← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٩٣٨ - [٢٨] عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارِ فِي الْجَبَل، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً، فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، ــ الفصل الثالث ٤٩٣٨ - [٢٨] (ابن عمر) قوله: (صخرة) في (القاموس) (١): الصخرة: الحجر العظيم الصلب، ويحرك. وقوله: (أعمالًا عملتموهما للَّه صالحة) صفة ثانية لى (أعمالًا)، وهو كالصفة الكاشفة؛ فإن الصالحة في الحقيقة هي التي أعملت خالصة لوجه اللَّه تعالى، ولو أريد بالصالحة ما كان مأمورًا بها، وبكونها للَّه عدم مدخلية السمعة والرياء فيها؛ كان الظاهر تقديم قوله: (صالحة) على قوله: (للَّه)، وقيل: قوله: (للَّه) متعلقة بـ (صالحة)، أي: تصلح لقبوله، وقد جاء في رواية البخاري: (أعمالًا عملتموها صالحة للَّه). وقوله: (يفرجها) أي: الصخرة، أي: الشدة التي حصلت منها. وقوله: (صبية) بكسر الصاد وسكون الباء وفتح الياء جمع صبي. وقوله: (أرعى عليهم) ضمن (أرعى) معنى أنفق، أي: أنفق عليهم راعيًا

стр. 4657

فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيْهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ قَدْ نَأَى بِي الشَّجَرُ، فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي. . . . . ــ لغنيمات، أو أرعى الغنيمات منفقًا عليهم، كذا قالوا، ولعل تخصيص الغنيمات باعتبار العادة؛ فإن أكثر أحوال الفقراء ذوي العيال رعيها، أو علم ذلك بالنقل. وقوله: (وإنه قد نأى) وفي بعض الروايات: (ناء)، وكلاهما لغتان مشهورتان بمعنى بعد، والأول أكثر استعمالًا، وهو قراءة أكثر القراء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]، وقرأ ابن عامر: ﴿نَاءَ﴾، قال البيضاوي (١): هو على القلب، وقال الجلبي: نحو راء رأى، والصواب أنهما لغتان. ومعنى قوله: (نأى بي الشجر) أي: ذهبت في طلب المرعى بعيدًا حتى أمسيت، والباء في (بي) للتعدية. وقوله: (فجئت بالحلاب) هو يجيء بمعنى المحلوب، والإناء الذي يحلب فيه، وكلاهما محتمل الإرادة هنا. وقوله: (يتضاغون) بالضاد والغين المعجمتين، ضَغَا يَضْغو ضَغْوًا وضُغاءً: إذا صاح وزج، وتقديم الأصول في الإنفاق يكون مشروعًا جائزًا في شريعتهم، أو كانت الصبية يطلبون الزائد على سد الرمق، كذا قالوا. وقوله: (عند قدمي) بلفظ الإفراد والتثنية، والثاني أصح.

стр. 4658

وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَّجَ اللَّهُ لَهُمْ حَتَّى يَرَوْنَ السَّمَاءَ. قَالَ الثَّانِي: اللهُمَّ إِنَّه كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمِّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتيها بِمِئَة دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِئَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَفْتَح الْخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَّجَ لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الآخَرُ: اللهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرْقِ أَرُزٍّ، ــ وقوله: (فافرج) على صيغة الأمر من نصر، وقد يروى من الإفعال، والفرجة بضم الفاء، وهذا البناء للمقدار، وقد يفتح للمرة. وقوله: (ففرج) بالتشديد، وقد يروى بالتخفيف. وقوله: (حتى يرون) بإثبات النون في أكثر الروايات على حكاية الحال الماضية نحو: مرض حتى لا يرجونه في الحال المحققة، وقد يروى بحذف النون، و (حتى) بمعنى (كي)، والأول أقوى رواية، وإن كان الثاني أظهر دراية. وقوله: (فطلبت إليها) أي: طلبت أن تمكنني من نفسها متوجهًا إليها، أو يضمن معنى الإرسال. وقوله: (ولا تفتح الخاتم) كناية عن الخيانة في الأمانة، أو عن إزالة البكارة. وقوله: (بفرق أرز) قال القاضي عياض في (المشارق) (١): في حديث الغسل

стр. 4659

فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، ــ من الجنابة في قوله: في إناء هو الفرق، رويناه بإسكان الراء وفتحها عن شيوخنا، والفتح للأكثر، قال الباجي: وهو الصواب، وكذا قيدنا عن أهل اللغة، وقال: لا يقال فيه: فرق بالإسكان، ولكن فرق بالفتح، وكذا حكى النحاس، وحكى ابن دريد أنه قد قيل بالإسكان، ومثله في الحديث الآخر: (بفرق أرز)، وهو نحو ثلاثة آصع، وقيل: يسع خمسة عشر رطلًا، وهو إناء معروف عندهم، انتهى. وقال في (القاموس) (١): الفرق مكيال بالمدينة تسع ثلاثة آصع، ويحرك، أو هو أفصح، أو تسع ستة عشر رطلًا. و(الأرز) حب معروف بفتح الهمزة وضم الراء مع شدة الزاي وخفتها، وبضمتين كذلك، وبضمة وسكون، وقد يجيء بمد الهمزة على وزن كابل، وقد يجيء بحذفها، وقد يجيء مع حذفها بالنون مكان الراء، وكلها لغات فيه، وفي رواية: (ذرة) بضم الذال وخفة الراء المفتوحة، فيجمع بأن الفرق كان من صنفين، أو أنهما لما كانا متقاربين أطلق اسم أحدهما على الآخر، أو أنه استأجر أكثر من واحد، فكان بعضهم بفرق أرز وبعضهم بذرة، كذا قال الشيخ ابن حجر (٢). وقوله: (حتى جمعت منه بقرًا وراعيها) لأنه الأكثر الأغلب، فلا ينافي رواية: (فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال)، وفيها: (فقلت له: كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرك)، وفيها: (فاستاقه فلم يترك منه شيئًا)، وما في رواية أنه

стр. 4660

فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بكَ، فَخُذْ ذَلِكَ البَقَرَ وَرَاعِيهَا، فَأَخَذَ فَانْطَلَقَ بِهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَّجَ اللَّه عَنْهُم". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢١٥، م: ٢٧٤٣]. ــ دفع إليه عشرة آلاف درهم فمحمول على أنها كانت قيمة الأشياء المذكورة، كذا في الحاشية للعلامة مير جمال الدين رحمة اللَّه عليه (١). وقوله: (فخذ ذلك البقر وراعيها) التذكير باعتبار اللفظ والتأنيث باعتبار المعنى، وهو جائز في أسماء الأجناس والجموع، وقال الطيبي (٢): ذلك إشارة إلى البقرة باعتبار السواد المرئي أو الشخص، نحو قولك: هند ذلك الإنسان. ومن فوائد هذا الحديث جواز التوسل بصالح الأعمال بحال الشدة والكرب بل استحبابه، لأنه ﷺ ذكره في معرض الثناء عليهم، وفضل بر الوالدين وإيثارهما على من سواهما وإن كان من الأولاد، والاحتراز والتحاشي عن إيقاعهما في الكلفة والمشقة، وقصر الهمة على طلب الراحة لهما، وكراهة إيقاظ أحد خصوصًا في محل الأدب والتعظيم، وأن النوم ألذ وأطيب من تناول الطعام، وفضل العفة وكف النفس عن المحرمات عند القدرة ووجود داعية النفس وعدم المانع لا سيما في شهوة الفرج؛ لكونها أغلب الشهوات وأعصاها على العقل، وأن تصرف الفضولي جائز وينفذ عند

