← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٨٩٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قَالَ: "أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ"، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: "فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ"، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك، قَالَ (١): "فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَيِّ؟ ". . . . . ــ والعصبة: قوم الرجل الذين يتعصبون له، وغلب في الأقارب من جهة الأب، وفي الفرائض: الذي لم يكن له فريضة مسماة يأخذ من الفرض، والتعصيب: التشديد، ومنه العصب لأطناب المفاصل لشدتها، والرجل يشتد بعصبته ويتقوى بهم، والمتعصب من يأتي بالعصبية أي: الحماية لقومه والغضب لهم، ويقال لمن يجادل بشدة في مذهب لإظهاره القوة فيه، أو لأن أعصابه تنتفخ فيه، والعصبية أيضًا إن كانت بحق فهي مستحسنة كما سيجيء في الحديث: (خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم)، وإن كانت ظلمًا من غير حق فهي مذمومة، وقد تعارف إطلاقها في هذا القسم الأخير كما سئل النبي ﷺ ما العصبية؟ قال: (أن تعين قومك على الظلم) كما سيأتي. الفصل الأول ٤٨٩٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (سئل رسول اللَّه ﷺ : أيّ الناس أكرم؟ ) الحديث، تقريره على ما ذكره الطيبي أنهم إن أرادوا السؤال عن الأكرم عند اللَّه تعالى ذاتًا من غير اعتبار للانتساب إلى الآباء وافتخار بخصائلهم وخصائل نفسه فجوابه أنه الأتقى، فإن أريد تحقيقًا لم يكن إلا فردًا إلا واحدًا، وما هو إلا رسول اللَّه ﷺ الذي هو أكرم الأكرمين بعد اللَّه ، وإن أريد إضافيًّا يكون متعددًا، فكل من هو أتقى من

стр. 4622

قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي. . . . . ــ القوم أو من فرد يكون أكرم منه، وإن أرادوا الأكرم حسبًا ونسبًا، والحسب ما يعده الرجل ويفتخر به من الفضائل الشريفة والخصائل الحميدة توجد فيه وفي آبائه، فأجاب ﷺ أنه يوسف عليه وعلى آبائه التحية والسلام؛ لأنه اجتمع له شرف النبوة، والعلم والجمال، والعفة وكرم الأخلاق، وكرم الآباء والعدل، ورياسة الدنيا والدين، وشرف النسب؛ لأنه نبي من نبي، رابع أربعة في النبوة، وإن أرادوا الأكرم من حيث الحسب والفضائل التي يعد ويفتخر من غير اعتبار التقوى والنسب، وهو المراد بمعادن العرب، أي: ذواتهم ورجالهم الذين يفتخرون بفضائلهم لقوله ﷺ : (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)، فسألوا أيهم أكرم؟ فأجاب بأن أكرمهم وخيارهم الذين كانوا كذلك في الجاهلية؛ لأنهم إنما كانوا رؤساءهم وكبراءهم في الجاهلية لأجل صفات عظيمة تميزوا وتفوقوا بها على غيرهم، غير أنهم كانوا مظلمين بظلمات الجهل والكفر، منغمسين في مقتضيات أهوائهم وشهواتهم، فلما آمنوا واتصفوا بالعلوم الشرعية والأخلاق الإيمانية ذهبت ظلماتهم وتبدلت صفاتهم العارضة على ذواتهم، وتولى اللَّه تعالى أمرهم وأخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين لم يؤمن منهم تركه اللَّه في ظلمات لا يبصرون، كالمعادن بعضها من الفضة وبعضها من الذهب وبعضها من الحديد مثلًا متميزة بأصول ذواتها، غير أنه قد يكون الذهب أو الفضة مختلطًا بالتراب والمواد الكثيفة، فيذاب وينقى عن الكدورات والكثافات فيصير خالصًا نقيًّا، فافهم، وباللَّه التوفيق. ثم إنه قد كتب (ابن) في (يوسف نبي اللَّه بن نبي اللَّه بن نبي اللَّه بن خليل اللَّه) بدون الألف (١)، وليس واقعًا بين العلمين، اللهم إلا أن يقال: إن (نبي اللَّه) هنا عبارة

стр. 4623

الإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦٨٩، م: ٢٣٧٨]. ٤٨٩٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيم ابْنِ الْكَرِيم ابْنِ الْكَرِيم يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسحاقَ بْنِ إِبراهيمَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٦٨٨]. ٤٨٩٥ - [٣] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ ابْنُ الْحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ -يَعْنِي بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ". . . . . ــ عن العلم. وقوله: (إذا فقهوا) بضم القاف وكسرها، من باب كرم وعلم، كذا في (القاموس) (١). ٤٨٩٤ - [٢] (ابن عمر) قوله: (الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم) هنا أيضًا كتب بدون الألف، وتوجيهه ما قلنا، وقال بعض الشراح: وصوابه أن يكتب بها؛ لوقوعها بين الصفات، بخلاف قوله: (يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)، وعدل (٢) في إبراهيم من نبي اللَّه إلى خليل اللَّه لوجود صفة أخص من النبوة، وهو لقب لإبراهيم ﵇، فيكون علمًا. ٤٨٩٥ - [٣] (البراء بن عازب) قوله: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)

стр. 4624

قَالَ: فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٤٢، م: ١٧٧٦]. ٤٨٩٦ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ". . . . . . . ــ الكلام في كونه شعرًا وصدوره منه ﷺ كالكلام في أمثاله، ثم إنه قد نوقش في كونه من باب الافتخار بأنه لم يصح صدور الافتخار من النبي ﷺ ، كيف وقد نفاه في قوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فنهى الأمة عن الافتخار بالآباء، فكيف يفتخر هو ﷺ بعبد المطلب؟ فالحق أنه إخبار منه ﷺ بأنه النبي الموعود الذي كان أهل الكتاب والكهان يخبرون بأنه سيظهر نبي من أولاد عبد المطلب، ويذكرون علامات نبوته، وأجيب بأن الافتخار في المبارزة والحرب مع الكفار جائز؛ إظهارًا للشجاعة، وإدخالًا للروع والمهابة في قلوب أعداء الدين، وأيضًا المذموم من الافتخار ما يكون على طريق الجاهلية من الافتخار بالآباء سمعة ورياء؛ لا ما كان على سبيل ذكر نعمة اللَّه والتحديث بها كما ذكرنا، ولذا ضم مع النسب الحسب أيضًا. ٤٨٩٦ - [٤] (أنس) قوله: (يا خير البرية) البرية: الخلق، فإن أخذت من البرى بمعنى التراب فلا يهمز، وإن أخذت من البرء بمعنى الإنشاء والخلق فمهموز، ولكن قد تقلب الهمزة ياء وتدغم كخطيئة، قال الطيبي (١): لم تستعمل مهموزة. وقوله: (ذاك إبراهيم) ذكروا فيه أوجهًا: الأول: أنه قاله تواضعًا واحترامًا لإبراهيم كالذي يقدم على نفسه من هو دونه تواضعًا، الثاني: أنه قال هذا قبل أن يوحى

стр. 4625

رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٦٩]. ٤٨٩٧ - [٥] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٤٥، م: ١٦٩١]. ٤٨٩٨ - [٦] وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٦٥]. ــ إليه بأنه سيد ولد آدم، الثالث: أن المراد خير البرية في عصره، لكن أطلق العبارة مبالغة، ولعل الأظهر والأصوب هو الوسط من الوجوه كما لا يخفى. ٤٨٩٧ - [٥] (عمر) قوله: (لا تطروني كما أطرت) من المعتل اللام دون المهموز، والإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه، كذا في (النهاية) (١). ٤٨٩٨ - [٦] (عياض) قوله: (وعن عياض) بكسر العين وتخفيف الياء تحتها نقطتان وبالضاد المعجمة، (ابن حمار) بكسر الحاء المهملة، التميمي، (المجاشعي) يعدّ في البصريين، وكان صديقًا لرسول اللَّه ﷺ قديمًا، روى عنه الحسن البصري وغيره. وقوله: (أن تواضعوا) التواضع: هو التوسط بين الكبر والضعة، والكبر: هو رفع النفس إلى ما هو فوق مرتبتها، والضعة: وضعها في ما دون مرتبتها، والتواضع: وقوفها في مقامها ومرتبتها، وله تفصيل مذكور في موضعه.

