٥٠٣٩ - [١٣] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١/ ١٦٥، ت: ٢٥٠٩].
ــ
قد يجيء اسمًا للحالة التي بين الاثنين، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] بإضافة الشقاق إليه، وفي ذات البين أيضًا جاء كذلك فغرف اللام، و (ذات البين) صفة لموصوف محذوف، أي: حالات وخصائل لها ملابسة وتعلق بالبين، وبهذه الملابسة قيل: هي ذات البين، أي: ثابتة بينكم، كالبغض والعدواة والحرب، وإصلاحها: إزالتها وتبديلها بأضدادها، وإضافة (ذات) إلى (البين) وتوصيف تلك الخصائل بها على وتيرة (ذات الصدور) لمضمراتها، وليست على نحو: (ذات مرة)، و (ذات يوم)؛ لأنه من إضافة المسمى إلى الاسم، بل هي على نحو: (ذو مال)، لكن الإضافة في (ذي مال) بمعنى اللام؛ لأن الموصوف صاحب المال ومالكه، وفيما نحن فيه بمعنى (في)، ويمكن جعلها بمعنى اللام لأدنى ملابسته مبالغة كأنها ملكت البين، وهو الأظهر فتأمل.
ويعلم معنى (الحالقة) في الحديث الآتي.
٥٠٣٩ - [١٣] (الزبير) قوله: (دب إليكم) من الدبيب، وهو المشي على هينته، ومنه الدابة لكل ماش في الأرض.
وقوله: (هي الحالقة) ضمير المؤنث راجع إلى (البغضاء) كما في قوله تعالى: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] لأن البغضاء أكثر تأثيرًا في ثلمة الدين وإن كانت
стр. 4727
٥٠٤٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ". . . . .
ــ
نتيجةَ الحسد، كذا قال الطيبي (١)، ويمكن أن يرجع إلى الحسد والبغضاء معًا بتأويل كل واحدة من الخصلتين، أو يرجع إليهما وما يماثلهما من الصفات الذميمة، وهذا أولى بحسب المعنى، لعدم جودة وجه التخصيص، وما ذكره من الوجه ليس بذاك؛ لأنه لما كانت البغضاء نتيجةَ الحسد كان الحسد في حكمها، بل أقوى؛ لأن الأصل يكون أقوى من النتيجة.
وما ذكر من الآيتين فليس رجوع الضمير إلى الآخر متعينًا، أما الأولى فقد ذكر في التفسير كونه راجعًا إليهما؛ لأن المراد دراهم ودنانير كثيرة، أو إلى الأموال والكنوز؛ لأن الحكم عام وتخصيصهما بالذكر؛ لأنهما قانون التمول، ويمكن اعتبار مثل هذا فيما نحن فيه، بأن يرجع الضمير إلى الخصال الذميمة، ويكون التخصيص بالحسد والبغضاء لأنهما أشدها قبحًا وذمًّا، نعم قد قيل برجوعه إلى الفضة لقربها ودلالة حكمها على أن الذهب أولى بهذا الحكم، ولو اعتبر مثل هذا فيما نحن فيه لكان وجهًا على خلاف الشارح، فافهم.
وأما في الآية الثانية فقد ذكر أن الضمير في (إنها) راجع إلى الاستعانة بهما، أو إلى جملة ما أمروا به ونهوا عنه.
نعم ما ذكر أن الضمير للصلاة وتخصيصها بردّ الضمير إليها لعظم شأنها واستجماعها ضروبًا من الصبر يوافق طريقة ما ذكر الشارح، فتدبر.
٥٠٤٠ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فإن الحسد يأكل الحسنات) تمسك به المعتزلة
стр. 4728
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٩٠٣].
٥٠٤١ - [١٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٠٨].
٥٠٤٢ - [١٦] وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: . . . . .
ــ
في القول بحبط الطاعات بالمعاصي، وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن المراد بأكل الحسد الحسنات أنه يذهب بها يوم القيامة؛ فإن الحاسد ربما يحمله الحسد على إتلاف مال المحسود، وإهلاك نفسه، وهتك عرضه، وقلّما يخلو عن الغرم عليها، خصوصًا هتك عرضه بالغيبة، فإنه موجود البتة، فتعطى حسناته يوم القيامة للمحسود، لما نطقت به الأحاديث الصحيحة من إعطاء حسنات الظالم للمظلوم.
وثانيهما: أن ثواب العمل يضاعف بصلاح العبد، وإذا ارتكب الخطايا نقص من ثواب عمله فيما ينعلق بالتضعيف، وهو المراد بالإحباط، وأتى الطيبي (١) بما حاصله: أن الأكل استعارة لعدم القبول، وأن تلك الحسنات الصادرة عنه مردودة عليه، وليست بثابتة في ديوان الأعمال الصالحة؛ فإذا لم تثبت في ديوانه كيف تحبط؟
وهذا يخالف الأحاديث الصحاح في إعطاء المظلوم حسنات الظالم، فإنه فرع بثبوته في ديوان أعماله، فتدبر.
٥٠٤١ - [١٥] (عنه) قوله: (رواه الترمذي) وهو صحيح، كذا قيل.
٥٠٤٢ - [١٦] (أبو صرمة) قوله: (أبي صرمة) بكسر صاد مهملة، وسكون راء، الأنصاري.
стр. 4729
"مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [جه: ٢٣٤٢، ت: ١٩٤٠].
٥٠٤٣ - [١٧] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا أَوْ مَكَرَ بِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٤١].
٥٠٤٤ - [١٨] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ، فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ. . . . .
ــ
وقوله: (ضار ضار اللَّه) المضارة: إيصال الضرر، ضد النفع، أي: من أوصل الضرر بأحد أو شاقه من غير وجه شرعي جازاه اللَّه تعالى بمثله، والمشاقة: الخلاف والعداوة، من الشق؛ لأن المتخالفين والمتعاديين يكون كل واحد منهما في شق، أي: جانب، ويحتمل أن تكون من المشقة؛ بأن يكلفه فوق طاقته.
أقول: هذا المعنى أنسب بتعديته بـ (على)؛ لأن المشاقة يتعدى بنفسه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، وبناء على هذا المعنى فرق في بعض الحواشي بين المضارة والمشاقة، بأن الضرر والمشقة متقاربان، لكن الضرر يستعمل غالبًا في إتلاف المال، والمشقة في إيصال الأذية إلى البدن، كتكليف عمل شاق.
٥٠٤٣ - [١٧] (أبو بكر الصديق) قوله: (ملعون) أي: بعيد من مقام القرب والقبول، والمكر: الخديعة.
٥٠٤٤ - [١٨] (ابن عمر) قوله: (يا معشر من أسلم بلسانه) (مَنْ) يستوي فيه الجمع والمفرد، والمراد هنا الجمع، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ، والإضافة بيانية،
стр. 4730
وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتُهُ يَفضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٣٢].
٥٠٤٥ - [١٩] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةُ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ. . . . .
ــ
كما فى يا معشر العرب، ويا معشر قريش، ونحوه؛ فإن كان الكلام مع بعض المسلمين كما يدل عليه سياق الحديث من قوله: (من يتبع عورة أخيه) ففيه توبيخ بأن ذلك من علامات النفاق وأفعال المنافقين، وإن كان مع المنافقين يكون معنى قوله: (ومن يتبع عورة أخيه) من يتبع من المسلمين عورة أخيه المسلم (يتبع اللَّه عورته) فكيف بالمنافق، والطيبي (١) حمله على هذا المعنى، واللَّه أعلم.
وقوله: (ولو في جوف رحله) أي: ولو كان مخفيًا في وسط منزله، في (القاموس) (٢): الرحل: مسكنك، وما تستصحبه من الأثاث، وفي (الصراح) (٣): رحل: رخت، وجائ باشِ مرد.
٥٠٤٥ - [١٩] (سعيد بن زيد) قوله: (من أربى الربا): (الربا) في اللغة: الزيادة مطلقًا، وفي الشرع: أخذ الزيادة في البيع والدين، و (الاستطالة) التطاول: الامتداد، والارتفاع، والمفضل، كذا في (القاموس) (٤)، وفي (الصراح) (٥): استطالة: تكبر كردن،
стр. 4731
بِغَيْرِ حَقٍّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [د: ٤٨٧٦، شعب: ٦٢٨٤].