стр. 4661

٤٩٣٩ - [٢٩] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمةَ: أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: "هَلْ لَكَ مِنْ أُمِّ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَالْزَمْهَا؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلِهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٣/ ٤٢٩، ن: ٣١٠٤، شعب: ٧٤٤٩]. ٤٩٤٠ - [٣٠] وَعَنِ ابنِ عمَرَ قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا، فَقَالَ لِي: طَلِّقْهَا، فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "طَلِّقْهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١١٨٩، د: ٥١٣٨]. ــ إذن المالك كما هو مذهب الحنفية، وفضل حسن التعهد، وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملات، واستجابة الدعاء، واستجابته عند الشدة والمحنة، وثبوت الكرامات للأولياء كما هو مذهب أهل الحق. ٤٩٣٩ - [٢٩] (معاوية) قوله: (معاوية بن جاهمة) بالجيم وكسر الهاء. وقوله: (فإن الجنة عند رجلها) (١) يعني كون الرجل عند رجل أمه موجب للجنة، وهذا معنى كون الجنة عند رجلها. ٤٩٤٠ - [٣٠] (ابن عمر) قوله: (طلقها) إن كان الحق في جانب الوالدين

стр. 4662

٤٩٤١ - [٣١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا؟ قَالَ: "هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه. [جه: ٣٧٠٦]. ٤٩٤٢ - [٣٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَمُوتُ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا وَإِنَّهُ لَهُمَا لَعَاقٌّ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو لَهُمَا وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمَا حَتَّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ بَارًّا". ٤٩٤٣ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَصْبَحَ مُطِيعًا لِلَّهِ فِي وَالِدَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، ــ فطلاقها واجب؛ للزوم العقوق، وإن كان في جانب المرأة؛ فإن طلقها لرضا الوالدين فهو جائز. ٤٩٤١ - [٣١] (أبو أمامة) قوله: (هما جنتك ونارك) أي: برهما موجب للجنة، وعقوقهما سبب دخول النار. ٤٩٤٢ - [٣٢] (أنس) قوله: (حتى يكتبه اللَّه بارًا) فيه أن الدعاء والاستغفار للوالدين يزيل إثم العقوق، وذلك كالاستغفار والاعتذار في حالة الحياة. ٤٩٤٣ - [٣٣] (ابن عباس) قوله: (له بابان) يحتمل أن يكون جملة حالية، وفي (أصبح) ضمير فاعله، وأن يكون (له) خبر (أصبح)، و (بابان) فاعله. وقوله: (وإن كان واحدًا فواحدًا) أي: إن كان المطاع واحدًا فالباب المفتوح واحد، وفي بعض النسخ: (فواحدًا) أي: إن كان الباب المفتوح واحدًا.

стр. 4663

وَمَنْ أَصْبَحَ (١) عَاصِيًا للَّهِ فِي وَالِدَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ النَّارِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا" قَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ؟ قَالَ: "وَإِنْ ظَلَمَاهُ، وَإِن ظَلَمَاهُ، وإِنْ ظَلَمَاهُ". ٤٩٤٤ - [٣٤] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ وَلَدٍ بَارٍّ يَنْظُرُ إِلَى وَالِدَيْهِ نظرَةَ رَحْمَةٍ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حَجَّةً مَبْرُورَةً"، قَالُوا: وَإِنْ نَظَرَ كُلَّ يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَطْيَبُ". ٤٩٤٥ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ الذُّنوُبِ يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهَا مَا شاءَ (٢) إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، ــ وقوله: (ومن أمسى) وفي بعض النسخ: (أصبح)، وهو أوفق بجوابه، وهو قوله: (أصبح له بابان [مفتوحان] من النار). وقوله: (قال: وإن ظلماه) بالتكرير ثلاثًا للمبالغة والتشديد، والمراد الظلم في الأمور الدنياوية دون الدينية، لأن طاعة الوالدين فيما يخالف الدين غير جائزة. ٤٩٤٤ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: (اللَّه أكبر وأطيب) أي: أنزه من اعتقادك أنه لا يعطي ذلك الجزاء العظيم. ٤٩٤٥ - [٣٥] (أبو بكرة) قوله: (إلا عقوق الوالدين) تغليظ وتشديد، ولذا عد أكبر الكبائر بعد الإشراك، ولعله تعالى يرضي الوالدين عند يوم القيامة كما يرضي الخصوم.

стр. 4664

فَإِنَّهُ يُعَجَّلُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ". ٤٩٤٦ - [٣٦] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حَقُّ كَبِيْرِ الإِخوَةِ عَلَى صَغِيرِهِمْ حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٧٥٢٤، ٧٥٣٨، ٧٤٧٢، ٧٥٠٦، ٧٥٥٣]. * * * ١٥ - باب الشفقة والرحمة على الخلق ــ وقوله: (فإنه) أي: اللَّه (يعجل) أي: العقوبة. ٤٩٤٦ - [٣٦] (سعيد بن العاص) قوله: (حق الوالد على ولده) من قبيل إلحاق الناقص بالكامل مبالغة في الترغيب والترهيب. ١٥ - باب الشفقة والرحمة على الخلق الإشفاق يجيء بمعنى الخوف مطلقًا، وبمعنى الخوف مع النصيحة وإرادة الخير، والشفقة والشفق محركًا اسمان منه، ويستعملان بمعنى الرحمة مطلقًا؛ لأن المشفق يخاف أن يصيب المشفق عليه مكروه، وفي (القاموس) (١): الشفق محركة: الخوف، والشفقة، وحرص الناصح على صلاح المنصوح، وهو مشفق وشفيق. والرحمة ويحرك: الرقة والمغفرة والتعطف، كالمرحمة، والرُّحم بالضم وبضمتين، والفعل كعلم، ورحّم عليه ترحيمًا، وترحَّم، والأولى الفصحى، والاسم

стр. 4665

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٩٤٧ - [١] عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٧٦، م: ٢٣١٩]. ٤٩٤٨ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَتُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : . . . . . ــ الرحمى، انتهى. والرحمة في الإنسان: رقة وانعطاف يحصل في قلبه، وهو محال على اللَّه تعالى، فالمراد به في حقه تعالى الرضا والإحسان، وكذلك سائر الصفات التي من قبيل الانفعال كالغضب ونحوه تطلق عليه تعالى باعتبار الآثار دون المبادئ، كما حقق في موضعه، وقد يشتق منه الرحموت كالرهبوت من الرهب، والجبروت من الجبر، والرحمن والرحيم مشتقان من الرحمة كندمان ونديم، وهما بمعنى، ويجوز تكرير الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما على طريق التوكيد، كما يقال: فلان جاد مجد، والرحمن مختص به تعالى، ولذا قال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أعاده بالاسم ذكرًا للاسمين الذين لا يشرك فيهما غيره، كذا في (الصحاح) (١). الفصل الأول ٤٩٤٧ - [١] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (لا يرحم اللَّه من لا يرحم الناس) أي: رحمة خاصة مخصوصة بالراحمين الفائزين السابقين. ٤٩٤٨ - [٢] (عائشة) قوله: (أتقبلون الصبيان؟ ) من التقبيل (فما نقبلهم) الهمزة للإنكار، وليس المراد حقيقة الاستفهام؛ لأن الظاهر من سياق الكلام أنه رأى أنهم

стр. 4666

"أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٩٨، م: ٢٣١٧]. ٤٩٤٩ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنتَانِ لَهَا تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: "مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٩٥، م: ٢٩٨٢]. ــ يقبلونهم، والفاء في (فما نقبلهم) للتعقيب في المرتبة نحو (ثم) يجيء للتراخي في الرتبة، تفيد استبعاد التقبيل لكونه منكرًا عنده، وقد أتي بمثل هذه الفاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧]، ولهذا جاء في آية أخرى: ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢]، فتدبر. وقوله: (أن نرع) يروى بفتح الهمزة، والتقدير: لا أملك دفع نزع اللَّه الرحمة عن قلبك، وبكسرها على أنها شرطية. ٤٩٤٩ - [٣] (وعنها) قوله: (من ابتلي من هذه البنات بشيء): (من) إما بيانية، و (شيء) كناية عن العدد، أي: بواحدة أو اثنتين منهن، أو ابتدائية، والمعنى ابتلي بما صدر عنهن من كلفة وإيذاء، ثم اختلف في المراد بالإحسان هل يقتصر على قدر الواجب أو ما زاد عليه، والظاهر هو الثاني، ولهذا أورد هذا الحديث في (باب الشفقة والرحمة على الخلق) لا في (باب البر والصلة)، فافهم. والمراد بالإحسان ما يوافق الشرع، وقال الشيخ ابن حجر (١): الظاهر أن الثواب