стр. 4626

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٨٩٩ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، ــ الفصل الثاني ٤٨٩٩ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (لينتهين أقوام. . . إلخ)، حلف على أحد الأمرين، إما الانتهاء عما هم فيه من الافتخار، وإما الهوان والذل عند اللَّه تعالى بتعذيبه إياهم؛ فإن كان الانتهاء لم يكن الذل، وإن لم يكن الانتهاء كان الذل، والمقصود التأكيد في طلب وجود الانتهاء. وقوله: (إنما هم فحم من جهنم) أي: آباؤهم يحرقون في نار جهنم فصاروا كالفحم، والقصر من باب قصر الموصوف على الصفة إضافيًّا بالنسبة إلى ثبوت الفضائل التي يثبتونها لهم، والمراد أنهم في جهنم حتما إن كان الكلام في المشركين الذين ماتوا على الشرك، أو يحتمل أن يكونوا فيها إن كان أعم، وكذا قيد بالموت لأنه لا يعرف حقيقة الحال إلا بعد الموت. و(الجعل) بضم الجيم وفتح العين: دويبة سوداء معروف، وأما جعل بضم فسكون: ما جعل على العمل من الأجرة، و (يدهده) أي: يدحرج ويدير (الخرء) بضم الخاء المعجمة: العذرة، وجمعه خروء كجند وجنود، وقد تفتح الخاء، وهو كقرء بضم القاف وفتحها، والهمزة مكتوبة في الحديث بصورة الألف موافقة لحركتها، أو قلبت ألفًا بنقل الحركة إلى الراء فصار ألفًا كالعصا، كذا في بعض الشروح، ويروى (الخراء) بكسر ومد.

стр. 4627

إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، ــ وأما ما جاء في الحديث: (إن نبيكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة) فهو بالتاء وبالكسر والمد بمعنى التخلي والقعود للحاجة، الخطابي (١): أكثرهم يفتحون الخاء، الجوهري (٢): خري خراءة ككره كراهة، وفي (القاموس) (٣): خرئ كفرح خرءًا وخراءةً، ويكسر، والاسم من الخراء بالكسر، وقال النووي في (شرح مسلم) (٤): الخراءة يكسر ويمد: هيئة الحدث، وأما نفس الحدث فبلا تاء وبمد مع فتح الخاء وكسرها، كذا في (مجمع البحار) (٥). شبه ﷺ المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعل، وآباءهم المفتخر بهم بالعذرة، وافتخارهم بهم بالدهدهة بالأنف. وقوله: (عبية الجاهلية) بضم العين وكسرها، وكسر الموحدة وفتح التحتانية المشددتين، أي: فخرها وتكبرها، وفي (القاموس) (٦): العبية بالضم والكسر: الكبر والفخر، وفي (الصراح) (٧): (عبية الجاهلية) أي: نخوتها، أوردها في المضاعف. وقوله: (إنما هو) أي: الإنسان أو المفتخر المتكبر (مؤمن تقي) فإذنْ لا ينبغي

стр. 4628

أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٩٥٥، د: ٥١١٦]. ٤٩٠٠ - [٨] وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخّيرِ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: "السَّيِّدُ اللَّهُ". فَقُلْنَا: . . . . . ــ له أن يتكبر على أحد، (أو فاجر شقي) فهو ذليل عند اللَّه، والذليل لا يستحق التكبر، فالتكبر منفي بكل حال. ٤٩٠٠ - [٨] (مطرف) قوله: (عن مطرف) بلفظ اسم الفاعل من التفعيل بالطاء المهملة والفاء، (ابن عبد اللَّه بن الشخير) بكسر الشين والخاء المعجمتين وسكون الياء، اعلم أن عبد اللَّه بن الشخير أبا مطرف صحابي، وفد إلى النبي ﷺ في بني عامر، وأما مطرف ابنه فتابعي، كذا في (جامع الأصول) (١)، وعلى هذا الضمير في قوله: (قال: انطلقت) لأبيه عبد اللَّه بن الشخير؛ لأنه الذي وفد في بني عامر، وذكر في بعض الحواشي أنه هكذا ذكر في (سنن أبي داود)، فعبارة المؤلف لا تخلو عن شيء، وكان عليه أن يقول: (عن أبيه قال)، ولقد ذكر حديثًا له في (باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة)، وقال: وعن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز، الحديث. وقوله: (فقال: السيد اللَّه) قال التُّورِبِشْتِي (٢): سلك القوم في الخطاب معه

стр. 4629

وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا. فَقَالَ: "قُولُوا قَوْلَكُمْ أَوْ بَعْضَ قَوْلِكُمْ. . . . . ــ مسلكهم مع رؤساء القبائل، فإنهم كانوا يخاطبونهم بنحو هذا الخطاب، فكره ذلك؛ لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي والرسول، فإنها المنزلة التي لا منزلة وراءها لأحد من البشر، وحول الأمر فيه إلى الحقيقة فقال: السيد هو اللَّه، أي: الذي يملك نواصي الخلق، ويتولى أمرهم ويسوسهم، انتهى. حاصل هذا الوجه أنه إنما كره طريق الخطاب وسلوكهم مسلك الخطاب مع الرؤساء والملكوك لا أصل ثبوت السيادة، وهو سيد ولد آدم فكيف النسبة إلى أصحابه؟ ثم أشار إلى أن حقيقة السيادة والتولية والمالكية ثابتة للَّه تعالى، لا شريك له في ذلك، ويمكن أن يكون ذلك قبل أن يوحى أنه سيد البشر. وقوله: (وأفضلنا) قال الطيبي (١): إنه عطف على (سيدنا)، كأنهم قالوا: أنت سيدنا وأفضلنا وأعظمنا طولًا، فكره رسول اللَّه ﷺ الكل، وخصّ الرد بالسيد، فأدخل الراوي كلامه بين المعطوف والمعطوف عليه، انتهى. أي: صرح الرد بالسيد خصوصًا، وإلا فهو رد الكل بقوله: (قولوا قولكم. . . إلى آخره)، وهذا أيضًا على تقدير أن يكون معنى قوله: (قولوا قولكم) كقول أهل ملتكم وما هو من شعار المسلمين، وذلك قولهم: رسول اللَّه، ونبي اللَّه، أو القول الذي جئتم له وقصدتموه؛ أي: دعوا هذا المدح وائتوا بمقصودكم وحاجتكم، كما ذكر الطيبي هذين المعنيين، ولا يخفى أن كليهما بعيد لا يلائمه قوله: (أو بعض قولكم)، بل الظاهر أن معناه كما ذكره بعضهم: قولوا هذا القول أو أقل منه، ولا تبالغوا في مدحي بحيث تمدحوني بشيء يليق بالخالق ولا يليق بالمخلوق، وعلى هذا لا يكون ردًّا للكل، بل الظاهر على هذا المعنى أن

стр. 4630

وَلَا يَسْتَجْرِيَنَكُمُ الشَّيْطَانُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٢٥، د: ٤٨٠٦]. ٤٩٠١ - [٩] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَه. [ت: ٣٢٧١، جه: ٤٢١٩]. ــ يكون إثباتًا لقولهم: (وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا)، أي: لا تقولوا: سيدنا، بل لو قلتم قولوا قولكم هذا، يعني أفضلنا وأعظمنا، أو بعض هذا القول، وهو أفضلنا، فإن ترك إثبات العظمة لغير الرب تعالى أحوط كما جاء: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري) الحديث، ويكون تقدير قولهم: وأفضلنا وأنت أفضلنا عدولًا عن قولهم: (سيدنا) إلى (أفضلنا)، ولا يكون عطفًا عليه، فيكون الرد مخصوصًا بالسيادة الحقيقية دون الفضيلة، ويناسب أيضًا قوله: (ولا يستجرينكم الشيطان) أي: لا يتخذنّكم جريًّا، أي: وكيله المطلق، والجري: الوكيل؛ لأنه يجري مجرى الموكل، أي: لا تكونوا وكلاء الشيطان بحيث تتفوهون من قبله بكل ما أردتم، بل حافظوا واحتاطوا، وقولوا بعض ما قلتم، كالأفضلية دون السيادة، أو لا يجعلنكم جريئًا، أي: ذوي جراءة على التكلم بكل ما لا يجوز، ويظهر من هذا كله أن (أو) في قوله: (أو بعض قولكم) للتنويع دون شك الراوي، فافهم ما ذكرنا، وباللَّه التوفيق. ٤٩٠١ - [٩] (الحسن) قوله: (الحسب المال، والكرم التقوى) الحسب: ما يعده الرجل ويفتخر به من خصال حميدة فيه أو في آبائه، والكرم معنى شامل جامع لأنواع الخير والفضائل، وهذا هو الحقيقة، وأما عند الناس فالحسب منحصر في المال، وبه يكون الرجل عظيم القدر عندهم؛ فإن الفقير لا توقير له عندهم، ولا يعبأ به أهل الثروة، و (الكرم) أي: الشيء الذي يكون الرجل عند اللَّه تعالى عظيم القدر وكريم المنزلة هو