٥٠٤٦ - [٢٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمَّا عَرَجَ بِي ربِّي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٧٨].
ــ
ودراز شدن، وكَردن كشي كردن، شبه هتك عرض المسلم واستحقاره والترفع عليه والوقيعة فيه بالغيبة والشتم، والقذفَ بالربا الذي هو الأخذ زيادة على الحق، وإنما كان أربى؛ لأن عرض المسلم أعز وأشرف من ماله، ولحوق الضرر ولزوم الفساد في أخذه وهتكه أكثر، وإنما قال: (بغير حق) لأنه قد يستباح ذلك في بعض الأحوال، كقول صاحب الحق لمن لا يعطي حقه: يا ظالم، أو هو ظالم أو متعد، وقول الخصم في جرح الشاهد، وجرح المحدث الرواة في الحديث من هذا القبيل، وقد علم مواقع إباحة الغيبة فيما سبق.
٥٠٤٦ - [٢٠] (أنس) قوله: (يخمشون) في (القاموس) (١): خمش وجهه يَخْمِشُه، ويَخْمُشُه: خدشه، ولطمه، وضربه، وقطع عضوًا منه، وفي (الصراح) (٢): خموش: خراشيدن، ولما كان يظهر أثر العرض في الوجه وينشرح به صدره، ولذا يعبر عنه بالفارسية: بـ آبرو، فالذين هتكوا عرض المسلمين جعل اللَّه تعالى وجوههم وصدورهم مشوها قبيحًا على أيديهم جزاء بالمثل، وأما ما ذكره الطيبي (٣) من أنه لما
стр. 4732
٥٠٤٧ - [٢١] وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أُكْلَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُه مِثْلَهَا مِنْ جَهنَّمَ، ومَنْ كَسَا ثَوْبًا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ قَامَ بِرَجُلٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ،
ــ
كان خمش الوجه والصدر من صفات النساء النائحات، جعلهما جزاء من يغتاب ويفري من أعراض المسلمين؛ إشعارًا بأنهما ليسا من صفات الرجال، بل هما من صفات النساء، فلا يخلو عن بعد، واللَّه أعلم.
٥٠٤٧ - [٢١] (المستورد) قوله: (من كل برجل مسلم أكلة) أي: من أكل بسبب رجل يعني بسبب اغتيابه، بأن يغتاب رجلًا عند عدوه يعطيه شيئًا، فجعل الاغتياب سببًا ووسيلة للإعطاء، و (الأكلة) بالضم: اللقمة، وبالفتح المرة، ويروى بهما.
وقوله: (ومن كسا ثويًا برجل مسلم) الباء فيه للسببية، والتقدير: كسا نفسه ثوبًا، وإن كانت للتعدية فسد المعنى؛ فإن اللَّه لا يكسو الكاسي مثله من جهنم، كذا قال الطيبي (١)، وهذا إذا كان (كسا) مبنيًا للفاعل، وأما إذا كان مبنيًا للمفعول كما صحح في النسخ فلا إشكال، والباء للسببية، ومعناها ما ذكر في القرينة الأولى.
نعم الظاهر كونه مبنيًّا للفاعل كما في قرينته، ولو التزم أن الكاسي يعذب لاستماعه الغيبة وإعطائه الجائزة على ذلك لم يبعد، ولكن لا يوافق الأولى، فتدبر.
وقوله: (ومن قام برجل مقام سمعة ورياء. . . إلخ)، ذكروا لهذه العبارة معنيين:
أحدهما: أن الباء للتعدية، أي: من أقام رجلًا مقام سمعة ورياء، ووصفه بالصلاح والتقوى والكرامات وشهره بها، وجعله وسيلة إلى تحصيل أغراض نفسه وحطام الدنيا؛
стр. 4733
فَإِنَّ اللَّهَ يَقُومُ لَهُ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨١].
٥٠٤٨ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ العِبَادَةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٢٩٧، د: ٤٩٩٣].
ــ
(فإن اللَّه تعالى يقوم له) أي: لعذابه وتشهيره، أي: يزيد تعذيبه وتشهيره، ويأمر الملائكة أن يقوموا ويتهيؤوا ويستعدوا لتشهيره، وينادوا بين الملأ على رؤوس الأشهاد: إنه كان كذابًا، قد شهر رجلًا بما لم يكن فيه لغرض الدنيا، ثم يعذبه عذاب الكذابين.
وثانيهما: أن الباء للسببية، وقيل: وهو أقوى وأنسب، أي: من قام لسبب رجل من العظماء من أهل المال والجاه مقامًا يتظاهر فيه بالصلاح والتقوى ليعتقد فيه، ويصرف إليه المال والجاه، أقامه اللَّه تعالى يوم القيامة مثل مقامه ذلك، ويفضحه، ويأمر الملائكة بأن ينادوا: إنه كان مرائيًا، ثم يعذبه عذاب المرائين.
و(السمعة) بضم السين: ما يتعلق بحاسة السمع من الأخبار والحكايات، و (الرياء) بحاسة البصر من الأوضاع والعبادات، يقال: فعله رياء وسمعة، أي: ليراه الناس وبسمعونه.
٥٠٤٨ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (حسن الظن من حسن العبادة) أي: حسن الظن بعباد اللَّه من جملة العبادات الحسنة، أو ناشئ من حسن العبادة، أي: من كان يحسن العبادة يحسن ظنه بالخلق، يعني إنما يحسن الظن من كان محسنًا ويسيئه من كان مسيئًا.
стр. 4734
٥٠٤٩ - [٢٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ، وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْنَبَ: "أَعْطِيهَا بَعِيرًا"، فَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَبَعْضَ صَفَرٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ: "مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا" فِي (بَابِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَة). [د: ٤٦٠٢].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٠٥٠ - [٢٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأَى عِيسَى ائن مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ،
ــ
٥٠٤٩ - [٢٣] (عائشة) قوله: (أنا أعطي تلك اليهودية؟ ) على طريقة الاستفهام الإنكاري، وصفية ﵂ كانت من اليهود، بنت حيي بن أخطب اليهودي، ولكنها كانت من أولاد هارون النبي أخي موسى ﵉، أُسِرَت في غزوة خيبر على يد دحية الكلبي، ثم اصطفاها رسول اللَّه ﷺ لنفسه فأعتقها وتزوجها، وكان لبعض الأزواج المطهرة معها سوء مزاج، منهن عائشة ﵂، وجاء في الحديث: أن عائشة ﵂ قالت لها: يهودية، فاشتكت إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: (قولي لعائشة: أنا بنت نبي، وأنت بنت أبي بكر ﵁).
وقوله: (فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر) ففيه جواز الهجران فوق ثلاثة أيام.
الفصل الثالث
٥٠٥٠ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (رأى عيسى) أي: ظن، ويحتمل حمله على الحقيقة.
стр. 4735
فَقَالَ لَهُ عِيسَى (١): سَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ نَفْسِي". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٦٨].
٥٠٥١ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ".
٥٠٥٢ - [٢٦] وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اعْتَذَرَ إِلَى أَخِيهِ فَلَمْ يَعْذِرْهُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ كَانَ عَلَيْهِ مثلُ خَطِيئَةِ صَاحِبِ مَكْسٍ". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ"،
ــ
وقوله: (آمنت باللَّه) أي: صدقتك في حلفك باللَّه واتهمت نفسي بالكذب.
وفيه أن من حلف باللَّه تعالى وإن كان كاذبًا يقبل حلفه في الأحكام، ولا يعمل بالظن بل بالعلم أيضًا، فافهم.
٥٠٥١ - [٢٥] (أنس) قوله: (وكاد الحسد أن يغلب القدر) أي: لو فرض أن شيئًا يغلب القدر لكان هو الحسد، وهذا كما قيل في تأويل قوله ﷺ : (لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين)، كما مر في (كتاب الطب والرقى).