стр. 4667

٤٩٥٠ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ هَكَذَا"، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٣١]. ٤٩٥١ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ. . . . . ــ المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر على ذلك إلى تزويجهن أو موتهن. ٤٩٥٠ - [٤] (أنس) قوله: (من عال جاريتين) أي: قام بما تحتاجان إليه من قوت وكسوة، والصغيرة تسمى جارية كالصغير يسمى غلامًا. وقوله: (أنا وهو هكذا) جملة حالية من فاعل (جاء)، ومنه يعلم أن تجريد الجملة الاسمية عن الواو فصيح، ولو كان فيه ضعف لم يبلغ حدًّا يخل بالفصاحة. وقوله: (وضم أصابعه) المراد ضم أصبعيه السبابة والوسطى ومقارنتهما واتصالهما كما يظهر من حديث سهل بن سعد، والمراد الاقتران في دخول الجنة أو السكنى فيه، أو الاجتماع في المحشر أو جميع المواطن، وهو الأظهر والأنسب بقوله: (يوم القيامة)، واللَّه أعلم. ثم إنهم ذكروا في حديث: (بعثت أنا والساعة كهاتين) أن المراد اقترانهما أو تقدم أحدهما على الآخر يعني أن الساعة تعقبني، ولو أريد هذا المعنى في هذا الحديث لكان المراد التعقيب في دخول الجنة، لكنهم قالوا: إن المراد هو المقارنة والاتصال كما لا يخفى. ٤٩٥١ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (الساعي على الأرملة) بفح الهمزة والميم

стр. 4668

كَالسَّاعِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ" وَأَحْسَبُهُ قَالَ: "كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٠٧، ٢٩٨٢]. ــ أي: الساعي في أمرها والمنفق عليها، قال الطيبي (١): الأرملة: امرأة لا زوج لها، سواء تزوجت قبل ذلك أم لا، وقيل: هي التي فارقها زوجها، سميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال، وهو الفقر وذهاب الزاد، وقال في (القاموس) (٢): رجل أرمل، وامرأة أرملة: محتاجة أو مسكينة، والجمع أرامل وأراملة، والأرمل: العزب، وهي بهاء، ولا يقال للعزبة الموسرة: أرملة، وفي (الصراح) (٣): أرمل: مرد بى زن، أرملة: زن بى شوي، أرامل: بيوكَان ودرويشان ومحتاجان از مرد وزن، أرملت المرأة، أي: مات عنها زوجها. وقوله: (وأحسبه) قال في بعض الشروح: أي قال أبو هريرة: أظن أن النبي ﷺ قال، وفي بعض الحواشي: قائله عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي شيخ البخاري ومسلم الراوي عن الإمام مالك كما صرح به البخاري، ومعناه أظن أن مالكًا قال: (كالقائم. . . إلخ)، وظاهر لفظ (المشكاة) يوهم أن قائله أبو هريرة. وقوله: (كالقائم) أي: القائم بالليل للعبادة. وقوله: (لا يفتر) بضم التاء من نصر ينصر، من الفتور، وأما ما هو بمعنى الافتراء فهو بفتح التاء بحذف اللام (٤).

стр. 4669

٤٩٥٢ - [٦] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا"، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وفرَّجَ بَينَهُمَا شَيْئًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٠٤]. ٤٩٥٣ - [٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١١، م: ٢٥٨٦]. ــ ٤٩٥٢ - [٦] (سهل بن سعد) قوله: (أنا وكافل اليتيم له ولغيره في الجنة هكذا) الحديث، يعلم منه أن المراد المقارنة في الجنة، وأن المراد بالضم في حديث أنس مع التفريج شيئًا فيجب حمله عليه، إذ الأحاديث يشرح بعضها بعضًا، اللهم إلا أن يقال: ثواب عول الجاريتين أكثر من ثواب كفالة اليتيم، فيكون المقارنة في ذلك أشد وأقوى من هذا، ويكون في جميع المواطن لا في الجنة خاصة، واللَّه أعلم. ثم المراد بكون اليتيم له أن يكون من أقاربه وأرحامه، كابن الابن أو ابن الأخ وأمثالهما، ومن كونه لغيره أن يكون من الأجانب. ٤٩٥٣ - [٧] (النعمان بن بشير) قوله: (اشتكى عضوًا) في أكثر النسخ هكذا منصوبًا على المفعولية أو التمييز، وفاعل (اشتكى) ضمير للجسد، أي: تألم من جهة العضو، وفي بعضها مرفوع على الفاعلية، ومعنى التداعي أن يدعو القوم بعضهم بعضًا ليتفقوا على فعل شيء، وفي (الصراح) (١): تداعت الحيطان، وللخراب أي: تهادمت، أي: يدعو بعض الأعضاء بعضًا آخر، والمقصود التوافق في الألم والمشقة. وقوله: (في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم) أريد بالتراحم أن يرحم بعضهم بعضًا

стр. 4670

٤٩٥٤ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٨٦]. ٤٩٥٥ - [٩] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٢٦، م: ٢٥٨٥]. ٤٩٥٦ - [١٠] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ: "اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، ــ بمجرد أخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر، وبالنواد رعاية الأحوال من جهة التواصل والتحابب بعلاقة زائدة كالتزاور والتهادي، والتعاطف إعانة بعضهم بعضًا بسبب الرقة بمشاهدة العجز والضعف والمسكنة ونحوها. ٤٩٥٤ - [٨] (وعنه) قوله: (إن اشتكى عينه اشتكى كله) وروي (عينه) و (رأسه) و (كله) بالنصب والرفع، لكن تذكر (اشتكى) في (اشتكى عينه) يرجح النصب، إلا أن يجعل بدلًا على تقدير الرفع. ٤٩٥٥ - [٩] (أبو موسى) قوله: (ثم شبك بين أصابعه) قيل: هذا مما اختص البخاري بذكره ولم يذكره مسلم. ٤٩٥٦ - [١٠] (أبو موسى) قوله: (فلتؤجروا) قال الطيبي (١): الفاء واللام كلتاهما مقحمة للتأكيد، إذ يكفي أن يقال: تؤجروا جوابًا للأمر، انتهى.

стр. 4671

وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٧٦، م: ٢٦٢٧]. ٤٩٥٧ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَاك نَصْرُكَ إِيَّاهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٥٢، م: ٢٥٨٤]. ٤٩٥٨ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ. . . . . ــ وقد صحح في بعض النسخ بكسر اللام، فتكون (أن) مقدرة بعدها، فعلى هذا تكون الفاء مقحمة فقط. ٤٩٥٧ - [١١] (أنس) قوله: (فذلك نصرك إياه) لأنك نصرته على النفس والشيطان الذين بعثاه على الظلم وأمراه به. ٤٩٥٨ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (لا يظلمه) خبر في معنى الأمر، والظلم في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه، فيتناول الصغيرة والخصلة المباحة التي لا تليق عرفًا، ولهذا قال العباس لعلي ﵄ في مرافعتهما قضية صدقة بني النضير إلى عمر ﵁: اقض بيني وبين هذا الظالم، ولم ينكر أحد هذه الكلمة من عباس؛ لأنهم فهموا أنه لا يريد حقيقتها، وهذه كلمة لا يراد بها حقيقتها في العرف في أمثال هذا المقام، وقيل: إن عليًّا كان كالولد للعباس، وللوالد أن يقول لولده ما ليس لغيره، كذا في (مجمع البحار) (١)، وحاشا عليًّا المرتضى أن ينسب إليه الظلم، ﵁ وكرم وجهه.