стр. 4631

٤٩٠٢ - [١٠] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلَا تُكَنُّوا". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّة". [شرح السنة: ٣٥٤١]. ٤٩٠٣ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ عَنْ أَبِي عُقبَةَ -وَكَانَ مَوْلًى مِنْ أَهْلِ فَارِسَ- قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُحُدًا، فَضَرَبْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقُلْتُ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الْفَارِسِيُّ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: . . . . . ــ التقوى، وأما الافتخار بالآباء فليس ذلك في شيء منهما، فافهم. ٤٩٠٢ - [١٠] (أبي بن كعب) قوله: (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) تعزى اعتزى: انتسب صدقًا أو كذبًا، وعزاه إلى أبيه: نسبه إليه، والمعنى من انتسب بنسبة الجاهلية، أي: افتخر بآبائه، وقال: أنا ابن فلان وآل فلان مفتخرًا، أو المراد من انتسب وانتمى إلى الجاهلية بإحياء سنتها السيئة في الشتم واللعن والمواجهة بالفحشاء والمنكر، والمعنى الأول أنسب وأقرب بقوله: (فأعضوه بهن أبيه)، والعض: أخذ الشيء بالأسنان، والإعضاض متعدية، و (الهن) بالتخفيف، وقد يشدد ويصغر على هُنَين: الشيء القبيح الذي يستهجن ذكره من العورات والقبائح، ويطلق على الفرج خاصة، وكلا المعنيين صحيح الإرادة؛ فالمعنى على الأول: اذكروا له قبائح آبائه وشنائع أعمالهم من عبادة الأصنام والزنا وشرب الخمر، وصرحوا بتلك القبائح من غير كناية وإخفاء، لعله يستحيي من الافتخار بهم، ويرتدع عن ذكر قبائح الناس والتعرض لأعراض الناس، وعلى الثاني: قولوا له: اعضض بفرج أبيك، ولا تكنوا في الفرج، بل صرحوا باسم آلة أبيه تشديدًا وتغليظًا. ٤٩٠٣ - [١١] (عبد الرحمن) قوله: (خذها مني) هذه الكلمة جرت عادة

стр. 4632

"هَلَّا قُلْتَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الأَنْصَارِيُّ؟ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٢٣]. ٤٩٠٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ الَّذِي رَدَى فَهُوَ يُنزَعُ بِذَنَبِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٥١١٨]. ــ المحاربين عند إظهار الشجاعة إذا أصابوا في ضربتهم أو طعنهم أن يقولوا بها على سبيل التهكم، أي: خذ هذه العطية مني، كذا قال الطيبي (١). أقول: ويمكن أن يكون التقدير: خذ هذه الضربة أو هذه البلية والمحنة، وأمثال ذلك، فلا يكون تهكمًا. وقوله: (هلا قلت: وأنا الغلام الأنصاري) لأن مولى القوم منهم، كره رسول اللَّه ﷺ الافتخار في هذا المقام بالنسبة إلى فارس وهم المجوس، وحضه أن يفتخر بالأنصار الذين هم شجعان الدين أنصار رسول اللَّه ﷺ ورضي اللَّه عنهم، هذا ويحتمل أن الغلام حقر نفسه وتواضع بأني أنا الغلام الفارسي لا تعبؤون بهم (٢)، فعظمه رسول اللَّه ﷺ ورفع قدره، وقال: بل أنت أنصاري؛ لأن مولى القوم منهم، فانسب نفسك إليهم، واللَّه أعلم. ٤٩٠٤ - [١٢] (ابن مسعود) قوله: (من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردى فهو ينزع بذنبه) ردى في البئر كرمى: سقط، كتردّى، وردي كرضي: هلك، كذا في (القاموس) (٣)، قال الطيبي (٤): أي من أراد أن يرفع نفسه بنصر قومه على الباطل،

стр. 4633

٤٩٠٥ - [١٣] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْعَصَبِيَّةُ؟ قَالَ: "أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْم". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١١٩]. ٤٩٠٦ - [١٤] وَعَنْ سُراقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: . . . . . ــ فهو كبعير سقط في بئر، فما يجدي عنه أن ينزع بذنبه وإن جهد كل الجهد، انتهى. فجعل المشبه بالبعير الناصرَ، وهو الظاهر من لفظ الحديث، وهكذا نقل صاحب (مجمع البحار) (١) عن (النهاية) (٢) حيث قال: أراد أنه وقع في الإثم وهلك، كبعير تردى في بئر وأريد نزعه بذنبه، فلا يقدر عليه. وذكر في بعض الحواشي أنه شبه القوم ببعير هالك؛ لأن من كان على غير حق فهو هالك، وشبه ناصرهم بذنب هذا البعير، فكما أن نزعه بذنبه لا يخلصه من المهلكة، كذلك هذا الناصر لا يخلصهم عن بئر الهلاك التي وقعوا فيها، انتهى. فكأنه جعل المشبه به هيئة منتزعة على وتيرة قوله سبحانه تعالى: ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤]، وهذا الوجه أظهر عندي في بيان معنى الحديث، واللَّه أعلم. ٤٩٠٥ - [١٣] (واثلة بن الأسقع) قوله: (ما العصبية) أي: العصبية المذمومة يعاب ويذم بها الرجل، وقد تعارفت في هذا المعنى. ٤٩٠٦ - [١٤] (سراقة بن مالك) قوله: (ابن جعشم) بضم الجيم والشين المعجمة بينهما عين مهملة.

стр. 4634

"خَيْرُكُمْ الْمُدَافِعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٢٠]. ٤٩٠٧ - [١٥] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَصَبِيَّةً، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٢١]. ٤٩٠٨ - [١٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٣٠]. ــ وقوله: (خيركم المدافع عن عشيرته) أي: يدفع الظلم. وقوله: (ما لم يأثم) أي: ما لم يظلم، ويقع بالمدافعة في الإثم والظلم، وهذا الحديث جامع لقسمي العصبية: المذموم والمحمود. ٤٩٠٧ - [١٥] (جبير بن مطعم) قوله: (ليس منا من دعا إلى عصبية) أي: مذمومة باطلة، سواء بدعاء الناس وجمعهم إليه، أو بالقتال فيها، أو بالموت عليها، بأن تكون مضمرة في قلبه وإن لم يدع ولم يقاتل. ٤٩٠٨ - [١٦] (أبو الدرداء) قوله: (حبك الشيء يعمي ويصم) أي: يجعلك أعمى عن رؤية معايبه، وأصمّ عن سماع قبائحه، والحديث محتمل، وإيراده في هذا الباب يدل على أنهم حملوه على ذم العصبية، وقد تكلم بعض المحدثين في هذا الحديث بأنه موضوع، وهو وهم منهم، بل رواه أبو داود وسكت، كذا ذكر الشيخ ابن حجر الهيتمي، أقول: وما سكت عنه أبو داود من الحديث فهو محتج به، فقيل: إنه حسن، وقيل: ضعيف ليس شديد الضعف كما حقق في موضعه. وهذا الحديث مما رواه إمامنا الأعظم أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى في (مسنده) (١)

