يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ [فِيهِ] مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨٤].
٤٩٨٤ - [٣٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْؤُدَةً". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [حم: ٤/ ١٤٧، ت: ١٩٣٠].
ــ
وقوله: (ينتهك فيه حرمته) انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل، كذا في (الصحاح) (١).
وقوله: (في موطن يحب فيه نصرته) وفي (المصابيح): (في موضع) بدل (في موطن).
٤٩٨٤ - [٣٨] (عقبة بن عامر) قوله: (من رأى عورة) العورة: ما يجب سترها من الأعضاء وما يكره الإنسان ظهوره، ويستحيي من كشفه من العيوب والنقائض، وهذا هو المراد في الحديث.
وقوله: (كان كمن أحيا موؤدة) أي: مدفونة حية، بأن أخرجها من القبر.
ووجه التشبيه أن من اطلع على عيبه وقبحه قد يختار الموت على اطلاع الغير عليه، وهو في حكم الميت لما يلحقه من الحياء والخجالة، فإذا ستره عليه أحد فقد رفع عنه تلك الخجالة التي هي بمثابة الموت، فكأنه أحياه وأخرجه من القبر.
стр. 4693
٤٩٨٥ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَدُكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ، فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْ عَنْهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلأَبِي دَاوُدَ: "الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ". [ت: ١٩٢٩، د: ٤٩١٨].
ــ
وقال الطيبي (١): يمكن أن يقال: إن وجه التشبيه ارتكاب الأمر العظيم كإحياء الموؤدة، فإنه أمر عظيم فشبه به؛ لأن من أراد أن يستر عيب مؤمن وعرضه إذا تصور أنه أحيا الموؤدة عظم عنده ستر عورة المؤمن، فيتحرى فيه ويبذل جهده، انتهى.
ولا يخفى أن هذا الوجه لا يوجب التشبيه بإحياء الموؤدة على الخصوص؛ فإن الأمور العظيمة كثيرة، فالوجه الأول هو الأقرب، واللَّه أعلم.
٤٩٨٥ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن مرآة المؤمن) أي: يريه ما فيه من العيوب بإعلامه بها وتنبيهه عليها، كالمرآة تري كل ما في وجه الشخص ولو كان أدنى شيء، فالمؤمن يطلع على عيوبه بإعلام مؤمن آخر، كما يطلع على قبائح وجهه بالنظر في المرآة، فينبغي للمؤمن أن يميط الأذى والعيب عنه، ويشتغل بإصلاح حاله بأي وجه، كما قال رويم: لا يزال الصوفية بخير ما تنافروا؛ فإذا اصطلحوا هلكوا، وأيد هذا المعنى بقوله: (والمؤمن أخو المؤمن) أي: ناصحه ومعاضده (يكف عنه ضيعته) أي: تَلَفَه وخسرانه، والضيعة: مرة من الضياع، (ويحوطه من ورائه) أي: ضرره وهلاكه، وقد يقال في معنى (المؤمن مرآة المؤمن): إن المسلم إذا رأى عيبًا ونقصانًا في مسلم آخر ينبغي أن يحمل على أن هذا عيبه ونقصانه يرى فيه، فينتبه ويرجع إلى نفسه فيقوم في مقام إزالته وإصلاح حاله، وهذا معنى صحيح دقيق، ولكن سوق الحديث
стр. 4694
٤٩٨٦ - [٤٠] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِهَ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨٣].
٤٩٨٧ - [٤١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٤٤، دي: ٢٤٨١].
ــ
ينافي هذا المعنى، وما ذكرنا هو الذي بيّنه الشراح.
٤٩٨٦ - [٤٠] (معاذ بن أنس) قوله: (من حمى مؤمنًا من منافق) في الحواشي: أي: منافق مغتاب أو ظالم، والظاهر هو الأول، وعنوان المنافق دال عليه؛ لأن حاله الاغتياب ومخالفة الغيبة والحضور، وأيضًا قوله: (بعث اللَّه ملكًا يحمي لحمه) يناسبه؛ لأنه لما حمى المؤمن عن الاغتياب الذي في حكم أكل اللحم فقد حمى لحمه، فيناسب حماية لحمه من النار، ويمكن أن يقال: إنه إنما قال: يحمي لحمه للمبالغة في الحفظ والحماية عن النار؛ لأن النار إنما تحرق وتأكل اللحم، ثم تصل إلى العظم، فإذا حمى لحمه فقد حماه حماية تامة كاملة.
وقوله: (حتى يخرج مما قال) أي: حتى ينقى ويطهر من ذنبه ذاك، إما بإرضاء خصمه أو تعذيبه بقدر ذنبه.
٤٩٨٧ - [٤١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (خيرهم لصاحبه) بنصيحته وعدم اغتيابه، وأمانته لأسراره، ورعاية سائر حقوق الصحبة والجوار.
стр. 4695
٤٩٨٨ - [٤٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ للنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ إِذَا أَحْسَنْتُ أَوْ إِذَا أَسَأْتُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ يَقُولُونَ: قَدْ أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ. [جه: ٤٢٢٣].
٤٩٨٩ - [٤٣] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٤٢].
ــ
٤٩٨٨ - [٤٢] (ابن مسعود) قوله: (إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت فقد أحسنت) الحديث، ينبغي أن يقيد بكون الجيران من أهل الحق والإنصاف غير مفرطين في المحبة والعداوة، كما قالوا مثل ذلك في حديث: (من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار، أنتم شهداء اللَّه في الأرض) (١)، وذلك ظاهر، ويجوز أن يجعل هذا كناية عن الإحسان إلى الجيران.
٤٩٨٩ - [٤٣] (عائشة) قوله: (أنزلوا الناس منازلهم) أي: أكرموا كل شخص على حسب فضله وشرفه، ولا تسووا بين الوضيع والشريف والخادم والمخدوم من غير تحقير للفقراء بما يؤذيهم.
روي عن عائشة ﵂ كانت جالسة وعندها طعام كل منه، فإذا فقير سأل، فأرسلت عليه كسرة من خبز، ثم مرّ بها راكب فأرسلت إليه أن الطعام حاضر فأت إن كانت لك رغبة، قيل لها: ما هذا التفاوت بين المؤمنين؟ فقالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (أنزلوا الناس منازلهم)، كذا في (إحياء العلوم) (٢) أو كما قال.
стр. 4696
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٩٩٠ - [٤٤] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ يَوْمًا فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَذَا؟ " قَالُوا: حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْ يُحِبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَلْيَصْدُقْ حَدِيثَهُ إِذَا حَدَّثَ، وَلْيُؤَدِّ أَمَانَتَهُ إِذَا أُؤْتُمِنَ، وَلِيُحْسِنَ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَهُ".
٤٩٩١ - [٤٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ". . . . .
ــ
الفصل الثالث
٤٩٩٠ - [٤٤] (عبد الرحمن) قوله: (وعن عبد الرحمن بن أبي قراد) بضم القاف.
وقوله: (يتمسحون بوضوئه) قد سبق أن الصحابة كانوا يقتتلون على وضوء رسول اللَّه ﷺ ؛ فإن لم يجد أحد يأخذ بللًا من يد الآخر ويتمسح به.
