← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مَؤُوْنَةَ النَّاسِ، وَمنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ" وَالسَّلَامُ عَلَيْك. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤١٤]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥١٣١ - [٩] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ ذَاكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ " [لقمان: ١٣]، وَفِي رِوَايَةٍ: "لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٣٧، م: ١٢٤]. ــ (وَكَلَه اللَّه) بتخفيف الكاف، أي: تركه معهم أي: خذله، ولم يدفع شرهم عنه. الفصل الثالث ٥١٣١ - [٩] (ابن مسعود) قوله: (أينا لم يظلم نفسه؟ ) فهم الأصحاب من الظلم معنى المعصية كما هو الظاهر من لبسه بالإيمان؛ فإن الشرك لا يلبس ولا يخلط به، فنبه صلوات اللَّه وسلامه عليه أن المراد به الشرك، وأيده بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولما وقع قوله: ﴿بِظُلمٍ﴾ مطلقًا لا بد [أن] ينصرف إلى الكامل منه مع ما في التنوين من التعظيم، وهذا تفهيم وتنبيه منه ﷺ له، وليس مداره على هذا الاستدلال؛ لأن ما قال النبي ﷺ في تفسير كتاب اللَّه يكون هو المراد البتة.

стр. 4797

٥١٣٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١) عَبْدٌ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٩٦٦]. ٥١٣٣ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الدَّوَاوِينُ ثَلَاثةٌ: دِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُهُ اللَّهُ: . . . . . ــ وأما توهم عدم لبس الظلم بهذا المعنى وخلطه بالإيمان فساقط، لأن المشركين كما كانوا يعبدون اللَّه يعبدون الأصنام، وكفى في ذلك قوله سبحانه تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وتحقيقه أن الإشراك يكون في الوجود والخالقية والعبادة، والآية واردة في شأن عبدة الأصنام، أو المراد بالإيمان [الإيمان] باللسان وكتم الإشراك في القلب، فتكون واردة في المنافقين، فافهم. ٥١٣٢ - [١٠] (أبو أمامة) قوله: (عبد أذهب آخرته بدنيا غيره) المراد من يظلم الناس ليحصل به دنيا لأحد كما يفعله العمال وأعوان الظلمة، ويحتمل أن يراد من يعظِّم أهل الدنيا لدنياهم ويطيعهم، فيظلم نفسه بذلك، فيذهب آخرته بذلك، والأول هو الظاهر كما لا يخفى. ٥١٣٣ - [١١] (عائشة) قوله: (الدواوين) جمع ديوان، في (القاموس) (٢): الديوان بالكسر ويفتح: مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش، وأهل

стр. 4798

ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَقْتَصَّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ: ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَذَاك إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وإن شَاءَ تَجَاوَزَ عَنهُ". ٥١٣٤ - [١٢] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى (١) حَقَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمْنَعُ ذَا حَقٍّ حَقَّهُ". ــ العطية، وأول من وضعه عمر ﵁، والجمع دواوين، وفي (الصحاح) (٢): أصل ديوان دَوَّان، فعوّض من إحدى الواوين، لأنَّه يجمع على دَواوين، ولو كانت الياء أصلية لقالوا دياوين، يقال: دونت الدواوين، انتهى. ومادة الدون للجمع والقرب، وإنما سمي ديوانًا؛ لأنه مجتمع من الأوراق، والمراد في الحديث صحائف الأعمال. وقوله: (حتى يقتص بعضهم من بعض) أو يرضي اللَّه الخصماء بعضهم عن بعض كما ورد ذلك في الحديث. وقوله: (لا يعبأ اللَّه) العِبْءُ بالكسر: الحمل، والثقل من أيّ شيء كان، فمعناه ليس له ثقل ووزن عند اللَّه، وفهب (الصراح) (٣): عبأ: باك داشتن، يقال: ما عبأت به، أي: ما باليت به، قوله تعالى: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ [الفرقان: ٧٧]. ٥١٣٤ - [١٢] (علي) قوله: (فإنما يسأل اللَّه تعالى حقه) فمن عفا نزل عن حقه، وهو إيثار، وله درجة عظيمة.

стр. 4799

٥١٣٥ - [١٣] وَعَنْ أَوْسِ بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُقَوِّيَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الإِسْلَام". ٥١٣٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَلَى وَاللَّهِ حَتَّى الْحُبَارَى لَتَمُوتُ فِي وَكْرِهَا هُزْلًا لِظُلْم الظَّالِمِ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٧٠٦٩، ٧٠٦١، ٧٢٦٩, ٧٠٧٥]. * * * ــ ٥١٣٥ - [١٣] (أوس بن شرحبيل) قوله: (من مشى مع ظالم) أي: وافقه وماشاه في الرأي ويذهب مذهبه. ٥١٣٦ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فقال أبو هريرة: بلى واللَّه) لما كان قوله: (لا يضر إلا نفسه) في معنى قوله: ولا يضر غيره أثبته بقوله: بلى يضر غيره. وقوله: (حتى الحبارى. . . إلخ)، أي: كأن الرجل أراد أن الظالم وإن تعدى وضرّ المظلوم في الظاهر ولكن في الحقيقة لم يضر إلا نفسه، وضرره عائد إليه، والمظلوم يجد جزاءهُ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، فالحصر في قول الرجل إضافي بالنسبة إلى من ظلمه، وهو ﵁ حمله على العموم كما أفاده، والغالب أنه سمعه من رسول اللَّه ﷺ ، أو أخذه مما ورد أن القطر قد يحبس بشؤم ذنوب الناس ومظالمهم، ويلزم منه هلاك الحيوانات، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وإنما خص بالحبارى لما تقرر عندهم أنها أبعد الطير نُجْعَةً، أي: طلبًا للكلأ ومنابت الغيث، قالوا: إنها قد يوجد في حوصلتها الحبة الخضراء التي لا تنبت

стр. 4800

٢٢ - باب الأمر بالمعروف * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥١٣٧ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدريِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيْمَانِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٩]. ــ إلا بالبصرة، وبين وكرها وبين البصرة مسيرة أيام، وكذلك قد يكون وكرها في بعض الجبال، ومكان الماء بينه على مسيرة أيام، فيكون هلاكها أدل على القحط وإمساك المطر. ٢٢ - باب الأمر بالمعروف (المعروف) ما عرف في الشرع، يعني أمرًا معروفًا فيه بين الناس يعرفونه ولا ينكرونه إذا رأوه، والمنكر: أمر لا يعرف في الشرع، بل منكر ينكره من رآه، كالشخص الذي لا يعرفه الناس وينكرونه إذا رأوه، في (القاموس) (١): المعروف: ضد المنكر، وفي (الصراح) (٢): نكرة: ناشناسي ضد معرفة، ومن العجب أن المصنف لم يعنون الباب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع شيوع ذكرهما معًا في القرآن والأحاديث في مواضع كثيرة، وبعض الأحاديث المذكورة صريحة في النهي عن المنكر، فكأنه جعل النهي عن المنكر أمرًا بالمعروف الذي هو ضده، وهو تكلف. الفصل الأول ٥١٣٧ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فإن لم يستطع فبقلبه) معنى التغيير

стр. 4801

٥١٣٨ - [٢] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ. . . . . ــ بالقلب كراهته بقلبه والتأثر منه، وبغض فاعليه، والمراد التغيير باليد واللسان لو قدر، لا بمجرد الإنكار، فإنه ليس فيه معنى التغيير. ٥١٣٨ - [٢] (النعمان بن بشير) قوله: (مثل المدهن) من الإدهان، وهو المحاباة في غير حق، والمساهلة في الأمر، والتليين في الكلام، والمداهنة: أن يرى منكرًا ولم يغيره مع القدرة عليه لاستحياء، أو قلة مبالاة في الدين، أو لمحافظة جانب المرتكب، وفي (القاموس) (١): المداهنة: إظهار خلاف ما يضمر كالإدهان، وفي (الصراح) (٢): مداهنت: جرب زباني، ومصانعت كردن، إدهان: صنعت كردن. قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، انتهى. وفي التفسير (٣): ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ [القلم: ٩]، أي: تلاينهم؛ بأن تدع نهيهم عن الشرك، أو توافقهم فيه أحيانًا، ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ فيلاينونك بترك الطعن والموافقة، انتهى. والمداراة في اللغة بمعنى المداهنة، في (الصراح) (٤): مداراة: نرمي كردن، وفي (القاموس) (٥) في فصل العين: المصانعة: الرشوة، والمداراة، والمداهنة.