٥٠٥٢ - [٢٦] (جابر) قوله: (فلم يعذره) أي: لم يجعله معذورًا، وأنكر عذره، واتهمه بالكذب في دعوى العذر، أو لم يقبل عذره؛ بأن قال: وإن كنت معذورًا لم أقبل عذرك، ولم أنته عن التكليف بهذا الأمر.
وقوله: (صاحب مكس) في (القاموس) (٢): مكس في البيع يمكس: إذا جَبَى
стр. 4736
وَقَالَ: الْمَكَّاسُ: الْعَشَّارُ. [شعب: ٦١٨٨، ٧٩٨٥].
* * *
١٨ - باب الحذر والتأني فى الأمور
ــ
مالًا، والْمَكْسُ: النقص، والظلم، وفي (الصراح) (١): مكس: خراج كَرفتن، وفي الحديث: (لا يدخل صاحب مكس في الجنة)، ماكس: ده يك كَيرنده، مكس أيضًا خراج وعشر، وفي (مجمع البحار) (٢): في حديث: (لا يدخل صاحب مكس في الجنة)، المكس: الضريبة التي يأخذها الماكس، وهو العشار، أي: من يأخذ من التجار إذا مروا مكسًا، أي: ضريبة باسم العشر، فأما الساعي الذي يأخذ الصدقة وعشر أهل الذمة الذين صولحوا عليه فهو محتسب ما لم يتعد، وفيه: أن المكس أعظم الذنوب، وذلك لكثرة مطالبات الناس ومظلماتهم وصرفها في غير وجهها، قال أيضًا: المكس: النقصان، والماكس من العمال: من ينقص من حقوق المساكين ولا يعطيها بتمامها، قاله البيهقي، انتهى.
١٨ - باب الحذر والتأني في الأمور
(الحذر): بفتحتين وبكسر فسكون من باب علم: الاحتراز والاتقاء، ورجل حذر بفتح فكسر: رجل متيقظ شديد، وفي (الصراح) (٣): حذر: مرد بيدار، قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، أي: احذدروا واحترزوا من العدو، و (التأني): التثبت،
стр. 4737
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٠٥٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٣٣، م: ٢٩٩٨].
ــ
وترك الاستعجال، يقال: تأنى في الأمر واستأنى: تثبت وتوقف، وانتظر، وأنِيَ كرضي: تأخر وأبطأ، كأنَّى تأنية، وآنيته إيناء، والاسم أناة كقناة، كالأَنى بمعنى الحلم والوقار، والحلم عدم الاستعجال والتراخي في الأمور حتى ينظر في مصالحه وعواقبه، وقد يجيء الحلم بمعنى تأخير مكافأة الظالم، وهو فرد منه.
الفصل الأول
٥٠٥٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) في (القاموس) (١): لدغته العقرب والحية، كمنع، لَدغًا وتَلداغًا، فهو مَلدُوغ ولَديغ. والجحر بتقديم الجيم على الحاء: كل شيء يحتفره الهوام والسباع لأنفسها، كالْجُحْران، وجَحَرَ الضبُّ، كمنع: دخله، وفي رواية: (لا يلسع)، وللسع: اللدغ. وفي (النهاية) (٢): يروى بضم الآخر وكسره خبرًا ونهيًا، هذا يصلح لأمر الدنيا والآخرة، يريد أنه ليس من شيم المؤمن الحازم الغضوب للَّه، الذاب عن دين اللَّه أن ينخدع من مثل هذا الغادر المتمرد، ويحلم مرة بعد أخرى، بل ينتقم للَّه وينتقم من عدو الدين، فقال الكرماني: هو على النهي بكسر غين، وورد هذا الحديث حين أسر النبي ﷺ أبا عزة الشاعر يوم بدر، فمنّ عليه وعاهده أن لا يحرض عليه، ولا يهجوه، فلحق قومه، ثم رجع إلى التحريض والهجاء، ثم أسره يوم أحد، فسأله المنّ فقال له، وفي رواية: فأمر بضرب عنقه، وروي أنه
стр. 4738
٥٠٥٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: "إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ والأَنَاةُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧].
ــ
سئل عن عمر فقيل: كان كالطير الحذر الذي يرى أنه في كل طريق شركا يأخذه.
٥٠٥٤ - [٢] (ابن عباس) قوله: (لأشج عبد القيس) بالإضافة، وفى نسخة بالفتح على أنه غير منصرف، فيكون عبد القيس بدلًا منه على حذف مضاف، أي: وافد عبد القيس، كذا في بعض الحواشي، واسمه المنذر كان في وفد عبد القيس وقائدهم ورئيسهم، وعبد القيس قبيلته، روي أن الوفد لما وصلوا المدينة، بادروا النبي ﷺ ، وأقام الأشج عند رحالهم، فجمعها وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل عليه، وروي: أن الوفد أسقطوا أنفسهم عن المراكب، وخروا على الأرض، وأظهروا من آثار الشوق والوجد، وأما الأشج فنزل واغتسل ولبس الثياب، ودخل المسجد وصلى الركعتين، ثم جاء في حضرته ﷺ ، فأحبه وأثنى عليه وقال: (إن فيك لخصلتين يحبهما اللَّه) ورسوله: (الحلم والأناة) وقد عرف معناهما، وفى (أسد الغابة) (١) في ترجمته: الحلم والحياء، وفي رواية ابن ماجه (٢) عن أبي سعيد (الحلم والتؤدة)، كذا في (جمع الجوامع) (٣) للسيوطي، والكل متقارب في المعنى، وأيضًا روي أنه ﷺ قال لهم: (تبايعون على أنفسكم وقومكم) فقال الأشج: يا رسول اللَّه! إنك لم تزاول الرجل عن شيء أشد من دينه، نبايعك على أنفسنا، وترسل أحدًا يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا، ومن أبى قاتلناه، فوصفه بالحلم والعقل والتثبت والوقار، وعلى هذا يظهر المقابلة بين الحلم والأناة بلا تكلف.
стр. 4739
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٠٥٥ - [٣] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الأَنَاةُ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي عَبْدِ الْمُهَيْمِنِ بْنِ عَبَّاسٍ الرَّاوِي مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. [ت: ٢٠١٢].
٥٠٥٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ، وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيْبٌ. [حم: ٣/ ٦٩، ت: ٢٠٣٣].
ــ
الفصل الثاني
٥٠٥٥ - [٣] (سهل بن سعد) قوله: (والعجلة) محركة كالعجل: السرعة في إمضاء أمر، وفي الحواشي: يستثنى من ذلك ما لا شبهة في خيريّته، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
٥٠٥٦ - [٤] (أبو سعيد) قوله: (لا حليم إلا ذو عثرة) من العثار بمعنى الزلة، أي: لا حليم كاملًا -وإن كان الحلم غريزًا له- إلا من وقع في عثار وزلة، وذكروا في معناه وجهين:
أحدهما: أن من وقع في زلات وخطيئات يحب أن يستر من رآه [على] عيبه ويعفو عنه؛ فإذا علم محبته لذلك علم أن الحلم والعفو عن الناس خير ومحبوب عند الإنسان؛ فإذا رأى من أحد زلة وخطيئة حلم وعفا.
وثانيهما: أنه لا يحصل له الحلم حتى يركب الأمور ويعثر فيها، فيعتبر بها
стр. 4740
٥٠٥٧ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي، فَقَالَ: "خُذِ الأَمْرَ بِالتَّدْبِيرِ، فَإِنْ رَأَيْتَ فِي عَاقِبَتِهِ خَيْرًا فَأَمْضِهِ، وَإِنْ خِفْتَ غَيًّا فَأَمْسِكْ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣٦٠٠].
٥٠٥٨ - [٦] وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ الأَعْمَشُ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلَّا فِي عَمَلِ الآخِرَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨١٠].
ــ
ويستبين مواضع الخطأ فيجتنبها، وهذا المعنى يرجع إلى معنى التجربة؛ فالمعنى الأول أقرب وأظهر، وإلا لم يظهر لتخصيص التجربة بالحلم وجه، ثم لا يخفى أن من الناس من يكون الحلم له غريزة، فلا حاجة له في حصوله إلى العثرة والزلة إلا أن يقال: يكمل الحلم بذلك كما أشار إليه حيث قيدوا أنه لا حليم كاملًا إلا ذو عثرة، فافهم.