وقوله (فليصدق حديثه. . . إلخ)، أي: يهتم ويعتني فيما يشق على النفس من رعاية التقوى خصوصًا في معاملة النفس والخلق، وأما التمسح بالوضوء وأمثاله فلا عبرة ذلك بدون تحقق التقوى، ويحتمل أنه ﷺ وجد فيمن فعلوا ذلك شيئًا من عدم الاهتمام في هذه الأمور، فنبه على ذلك، وهذا هو وجه التخصيص بذكر هذه الأمور كما قيل مثل ذلك في أحاديث: (أفضل الأعمال) و (أفضل الإسلام)، ذكر لكل أحد من خصائل مخصوصة من الإيمان ما لم يذكر لغيره، فتدبر.
٤٩٩١ - [٤٥] (ابن عباس) قوله: (بالذي يشبع وجاره جائع) يكون هذا مقيدًا
стр. 4697
رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ١٤٤٠، ٣١١٧].
٤٩٩٢ - [٤٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فُلَانَةَ تُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: "هِيَ فِي النَّارِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّ فُلَانَةَ تُذْكَرُ قِلَّةَ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِيْ بِلِسَانِهَا جِيرَانها، قَالَ: "هِيَ فِي الْجَنَّةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٢/ ٢٤٠، شعب: ٩٠٩٩].
٤٩٩٣ - [٤٧] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عَلَى ناسٍ جُلُوسٍ فَقَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟ "،
ــ
بما يفضل عن نفسه وعن من يجب عليه نفقته، وإن آثر على نفسه ورضي أهل حقوقه فذاك شيء آخر.
٤٩٩٢ - [٤٦] (أبو هريرة) قوله: (إن فلانة تذكر) على بناء المفعول، وفيه ضمير لفلانة، و (من) أجلية، أي: هي مذكورة ومشهورة بين الناس من أجل (كثرة صلاتها وصيامها)، كذا قال الطيبي (١)، ويجوز أن يكون التقدير: إن فلانة تذكر من صيامها وصلاتها أشياء كثيرة، فتكون (من) بيانية.
وقوله: (تذكر قلة صيامها) بنزع الخافض، و (الأثوار) جمع ثور، بمعنى القطعة من الأقط.
٤٩٩٣ - [٤٧] (أبو هريرة) قوله: (من شركم) ضمن الإخبار معنى التمييز
стр. 4698
قَالَ: فَسَكَتُوا، فَقَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا، فَقَالَ: "خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ"، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٦٦٣، شعب: ١٠٧٥٥].
٤٩٩٤ - [٤٨] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُوُلُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أرزَاقَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا مَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ،
ــ
فعداه بـ (من).
وقوله: (خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره. . . إلخ)، وأما من لا يرجى خبره ويؤمن شره، أو لا يؤمن شره ويرجى خبره فليس هو خيرًا مطلقًا لا شرًّا مطلقًا، بل خير من وجه وشر من وجه بين بين، ولم يذكر هذين القسمين للعلم بالمقايسة.
٤٩٩٤ - [٤٨] (ابن مسعود) قوله: (حتى يسلم قلبه ولسانه) كأنه إشارة إلى التصديق والإقرار، وإنما نفى الإيمان عمن لا يأمن جاره مبالغة، كأنه داخل في حقيقة الإيمان الذي هو التصديق، ويمكن أن يقال: إن معنى الإيمان في الأصل جعل المخبر آمنًا، فيناسبه جعل الجار آمنًا، وقال بعض الشارحين: الإسلام على ما دلت عليه الأحاديث هو شهادة أن لا إله إلا اللَّه. . . إلخ، وهو فعل اللسان، لكنه مشروط بمواطأة
стр. 4699
وَلَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ".
٤٩٩٥ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْمُؤْمِنُ مَأْلَفٌ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ١/ ٣٨٧، ٢/ ٤٠٠، شعب: ٥١٣٦، ٧٧٦٦].
٤٩٩٦ - [٥٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَضَى لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِي حَاجَةً يُرِيدُ أَنْ يَسُرَّهُ بِهَا فَقَدْ سَرَّنِي، وَمَنْ سَرَّنِي فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ،
ــ
القلب لئلا يكون نفاقًا، فأشار بهذا الحديث إلى ذلك، وقال الطيبي (١): إسلام القلب تطهيره عن العقائد الباطلة والأخلاق الرديئة، وإسلام اللسان كفه عما يحرم وعما لا يعني، و (البوائق) الدواهي، في (القاموس) (٢): بَأَقَتْهُم الدَّاهيةُ بَؤُوقًا كصبور: أصابتهم، وفي (الصراح) (٣): بائقة: سختي، والجمع بوائق، وفي الحديث: (حتى يأمن جاره بوائقه) أي: ظلمه وغشه وغوائله وشره.
٤٩٩٥ - [٤٩] (أبو هريرة) قوله: (مألف) مصدر ميمي، أو اسم مكان، أي: المؤمن محل الألفة والمحبة آلفًا أو مألوفًا، ومحبًا أو محبوبًا، وقد منّ اللَّه تعالى على المؤمنين وعلى حبيبه ﷺ بتأليف قلوبهم في القرآن المجيد، ومدار الاجتماع على الدين والاتباع هو الألفة.
٤٩٩٦ - [٥٠] (أنس) قوله: (لأحد من أمتي) المراد أمة الإجابة.
وقوله: (فقد سرّ اللَّه) أي: أرضاه.
стр. 4700
وَمَنْ سرَّ اللَّهَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ".
٤٩٩٧ - [٥١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَغَاثَ مَلْهُوفًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ مَغْفِرَةً، وَاحِدَةٌ فِيهَا صَلَاحُ أَمِرِهِ كُلِّهِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ لَهُ دَرَجَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
٤٩٩٨، ٤٩٩٩ - [٥٢، ٥٣] وَعنهُ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى عِيَاِلِهِ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٧٢٤٧، ٧٢٦٤، ٧٠٤٦].
٥٠٠٠ - [٥٤] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارَانِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٥١].
ــ
٤٩٩٧ - [٥١] (أنس) قوله: (من أغاث ملهوفًا) في (القاموس) (١): لهف كفرح: حزن، ويالَهْفَهُ: كلمة يتحسر بها على فائت، والملهوف واللهيف واللهفان واللاهف: المظلوم المضطر يستغيث ويتحسر.
٤٩٩٨، ٤٩٩٩ - [٥٢، ٥٣] (وعنه) قوله: (الخلق عيال اللَّه) عيال الرجل: زوجته وأولاده وكل من يجب عليه نفقته ومؤنته، فاستعمال العيال هنا مجاز أو استعارة.
٥٠٠٠ - [٥٤] (عقبة بن عامر) قوله: (أول خصمين يوم القيامة جاران) استشكل بحديث: (أول ما يحاسب به العبد صلاته)، وبحديث: (أول ما يقضى بين الناس الدم)، وأجيب بأن الحديث الأول بالنسبة إلى حقوق اللَّه، والثاني بالنسبة إلى المظالم، وما نحن فيه في معاملة الخلق، فلا منافاة، كذا ذكر السيوطي في (الزجاجة على
стр. 4701
٥٠٠١ - [٥٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ: "امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأطْعِمِ الْمِسْكِينَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٢٦٣].
٥٠٠٢ - [٥٦] وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ؟ ابْنَتُكَ مَرْدُودَةً إِلَيْكَ لَيْسَ لَهَا كَاسِبٌ غَيْرُكَ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٧١١].