стр. 4802

وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً، فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا، وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا، فتأَذَّوْا بِهِ، ــ وقد وقعت الرخصة في المداراة، وهي ليست بمذمومة، بل تستحسن في بعض المواضع، وفي كلامهم: دارهم ما دمت في دارهم، فيفرق بينها وبين المداهنة، ويقال: المداراة ما كان لحفظ الدين من الضياع والتشوش ودفع الضرر والظلم، والمداهنة ما يكون لحظ النفس وطلب الدنيا وجلب المنافع من الناس من غير مبالاة بالدين، وهي مذمومة، فاعلم أنه ضرب رسول اللَّه ﷺ مثلًا للمدهن في حدود اللَّه أي: الذي يداهن ويترك الاعتراض والإنكار على من يتعدى حدود اللَّه، ويقع فيها بإرتكاب ما نهى اللَّه عنه. وقوله: (استهموا سفينة) أي: اقترعوا واقتسموا سكناها بالقرعة، أي: كل أخذ من القوم مكانًا وعينوه بالقرعة، في (القاموس) (١): السهم: القدح يقارع به، والجمع سهام، و (السفينة) مشتق من سفن يسفن: قشره، سمي بها لقشرها وجه الأرض. وقوله: (يمر بالماء) أي: يجيء بالماء من أسفلها إلى أعلاها، ويأخذ الماء ويذهب إلى موضعه، ففي ذهابه يمر عليهم بالماء ويتأذون من ذلك، وقيل: المراد بالماء البول والغائط ليطرحه في البحر، وهذا أظهر في التأذي، ثم لا يخفى أن ما ذكر من النقر وأخذ القوم بيده ومنعهم عنه كافٍ في التمثيل، وذكر ما قبله من القصة لبيان ذكر الباعث على النقر، وعادة الناس في استهام السفينة ومجيء السافلين فوق السفينة للماء، وتأذي العالين منه، وإن حملت هذه القصة على الواقع وإخباره ﷺ عما وقع

стр. 4803

فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: تأَذَّيْتُمْ بِي وَلَا بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٩٦]. ــ في سالف الزمان فلا بعد، لكن الذي يتبادر إلى الذهن هو ذكره على سبيل الفرض والتمثيل، واللَّه أعلم. وقوله: (فجعل ينقر أسفل السفينة) ليأخذ الماء أو ليبول. وقوله: (ولا بد لي من الماء) أي: من شربه واستعماله على الوجه الأول، أو من طرحه وإلقائه على الوجه الثاني؛ (فإن أخذوه على يديه) لئلا ينقر السفينة نجا ونجوا، وإلا هلك وهلكوا، فكذلك إن منع الناس العاصي من العصيان نجوا من عذاب اللَّه ونجا، وإن تركوه يفعل المعاصي ولم ينهوه عن ذلك نزل عليه العذاب بعصيانه وعليهم بالمداهنة أو بشؤم معصيته، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وإنما كرر الفعل في (أنجوه ونجوا أنفسهم)، و (أهلكوه وأهلكوا أنفسهم) إشارة إلى أن كل واحد من الفريقين مستقل ومستبد في النجاة والهلاك وارتفاع العذاب ونزوله، فافهم، فالذي في أعلى السفينة مثل للمدهن في الحدود، والذي في أسفلها مثل للواقع فيها، والأخذ باليد للنهي، ونجاة الناهي والمنهي لفائدة النهي، وهلاكهما لعاقبة تركه، وإنما جمع فرقة النهاة ووحّد الناقر إشارة إلى أن المسلمين لا بد أن يتعاونوا على النهي، كذا قال الطيبي (١)، ويمكن أن يقال: وإلى أن المعصية ينبغي أن تكون أقل وقوعًا بين المسلمين.

стр. 4804

٥١٣٩ - [٣] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيهِ فَيَقُولُونَ: أَي فُلَانُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٦٧، م: ١٩٨٩]. ــ ٥١٣٩ - [٣] (أسامة بن زيد) قوله: (فتندلق) أي: تخرج بالسرعة، دلق السيف من غمده: أخرجه، وسيف دلق ككتف، وصبور وحمراء: سهل الخروج من غمده، وفي (الصراح) (١): اندلاق: بيش شدن، واندلق السيف، أي: خرج من غير سل، وكل ما يدر خارجًا فقد اندلق، و (الأقتاب) جمع قتب بالكسر: المعى، كالقتبة، وفي (الصراح) (٢): قتب بالكسر: دوده، أقتاب جمع، وهي مؤنث عند الكسائي، قال الأصمعي: واحدها قتبة بالهاء. وقوله: (فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه) قال في (مجمع البحار) (٣) نقلًا عن بعض شروح "صحيح البخاري": المعروف هو المعروف، وإن كان في أكثرها مجهولًا، يعني أن المشهور من الرواية (يطحن) على لفظ المعلوم، وإن وقع في أكثر الروايات أو في أكثر النسخ على لفظ المجهول، والضمير للرجل، وفي (فيها) للأمعاء، أي: يدور ويتردد في أقتابه، أي: يدور حول أقتابه ويضربها برجله، وهكذا في الطيبي

стр. 4805

* الفَصْلُ الثَّانِي: ٥١٤٠ - [٤] عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَده لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ عِنْدهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ وَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٦٩]. ــ أيضًا (١)، يعني لما كان الدوران لازمًا للطحن ذكر الطحن وأريد الدوران، فمعنى يطحن فيها: يدور فيها، أي: يدور حولها. وأقول: يحتمل أن يكون الضمير في (فيها) للنار، ويكون مفعول (يطحن) الأقتاب محذوفًا، ويوافقه قوله: (كطحن الحمار) بالإضافة إلى الفاعل وحذف المفعول، أي: كطحن الحمار الدقيق، ويقل التكلف على هذا التقدير في بيان المعنى، فافهم. وأما وجه المناسبة والمشابهة بين هذا الفعل في الآخرة وبين فعله في الدنيا فلا يخلو عن خفاء ودقة، وبيّنه الطيبي (٢) وقال: إن المشبه في الدنيا الرجل يدور حول رحى الأمر بالمعروف، ويتعب فيه ويكد كالحمار، وما له من نصيب مما يحصل إلا الكد والتعب، وكذا في الآخرة يدور حول أقتابه التي شبهت بكلامه الذي خرج منه فيدوسها برجله، ويطحنها كطحن الحمار الدقيق. الفصل الثاني ٥١٤٠ - [٤] (حذيفة) قوله: (أو ليوشكن اللَّه أن يبعث عليكم) أي: أحد الأمرين واقع البتة: إما الأمر والنهي، وإما إنزال العذاب وعدم استجابة الدعاء في دفعه بحيث لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ فإن كان الأمر والنهي لم يكن عذاب، وإن لم يكونا كان