٥٠٥٧ - [٥] (أنس) قوله: (خذ الأمر بالتدبير) في (القاموس) (١): التدبير النظر في عاقبة الأمر كالتدبر، وفي (الصراح) (٢): تدبير بايان كار نكَريستن
٥٠٥٨ - [٦] (مصعب بن سعد) قوله: (التؤدة) بضم التاء وفتح الهمزة وبسكونها، والوئيد والتَّوْآد: الرزانة والتأني، كذا في (القاموس) (٣)، وفي (الصراح) (٤): يقال: مشى مشيًا وئيدًا، أي: تؤدة بآهستكَي.
стр. 4741
٥٠٥٩ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠١٠].
ــ
٥٠٥٩ - [٧] (عبد اللَّه بن سرجس) قوله: (السمت الحسن) في (القاموس) (١): السمت: الطريق وهيئة أهل الخير، وفي (الصراح) (٢): سمت: راه وروش نيكو، يقال: ما أحسن سمته، أي: هديه، وفي (مجمع البحار) (٣): السمت: الطريق القصد، ويستعار لطريق أهل الخير، وقال الطيبي (٤): حالة الرجل ومذهبه، وعلم مما ذكرنا أن على بعض هذه المعاني توصيفه بالحسن على طريق الكشف والبيان، و (الاقتصاد): ضد الإفراط، والمشهور أن الاقتصاد هو التوسط بين الأمرين، أي: جانبي الإفراط والتفريط، وهو المحمود في الكمال.
وقوله: (جزء من أربع وعشرين جزءًا من النبوة) أي: هي من خصال الأنبياء، فاقتدوا بهم فيها، واهتدوا بهديهم، ووقع في حديث ابن عباس: خمس وعشرين جزءًا، والتفاوت بين العددين يحتمل أن يكون من وهم الرواة، أو بسبب آخر، وتعيين العدد موكول إلى علم النبوة، وقد مرّ مثل هذا في (كتاب الرؤيا) في شرح قوله: (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)، وأما تجريد (أربع) عن التاء في قوله: (أربع وعشرين جزءًا من النبوة) يعلم منه أنه لا يجب عكس التأنيث، وقد يجيء على
стр. 4742
٥٠٦٠ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَبِيَّ (١) اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْهَدْيَ الصَّالِحَ وَالِاقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٧٦].
٥٠٦١ - [٩] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا حَدَّثَ الرَّجُل الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٩٥٩، د: ٤٨٦٨].
ــ
الأصل إن صح أنه لفظ الحديث، ويمكن أن يكون أن الجزء مضاف إلى النبوة بحسب المعنى، فاكتسب التأنيث منه، واللَّه أعلم.
٥٠٦٠ - [٨] (ابن عباس) قوله: (إن الهدي الصالح) الهدي بفتح الهاء ويكسر وسكوان الدال، وكذا الهدية: الطريقة والسيرة، هدى هدي فلان، أي: سار سيرته، وخير الهدي هدي محمد ﷺ .
٥٠٦١ - [٩] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة) فسروا الالتفات بالغيبة، يعني إذا حدث أحد عندك حديثًا ثم غاب صار حديثه أمانة عندك، لا يجوز إذاعتها والخيانة فيها بإفشائها.
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): والظاهر أن (التفت) بمعنى التفات خاطر إلى ما تكلم، فالتفت يمينًا وشمالًا احتياطًا كأنه يريد الإخفاء، فـ (ثم) للتراخي الرتبة، والتأنيث في قوله: (فهي أمانة) إما بتأويل الحكاية أو الكلمة، أو لتأنيث الخبر.
стр. 4743
٥٠٦٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ: "هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟ " فَقَالَ: لَا، قَالَ: "فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا"، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَأْسَيْنِ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اخْتَرْ مِنْهُمَا"، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! اخْتَرْ لِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي، وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٦٩].
ــ
٥٠٢٦ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (ابن التيهان) بفتح الفوقانية وكسر التحتانية مع التشديد.
وقوله: (إن المستشار مؤتمن) أشار عليه بكذا، أي: أمره، واستشاره: طلب منه المشورة، والاستشارة: طلب رأي فيما فيه المصلحة، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (الصراح) (٢): مشورة بضم الشين وسكونها شورى كنكَاش كردن، مشاورة كذلك، استشارة: كنكَاش خواستن.
وقوله: (مؤتمن) أي: ينبغي أن يكون أمينًا.
وقوله: (واستوص به خيرًا) (٣) وصّاه توصية: عهد إليه، والاسم الوصاية بالفتح والكسر، والوصية، تواصى القوم، أي: وصى بعضهم بعضًا، كقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، والاستيصاء: قبول الوصية، وفي الحديث: (واستوصوا بالنساء)، أي: أوصيكم بهن خيرًا، فاقبلوا وصيتي فيهن، وقيل: الأظهر أن السين للطلب، أي: اطلبوا الوصية من أنفسكم في أنفسهن، أو لطلب بعضكم بعضًا
стр. 4744
٥٠٦٣ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "المجالسُ بِالأَمَانَةِ إِلَّا ثَلاثَةَ مَجَالِسَ: سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ، أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ، أَوْ اِقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٦٩].
وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: "إِن أَعْظَمَ الأَمَانَةِ" فِي (بَابِ الْمُبَاشَرَةِ) فِي (الْفَصْلِ الأَوَّلِ).
ــ
من بعض الوصية بالإحسان، وقيل: الاستيصاء بمعنى الإيصاء.
٥٠٦٣ - [١١] (جابر) قوله: (سفك دم حرام. . . إلخ)، بأن يقول أحد في مجلس: أريد قتل فلان أو الزنا بفلانة أو أخذ مال فلان؛ فإذا سمع آخر ذلك منه يجب أن يخبر هؤلاء.
وقوله: (واقتطاع مال أحد) أقطع واقتطع من ماله قطعة: أخذ منه شيئًا، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): اقتطاع: باره أز جيزى جدا كردن، والمراد أخذه كلًّا أو بعضًا.
وقوله: (وذكر حديث أبي سعيد: إن أعظم الأمانة في باب المباشرة في الفصل الأول) كأنه وقع في (المصابيح) هذا الحديث مكررًا، أولًا في (باب المباشرة) من (كتاب النكاح) في الصحاح، وثانيًا في هذا الباب، أعني (باب الحذر والتأني) في الحسان، فترك المؤلف ذكره هنا وذكره هناك، أما نحن فلا نجده فى النسخ التي عندنا ذكره هنا، فكأنه تركه بعض الناسخين لأجل التكرار، ثم في كلام المصنف رحمه اللَّه تعالى إشارة إلى أن الصواب ذكره في الصحاح، فلهذا ذكره هناك وتركه هنا، واللَّه
стр. 4745
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٠٦٤ - [١٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ: قُمْ فَقَامَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اقْعُدْ فَقَعَدَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا خَلَقْتُ خَلْقًا هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ وَلَا أَفْضَلُ مِنْكَ، وَلَا أَحْسَنُ مِنْكَ، بِكَ آخُذُ، وَبِكَ أُعْطِي، وَبِكَ أُعْرَفُ، وَبِكَ أُعَاتِبُ، وَبِكَ الثَّوَابُ، وَعَلَيْكَ العِقَابُ". وَقَدْ تَكَلَمَّ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.
ــ
أعلم بالصواب.
الفصل الثالث
٥٠٦٤ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (وتكلم فيه بعض العلماء) قال السخاوي في (المقاصد الحسنة) (١): قال ابن تيمية وتبعه غيره: إنه كذب موضوع بالاتفاق، وفي زوائد عبد اللَّه بن الإمام أحمد على (كتاب الزهد) لأبيه عن علي عن سيار بن حاتم، وهو ممن ضعفه غير واحد، وكان جماعًا للرقائق، وقال القواريري: إنه لم يكن له عقل، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا مالك بن دينار عن الحسن البصري مرفوعًا مرسلًا: (لما خلق اللَّه العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: ما خلقت خلقًا أحب إليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي).