стр. 4635

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٩٠٩ - [١٧] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ كَثِيرٍ الشَّامِيِّ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ، عَن امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا: فَسِيلَةُ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْم". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ١٦٠، جه: ٣٩٤٩]. ٤٩١٠ - [١٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْسَابُكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسَبَّةٍ عَلَى أَحَدٍ، كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ. . . . . ــ عن عبد اللَّه بن أنيس، قال: ولدت في سنة ثمانين، وقدم عبد اللَّه بن أنيس صاحب رسول اللَّه ﷺ الكوفة سنة أربع وتسعين، فرأيته وسمعت منه وأنا ابن أربع عشرة سنة، سمعته يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (حبك الشيء يعمي ويصم). الفصل الثالث ٤٩٠٩ - [١٧] (عبادة بن كثير) قوله: (من أهل فلسطين) في (القاموس) (١): فلسطين وفلسطون، وقد تفتح فاؤهما: كورة بالشام، وقرية بالعراق، تقول في حال الرفع بالواو، وفي النصب والجر بالياء، والنسبة فِلَسْطِيٌّ. ٤٩١٠ - [١٨] (عقبة بن عامر) قوله: (أنسابكم هذه ليست بمسبة) في (القاموس) (٢): المسبة بالفتح، وكهُمَزَة: من يسب الناس، وقد فسر في بعض الحواشي

стр. 4636

طَفُّ الصَّاعِ بِالصَّاعِ، لَمْ تَمْلَؤُوهُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلَّا بِدِينٍ وَتَقْوًى، كَفَى بِالرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ بَذِيًّا فَاحِشًا بَخِيلًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٤/ ١٥٨، شعب: ٤٧٨٣]. * * * ١٤ - باب البر والصلة ــ المسبة بمحل السب والعار أخذًا من السبة بالضم بمعنى العار. وقوله: (طف الصاع) بالنصب على أنه حال، وبالرفع على أنه بدل، أو خبر بعد خبر، والباء في (بالصاع) للملابسة، أي: ملابسًا له مقابلًا به، وطف الصاع وطفافه بالفتح والكسر: قربه من أن يمتلئ ولم يمتلئ، والطفيف: القليل الغير التام، والتطفيف: النقصان في الكيل، أي: كلكم بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام؛ لكونكم أولاد من هو مخلوق من التراب الذي لم يبلغ أن يملأ مكيالًا، كذا في (النهاية) (١). وقوله: (كفى بالرجل) التمييز محذوف، أي: نقصانًا. ١٤ - باب البر والصلة المراد بالبر هنا الإحسان إلى الوالدين، ضد العقوق، وهو الإساءة إليهما وتضييع حقوقهما، بر يبر فهو بارّ، وجمعه: بررة، وبَرٌّ وجمعه أبرار، والبر في أسمائه تعالى بمعنى العطوف على عباده ببره ولطفه، ولم يجئ في اسمه تعالى البار. وبالصلة الإحسان إلى النسب من أولي الرحم، فكأنه بالإحسان [إليهم] وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة.

стр. 4637

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٩١١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: "أُمُّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمُّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ "أُمُّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أَبُوكَ"، ــ الفصل الأول ٤٩١١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (بحسن صحابتي) الصحابة بالفتح مصدر بمعنى الصحبة، في (القاموس) (١): صحبه كسمعه صحابة ويكسر، وصحبه: عاشره، وهم أصحاب وأصاحيبُ وصُحبانٌ وصِحاب وصِحابة وصَحْبٌ. وقوله: (قال: أمك) بالرفع، وهو ظاهر، وقد يروى منصوبًا؛ لأن من أحق بحسن صحابتي في معنى من أبره، وهو خلاف الظاهر، استدل به من قال للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع، وهذه تنفرد بها الأم، ثم تشارك الأب في التربية، كذا ذكر السيوطي، أخذ ذلك من تكرار حق الأم ثلاث مرات، والظاهر أن يكون تأكيدًا ومبالغة في رعاية حق الأم وكونه أعظم من حق الأب، وذلك لتهاون أكثر الناس في حقها بالنسبة إلى الأب، ولا يكون تعيينًا لحق الأم بكونه ثلاثة أضعاف ما للأب، وذلك لأن التربية من الأب أكثر وأشد كما لا يخفى، والمذكور في كتب الفقه أن حق الوالد أعظم من حق الوالدة، وبرها أوجب، كذا في (شرعة الإسلام)، قالوا: وإذا تعذر عليه جمع مراعاة حق الوالدين؛ بأن يتأذى أحدهما بمراعاة الآخر يرجح حق الأب فيما يرجع إلى التعظيم والاحترام، وحق

стр. 4638

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: "أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثم أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ" (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٧١، م: ٢٥٤٨]. ٤٩١٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ"، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ثمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٥١]. ٤٩١٣ - [٣] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي. . . . . ــ الأم فيما يرجع إلى الخدمة والإنعام، كذا في (القنية). وقوله: (وفي رواية: أمك، ثم أمك، ثم أمك) في هذه الرواية منصوبة، وكذا (ثم أباك) بتقدير الناصب. وقوله: (ثم أدناك أدناك) أي: أقربك، وكرره تأكيدًا واهتمامًا. ٤٩١٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (أحدهما أو كلاهما) بالرفع في أكثر الأصول، وقد يروى بالنصب، وهو الأظهر، أي: أدرك عند الكبر أحدهما أو كليهما، ووجه الرفع أنه فاعل الظرف، أو التقدير بكبر، أو المدرك أحدهما أو كلاهما، أو يبلغ الكبر أحدهما أو كلاهما، وهذا أوفق بنظم القرآن، و ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وإن كان أبعد في الحديث، وفي رواية الترمذي: (رغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة). ٤٩١٣ - [٣] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (قدمت عليّ أمي) اسمها قيلة بنت عبد العزى، وأسماء وعائشة أختان من أب، وأم عائشة أم رومان ﵄.

стр. 4639

وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ صِلِيهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٠، م: ١٠٠٣]. ٤٩١٤ - [٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ. . . . . ــ وقوله: (في عهد قريش) أي: في المدة التي عاهدهم رسول اللَّه ﷺ على ترك القتال، وهو صلح الحديبية، والقصة مشهورة. وقوله: (وهي راغبة) في أكثر الروايات بالباء الموحدة أي: ترغب في الإسلام أو عن الإسلام، وهذا أنسب بالمقام وأوفق بالرواية الأخرى: (وهي راغمة)، أي: كارهة ساخطة للإسلام، وقيل: راغبة وطامعة في مال، وراغمة، أي: ذليلة ومحتاجة، فمعنى الروايتين واحد، واللَّه أعلم. وفي الحديث دليل على وجوب نفقة الأب والأم الكافرين على الولد المسلم، وأن الإحسان إلى الكفار جائز. ٤٩١٤ - [٤] (عمرو بن العاص) قوله: (إن آل أبي فلان) هكذا جاء في الرواية، وقالوا: إنه ﷺ صرح باسم فلان وكنى الراوي خوفًا من الفتنة وحذرًا من ترتب المفسدة عليه، وفي بعض الأصول ترك بعد (أبي) بياضًا، ولم يذكر الاسم للعلة المذكورة، وقيل: المراد بأبي فلان أبو لهب، وقيل: أبو سفيان، وقيل: حكم بن العاص، وهذا أقرب، ولعل عمرو بن العاص لم يرد أن يذكر نفي الولاية والصلاح عنهم صريحًا وأن يظهر عيوب قومه، واللَّه أعلم. وقوله: (بأولياء) أي: لا أوالي أحدًا ولا أحبه لقرابة، وإنما أحب اللَّه والصالحين من عباده.