стр. 4806

٥١٤١ - [٥] وَعَنِ الْعُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٣٥]. ٥١٤٢ - [٦] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: "إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا. . . . . ــ عذاب عظيم، وفهم عظمة العذاب إما من التنوين أو من قوله: (من عنده). ٥١٤١ - [٥] (العرس) قوله: (وعن العرس) بضم المهملة وسكون الراء ومهملة (ابن عميرة) على وزن صغيرة. وقوله: (في الأرض) إنما قال: في الأرض دون المجلس ليناسب ذكر الحاضر والغائب، أي: في مكان منها بعضهم فيه حاضر، وبعضهم عنه غائب، بخلاف المجلس، فإنه مناسب للحاضر فقط، فافهم. وقوله: (كان كمن غاب عنها) أي: على تقدير عدم القدرة على التغيير باليد واللسان، ويمكن أن يراد بالكراهة معنى شامل للتغيير باليد واللسان. ٥١٤٢ - [٦] (أبو بكر الصديق) قوله: (إنكم تقرؤون هذه الآية) أي: وتجرونها على عمومها في الأشخاص والأوقات وتمتنعون عن الأمر والنهي مطلقًا، وليس كذلك (فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول. . . إلخ)، فكان يوعد على ترك تغيير المنكر، فلا بد أن يكون مخصوصًا بما لم يسمع ويعلم عدم تأثيره، فحينئذ يسقط الوجوب؛

стр. 4807

عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ". وَفِي أُخْرَى لَهُ: "مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ". وَفِي أُخْرَى لَهُ: "مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَكْثَرُ مِمَّن يَعْمَلُهُ". [جه: ٤٠٠٥، ت: ٢١٦٨، د: ٤٣٣٨]. ٥١٤٣ - [٧] وَعَن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّروا عَلَيْهِ وَلَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ. . . . . ــ لما قيل: إن الآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم، كما قال لنبيه ﷺ : ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الكهف: ٦] أو بزمان يأتي من بعد، كما روي أنها قرئت عند ابن مسعود فقال: إن هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة، ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم، كذا في "الكشاف" (١)، ويدل على هذا حديث ثعلبة الآتي، وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك فنزلت، وقيل: من الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته، فمعنى الآية: لا يضركم ضلالة من ضل إذا نهيتم عن ذلك، وعلى هذا فالحديث واقع تفسيرًا للآية، فالضرر هو عموم العذاب على تقدير ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقدير الكلام: إنكم تقرؤون هذه الآية وتفهمون أن معناها عدم وجوب الأمر والنهي، وليس كذلك، فإني سمعت. . . إلخ، فيكون مدلول الآية وجوب الأمر والنهي، فافهم. ٥١٤٣ - [٧] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (إلا أصابهم اللَّه) أي: القوم (منه) أي:

стр. 4808

قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٣٣٩، جه: ٤٠٠٩]. ٥١٤٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رأيتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ، فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامِّ، فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، فَمَنْ صَبَرَ فِيهِنَّ قَبَضَ عَلَى الْجَمْرِ، ــ من عدم تغييرهم، أو من الرجل الذي يعمل المعاصي لأجل عدم تغييرهم؛ فلا يتوهم أن هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٧]، فإن ترك التغيير وزر صدر منهم أو من عند اللَّه، والباء في (بعقاب) للتعدية، ومعنى (قبل أن يموتوا) أي: في الدنيا. ٥١٤٤ - [٨] (أبو ثعلبة) قوله: (فقال) التقدير أنه سئل عن ذلك القول فقال. وقوله: (بل ائتمروا، وتناهوا) أي: مروا وانهوا، ذكر اللازم مقام المتعدي، والأثر مقام المؤثر، (شحًّا مطاعًا وهوى متبعًا) عرف معناهما في آخر (الفصل الثالث) من (باب الغضب والكبر)، (ودنيا مؤثرة) أي: مختارة على الآخرة، من الإيثار، (وإعجاب) بكسر الهمزة: وجدان الشيء حسنًا، أي: أن يجد كل واحد رأيه ومذهبه حسنا، (ورأيت أمرًا لابد لك منه) البد: التفرق، كالتبديد، بدده تبديدًا: فرقه، فتبدد، في (القاموس) (١): لا بد: لا فراق ولا محالة.

стр. 4809

لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُم؟ " قَالَ: . . . . . ــ والمعنى: رأيت أمرًا يميل إليه طبعك من الصفات الذميمة، حتى إن أقمت بين الناس وقعت فيه لا محالة، فاعتزلهم لئلا تقع فيه، كذا قال الطيبي (١). ويحتمل أن يكون معناه: رأيت في نفسك أمرًا لابد لك منه، وتحتاج وتضطر إليه، فإن أمرتهم فاتك ذلك الأمر الضروري، فلابد من السكوت للضرورة والاحتياج. وفي بعض الحواشي (٢): أو المعنى: رأيت من الناس لا بد لك من السكوت عليه لعجزك وعدم قدرتك، وهذا المعنى وإن كان بعيدًا من اللفظ لكن يؤيده الرواية بالياء التحتانية، أي: لا يد لك. وقوله: (أجر خمسين) أي: الذين لم يبتلوا ببلائه. وقوله: (فإن وراءكم) فسروه في الحواشي بقدامكم، وفي (الصراح) (٣): وراء: سبس وبيش وهو من الأضداد، وفي (القاموس) (٤): الوراء: خلف، وقدام، ضد. وقوله: (قبض على الجمر) في (القاموس) (٥): قبضه بيده يقبضه: تناوله بيده، وعليه بيده: أمسكه، ويده عنه: امتنع، والجمر والجمرة: النار المتقدة.

стр. 4810

"أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه. [ت: ٣٠٥٨، جه: ٤٠١٤]. ٥١٤٥ - [٩] وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلَمْ يَدَع شَيْئًا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: "إِنَّ الدُّنْيا حُلْوَة خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلَا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ"، وَذَكَرَ: "إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ فِي الدُّنْيَا، ــ وقوله: (أجر خمسين منكم) يدل على فضل هؤلاء في الأجر على الصحابة من هذه الحيثية، وقد جاء أمثال هذا [في] أحاديث أخر، وتوجيهه كما ذكروا أن الفضل الجزئي لا ينافي الفضل الكلي، وقد تكلم ابن عبد البر في هذه المسألة وقال: يمكن أن يجيء من بعد الصحابة من هو في درجة بعض منهم، أو أفضل، ومختار العلماء خلافه. ٥١٤٥ - [٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فلم يدع شيئًا) أي: مما يتعلق بالدين، أي: كلياته، أو هو مبالغة إقامة للأكثر مقام الكل، واللَّه أعلم. وقوله: (حلوة خضرة) أي: لذيذة في قلوب الناس وناعمة طرية في أعينهم، والعرب تسمي الشيء الناعم خضرًا تشبيهًا له بالخضراوات في سرعة زوالها، ففيه بيان أنها غَدَّارَةٌ تَفْتِنُ الناس بحسنها ولذتها، نعوذ باللَّه منها. وقوله: (مستخلفكم) أي: جاعلكم خلفاء، أي: وكلاء، ففيه أن أموالكم ليست لكم بل للَّه سبحانه، جعلكم في التصرف فيها بمنزلة الوكلاء، أو جاعلكم خلفاء الأرض ممن كان قبلكم، وأعطاكم ما كان في أيديهم، (فناظر كيف) تتصرفون وتعتبرون. وقوله: (لكل غادر) الغدر ضد الوفاء، ونقض العهد، كضرب ونصر وسمع.