وأخرجه داود بن المحبر في (كتاب العقل) له: حدثنا صالح المري عن الحسن به بزيادة: (ولا أكرم علي منك، لأني بك أعرف، وبك أعبد)، والباقي مثله، وفي الكتاب المشار إليه من هذا النمط أشياء؛ منها: (أول ما خلق اللَّه العقل)، وذكره. وابن
стр. 4746
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المحبر كذاب، والوارد في أول ما خلق حديث: (أول ما خلق اللَّه القلم)، وهو أثبت من العقل، انتهى كلام السخاوي.
وقال السيوطي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة) (١): قد وجدت له أصلًا صالحًا، فأخرجه عبد اللَّه ابن الإمام أحمد في زوائد (الزهد)، قال حدثنا علي بن مسلم، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار عن الحسن يرفعه قال رسول اللَّه ﷺ : "أول ما خلق اللَّه العقل" الحديث، وهذا مرسل جيد الإسناد، وهو في (معجم الطبراني الأوسط) (٢) موصولًا من حديث أبي أمامة، ومن حديث أبى هريرة بإسنادين ضعيفين، انتهى كلام السيوطي.
وفي (تنزيه الشريعة) (٣) أنه أخرج هذا الحديث ابن عدي في (الكامل) والدارقطني عن أبي هريرة، والعقيلي عن أبي أمامة نحوه، وفيه حفص (٤)، وسيف وسعيد مجهولان وتعقب بأنه أخرجه البيهقي في (الشعب) من طريقين، وقال: هذا إسناد غير قوي، وهو مشهور من قول الحسن، ورواه أبو نعيم، وفيه سهل، قال: وأراه واهمًا فيه، ورواه عبد اللَّه بن أحمد بسند جيد عن الحسن مرسلًا، ورواه ابن عدي من طريق آخر وقال باطل منكر، وآفته محمد بن وهب، له غير حديث منكر.
стр. 4747
٥٠٦٥ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ". حَتَّى ذَكَرَ سِهَامَ الْخَيْرِ كُلَّهَا: "وَمَا يُجْزَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا بِقَدْرِ عَقْلِهِ".
ــ
وأخرجه الدارقطني في "الغرائب" وقال: غير محفوظ، وله طريق آخر أخرجه الترمذي الحكيم وابن عساكر، وفيه الحسن الخشني، وأخرجه الخطيب، وقال الذهبي بعد ذكر طرق الحديث المذكورة: وله طرق أخرى لم تصح، قال ابن حبان: ليس في العقل خبر صحيح، وقال العقيلي: لا يثبت في هذا الباب شيء، واللَّه أعلم.
وقال الحافظ ابن حجر في (المطالب العالية) (١): أحاديث في العقل أخرجها داود ابن المحبر في "كتاب العقل" كلها موضوعة، وقد أورد في (تنزيه الشريعة) بضعًا وستين حديثًا في فضيلة العقل، [و] وسمها كلها بالوضع، والمذكور فيها العقل بمعنى معرفة الأشياء وإدراك صلاح المبدأ والمعاد، والتمييز بين الخير والشر، والاحتراز عن عوامل النفس وآفاتها، والاهتداء والوصول إلى معرفة الحق، وأما العقل بمعنى المخلوق الأول الذي يدل عليه حديث: (أول ما خلق اللَّه العقل)، فليس داخلًا في تلك الأحاديث، وعند المحدثين فيه أيضًا كلام كما ذكرنا، وقد حكم بعضهم بوضعه على الخصوص، وهو داخل في عموم قول بعضهم: كل حديث ورد فيه ذكر العقل لا يثبت، واللَّه أعلم.
٥٠٦٥ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (إلا بقدر عقله) بأن يضع كل عمل وعبادة في موضعه ويعمله للَّه، ويحفظه عما يفسده، وبهذا فضل بعض الناس العقل على العلم.
стр. 4748
٥٠٦٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ (٢)! لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ،
ــ
٥٠٦٦ - [١٤] (أبو ذر) قوله: (لا عقل كالتدبير) أي: النظر في عواقب الأمور وما يترتب عليه من صلاح أو فساد، يعني أن العقل الكامل التام هو هذا، والعاقل الكامل من هذا شأنه، والظاهر أن المراد بالعقل هنا مطلق العلم والإدراك، ولو أريد بالعقل الذي سبق مدحه لم يكن لهذا الحكم كثير فائدة، فافهم.
وقوله: (لا ورع كالكف) استشكله الطيبي (٣) بأنّ الورع هو الكف، فكيف قيل ولا ورع كالكف؟ ثم أجاب بأن المراد كف الأذى أو كف اللسان، فكأنه قيل: لا ورع كالصمت أو كالكف عن أذى المسلمين، انتهى.
ويمكن أن يقال: إن الورع وإن كان بحسب اللغة مفهومه الكف والاجتناب، لكن هو في عرف الشرع شامل لطرفي الامتثال والاجتناب معًا، ولو كان معنا الاجتناب فقط فالاجتناب عن ترك الامتثال بالأوامر أيضًا معتبر فيه البتة، إذ لا يقال المتقي والمتورع لمن يجتنب المنهيات ويكف نفسه عنها، ولا يمتثل بالأوامر، وهذا ظاهر، لكنهم قالوا: إن الاجتناب أهم وأدخل في سلوك طريق الوصول والقرب من رعاية الامتثال، فمن يكتفي في جانب الامتثال بإتيان الواجبات والسنن والرواتب من غير أن يستوفي أقسام النوافل والمستحبات، لكن يهتمّ بالاجتناب ويستوعب أقسامه، ومن يهتم بالامتثال ويستوعب أقسام النوافل، لكنه يرتكب المكروهات لا يتيسر له
стр. 4749
وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلْقِ".
٥٠٦٧ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الِاقْتِصَادُ فِي النَّفَقَةِ نِصْفُ الْمَعِيشَةِ،
ــ
الوصول، ولهذا المقال تفصيل وتحقيق مذكور في موضعه، وقد بينه سيدي الشيخ علي المتقي في رسالته المسماة بـ "تبيين الطرق".
وإذا عرفت ذلك فقد حصل لقوله ﷺ : "ولا ورع كالكف" معنى صحيح جيد، وحاصله: أن الأهم في الورع هو الكف والاجتناب عن المحارم والمكروهات، كما ذكرنا.
وقوله: (ولا حسب كحسن الخلق) الحسب: ما يعده الرجل من مآثره ومآثر آبائه، فالمراد أن الحسب الكامل المعتد به عند اللَّه تعالى هو الأخلاق الحميدة، وما سواه من المفاخر الدنياوية لا يعتد به، ويحتمل أن يراد أن الأخلاق الباطنة هي الأصل والعمدة، والأعمال الظاهرة وإن كانت أيضًا من الكمال وأحد شطريه لكنها فرع وتبع للأخلاق، وقد ورد في الحديث: (ليس شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق)، ولو أريد بالخلق ما يتعارفه الناس من لين الجانب، وبشاشة الوجه، والتلطف، والرحمة، كان المقصد المبالغة والتأكيد في رعاية هذا الوصف، ويكون تأويله كالتأويل الذي ذكره الشارح في قوله: (لا ورع كالكف) بإرادة كف اللسان، أو كف الأذى، وعلى تقدير إرادة مطلق الأخلاق الباطنة يكون معناه كما ذكرنا في ذلك القول من إرادة الاجتناب عن المحارم والمكروهات، فافهم.
٥٠٦٧ - [١٥] (ابن عمر) قوله: (الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة) لأنه لا بد في التعيش من دخل وخرج، وبناء الخرج على الاقتصاد؛ لأن في التبذير والتقتير إخلالًا
стр. 4750
وَالتَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ، وَحُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٤٣١٣، ٤٣١٦، ٤٣٢٥، ٦١٤٨].
* * *
ــ
بالمصالح، فيكون الاقتصاد نصف معيشة، وقال الطيبي (١): لأن كلًّا من طرفي التبذير والتقتير ينغص كل العيش، فالتوسط نصف العيش، وهذا الكلام لا يخلو عن خفاء، فافهم.