стр. 4640

وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٩، م: ٢١٥]. ٤٩١٥ - [٥] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، ــ وقوله: (وصالح المؤمنين) الظاهر أن المراد الجنس، وبه فسر قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤]. وقوله: (ببلالها) بكسر الباء وفتحها وقد يضم، بمعنى البلة، وقد جعل بعضهم الكسر جمع بلل، كجمل وجمال، في (القاموس) (١): البلل محركة، والبلة والبلال بكسرهما، والبلال بالضم: الندوة، وككتاب: الماء، ويثلث، وكل ما يبل به الحلق، ولما كانت الرطوبة والبلة سبب اتصال الأشياء، واليبوسة والجفاف موجب افتراقها، استعاروا البل لصلة الرحم واليبس لقطعها. وقال بعض الشارحين: شبه القطيعة بالحرارة والصلة بالماء الذي يطفئ تلك الحرارة، والمراد إعطاء شيء قليل يكفي للضرورة. ٤٩١٥ - [٥] (المغيرة) قوله: (إن اللَّه حرم عليكم عقوق الأمهات) تخصيص الأمهات بالذكر إما لقوة حقوقها وغلبتها كما عرفت، أو لضعف قلوبهن، فيتأثرن ويتأذين بأدنى إيذاء، فالتوجيه في ذلك أهم وأوفر، أو لتقصير الأولاد في حقوقها، فالنهي عنه أهم وأعم، أو من جهة أن الكلام لعلة اتفق فيها، ولهذا جمع بين أشياء متفرقة غير متناسبة في الظاهر، واللَّه أعلم. وقوله: (ووأد البنات) الوأد: دفن البنات حية كما كانوا يفعلون في الجاهلية،

стр. 4641

وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرَّهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، ــ ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩]. وقوله: (ومنع وهات): (منع) على صيغة الماضي، ويروى بلفظ المصدر عبارة عن البخل والإمساك، و (هات) بمعنى آت -أمر من الإيتاء بمعنى الإعطاء- عبارة عن السؤال من الناس، وقيل: المراد المنع عن أداء الحقوق الواجبة في الأموال وأخذ ما لا يحل من أموال الناس، وقيل: بل منع جميع الحقوق الواجبة في الأموال وغيرها، وتكليف الناس بما لا يجب عليهم من الحقوق، وطلب ذلك منهم، ورعاية طريقة (١) الإنصاف والاعتدال فيها. وقوله: (وكره لكم قيل وقال) الرواية بتشديد الراء، وذكر الحرمة في الأول والكراهة في الثاني لشدة الإثم وقوته في الأول، ومع ذلك نبه بتشديد الراء على الشدة والكراهة قريبًا من الحرمة، على أنه قد تجيء الكراهة بمعنى الحرمة، ففي العبارة تفنن، واللَّه أعلم. و(قيل وقال) بفتح اللام على حكاية صيغة الفعل الماضي مع تضمنه الضمير على ما هو طريقة حكاية الجملة، وهي الرواية في الحديث، وقد يجري (٢) مجرى الأسماء بعدم اعتبار الضمير، فينونان أو يعرفان بالألف واللام، والمراد النهي عما هو عادة الناس في المجالسة من التحدث بفضول الكلام وأراجيفه من غير قصد إلى بحث وتحقيق، وقيل: المراد النهي عن الإكثار في الكلام المتجاوز عن الحد؛ فإنه يقسي القلب ويضيع الوقت. وقوله: (وكثرة السؤال) أراد بها كثرة السؤال عن أحوال الناس وتفتيشها والتجسس

стр. 4642

وَإِضَاعَةَ الْمَالِ". متَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٠٨، م: ٥٩٣]. ٤٩١٦ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٧٣، م: ٩٠]. ــ عن أمورهم، أو كثرة السؤال في العلم للامتحان وإظهار الفضيلة والخصومة والجدال، أو كثرة سؤال النبي ﷺ الموجب لمشقته وتأذيه، والباعث على التضييق والتشديد في الأحكام، وقيل: أراد كثرة مسألة الناس أموالهم، ولا يفيد على هذا الوجه قيد الكثرة؛ فإنها منهي عنها مطلقًا كثيرة كانت أو قليلة من غير ضرورة، اللهم إلا أن يراد بالكثرة إشاعتها وتكثيرها؛ بأن تكون لضرورة أو لغيرها، وأيضًا النهي عن هات بإطلاقه شامل لهذا المعنى، فيلزم التكرار. وقوله: (وإضاعة المال) وهي إهلاك المال وإنفاقه على وجه الإسراف؛ فإن كان على وجه الحرام فظاهر، ويشمل عند التحقيق بعض المباحات أيضًا، كتشييد الأبنية وتزيينها وزخرفتها، ولبس الثياب الناعمة والأطعمة الشهية، وتزيين الأواني والسيوف بالفضة والذهب والجواهر، والانهماك في اللذات المباحة من غير اكتراث ومبالاة خارجًا عن حد الاعتدال، فإنها وإن كانت ترى مباحة في ظاهر الحكم لمن له وسعة ولا يضيع بها حقًّا واجبًا، لكنها توجب القساوة وغلظ الطبع. ٤٩١٦ - [٦] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فيسب أباه) فيلزم منه كأنه سب أباه بنفسه باعتبار السبب، وسب الأب كبيرة بأي وجه كان؛ لكونه عقوقًا، والعقوق كبيرة وإن لم يكن سب ذلك الرجل كبيرة؛ لكونه مما لم يوجب الحد، فافهم.

стр. 4643

٤٩١٧ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٥٢]. ٤٩١٨ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؟ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٨٦، م: ٢٥٥٧]. ٤٩١٩ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوَي الرَّحْمَنِ، ــ ٤٩١٧ - [٧] (ابن عمر) قوله: (بعد أن يولي) على صيغة المعلوم من التفعيل من ولى تولية: إذا أدبر، كتولى، وذلك إما بالموت أو الغيبة. ٤٩١٨ - [٨] (أنس) قوله: (وينسأ له في أثره) نسأه: أخره نسأ ومنسأة، كأنسأه، فقوله: ينسأ على صيغة المجهول من النسأ أو الإنساء، و (الأثر) بقية الشيء وأثر الأقدام، والمراد هنا مدة العمر لبقائه؛ لأن أثر الأقدام إنما يكون للحي، فإذا مات لم يبق له أثر، وتأخير الأجل بالصلة إما بمعنى حصول البركة والتوفيق في العمر وعدم ضياع العمر فكأنه زاد، أو بمعنى أنه سبب لبقاء ذكره الجميل بعده، أو وجود الذرية الصالحة، كما يقال: الأولاد ولادة ثانية للرجل، والتحقيق أنها سبب لزيادة العمر كسائر أسباب العالم، فمن أراد اللَّه زيادة عمره وفقه لصلة الأرحام، والزيادة إنما هي بحسب الظاهر بالنسبة إلى الخلق، وأما في علم اللَّه فلا زيادة ولا نقصان، وهو وجه الجمع بين قوله ﷺ : (جف القلم بما هو كائن)، وقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]. ٤٩١٩ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (بحقوي الرحمن) الحقو معقد الإزار، وقد يطلق على الإزار أيضًا، وهو على عادة المستجير بأخذ ذيل المستجار، وإذا اشتد المراد

стр. 4644

فَقَالَ: مَهْ؟ قَالَتْ: هَذَا مقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ! قَالَ: فَذَاكِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٣٠، م: ٢٥٥٤]. ٤٩٢٠ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٩٨٨]. ــ وأراد أن يضطر المستجار لإجارته أخذ بإزاره، أو معقد إزاره، شبهت الرحم بذلك الشخص المستجير، وقيل: أراد عظمة اللَّه كما جاء في الحديث: (العظمة إزاري) أي: تتمسك بعظمته تعالى وكبريائه. وقوله: (فقال: مه؟ ) يحتمل أن يكون اسم فعل بمعنى اكفف، لكنهم حملوه على (ما) الاستفهامية أبدلت ألفه هاء، ولعل هذا أنسب بالمقام، فافهم. ٤٩٢٠ - [١٠] (عنه) قوله: (الرحم شجنة) الشجنة بتثليث المعجمة وسكون الجيم وبنون: عروق الشجر المشتبكة، والمعنى هنا أنها أخذ اسمها من اسم الرحمن فلها علقة به، كذا قال السيوطي (١)، كما جاء في حديث آخر: (أنا اللَّه وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققته اسمًا لها من اسمي)، ولا يخفى أنه يمكن حملها على المعنى من غير إرادة الاسم واشتقاقه، فالمعنى أن الرحم مشتبكة ومتصلة بالرحمن تعالى، كما أشار إليه الطيبي (٢) في آخر الكلام حيث قال: والمعنى الرحم أثر من آثار رحمته مشتبكة بها، فافهم.