стр. 4811

وَلَا غَدْرَ أَكْبَرُ مِنْ غَدْرِ أَمِيرِ الْعَامَّةِ يُغْرَزُ لِوَاؤُهُ عِنْدَ اسْتِهِ". قَالَ: "وَلَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ"، وَفِي رِوَايَةٍ: "إِنْ رَأَى مُنْكَرًا أَنْ يُغَيِّرَهُ"، فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْنَاهُ، فَمَنَعَتْنَا هَيْبةُ النَّاسِ أَنْ نَتَكَلَّمَ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: "أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَن يُولَدُ مُؤمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا"، قَالَ: وَذَكَرَ الْغَضَبَ. . . . . ــ وقوله: (من غدر أمير العامة) إضافة (غدر) إلى (أمير العامة) إلى الفاعل، وأمير العامة: المتغلب الذي استولى على بلاد المسلمين بمعاضدة العامة خارجًا على الإمام الحق. وقوله: (يغرز لواؤه عند استه) الاست: حلقة الدبر، وأصله سته، ولذا جاء جمعه أستاه، وإنما يغرز لواؤه على استه إهانة له وتشهيرًا به. وقوله: (أن يقول بحق) مفعول (لا يمنعن)، و (هيبة الناس) فاعله، وذكر القول بناءً على ما هو الغالب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمراد تغييره ولو باليد، وقوله: (رأيناه) أي: المنكر، وذلك في إمارة أمراء الجور من بني أمية. وقوله: (ومنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت كافرًا. . . إلخ)، الأقسام تزيد على هذا؛ فإن الحالات ثلاثة: الولادة والحياة والموت، والإيمان، والكفر، ولكن المقصد بيان الخاتمة أنه على الإيمان أو الكفر، فذكر ما ذكر وترك ما وراءه، فافهم. وقوله: (قال: وذكر الغضب) الظاهر أن ضمير (قال) لأبي سعيد، و (ذكر)

стр. 4812

"فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ سَرِيعَ الْغَضَبِ، سَرِيعَ الْفَيْءِ، فَإِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءِ، فَإِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى، وَخِيَارُكُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الْفَيْءِ، وَشِرَارُكُمْ مَنْ يَكُونُ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءِ"، قَالَ: "اتَّقُوا الْغَضَبَ، فَإِنَّهُ جَمْرَةٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَلَا تَرَوْنَ إِلَى انْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ؟ وَحُمْرَةِ عَيْنَيْهِ؟ فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَضْطَجِعْ وَلْيَتَلَبَّدْ بِالأَرْضِ"، قَالَ: وَذَكَرَ الدَّيْنَ فَقَالَ: "مِنْكُمْ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ الْقَضَاءِ، وَإِذَا كان لَهُ أَفْحَشَ فِي الطَّلَبِ، ــ للنبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون ضمير (قال) أيضًا له ﷺ ، وذكر الغضب جملة معترضة بين (قال) ومقوله، وأما قوله بعد هذا: (قال: وذكر الدين فقال) يؤيد الأول. وقوله: (فإحداهما بالأخرى) أي: إحدى الخصلتين مقابلة بالخصلة الأخرى لا يستحق فاعلها المدح ولا الذم. وقوله: (فليضطجع) قد سبق في (باب الغضب): إذا كان قائمًا فليجلس؛ فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع، ولا شك أن الاضطجاع أدخل، وقد مر وجهه أيضًا. وقوله: (وليتلبد) أي: ليلتزق، في (القاموس) (١): لبد كنصر وفرح لبودًا ولبدًا: أقام ولزق. وقوله: (وإذا كان) أي: الدين (له) على أحد (أفحش) أي: قال الفحش، فهذا قضاؤه حسن وطلبه سيِّيء.

стр. 4813

فَإِحدَاهُما بِالأُخْرَى، وَمِنْهُم مَن يكونُ سَيِّئَ الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجْمَلَ فِي الطَّلَبِ، فَإِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى، وَخِيَارُكُمْ مَنْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَحْسَنَ الْقَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجْمَلَ فِي الطَّلَبِ، وَشِرَارُكُمْ مَنْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَسَاءَ الْقَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَفْحَشَ فِي الطَّلَبِ". حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُؤُوْسِ النَّخْلِ وَأَطْرَافِ الْحِيطَانِ فَقَالَ: "أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٩١]. ٥١٤٦ - [١٠] وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَنْ يَهْلِكَ النَّاسُ حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٤٧]. ــ وقوله: (حتى إذا كانت الشمس) متعلق بقوله: (قام فينا خطيبًا). وقوله: (فيما مضى) أي: بالنسبة إلى ما مضى. وقوله: (إلا كما بقي) الكاف بمعنى المثل، أي: لم يبق شيء إلا مثل ما بقي. ٥١٤٦ - [١٠] (أبو البختري) قوله: (أبي البختري) بفتح الموحدة والمثناة بينهما معجمة ساكنة بلفظ النسبة. وقوله: (لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم) المشهور من الرواية بضم الياء على صيغة المعلوم من الإعذار، في (القاموس) (١): أعذر فلان، أي: كثرت ذنوبه

стр. 4814

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعيوبه، ومنه: لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم، وقال في (الصراح) (١): اعذار بسيار عيب شدن، وفي الحديث: (لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم)، أي: تكثر ذنوبهم، وقيل في توجيهه: إن الهمزة للسلب، أي: أزالوا عذرهم بكثرة اقتراف الذنوب، فيستوجبون العقوبة من اللَّه والمنع والزجر من الناس بالنهي عن المنكر، ويحتمل أن يكون من (أعذر)، أي: صار ذا عذر، فالهمزة للصيرورة، والمعنى: حتى يذنبوا فيعذروا، فصاروا محل الاعتذار من أنفسهم، أو يعتذرون بتأويلات زائغة وأعذار فاسدة من قبل أنفسهم، وفي (القاموس) (٢): أعذر: أبدى عذرًا وأحدث، وفي (الصراح) (٣): اعذار صاحب عذر شدن، وقال الطيبي (٤): هذا الوجه أنسب بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان الناهي ينكر عليه ذنبه، وهو يتبرأ من الذنب ويعذر لنفسه ولإقدامه عليه، انتهى. وقد ظهر مناسبة المعنى الأول أيضًا بالباب بما قررناه، وقد جعل أهل اللغة الحديث بهذا المعنى كما نقلنا، ويروى بفتح الياء من عذرته، أي: جعلته معذورًا، في (القاموس) (٥): عَذَره يَعذِره عُذْرًا وعُذُرًا وعُذْرى ومَعذِرة [ومَعذُرة]، فكأنهم بكثرة ذنوبهم عذروا من يعاتبهم ويزجرهم وينهاهم عنها، فافهم. وسيجيء في حديث آخر:

стр. 4815

٥١٤٧ - [١١] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَوْلًى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانيهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُوا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ العامَّةَ والخاصَّةَ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٤١٥٥]. ــ (لقد أعذر اللَّه إلى من بلغ به من العمر ستين سنة) في (الفصل الأول) من (باب الأمل والحرص)، وفي (الصراح) (١): عذر بالضم والسكون: بهانه ومعذور داشتن، معذرة بكسر الذال عذرى وعذرة اسم في العذر، يعني بهانه اعتذار عذر خواستن وبا عذر شدن، انتهى. ونقل في (مجمع البحار) (٢) من "النهاية" (٣): أن حقيقة عذرت محوت الإساءة وطمستها، وكأنه أخذ هذا المعنى مما ذكر في (الصراح) (٤): عذر نابيدا شدن اثر عمارت وجزآن، فتدبر. ٥١٤٧ - [١١] (عدي بن عدي) قوله: (إن اللَّه تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة) أي: لا يعذب القوم كلهم بذنب عمله بعض منهم إلا بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإذا تركوا عمهم عذاب المذنبين؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بارتكاب الذنوب وغيرَهم لأنهم ظلموا بترك النهي عنها، فافهم.