* * *
١٦ - باب الحب في اللَّه ومن اللَّه
ــ
ابن ماجه) (١).
٥٠٠١ - [٥٥] (أبو هريرة) قوله: (امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين) أي: تعطف عليه وأحسن إلى المساكين؛ فإن ذلك اقتحام العقبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ الآية [البلد: ١١]، فإذا فعله لان قلبه وسمحت نفسه، والعلاج بالضد.
٥٠٠٢ - [٥٦] (سراقة بن مالك) قوله: (ابنتك) أي: صدقة ابنتك التي طلقها زوجها فرجعت إلى بيت الأب، وليس لها أولاد يكتسبون وينفقون عليها.
١٦ - باب الحب في اللَّه ومن اللَّه
قال الطيبي (٢): معنى (الحب في اللَّه): الحب في ذات اللَّه وجهته لا يشوبه الرياء
стр. 4702
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٠٠٣ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٣٣٦].
ــ
والهوى، (ومن اللَّه) أي: من جهة اللَّه، أي: إذا أحبّ عبدًا أحبه لأجل اللَّه وبسببه، و (من) ههنا كما في قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]، و (في) كما في قوله تعالى: ﴿جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وهذا أبلغ حيث جعل المحبة مظروفًا، انتهى.
ولا يخفى أن هذين المعنيين قريبان بل متحدان في المآل، ولا يخلو عن تكرار سوى ما تفيده كلمة (في) من الأبلغية، وقد كتب في الحواشي أن الظاهر أن الأول إشارة إلى محبة العبد لوجه اللَّه، والثاني إلى محبة اللَّه العبد، وهذا المعنى أظهر من لفظة (من)، ولكن الأحاديث المذكورة في الباب ليست واردة في هذا المعنى سوى الحديث الثاني من (الفصل الأول)، ثم إنه كتب في نسخة بعد قوله: (الحب في اللَّه): (والبغض في اللَّه)، وليس في النسخ الأخر، والأحاديث المذكورة كثيرة فيه، وكأنه لم يذكر لفهمه عن الحب في اللَّه بالمقابلة، واللَّه أعلم.
الفصل الأول
٥٠٠٣، ٥٠٠٤ - [١، ٢] (عائشة) قوله: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) الجنود جمع جند، وهي العسكر، والمراد
стр. 4703
٥٠٠٤ - [٢] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [م: ٢٦٣٨].
٥٠٠٥ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحُبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ،
ــ
بـ (مجندة) مجتمعة على نحو قناطير مقنطرة، وفيه دليل على أن الأرواح ليست بأعراض، وعلى أنها كانت موجودة قبل الأجساد، ولا يلزم من ذلك قدمها، لكن يبطل القول بخلقها بعد تمام البدن وتسويته، إلا أن يراد بخلقها قبل البدن كذلك تقديرها كذلك، وهو مخالف لظاهر الحديث جدًّا، بل قد جاء في الحديث: (خلقت الأرواح قبل الأجساد بألفي عام)، وعلى أنها خلقت في أول خلقتها على قسمين من ائتلاف واختلاف، باعتبار موافقته في الصفات ومخالفته فيها، وأن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه، فالخير يحب الأخيار، والشر يحب الأشرار، وإن عرض عارض يقتضي خلاف ذلك فالمآل إليه، فما تعارف منها قبل التعلق بالأجساد ائتلف بعده، كمن فقد أليفه ثم اتصل به، وما تناكر قبله اختلف بعده، وهذا التعارف والتناكر إلهامات من اللَّه من غير إشعار منهم بالسابقة.
٥٠٠٥ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه إذا أحب عبدًا دعا جبريل. . . إلخ)، وقد فسر بهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].
стр. 4704
ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فَلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٣٧].
٥٠٠٦ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٦].
ــ
وقوله: (ثم ينادي في السماء: إن اللَّه يبغض) الرواية بكسر (إن) على إضمار، أي فيقول: إن اللَّه، هذا عند البصريين، أو على أن في النداء معنى القول، وهذا عند الكوفيين، كذا في بعض الحواشي (١).
٥٠٠٦ - [٤] (عنه) قوله: (المتحابون بجلالي) متعلق بالتحاب، أي: المتحابون بسببه وملاحظته، ولا حاجة إلى جعل الباء بمعنى (في)؛ لذكرها في الأحاديث الأخر؛ لأن كلا المعنيين صحيح، بل عسى أن يقال: إن (في) بمعنى الباء في تلك الأحاديث، لأن المراد معنى السببية، والمتعارف فيه هو الباء، اللهم إلا لإفادة الأبلغية المذكورة آنفًا، لكن تلك بعد ذكر (في)، وأما إذا لم تذكر فالأصل هو الباء.
وقوله: (اليوم أظلهم) إن كان متعلقًا (باظلهم) فـ (يوم) الثاني بدل عنه، وإن كان ظرفًا للفعل المقدر: في (أين) كان (أظلهم) مستأنفًا، فهو متعلق بـ (أظلهم)، ويجوز أيضًا أن يكون بدلًا من (اليوم)، فافهم.
وقوله: (في ظلي) اختلفوا في بيان المراد بـ (ظلي)، فقال بعضهم: المراد به ظل العرش، والإضافة إليه تعالى للتشريف كما جاء في حديث: (سبعة في ظل العرش)، وقيل: ظل طوبى أو الجنة، ويرده أن هذه القصة حين تدنو الشمس قبل الدخول في
стр. 4705
٥٠٠٧ - [٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٧].
ــ
الجنة، وقيل: هو عبارة عن كونه في كنفه وستره، وقيل: الظل عبارة عن الراحة والنعيم، واللَّه أعلم.
٥٠٠٧ - [٥] (عنه) قوله: (فأرصد اللَّه له على مدرجته) رصده رصدًا: رقبه، والإرصاد: الانتظار، وجعله رصدًا، أي: حافظًا، ورصدت له: إذا قعدت له على طريقه ترقبه، وقوله تعالى: ﴿مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٢] أي: طريقًا عليه ممر الخلق، فالكافر يدخلها، والمؤمن يمر عليها، و ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] أي: بطريق ممرك عليه، و (المدرجة) بفتح الميم: الطريق، وفي (الصراح) (١): مدرجة: جائ رفتن وكَذشتن، والمعنى أرسل اللَّه ملكًا ينتظره في طريق كان يمر عليه.
وقوله: (قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ ) ذكر الطيبي (٢) له معنيين: أحدهما: هل أوجبت لك عليه حقًّا تذهب إليه لتربها؟ أي: تملكها وتستوفيها، فالتربية على هذا المعنى المالكية، وثانيهما: أي هل لك عليه نعمة تربها وتحفظها، وتسعى في تنميتها وإصلاحها؟ ، انتهى. وهذا المعنى للرب أشهر، ولكن المعنى الأول أوفق بالمقام؛ لأن الغالب أن الإنسان يذهب لاستيفاء حقه منه.
стр. 4706
٥٠٠٨ - [٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٦٩، م: ٢٦٤٠].
٥٠٠٩ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "وَيْلَكَ! وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ " قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: "أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ"، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا رَأَيْتُ الْمُسْلِمِينَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحَهُمْ بِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٦٧، م: ٢٦٣٩].
