكنه كان في ظلمة الكفر والجهل مستورًا مغمورًا، كما يكون الذهب والفضة في المعدن ممزوجًا مختلطًا بالتراب، كان في الإسلام كذلك، وفاق بتلك الاستعداد والمآثر والصفات على أقرانه في الدين، وتنور بنور العلم والإيمان، وخلص في سبيكة الرياضة والمجاهدة كما يسبك الذهب والفضة. وقوله: (إذا فقهوا) يفيد أن الإسلام يرفع اعتبار التفاوت المعتبر في الجاهلية، فإذا تحلى الرجل بالعلم والحكمة استجلب شرف النسب واستعداد النفس فيجتمع الشرفان، وبدون ذلك لا يعتبر ولا يفيد، وفيه أن الوضيع العالم خير من الشريف الجاهل، يقال: فقه الرجل بالكسر: علم، وفقه بالضم: صار فقيها عالمًا بعلم الشرائع، والرواية بالضم وهو المناسب ههنا، وإن رجحنا الأول في قوله: يفقهه في

стр. 519

٢٠٢ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا. . . . ــ الدين، فافهم. ٢٠٢ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (لا حسد) المراد به الاغتباط، وهو تمني الرجل مثل ما لأخيه من غير أن يتمنى زواله، ومعنى الحصر مع أن الاغتباط جائز في كل صفة محمودة أن أحق ما يقع في الغبطة هاتان الخصلتان، وقيل: إن حسن الحسد بالفرض والتقدير لا يحسن إلا فيهما، أو المراد المبالغة في تحصيل تينك الخصلتين، يعني ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم، وقيل: الظاهر أن المراد بالحسد صدق الرغبة وشدة الخوض، ولما كان هما السببين الداعيين إلى الحسد كنى عنهما بالحسد، وقيل: إن فيه تخصيصًا لإباحة نوع من الحسد وإن كانت جملته محظورة، وإنما رخص فيهما لما يتضمن مصلحة في الدين، انتهى. وما ذكروه إنما يتم إذا أخذ في معنى الحسد حصول نعمة لنفسه مع تمني زوالها عن غيره، أما إن كان معناه تمني الزوال فقط فلا يتجه فيه ما قيل، تأمل (١)، قال في (القاموس) (٢): حسده الشيء وعليه: تَمنّى أن تتحول إليه نعمته وفضيلته، أو يُسْلَبَهُمَا، فتدبر. وقوله: (إلا في اثنين) روي بتاء التأنيث أي: خصلتين، فقوله: (رجل) بتقدير مضاف أي: خصلة رجل أقيم مقام المضاف إليه، وبدونها فـ (رجل) بدل منه من غير احتياج إلىِ التقدير، وقال الطيبي (٣): التقدير في شأن رجل، وقال التُّورِبِشْتِي (٤): أوثق

стр. 520

فَسَلَّطَه عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣، م: ٨١٦]. ٢٠٣ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: . . . . ــ الروايات بالتذكير، وجعله الكرماني أصل الرواية، قال الشيخ (١): في معظم الروايات (اثنتين) بتاء التأنيث، وعلى كل تقدير (رجل) بالجر، ويجوز رفعه بتقدير المبتدأ، فعلى الرواية الثانية ظاهر، وعلى الأولى باكتساء إعراب المضاف. وقوله: (على هلكته) بفتحات بمعنى الهلاك، وعبر بذلك إشارة إلى أنه لا يبقى شيئًا، وكذا بقوله: (سلطه)، وذلك لكون النفس مجعولة على الشح، وأشار بقوله (في الحق) أي: في الطاعة ليزيل الإسراف المذموم. وقوله: (آتاه اللَّه الحكمة) قال الكرماني: عرف (الحكمة) ونكر (مالًا)؛ لأن المراد معرفة الأشياء التي جاءت بها الشريعة، فاللام للعهد بخلاف المال. وقوله: (فهو يقضي بها) أي: يحكم بها بين الناس، وقيل: يعمل بها، وإنما حرص على الغبطة في هاتين الخصلتين؛ لأنهما من صفات الأنبياء والمرسلين خصوصًا الثانية منهما. ٢٠٣ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة) هذه العبارة لا تخلو عن شيء، فإن قوله: (عمله) فاعل انقطع، فالظاهر في الاستثناء أن يقال: إلا ثلاثة أي: ثلاثة أعمال، أو يقال: انقطع من عمله إلا من ثلاثة أعمال، فقيل: (من) زائدة، وقيل: بل الضمير في (عنه) زائدة، ومعناه: إذا مات الإنسان انقطع عن أعماله