стр. 4816

٥١٤٨ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُد وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ". قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: "لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطِرُوهُمْ أَطْرًا". . . . . ــ ٥١٤٨ - [١٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (وآكلوهم) وفي بعض النسخ: (وواكلوهم)، في (الصراح) (١): مؤاكلة: باهم خردن، يقال: آكلته، أي: أطعمته وأكلت معه، فصار (أفعلت) و (فاعلت) على صورة واحدة، ولا يقال: واكلته بالواو، وفي (القاموس) (٢): آكله الشيء: أطعمه إياه ودعاه عليه، كأكّله تأكيلًا، وفلانًا مواكلة وإكالًا: أكل معه كواكله في لُغَيَّة. وقوله: (فضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض) في (القاموس) (٣): أضرب الشيء بالشيء: خلطه كضرّبه، والضريب: اللبن يحلب من عدّة لِقاح في إناء. وقوله: (فلعنهم على لسان داود. . . إلخ)، اقتباس لقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]. وقوله: (لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم أطرأ) الأطر: عطف الشيء

стр. 4817

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايتِهِ قَالَ: "كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِم، وَلَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ". [ت: ٣٠٤٧، د: ٤٣٤٧]. ــ وإمالته، أطرته: عطفته، والفعل كضرب ونصر، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصحاح) (٢): كضرب، وأطرت القوس، أي: حَنَيْتَها، وورد في آدم: أنه كان طوالًا فأطر اللَّه منه (٣)، أي: ثناه وقصره ونقص من طوله، والإطار بكسر الهمزة: الحلقة من الناس، وقضبان الكرم تلتوي للتعريش، وما يفصل بين الشفة وبين شعر الشارب، وورد في قص الشارب: حتى يبدو الإطار، يعني حرف الشفة العليا، ومنه: إطار القوس، وإطار الظفر، وهو ما أحاطه بالظفر من اللحم، وإطار الْمُنْخُل، وهو خشبته، وإطار الحافر، وكل شيء أحاط بشيء فهو إطار له. والمعنى: لا تنجون من العذاب حتى تميلوهم من جانب إلى جانب، وتأخذوا على أيديهم، وتمنعوهم من الظلم، وتميلوهم من الباطل إلى الحق، وتقصروهم على الحق، أي: تحبسوهم عليه وتلزموهم إياه، فعلى هذا كانت (لا) نفيًا لقول قائل: هل يُعْذَر في تخلية الظالمين وشأنهم؟ أو هل النجاة في تركهم؟ فقال: لا حتى تأطروهم، والقسم معترض بين الغاية والمغيا، وليست (لا) التي يجيء بها القسم تأكيدًا له مثل: لا واللَّه، كما قال الطيبي (٤).

стр. 4818

٥١٤٩ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جبريلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ". رَوَاهُ في "شَرْحِ السُّنَّةِ"، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ"، وَفِي رِوَايته قَالَ: "خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُوْنَ، وَيَقْرَؤُوْنَ كِتَابَ اللَّهِ وَلَا يَعْمَلُونَ". [شرح السنة: ٤١٥٩، شعب: ١٦٣٧]. ٥١٥٠ - [١٤] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَأُمِرُوا أَنْ لَا يَخُونُوا وَلَا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، ــ ويحتمل أن يكون تلك، ويكون المغيا لـ (حتى) محذوفًا، والتقدير: لا واللَّه لا تنجون حتى تأطروهم، ويؤيد التوجيه الأول قوله في رواية أبي داود: (كلا واللَّه)، (أو ليضربن اللَّه) أي: أحد الأمرين واقع، إما أمركم بالمعروف، وإما خلط قلوب بعضكم على بعض، وما بعد (لتأمرن) تفسيرٌ وبيانٌ له. ٥١٤٩ - [١٣] (أنس) قوله: (يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم) التعذيب لنسيان أنفسهم لا للأمر، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]: إن الإنكار راجع إلى عدم الفعل لا إلى القول، ولا ينافي جواز الأمر بالمعروف مع عدم فعله كما هو المختار. ٥١٥٠ - [١٤] (عمار بن ياسر) قوله: (أنزلت المائدة) هي الخوان إذا كان عليه الطعام، كذا قال البيضاوي (١)، وفي (الصراح) (٢): المائدة: هي خوان عليه طعام،

стр. 4819

فَخَانُوا وَادَّخَرُوا، وَرَفَعُوا لغَدٍ، ــ يعني خوان آراسة؛ فإذا لم يكن عليه طعام فهي خوان، واشتقاقها من ماد يميد ميدًا وميدانًا: إذا تحرك، ومنه: (فدحا اللَّه الأرض فمادت، فسكنت من الميدان برسوب الجبال)، وفي ذم الدنيا: (هي الحيود الميود) فعول منه، وماد الماء: تحرك، وماد الشراب: اضطرب، ومادت الأغصان: تمايلت، وماد الرجل: تبختر، وأصابه دوار من سكر أو ركوب بحر، وفي الحديث: (المائد في البحر له أجر شهيد) (١)، وهو من يدار برأسه من ريح البحر واضطراب السفينة، والظاهر أن اشتقاق المائدة من ماده: إذا أعطاه، وفي (القاموس) (٢): الممتَادُ: المُستَعْطِي والمُستعطَى، وهي فاعلة بمعنى مفعولة، مثل ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، وقال البيضاوي (٣): كأنها تُميد من تقدَّم إليه، ونظيرها قولهم: شجرة مطعمة، انتهى. أو هي صيغة النسبة، وقد تطلق المائدة على الطعام نفسه، قال في (القاموس) (٤): المائدة: الطعام، والخوان عليه طعام، كالميدة، والطعام هو المراد من الحديث: إذا رفعت مائدته قال: الحمد للَّه، على ما روي أنه ﷺ لم يأكل على خوان، والظاهر فيما نحن فيه من الحديث أيضًا حمله على الطعام؛ لأن خبزًا ولحمًا تمييزان منه. وقوله: (فخانوا) أي: فلم يمنعهم أحد منهم، ولم ينههم عن هذا المنكر، فيوافق الباب.

стр. 4820

فمُسِخوا قِرَدَةً وخَنَازِيرَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٠٦١]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥١٥١ - [١٥] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ تُصِيبُ أُمَّتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ سُلْطَانِهِمْ شَدَائِدُ، لَا يَنْجُو مِنْهُ إِلَّا رَجُلٌ عَرَفَ دِينَ اللَّهِ، فَجَاهَدَ عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَقَلْبِهِ، فَذَلِكَ الَّذِي سَبقَتْ لَهُ السَّوَابِقُ، وَرَجُلٌ عَرَفَ دِينَ اللَّهِ فَصَدَّقَ. . . . . ــ وقوله: (فمسخوا قردة وخنازير) حالان مقدرتان، كقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩]، كذا قال الطيبي (١)، ويحتمل أن يضمن يمسخون معنى يجعلون (٢)، فيكون مفعولًا ثانيًا له. الفصل الثالث ٥١٥١ - [١٥] (عمر بن الخطاب) قوله: (لا ينجو منه) الضمير للسلطان أو للشدائد بتأويل المذكور أو المنكر. وقوله: (سبقت له السوابق) من السعادة، والبشرى بالمثوبة، والتوفيق للطاعة، ويقال: له سابقة في هذا الأمر: إذا سبق الناس إليه، ومحصله أنه من السابقين، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠، ١١]. وقوله: (عرف دين اللَّه فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه. . . إلخ)، ذكر المعرفة في ثلاث مواضع، وفسرها في الأول بما هو اكمل وأرفع المراتب، وهو الجهاد بيده ولسانه وقلبه، فلا بد أن يكون ما بعده بلا واسطة أقرب منه، وعبر عنه بقوله: (فصدق