٥٠١٠ - [٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنافِخِ الْكِيرِ،
ــ
٥٠٠٨ - [٦] (ابن مسعود) قوله: (ولم يلحق بهم) أي: بالصحبة أو بالعمل، أي: لم يصاحبهم، أو لم يعمل بمثل ما عملوا، وقيل: أي لم يرهم.
وقوله: (المرء مع من أحب) أي: وإن لم يلحق بهم.
٥٠٠٩ - [٧] (أنس) قوله: (وما أعددت لها؟ ) أنكر عليه سؤاله لتركه السؤال عما يهمّ من فعل الحسنات، فلما قال: أحب اللَّه ورسوله حسنه وبشره بأتم بشارة، وصارت بشارة لجميع المسلمين منه ﷺ ، وجزاه عنا خير الجزاء، والمراد بالمعية المشاركة في الثواب والدرجة، والدخول في زمرته ومتابعيه.
وقوله: (فرحهم بها) أي: بهذه الكلمة، أي: (أنت مع أحببت).
٥٠١٠ - [٨] (أبو موسى) قوله: (ونافخ الكبر) في (القاموس) (١): الكير: زق
стр. 4707
فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثيابَكَ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا خَبِيثَةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٣٤، م: ٢٦٢٨].
ــ
ينفخ فيه الحداد، والجمع أكيار، وكيرة كغيبة، وكيران، وأما المبني من الطين فكور، وفي (الصراح) (١): كور كوره: آهنكَري، أكوار كيران جمع، وكير بالكسر وبالإمالة: دمئه آهنكَري، وفي (النهاية) (٢): كير الحداد هو المبني من الطين، وقيل: زق ينفخ به النار، والمبني الكور.
وقوله: (وإما أن يحذيك) أي: يعطيك، في (الصحاح) (٣): أحذيته: أعطيته، واستحذيته فأحذاني، وأحذيته من الغنيمة: أعطيته منها، [والاسم] الحُذْيَا على فعلى بالضم، وهي القسمة من الغنيمة، وفي (مجمع البحار) (٤): أحذيته إحذاء، والحذيا والحذية: العطية.
وقوله: (وإما أن تبتاع منه) أي: تشتري، والضمير في (منه) إما أن يكون راجعًا إلى الحامل ويكون مفعول (تبتاع) محذوفًا، أي: مسكًا، أو يكون راجعًا إلى المسك، أي: تبتاع من الحامل شيئًا منه، والضمير في (تجد منه) أيضًا يحتمل الاحتمالين، وفي الفقرة الثانية في قوله: (تجد منه ريحًا خبيثة) إما للنافخ أو للكير، والأمر في اختيار بعض الوجوه على بعض إليك، فتدبر.
стр. 4708
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٠١١ - [٩] وَعَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَتَّي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ". رَوَاهُ مَالِكٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ".
ــ
الفصل الثاني
٥٠١١ - [٩] (معاذ بن جبل) قوله: (يغبطهم الأنبياء والشهداء) قالوا في توجيهه: إنه قد يوجد في المفضول صفة لا توجد في الفاضل، مع اتصاف الفاضل بصفات وكمالات يمحو في جنبه أضعاف أضعاف أضعاف ما في المفضول، فيتمنى الفاضل ما في المفضول أيضًا، ليضمه إلى ما له، وذلك لشدة حرصه على الاتصاف بالكمالات وغاية شوقه إلى قرب اللَّه رافع الدرجات، وإن المراد بالغبطة الاستحسان والثناء عليهم لا معناها الحقيقي، وهو تمني مثل ما للغير، وإن الكلام على الفرض والتقدير، أي: لو كان للفريقين غبطة على أحد لكان على هؤلاء، وإن هذا في المحشر قبل أن يدخلوا الجنة ويفوزوا بنعيمها وينالوا بدرجات القرب، وقد وقع في صفة هؤلاء أنهم لا يخافون ولا يحزنون، ويكونون في أمن وفراغ، وأما غيرهم فالنبييون مهتمون بأممهم، والأمم مشتغلون بأنفسهم. هذا ملخص ما ذكروه، ولا يخفى أن لا محذور في غبطة الشهداء إياهم، وعدم نيلهم درجاتهم، فلعل قتلى محبة اللَّه يفضلون على قتلى السيف في سبيل اللَّه، واللَّه أعلم.
ثم اعلم أن المذكورين ممن أنعم اللَّه في الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] أربعة
стр. 4709
٥٠١٢ - [١٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يومَ القيامةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوِحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ" وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٢٧].
٥٠١٣ - [١١] وَرَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" عَنْ أَبِي مَالِكٍ بِلَفْظِ "الْمَصَابِيحِ" مَعَ زَوَائِدَ، وَكَذَا فِي "شُعَبِ الإِيمَان". [شرح السنة: ٣٤٦٤، شعب: ٨٥٨٥].
ــ
أقسام، فلعل عدم ذكر الصديقين لأن الصديقية تلو مرتبة النبوة، فهي في حكمها، فذكرها كذكرها، وأما الصالحون فلا محذور في تفضيل المتحابين عليهم، فلذلك لم يذكروا.
٥٠١٢، ٥٠١٣ - [١٠، ١١] (عمر) قوله: (تحابوا بروح اللَّه) بضم الراء: ما يحيا به البدن، وأريد هنا القرآن؛ لأنه سبب حياة القلب، وقد ذكر في (القاموس) (١) القرآن من معاني الروح، أو الوحي وهو من معاني الروح، والتحابب بالقرآن أو الوحي تحابب بجامع دين الإسلام، وهو تحابب في اللَّه، وقيل: المراد بالروح المحبة؛ لأنها سبب حياة القلب ونضارته، ولذلك يقال للمحبوب: أنت روحي، وقد صحح في بعض النسخ: (بروح اللَّه) بفتح الراء بمعنى الرحمة، فرَوح وريحان أي: رحمة ورزق،
стр. 4710
٥٠١٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ: "يَا بَا ذَرٍّ! أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "الْمُوَالَاةُ فِي اللَّهِ، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٩٠٦٨].
٥٠١٥ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا عَادَ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ أَوْ زَارَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٠٨].
ــ
كذا في (الصحاح) (١).
٥٠١٤ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (أيّ عرى الإيمان) جمع عروة، وهو شيء يتمسك به ويوثق، وكل ما كان مثل هذا يقال له: عروة، قال اللَّه تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وأصله من عروة الكلأ، وهو كل ما له أصل ثابت في الأرض، كذا قال عياض في (مشارق الأنوار) (٢)، ومنه عروة الأحمال والرواحل، ما تربط به وتشد، وقد يروى في حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، [وروي] (لا تشد العرى)، ومنه عروة الكوز والدلو للمقبض، واستعير لما يتمسك به في الدين من صفات الإيمان وأركانه في حصول النجاة والدرجات.
٥٠١٥ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (طبت) وقرينتاه الظاهر أنها إخبار، ويجوز الحمل على الدعاء.
стр. 4711
٥٠١٦ - [١٤] وَعَن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يْكَرِبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٥١٢٤، ت: ٢٥٠٥].
٥٠١٧ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ ناسٌ، فَقَالَ رَجُلٌ ممَّنْ عِنْدَهُ: إِنِّي لأُحِبُّ هَذَا للَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَعْلَمْتَهُ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ إِلَيْهِ فَأَعْلِمْهُ"، فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكَ مَا احْتَسَبْتَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ". [شعب: ٨٥٩٦، ت: ٢٣٩٣].
