تُوُفِّيَ وَتَرَكَ دِينَارًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيَّةٌ"، قَالَ: ثُمَّ تُوُفِّيَ آخَرُ فَتَرَكَ دِينَاريْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيَّتَانِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ والبيهقيُّ في "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٥/ ٢٥٢، شعب: ٣٢٣٨].
٥٢٠٣ - [٤٩] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى خَالِهِ. . . . .
ــ
في (القاموس) (١): كانوا أضياف الإسلام، كانوا يبيتون في صفة مسجده ﷺ ، وهي موضع مظلل من المسجد، وفي (مجمع البحار) (٢) من (النهاية): أهل الصفة: فقراء المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة [يسكنونه]، ومن الكرماني: وهو بضم صاد وتشديد فاء، وهم زهاد من الصحابة فقراء غرباء، وكانوا سبعين ويقلون حينًا ويكثرون، ومن شرح (جامع الأصول): يسكنون صفة المسجد لا مسكن لهم ولا مال ولا ولد، وكانوا متوكلين ينتظرون من يتصدق عليهم بشيء يأكلونه ويلبسونه.
وقوله: (فقال رسول اللَّه ﷺ : كيّة) تغليظ وتشديد، وهو في الحقيقة عقاب على الدعوى الكاذبة للزهد والفقر، أشار إليه بقوله: رجل من أصحاب الصفة، وأما الآية الكريمة: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣٥]، ففي الكنز من دون إخراج الزكاة، وذلك بالاتفاق، وقد كان الأكابر من الصحابة أغنياء وما عابهم وزجرهم، وقد فضلوا على فقرائهم مع ما اختص به الفقراء من الفضائل من وجه آخر.
٥٢٠٣ - [٤٩] (معاوية) قوله: (دخل على خاله) لأن هند أم معاوية كانت بنت عتبة.
стр. 4867
أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ يَعُودُهُ، فَبَكَى أَبُو هَاشِمٍ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا خَالُ؟ أَوَجَعٌ يُشْئِزُكَ أَمْ حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا؟ قَالَ: كَلَّا وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَهِدَ إِلَيْنَا عَهْدًا لَمْ آخُذْ بِهِ، قَالَ: وَمَا ذَلِكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، وَإِنِّي أُرَانِي قَدْ جَمَعْتُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ. [حم: ١٥٦٦٤، ت: ٢٣٢٧، ن: ٢٣٧٢، جه: ٤١٥٥].
ــ
وقوله: (أبي هاشم بن عتبة) السابق ذكره برواية هذا الحديث مختصرًا في (الفصل الثاني).
وقوله: (أوجع يشئزك) على لفظ المضارع المعلوم من باب الإفعال، في (القاموس) (١): شئز كفرح شأزًا وشؤوزًا، فهو شئز، وشاز: غلظ، وارتفع، واشتد، وشئز الرجل: قلق وذعر، وفي (الصراح) (٢): شأز درشت شدن جائ وبى آرامى، إشآز بى آرام كردانيدن وسخن بني آرام كردن.
وقوله: (أم حرص على الدنيا؟ ) أي: فنعطيك ما تريد منها.
وقوله: (عهد إلينا) يعني أصحابه جميعًا، وفيه تعريض، وقد كانت رواية ما سبق (عهد إليّ).
وقوله: (لم آخذ به) تواضع واقتصار على التحسر بحاله، ويمكن أنه من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ﴾ [يس: ٢٢].
وقوله: (قد جمعت) أي: أنواعًا كثيرة من المال وما اكتفيت بخادم ومركب.
стр. 4868
٥٢٠٤ - [٥٠] وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: قُلْتُ: لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا لك لَا تَطْلُبُ كَمَا يَطْلُبُ فُلَانٌ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُودًا لَا يَجُوزُهَا الْمُثْقِلُونَ"، فَأُحِبُّ أَنْ أَتَخَفَّفَ لتِلْكَ الْعَقَبَةِ.
٥٢٠٥ - [٥١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ مِنْ أَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ إِلَّا ابْتَلَّتْ قَدَمَاهُ؟ " قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "كَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا يَسْلَمُ مِنَ الذُّنُوبِ". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٩٩٢٣, ٩٩٧٣].
٥٢٠٦ - [٥٢] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ،
ــ
٥٢٠٤ - [٥٠] (أم الدرداء) قوله: (وعن أم الدرداء) زوجة أبي الدرداء، كانت من فضلاء الصحابيات.
وقوله: (ما لك لا تطلب) أي: رسول اللَّه ﷺ أو الأصحاب، (فقال: إني سمعت) الظاهر أنه بكسر الهمزة، ويعيد تعليل الحكم السابق، ولا حاجة إلى تقدير اللام وفتح (أن) كما قيل، و (العقبة) بفتحتين: مرقًى صعبٌ من الجبال، وتكأدني الأمر: شق علي، وعقبة كؤود وكأداء: صعبة، كذا في (القاموس) (١).
٥٢٠٥ - [٥١] (أنس) قوله: (لا يسلم من الذنوب) صغائر أو كبائر، بل الغالب أن المراد الثاني، فإن الصغائر قلما يخلو عنها أحد.
٥٢٠٦ - [٥٢] (جبير بن نفير) قوله: . . . . .
стр. 4869
وَلَكِنْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٨ - ٩٩]، رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي "الْحِلْية" عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ. [شرح السنة: ٤٠٣٦، حلية: ٢/ ١٣١].
٥٢٠٧ - [٥٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْيًا عَلَى أَهْلِهِ وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ مِثْلُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا مُكَاثِرًا مُفَاخِرًا مُرَائِيًا لَقِي اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي "الْحِلْيَةِ". [شعب: ٧/ ٢٩٨، حلية: ٣/ ١٠٩].
٥٢٠٨ - [٥٤] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ هَذَا الْخَيْرَ خَزَائِنُ،
ــ
(﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾) أي: الموت، والمعنى: اعبده ما دمت حيًّا ولا تخل عن العبادة لحظة، وإذا كان الأمر كذلك كيف تشتغل بالدنيا وتجارتها.
٥٢٠٧ - [٥٣] (أبو هريرة) قوله: (استعفافًا) الاستعفاف: طلب العفاف، والتعفف: هو الكف عن الحرام والسؤال عن الناس.
وقوله: (مرائيًا) أي: إن تصدق وأنفق في سبيل اللَّه فعله للرياء؛ لأن الرياء إنما يكون في الطاعات، فثفس المال تجري فيه المفاخرة دون المراءاة، فافهم.
٥٢٠٨ - [٥٤] (سهل بن سعد) قوله: (إن هذا الخير) الخير: المال الكثير، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، والمراد بالخير في قوله:
стр. 4870
لِتِلْكَ الْخَزَائِنِ مَفَاتِيحُ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ مِغْلَاقًا لِلشَّرِّ، وَوَيْلٌ لَعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ مِغْلَاقًا لِلْخَيْرِ". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٢٣٨].
٥٢٠٩ - [٥٥] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا لَمْ يُبَارَكْ لِلْعَبْدِ فِي مَالِهِ جَعَلَهُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ".
٥٢١٠ - [٥٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اتَّقُوا الْحَرَامَ فِي الْبُنْيَانِ؛ فَإِنَّهُ أَسَاسُ الْخَرَابِ". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ١٠٢٣٤، ١٠٢٣٧].