стр. 4821

بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ دِينَ اللَّهِ فَسَكَتَ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَأَى مَنْ يَعْمَلُ الْخَيْرَ أَحَبَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَأَى مَنْ يَعْمَلُ بِبَاطِلٍ أَبْغَضَهُ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ يَنْجُو عَلَى إِبْطَانِهِ كلِّهِ". ٥١٥٢ - [١٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْحَى اللَّهُ إِلَى جِبْرِيلَ ﵇: أَنِ اقْلِبْ مَدِينَةَ كَذَا وَكَذَا بِأَهْلِهَا، فَقَالَ: يَا رَبِّ! إِنَّ فِيهِمْ عَبْدَكَ فُلَانًا لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ــ به) فيكون المراد به المعرفة باللسان والقلب، إذ التصديق بالقلب، واللسان مترجم عنه بقرينة مقابلة القسمين، والثالث: يكون أدنى، وعبر عنه بقوله: (فسكت)، فلا يكون إلا بالقلب فقط، فهذه ثلاث مراتب أشير إليها في كتاب اللَّه بطريق الترقي من الأدنى إلى الأعلى بقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي: ناقص في حظه، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أي: متوسط، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وكلهم من عباد اللَّه المصطفين بالإيمان؛ لقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]. وقوله: (فإن رأى) بيان وتفصيل للقسم الأخير، والضمير في (إبطانه) للرجل، [من] إضافة المصدر إلى الفاعل، والمفعول محذوف، أي: محبة الخير وبغض الباطل، و (عمل) يتعدى بنفسه وبالباء، ولا يخفى ما في استعمال الأول في الخير والثاني في الباطل من اللطف والإشارة إلى مزيد شوق وحرص في عمل الخير والانجذاب إليه بلا واسطة، فافهم. ٥١٥٢ - [١٦] (جابر) قوله: (فلانًا) في (القاموس) (١): فُلان وفُلانة مضمومتين

стр. 4822

قَالَ: فَقَالَ: اقْلِبْهَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ فِيَّ سَاعَةً قَطُّ". ٥١٥٣ - [١٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَا لَكَ إِذَا رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ فَلَمْ تُنْكِرْهُ؟ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَيُلَقَّى حُجَّتَهُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! خِفْتُ النَّاسَ وَرَجَوْتُكَ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٧١٨١، ٧١٨٩، ٧١٦٧]. ــ كناية عن أسمائنا، وبـ (أل) عن غيرنا، وقد يقال للواحد: يا فُلُ، وللاثنين: يا فُلانِ، وللجمع: يا فُلُونَ، وفي المؤنث: يا فُلَةُ ويا فلتَانِ ويا فُلَاتُ، ومنع سيبويه أن يقال: يا فُلُ ويراد فلان إلا في الشعر، انتهى. وقوله: (لم يتمعر) في (القاموس) (١): معر وجهه: غيّره غيظًا، فتمعر، والممعور: المقَطِّب غضبًا، وفي (الصراح) (٢): تمعر: بركَشتن رنك روئ از خشم. ٥١٥٣ - [١٧] (أبو سعيد) قوله: (فيلفى حجته) أي: يؤتى ويعلم، قال البيضاوي (٣) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] لتؤتاه، وفي (القاموس) (٤): ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ يُلْقَى إليك وحيًا من اللَّه تعالى. وقوله: (فيقول: يا رب! خفت الناس ورجوتك) أي: خفت سطوتهم وشرهم ولم أكن قادرًا على دفعه، ورجوت عفوك؛ فإنك تعلم ضعفي وحالي.

стр. 4823

٥١٥٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَده إِنَّ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ خَلِيقَتَانِ تُنْصَبَانِ لِلنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَمَّا الْمَعْرُوفُ فَيُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ وَيُوعِدُهُمُ الْخَيْرَ، وَأَمَّا الْمُنْكَرُ فَيَقُولُ: إِلَيْكُمْ إِلَيْكُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُ إِلَّا لُزُومًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٤/ ٣٩١، شعب: ١٠٦٦٦]. ــ ٥١٥٤ - [١٨] (أبو موسى الأشعري) قوله: (خليقتان) أي: مخلوقتان، يعني يصوران ويمثلان في صورة إنسان. وقوله: (ويوعدهم الخير) في (القاموس) (١): وعده الأمر وبه خيرًا وشرًّا؛ فإذا أسقطا قيل في الخير: وعد، وفي الشر: أوعد، وقالوا: (أوعد) الخير وبالشر، وقد مر في أوائل الكتاب في (باب الوسوسة). وقوله: (إليكم إليكم) أي: تنحوا عني، (وما يستطيعون له إلا لزومًا) أي: لا يستطيعون مفارقته. * * *

стр. 4824

(٢٦) كتاب الرقاق

стр. 4825

(٢٦) كتاب الرقاق * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥١٥٥ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٢]. ــ ٢٦ - كتاب الرقاق جمع رقيق، كصغار وكبار جمع صغير وكبير، ضد الغليظ، وقد يجيء رقائق كحقائق ودقائق جمع رقيقة، وموصوفها الكلمات، والرقة قد تجيء بمعنى الرحمة، ولعل وصف الكلام بذلك لكونه مؤثرًا في رقة القلب وإحداثه الرحمة فيه، ولو جعل (فعيل) بمعنى (مفعل) من التفعيل كما يجيء بمعنى المفعل من الإفعال كبديع ونذير على مختار البيضاوي في تفسيره لم يبعد. الفصل الأول ٥١٥٥ - [١] (ابن عباس) قوله: (نعمتان مغبون فيهما) الغبن بالسكون نقصان المال والخسران فيه في المعاملات، وبالتحريك في الرأي بمعنى ضعفه ونقصانه. وقوله: (نعمتان) مبتدأ، و (مغبون فيهما) صفة، و (الصحة والفراغ) خبره، وهذا لرعاية ما اشتهر من وجوب تخصيص المبتدأ النكرة، والذي ينساق الفهم ويتبادر إليه في الحديث هو أن يكون الخبر (مغبون) ويكون قوله: (الصحة والفراغ) خبر مبتدأ محذوف، وهذا المعنى جيد، فافهم وأنصف من نفسك، والصحة صحة البدن،

стр. 4826

٥١٥٦ - [٢] وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْينْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٥٨]. ٥١٥٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، قَالَ: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ " فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، قَالَ: "فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُم". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٥٧]. ٥١٥٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٥٦]. ــ والفراغ الفراغ عن المشاغل والموانع عن العمل. ٥١٥٦ - [٢] (المستورد بن شدّاد) قوله: (ما الدنيا) أي: نعيمها أو مدة بقائها. وقوله: (وأصبعه) الأصبع مثلثة الهمزة مثلثة الباء، تسع لغات، وقد تذكر، كذا في (القاموس) (١). ٥١٥٧ - [٣] (جابر) قوله: (أسك) أفعل من السك، والسك: اصطلام الأذنين، وفي (الصراح) (٢): سك ازبن بركندن كَوش، وفي الحواشي (٣): الأسك: مقطوع الأذنين أو صغيرهما، يقال للذي لا أذن له. ٥١٥٨ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) أما سجن