стр. 4672

وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٌ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَةَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٤٢، م: ٢٥٨٠]. ــ وقوله: (ولا يسلمه) أي: لا يخذله عن النصرة، ولا يتركه مع من يؤذيه بل ينصره، قال الطيبي (١): يقال: أسلم فلان فلانًا: إذا ألقاه في الهلكة، ولم يحمه من عدوه، انتهى. وهو من الإسلام، والهمزة للسلب، أي: لا يزيل سلمه، والسلم بفتح السين وكسره وسكون اللام: الصلح، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وقوله: (من فرج عن مسلم كربة) في (القاموس) (٢): الكرب: الحزن يأخذ بالنفس كالكربة بالضم، والجمع كروب، وكربه الغم فاكترب، فهو مكروب وكريب. وقوله: (من ستر مسلمًا) قالوا: الستر المندوب هو الستر على ذوي الهيئات ممن لا يعرف بالأذى والفساد، وأما المعروف به والمتلبس بالمعصية علانية فيجب إنكاره ورفع الأمر إلى الولاة إن لم يقدر على منعه، وأما جرح الرواة والشهود وأمناء الصدقات فواجب؛ صيانة للدين وحفظًا للحقوق. وقوله: (ستره اللَّه يوم القيامة) أي: ستره عن أهل الموقف، أو ترك المحاسبة، أو ترك ذكر ذنوبه.

стр. 4673

٤٩٥٩ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَهُنَا"، وَيُشِير إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاث مِرَارٍ، "بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ومالهُ وَعِرْضُهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٤]. ــ ٤٩٥٩ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (ولا يحقره) بفتح الياء وسكون الحاء وكسر القاف، قال القاضي عياض في (المشارق) (١): كذا رواه السمرقندي والسجزي بالحاء المهملة والقاف من الحُقرية، أي: لا يستصغره ويذله ويتكبر عليه، ورواه العذري: (ولا يخفره) بالخاء المعجمة والفاء وضم الياء أوله، أي: لا يغدره ولا يخونه، يقال: خفرت الرجل: أجرته وأمنته، وأخفرته: لم أوف له وغدرته، وكذلك الخلاف في آخر الحديث: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر) على ما تقدم للرواة، والصواب أن يكون من الاستحقار، وهو المروي في غير مسلم، ورواه غيره: (يحتقر)، انتهى كلامه، وفي (القاموس) (٢): الحقر والحُقرية بالضم: الذلّة، والحقارة، مثلثة، والمحقرة: الإذلال، وفي بعض الحواشي: حقره واحتقره واستحقره: استصغوه، وحقر بالضم حقارة فهو حقير، وفي (تاج المصادر): الحقر: خوار داشتن، من حد ضرب، والحقارة حقير شدن، من كرم، وظهر من هذا كله أنه ليست الرواية: ولا يحقره من باب التفعيل وإن كان كلام الطيبي (٣) يوهمه، فتدبر. وقوله: (التقوى ههنا، ويشير إلى صدره) الغرض من ذكر هذه الجملة تأكيد النهي

стр. 4674

٤٩٦٠ - [١٤] وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ متصدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، ــ عن احتقار المسلم بأن التقوى أمر خفي مبطن، فلا ينبغي أن يحقر أحد بما يرى من هوان ظاهر حاله وذله، ويجوز أن يكون معناه محل التقوى القلب، فمن كان في قلبه التقوى فلا يحقر مسلمًا؛ لأن المتقي ليس من شأنه أن يحقر المسلم، ولا شك أن المعنى الأول أظهر وأنسب بسوق الكلام، وأما على المعنى الثاني فليس في ذكر الإشارة كثير فائدة، وقول الطيبي بأن القول الثاني أوجه والنظم له أدعى لأنه ﷺ إنما شبه المسلم بالأخ للتنبيه على المساواة وأن لا يرى لنفسه على أحد من المسلمين فضلًا ومزية، وتحقيره إياه ينافي هذه الحالة، وينشأ منه قطع وصلة المحبة، محل نظر؛ لأنه يحصل هذا الغرض على الوجهين كما لا يخفى. ٤٩٦٠ - [١٤] (عياض بن حمار) قوله: (ذو سلطان) في (القاموس) (١): السلطان: الحجة، وقدرة الملك، وتضم لَامُه، والوالي، مؤنث، لأنه جمع سليط للدهن، كأنه به يُضيء الملك، أو لأنه بمعنى الحجة، وقد يذكَّر ذهابًا إلى معنى الرجل، وفي (الصراح) (٢): سلطان: قهرمان وحجت، يذكر ويؤنث. وقوله: (مقسط) المقسط: العادل، والقاسط: الجائر، قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]، ويقال: قسط يقسط من ضرب يضرب قسطًا بالفتح وقسوطًا: جار وعدل عن الحق، وأما القسط بالكسر فهو بمعنى العدل، من

стр. 4675

وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: . . . . . ــ المصادر الموصوف بها كالعدل، يستوي فيه الواحد والجمع، كذا في (القاموس) (١)، ولم يجئ قاسط بمعنى العادل من القسط بالكسر، بل بمعنى الجائر من القسط بالفتح. وقوله: (وعفيف متعفف) في (الصراح) (٢): عفت: بارسائي وباز ايستادن أز حرام، تعفف: بارسائي نمودن، وفي (القاموس) (٣): عف عفًّا وعفافًا وعفافة، بفتحهن وعفة بالكسر، فهو عفّ وعفيف: كف عما لا يحل، والجمع أَعِفَّاء، وهي عَفَّة وعفيفة، والجمع عفائف وعفيفات، وتعفف: تكلفها، انتهى. وقيل: أراد بالعفيف من في نفسه القوة المانعة عن الفواحش، وبالمتعفف من يبرزها بالفعل، ويظهر العفة من نفسه، فافهم. وأكثر ما يفسر التعفف بالاجتناب والتحاشي عن السؤال، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وقوله: (ذو عيال) أشار به إلى أنه مع كونه محتاجًا ذا عيال يتجنب عن السؤال ويَكِلُ أمرَه وأمرَ عياله إلى اللَّه الرزّاق ذي القوة المتين، ثم اعلم أن الظاهر أن المراد بكون هؤلاء الثلاثة أهل الجنة دخولهم إياها مع السابقين المقربين واحتظاظهم فيها بالنعيم والفوز بالدرجات العالية، وإلا فقد يكون من المؤمنين من ليس [في] هذه الأقسام الثلاثة، وذلك ظاهر، وكذا الكلام في قوله: (وأهل النار خمسة) بأنهم يستأهلون دخولها ويحق لهم أن يدخلوها، والمقصود تقبيح هذه الأفعال والتشنيع عليها والتغليظ

стр. 4676

الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ، ــ والتشديد في الوعيد كما كان المراد من قرينة مدح الأفعال المذكورة وتحسينها، وقال الطيبي (١): إذا استقريت أحوال العباد على اختلافها فلعلك لم تجد أحدًا يستأهل أن يدخل الجنة ويحق له أن يكون من أهلها إلا وهو مندرج تحت هذه الأقسام غير خارج عنها، انتهى. ولا يخلو هذا القول عن خفاء. وقوله: (لا زبر له) أي: لا عقل له، كذا في (الصحاح) (٢) وقال الطيبي (٣): لا زبر له، أي: لا تماسك له، وقال في (مجمع البحار) (٤): الضعيف: الذي لا زبر له، أي: لا عقل يزبره وينهاه عما لا ينبغي، ومنه حديث: (إذا رددت على السائل ثلاثًا فلا عليك أن تزبره) أي: تنهره وتغلظ عليه في القول والرد، انتهى. وعلم من هذا أن الزبر بمعنى المنع والنهي، سمي العقل به لكونه مانعًا ناهيًا عما لا ينبغي كما سمي بالنهية، وقد قال في (القاموس) (٥): الزبر: العقل، والصبر، والمنع، والنهي، وقد قيل على تفسيره بالعقل: إن من لا عقل له لا تكليف عليه، فكيف يكون من أهل النار؟ فينبغي أن يفسر بالاستقامة والتماسك، وليس بشيء؛ لأن من الظاهر أن ليس المراد نفي العقل مطلقًا بل العقل الناهي عن ارتكاب ما لا ينبغي، وذلك العقل الذي يقال له: عقل المعاد، الذي يعرف به الصلاح والفساد، وذلك ظاهر.