ــ
(مفتاحًا للخير) مقابل الشر، يريد إنفاق المال في سبيل اللَّه وفي مرضاته.
وقوله: (لتلك الخزائن مفاتح) خبر ومبتدأ، والمراد بالمفاتيح المنفقون.
٥٢٠٩ - [٥٥] (علي) قوله: (جعله في الماء والطين) كناية عن البناء، وقد مرّ شرحه.
٥٢١٠ - [٥٦] (ابن عمر) قوله: (اتقوا الحرام في البنيان فإنه أساس الخراب) ذكروا في معناه وجوهًا: أحدها: احذروا إنفاق المال الحرام، فإنه أساس للخراب، أي: لخراب الدين أو البنيان، فيدل على أنه قد يجوز البناء من الحلال. وثانيها: اتقوا ارتكاب الحرام في البنيان، و (في) مثلها في قولهم؛ في البيضة عشرون رطلًا، والبيضة نفسها هذا المقدار، وعلى هذا الوجه يلزم أن يكون فعل البنيان نفسه حرامًا؛ بأن يكون موجبًا للإسراف والتبذير الحرام، أو يكون تشديدًا وتوبيخًا.
وثالثها: أن البناء أساس الخراب، فلو لم يبن لم يخرب، كما في حديث: (لدوا
стр. 4871
٥٢١١ - [٥٧] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٦/ ٧١، شعب: ١٠١٥٤].
٥٢١٢ - [٥٨] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: "الْخَمْرُ جِمَاعُ الإِثْمِ،
ــ
للموت وابنوا للخراب) (١)، وقد يختلج في صدري أن يكون معنى الحديث: لا تبنوا لأجل أن تجالسوا فيه مع الفساق، وترتكبوا الحرام والمعاصي كما يفعله أهل الفسق والعصاة، واللَّه أعلم.
٥٢١١ - [٥٧] (عائشة) قوله: (الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له) حاصل المعنى: من اتخذ الدنيا دار إقامة فكأنه لا دار له؛ لأنه ينتقل منه بعد زمان، ومن جمع أموال الدنيا ولم ينفقه في سبيل اللَّه فكأنه لا مال له؛ لأن المال إنما يحمد للإنفاق، ويجوز أن يكون المراد دار من لا دار له في الآخرة، ومال من لا غناء له في الآخرة.
وقوله: (ولها يجمع) أي: لأجل الدنيا والإقامة والبقاء فيها، أو (لها) متعلق بـ (يجمع) واللام مزيدة لتقوية العمل، كما يقال: لزيد ضربت، أي: يجمع الدنيا، أي: متاعها، (من لا عقل له) لأنه علامة اعتقاد البقاء فيها.
٥٢١٢، ٥٢١٣ - [٥٨، ٥٩] (حذيفة) قوله: (الخمر جماع الأثم) جماع الشيء: جمعه، وفي (الصراح) (٢): جماع الشيء بالكسر: جمع جيزى، يقال: الخمر جماع
стр. 4872
وَالنِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ، وَحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ"، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "أَخِّرُوا النِّسَاءَ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ". رَوَاهُ رَزِينٌ.
٥٢١٣ - [٥٩] وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْهُ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: "حُبُّ الدُّنْيَا (١) رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ". [شعب: ١٠٠١٩].
٥٢١٤ - [٦٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ. . . . .
ــ
الإثم، وقول الطيبي في تفسيره (٢): أي: مجمعه ومظنته، إشارة إلى أن معنى جامعية الخمر للإثم باعتبار كونه مظنة له ومحلًّا يظن فيه وجوده، لا أن من شرب الخمر جمع الآثام كلها بالفعل، بل يحتمل وجودها بعد الشرب؛ لكونها أم الخبائث، (والنساء حبائل الشيطان) جمع حبالة، والحبالة ككتابة: المصيدة، وحبل الصيد واحتبله: أخذه بها، أو نصبها له، وحبائل الموت: أسبابه، كذا في (القاموس) (٣).
وقوله: (وحب الدنيا رأس كل خطيئة) أي: أصلها وموجبها؛ لأن الخطيئة والمعصية إنما ترتكب لمحبة الدنيا وشهواتها، ومحبة الآخرة لا تبعث على ارتكاب المعصية.
وقوله: (حيث أخّرهن اللَّه): (حيث) للتعليل، أي: لأن اللَّه أخرهن، أو للمكان، أي: أخروهن في مواضع أخرهن اللَّه فيها.
٥٢١٤ - [٦٠] (جابر) قوله: (إن أخوف ما أتخوف) اسم التفضيل بمعنى
стр. 4873
عَلَى أُمَّتِي الْهَوَى وَطُولُ الأَمَلِ، فَأَمَّا الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وَهَذِهِ الدُّنْيَا مُرْتَحِلَةٌ ذَاهِبَةٌ، وَهَذِهِ الآخِرَةُ مُرْتَحِلَةٌ قَادِمَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تَكُونُوا بَنِي الدُّنْيَا فَافْعَلُوا؛ فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ فِي دَارِ الْعَمَلِ وَلَا حِسَابَ، وَأَنْتُمْ غَدًا فِي دَارِ الآخِرَةِ وَلَا عَمَلَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ١٠١٣٢].
٥٢١٥ - [٦١] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ. [خ: كتاب الرقاق، باب الأمل وطوله].
ــ
المفعول بحذف الصلة، أي: أخوف مخوفاتي على أمتي، أي: ما يخاف منه، أو يكون من أخاف اسم بمعنى خوف، أي: أشد موجبات خوفي عليهم.
وقوله: (وهذه الدنيا) قد يراد باسم الإشارة للقريب التحقير والإهانة، لأن ما يكون قريبا يكون مبتذلًا مهانًا، وقد يراد التعظيم؛ لأن ما يكون عظيمًا يكون قريبًا مخطورًا بالبال حاضرًا في الذهن، ففي قوله: (هذه الدنيا) يراد التحقير، وفي (هذه الآخرة) التعظيم.
وقوله: (فإنكم اليوم في دار العمل) أي: في دار الدنيا التي هي دار العمل.
وقوله: (ولا حساب) قال الشيخ ابن حجر: بالفتح بغير تنوين، ويجوز الرفع بالتنوين، وكذا قوله: (ولا عمل).
٥٢١٥ - [٦١] (علي) قوله: (رواه البخاري) أي: موقوفًا على علي ﵁، وحديث جابر ﵁ عنه يدل على أنه مرفوع أيضًا.
стр. 4874
٥٢١٦ - [٦٢] وَعَنْ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: "أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، أَلَا وَإِنَّ الآخِرَةَ أَجَلٌ صَادِقٌ،
ــ
٥٢١٦ - [٦٢] (عمرو) قوله: (الدنيا عرض حاضر) قال الطيبي (١): العرض ما لا يكون له ثبات، ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر، انتهى.
ذكر معنى العرض بالتحريك في (القاموس) (٢): ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه، وحطام الدنيا، وما كان من مال قل أو كثر، والغنيمة والطمع، وقد ذكر من معانيه ما يقوم بغيره، لكن قيد بقوله: في اصطلاح المتكلمين، وفي (الصحاح) (٣) أيضًا ذكر هذا المعنى من غير هذا القيد وقال: ومال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، فتعين أن المراد في الحديث هو المعنى الأخير، كما مرّ في آخر (الفصل الأول) من حديث أبي هريرة: (ليس الغني عن كثرة العرض).