ــ
٥٠١٦ - [١٤] (المقدام بن معد يكرب) قوله: (فليخبره أنه يحبه) لما فيه من استمالة القلب وزيادة المحبة ورعاية حقوقها ولوازمها من الجانبين.
٥٠١٧ - [١٥] (أنس) قوله: (أحبك الذي أحببتني له) يؤخذ منه أنه إذا قال أحد لغيره: إني أحبك، يستحب أن يقول: أحبك اللَّه، وعلى هذا جرت عادة العرب.
وقوله: (ولك ما احتسبت) الاحتساب: طلب الحسبة، والحسبة اسم منه، وأيضًا الحسبة: الأجر، كذا في (القاموس) (١)، وأصله من الحساب؛ لأنه يعده للثواب، وقوله: (وله ما اكتسب) فإن اكتسب في محبته الإخلاص لوجه اللَّه والتجنب عن السمعة والرياء فله ذلك.
стр. 4712
٥٠١٨ - [١٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٣٩٧، د: ٤٨٣٢، دي: ٢١٠١].
٥٠١٩ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ"، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. [حم: ٢/ ٣٠٣، ت: ٢٣٧٨، شعب: ٨٩٩٠].
ــ
٥٠١٨ - [١٦] (أبو سعيد) قوله: (إلا مؤمنًا) أي: لا كافرًا، أو مؤمنًا صالحًا لا فاسقًا، وهو الأنسب بقرينة قوله: (لا يأكل طعامك إلا تقي) أي: ليكن طعامك حلالًا ليكون قابلًا لأكل المتقي، ونقل الطيبي أن هذا في طعام الدعوة والضيافة دون طعام الحاجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، ومعلوم أن أسراءهم كانوا كافرين.
٥٠١٩ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (المرء على دين خليله) إشارة إلى تأثير صحبته وسراية صفاته إليه، وإنما قال: على دين خليله؛ لأن مجرد الصحبة مع إنكار وتوحش في الباطن لا يؤثر في السراية المذكورة، وقد جرب ذلك، ومع ذلك لا يخلو عن ضرر وإن لم يتخذه دينًا، نسأل اللَّه العافية.
وقوله: (وقال النووي: إسناده صحيح) مقصود المؤلف دفع توهم من توهم أن هذا الحديث موضوع، وهذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على (المصابيح)، وقال: إنه موضوع، وقال الحافظ ابن حجر في رده عليه:
стр. 4713
٥٠٢٠ - [١٨] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَمِمَّنْ هُوَ؟ فَإِنَّهُ أَوْصَلُ لِلْمَوَدَّةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٩٢].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٠٢١ - [١٩] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَتَدْرُونَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ " قَالَ قَائِلٌ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ. وَ (١) قَالَ قَائِلٌ: الْحِهَادُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ". . . . .
ــ
قد حسنه الترمذي، وصححه الحاكم، كذا قال السيوطي (٢).
٥٠٢٠ - [١٨] (يزيد) قوله: (وعن يزيد بن نعامة) بضم النون وعين مهملة كذا في (المغني) (٣).
وقوله: (فليسأله) وفي بعض النسخ: (فليسائله)، وهو الأصح.
وقوله: (وممن هو) أي: من أيّ قبيلة ومن أيّ جماعة من الناس.
الفصل الثالث
٥٠٢١ - [١٩] (أبو ذر) قوله: (إن أحب الأعمال إلى اللَّه تعالى الحب في اللَّه والبغض في اللَّه) قال الطيبي (٤): لأن من أحب في اللَّه أحب أنبياءه وأولياءه، ولا بد
стр. 4714
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الْفَصْلَ الأَخِيْرَ. [حم: ٥/ ١٤٦، د: ٤٥٩٩].
٥٠٢٢ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَحَبَّ عَبْدٌ عَبْدًا للَّهِ إِلَّا أَكْرَمَ رَبَّهُ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٥٩].
٥٠٢٣ - [٢١] وَعَن أَسمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "خِيَارُكُمُ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوْا ذُكِرَ اللَّه". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه. [جه: ٤١١٩].
٥٠٢٤ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ عَبْدَيْنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ وَاحِدٌ فِي الْمَشْرِقِ وَآخَرُ فِي الْمَغْرِبِ. . . . .
ــ
أن يتبعهم ويطيع أمرهم، ومن أبغض فيه يبغض أعداءه ويجاهدهم، فالعمدة الحب في اللَّه والبغض في اللَّه، انتهى. وقد يقال: إن الأحبية لا تستلزم الأفضلية، فليكن الصلاة والزكاة والجهاد أفضل عند اللَّه، ويكون الحب في اللَّه والبغض في اللَّه أحب، وقد يقال مثل هذا في مسألة أفضلية الأصحاب بينهم، فتدبر.
٥٠٢٢ - [٢٠] (أبو أمامة) قوله: (إلا كرم ربه) لأنه لما أحبه لحبه فقد امتثل أمر اللَّه تعالى وأحبه أشد حبًّا وأكمله؛ لأن كمال الحب أن يسري من المحبوب إلى متعلقاته.
٥٠٢٣ - [٢١] (أسماء بنت يزيد) قوله: (ألا أنبئكم بخياركم) هذه اللفظة تحتمل أن تكون (ألا) حرف التنبيه، و (أنبئكم) جملة مستقلة، وأن يكون المجموع صيغة العرض، ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام و (لا) نافية، وهذا المراد هنا بقرينة (بلى) في جوابه؛ لأنه إنما يكون لإيجاب ما بعد النفي.
٥٠٢٤ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (واحد في المشرق وآخر في المغرب) يعني
стр. 4715
لَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: هَذَا الَّذِي كُنْتَ تُحِبُّهُ فِيَّ".
٥٠٢٥ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مِلَاكِ هَذَا الأَمْرِ الَّذِي تُصِيبُ بِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ عَلَيْكَ بِمَجَالِسِ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَإِذَا خَلَوْتَ فَحَرِّكْ لِسَانَكَ مَا اسْتَطَعْتَ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَأَحِبَّ فِي اللَّهِ، وَأَبْغِضْ فِي اللَّهِ، يَا بَا رَزِينٍ! هَلْ شَعَرْتَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ زَائِرًا أَخَاهُ شَيَّعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ: رَبَّنَا إِنَّهُ وَصَلَ فِيكَ فَصِلْهُ؟ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُعْمِلَ جَسَدَكَ فِي ذَلِك فَافْعَلْ".
٥٠٢٦ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَعُمُدًا مِنْ يَاقُوتٍ. . . . .
ــ
أن الأصل الحب الروحاني لا القرب المكاني.
٥٠٢٥ - [٢٣] (أبو رزين) قوله: (ملاك هذا الأمر) أي: أمر الدين، في (القاموس) (١): ملاك الأمر بالفتح ويكسر: قوامه الذي يملك به، وفي (الصحاح) (٢): ملاك الأمر بالفتح والكسر: ما يتقوم به، ويقال: القلب ملاك الجسد.
وقوله: (شيعه سبعون ألف ملك) يقال: شايع فلانًا وشيعه: تابعه، وشيعة الرجل: أتباعه، وفي (الصراح) (٣): مشايعت دري رسيدن كسى را.