стр. 4645

٤٩٢١ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّه". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٨٩، م: ٢٥٥٥]. ٤٩٢٢ - [١٢] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٨٤، م: ٢٥٥٥]. ٤٩٢٣ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو (١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، ــ ٤٩٢١ - [١١] (عائشة) قوله: (الرحم معلقة بالعرش) قالوا: للرحم درجات بحسب القرب والبعد، فالأول: وهو الأخذ بحقوي الرحمن لأخص الأرحام، وهي التي تكون بواسطة الولادة؛ إذ الأخذ بحقوي الرحمن أبلغ في القرب، والثاني: وهو كونها شجنة من الرحمن دونها كالإخوة والأعمام، والثالث: دونها لأن التعلق بالعرش دون التعلق بالرحمن وبحقويه. ٤٩٢٢ - [١٢] (جبير بن مطعم) قوله: (لا يدخل الجنة قاطع) أي: قاطع الرحم، وقد تعارف إطلاق القطع في قطعها كالصلة في وصلها، وهذا تشديد وتهديد، وله تأويلات ذكرت في موضعه. ٤٩٢٣ - [١٣] (ابن عمرو) قوله: (ليس الواصل) أي: الواصل للرحم الذي

стр. 4646

وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٩٩١]. ٤٩٢٤ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي قَرَابةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِم وَيُسِيْئُونَ إِلَيَّ، وأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: "لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٥٨]. ــ يكافئ ويجزي إحسانًا فعل به، (ولكن الواصل) الكامل (الذي إذا قطعت) بالتشديد، وقيل: بالتخفيف (وصلها) كما ورد في مكارم الأخلاق: (صل من قطعك، واعف عمن ظلمك، وأعط من حرمك). ٤٩٢٤ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (لئن كنت كلما قلت) أي: كنت تفعل كما تقول، وفيه: إشارة إلى أن ذلك أمر بعيد. وقوله: (فكأنما تسفهم) بضم تاء وكسر سين وتشديد فاء، أي: تطعمهم (المل) بفتح الميم، وهو الرماد الحار الذي يحمى، من سَفِفت الدواء وأسففته غيري، وهو السفوف -بالفتح- أي: قمحته، أو أخذته غير مَلتُوتٍ، كذا في (القاموس) (١). ونقل عن (المغرب) (٢): سف الدواء والسويق وكلَّ شيء يابس: أَكَلَه، من باب علم، شبه ما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكله من الألم، أي: إحسانك إليهم كالملّ تحرق أحشاءهم، وقيل: عبارة عن التحقير والإخزاء، أي: أنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم، فصاروا كمن سف المل، وقيل: معناه إذا لم يشكروا

стр. 4647

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٩٢٥ - [١٥] عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، ــ كان عطاؤك حرامًا عليهم، ونارًا في بطونهم، وقيل: من أسففت الوشم، وهو أن يغرز الجلد بإبرة، ثم تحشى الْمَغَارِز كُحلًا، فالمعنى تجعل وجوههم كلون الرماد، وفي الحديث: أتي برجل فقيل: إنه سرق، فكأنما أسف وجهه ﷺ ، أي: لأجل إظهار سرقته وعدم سترها والإغضاء عنها؛ لأنه شارع لا بد أن يحكم بقطع يده، فالمناسب على المسلمين ستر عيوب الناس ودرء الحدود مهما أمكن. الفصل الثاني ٤٩٢٥ - [١٥] (ثوبان) قوله: (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) القدر: عبارة عما قضاه اللَّه وحكم به من الأمور، وهو مصدر قدر يقدر، وقد سبق تحقيق معناه في أول الكتاب، ومعنى رد الدعاء القدر سببيته له بجعل اللَّه، وذلك أيضًا تقدير، كالأدوية الطبية للشفاء، والأعمال لدخول الجنة والنار، وسائر أسباب العالم، فالأمور التي قدر اللَّه دفعها بالدعاء لا يردها إلا الدعاء، ونقل الطيبي (١) عن أبي حاتم السجستاني: أن دوام المرء على الدعاء يطيب له ورود القضاء ويسهله عليه، فكأنما رده، ويختلج في صدري أنه يمكن أن يكون المراد المبالغة في تأثير الدعاء ومدحه وفضله بأنه لا يرد القضاء والقدر شيء، ولو رده شيء لكان هو الدعاء، على وتيرة قوله ﷺ : (لو سابق الأقدار شيء لسبقته العين)، واللَّه أعلم. وكذا قوله: (ولا يزيد في العمر إلا البر) قد سبقت له توجيهات أيضًا.

стр. 4648

وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٩٥]. ــ وأما قوله: (وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) فأوله بعضهم بأن المراد رزق الآخرة، وهو ثوابها، وبعضهم حملوه على رزق الدنيا من المال والصحة، ثم استشكلوا ذلك لما يشاهد من حال الكفار والفساق في كثرة الأموال ووجود الصحة أكثر مما للصلحاء من المؤمنين، وأجابوا بأن المراد حرمان صفاء الوقت، وطيب العيش، وفراغ البال في الرزق الحاصل للمتقين بموجب قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] بخلاف أهل الفسق والفجور؛ فإن في عيشهم كدرة من جهة هَمّ الدنيا وتعلق القلب بتحصيلها وحفظها، والحزن على خوف فواتها كما أشار إليه قوله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]، وإن كان مؤمنًا فكر في سوء عاقبة الذنب، وتكدر في صفاء رزقه وطيب عيشه. وقيل: إن هذا مخصوص ببعض المذنبين من المسلمين ممن أراد اللَّه تعالى أن يدخله الجنة بلا عذاب يلحقه بذنبه في الآخرة، فيعاقبه بذنبه في الدنيا، بأن يصيبه عقيب ذنب ارتكبه فقر أو مرض أو ضيق أو غير ذلك، ثم يلهمه أن هذا بشؤم ذنبه، فيتنبه ويتوب عنه، أو من أراد اللَّه أن يرفع درجته في الآخرة فيعذبه بسبب ذنبه، فيصفيه من الذنوب في الدنيا. والحاصل أن المؤمن إذا أذنب عاقبه اللَّه بحرمان الرزق، وهو عناية ولطف خفي من اللَّه في حقه؛ ليمحص ذنوبه ويرفع درجاته، وأما من لم يعنه ولم يلطف به فيتركه وذنوبه، وفيه مكر واستدراج منه تعالى، وقد كنت يومًا في خدمة شيخي وسيدي الشيخ موسى الحسني الجيلاني رحمة اللَّه عليه، فاتفق ذكر حديث: (الصُّبْحَة (١) تمنع

стр. 4649

٤٩٢٦ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ"، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ"، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: "نِمْتُ فَرَأَيْتُنِيْ فِي الْجَنَّةِ" بَدْلَ "دَخَلْتُ الْجَنَّةَ". [شرح السنة: ٣٤١٨، شعب: ٧٤٦٧]. ــ الرزق) (١)، فقلت: يا سيدي كيف هذا وقد نرى أكثر أبناء الزمان مبتلى بهذه الخطيئة وهم مرزوقون أكثر من غيرهم؟ فسكت الشيخ وأطرق مليًّا، ثم رفع رأسه وقال: يا هذا! يعلم من ذلك أن أصل الإيمان قلع من أراضي قلوبهم؛ لأن هذه الأجزية والعقوبات إنما هي في شأن المؤمنين لينتهوا ويكفوا عن سيئاتهم، وأما الكافرون فمتروكون على ما هم عليه لعدم توقع انتباههم؛ لأنه طبع على قلوبهم، كالمريض الذي يرجى شفاؤه يحمى ويمنع من تناول ما يضره، وأما المريض الذي لم يبق له رجاء وتوقع في شفائه، فيترك على ما هو عليه، يتناول ما شاء؛ لليأس عن عوده إلى الشفاء، كذلك هؤلاء لم يبق فيهم إيمان وعود، فتركوا على ما هم عليهم، نسأل اللَّه العافية، ونعوذ باللَّه من غضب اللَّه. ٤٩٢٦ - [١٦] (عائشة) قوله: (كذلكم البر) إشارة إلى ما ذكر من الدرجة العليا، أي: مثل ذلك جزاء البر، أي: بر الوالدين، والبر يستعمل في بر الوالدين كالصلة في صلة الأرحام كما قلنا، وهذا قول الرسول ﷺ بدليل خطاب الجمع، إذ لو كان قول الملائكة لقيل ذلك خطابًا له ﷺ ، ولما كان هنا محل أن يقال: إن البر يشترك فيه كثير من الناس قال: (وكان أبر الناس بأمه) والزيادة في (أبر) إضافية على