وقوله: (والتودد إلى الناس نصف العقل) لأن تمام عقل المعاش باكتساب الأموال والأسباب والتمدن ببني النوع، وإظهار المودة بالناس، والركون إليهم هو التمدن، فيكون نصفه، وهذا إذا لم يخل بالدين والتقوى، وإلا فالمداراة.
وقوله: (وحسن السؤال نصف العلم) قال الطيبي (٢): فإن السائل الفطن يسأل عما يهمه وما هو بشأنه أعنى، وهذا يحتاج إلى فضل تمييز بين مسؤول ومسؤول؛ فإذا ظفر بمبتغاه فإنه كمل علمه، انتهى.
وأقول: إن العلم سؤال وجواب، وحسن السؤال عبارة عن تنقيح المسؤول وتحقيقه بجميع الشقوق والاحتمالات، حتى يأتي الجواب وافيًا شافيًا، ولا يفوت شيء من المطلوب، وهذا موقوف على مزيد تمييز، فالسؤال على هذا الوجه يكون من قبيل العلم؛ فلا يتوجه أن السؤال ينشأ من جهل وتردد دون علم، فكيف يكون نصف
стр. 4751
١٩ - باب الرفق والحياء وحسن الخلق
ــ
العلم؟ فافهم.
وظهر لك مما ذكرنا أن النصفية محمولة على حقيقتها، ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في مدخلية رعاية الاقتصاد في المعيشة، والتودد في استعمال العقل فيها، وحسن السؤال في تحصيل العلم، كأنه قيل: الأشياء والأسباب الكثيرة لها مدخل في المعيشة، والتودد في استعمال العقل فيها وحسن السؤال في تحصيل العلم، لكن هذه الأشياء المذكورة على طرف، والأشياء الأخر مع كثرتها على طرف، وهذا نصف، وتلك بأجمعها نصف، واللَّه أعلم.
١٩ - باب الرفق والحياء وحسن الخلق
في (القاموس) (١): الرفق بالكسر: ما استعين به، واللطف، رَفَقَ به، وعليه، مثلثة، رفقًا ومَرْفَقًا، كمجلس ومقعد ومنبر، وفي (الصراح) (٢): رفق بكسر: نرمي ونرمي كردن، ضد العنف، من نصر، صلته بالباء، وارفاق نرمي كردن وسود داشتن كسى راء، والحياء بالمد: شرم داشتن، وحقيقتها تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب ويذم، والحياء المحمود انقباض النفس عن القبائح الشرعية وتركها لذلك، وبعبارة أخرى: خلق يمنع من التقصير في حق ذي الحق، وقال السادة الصوفية: الحياء متولدة من رؤية الآلاء ورؤية التقصير، وحسن الخلق قد مرّ تفسيره آنفًا.
стр. 4752
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٠٦٨ - [١] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: "عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ، إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْء إِلَّا شَانَهُ". [م: ٢٥٩٣].
ــ
الفصل الأول
٥٠٦٨ - [١] (عائشة) قوله: (إن اللَّه تعالى رفيق) أي: لطيف بعباده، ويريد بهم اليسر، ولا يكلفهم إلا وسعهم، ولا يحملهم ما لا طاقة لهم به، و (يحب الرفق) من العباد ليرفق بضهم بعضًا، ويعملوا في مصالحهم من طلب الرزق وغيره بالرفق واللطف ولا يعنفوا، ثم أشار إلى استعمال الرفق في طلب الرفق وتحصيل المطالب، ورغب فيه بقوله: (ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)، ورجحه عليه بكونه أعون على حصول المطلب وأنجح للمرام، ثم عمم وأشار إلى ترجيحه على سائر الأسباب مطلقًا قوله: (وما لا يعطي على ما سواه) أي: ما سوى الرفق، ويحتمل أن يكون الضمير في (ما سواه) للعنف على معنى: لا يعطي على ما سوى العنف من الأسباب أيضًا، ولا يختص الحكم بالعنف، هذا هو المفهوم من تقرير كلامهم، والظاهر أن الرفق والعنف كل منهما طريق تحصيل المطالب وكيفية طلبه، لا أنهما سببان مستقلان مفابلان بالأسباب، فالمباشرة بالأسباب لا تخلو إما أن تكون بالرفق أو بالعنف؛ فإن كان بالرفق فلا وجه لترجيحه عليها، وإن كان بالعنف فقد رجحه عليه، فالمغايرة بين
стр. 4753
٥٠٦٩ - [٢] وَعَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٩٢].
٥٠٧٠ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤، م: ٣٦].
٥٠٧١ - [٤] وَعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ". وَفِي رِوَايَةٍ: "الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١١٧، م: ٣٧].
ــ
المعطوف والمعطوف عليه ليس إلا في البيان والعبارة خصوصًا وعمومًا، لا يقال: لعله لا يكون بالرفق ولا بالعنف؛ لأن الرفق والعنف ضدان، والضدان يمكن ارتفاعهما؛ لأنا نقول: إذا كان أحد الضدين مساويًا لنقيض الآخر لا يرتفعان، وهناك كذلك، وأيضًا الرفق والعنف إضافيان، ففي كل مرتبة لا يخلو عن رفق أو عنف، فافهم.
٥٠٦٩ - [٣] (جرير) قوله: (من يحرم الرفق يحرم الخير) يجوز أن يراد بالخير المطالب المرغوبة؛ فإن الرفق لما كان وسيلة إليها؛ فإذا حرم منه حرم منها، وأن يراد بالخير الرفق، والمآل واحد.
٥٠٧٠ - [٣] (ابن عمر) قوله: (وهو يعظ أخاه) أي: يعاتبه عليه ويزجره عنه.
٥٠٧١ - [٤] (عمران بن حصين) قوله: (الحياء لا يأتي إلا بخير) الباء للتعدية.
وقوله: (الحياء خير كله) قال الطيبي (١): قد يشكل على بعض الناس هذا الحديث
стр. 4754
٥٠٧٢ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: . . . . .
ــ
من حيث إن الحياء قد يخل ببعض الحقوق ويمنع عنها، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسؤال عن العلم مثلًا، والجواب أن هذا المعنى الذي ذكرتموه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وجبن، ويسمى حياء بحسب اللغة، وحقيقة الحياء في الشرع: خلق يبعث على ترك القبيح الشرعي، انتهى.
ولعل الصواب أن معنى الحياء انقباض النفس عن ارتكاب القبيح طبعًا وشرعًا، لكن المحمود والممدوح في الشرع أن يكون القبيح شرعيًّا حرامًا أو مكروهًا أو ترك الأولى، فالأظهر في الجواب ما ذكر في بعض الحواشي أن هذه الكلية -أعني الحياء خير كله- مخصوصة بأن يكون موافقًا لرضا الحق، فتدبر.
وأما استحياؤه ﷺ من الأمر بإخراج الذين استأنسوا بالحديث بعد الطعام مع أنه كان حقًا كما أخبر اللَّه سبحانه، فإنما كان قبل أن يوحى إليه، وكان ﷺ مأمورًا بائتلافهم وإيناسهم، وإنما كان يفوته حق نفسه من التفرغ لأهله، فكان قبيحًا عنده، فاستحيا منه، فلما أخبر أنه يؤذيه، وإيذاؤه ﷺ حرام، كف عن الاستحياء وتركه، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، واستحياؤه من عثمان ﵁ بستر فخذه بعد أن تركها مكشوفة عند دخول أبي بكر وعمر ﵁ فإنما كان من جهة أن عثمان كان حييًّا كما ذكره ﷺ ، وكان يتأذى من رؤيتها مكشوفة، فكان كشفها عنده خلاف الأولى؛ فاستحيا منه، فافهم، واللَّه الموفق.
٥٠٧٢ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (إن مما أدرك الناس) بالرفع أو بالنصب على الفاعلية أو المفعولية.
стр. 4755
إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦١٢٠].
٥٠٧٣ - [٦] وَعَن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْم، فَقَالَ: "الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ. . . . .