وقوله: (تعمل) بضم التاء وكسر الميم.
٥٠٢٦ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (إن في الجنة لعمدًا) بضم العين والميم جمع
стр. 4716
عَلَيْهَا (١) غُرَفٌ مِنْ زَبَرْجَدٍ، لَهَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ تُضِيءُ كَمَا يُضِيءُ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ يَسْكُنُهَا؟ قَالَ: "الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ، وَالْمُتَجَالِسُونَ فِي اللَّهِ، وَالْمُتَلَاقُونَ فِي اللَّهِ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٨٦٠٦، ٨٦٠٨، ٨٥٨٩].
* * *
١٧ - باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
ــ
عمود، وقد يجيء على وزن أعمدة وعمد بفتحتين، كذا في (القاموس) (٢).
وقوله: (غرف) بضم الغين وفتح الراء: المنازل الرفيعة، واحده غرفة بالضم والسكون.
وقوله: (الكوكب الدري) في (القاموس) (٣): كوكب دري: مضيء، ويثلث.
١٧ - باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
في (الصراح) (٤): هجر: جدائي كردن، تهاجر بريدن، في (القاموس) (٥): هجره هجرًا بالفتح، هجرانًا بالكسر، ويتهاجران: يتقاطعان، والاسم: الهجرة، فقوله: (والتقاطع) عطف تفسيري، والمتبادر من العبارة أن تكون (من) في قوله: (من التهاجر)
стр. 4717
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٠٢٧ - [١] عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا،
ــ
بيانيةً، والأَولى أن تكون تبعيضية؛ لأن المنهي عنه بعضه لا كلّه؛ لأن ما كان فيه مصلحة لا ينهى كما سنبيّن، و (العورات) جمع عورة، وهو كل أمر يستحي منه الإنسان، ويكره ظهوره من العيوب، ويحب ستره.
الفصل الأول
٥٠٢٧ - [١] (أبو أيوب الأنصاري) قوله: (يهجر أخاه) أي: المسلم إذا كان على شريطة الأخوة، وأما إن خالف هذه الشريطة جاز هجرانه.
وقوله: (فوق ثلاث ليال) يفهم منه إباحة ذلك في الثلاث، وهو من الرفق والترخص؛ لأن الآدمي في طبعه من الغضب وسوء الخُلق ونحو ذلك ما لا يطيق تحمل المكروه، والغالب أنه يزول أو يقل في الثلاث، والمراد حرمة الهجران إذا كان الباعث عليه وقوع تقصير في حقوق الصحبة والأخوة، وآداب العشرة، كاغتياب وترك نصيحته، ووَجد على صاحبه، وأما ما كان من جهة الدين والمذهب فهجران أهل البدع والأهواء واجب إلى وقت ظهور التوبة والرجوع إلى الحق، ومن خاف من مكالمة أحد وصلته ما يفسد عليه دينه، أو يدخل مضرة في دنياه يجوز له مجانبته والبعد عنه، ورب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية، كذا ذكر السيوطي في حاشية (الموطأ) (١).
стр. 4718
وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأ بِالسَّلَامِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٧٧، م: ٢٥٦٠]
٥٠٢٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِن الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا،
ــ
ولما خاف ﷺ الثفاق على المتخلفين من غزوة تبوك: كعب بن مالك وصاحبيه، أمر الصحابة وأقرباءهم ونساءهم بهجرانهم خمسين يومًا إلى أن تاب اللَّه تعالى عليهم، ونقل من (إحياء العلوم) (١) عن جماعة من السلف من الصحابة وغيره هجران بعضهم بعضًا مدة العمر إلى أن ماتوا، وهاجر ﷺ نساءه شهرًا، وهجرت عائشة ابنَ الزبير ﵃ مدة، وهجر أحمد بن حنبل الحارثَ المحاسبيَّ عند تصنيفه فى علم الكلام وغير ذلك، ولا أقل من ذلك، وينبغي أن تكون النية في ذلك صحيحة خالصة.
وقوله: (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) فيه حث على إزالة الهجران، وأن السلام يكفي في ذلك، ولا أقل من ذلك.
٥٠٢٨ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (ولا تحسسوا ولا تجسسوا) الأول بالحاء المهملة والثانية بالجيم، أو بالعكس، كذا قال الكرماني (٢)، والموجود فى النسخ هو الأول، وقد ذكروا الفرق بينهما بوجوه. قال في (القاموس) (٣) في الجيم: الجس: تفحص الأخبار، كالتجسس، ومنه: الجاسوس، والجَسِيس، لصاحب سِرِّ الشَّرِ، وقال في فصل الحاء: والحاسوس: الجاسوس، أو هو في الخير، وبالجيم فى الشر، وقال في (مجمع البحار) (٤): هو بالجيم: التفتيش عن بواطن الأمور فى الشر غالبًا،
стр. 4719
وَلَا تَنَاجَشُوا،
ــ
والجاسوس: صاحب سر الشر، انتهى.
وقيل: بالجيم أن يطلبه لغيره، وبالحاء لنفسه.
وقال الطيبي (١): الأول التفحص عن عورات الناس وبواطن أمورهم بنفسه أو بغيره، والثاني: أن يتولى ذلك بنفسه، وقيل: بالجيم: البحث عن العورات، وبالحاء: الاستماع، وقيل: بمعنى واحد في تطلب معرفة الأخبار، انتهى. والصواب إثبات الفرق بينهما لظاهر الحديث، ولكنهما يشتركان في معنى تطلب معرفة الأخبار، وقيل: بالجيم: تعرف الخبر بتلطف، وبالحاء طلبه بحاسة كاستراق السمع، وإبصار الشيء خفية، وقيل: الأول في الشر، والثاني يعم الخير والشر، ووجه النهي عن تطلع الأخبار إذا كان في خير أنه لو اطلع على خير أحد ربما يحصل له حسد وتمني زواله، أو طمع في ماله ونحو ذلك.
وقوله: (ولا تناجشوا) أصل النجش بسكون الجيم: تنفير الوحش وإثارته من مكانه، والنجش في البيع: هو أن يمدح السلعة لينفقها ويروجها، أو يزيد في الثمن ولا يريد شراءها ليقع غيره فيها، وجيء بالتفاعل لأن التجار يتعارضون فيفعل هذا بصاحبه على أن يكافئه بمثله، وروي: (الناجش آكل الربا) أي: يشبهه، والأول هو المراد في الحديث، ويحتمل إرادة ذم بعض بعضًا، كذا في (مجمع البحار) (٢)، وقال الطيبي (٣):
стр. 4720
وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا". . . . .
ــ
التناجش: أن يزيد هذا على ذاك، وذاك على هذا، والنجش: دفع الثمن، وقيل: المراد في الحديث النهي عن إغراء بعضهم بعضًا على الشر والخصومة.
وقوله: (ولا تحاسدوا) والمشهور أن الحسد تمني زوال نعمة الغير إذا لم يكن ظالمًا مؤذيًا، وفي (القاموس) (١): حسده: تمنى أن تتحول إليه نعمته وفضيلته، أو سلبهما، وتحاسدوا: حسد بعضهم بعضًا، وفي (الصراح) (٢): حسد: بدخواهي كردن، وقد يجيء بمعنى الغبطة، وهو أن يتمنى لنفسه مثل ما للغير من غير تمني الزوال، وهو غير منهي عنه كما في حديث: (لا حسد إلا في اثنين) الحديث.