стр. 4650

٤٩٢٧ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رِضَا الربِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٨٩٩]. ٤٩٢٨ - [١٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إَنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَحَافِظْ عَلَى الْبَابِ أَوْ ضَيِّعْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه. [ت: ١٩٠٠، جه: ٣٦٦٣]. ــ ما هو المتعارف في مثل هذه العبارة، ويمكن أن تكون حقيقية، ولم يكن أحد مثله في البر، علم ذلك النبي ﷺ بالوحي، واللَّه أعلم. ٤٩٢٧ - [١٧] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (رضا الرب في رضا الوالد) وكذلك الوالدة بطريق الأولى لزيادة حقها، وقيل: الوالد هنا صيغة النسبة، فيشمل الأم، وتخصيص ذكر اسم الرب بالذكر من أسمائه تعالى أنسب هنا؛ لوجود معنى التربية في الوالد. وقوله: (وسخط الرب) السخط بالضم وكعنق وجبل: ضد الرضا، وسخط كفرح، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): السخط بالفتح والضم: الكراهة للشيء وعدم الرضا به، والرواية بفتحتين. ٤٩٢٨ - [١٨] (أبو الدرداء) قوله: (الوالد أوسط أبواب الجنة) أي: خيرها وأفضلها، أي: أن للجنة أبوابًا وأحسنها دخولًا أوسطها، وإن سبب دخول الجنة من

стр. 4651

٤٩٢٩ - [١٩] وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: "أُمَّكَ" قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمَّكَ" قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمَّكَ" قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أَبَاكَ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٨٩٧، د: ٥١٣٩]. ٤٩٣٠ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا اللَّهُ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٩٤]. ــ ذلك الباب هو محافظة حقوق الوالدين ورضاهما عنك، ولا بد من حمل الوالد على صيغة النسبة؛ لأن الكلام هنا في الأم قصدًا، ويبعد ذكرها تبعًا كما في الحديث السابق. ٤٩٢٩ - [١٩] (بهز بن حكيم) قوله: (وعن بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء في آخره زاي. وقوله: (من أبر) على صيغة المتكلم، و (من) مفعوله المقدم، وهذا مثل الحديث المذكور في أول الباب، و (أمك) هنا منصوب قطعًا على المفعولية. ٤٩٣٠ - [٢٠] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (بتتّه) البت: القطع، ومنه تأكيد الفعل بقولهم: البتة مصدرًا مؤكدًا لغيره، مثل قولهم: زيد قائم الحق، اعلم أني سمعت أحدًا من أهل العلم ينقل عن أستاذه أنه قال: إن قول الناس: افعل هذا الأمر البتة ينبغي أن يقرأ إما بالتاء مخففًا بفك الإدغام أو بدونها مدغمًا، أما مع التاء مشددًا فخطأ، انتهى. فقلت له: لم لا يجوز أن يكون مع التاء مدغمًا، بأن تكون التاء للوحدة التي

стр. 4652

٤٩٣١ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ الرَّحِمِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٧٥٩]. ٤٩٣٢ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْبَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٥١١، د: ٤٩٠٢]. ٤٩٣٣ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ، ــ تلحق المصادر مثل الضربة والجلسة على أن فك الإدغام في مثله شاذ، فسكت، فتدبر. ٤٩٣١ - [٢١] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع الرحم) وهذا مثل ما يروى أنه قد ينزل البلاء على قوم فيهم تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] على تأويل، وذلك للمجاورة، أي: قد يكون كذلك لأجل عدم منعهم إياه من ذلك، ويمكن أن يراد قوم يبعثون على القطع ويرضون به، واللَّه أعلم، وجاء في لفظ الطبراني: (الملائكة) بدل (الرحمة). ٤٩٣٢ - [٢٢] (أبو بكرة) قوله: (من البغي وقطيعة الرحم) لما فيهما من إيذاء الخلق وتضييع حقهم أفحش من غيرهما من الذنوب، وفي قوله: (أحرى) إشارة إلى استحقاق أهلهما هذا الجزاء عقلًا. ٤٩٣٣ - [٢٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (منان) يحتمل أن يكون من المنة،

стр. 4653

وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ٥٦٧٢، دي: ٢١٣٨]. ٤٩٣٤ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِم مَحَبَّةٌ فِي الأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، ــ أي: يمن على أولي الأرحام بما يعطيهم ويؤذيهم بذلك، أو الذي ينقص من حق ذوي الأرحام، ويجيء المن بمعنى النقص، والتخصيص بقرينة ذكره مع العاق، وقيل: هو من المن بمعنى القطع، أي: قاطع الرحم، ويحتمل أن يكون المراد من يمن على الناس عمومًا كما هو الظاهر المتبادر، ويدخل قاطع الرحم في العاق؛ فإن العقوق قد يطلق في الأقربين من غير الأبوين كما ذكره الطيبي (١) في أول الباب، فافهم. وقوله: (ولا مدمن خمر) أي: من يداوم على شرب الخمر ويعتاد به، من أدمن الشيء: أدامه. ٤٩٣٤ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (ما تصلون به) أي: نسبًا تعرفون به أقاربكم الذين تجب صلتهم، فتعلموا أسماء آبائكم وأجدادكم وأعمامكم وأخوالكم وسائر أقاربكم؛ لتعرفوهم فتصلوهم. وقوله: (فإن صلة الرحم محبة) قال الطيبي (٢): هو مفعلة من الحب كالمظنة من الظن، انتهى. فيكون بكسر الحاء كالمظنة بكسر الظاء، أي: منشأ الحب وسببه ومكانه. وقوله: (مثراة) بفتح الميم وسكون المثلثة من الثروة، وهي كثرة المال، في

стр. 4654

مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٧٩]. ٤٩٣٥ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: "هَلْ لَكَ مِنْ أُمِّ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "وَهَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَبَرَّهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٦٨]. ٤٩٣٦ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ بَقِيَ مِنْ. . . . . ــ (القاموس) (١): هذا مثراة للمال، أي: مكثرة له، و (منسأة) أيضًا بفتح الميم وسكون النون وفتح السين وفتح الهمزة، من النسأ، وهو التأخير، أي: بسبب تأخير الأجل، وقد مرّ. ٤٩٣٥ - [٢٥] (ابن عمر) قوله: (فهل لي من توبة) الظاهر أن المراد بالتوبة هنا توبة اللَّه عليه ورجوعه بالرحمة، فافهم. وقوله: (فبرها) بفتح الباء والراء على صيغة الأمر من بر يبر كسمع يسمع. ٤٩٣٦ - [٢٦] (أبو أسيد) قوله: (وعن أبي أسيد) بلفظ التصغير وقد مر. وقوله: (من بني سلمة) بكسر اللام، بطن من الأنصار، وليس في العرب سلمة غيرهم، كذا في (القاموس) (٢).

стр. 4655

برِّ أَبَوَيِّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِم الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٥١٤٢، جه: ٣٦٦٤]. ٤٩٣٧ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْسِمُ لَحْمًا بِالْحِعِرَّانَةِ إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هِيَ؟ فَقَالُوا: هِيَ أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٥١٤٤]. ــ وقوله: (صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما) ظاهر العبارة أنها صفة للرحم، أي: الرحم التي اختصت لأجلهما كأولاد الأب والأم، فإنها آكد من صلة أولاد الأجداد والجدات، والطيبي (١) جعلها صفة الصلة، أي: الصلة الموصوفة بأنها خالصة لحقهما ورضاهما لا لأمر آخر، أي: لا ينبغي أن يخدم بطلب منزلة عندهما إلا من حيث إن رضا اللَّه في رضا الوالدين، كطاعة اللَّه لا يريد بها إلا رضاه تعالى ولا يريد غيره. ٤٩٣٧ - [٢٧] (أبو الطفيل) قوله: (الجعرانة) بكسر الجيم والعين المهملة وتشديد الراء، وقد تسكن العين وتخفف الراء: موضع معروف على مرحلة من مكة، أقام بها رسول اللَّه ﷺ بضعة عشر يومًا لتقسيم غنائم حنين، واعتمر منها، والقصة مشهورة.