و(الأجل) مدة الشيء.
وقوله: (صادق) أي: متحقق ثابت باق، ويستعمل الصدق في كل باب فيه تحقيق كما ذكر الطيبي (٤)، أو المراد صدق اللَّه في الإخبار به كما في الحديث الآتي: (وعد صادق).
стр. 4875
وَيَقْضِي فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، أَلَا وَإِنَّ الْخَيْرَ كلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي الْجَنَّةِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي النَّارِ، أَلَا فَاعْمَلُوا وَأَنْتُمْ مِنَ اللَّهِ عَلَى حَذَرٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَعْرُوضُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ١/ ٦٧].
٥٢١٧ - [٦٣] وَعَنْ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَإِنَّ الآخِرَةَ وَعْدٌ صَادِقٌ، يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ عَادِلٌ قَادِرٌ، يُحِقُّ فِيهَا الْحَقَّ وَيُبْطِلُ الْبَاطِلَ، كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا".
ــ
وقوله: (يقضي فيها ملك قادر) أي: يميز بين البر والفاجر كما جاء في الحديث الآتي: (ملك عادل قادر).
وقوله: (بحذافيره) قد مر معناه في الحديث الثاني من حديث عبيد اللَّه بن محصن.
وقوله: (وأنتم من اللَّه على حذر) جملة حالية.
وقوله: (معروضون على أعمالكم) أي: أعمالكم معروضة عليكم، أو المعنى: أنتم محضرون على أعمالكم، أو المراد معروضون على اللَّه على ما كان لكم من الأعمال.
٥٢١٧ - [٦٣] (شداد) قوله: (فإن كل أم يتبعها ولدها) أشار بهذا الكلام إلى وجه استعارة أبناء الدنيا وأبناء الآخرة لأهلهما.
стр. 4876
٥٢١٨ - [٦٤] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يُسْمِعَانِ الْخَلَائِقَ غَيرَ الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى". رَوَاهُمَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي "الحِليَةِ". [حلية: ١/ ٢٦٤، ١/ ٢٢٦].
٥٢١٩ - [٦٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ قَالَ: . . . . .
ــ
٥٢١٨ - [٦٤] (أبو الدرداء) قوله: (ما طلعت الشمس) الحديث، لما كان النهار محل وصول الرزق والمعشية نبه ﷺ أمته على أن يكونوا راضين بالكفاية، ولا يحرصوا حتى يقعوا في ورطة السخط ويتلهوا عن عبادة اللَّه وطاعته، وأوحي إليه ﷺ أن (الملكين يناديان) حقيقة أو كناية، ويجوز أن تكون السنة الإلهية قد جرت بالأمر للملائكة وندائهم وقصد إسماعهم الخلق، وكان ﷺ يسمع بنفسه الكريمة نداءهما، وإسماعهما الخلائق لا يسمعه الثقلان؛ لئلا يرتفع التكليف، وذلك كما في إصاخة كل دابة إلا الجن والإنس بنداء قيام الساعة يوم الجمعة، وعدم سماع صياح الجنازة وعذاب القبر.
فإن قلت: فإذا لم يسمع الإنسان نداء الملكين فما الفائدة فيه؟ وكيف تنبهوا بذلك؟
قلت: يكفي في ذلك إخبار النبي ﷺ الأمة به، ويجوز أن يكون هذا كناية عن نصب اللَّه تعالى الدلائل على صدق هذه القضية، وهي أن (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى)، كأن الملائكة ينادون كل يوم بذلك، ولكن الناس عنه غافلون ولا يتنبهون، واللَّه أعلم.
٥٢١٩ - [٦٥] (أبو هريرة) قوله: (يبلغ به) أي: بهذا الحديث إلى النبي ﷺ ،
٥٢٢٢ - [٦٨] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ". رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٢/ ١٧٧، شعب: ٤٤٦٣].
٥٢٢٣ - [٦٩] وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ الْحَكِيمِ: مَا بَلَغَ بِكَ مَا ترى؟ يَعْنِي الْفَضْلَ، قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ، وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي. رَوَاهُ فِي "الْمُوَطَّأ". [ط: ٢/ ٩٩٠].
ــ
الفاء يجيء لما ينفصل من الشيء ويطرح، كالكناسة لما انفصل بالمكنس من التراب والحشيش من البيت، والقلامة لما انفصل من الظفر بالقلم، والسباطة، ونحو ذلك.
٥٢٢٢ - [٦٨] (وعنه) قوله: (ما فاتك من الدنيا): (ما) مصدرية، أي: ما ضرك فوت الدنيا، وقيل: نافية، أي: ما فاتك إذا كن حاصلة، والأول هو الأظهر، وليست بموصولة؛ لعدم الضمير، ولو كانت العبارة ما فاتك من الدنيا لكانت هي.
وقوله: (حفظ إمانة) في حقوق اللَّه والعباد، (وعفة في طعمة) بالضم، بالاجتناب عن الحرام والاقتصار على الكفاية.
٥٢٢٣ - [٦٩] (مالك) قوله: (ما بلغ بك) الباء للتعدية.
وقوله: (ما لا يعنيني) صريح في أن الضمير في (يعني) لـ (ما)، وفي قوله ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، ويحتمل أن يكون لـ (ما) أو لـ (المرء)، والظاهر في المعنى لـ (المرء)، فافهم.
стр. 4879
٥٢٢٤ - [٧٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَجِيءُ الأَعْمَالُ فَتَجِيءُ الصَّلَاةُ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصَّلَاةُ، فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ، فَتَجِيءُ الصَّدَقَة فَتَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصَّدَقَةُ، فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ يَجِيء الصِّيَامُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصِّيَامُ، فَيَقُولُ: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ تَجِيءُ الأَعْمَالُ عَلَى ذَلِكَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ الإِسْلَامُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنْتَ السَّلَامُ وَأَنَا الإِسْلَامُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ بِكَ الْيَوْمَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] ".
ــ
٥٢٢٤ - [٧٠] (أبو هريرة) قوله: (تجيء الأعمال فتجيء الصلاة) الحديث، حاصل المراد من الحديث أن الأعمال فرادى تجيء شافعة لصاحبها فيردها اللَّه بلطف، حتى إذا جاء الإسلام الذي هو الأصل وجامع الأعمال كلها قبلت شفاعته، وقد جاء مبدئًا بالثناء على اللَّه تعالى، ومن آداب الشفاعة المؤثرة في قبولها الثناءُ على المشفع كما يشعر به تعليم الرب تعالى حمدًا من عنده سيد المرسلين ﷺ يفتح به باب الشفاعة ويشفع به كما جاء في حديث الشفاعة، ولو أريد بالإسلام هنا التسليم لأحكام اللَّه والرضا بها وترك الاختيار الذي هو أعلى مقامات السالكين، لم يبعد، بل أقرب من المعنى الأول وأدخل في قبول الشفاعة؛ لما فيه من معنى التذلل والانكسار، ثم مجيء الأعمال إما بحقائقها وصورها التي لها في ذلك العالم، فإن لكل شيء حقيقة وصورة كالظلة للإيمان، واللبن للعلم، والكبش للموت، أو يجعلها في صور حسنة كما قيل في وزنها، أو هو كناية عن اعتبارها وملاحظتها منسوبة إلى العالمين وحصول النجاة لهم بها، واللَّه أعلم.