стр. 521

إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمِ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٣١]. ــ إلا من ثلاثة، وقيل: كلتاهما أصليتان ومعناه: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، وانقطع هو عن عمله إلا من ثلاثة أعمال، بقي أن الظاهر أن يقال: إلا عن ثلاثة، وجوابه أن (من) و (عن) قد يتناوبان، ويذكر كل منهما مقام الآخر، هذا، وقد أشار الطيبي (١) في أثناء البيان إلى توجيهه حيث قال: تقديره ينقطع عنه ثواب أعماله من كل شيء كالصلاة والزكاة والحج، ولا ينقطع ثواب أعماله من هذه الثلاثة، فالمضاف مقدر، و (من) ابتدائية أي: انقطع عنه الثواب الحاصل من كل أعماله إلا الثواب الحاصل من هذه الأعمال الثلاثة، فافهم. ويحتمل أن يكون صلة لـ (انقطع). وقوله: (صدقة جارية) في (النهاية) (٢): أي: دارّة متصلة كالوقوف المرصدة لأبواب البر، وفي بعض الشروح عن (الأزهار) (٣): اختلف العلماء في الصدقة الجارية، قال أكثرهم: هي الوقف وشبهه مما تدوم منافعه، وقال بعضهم: هي القناة والعين الجارية المُسَبّلة. ثم قد استشكل هذا الحديث بحديث: (من سن سنة حسنة فله أجره وأجر من عمل بها) (٤)، وحديث: (كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل اللَّه، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة) (٥)، فإن هذين القسمين المذكورين في ذينك الحديثين

стр. 522

٢٠٤ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، ــ زائدان على الثلاثة المذكورة في الحديث. وأجيب بأن السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به، والذي ذكر عن المرابط فإنه عمله الذي قدمه في حياته فينمو إلى يوم القيامة، وأما الثلاثة المذكورة في هذا الحديث فإنها أعمال محدثة بعد وفاته لا ينقطع عنه؛ لأنه سبب تلك الأعمال، فهذه الأشياء يلحقه منها ثواب طارئ خلاف أعماله التي مات عليها، كأنه ينقطع عمله المنضم إلى عمل الغير إلا عن ثلاثة، هذا حاصل كلام التُّورِبِشْتِي والطيبي (١)، وجعل الطيبي المرابط داخلة في الصدقة الجارية، ولا يخلو عن خفاء، فتدبر، واللَّه أعلم. ٢٠٤ - [٧] (عنه) قوله: (من نَفَّس عن مؤمن كربة) نفس تنفيسًا: فرج تفريجًا، وأصل اشتقاقه من النفس بمعنى الريح يخرج من باطن الإنسان كأنه احتبس نفسه ففتح مخرجه، والكرب والكربة بالضم كالكرب: الحزن والغم والشدة بأخذ النفس، وتنوين كربة للتقليل والتحقير، وفي الثاني للتعظيم والتكثير قال: (من كرب الدنيا) يعني فكيف من كرب العقبى بأن وقع في غم وشدة من جهة الدين كالإكراه على الكفر والمعصية مثلًا. وقوله: (ومن يسر على معسر) العسر ضد اليسر، وهو الصعوبة، فالمعسر من وقع في العسر، وليس ذلك مخصوصًا بمن ركبه الدين، فقول الطيبي (٢): المعسر من