стр. 4656

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٩٣٨ - [٢٨] عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارِ فِي الْجَبَل، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً، فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، ــ الفصل الثالث ٤٩٣٨ - [٢٨] (ابن عمر) قوله: (صخرة) في (القاموس) (١): الصخرة: الحجر العظيم الصلب، ويحرك. وقوله: (أعمالًا عملتموهما للَّه صالحة) صفة ثانية لى (أعمالًا)، وهو كالصفة الكاشفة؛ فإن الصالحة في الحقيقة هي التي أعملت خالصة لوجه اللَّه تعالى، ولو أريد بالصالحة ما كان مأمورًا بها، وبكونها للَّه عدم مدخلية السمعة والرياء فيها؛ كان الظاهر تقديم قوله: (صالحة) على قوله: (للَّه)، وقيل: قوله: (للَّه) متعلقة بـ (صالحة)، أي: تصلح لقبوله، وقد جاء في رواية البخاري: (أعمالًا عملتموها صالحة للَّه). وقوله: (يفرجها) أي: الصخرة، أي: الشدة التي حصلت منها. وقوله: (صبية) بكسر الصاد وسكون الباء وفتح الياء جمع صبي. وقوله: (أرعى عليهم) ضمن (أرعى) معنى أنفق، أي: أنفق عليهم راعيًا

стр. 4657

فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيْهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ قَدْ نَأَى بِي الشَّجَرُ، فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي. . . . . ــ لغنيمات، أو أرعى الغنيمات منفقًا عليهم، كذا قالوا، ولعل تخصيص الغنيمات باعتبار العادة؛ فإن أكثر أحوال الفقراء ذوي العيال رعيها، أو علم ذلك بالنقل. وقوله: (وإنه قد نأى) وفي بعض الروايات: (ناء)، وكلاهما لغتان مشهورتان بمعنى بعد، والأول أكثر استعمالًا، وهو قراءة أكثر القراء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]، وقرأ ابن عامر: ﴿نَاءَ﴾، قال البيضاوي (١): هو على القلب، وقال الجلبي: نحو راء رأى، والصواب أنهما لغتان. ومعنى قوله: (نأى بي الشجر) أي: ذهبت في طلب المرعى بعيدًا حتى أمسيت، والباء في (بي) للتعدية. وقوله: (فجئت بالحلاب) هو يجيء بمعنى المحلوب، والإناء الذي يحلب فيه، وكلاهما محتمل الإرادة هنا. وقوله: (يتضاغون) بالضاد والغين المعجمتين، ضَغَا يَضْغو ضَغْوًا وضُغاءً: إذا صاح وزج، وتقديم الأصول في الإنفاق يكون مشروعًا جائزًا في شريعتهم، أو كانت الصبية يطلبون الزائد على سد الرمق، كذا قالوا. وقوله: (عند قدمي) بلفظ الإفراد والتثنية، والثاني أصح.

стр. 4658

وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَّجَ اللَّهُ لَهُمْ حَتَّى يَرَوْنَ السَّمَاءَ. قَالَ الثَّانِي: اللهُمَّ إِنَّه كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمِّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتيها بِمِئَة دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِئَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَفْتَح الْخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَّجَ لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الآخَرُ: اللهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرْقِ أَرُزٍّ، ــ وقوله: (فافرج) على صيغة الأمر من نصر، وقد يروى من الإفعال، والفرجة بضم الفاء، وهذا البناء للمقدار، وقد يفتح للمرة. وقوله: (ففرج) بالتشديد، وقد يروى بالتخفيف. وقوله: (حتى يرون) بإثبات النون في أكثر الروايات على حكاية الحال الماضية نحو: مرض حتى لا يرجونه في الحال المحققة، وقد يروى بحذف النون، و (حتى) بمعنى (كي)، والأول أقوى رواية، وإن كان الثاني أظهر دراية. وقوله: (فطلبت إليها) أي: طلبت أن تمكنني من نفسها متوجهًا إليها، أو يضمن معنى الإرسال. وقوله: (ولا تفتح الخاتم) كناية عن الخيانة في الأمانة، أو عن إزالة البكارة. وقوله: (بفرق أرز) قال القاضي عياض في (المشارق) (١): في حديث الغسل

стр. 4659

فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، ــ من الجنابة في قوله: في إناء هو الفرق، رويناه بإسكان الراء وفتحها عن شيوخنا، والفتح للأكثر، قال الباجي: وهو الصواب، وكذا قيدنا عن أهل اللغة، وقال: لا يقال فيه: فرق بالإسكان، ولكن فرق بالفتح، وكذا حكى النحاس، وحكى ابن دريد أنه قد قيل بالإسكان، ومثله في الحديث الآخر: (بفرق أرز)، وهو نحو ثلاثة آصع، وقيل: يسع خمسة عشر رطلًا، وهو إناء معروف عندهم، انتهى. وقال في (القاموس) (١): الفرق مكيال بالمدينة تسع ثلاثة آصع، ويحرك، أو هو أفصح، أو تسع ستة عشر رطلًا. و(الأرز) حب معروف بفتح الهمزة وضم الراء مع شدة الزاي وخفتها، وبضمتين كذلك، وبضمة وسكون، وقد يجيء بمد الهمزة على وزن كابل، وقد يجيء بحذفها، وقد يجيء مع حذفها بالنون مكان الراء، وكلها لغات فيه، وفي رواية: (ذرة) بضم الذال وخفة الراء المفتوحة، فيجمع بأن الفرق كان من صنفين، أو أنهما لما كانا متقاربين أطلق اسم أحدهما على الآخر، أو أنه استأجر أكثر من واحد، فكان بعضهم بفرق أرز وبعضهم بذرة، كذا قال الشيخ ابن حجر (٢). وقوله: (حتى جمعت منه بقرًا وراعيها) لأنه الأكثر الأغلب، فلا ينافي رواية: (فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال)، وفيها: (فقلت له: كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرك)، وفيها: (فاستاقه فلم يترك منه شيئًا)، وما في رواية أنه

стр. 4660

فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بكَ، فَخُذْ ذَلِكَ البَقَرَ وَرَاعِيهَا، فَأَخَذَ فَانْطَلَقَ بِهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَّجَ اللَّه عَنْهُم". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢١٥، م: ٢٧٤٣]. ــ دفع إليه عشرة آلاف درهم فمحمول على أنها كانت قيمة الأشياء المذكورة، كذا في الحاشية للعلامة مير جمال الدين رحمة اللَّه عليه (١). وقوله: (فخذ ذلك البقر وراعيها) التذكير باعتبار اللفظ والتأنيث باعتبار المعنى، وهو جائز في أسماء الأجناس والجموع، وقال الطيبي (٢): ذلك إشارة إلى البقرة باعتبار السواد المرئي أو الشخص، نحو قولك: هند ذلك الإنسان. ومن فوائد هذا الحديث جواز التوسل بصالح الأعمال بحال الشدة والكرب بل استحبابه، لأنه ﷺ ذكره في معرض الثناء عليهم، وفضل بر الوالدين وإيثارهما على من سواهما وإن كان من الأولاد، والاحتراز والتحاشي عن إيقاعهما في الكلفة والمشقة، وقصر الهمة على طلب الراحة لهما، وكراهة إيقاظ أحد خصوصًا في محل الأدب والتعظيم، وأن النوم ألذ وأطيب من تناول الطعام، وفضل العفة وكف النفس عن المحرمات عند القدرة ووجود داعية النفس وعدم المانع لا سيما في شهوة الفرج؛ لكونها أغلب الشهوات وأعصاها على العقل، وأن تصرف الفضولي جائز وينفذ عند
следующие страницы →