стр. 4827

٥١٥٩ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٠٨]. ــ المؤمن فلما يصيبه فيها من البلايا والمحن والآلام، وجنة الكافر لتنعمه وتمتعه فيها بالشهوات واللذات، أو لأنها ضيقة على المؤمن يريد الخروج منها دائمًا إلى فضاء القدس وقرب رب العالمين، والكافر يتمنى الخلود فيها لركونه إليها وانهماكه في الشهوات، وقد يشتبه هذا بالمؤمن الغني المتنعم والكافر الفقيه المبتلى فيقال: إن الدنيا للمؤمن كالسجن في جنب ما أعدّ له من الثواب وإن كان له فيها تنعم، وللكافر كالجنة في جنب ما أعدّ له من العقاب، وإن كان له محنة وشدة. ٥١٥٩ - [٥] (أنس) قوله: (إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنة) أي: لا ينقصه إياها، متعدي إلى مفعولين، كذا قال الطيبي (١)، ويحتمل أن يكون أحد المنصوبين بالحذف والإيصال. وقوله: (يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة) الباء في الموضعين يحتمل أن تكون للسببية أو البدلية، والمفعول الثاني محذوف، أي: يعطى المؤمن بتلك الحسنة في الدنيا حسنة ويجزى بها في الآخرة حسنة، وقول الطيبي (٢): إن الباء في قوله: (يعطى بها) إن حملت على السببية فيحتاج إلى مقدر، أي: يعطى بسببها حسنة، وإن حملت على البدل فلا، وأما الباء في (يجزى بها) فهي للسببية مما لا يظهر وجهه،

стр. 4828

٥١٦٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَاره". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنْ عِنْدَ مُسْلِمِ: "حُفَّتْ" بَدَلَ "حُجِبَتْ". [خ: ٦٤٨٧، م: ٢٨٢٢]. ٥١٦١ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَم وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، ــ ومعنى الحديث: أن المؤمن يثاب بالحسنة في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فيجزى جزاءً وافيًا، وأما في الدنيا فيعطى أيضًا شيئًا منه، كطيب العيش، وفراغ الخاطر، وسلامة الحال، والكافر قد يعطى بما فعل من الحسنات في الدنيا، وأما في الآخرة فلا جزاء له، أي: من الجنة ونعيمها، وإلا فقد جاء في بعض الأخبار أنه قد يفيده تخفيفًا في العذاب، واللَّه أعلم. ٥١٦٠ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره) أي: الشدائد من العذاب والمجاهدات، فمن وصل بها وعملها وصل إلى الجنة ودخلها، ومن وصل بالشهوات وارتكبها دخل النار؛ فإن ما كان في الحجاب وجب الوصول إليه والدخول عليه بالوصول إلى الحجاب والدخول فيه، ثم رفعه وهتكه، وبهذا عرف لقولهم: العلم حجاب اللَّه معنى، فافهم. ٥١٦١ - [٧] (وعنه) قوله: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة) التعس: الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط، والفعل كمنع وسمع، وإذا خاطبت قلت: تعست كمنع، وإذا حكيت قلت: تعس كسمع، وتعسه اللَّه وأتعسه، ورجل تاعس وتعس، كذا في (القاموس) (١)، والخميصة: ثياب سود فيها علم، وفي

стр. 4829

إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتُقِشَ، ــ (الصراح) (١): كَليم سياه جهار سوء علم، أراد بها محب الثياب النفيسة والحريص على التجمل والمتكلف فيه ليري الناس ويتكبر به عليهم، وهو دعاء على من استعبده حب الدنيا، ولهذا ذكر العبد ولم يقل مالكها أو صاحبها. (إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط) قال الطيبي (٢): وهذا يؤذن بشدة حرصه في جمع الدنيا وطمعه فيما في أيدي الناس، انتهى. ويمكن أن يراد إن أعطاه اللَّه ورزقه ذلك رضي منه، وإن لم يعطه ويرزقه (٣) سخط له تعالى، كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]. وقوله: (تعس وانتكس) نكسه: قلبه على رأسه كنكّسه، وفي (الصراح) (٤): انتكاس: نكَو نسار شدن، ناكس: سر بروفكَنده، وهو تكرير وتأكيد للدعاء عليه بالهلاك والذل والخيبة والخسران. وقوله: (وإذا شيك فلا انتقش) أي: دخل شوك في عضوه، وهو كناية عن إصابة البلاء، و (انتقش) ببناء المجهول، أي: فلا أخرج منه ذلك الشوك، والنقش: استخراج الشوك، وما يخرج به مِنْقاش ومِنْقش، وهذا دعاء آخر عليه بعدم إعانة أحد

стр. 4830

طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثُ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٌ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَة، ــ إياه في الشدة والبلاء ليسهل عليه ويتسلّى، وهذا أبلغ؛ لأنه أسهل ما يتصور من الإعانة؛ فإذا نفي كان ما فوقه منفيًّا بطريق الأولى، ثم إنا جرينا في حمل هذا الكلام على معنى الدعاء على طريقة الشارحين واتبعناهم، ولكن للحمل على الإخبار بسوء حالهم وهلاكهم وانكبابهم وانتكاس أمرهم مجال واسع، فيكون إشارة إلى أنهم كما خابوا وهلكوا عند اللَّه كذلك خسروا وتضرروا عند الخلق، وصاروا بحيث إذا ابتلوا بشدة ومحنة في الدنيا لم يعنهم أحد ولم يترحم عليهم؛ لأنهم لما صاروا إلى الدنيا بخلوا ولم يحسنوا إلى الناس حتى يحبونهم ويعينوهم في الشدائد، فافهم. وقوله: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه. . . إلخ)، لما ذكر قبيح حال عبيد الدنيا المتكبرين المتزينين زينة الحياة الدنيا أردفه بذكر المهتمين بأمر الدين، المجاهدين في سبيل اللَّه، الزاهدين في الدنيا وزينتها، المتواضعين لأمر الشرع، أذلة في أعين أهل الدنيا أعزة عند اللَّه تعالى. وقوله: (أشعث) منصوب على الحالية من (عبد)، أو مجرور صفة له، أو مرفوع على الخبرية لمحذوف، و (رأسه) فاعله، وكذلك (مغبرة قدماه). وقوله: (إن كان في الحراسة) أي: إن أمروه بكونه في أمر الحراسة كان راضيًا به وممتثلًا أمر المسلمين، أو المراد إن كان في الحراسة كان فيها كاملًا؛ لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على فخامة الجزاء وكماله، مثل: شعري شعري، و (الساقة) مؤخر الجيش.

стр. 4831

وَإِن اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٨٧]. ٥١٦٢ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا"، فَقَالَ رجلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ حَتَّى ظَننَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ وَقَالَ: . . . . . ــ وقوله: (إن استأذن) أي: الناس في دخوله عليهم وجلوسه مجلسهم (لم يؤذن له) لحقارته في أعين أهل الظاهر، وهو مقرب حضرة اللَّه ومعزز عنده، (وإن شفع) الناس في أمر (لم يشفع) لم تقبل شفاعته؛ لعدم مبالاة الناس به، وهو بحيث لو أقسم على اللَّه لأبره. ٥١٦٢ - [٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (أو يأتي الخير بالشر؟ ) الباء للتعدية، أي: حصول المال بالغنائم لنا خير، وهل يكون ذلك الخير سببًا للشر وترك الطاعة؟ وقوله: (فمسح عنه الرحضاء) بضم الراء وفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة ممدودًا، كذا في (مشارق الأنوار) (١)، وفي (القاموس) (٢): هي عرق إثر الحمى، أو عرق يغسل الجلد كثرة، وقد رحض المحموم كعني، والرحاض بالضم اسم منه، وفي (النهاية) (٣): الرحض الغسل، وفي حديث أواني المشركين: (إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء)، والرحيض: الثوب المغسول، والرحضاء: هو عرق يغسل الجلد لكثرته، وكثيرًا ما يستعمل في عرق الحمى والمرض.