وقوله: (ولا تباغضوا) أي: لا يبغض بعضكم بعضًا، أي: لا تتعاطوا أسباب البغض، وإلا فالحب والبغض طبيعتان لا قدرة للإنسان عليهما، وقيل: أي: لا تختلفوا في الأهواء والمذاهب؛ لأن البدعة في الدين والضلال عن الطريق المستقيم يوجب البغض.
وقوله: (ولا تدابروا) أي: لا تغتابوا، وقال الطيبي (٣): المراد بالتدابر التقاطع، فإن كل واحد من المتقاطعين يولي دبره عن صاحبه، فيكون المعنى: لا يعطي كل واحد أخاه دبره وقفاه، فيعرض عنه في أداء حقوق الإسلام.
وقوله: (وكونوا عباد اللَّه إخوانًا) المتبادر إلى الفهم أن يكون (إخوانًا) خبرًا بعد
стр. 4721
وَفِي رِوَايَة: "وَلَا تَنَافَسُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٦٦، م: ٢٥٦٣].
٥٠٢٩ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ،
ــ
خبر، ويحتمل أن يكون (إخوانًا) حالًا أو بدل اشتمال، والنعت في الإبدال عن النكرة إنما هو في بدل الكل، وأن يكون الخبر (إخوانًا)، و (عباد اللَّه) معترضة بحذف حرف النداء.
وقوله: (ولا تنافسوا) النفاسة قريب من معنى الحسد، قال الطيبي (١): التحاسد والتنافس واحد في المعنى، وقال في (النهاية) (٢): النفاسة بفتح نون: الحسد، انتهى.
وفي حديث السقيفة (٣): (لم ننفس عليك) أي: لم نبخل، (إنك استبددت بالأمر) أي: بأمر الخلافة وما شاورتنا، ويحتمل أن يكون معنى (لا تنافسوا): لا ترغبوا وتميلوا في الدنيا كما جاء في الحديث: (أخشى أن تبسط الدنيا عليكم فتنافسوا) هو من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء الجيد النفيس، وقال في (القاموس) (٤): نفس به كفرح: ضنّ، وعليه بخير: حسد، وشيء نفيس: يتنافس فيه ويرغب.
٥٠٢٩ - [٣] (عنه) قوله: (تفتح أبواب الجنة) محمول على الظاهر،
стр. 4722
فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلٌ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخَيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٥].
٥٠٣٠ - [٤] وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْدًا بَينَهُ وَبَينَ أخَيهِ شَحْنَاءُ،
ــ
وتأويله بكثرة الصفح والغفران لا دليل عليه، نعم يجعل ذلك علامة على ذلك.
وقوله: (إلا رجل) هكذا جاء في الروايات كلها، والظاهر النصب، وتوجيهه أن التقدير: لا يبقى رجل غير مغفور إلا رجل (بينه وبين أخيه شحناء) في (القاموس) (١): الشحناء: العداوة؛ لأنه يشحن قلب صاحبه بُغضًا، وفي (مجمع البحار) (٢): الشحناء: العداوة والغل والحقد.
وقوله: (أنظروا) أي: أمهلوا، من الإنظار بمعنى الإمهال.
٥٠٣٠ - [٤] (عنه) قوله: (في كل جمعة) المراد به الأسبوع؛ لتمامه بها، وقد وقع السبت أيضًا بمعنى الأسبوع؛ لكونه مبدأ له، أو هو على اصطلاح اليهود.
وقوله: (إلا عبدًا) وقع على الأصل الظاهر، وفي بعض نسخ (المصابيح) بالرفع، وتوجيهه ما مرّ.
стр. 4723
فَيُقَالُ: اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٥].
٥٠٣١ - [٥] وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٢، م: ٢٦٠٥].
وَزَادَ مُسْلِمٌ قَالَتْ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ -تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ: كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا.
٥٠٣٢ - [٦] وَذُكِرَ حَدِيثُ جَابِرٍ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ" فِي (بَابِ الْوَسْوَسَةِ). [م: ٢٨١٢].
ــ
وقوله: (حتى يفيئا) أي: يرجعا ويرتدعا من الشحناء، من الفيء بمعنى الرجوع.
٥٠٣١، ٥٠٣٢ - [٥، ٦] (أم كلثوم) قوله: (وينمي خيرًا) من النماء بمعنى الرفع، وهو في الإصلاح، والتنمية في الإفساد، من النميمة، والمراد بالخير ما يفيد الإصلاح وإن كان كاذبًا، وما يورث الإفساد فهو شر.
وقوله: (مما يقول الناس كذب) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف.
وقوله: (الحرب) بأن يظهر من نفسه الجلادة، ويقول ما يتقوى به أصحابه وإن لم يكن واقعًا، ويقول في جيوش المسلمين: كثيرة، وجاءهم مدد كثير، أو يقول: انظر إلى خلفك، فإن فلانًا خلفك ليضربه، كذا ذكروا.
وقوله: (وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها) مجموعهما واحد ثالث الأمور.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٣٩٢، د: ٤٩١٤].
٥٠٣٦ - [١٠] وَعَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٦٠].
٥٠٣٧ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثلاثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِن ردَّ ﵇ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ، وَخَرَجَ المُسلِّمُ مِنَ الْهِجْرَة". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩١٢].
٥٠٣٨ - [١٢] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيامِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ؟ " قَالَ: قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [د: ٤٩١٩، ت: ٢٥٠٩].
ــ
فإن شاء اللَّه أدخله، وإن شاء عفا.
٥٠٣٦ - [١٠] (أبو خراش) قوله: (أبي خراش) بكسر الخاء المعجمة في آخره شين معجمة، و (السلمي) بضم السين وخفة اللام: نسبة إلى بني سليم، وقيل: الصواب الأسلمي.
وقوله: (فهو كسفك دمه)؛ لأنه جاوز الحد بإصراره عليه سنة كاملة، فكأنه قتله بسيف الفرقة والغُصَّةِ والغمّ خصوصًا عند غلبة المحبة.
٥٠٣٧ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (فقد باء بالإثم) وفي بعض النسخ (بإثمه) قد عرف حال ضميره، و (المسلم) بالتشديد من التسليم.
٥٠٣٨ - [١٢] (أبو الدرداء) قوله: (إصلاح ذات البين) (بين) من الظروف،
стр. 4726
٥٠٣٩ - [١٣] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١/ ١٦٥، ت: ٢٥٠٩].
ــ
قد يجيء اسمًا للحالة التي بين الاثنين، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] بإضافة الشقاق إليه، وفي ذات البين أيضًا جاء كذلك فغرف اللام، و (ذات البين) صفة لموصوف محذوف، أي: حالات وخصائل لها ملابسة وتعلق بالبين، وبهذه الملابسة قيل: هي ذات البين، أي: ثابتة بينكم، كالبغض والعدواة والحرب، وإصلاحها: إزالتها وتبديلها بأضدادها، وإضافة (ذات) إلى (البين) وتوصيف تلك الخصائل بها على وتيرة (ذات الصدور) لمضمراتها، وليست على نحو: (ذات مرة)، و (ذات يوم)؛ لأنه من إضافة المسمى إلى الاسم، بل هي على نحو: (ذو مال)، لكن الإضافة في (ذي مال) بمعنى اللام؛ لأن الموصوف صاحب المال ومالكه، وفيما نحن فيه بمعنى (في)، ويمكن جعلها بمعنى اللام لأدنى ملابسته مبالغة كأنها ملكت البين، وهو الأظهر فتأمل.