стр. 4880
٥٢٢٥ - [٧١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ طَيْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ حَوِّلِيهِ؛ فَإِنِّي إِذَا رَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا".
٥٢٢٦ - [٧٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ، فَقَالَ: "إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْذِرُ مِنْهُ غَدًا، وَأَجْمِعِ الإِيَاسَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاس".
ــ
٥٢٢٥ - [٧١] (عائشة) قوله: (فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا) لم يعلله ﷺ بحرمة التماثيل ومنعها عن دخول الملائكة، إما لأنه كان قبل النهي عنها، أو لأنها كانت دقيقة لا تبدو للناظر، أو لأنه قد لا يحرم في أمثال الوسد والفرش كما سبق في بابه، أو لينبه أهل بيته على ترك الترفه والتنعم بما هو من الدنيا حتى لا يأخذوا سترًا آخر ولو غير مصور فيه من النفاسة، وقد ورد النهي عن كسوة الجدران بالستر.
٥٢٢٦ - [٧٢] (أبو أيوب الأنصاري) قوله: (فصل صلاة مودّع) أي: تارك نفسه وجميع ما سوى اللَّه تعالى، وأقبل بكلك إلى جناب الحق بتوجه تام وإخلاص كلي، ويحتمل أن يكون معناه -واللَّه أعلم- مودع حياته، أي: ظُنَّ كانت هذه آخر صلاتك، وهذا الوقت آخر عمرك، كما جاء في وصية المشايخ: ينبغي أن يكون المصلي في صلاته كأنه في آخر صلاته في عمره، فإذا كان كذلك فلا بد يحسنها ويصلي كما ينبغي.
وقوله: (تعذر) أي: تحتاج إلى الاعتذار، الظاهر أن المراد الاعتذار في الآخرة عند الرب تعالى، ويجوز أن يكون مطلقًا شاملًا التكلم بالنسبة إلى الأصحاب والخلق جميعًا، أي: لا تكلم بما فيه إثم أو إيذاء لأحد، واللَّه أعلم.
وقوله: (وأجمع الإياس مما في أيدي الناس): (أجمع) من الإجماع بمعنى
стр. 4881
٥٢٢٧ - [٧٣] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ خَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوصِيهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: "يَا مُعَاذُ! إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجدِي هَذَا وَقَبْرِي"، فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،
ــ
تصميم العزم على الشيء، و (الإياس) بكسر الهمزة بمعنى اليأس، مصدر أيس، لغة في يئس، قال في (القاموس) (١): أيس إياسًا: قنط، وجاء آيَسُ يأسًا، كذا في (الصحاح) (٢)، وقال الطيبي (٣): الظاهر أن الإياس وقع موقع اليأس سهوًا من الكاتب؛ لأن الإياس مصدر آسه: إذا أعطاه، وليس مصدر أيس مقلوب يئس؛ لأن مصدر المقلوب يوافق الفعل الأصلي لا المقلوب، وهذا ممنوع، إذ قد جاء جبذ جبذًا في جذب جذبًا، وأيضًا يفهم من كلامهم أن أيس ليس مقلوبًا من يئس، بل لغة على حدة بمعناه، كما قيل أيضًا في جبذ إنه لغة في جذب، والحاصل أن إياسًا قد جاء في مصدر أيس سواء كان مقلوبًا أو لغة مستقلة، فتدبر.
٥٢٢٧ - [٧٣] (معاذ بن جبل) قوله: (إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي) وجاء في حديث (الموطأ): فتوفي رسول اللَّه ﷺ قبل أن يقدم معاذ، وما جاء على خلاف ذلك ففي صحته كلام.
وقوله: (جشعًا) قال الطيبي (٤): الجشع: الجزع لفراق الإلف، وفي
стр. 4882
ثُمَّ الْتَفَتَ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِيَ الْمُتَّقُونَ مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا". رَوَى الأَحَادِيث الأَرْبَعَةَ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٦٢، ٦/ ٤٩، ٥/ ٤١٢، ٥/ ٢٣٥].
٥٢٢٨ - [٧٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ النُّورَ إِذَا دَخَلَ الصَّدْرَ انْفَسَحَ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِتِلْكَ مِنْ عَلَمٍ يُعْرَفُ بِهِ؟ قَالَ: . . . . .
ــ
(القاموس) (١): الجشع محركة: أشد الحرص وأسوؤه، وفي (الصراح) (٢): جشع غالب آمدن حرص وسخت آرزو مند شدن.
(بكى) لغاية الحرص على صحبة رسول اللَّه ﷺ ، لأجل فراقه.
وقوله: (التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة. . . إلخ)، يعني إذا رجعت إلى المدينة فاقتد بأولى الناس بني، وهم المتقون، وليس ذلك مخصوصًا بالمدينة بل حيث كانوا.
٥٢٢٨ - [٧٤] (ابن مسعود) قوله: (﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾) قال البيضاوي في (تفسيره) (٣): فيتَّسع له، وَيفسح فيه مَجالَه، وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق، مهيأة لحلوله فيها، مصفاة عما يمنعه وينافيه، وإليه أشار ﷺ حين سئل عنه فقال: (نور يقذفه اللَّه في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح)، فقالوا: هل لذلك
١ - باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ﷺ
ــ
كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦].
١ - باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ﷺ
اختلفوا في أن الفقير الصابر أفضل أم الغني الشاكر؟ فقال بعضهم: الغني أفضل؛ لأنه تأتي الخيرات والقربات منه أكثر مما تأتي من الفقير، وقد قال رسول اللَّه ﷺ في شأن الأغنياء: (ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء) كما مر في (باب الذكر بعد الصلاة)، وبعضهم على أن الفقير أفضل؛ لما أن العبادة مع شدة الفقر وتعبه أشق وأمر، ودلائل الجانبين مذكورة في موضعها، وكفى بأحاديث الباب دليلًا وحجة للفرقة الثانية، وكان شيخنا يروي عن شيخه علي المتقي رحمة اللَّه عليهما أنه لم يأخذ بيدي ولم يبايعني حتى أخذ مني الإقرار باللسان بأفضلية الفقر على الغني، وقال: قولوا: الفقر أفضل من الغني، ثم بايع، انتهى.
وكفى بحال سيد المرسلين وإمام المتقين ﷺ حجة على أفضلية الفقر وإن كان العلماء يتحاشون عن إطلاق اسم الفقير عليه ﷺ ؛ لأنه ينبع في العرف عن شيء من الضعف والهوان، وأنه ﷺ أغنى الأغنياء، وملك ملوك الأرض والسماء، كذا سمعت من شيخي رحمة اللَّه عليه، وقد نقل عن سيدنا ومولانا شيخ الثقلين محيي الدين أبي محمد عبد القادر الجيلاني ﵁ أنه سئل عن الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر؟ فقال: الفقير الشاكر أفضل من كل منهما، وهو في الحقيقة إشارة إلى أفضلية الفقر، يعني أنه ينبغي أن يشكر الفقير على فقره؛ لكونه نعمة عظيمة من اللَّه سبحانه عليه.
هذا وقد اشتهر عن بعض فقراء الصوفية أنه قال: الفقر الاضطراري أفضل من الغني، سيما الاختياري منه، وينبغي أن يعلم أنه ماذا يريد من الفقر الاضطراري؛ فإن
стр. 4885
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٢٣١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّه". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢٢].