стр. 4677

الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ لَا يَبْغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ، ــ وقال الطيبي (١): لعل هذا القائل جعل قوله: (الذين هم فيكم تبع) قسمًا آخر من الأقسام الخمسة وإن كان خلاف الظاهر؛ لعدم ذكره بالواو كما في قرائنه، يعني لما جعله قسمًا آخر بقي نفي الزبر مطلقًا، فيرد الإشكال، ولا يخفى أنه مع ذلك قرينة التخصيص ظاهرة، والظاهر أن قوله: (الذين) بيان أو بدل من (الذي لا زبر له) بذكر نوع منه على طريق التمثيل، أو وصف ثان للضعيف، و (الذي) في معنى (الذين) كما في قوله تعالى: ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] أراده بمعنى الجنس، أو المراد بالضعيف الجنس، فتارة وصف بالمفرد باعتبار اللفظ وأخرى بالجمع، والمراد بـ (الذين هم فيكم تبع. . . إلخ) هم الذين يدورون حول الأغنياء يخدمونهم ولا يبالون من أيّ وجه يأكلون ويلبسون من الحلال أو من الحرام. وقوله: (لا يبغون) بالغين المعجمة بمعنى الطلب، أي: لا يطلبون أهلًا، فأعرضوا عن التزوج، وارتكبوا الفواحش، ولا يطلبون مالًا بكسب حلال، أو لا رغبة لهم ولا ميل إلى أهل ولا إلى مال، بل قصروا هممهم على المآكل والمشارب وحظوظ أنفسهم حلالًا كان أو حرامًا، وفي بعض النسخ: (لا يتبعون) من التبع أو الاتباع. وقوله: (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه) الطمع مصدر بمعنى المفعول، أي: مما يمكن أن يطمع فيه وإن كان شيئًا دقيقًا يسيرًا، إن كان خفيًّا عليه يسعى في التفحص عنه والتطلع عليه حتى يجده ويخونه، وقيل: (ولا يخفى) بمعنى لا يظهر، وقد يجيء الخفاء بمعنى الظهور كما قيل في القول المشهور بالحديث

стр. 4678

وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ". وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوِ الْكَذِبَ، "وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦٥]. ٤٩٦١ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣، م: ٤٥]. ــ القدسي: (كنت كنزًا مخفيًا)، ويؤيده التعدية باللام. وقوله: (يخادعك عن أهلك ومالك) أي: خداعًا صادرًا عن إرادة الخداع في أهل الناس وأموالهم، والمعنى يظهر العفة والأمانة وهو بصدد الخيانة. وقوله: (وذكر) أي: النبي ﷺ (البخل أو الكذب) أي: البخيل أو الكاذب، قال الطيبي (١): لعل الراوي نسي لفظ النبي ﷺ ، فذكر بهذه الصيغة، يعني أراد أنه ﷺ ذكر لفظًا يفهم منه معنى البخل أو الكذب، ولا يدري قال: والبخل أو الكذب أو لفظًا غيره، ثم المذكور في أكثر الروايات (أو الكذب) بـ (أو) للشك، وفي بعضها بالواو؛ فإن كان بـ (أو) يكون (الشنظير الفحاش) أي: السيء الخلق الذي يفحش في كلامه خامسًا، وإن كان بالواو تم الخمسة بهما، والشنظير الفحاش من وصف الكذب أو البخل؛ لأنهما في معنى البخيل الكاذب، وعلى الأول الأظهر أن يكون مرفوعًا عطفًا على رجل، ويحتمل أن يكون منصوبًا عطفًا على البخل أو الكذب، وعلى الثاني يكون منصوبًا البتة، أي: ذكر البخل والكذب، وذكر وصفهما الشنظير والفحاش، فليتدبر. ٤٩٦١ - [١٥] (أنس) قوله: (لا يؤمن عبد) أي: لا يتم ولا يكمل إيمانه (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) أي: من الخير، وقد ذكر في بعض الروايات صريحًا،

стр. 4679

٤٩٦٢ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ"، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١٦، م: ٤٦]. ــ قالوا: هذا متعسر بل ممتنع، أي: غير واقع حصوله ولا يتصور فيما يعتاد الناس من مقتضيات طبائعهم، ولكن ينبغي أن يعلم أن الخير: خيران: خير الآخرة وخير الدنيا، أما خير الآخرة فهو النجاة من عذاب النار والفوز بدرجات الجنة وما يلزمهما من الإيمان والعمل الصالح، وخير الدنيا الأهل والأولاد والأسباب والأمتعة مما يكون وسيلة وواسطة لخير الآخرة، والمؤمن يحب هذا لنفسه ولجميع إخوانه المؤمنين، وأما من يريد لنفسه بتسويل الشيطان وشره النفس من المال والجاه مما يبعثه على الظلم والفساد والوبال والنكال ويحب ذلك فلا يحبه ويريده للمؤمنين، بل ينبغي أن لا يريده ويحبه لنفسه أيضًا، أو يكون رجل يكون المال في حقه سببًا للخيرات والجاه يكون باعثًا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون رجل آخر يبعثه ذلك على الفسق والطغيان والظلم والعتو، فلا ينبغي أن يريده لذلك الرجل كما يريده لنفسه، وبالجملة الذي يكون في نفس الآدمي ضيق وضنّة من إرادة المال والجاه والخيرات لأجل خوف لحوق منقصة ومذلة بنفسه، ولما كان المؤمنون كلهم على طريقة الخير والصلاح من جهة الدين والدنيا ارتفع ذلك الخوف، فالمؤمن يطلب أن يكون كلهم على تلك الطريقة متساويين في ذلك، وهذه الإرادة ميسر [ة] عند أهل الدين والإنصاف، فافهم، وباللَّه التوفيق. ٤٩٦٢ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (واللَّه لا يؤمن) باللَّه، مكرر ثلاثًا، وفيه غاية التأكيد، ومع ذلك المراد نفي الإيمان الكامل، و (بواثقه) أي: غوائله وشروره، جمع بائقة، وهي الداهية.

стр. 4680

٤٩٦٣ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٦]. ٤٩٦٤ - [١٨] وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١٤، م: ٢٦٢٤]. ٤٩٦٥ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَن يَحْزُنَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٠، م: ٢١٨٤]. ــ ٤٩٦٣ - [١٧] (أنس) قوله: (لا يدخل الجنة) في معنى الإيمان، وحيث أريد بالإيمان الكامل يراد بدخول الجنة مع السابقين الفائزين. ٤٩٦٤ - [١٨] (عائشة وابن عمر) قوله: (ما زال جبريل يوصيني بالجار) أي: يوصيني بأن آمر الأمة برعاية حقوق الجار، فيكون معنى قوله: (أنه سيورثه) أي: يحكم بتوريث أحد الجارين الآخر، ومن هذا لا يلزم أن يكون له ﷺ ميراث، ولو سلم أن معنى الكلام يوصيني نفسي برعاية حق الجار حتى ظننت أنه سيورثه مني، يكون هذا قبل أن يوحى إليه: إن الأنبياء لا يورثون، لما ثبت ذلك في الصحيح، أو المراد كمال المبالغة في ذلك حتى إنه ظن بالتوريث فيما ليس فيه، فافهم. ٤٩٦٥ - [١٩] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (من أجل أن يحزنه) بفتح الياء وضم الزاي من الحزن، وقد يروى بضم الياء وكسر الزاي من الإحزان، حزنه الأمر حزنًا بالضم، وأحزنه: جعله حزينًا، فهو محزون ومحزن، وحزين، وحزن بكسر الزاي، ولعل اللغة الفصحى هو الأول، وعليه قراءة القرآن: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا

стр. 4681

٤٩٦٦ - [٢٠] وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" ثَلَاثًا، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: "للَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٥]. ــ بِهِ﴾ [يوسف: ١٣]، ولم يرو البيضاوي القراءة من الإحزان ولو شاذة. ثم إن هذا يؤذن بأن العلة في النهي إيراث الحزن، لكنهم ذكروا في باعث الحزن وجهين: أحدهما: توهم تبييت رأي فيه ودسيس غائلة له، وثانيهما: التأذي من أجل الاختصاص بالتكريم، وعلى الوجه الأول حيث لا مجال لهذا التوهم لا بأس بالنجوى، حتى ذهب بعضهم [إلى] أن هذا النهي إنما هو في السفر وفي موضع لا يأمن الثالث على نفسه، وأما في الحضر وبين ظهراني العمارة فلا، وعلى الوجه الثاني ينبغي أن يكون النهي مطلقًا، ولكن لا يخفى أن هذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال أيضًا، ويدل على ذلك ما روى الطيبي أنه قد صح عن عائشة ﵂ إنا كنا أزواج النبي ﷺ عنده يومًا، فأقبلت فاطمة ﵂، فلما رأها رحّب بها، ثم سارّها، ففيه دليل على أن المسارة في الجمع حيث لا ريبة جائزة، وقد توجد العلة فيما زاد على الثلاثة أيضًا، فالتقييد بالثلاثة اتفاقي واكتفاء بالأدنى، وقد يقال: إن في الأربعة لا بأس بالتناجي، واللَّه أعلم. ٤٩٦٦ - [٢٠] (تميم الداري) قوله: (الدين النصيحة) أصل النصيحة الخلوص، ويقال: ناصح للعسل الخالص، وكل شيء خلص فقد نصح، ويراد بها إرادة الخير للمنصوح، يقال: نصحته ونصحت له، وهي تجري في كل قول أو فعل فيه صلاح صاحبه، وهي والوصية متقاربتان، كذا في (مجمع البحار) (١). وقوله: (للَّه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) والنصيحة للَّه: صحة

стр. 4682

٤٩٦٧ - [٢١] وَعَنْ جَرِيْرِ بْنِ (١) عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَّاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧، م: ٥٦]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٩٦٨ - [٢٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ ﷺ يَقُولُ: . . . . . ــ الاعتقاد في وجوده، كما هو بأسمائه وصفاته، واخلاص نيته في عبادته فيما أمر أو نهى. ولكتابه: التصديق به، والعمل بما فيه وتلاوته. ولرسوله: التصديق بنبوته وإطاعته. ولأئمتهم: أما للأمراء فبإطاعتهم في الحق وعدم الخروج وإن جاروا، وأما للعلماء فبالعمل فيما أفتوا بالحق وردوا بالصدق. ولعامتهم بإرشادهم إلى مصالح دينهم ودنياهم، ودفع الضرر عنهم، وجلب النفع إليهم، وهذا الحديث من جوامع الكلم يشتمل على علوم الأولين والآخرين إذا فصل وبين، ولو اجتمع الأولون والآخرون ما أحاطوا بتفاصيلها وفروعها. ٤٩٦٧ - [٢١] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) العبادات إما حق اللَّه أو حقوق العباد، والأولى بدنية أو مالية، فذكر منهما العمدة منهما، وأما الثانية فيشملها كلها النصح لكل مسلم، ويحتمل أنه لم يفرض في ذلك الوقت الصوم والحج، فتدبر. الفصل الثاني ٤٩٦٨ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (الصادق المصدوق) الصادق من صَدَق في

стр. 4683

"لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ". رَوَاهُ أَحْمدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ٤٢٢، ت: ١٩٢٤]. ٤٩٦٩ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ. . . . . ــ قوله، والمصدوق من صدَقه غيرُه، أي: أخبره بخبر صادق، يقال: صدق زيد عمرًا أي: أخبره بالصدق، واللَّه تعالى صدق نبيه وأخبره بأخبار صادقة، وكذلك جبرئيل صدقه. وقوله: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) النزع يكون بعد الوضع، وفيه إشارة إلى أن سلبها عن قلب أحد بعد وجودها فيه علامة الشقاوة وأشد وأغلظ، ويحتمل أن يكون من قبيل سبحان من صغّر البعوض وعظّم الفيل، وقولهم: ضيق فم البئر وإن كان بينهما تفاوتٌ مَّا، فافهم. ٤٩٦٩ - [٢٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الراحمون يرحمهم الرحمن) جمع راحم، ولم يأت بالرحماء جمع رحيم، وإن كان غالب ما ورد في الرحمة استعمال الرحيم لا الراحم؛ إيذانًا بأن الرحيم صيغة مبالغة، فلو أتى بجمعها لاقتضى الاقتصار عليه، وإنما أتى بالرحماء في خبر (إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء)؛ لأن لفظ الجلالة حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فبعد ذكره يناسب ما فيه الدلالة على كثرة الرحمة، والرحمن يدل على العفو والمبالغة فيه، علم ذلك بالاستقراء، فذكر مع الرحمن كل ذي رحمة وإن قلّت، كذا ذكر السيوطي، يريد أن ذكر اللَّه تعالى لما كان دالًّا على العظمة والكبرياء دل على الرحمة الكاملة العظيمة منه تعالى، فيكون جزاء للرحمة الكاملة من العبد، وذكر الرحمن يدل على العفو، فيكفي في استحقاقه أصل الرحمة وإن لم

стр. 4684

يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٤٩٤١، ت: ١٩٢٤]. ٤٩٧٠ - [٢٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٢١]. ٤٩٧١ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا مِنْ أَجْلِ سِنِّهِ. . . . . ــ تكن كاملة. وقوله: (يرحمكم من في السماء) أي: اللَّه تعالى، وقد ينسب ويخص أمره تعالى بكونه في السماء؛ تعظيمًا وإجلالًا لكمال سعته وعظمته، وقد يراد به الملائكة يحفظونهم بأمر اللَّه ويستغفرون لهم. ٤٩٧٠ - [٢٤] (ابن عباس) قوله: (من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا) الظاهر أن ضمير المتكلم كناية عن المسلمين، فالتخصيص لكمال العناية والاهتمام، وإلا فرحمة الصغير وتوقير الكبير في الجملة يشمل المسلمين وغيرهم من جهة الصغر والكبر، أو يقال: لا وعيد في غير المسلمين على ترك الرحمة والتوقير، بل مخصوص بهم أو كناية عن الآدميين، واللَّه أعلم. وقوله: (هذا حديث غريب) وفي بعض النسخ: (حسن غريب)، وقيل: إسناده جيد. ٤٩٧١ - [٢٥] (أنس) قوله: (من أجل سنه) أي: مع قطع النظر عن إيمانه وفضله، فهذا أيضًا يشمل الكافر.