стр. 523

وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ. . . . ــ ركبه الدَّين ويعسر عليه قضاؤه على سبيل التمثيل، أو باعتبار كثرة استعماله فيه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أو حمل للعام على الخاص؛ لأن ما عدا ذلك مذكور في الكربة وداخل فيها. وقوله: (من ستر مسلمًا) بأن ألبسه ثوبًا أو لم يفضحه على قبيح، وهو الأظهر؛ لأن المشهور في معنى الإلباس كسا إلا أن يراد ستر عورته. وقوله: (ما كان العبد في عون أخيه) بدفع ضرر أو جلب نفع بأي وجه كان، فهذا تعميم بعد التخصيص، ولما ذكر بعض أنواع العمل الواصل نفعه إلى الخلق أشار إلى فضيلة العلم الذي به قوام جميع الأعمال اللازمة والمتعدية وصحتها وسلامتها عن الآفات المفسدة لها تعميما للفائدة، فقال: (ومن سلك طريقًا) أي: بالمشي إلى المدرسة، أو السفر إلى بلد، أو اختار وجهًا وسببًا لتحصيل العلم من الإنفاق والسعي فيما يوصل إليه كالتعلم والتعليم والتصنيف، (يلتمس فيه) أي: يطلب علمًا ولو قليلًا، (سهل اللَّه له به طريقًا) أي: يدخله الجنة، أو يوفقه لعمل صالح يوصله إليها، أو يسهل له ما يزيد علمه؛ لأنه أقرب طريق إلى الجنة، كما قال المشايخ: إن أولى جزاء العمل هو التوفيق لزيادة العمل، وقوله: (به) أي: بسبب سلوك طريق العلم، وعلى المعنى الأخير يشبه أن يكون الباء تجريدية نحو: رأيت به أسدًا، وإن كانت السببية صحيحة باعتبار المزيد، فافهم. وقوله: (في بيت من بيوت اللَّه) أي بيت كان اختاروه للاجتماع على التلاوة

стр. 524

يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، ــ والتدارس سواء كان مسجدًا أو مدرسة أو رباطًا أو غيرها، والإضافة للتشريف ولاختياره لتلاوة كتاب اللَّه. وقوله: (يتلون كتاب اللَّه) التلاوة قراءة القرآن متتابعًا كالأدوار والأوراد الموظفة، والقراءة أعم، كذا في (شرح الأرجوزة الجزرية). وقوله: (ويتدارسونه) في (القاموس) (١): درس الكتاب يَدْرُسُه ويَدْرِسُه دَرْسًا ودراسةً: قرأه كأدرسه، والدُّرْسَة بالضمم: الرياضة، وفي (مشارق الأنوار) (٢): درست الكتاب: قرأته، وفي (مجمع البحار) (٣): يتدارسونه، التدارس: أن يقرأ بعض القوم مع بعض شيئًا، أو يعلم بعضهم بعضًا ويبحثون في معناه، أو في تصحيح ألفاظه وحسن قراءته، وفي حديث: (تدارسوا القرآن) أي: اقرأوه وتعهدوه لئلا تنسوه، وأصل الدراسة والمدارسة: الرياضة (٤) والتعهد للشيء، ولا يخفى أن الدرس هو القراءة، فالتداريس يكون بمعنى قراءة بعضهم مع بعض، وما سوى ذلك مما ذكر يكون داخلًا فيها بطريق الدلالة. وقوله: (نزلت عليهم السكينة) في (القاموس) (٥): السَّكِينة والسِّكِّينة بالكسر