ــ
أراد الفقر الذي لا صبر معه فحاشا؛ لأنه كاد أن يكون كفرًا، بل مراده منه أن اللَّه اضطره إلى الفقر واختار له ذلك وهو لا يريد ولا يختار، بل يريد الغني، وهو سبحانه جعله فقيرًا بلطفه ورؤبة صلاح حاله، ورزقه فيه الصبر والرضا كما ينبغي ويجري، والفقر الاختياري: أن يترك الغني ويختار الفقر بإرادة منه، ورؤية صلاحه فيه، فالقائل بهذا القول لو رجح هذا الفقر الاضطراري على الاختياري وقال: ذلك مقام المحبوبية اختاره اللَّه تعالى له، وهذا مقام المحبة اختاره العبد لنفسه، لم يبعد، واللَّه أعلم.
الفصل الأول
٥٢٣١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (رب أشعث) والشعث محركة: انتشارُ الأمر، ومصدرُ الأشعث، للمغبر الرأس، شعث كفرح، والتشعث: التفرق.
وقوله: (لو أقسم على اللَّه لأبره) قيل: معناه أي: لو سأل اللَّه شيئًا وأقسم عليه أن يفعله لفعله ولم يخيب دعوته، وقيل: معناه لو حلف أن اللَّه يفعله أو لا يفعله صدقه في يمينه وأبره فيها، وهذا هو الأظهر، ويؤيده حديث أنس بن النضر: لا واللَّه لا تكسر ثنيتها، وقد مر الحديث في (باب الدية)، قال الطيبي (١): ومما يؤيد الأول لفظ (على اللَّه)؛ لأنه أراد به المسمى، ولو أريد به اللفظ لقيل: باللَّه، انتهى.
ويجوز أن يقال: صلة قسم محذوف، و (على اللَّه) متعلق بفعل مقدر تقديره: لو أقسم باللَّه معتمدًا على اللَّه في غير بره لأبره، فافهم. وللحديث تأويل آخر قريب
стр. 4886
٥٢٣٢ - [٢] وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟ ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٩٦].
٥٢٣٣ - [٣] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينَ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ،
ــ
من هذا المعنى ذكرته في (الفصل الأول) من (باب الغضب والكبر) من حديث حارثة.
٥٢٣٢ - [٢] (مصعب بن سعد) قوله: (رأى سعد) هو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة.
وقوله: (أن له فضلًا على من دونه) ممن ليس في مرتبته في السخاوة، أو المراد شخص معين كان ضعيفًا فقيرًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : إنما تنصرون على الأعداء ويوسع عليكم الرزق ببركة ضعفائكم وفقرائكم، فبمَ تفخرون بشجاعتكم وسخاوتكم؟
٥٢٣٣ - [٣] (أسامة بن زيد) قوله: (قمت على باب الجنة) هذا إما إخبار بما سيقع في الآخرة، والتعبير بلفظ الماضي لتحقق الوقوع، أو رأى ذلك ليلة الإسراء، أو كوشف له ﷺ ذلك في غيرها يقظة أو منامًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (فكان عامة من دخلها المساكين) صحح لفظ (عامة) و (المساكين) بالرفع والنصب، فالرفع على أنه اسم (كان)، والنصب على الخبرية.
وقوله: (وأصحاب الجد) بفتح الجيم وتشديد الدال، الجد: البخت والحظ والرزق والعظمة، كذا في (القاموس) (١). وفي (الصراح) (٢): الجد بهره وبخت
стр. 4887
غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخلهَا النِّسَاء". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٤٧، م: ٢٧٣٦].
٥٢٣٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: عقب حديث: ٦٤٤٩، م: ٢٧٣٦].
٥٢٣٥ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٧٩].
ــ
وبي نيازي وتوانكَري وعظمت وبزركَـ شدن در جشم كسي.
وقوله: (غير أن أصحاب النار. . . إلخ)، فالناس قسمان: كافر ومؤمن، والمؤمنون فقراء وأغنياء، فالكافرون هم أصحاب النار يؤمر بهم إلى النار حتمًا، والفقراء الذين لا تبعة عليهم يدخلون الجنة بغير حساب، والأغنياء ومن في حكمهم من عصاة الفقراء يحبسون حتى يحاسبوا، إما أن يعفى عنهم فيدخلوا الجنة، أو يعذبوا ومصيرهم إلى الجنة، هذا هو المراد من الحديث موافقًا لما هو المذهب، فافهم.
٥٢٣٤ - [٤] (ابن عباس) قوله: (اطلعت في الجنة) أي: اطلعت على الناس في الجنة، حال منه أو منهم، وقال الطيبي (١): ضمن (اطلعت) معنى تأملت، ولذلك عدي بـ (في)، فافهم.
٥٢٣٥ - [٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إن فقراء المهاجرين) ظاهر الحديث
стр. 4888
٥٢٣٦ - [٦] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: "مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ " فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ،
ــ
يدل على تخصيص هذا الحكم بالفقراء من المهاجرين والأغنياء منهم، وقد دل بعض الأحاديث على إطلاقه وعلى كون القبلية بخمس مئة عام، ولعل ذلك في غير المهاجرين من الأصحاب، وبهذا يندفع المنافاة بين هذا الحديث وبين الحديث الآتي في أول (الفصل الثاني) من حديث أبي هريرة: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام)، ففقراء المهاجرين يتقدمون على أغنيائهم بأربعين عامًا؛ لأن بعض أغنياء المهاجرين كانوا من فضلاء الصحابة وأكابرهم، بل أفضل من الفقراء، كالذين هم من العشرة، وعلى غير المهاجرين من الأغنياء يتقدمون بخمس مئة، سواء كان الفقراء من المهاجرين أو من غيرهم، ومن الأصحاب ومن غيرهم.
وقيل: إن الفقراء الذين في قلوبهم ميل ورغبة إلى الدنيا يتقدمون على الأغنياء بأربعين، والزهاد من الفقراء يتقدمون بخمس مئة، فتدبر، والمراد بالخريف العام؛ لأن العرب يبتدؤون العام بالخريف، سمي خريفًا لأنه تخرف فيه الثمار، أي: تجتنى.
٥٢٣٦ - [٦] (سهل بن سعد) قوله: (فقال) الضمير للرسول اللَّه ﷺ ، وكذلك ضمير (عنده).
وقوله: (جالس) مجرور صفة أخرى، أو مرفوع فاعل الظرف، والجملة صفة.
وقوله: (ما رأيك) أي: ما اعتقادك في هذا الرجل خير أو شر.
وقوله: (فقال) أي: الرجل عنده، و (رجل) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو رجل، وفي آخر الحديث (هذا خير) إشارة إلى الرجل المتأخر المار الذي استحقره الرجل،
стр. 4889
هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [خ: ٦٤٤٧].
٥٢٣٧ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤١٦، م: ٢٩٧٠].
٥٢٣٨ - [٨] وَعَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. . . . .
ــ
ولفظ (هذا) الأخير إشارة إلى الرجل المار الأول الذي استعظمه، و (مثل هذا) إما تمييز من النسبة، أو بدل من (ملء).
٥٢٣٧ - [٧] (عائشة) قوله: (ما شبع آل محمد) وهذا كان باختيار منهم الفقر وترك الدنيا ولذاتها وقناعتهم بأدنى قوت، وإيثارهم الفقراء والمساكين على أنفسهم مع وجود الاحتياج والمحبة ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].