ويعلم معنى (الحالقة) في الحديث الآتي.
٥٠٣٩ - [١٣] (الزبير) قوله: (دب إليكم) من الدبيب، وهو المشي على هينته، ومنه الدابة لكل ماش في الأرض.
وقوله: (هي الحالقة) ضمير المؤنث راجع إلى (البغضاء) كما في قوله تعالى: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] لأن البغضاء أكثر تأثيرًا في ثلمة الدين وإن كانت
стр. 4727
٥٠٤٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ". . . . .
ــ
نتيجةَ الحسد، كذا قال الطيبي (١)، ويمكن أن يرجع إلى الحسد والبغضاء معًا بتأويل كل واحدة من الخصلتين، أو يرجع إليهما وما يماثلهما من الصفات الذميمة، وهذا أولى بحسب المعنى، لعدم جودة وجه التخصيص، وما ذكره من الوجه ليس بذاك؛ لأنه لما كانت البغضاء نتيجةَ الحسد كان الحسد في حكمها، بل أقوى؛ لأن الأصل يكون أقوى من النتيجة.
وما ذكر من الآيتين فليس رجوع الضمير إلى الآخر متعينًا، أما الأولى فقد ذكر في التفسير كونه راجعًا إليهما؛ لأن المراد دراهم ودنانير كثيرة، أو إلى الأموال والكنوز؛ لأن الحكم عام وتخصيصهما بالذكر؛ لأنهما قانون التمول، ويمكن اعتبار مثل هذا فيما نحن فيه، بأن يرجع الضمير إلى الخصال الذميمة، ويكون التخصيص بالحسد والبغضاء لأنهما أشدها قبحًا وذمًّا، نعم قد قيل برجوعه إلى الفضة لقربها ودلالة حكمها على أن الذهب أولى بهذا الحكم، ولو اعتبر مثل هذا فيما نحن فيه لكان وجهًا على خلاف الشارح، فافهم.
وأما في الآية الثانية فقد ذكر أن الضمير في (إنها) راجع إلى الاستعانة بهما، أو إلى جملة ما أمروا به ونهوا عنه.
نعم ما ذكر أن الضمير للصلاة وتخصيصها بردّ الضمير إليها لعظم شأنها واستجماعها ضروبًا من الصبر يوافق طريقة ما ذكر الشارح، فتدبر.
٥٠٤٠ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فإن الحسد يأكل الحسنات) تمسك به المعتزلة
стр. 4728
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٩٠٣].
٥٠٤١ - [١٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٠٨].
٥٠٤٢ - [١٦] وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: . . . . .
ــ
في القول بحبط الطاعات بالمعاصي، وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن المراد بأكل الحسد الحسنات أنه يذهب بها يوم القيامة؛ فإن الحاسد ربما يحمله الحسد على إتلاف مال المحسود، وإهلاك نفسه، وهتك عرضه، وقلّما يخلو عن الغرم عليها، خصوصًا هتك عرضه بالغيبة، فإنه موجود البتة، فتعطى حسناته يوم القيامة للمحسود، لما نطقت به الأحاديث الصحيحة من إعطاء حسنات الظالم للمظلوم.
وثانيهما: أن ثواب العمل يضاعف بصلاح العبد، وإذا ارتكب الخطايا نقص من ثواب عمله فيما ينعلق بالتضعيف، وهو المراد بالإحباط، وأتى الطيبي (١) بما حاصله: أن الأكل استعارة لعدم القبول، وأن تلك الحسنات الصادرة عنه مردودة عليه، وليست بثابتة في ديوان الأعمال الصالحة؛ فإذا لم تثبت في ديوانه كيف تحبط؟
وهذا يخالف الأحاديث الصحاح في إعطاء المظلوم حسنات الظالم، فإنه فرع بثبوته في ديوان أعماله، فتدبر.
٥٠٤١ - [١٥] (عنه) قوله: (رواه الترمذي) وهو صحيح، كذا قيل.
٥٠٤٢ - [١٦] (أبو صرمة) قوله: (أبي صرمة) بكسر صاد مهملة، وسكون راء، الأنصاري.
стр. 4729
"مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [جه: ٢٣٤٢، ت: ١٩٤٠].
٥٠٤٣ - [١٧] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا أَوْ مَكَرَ بِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٤١].
٥٠٤٤ - [١٨] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ، فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ. . . . .
ــ
وقوله: (ضار ضار اللَّه) المضارة: إيصال الضرر، ضد النفع، أي: من أوصل الضرر بأحد أو شاقه من غير وجه شرعي جازاه اللَّه تعالى بمثله، والمشاقة: الخلاف والعداوة، من الشق؛ لأن المتخالفين والمتعاديين يكون كل واحد منهما في شق، أي: جانب، ويحتمل أن تكون من المشقة؛ بأن يكلفه فوق طاقته.
أقول: هذا المعنى أنسب بتعديته بـ (على)؛ لأن المشاقة يتعدى بنفسه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، وبناء على هذا المعنى فرق في بعض الحواشي بين المضارة والمشاقة، بأن الضرر والمشقة متقاربان، لكن الضرر يستعمل غالبًا في إتلاف المال، والمشقة في إيصال الأذية إلى البدن، كتكليف عمل شاق.
٥٠٤٣ - [١٧] (أبو بكر الصديق) قوله: (ملعون) أي: بعيد من مقام القرب والقبول، والمكر: الخديعة.
٥٠٤٤ - [١٨] (ابن عمر) قوله: (يا معشر من أسلم بلسانه) (مَنْ) يستوي فيه الجمع والمفرد، والمراد هنا الجمع، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ، والإضافة بيانية،
стр. 4730
وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتُهُ يَفضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٣٢].
٥٠٤٥ - [١٩] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةُ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ. . . . .
ــ
كما فى يا معشر العرب، ويا معشر قريش، ونحوه؛ فإن كان الكلام مع بعض المسلمين كما يدل عليه سياق الحديث من قوله: (من يتبع عورة أخيه) ففيه توبيخ بأن ذلك من علامات النفاق وأفعال المنافقين، وإن كان مع المنافقين يكون معنى قوله: (ومن يتبع عورة أخيه) من يتبع من المسلمين عورة أخيه المسلم (يتبع اللَّه عورته) فكيف بالمنافق، والطيبي (١) حمله على هذا المعنى، واللَّه أعلم.
وقوله: (ولو في جوف رحله) أي: ولو كان مخفيًا في وسط منزله، في (القاموس) (٢): الرحل: مسكنك، وما تستصحبه من الأثاث، وفي (الصراح) (٣): رحل: رخت، وجائ باشِ مرد.
٥٠٤٥ - [١٩] (سعيد بن زيد) قوله: (من أربى الربا): (الربا) في اللغة: الزيادة مطلقًا، وفي الشرع: أخذ الزيادة في البيع والدين، و (الاستطالة) التطاول: الامتداد، والارتفاع، والمفضل، كذا في (القاموس) (٤)، وفي (الصراح) (٥): استطالة: تكبر كردن،