стр. 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مشددة: الطمأنينة، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، انتهى. وقال التُّورِبِشْتِي (١): أي الحالة التي يطمئن بها القلب، فيسكن عن الميل إلى الشهوات، وعن الرعب، وقيل: السكينة ملك يسكن قلب المؤمن، وقد تفسر بالرحمة والصفا والنورانية، وكأنه تفسير باللازم، وفي بعض الشروح عن (شرح مسلم) (٢): المختار أنها شيء من مخلوقات اللَّه فيه طمأنينة ورحمة، ومعه الملائكة. والكلام الجامع للأقوال ما ذكره القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٣) في قوله: (تلك السكينة نزلت بقراءة القرآن) قيل: هي الرحمة، وقيل: الطمأنينة، وقيل: الوقار، وما يسكن به الإنسان مخففة الكاف، هذا هو المعروف، وحكى الحربي عن بعض اللغويين فيها التشديد، وذكر عن الفراء والكسائي، وقد يحتمل أن التي نزلت لقراءة القرآن السكينة التي ذكر اللَّه تعالى بقوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] فقد قيل: إنها شيء كالريح، وقيل: خلق كالهر، وقيل: خلق لها وجه كوجه الإنسان، وقيل: روح من اللَّه يكلمهم ويبين لهم إذا اختلفوا في شيء، وقيل فيه غير هذه، وفيما ذكرناه ما يحتمل أن ينزل مثل هذا على قراء القرآن أو من يجتمع للذكر؛ لأنها من جملة الروح والملائكة، واللَّه أعلم. وأما قوله في الصلاة: (فأتوها وعليكم الوقار والسكينة) (٤) فهو ههنا بمعنى الوقار والسكون، وكرر للتأكيد، انتهى.

стр. 526

وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩٩]. ٢٠٥ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ. . . . ــ وقوله: (وحفتهم الملائكة) أي: طافت بهم ودارت حولهم فيمن عنده من الملائكة مباهاة بعباده وإثباتًا للحجة عليهم في طعنهم في البشر. وقوله: (ومن بطأ به) بالتشديد بطأ به وأبطأ بمعنى أخّره، أي: من أخّره العمل لم يقدمه النسب، والرجل إذا قصر في الأعمال المصالحة لم يجبر نقصه بكونه نسبيًا في قومه. ٢٠٥ - [٨] (عنه) قوله: (إن أول الناس يقضى عليه) صفة للناس لكون اللام للعهد الذهني كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني، ثم إنه ذكر ثلاثة نفر بالواو، وقال: إنهم أول من يقضى فيكونون أوائل ممن عداهم في السؤال، ولا يعلم الترتيب فيما بينهم، وهذا السؤال من الإخلاص في العمل، فلا ينافي (إن أول ما يسأل العبد عن الصلاة) أي: في السؤال عن الإتيان بالعبادات، وإن أول ما يقضى بالقصاص، وذلك في باب المظالم. وقوله: (استشهد) أي: مات شهيدًا، في (القاموس) (١): استشهد: قتل في سبيل اللَّه. وقوله: (فعرفه نعمته) من التعريف أي: عرف اللَّه الرجل إلزامًا وتبكيتًا، والمراد بالنعمة الجنس، وفي بعض النسخ (نعم) بلفظ الجمع، أي: ذكر ما أنعم اللَّه عليهم من

стр. 527

فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمر بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، ــ أنواع النعم، وقال الطيبي (١): نعمته على صيغة المفرد أولًا، وعلى الجمع في الآخرين، هكذا جاء في الأصول. وقوله: (فعرفها) بالتخفيف أي: عرف الرجل نعمة اللَّه عليه واعترف بها. وقوله: (ما عملت فيها) في تعليلية، أي: فكيف أديت شكرها. وقوله: (قاتلت فيك) أي: لأجل إرادة وجهك خالصًا. وقوله: (جريء) بفتح الجيم وكسر الراء ممدودًا من الجراءة بمعنى الشجاعة. وقوله: (فقد قيل) أي: قال الناس هذا القول في مدحك ففزت ثوابه، فماذا تطلب مني؟ . وقوله: (أمر به فسحب) كلاهما على لفظ المجهول، وأمر مسند إلى الجار والمجرور والضمير للرجل، أي: أوقع الأمر للملائكة بسبب الرجل ولأجله بالسحب، وهكذا يكون المعنى في مثل هذا التركيب يكون المأمور به مدخول الفاء، وهي كثيرة في الأحاديث، وليست الباء في (به) صلة الأمر. وقوله: (وقرأ القرآن) أي مع وجود الاشتغال بالعلم قرأ القرآن وتعهد. وقوله: (تعلمت العلم وعلمته) أي: خالصًا لوجهك بقرينة السياق، ويحتمل