٥٢٣٨ - [٨] (سعيد المقبري) قوله: (المقبري) بفتح الباء وضمها، وقد يكسر، نسبة إلى المقبرة: موضع القبور، كان يسكن فيه.
стр. 4890
شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ وَقَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٤١٤].
٥٢٣٩ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأهْلِهِ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: . . . . .
ــ
وقوله: (مصلية) أي: مشوية، يقال: صليت اللحم بتخفيف اللام، أي: شويته.
٥٢٣٩ - [٩] (أنس) قوله: (وإهالة سنخة) في (القاموس) (١): الإهالة: الشحم، أو ما أذيب منه، أو الزيت، وكل ما ائتدم به، وفي الحديث الآخر: يدعى إلى خبز الشعير والإهالة فيجيب، هو كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به، وقيل: ما أذيب من الألية والشحم، وقيل: الدسم الجامد، كذا في (مجمع البحار) (٢)، و (السنخة) بفتح السين المهملة وكسر النون، في (القاموس) (٣): السنخ محركة: التغير، قد سنخ الدهن كفرح: زنخ، أي: تغير، والسناخة: الريح المنتنة، وفي حديث آخر: دعاه رجل مقدم إليه إهالة سنخة، وفي هذا يروى (زنخة) بالزاي أيضًا، وهي بمعنى سنخة.
وقوله: (ولقد سمعته) قال الطيبي (٤): ضمير المفعول لأنس، والفاعل هو راوي
стр. 4891
مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ وَلَا صَاعُ حَبٍّ، وَإنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٦٩].
٥٢٤٠ - [١٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ،
ــ
أنس، وفي بعض الحواشي؛ الحق أن الضمير راجع إلى النبي ﷺ ، والفاعل هو أنس، كما صرح به الشيخ ابن حجر، ويدل عليه رواية أحمد حيث قال: ولقد سمعت رسول اللَّه ﷺ ، ويؤيده قوله: (ما أمسى عند آل محمد) إذ لو كان ذلك من كلام الراوي لناسب أن يقول: عند آل النبي ﷺ ، انتهى.
أقول: الظاهر أن قوله: (وإن عنده لتسع نسوة) داخل تحت (يقول)، وإنه يناسب أن يكون مقول أنس، ومن هنا ذهب الطيبي إلى ما ذهب، نعم لو جعل هذا منفصلًا عن الكلام السابق مقولًا لأنس لصحّ ما قال في الحاشية، ولعله ليس في رواية أحمد هذا القول، واللَّه أعلم.
وقوله: (ما أمسى) أي: لم يدخر في الليل للغد.
وقوله: (عند آل محمد) قيل: لفظ (آل) مقحم، أو كان ذلك في أوائل الحال، وإلا فقد ثبت أنه ﷺ ادخر نفقة سنة لعياله، هذا وما قيل: إن المراد أنه ما ادخر البر والحب بل ادخر أجناسًا أخر فضعيف، وإلا لقد وسعه أن يقول: ما أمسى صاع بر، وقيل: ما ادخر الصاع بل أكثر من ذلك، وهو ليس بشيء، ويمكن أن يقال: إن ذلك بحسب الغالب من الأوقات، واللَّه أعلم.
وقوله: (وإن عنده لتسع نسوة)، وفي رواية: إن عنده يومئذ لتسع نسوة.
٥٢٤٠ - [١٠] (عمر) قوله: (على رمال حصير) صحح (رمال) في النسخ بضم
стр. 4892
لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ. . . . .
ــ
الراء وكسرها، وفي الحواشي: الرمال بكسر الراء وضمها جمع رميل بمعنى مرمول، أي: منسوج، وفي (القاموس) (١): رمال الحصير كغراب: مرموله، وفي (مجمع البحار) (٢): الرمال ما رمل، أي: نسج من رمل الحصير، وأرمله ورمّله مشددًا للتكثير، وهو كالخطام لما خطم، وقيل: هو جمع رمل بمعنى مرمول كالخلق بمعنى المخلوق، والمراد أنه كان الشرير قد نسج وجهه بالسعف، ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير، هكذا قال الطيبي (٣)، ولا يذهب عليك أنه يفهم من نسج وجه السرير بالسعف أن نفس السرير كان منسوجًا بالسعف كما ينسج في ديارنا بالحبال، ولا يناسبه قوله: (ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير)، فإنه يفهم من أنه كان الحصير مطروحًا على السرير كما يطرح اللحاف، فأولى أن يكون (أو) مكان الواو، ليكون بيانًا لاحتمالين. وفيه (رمال حصير) من إضافة الجنس إلى النوع، كذا في بعض الحواشي، وتكون حينئذ الإضافة بيانية كما في إضافة العام إلى الخاص، مثل شجرة الأراك، أي: منسوج هو الحصير، فيفهم منه أنه كان مضطجعًا على الحصير بدون فراش آخر على الحصير موضوعًا على السرير أولًا، فافهم.
وقوله: (من أدم) محركًا اسم للجمع، واحده أدمة: الجلد أو أحمره أو مدبوغة، والأديم كذلك.
стр. 4893
حَشْوُهَا لِيفٌ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ، فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّه، فَقَالَ: "أَوَفِي هَذَا أَنْتَ يَا بْنَ الخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا". وَفِي رِوَايَةٍ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٦٨، م: ١٤٧٩].
ــ
وقوله: (حشوها ليف) في (القاموس) (١): الحشو: ملء الوسادة وغيرها بشيء، وما يجعل فيها حشو أيضًا، والحشية كغنية: الفراش المحشو، أي: كانت الوسادة محشوة بالليف بكسر اللام وسكون الياء: قشر النخلة، وفي (الصراح) (٢): ليف بالكسر: يوست درخت خرما ليفته يكي، فهو مكان القطن المحشو في الوسائد.
وقوله: (ادع اللَّه) أي: ادع اللَّه أن يوسع، ثم طلب عمر التوسعة من عند نفسه بقوله: (فليوسع) على صيغة أمر الغائب استعجالًا للإجابة، وقال الطيبي (٣): الظاهر نصبه ليكون جوابًا للأمر، فافهم. ثم لما أجل عمرُ ﵁ شأنَه ﷺ أن يطلب توسعة الدنيا لنفسه الشريفة وفيها من القوة ما يتحمل، وله الأجر العظيم عند اللَّه ما ليس لغيره، وشأنه أعلى وأعز من الكل، وخاف صعوبة الفقر وشدته على الأمة الضعيفة أن لا يتحملوه، خصَّ طلبَ الدعاء بالأمة، ومع هذا شدد ﷺ الإنكار عليه وخاطبه من غير ذكر اسمه، بل نسبه إلى أبيه الذي كان من الجاهلين الغافلين عن نعيم الآخرة وثوابها، وقال: أتطلب هذا وفي هذا المقام أنت يا بن الخطاب؟
стр. 4894
٥٢٤١ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رُبِطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢].
٥٢٤٢ - [١٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ". . . . .
ــ
٥٢٤١ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (ما منهم رجل عليه رداء) أي: مع الإزار، بل (إما إزار) فقط، وهو الملحفة، وتؤنث، كالمئزر، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): ازار مئزر: شلوار ما نند آن مثل لحاف وملحف يذكر ويؤنث.
وقوله: (وإما كساء) قال في (القاموس) (٣): هو بالكسر معروف، وفي (الصراح) (٤): كساء بالكسر والمد: كليم، وضمير الجمع في (ربطوا في أعناقهم) باعتبار المعنى، والمفرد في (بيده) باعتبار اللفظ.