ــ
وقوله: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) المراد بلفظ الأوامر الخبر، كما في قوله ﷺ : "فليتبوأ مقعده من النار"، ومعناه أن المانع من ارتكاب القبائح الحياء، وإذا لم تستح فعلت ما شئت، أو هو أمر تهديد ووعيد لمن ترك الحياء، كما في ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، أي: اصنع ما شئت، فأنك ستجازى عليه، أو المراد ما لا يستحيا من اللَّه ولا من الناس في شعله فإذا ظهر فافعله، فهو قاعدة لجواز الفعل فيما فيه شبهة، وذلك لمن له قلب صحيح لا يستحي إلا استحياء صحيحًا، أو ورد ذلك في فعل الطاعات إذا تركها استحياء من الخلق وخوفًا من تطرق الرياء، فقال: أنها مما لا يستحيا فيها من اللَّه تعالى ورسوله، فما استحياؤك من الخلق؟ فاصنعها ولا تستح من أحد وتب واستغفر إن تطرق رياء، وهذا المعنى الأخير لا يخلوا فهمه من العبارة عن خفاء.
٥٠٧٣ - [٦] (النواس بن سمعان) قوله: (وعن النواس) بفتح نون وواء مشددة، وقيل: بكسر نون واو مخففة، كذا في (المغني) (١)، (ابن سمعان) بكسر السين وفتحها، فافهم.
وقوله: (البر حسن الخلق) أي: العمدة فيه وأفضل أقسامه ذلك.
وقوله: (والإثم ما حاك في صدرك) أي: أثر فيه وأوقعك في التردد، ولم يطمئن قلبك، فإن ذلك أمارة أن في ذلك شيئًا من الإثم والكراهة، وهذا هو المراد بقوله ﷺ : (استفت قلبك)، وهذا في حق من شرح اللَّه صدره ونور قلبه، ومر ذلك فيما لم يكن
стр. 4756
وَكَرِهْتَ أَن يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٥٣].
٥٠٧٤ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخلَاقًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٥٩].
٥٠٧٥ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٥٩، م: ٢٣٢١].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٠٧٦ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ أُغْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ أُعْطِي حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،
ــ
فيه نص من الشارع وإجماع من العلماء، فكانت النصوص متعارضة والأقوال مختلفة، فيختار أحدها بفتوى القلب.
وقوله: (وكرهت أن يطلع عليه الناس) معناه ما ذكر في توجيه الحديث السابق من الوجه الثالث، فهذا يؤيده.
٥٠٧٤ - [٧] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إن من أحبكم إلي) وما كان محبوبًا إليه ﷺ كان محبوبًا إلى اللَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقد جعله اللَّه على خلق عظيم.
٥٠٧٥ - [٨] (عنه) قوله: (إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا) ومعناه معنى الحديث السابق، والفرق أن الخيرية بحسب الذات، والأحبية بالنسبة إليه ﷺ .
الفصل الثاني
٥٠٧٦ - [٩] (عائشة) قوله: (من أعطي حظه من الرفق. . . إلخ)، يعني أن
стр. 4757
وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ حُرِمَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣٤٩١].
٥٠٧٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّار". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ٥٠١، ت: ٣٠٠٩].
٥٠٧٨ - [١١] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ؟ قَالَ: "الْخُلُقُ الْحَسَنُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٣/ ١٠٧].
ــ
نصيب الرجل من الخير على قدر نصيبه من الرفق، وحرمانه منه على قدر حرمانه منه.
٥٠٧٧ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (البذاء من الجفاء): (البذاء): الكلام القبيح، والبذيء: الرجل الفاحش، وفي (المجمع) (١): البذاء: الفحش في القول، والمباذاة: المفاحشة، والجفاء نقيض البر والصلة، ويقصر، وفي (الصراح) (٢): بذاء بالمد: بيهوده كَفتن، وأصله بذاءة فحذفت الهاء؛ لأن مصادر المضموم العين إنما هي بالهاء، مثل خطب خطابة، وصلب صلابة، وهو بذيء اللسان، والمرأة بذيئة، وبذيت وأبذيت، انتهى.
كأنه يريد ما جاء من مصادره على (فعال) مثل كرامة وشرافة لا مطلقًا.
٥٠٧٨ - [١١] (رجل من مزينة) قوله: (ما أعطي الإنسان) بالرفع والنصب.
стр. 4758
٥٠٧٩ - [١٢] وَفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ. [شرح السنة: ٣٢٢٦].
٥٠٨٠ - [١٣] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ وَلَا الْجَعْظَرِيُّ" قَالَ: وَالْجَوَّاظُ: الْغَلِيظُ الْفَظُّ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "سُنَنِهِ". وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ"، وَصَاحِبُ "جَامِعِ الأُصُولِ" فِيهِ عَنْ حَارِثَةَ. وَكَذَا فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" عَنْهُ، وَلَفْظُهُ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ الْجَعْظَرِيُّ". يُقَالُ: الْجَعْظَرِيُّ: الْفَظُّ الْغَلِيظُ.
وَفِي نُسَخِ "الْمَصَابِيحِ" عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ وَهْبٍ، وَلَفْظُهُ قَالَ: وَالْجَوَّاظُ: الَّذِي جَمَعَ وَمَنعَ، وَالْجَعْظَرِيُّ: الغَلِيظُ الْفَظُّ. [د: ٤٨٥١، شعب: ٧٨٢٣].
٥٠٨١ - [١٤] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَثْقَلَ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي مِيزَانِ الْمُؤمِنِ يَومَ الْقِيَامَة خُلُقٌ حَسَنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ. . . . .
ــ
٥٠٧٩ - [١٢] (أسامة بن شريك) قوله: (شريك) على وزن كريم.
٥٠٨٠ - [١٣] (حارثة بن وهب) قوله: (لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري): (الجواظ) بالظاء المعجمة على وزن شداد، و (الجعظري) على وزن العبقري، وقد جاء في تفسيرهما ما يدل على ترادفهما وما يدل على تباينهما، وحاصلهما معنى: الغليظ الفظ، والمتكبر، والبخيل، وسيئ الخلق.
وقوله: (وفي نسخ المصابيح) أي: في بعضها.
٥٠٨١ - [١٤] (أبو الدرداء) قوله: (في ميزان المؤمن) دليل على أن الكافر
стр. 4759
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الْفَصْلَ الأَوَّلَ [ت: ٢٠٠٢، د: ٤٧٩٩].
٥٠٨٢ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ وَصَائِمِ النَّهَارِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٩٨].
٥٠٨٣ - [١٦] وَعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ١٥٣، ت: ١٩٨٧، دى: ٢٨٣٣].
٥٠٨٤ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ وَبِمَنْ تَحْرُمُ النَّارُ عَلَيْهِ؟ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ. . . . .
ــ
لا اعتداد بمحاسن أخلاقه وأفعاله
٥٠٨٢ - [١٥] (عائشة) قوله (درجه قائم الليل وصائم النهار) يدل على علو درجتهما وإن لم يجتمع (١) بحسن الخلق.
٥٠٨٣ - [١٦] (أبو ذر) قوله: (وأتبع) من باب الإقعال، (السيئة) أى: افعل الحسنه لنفسك أو لغيرك.
قوله: (خالق) أي: خالط وعامل.
٥٠٨٤ - [١٧] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (هين لين) بكسر الياء مشددة وسكونها، كميت وميت، و (الهين) من الهون، وهو السهولة، (لين) أي: حليم، ضد الخشونة، وقيل: هما يطلقان على الإنسان بالتثقيل والتخفيف، وعلى غيره بالتشديد على الأصل،
стр. 4760
قَرِيبٍ سَهْلٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [حم: ١/ ٤١٥، ت: ٢٤٨٨].
٥٠٨٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ". . . . . .
ــ
وعن الأعرابي بالتخفيف للمدح، وبالتشديد للذم، (قريب) أي: من الناس بمجالستهم وملاطفتهم، (سهل) أي: في قضاء حوائجهم، وتمشية أمرهم، وإعانتهم، كذا في بعض الحواشي.
وفي (القاموس) (١): الهون بالفتح: السكينة والوقار، وبالضم: الخزي، ولَانَ يلين لينا وليانًا بالفتح فهو ليّن ولين، كميت وميت، والمخففة في المدح خاصة، وفي (الصراح) (٢): الهون: آرام وآهستكَي كردن، ومنه قوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ورجل سهل الخلق: نوم خو.