стр. 4685

إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّهِ مَنْ يُكْرِمُهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٢٢]. ٤٩٧٢ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إكْرامَ ذِي الشَّيبةِ الْمُسْلِم، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [د: ٤٨٤٣، شعب: ٢٤٣١]. ــ وقوله: (إلا قيض اللَّه عند كبر سنه) أي: سلّط ووكّل، وفيه بشارة إلى بلوغ ذلك الشاب سن الشيخوخة. ٤٩٧٢ - [٢٦] (أبو موسى) قوله: (إن من إجلال اللَّه) أي: تعظيمه. وقوله: (إكرام ذي الشيبة المسلم) التخصيص بالمسلم إما لكمال العناية والاهتمام، أو للفرق بين التوقير والإكرام، فتدبر. وقوله: (غير الغالي فيه ولا الجافي عنه) قيل: الغالي من يبذل جهده في تجويد قراءته من غير تفكر وتدبر وعمل بما فيه، أو المسرع في القراءة فحسب لا يصحح حروفه، والجافي عنه: المعرض عن تلاوته وعمله، من التجافي بمعنى التباعد. في (الصحاح) (١): تجافى عن الفراش أي: تباعد، ومنه قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، وفي (القاموس) (٢): تجافى: لم يلزم مكانه، وقيل: الغالي: من تجاوز الحد من حيث لفظه أو معناه بتأويل باطل، والجافي عنه: المتباعد عن العمل به، ويجوز أن يقال: الغالي من اشتغل بتلاوته ولا يشتغل أصلًا، بتعلم

стр. 4686

٤٩٧٣ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِيْنَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه. [جه: ٣٦٧٩]. ٤٩٧٤ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا للَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ" وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٥/ ٢٦٥، ولم أجده في سنن الترمذي]. ــ الفقه وسائر العبادات، والجافي الذي لا يشتغل بالقرآن أصلًا، وهو قريب من المعنى الأول. ٤٩٧٣ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (يساء إليه) يؤذى بغير حق، وإن ضربه للتأديب والتعليم فليس ذلك بإساءة. ٤٩٧٤ - [٢٨] (أبو أمامة) قوله: (من مسح رأس يتيم) قال الطيبي (١): هو كناية عن الشفقة والتلطف به، ولما لم تكن الكناية منافية لإرادة الحقيقة لإمكان الجمع بينهما رتب عليه قوله: (بكل شعرة)، انتهى. والظاهر أن المراد حقيقة مسح الرأس على وجه الشفقة والتلطف، فافهم. وقوله: (تمر عليها يده) بفتح التاء وضم الميم فاعله (يده)، ويروى بضم الياء وكسر الميم، و (يده) مفعوله.

стр. 4687

٤٩٧٥ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ آوَى يَتِيمًا إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ الْبَتَّةَ إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ، وَمَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ أَوْ مِثْلَهُنَّ مِنَ الأَخَوَاتِ فَأَدَّبَهُنَّ وَرَحِمَهُنَّ حَتَّى يُغْنِيَهُنَّ اللَّهُ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّه! أَوِ اثْنتَيْنِ؟ قَالَ: "أَوِ اثْنتَيْنِ"، حَتَّى لَوْ قَالُوا: أَوْ وَاحِدَةً؟ لَقَالَ: وَاحِدَةً، "وَمَنْ أَذْهَبَ اللَّهُ بِكَرِيمَتَيْهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا كَرِيمَتَاهُ؟ قَالَ: "عَيْنَاهُ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [١٣/ ٤٤]. ٤٩٧٦ - [٣٠] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ". . . . . ــ ٤٩٧٥ - [٢٩] (ابن عباس) قوله: (ذنبًا لا يغفر) وهو الشرك. وقوله: (عال) أي: تعهد وقام بمؤنتهن. وقوله: (حتى لو قالوا) هو غاية الموافقة، أي: كان يوافقه رسول اللَّه ﷺ في هذا الباب، حتى لو قال: أو واحدة لوافقه فقال: (أو واحدة) بناء على ما وقع من أمثاله، وهذا على المذهب المختار، وهو أن الأحكام مفوضة إليه ﷺ يحكم بما يشاء، ويخص من شاء بما شاء، وأما على القول بعدم التفويض فيقال: أوحي إليه ﷺ بعد التماسهم التوسيع والترخيص، ولهذا أمثلة كثيرة في الأحاديث. وقوله: (قيل: يا رسول اللَّه! وما كريمتاه؟ قال: عيناه) في (القاموس) (١): كريمتك: أنفك، وكل جارحة شريفة، كالأذن واليد، والكريمتان: العينان. ٤٩٧٦ - [٣٠] (جابر بن سمرة) قوله: (لأن يؤدب الرجل) يعني ولو بالضرب

стр. 4688

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَناصِحٌ الرَّاوِي عِنْدَ أَصْحَابِ الحَدِيثِ بِالْقَوِيِّ. [ت: ١٩٥١]. ٤٩٧٧ - [٣١] وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ مِنْ نُحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ"، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا عِنْدِي حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. [شعب: ١٥٥٣، ت: ١٩٥٢]. ــ والإيلام، واللَّه أعلم. ٤٩٧٧ - [٣١] (أيوب بن موسى) قوله: (من نحل) في (الصراح) (١): نحل بالضم: عطية دادن، وفي (القاموس) (٢): النحل بالضم مصدر نحلة: أعطاه، والاسم النحلة بالكسر، ويضم، وكبشرى: العطية. وقوله: (وقال الترمذي: هذا عندي حديث مرسل) اعلم أن هذا الإسناد كإسناد عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحكموا عليه بأنه إما مرسل أو منقطع؛ فإن عمرو ابن شعيب [هو] ابن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فإن كان (جده) راجعًا إلى عمرو فأبوه، أعني شعيبًا عن أبيه، وهو محمد جد عمرو، فالحديث مرسل؛ لأن محمدًا تابعي، وإن كان راجعًا إلى أبيه فشعيب عن جده وهو عبد اللَّه بن عمرو، وهو لم يدركه، فالحديث منقطع، ولهذا لا يوجد في الصحيحين حديث بهذا الإسناد، وهذا البيان قد مر سابقًا، وما نحن فيه كذلك، فإن أيوب هو ابن موسى بن عمرو بن سعيد ابن العاص، وسعيد بن العاص صحابي أخو عمرو بن العاص؛ فإن كان مرجع

стр. 4689

٤٩٧٨ - [٣٢] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بْنُ ذُرَيْعٍ إِلَى الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، "امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، ــ ضمير (جده) أيوب، وهو عمرو بن سعيد، وهو تابعي، فيكون مرسلًا، وإن كان جد أبيه، وهو سعيد، صحابي، فإن صح سماع موسى عن جده عن سعيد بن العاص صار الحديث مسندًا، وإلا فمنقطع، فلعل الترمذي على أن ضمير (جده) لأيوب، وهو تابعي، فالحديث مرسل، لكن الطيبي (١) قال: إنه هو روى الحديث في (جامع الأصول) (٢): عن سعيد بن العاص، فالظاهر أن عمرًا سمع من أبيه سعيد بن العاص، فتدبر. ٤٩٧٨ - [٣٢] (عوف بن مالك) قوله: (امرأة سفعاء) السفعة بضم السين المهملة: نوع من السواد ليس بالكئير، وقيل: هو سواد مع لون آخر، وفي (الصحاح) (٣): سواد مشرب بالحمرة، أراد أنها بذلت نفسها وتركت الزينة والترفه حتى تغير لونها واسودّ لما تكابدها من المشقة والضنك إقامةً على ولدها بعد وفاة زوجها، ولم يرد أنها كانت من أصل الخلقة كذلك، لقوله: (ذات منصب وجمال). وقوله: (امرأة آمت) عطف بيان لـ (امرأة سفعاء)، أو بدل منها، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه امرأة، و (آمت) بالمدّ وتخفيف الميم، أي: صارت أيمًا، أي:

стр. 4690

حبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٤٩]. ٤٩٧٩ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا، وَلَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا -يَعْنِي الذُّكُورَ- أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٤٦]. ٤٩٨٠ - [٣٤] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنِ اغْتِبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ فَنَصَرَهُ نَصَرَه اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ أَدْركَهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١٣/ ١٠٧]. ــ بلا زوج. وقوله: (حبست نفسها على يتاماها) أي: تركت التزوج بزوج آخر واشتغلت بتعهد أطفالها (حتى بانوا) أي: انقطعوا عنها وانفصلوا بالكبر ولبلوغ، واستبدوا بالقوة والعقل والرشد؛ فإن الولد ما لم يكبر فهو ملتزق بأمه ومتصل بها غير بائن عنها. ٤٩٧٩ - [٣٣] (ابن عباس) قوله: (فلم يئدها) أي: لم يدفنها حية. وقوله: (ولم يؤثر) من الإيثار، (ولده) يعني الذكور، وإنما ذكر الولد باعتبار جهلهم أن الابن هو الولد في زعم الجاهلين، والأنثى ليس في عداد الأولاد، فافهم. ٤٩٨٠ - [٣٤] (أنس) قوله: (أدركه اللَّه) أي: خذله وانتقم منه بسبب عدم النصر عند القدرة، واللَّه أعلم.