وقوله: (فمنها) أي: من الأكسية والأزر.
٥٢٤٢ - [١٢] (وعنه) قوله: (إذا نظر أحدكم) أي: إذا وقع نظره (إلى من فضل عليه في المال والخلق) أي: الخلقة، أي: الصورة وجمالها، وتطرق منه الازدراء واحتقار نعم اللَّه سبحانه، (فلينظر إلى من هو أسفل منه) ليدفع ذلك الخاطر، وأما
стр. 4895
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٩٠، ٢٩٦٣].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ".
* الْفَصْل الثَّانِي:
٥٢٤٣ - [١٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِ مِئَةِ عَامٍ؛ نِصْفِ يَوْمٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٥٤].
٥٢٤٤ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: . . . . .
ــ
الرواية الثانية -وهي قوله: (انظروا) - ابتداء كلام، وليس داخلةً تحت الشرط، والمراد انظروا إلى من هو أسفل منكم في الأمور الدنيوية، وأما في الدينية فينبغي أن تنظروا إلى من هو أعلى منكم.
وقوله: (أن لا تزدروا) أي: لئلا تزدروا، من الازدراء، وهو الاحتقار، وأصل تزدروا تزتريوا قلبت التاء دالًا للقاعدة المقررة في باب الافتعال إذا كان فاؤه ياء، ثم نقلت ضمة الياء إلى الراء، ثم حذفت لالتقاء الساكنين.
الفصل الثاني
٥٢٤٣ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام) قد سبق في حديث عبد اللَّه بن عمرو تقدم الفقراء على الأغنياء بأربعين عامًا، وسبق وجه التوفيق بين الحديثين.
٥٢٤٤، ٥٢٤٥ - [١٤، ١٥] (أنس) قوله: . . . . .
стр. 4896
"اللهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ" فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا، يَا عَائِشَةُ لَا تَرُدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَا عَائِشَةُ أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [ت: ٢٣٥٢، شعب: ١٣٨٠].
٥٢٤٥ - [١٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ إِلَى قَوْلِهِ: "زُمْرَةِ الْمَسَاكينِ". [جه: ٤١٢٦].
٥٢٤٦ - [١٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ؛ . . . . .
ــ
(إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم) قد يتوهم منه أن الفقراء الذين ليسوا بأنبياء يتقدمون على الأغنياء من الأنبياء أيضًا، ولعل غرضه ﷺ مجرد إظهار فضل الفقراء وشرفهم، وطلب تقدمه على الأنبياء وخوف تأخره لو كان غنيًّا عن الأنبياء الذين هم فقراء، لا خوف تأخره عن الفقراء الذين ليسوا بأنبياء، فافهم.
وقوله: (لا تردي المسكين) إنما أفرده لأن المراد المسكين الوارد عليها للسؤال، وجمع في قوله: (أحبي المساكين) لأن محبة المساكين قاطبة مأمور بها السائلين منهم وغير السائلين.
٥٢٤٦ - [١٦] (أبو الدرداء) قوله: (ابغوني في ضعفائكم) من بغى يبغي كضرب يفحرب، بغيته أبغيه بُغاء وبُغًى وبُغية بضمهن، وبِغية بالكسر: طلبته، كابتغيته واستبغيته، كذا في (القاموس) (١)، فالمعنى: اطلبوني في ضعفائكم، أي: فقرائكم، أي: في حفظ
стр. 4897
فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ -أَوْ تُنْصَرُونَ- بِضُعَفَائِكُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٩٤].
ــ
حقوقهم وجبر قلويهم تجدوني عندهم؛ فإني معهم بالقلب كما في الحديث القدسي: (أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي)، أو اطلبوا رضائي في رضاء ضعفائكم، وقد ذكر الشارحون أن (ابغوني) بهمزة وصلٍ كـ (ارم) وقطعٍ كـ (أعل)، أما الوصل فقد عرفت معناه، وأما القطع فلا يخلو عن خفاء، فإن الإبغاء الحمل على المطلب والإعانة على الطلب، قال في (الصراح) (١): ابغاء بر طلب داشتن وياري كردن در طلب، وبمعنى الطلب له، في (القاموس) (٢): أبغاه الشيء: طلبه له أو أعانه على طلبه، انتهى.
وقال الكرماني: أبغيتك الشيء: أعنتك على طلبه، وقد تفسر بمعنى الإعطاء في حديث أبغني خبيبًا، أي: أعطني، كذا في (مجمع البحار) (٣)، وقد ضبطوا بهمزة الوصل والقطع في حديث (أبغني أحجارًا)، فالوصل بمعنى اطلب لي بحذف الصلة، والقطع بمعنى أعن على المطلب، وروي أبغ لي، وأما فيما نحن فيه فلا يخلو عن شيء، إذ بهذا المعنى يجيء متعديًا إلى مفعولين كما ذكرنا، وأيضًا لا يظهر معنى احملوني على المطلب، أو أعينوني على المطلب، أو أعطوني في ضعفائكم أن يكون المفعول الثاني محذوفًا، أي: ابغوني الحق في ضعفائكم، أي: احملوني على طلب الحق، أو أعينوني عليه، أو أعطونيه، ولا يخلو عن شيء، فتدبر، واللَّه أعلم.
وقوله: (فإنما ترزقون أو تنصرون) كلمة (أو) للشك أو للتنويع، أو (أو) بمعنى الواو، وهذا أنسب بحديث مصعب بن سعد، كذا في بعض الحواشي.
стр. 4898
٥٢٤٧ - [١٧] وَعَنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّة". [شرح السنة: ٤٠٦٢].
٥٢٤٨ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَغْبِطَنَّ فَاجِرًا بِنِعْمَةٍ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا هُوَ لَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، إِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ قَاتِلًا لَا يَمُوتُ". يَعْنِي النَّارَ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السّنة". [شرح السنة: ١٤/ ٢٩٥].
٥٢٤٩ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ، وَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ". . . . .
ــ
٥٢٤٧ - [١٧] (أمية بن خالد) قوله: (ابن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين.
وقوله: (كان يستفتح بصعاليك المهاجرين) الصعلوك كعصفور: الفقير، وتصعلك: افتقر، وتصعلكت الإبل: طرحت أوبارها، صعلكه: أفقره، كذا في (القاموس) (١)، (الاستفتاح): الاستنصار والافتتاح، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]، أي: يستنصرون على المشركين، ويقولون: اللهم انصرنا بنبي آخر الزمان المنعوت في التوراة، فكذلك كان رسول اللَّه ﷺ يقول: اللهم انصرنا بفقراء المهاجرين، ويمكن أن يكون بمعنى الافتتاح، أي: كان يفتتح بهم في الإحسان، كذا في الحواشي، والوجه هو الأول.
٥٢٤٨ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (فإن له قاتلًا) أي: معذبًا شديدًا (لا يموت) أي: لا يفنى.
٥٢٤٩ - [١٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الدنيا سجن المؤمن وسنته) أي:
стр. 4899
رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٤١٠٦].
٥٢٥٠ - [٢٠] وَعَن قَتَادَة بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ الْمَاءَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [الزهد لأحمد: ٥٨، ت: ٢٠٣٧].
٥٢٥١ - [٢١] وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: يَكْرَهُ الْمَوْتَ. . . . .