стр. 528

وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: إِنَّكَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٥]. ٢٠٦ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، . . . . ــ أن تكون الأفعال الثلاثة متنازعة في (فيك)، لكن الظاهر من تأخير القرآن تعلقه بـ (قرأت) خاصة، فافهم. وقوله: (تعلمت. . . إلخ) لم يذكر التعليم لأنه تابع للتعلم وفرع له، فلم يذكره اكتفاء. وقوله: (ثم ألقي في النار) قيل: أتى بـ (ثم) ههنا، وبـ (حتى) في الاثنين لأنه أقبح، فافهم. ٢٠٦ - [٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (انتزاعًا) مفعول مطلق للنوع من غير لفظ الفعل، و (ينتزعه) جملة مبينة للانتزاع ومؤكدة له لا صفة له لعدم الضمير وعدم جودة المعنى.

стр. 529

حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤، م: ٢٦٧٣]. ٢٠٧ - [١٠] وَعَن شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨، م: ٢٨٢١]. ــ وقوله: (حتى إذا لم يبق عالمًا) في بعض الشروح: قال الشيخ (١): (حتى إذا لم يبق عالم) بفتح الياء والقاف، فعالم مرفوع، وللأصيلي بضم الياء وكسر القاف وعالمًا منصوب أي: لم يبق اللَّه عالمًا، وفي رواية مسلم: (لم يترك عالمًا). وقوله: (رؤوسًا) وفي شرح الشيخ: بضم الهمزة والتنوين جمع رأس كما في رواية البخاري، وفي رواية مسلم: رؤساء بفتح الهمزة والمد: جمع رئيس، والأول أظهر. ٢٠٧ - [١٠] (شقيق) قوله: (يتخولنا بها) باللام في أكثر الروايات يتعهدنا ويتنقدنا ويحسن رعايتنا ويعظنا في مظان القبول وعدم السآمة، وروي بالنون مكان اللام، والتخول والتخون بمعنى واحد، فقد ذكر في (القاموس) (٢): تخول في باب اللام، وقال: تخول فلانًا: تعهده، وفي باب النون أيضًا وقال: تخونه: تعهده، وذكره

стр. 530

٢٠٨ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ. . . . . ــ في (الصحاح) (١) تخول باللام، وأورد هذا الحديث ثم قال: وكان، الأصمعي يقول: و (يتخوننا) بالنون أي: يتعهدنا. وقال في (المشارق) (٢): يتخولنا معناه يتعاهدنا، والخائل: المتعاهد للشيء المصلح له، وقال ابن الأعرابي: معناه يتخذنا خَوَلًا، وقيِل: يفاجئنا بها، وقيل: يصلحنا، وقال أبو عبيدة: يذللنا، يقال: خوّله اللَّه لك، أي: سَخّره لك، وقيل: يحبسهم عليها كما يحبس خولك، قال أبو عبيد. ولم يعرفها الأصمعي قال: وأظنها يتخونهم، وقال أبو نصر: يتخون مثل يتعهد، هذا كلامه، ويدل على أن الأصمعي لم يعرف اللام وأنكرها كما يدل عليه كلام (الصحاح) أيضًا على خلاف ما قال التُّورِبِشْتِي (٣): إن الأصمعي يثبت اللام والنون كليهما، والمنكر للام إنما هو أبو عمرو، وقد روي (يتحولنا) بالحاء المهملة واللام، قال في (المشارق): وقال أبو عمرو: الصواب يتحولهم [بالحاء] أي: يطلب حالاتهم وأوقات نشاطهم. قال التُّورِبِشْتِي: لكن الرواية في الصحاح بالخاء المعجمة. ثم اعلم أنهم إنما تعرضوا لبيان الروايات واختلافها في (يتخولنا)، ولا يعرف أن على حسب هذا الاختلاف يختلف في (أتخولكم) أيضًا، أو هو على حاله على رواية واحدة، والاختلاف إنما هو في الثاني، واللَّه أعلم. ٢٠٨ - [١١] (أنس) قوله: (إذا تكلم بكلمة) أراد بـ (كلمة) الجملة المفيدة
следующие страницы →