стр. 4691

٤٩٨١ - [٣٥] وَعَنْ أسماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِالْمَغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٧٢٣٦]. ٤٩٨٢ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمِ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣٥٢٨]. ٤٩٨٣ - [٣٧] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ. . . . . ــ ٤٩٨١ - [٣٥] (أسماء بنت يزيد) قوله: (من ذب عن لحم أخيه) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢]، وقوله: ﴿مَيْتًا﴾ لكمال المبالغة، أو أنه لما تناول عرضه كأنه أهلكه وأماته فيأكل لحمه، فافهم. وقوله: (بالمغيبة) إما متعلق (بذب) فيكون بمعنى الغَيبة بفتح الغين، وإما متعلق بـ (لحم) بتقدير أكل فيكون بمعنى الغيبة بكسر الغين. ٤٩٨٢ - [٣٦] (أبو الدرداء) قوله: (ثم تلا) استشهاد على قوله: (إلا كان حقًا على اللَّه)، وفيه: أن المؤمن والمسلم واحد. ٤٩٨٣ - [٣٧] (جابر) قوله: (يخذل امرأ) أي: يترك نصره ولا يمنع من اغتيابه ونحو ذلك.

стр. 4692

يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ [فِيهِ] مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨٤]. ٤٩٨٤ - [٣٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْؤُدَةً". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [حم: ٤/ ١٤٧، ت: ١٩٣٠]. ــ وقوله: (ينتهك فيه حرمته) انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل، كذا في (الصحاح) (١). وقوله: (في موطن يحب فيه نصرته) وفي (المصابيح): (في موضع) بدل (في موطن). ٤٩٨٤ - [٣٨] (عقبة بن عامر) قوله: (من رأى عورة) العورة: ما يجب سترها من الأعضاء وما يكره الإنسان ظهوره، ويستحيي من كشفه من العيوب والنقائض، وهذا هو المراد في الحديث. وقوله: (كان كمن أحيا موؤدة) أي: مدفونة حية، بأن أخرجها من القبر. ووجه التشبيه أن من اطلع على عيبه وقبحه قد يختار الموت على اطلاع الغير عليه، وهو في حكم الميت لما يلحقه من الحياء والخجالة، فإذا ستره عليه أحد فقد رفع عنه تلك الخجالة التي هي بمثابة الموت، فكأنه أحياه وأخرجه من القبر.

стр. 4693

٤٩٨٥ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَدُكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ، فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْ عَنْهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلأَبِي دَاوُدَ: "الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ". [ت: ١٩٢٩، د: ٤٩١٨]. ــ وقال الطيبي (١): يمكن أن يقال: إن وجه التشبيه ارتكاب الأمر العظيم كإحياء الموؤدة، فإنه أمر عظيم فشبه به؛ لأن من أراد أن يستر عيب مؤمن وعرضه إذا تصور أنه أحيا الموؤدة عظم عنده ستر عورة المؤمن، فيتحرى فيه ويبذل جهده، انتهى. ولا يخفى أن هذا الوجه لا يوجب التشبيه بإحياء الموؤدة على الخصوص؛ فإن الأمور العظيمة كثيرة، فالوجه الأول هو الأقرب، واللَّه أعلم. ٤٩٨٥ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن مرآة المؤمن) أي: يريه ما فيه من العيوب بإعلامه بها وتنبيهه عليها، كالمرآة تري كل ما في وجه الشخص ولو كان أدنى شيء، فالمؤمن يطلع على عيوبه بإعلام مؤمن آخر، كما يطلع على قبائح وجهه بالنظر في المرآة، فينبغي للمؤمن أن يميط الأذى والعيب عنه، ويشتغل بإصلاح حاله بأي وجه، كما قال رويم: لا يزال الصوفية بخير ما تنافروا؛ فإذا اصطلحوا هلكوا، وأيد هذا المعنى بقوله: (والمؤمن أخو المؤمن) أي: ناصحه ومعاضده (يكف عنه ضيعته) أي: تَلَفَه وخسرانه، والضيعة: مرة من الضياع، (ويحوطه من ورائه) أي: ضرره وهلاكه، وقد يقال في معنى (المؤمن مرآة المؤمن): إن المسلم إذا رأى عيبًا ونقصانًا في مسلم آخر ينبغي أن يحمل على أن هذا عيبه ونقصانه يرى فيه، فينتبه ويرجع إلى نفسه فيقوم في مقام إزالته وإصلاح حاله، وهذا معنى صحيح دقيق، ولكن سوق الحديث

стр. 4694

٤٩٨٦ - [٤٠] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِهَ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨٣]. ٤٩٨٧ - [٤١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٤٤، دي: ٢٤٨١]. ــ ينافي هذا المعنى، وما ذكرنا هو الذي بيّنه الشراح. ٤٩٨٦ - [٤٠] (معاذ بن أنس) قوله: (من حمى مؤمنًا من منافق) في الحواشي: أي: منافق مغتاب أو ظالم، والظاهر هو الأول، وعنوان المنافق دال عليه؛ لأن حاله الاغتياب ومخالفة الغيبة والحضور، وأيضًا قوله: (بعث اللَّه ملكًا يحمي لحمه) يناسبه؛ لأنه لما حمى المؤمن عن الاغتياب الذي في حكم أكل اللحم فقد حمى لحمه، فيناسب حماية لحمه من النار، ويمكن أن يقال: إنه إنما قال: يحمي لحمه للمبالغة في الحفظ والحماية عن النار؛ لأن النار إنما تحرق وتأكل اللحم، ثم تصل إلى العظم، فإذا حمى لحمه فقد حماه حماية تامة كاملة. وقوله: (حتى يخرج مما قال) أي: حتى ينقى ويطهر من ذنبه ذاك، إما بإرضاء خصمه أو تعذيبه بقدر ذنبه. ٤٩٨٧ - [٤١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (خيرهم لصاحبه) بنصيحته وعدم اغتيابه، وأمانته لأسراره، ورعاية سائر حقوق الصحبة والجوار.

стр. 4695

٤٩٨٨ - [٤٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ للنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ إِذَا أَحْسَنْتُ أَوْ إِذَا أَسَأْتُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ يَقُولُونَ: قَدْ أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ. [جه: ٤٢٢٣]. ٤٩٨٩ - [٤٣] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٤٢]. ــ ٤٩٨٨ - [٤٢] (ابن مسعود) قوله: (إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت فقد أحسنت) الحديث، ينبغي أن يقيد بكون الجيران من أهل الحق والإنصاف غير مفرطين في المحبة والعداوة، كما قالوا مثل ذلك في حديث: (من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار، أنتم شهداء اللَّه في الأرض) (١)، وذلك ظاهر، ويجوز أن يجعل هذا كناية عن الإحسان إلى الجيران. ٤٩٨٩ - [٤٣] (عائشة) قوله: (أنزلوا الناس منازلهم) أي: أكرموا كل شخص على حسب فضله وشرفه، ولا تسووا بين الوضيع والشريف والخادم والمخدوم من غير تحقير للفقراء بما يؤذيهم. روي عن عائشة ﵂ كانت جالسة وعندها طعام كل منه، فإذا فقير سأل، فأرسلت عليه كسرة من خبز، ثم مرّ بها راكب فأرسلت إليه أن الطعام حاضر فأت إن كانت لك رغبة، قيل لها: ما هذا التفاوت بين المؤمنين؟ فقالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (أنزلوا الناس منازلهم)، كذا في (إحياء العلوم) (٢) أو كما قال.
следующие страницы →