стр. 4832

"أَيْنَ السَّائِلُ؟ " وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكلَةَ الْخَضِرِ أَكَلَتْ حَتَّى امْتَدَّتْ خَاِصرَتَاهَا اسْتقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ. . . . . ــ وقوله: (وكأنه حمده) جعلوا المضمر المرفوع للنبي ﷺ والمنصوب للسائل، أي: أثنى عليه في سؤاله، فأجابه لأنه كان محل السؤال والاستفسار. وقوله: (إنه لا يأتي الخير بالشر) إشارة إلى أن المال وإن كثر فهو خير، وإنما يصير شرًّا بعارض البخل والإسراف، كالربيع ما أنبت إلا ما هو خير في نفسه، والهلاك للإفراط في الأكل كما بينه بقوله: (وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا) والحبط بفتحتين: التخمة، وفي (القاموس) (١): وجع ببطن البعير من كلأ يكثر منه فتنتفخ منه، فلا يخرج منه شيء، حبط كفرح، أو انتفاخ البطن عن أكل الذُّرق، وفي (الصراح) (٢): حبط بالتحريك: شكم برآمدن ستور را از خردن، ويروى من الخاء المعجمة من التخبط، وهو الاضطراب، كذا في (مجمع البحار) (٣)، ولا شك أن الأول أقرب وأنسب، واللَّه أعلم. وقوله: (أو يلم) من الإلمام، وهو المقاربة، في (القاموس) (٤): وغلام مُلِمٌّ، بضم أوله: قارب البلوغ، فالمعنى ما يقارب القتل. وقوله: (إلا آكلة الخضر) استثناء مفرغ، أي: يقتل آكليه كلهم إلا آكل الخضر بالصفة المذكورة المبنية بقوله: (أكلت حتى امتدت. . . إلى آخره)، و (آكلة) على

стр. 4833

فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ، ــ لفظ اسم الفاعل، وتأنيثه بتقدير موصوفه مؤنثًا، أي: دابة آكلة، أو جماعة آكلة، أو التاء للمبالغة، والاستثناء المفرغ في الكلام الموجب صحيح عند إرادة العموم، و (الخضر) بكسر الضاد: من النبات الرخص الغض، قال الأزهري: والخضر هنا ضرب من الجنبة، والجَنْبة: ما له أصل غامض في الأرض، فالماشية تشتهيه وتكثر منه؛ لأنه يبقى فيه خضرة ورطوبة بعد يبس البقول وهيجها، واحده خضرة، كذا في (مشارق الأنوار) (١)، وفي (القاموس) (٢): الخضر ككتف: الغصن والزرع والبقلة الخضراء كالخضرة والخضير، وضرب من الجنبة، واحدته بهاء، وسعف النخل، وجريده الأخضر، واختُضِرَ: أُخِذَ غَضًّا، ثم إنه جاء عند العذري في حديث أبي الطاهر: (الخضرة) بزيادة التاء، أي: النبات الأخضر الناعم، وعند الطبري وبعضهم: الخضر بضم الخاء وسكون الضاد، والرواية الأولى أعرف، وكذا في أكثر الأحاديث والروايات، كذا قال القاضي عياض، وقال الكرماني: الخضراء بسكون ضاد ومد، أي: من جملة ما ينبته الربيع شيء يقتل إلا خضراء إذا اقتصد فيه آكله، وروي (ألا) بخفة لام استفتاحية، أي: ألا انظروا لآكله واعتبروا بها (٣). وقوله: (فثلطت) أي: ألقت ما في بطنها رقيقًا، إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت، فتحيلت في دفعه بأن تستقبل الشمس فتحمي بها فسهل خروجه؛ فإذا خرج زال الانتفاخ فسلمت، يعني المقتصد المحمود العاقبة وإن جاوز حد الاقتصاد في بعض الأحيان

стр. 4834

وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦٥، م: ١٠٥٢]. ــ وقرب من السرف المذموم لغلبة الشهوة المركوزة في الإنسان لكنه يرجع عن قريب عن ذلك الحد المذموم ولا يثبت عليه، بل يلتجئ إلى التوبة وعلاج نفسه بما يطهره ويزكيه، فهذا إشارة إلى الاقتصاد في شهوات الدنيا كما أن الأول المذكور في قوله: (يقتل حبطًا) إشارة إلى الإسراف والتجاوز عن الحد، بل لا يبعد أن يدّعى أن في الحديث تلويحًا إلى قسم ثالث، وهو الزهد في الدنيا وزينتها مطلقًا، فالمفرط السرف الذي هلك في لذات الدنيا وشهواتها مثال للكافر، والذي أسرف لكنه قد يتحرى في إزالة ذلك ويحتال في دفع مضرتها مثال للمؤمن العاصي، والذي يزهد فيها ولا يلتفت إلى الدنيا وزهرتها مثال للزهد، ولو جعلت الأمثلة الثلاثة للمؤمنين، الأول لمرتكب المعاصي المصرّ عليها، والثاني لمن يفعل ويرجع ثم يقع ويتردد حاله تارةً فتارةً للمؤمن المتوسط الحال، والثالث للزاهد المتقي المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] لم يبعد، فتدبر. ثم بيَّنَ سبب الوقوع في الإسراف وثبات من يثبت وزلة من زلّ بقوله: (وإن هذا المال خضرة حلوة. . . إلخ)، قال القاضي عياض (١): (خضرة) بفتح الخاء وكسر الضاد، كذا وقع للأصيلي بزيادة التاء في (كتاب الوصايا)، و (كتاب الخمس)، وفي غير هذا الموضع: (خضر حلو) بغير تاء، والخضر بكسر الضاد: من النبات الرخص

стр. 4835

٥١٦٣ - [٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠١٥، م: ٢٩٦١]. ــ الغض، والبقلة الخضراء: التي علت من الريّ، واحدته خضرة، وعلى رواية (خضرة) فالتأنيث بمعنى تأنيث الدنيا، أي: الفتنة بها، أو تأنيث المشبه بها، أي: كالخضرة، وقال ثابت: معناه أن المال شهي كالبقلة الخضرة، أو يكون بمعنى فائدة المال، كأنه قال: الحياة به أو العيشة فيه خضرة، أي: ناعمة مشتهاة، أو يكون المال بمعنى الدنيا، انتهى. ٥١٦٣ - [٩] (عمرو بن عوف) قوله: (فتنافسوها) أصله تتنافسوا، والتنافس: الرغبة في الشيء، وشيء نفيس ومنفوس ومنفس كمخرج: يتنافس فيه ويرغب، وقد نفس ككرم نفاسة ونفاسًا، والنهي عن الرغبة فيه إما لأنها تبعث على جمعها وإمساكها، وإما لأنه يؤدي إلى المنازعة والمقاتلة، كذا قال الطيبي (١)، وفي (القاموس) (٢): نفس به كفرح: ضَنَّ، ونفس عليه: حسد، وهذان المعنيان أيضًا يصح إرادتهما، وعلى كل تقدير الضمير في (تنافسوها) منصوب على نزع الخافض، إما في أو الباء أو على. وقوله: (كما تنافسوها) على صيغة الماضي، والضمير فيه لـ (من كان قبلكم).
следующие страницы →