ثم اعلم أنه أتي في السؤال بكلا الشقين -أعني حرمة الشخص على النار، وحرمة النار على الشخص- تأكيدًا ومبالغة في بُعده عنها، ولما كان مآل العبارتين إلى معنى واحد اقتصر في الجواب على أحدهما؛ لقربه ولكونه المتعارف في العبارة عن ذلك المعنى.
٥٠٨٥ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم) في (القاموس) (٣): غره غرًا وغرورًا وغرة، بالكسر، فهو مغرور وغَرير: خدعه، وأطمعه
стр. 4761
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٣٩٤، ت: ١٩٦٤، د: ٤٧٩].
ــ
بالباطل، فاغتر هو، والغِّر بالكسر، والخب بالفتح: الخدّاع الجرْبُزُ، ويكسر، وفي (الصراح) (١): غر بالكسر: كار نا آزموده، خب بالفتح والكسر: مرد فريبنده وكربُز، وفي (النهاية) (٢): الخب بالفتح: الخداع، وهو الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد، وقد تكسر خاؤه، والمصدر بالكسر لا غير، ومعنى الحديث على ما قرر في (النهاية): أن المؤمن ليس بذي مكر فهو ينخدع لانقياده ولينه، أي: المؤمن المحمود من طبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر، وترك التجنب عنه، وليس ذلك منه لجهله، بل لكرمه وحسن خلقه.
وقد تقرر بأنه سليم الصدر وحسن الظن بالناس، ولم يجرب بواطن الأمور، ولم يطلع على دخائل الصدور، وهذا يكون في أمور الدنيا وما يتعلق بحقوق نفسه، ويعد الأمر في ذلك سهلًا، ولا يبالي ولا يهتم به، وأما في أمر الآخرة فهو متيقظ مشتغل بإصلاح دينه، والتردد لمعاده، ومع ذلك نبه ﷺ بقوله: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)، أنه لا ينبغي له أن ينخدع، تعليمًا للجزم، وقد سبق أنه عام في أمر الدنيا والآخرة، وقيل: ذلك مخصوص بأمر الآخرة، وأما المنافق فهو خداع مكار يسعى بين الناس بالفساد والمخادعة والمكر، مفتش فتان لا يسامح ولا ينخدع ولا يرضى به عن نفسه، وإن انخدع أحيانًا، فليس ذلك لعلمه واختياره ورضاه.
стр. 4762
٥٠٨٦ - [١٩] وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ، إِنْ قِيدَ انْقَادَ، وَإِنْ أُنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ استَنَاخَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) مُرْسَلًا.
ــ
٥٠٨٦ - [١٩] (مكحول) قوله: (كالجمل الأنف) في (المفاتيح شرح المصابيح) (٢): أنف بمفتوحة مقصورة وكسر نون، وفي (القاموس) (٣): أنف البعير كفرح: اشتكى أنفه من البُرَةِ، فهو أنف ككتف وصاحب، والأول: أصح وأفصح، وفي (الصراح) (٤): أنف: درد مند شدن بيني شتر از جوبك مهار، إيناف: دردمند كردن بيني شتر را، أنف نعت منه، وهو شاذ، والقياس مأنوف كالمصدور الذي يشتكي صدره، والمبطون الذي يشتكي بطنه، انتهى.
ويروى (كالجمل الآنف)، وهو أيضًا بمعنى المأنوف، ويحتمل أن يكون صيغة النسبة.
ونقل الطيبي (٥) أن الأنف بمعنى الذلول، وهو لازم الإيناف، ومعنى الحديث: أن المؤمن شديد الانقياد للشارع في أوامره ونواهيه، متحمل للمشاق فيه، ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى تذللهم وانقيادهم فيما بينهم، وعدم كونهم متكبرين مختالين، وهو في المقصود إطاعة لأمر اللَّه سبحانه.
стр. 4763
٥٠٨٧ - [٢٠] وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَه. [ت: ٢٥٠٧, جه: ٤٠٣٢].
٥٠٨٨ - [٢١] وَعَن سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُؤُوْسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ, وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٢١, د: ٤٧٧٧].
٥٠٨٩ - [٢٢] وَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "مَلأ اللَّهُ قَلبَهُ أَمْنًا وَإِيْمَانًا". وَذُكِرَ حَدِيثُ سُوْيَدٍ: "مَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ" فِي (كِتَابِ اللِّبَاسِ). [د: ٤٧٧٨].
ــ
٥٠٨٧ - [٢٠] (ابن عمر) قوله: (أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) هذا الحديث يدل على أفضلية الصحبة من العزلة، وجاء في فضل العزلة أيضًا أخبار وآثار، وفيه تفضيل ذكره القوم في كتبهم, وقد استوفي ذلك في كتاب (إحياء العلوم) فارجع إليه.
٥٠٨٨, ٥٠٨٩ - [٢١, ٢٢] (سهل بن معاذ) قوله: (من كظم غيظًا) في (القاموس) (١): كظم غيظه: رده وحبسه، والباب: أغلقه، والنهر والخوخة: سدهما.
стр. 4764
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٠٩٠ - [٢٣] عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسْلَامِ الْحَيَاءُ". رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسلًا. [م: ٢/ ٩٥].
٥٠٩١، ٥٠٩٢ - [٢٤, ٢٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. [جه: ٤٢٣٤، شعب: ٧٣١٨].
ــ
الفصل الثالث
٥٠٩٠, ٥٠٩١, ٥٠٩٢ - [٢٣، ٢٤، ٢٥] (زيد بن طلحة) قوله: (زيد بن طلحة) تابعي، قيل: صوابه يزيد بن طلحة، والذي في (جامع الأصول) (١): زيد بن بن ركانة، أخرج حديثه [مالك في] "الموطأ" (٢) في الحياء.
وقوله: (وخلق الإسلام الحياء): (الإسلام) اسم لهذا الدين القيم الذي أتى به محمد ﷺ وللحياء كمال تعلق وغلبته (٣) , في هذا الدين؛ لأنه شعبه من الإيمان، وعليها مدار الإتيان بالمحاسن، والكف عن القبائح، وهذا الدين أعظم الأديان وأكملها، قد تمت فيه مكارم الأخلاق ومكارمها (٤)، وقال السيوطي (٥): أي فيما شُرِع فيه الحياء بخلاف ما لم يشرع كتعلم العلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحكم، وأداء الشهادات على وجهها، أقول: الحياء حقيقة هو الحياء من اللَّه في ترك القبائح
стр. 4765
٥٠٩٣ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ (١) ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحَيَاءَ وَالإِيمَانَ قُرَنَاءُ جَمِيعًا، فإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرُ".
٥٠٩٤ - [٢٧] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "فَإِذَا سُلِبَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ الآخَرُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيْمَانِ". [شعب: ٧٣٣١, ٧٣٣٠].
٥٠٩٥ - [٢٨] وَعَنْ مُعاذٍ قَالَ: كَانَ آخِرُ مَا وصَّانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ أَنْ قَالَ: "يَا مُعَاذُ! . . . . . .
ــ
الشرعية، وقد مر تحقيقه في قوله: (الحياء خير كله)، فلا حاجة إلى التقييد.
٥٠٩٣، ٥٠٩٤ - [٢٦، ٢٧] (ابن عمر) قوله: (إن الحياء والإيمان قرناء) قال الطيبي (٢): فيه دليل لمن يقول: إن أقل الجمع اثنان، وفي بعض النسخ (قُرِنا) على صيغة التثنية بلفظ المجهول، فلا دليل، ويطابقه قوله: (فإذا رفع) بلفظ المجهول.
٥٠٩٥ - [٢٨] (معاذ) قوله: (كان آخر ما وصاني به) حين وجهه لقضاء اليمن.
وقوله: (حين وضعت رجلي في الغرز) بمعجمة مفتوحة، فراء ساكنة، فزاي: موضع الركاب من رحل البعير، كالركاب للسرج، قاله الباجي (٣)، وفي (القاموس) (٤): غرز رجله في الغرز -وهو ركاب من جلد-: وضعها فيه، وفي (الصراح) (٥): غرز: ركاب جرمين كه بر بالان نهند، يقال: غرزت رجلي في الغرز، وبائ در ركاب آوردن.