ــ
قحطه، أي: هو في شدة ومحنة في الدنيا بالنسبة إلى ما أعدّ له في الآخرة، أو يمنع نفسه من شهوات الدنيا وملاذها، ويفهم بالقياس إليه معنى ما ورد في حديث آخر: (وجنة الكافر).
٥٢٥٠ - [٢٠] (أبو الدرداء) قوله: (حماه الدنيا) في (القاموس) (١): حمى المريض ما يضره: منعه إياه، فاحتمى وتحمى: امتنع، و (يظل) بفتح الياء والظاء مضارع (ظل) من الأفعال الناقصة بمعنى صار، وهي زائدة هنا.
وقوله: (يحمي سقيمه الماء) أي: لزاد به (٢)، كالمستسقي يعني السقيم الذي يضره الماء، وفيه إشارة إلى حرص أهل الدنيا وشرههم كالمستسقي لا يصبر عن الماء ولا يرتوي.
٥٢٥١ - [٢١] (محمود) قوله: (عن محمود بن لبيد) اختلف في صحبته، وأثبت له الصحبة البخاري، وهو الصحيح.
стр. 4900
وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٤٢٧].
٥٢٥٢ - [٢٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ، قَالَ: "انْظُرْ مَا تَقُولُ"، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: "إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا، لَلْفَقْرُ أَسْرعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ (١). [ت: ٢٣٥٠].
٥٢٥٣ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ (٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ أُخِفْتُ. . . . .
ــ
وقوله: (من الفتنة) هي الوقوع في الشرك والمعاصي والابتلاء، كالإكراه من الجورة ونحو ذلك.
٥٢٥٢ - [٢٢] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (فأعدّ للفقر تجفافًا) بالكسر: آلة للحرب يلبسه الفرس والإنسان ليقيه في الحرب، وجفف الفرس: ألبسه إياه، كذا في (القاموس) (٣)، ويقال بالفارسية: بركستوان، كنى به عن الصبر، و (السيل): الماء الكثير السائل، كذا في (القاموس) (٤)، (إلى منتهاه) أي: لا بد من وصول الفقر إليه.
٥٢٥٣ - [٢٣] (أنس) قوله: (لقد أخفت) ماضي مجهول من أخاف.
стр. 4901
فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ وَمَا لِي وَلبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلَالٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُ تحتَ إِبْطِهِ. [ت: ٢٤٧٢].
ــ
وقوله: (في اللَّه) أي: لأجل إظهار دين اللَّه، (وما يخاف أحد) على صيغة المجهول أيضًا، وهي جملة حالية، أي: خوفت في دين اللَّه وحدي، وما معي أحد يشاركني، وكنت وحيدًا في ابتداء إظهار الدين، وكذا معنى قوله: (ولقد أوذيت في اللَّه وما يؤذى أحد) أي: لم يوافقني أحد في تحمل الأذى، كذا قال الطيبي (١)، ويجوز أن يكون معناه: ما يخاف أحد مثل ما أخفت، وما يؤذى مثل ما أوذيت، كما يدل عليه حديث: (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت)، وذلك لعلو درجته وكمال صدقه وغاية حرصه على الهداية، وإيذاء كل أحد إنما يكون على حسب قدره وحاله، فافهم.
وقوله: (ثلاثون من بين ليلة ويوم) قيل: هي تأكيد للشمول، أي: ثلاثون يومًا وليلة متواترات لا ينقص منها شيء، يعني لو قال: ثلاثون يومًا وليلة لم يكن نصًّا في التواتر، وزيادة قوله: (من بين) يقيد الشمول والتواتر، كذا قالوا، فتدبر.
وقوله: (يأكله ذو كبد) أي: حيوان، أعم من الإنسان، و (الإبط) بكسرتين وكسر وسكون، ["إلا شيء"] أي: شيء قليل.
وقوله: (ومعنى هذا الحديث) أي: محمله حال النبي ﷺ حين خرج ومعه بلال،
стр. 4902
٥٢٥٤ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ الْجُوعَ، فَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونَنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَطْنِهِ عَنْ حَجَرَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٧١].
ــ
وأفاد بقوله: (ومعه بلال) أن الخروج غير الهجرة إلى المدينة؛ لأنه لم يكن معه بلال فيها، فلعل المراد خروجه ﷺ هاربًا من مكة في ابتداء أمره إلى الطائف إلى عبد كلال -بضم الكاف مخففًا- رئيس أهل الطائف؛ ليحميه من كفار مكة حتى يؤدي رسالة ربه، فسلط على النبي ﷺ صبيانه فرموه بالحجارة حتى أدموا كعبيه ﷺ ، وكان معه زيد بن حارثة فعطش عطشًا شديدًا، فأرسل إليه سحابة ماطرة، فنزل جبرئيل ﵇ بملك الجبال ليأذن له في هلاكهم، فقال ﷺ : "لا، فإني أرجو أن يخرج من أصلابهم من يذكر اللَّه بالتوحيد"، وفيه قصة، والمذكور فيها وجود زيد بن حارثة معه ﷺ لا بلال، واللَّه أعلم.
٥٢٥٤ - [٢٤] (أبو طلحة) قوله: (فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر) قال بعض الشارحين: (عن حجر حجر) متعلق بـ (رفعنا عن بطوننا)؛ فإن قيل: تعلق حرفي جرٍّ بمعنى واحد بعامل واحد لا يجوز، قلنا: ذلك إذا كانا في مرتبة واحدة، أما تعلق الثاني بعد تعلق الأول وتقييده به فجائز، وقيل: إنه بدل اشتمال بإعادة الجار، والضمير محذوف، تقديره: حجر مشدود علينا؛ بأن يحمل التنكير على النوع، ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف، أي: كشفنا عن بطوننا كشفًا ناشئًا عن حجر حجر، أي: متعدد لكل واحد حجر، وشد الحجر على البطن يفيد تقوية الصلب، ويمنع عن النفخ، ويعين على القيام والمشي.
стр. 4903
٥٢٥٥ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ أَصَابَهُمْ جُوعٌ، فَأَعْطَاهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَمْرَةً تَمْرَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٧٤].
٥٢٥٦ - [٢٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا، مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ، وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا، وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥١٢].
وَذُكَرَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: "أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ (١) " فِي بَابٍ بَعْدَ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.
ــ
٥٢٥٥ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (أصابهم) أي: الصحابة أو أهل الصفة في سفر أو حضر، واللَّه أعلم.
وقوله: (فأعطاهم تمرةً تمرةً) لضيق كان حينئذ، ويحتمل أنهم كانوا قد شبعوا بذلك معجزة ﷺ .
٥٢٥٦ - [٢٦] (عمرو بن شعيب) قوله: (فاقتدى به) فصبر على طاعة اللَّه.
وقوله: (فأسف) أي: حزن، في (القاموس) (٢): الأسف: أشد الحزن، انتهى. وأسف عليه يجيء بمعنى غضب، ولا يناسب هنا؛ لأن الغضب لا يكون على ما فات
стр. 4904
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٢٥٧ - [٢٧] عَن أبي عبد الرَّحْمَن الحُبُليِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: . . . . .
ــ
بل على من فوته عليه، إلا أن يكون التقدير غضب على من فوته عليه بناء على ما فات، وما موصولة أو مصدرية.
الفصل الثالث
٥٢٥٧ - [٢٧] (أبو عبد الرحمن) قوله: (عن أبي عبد الرحمن الحبلي) بضم الحاء المهملة والموحدة، تابعي يعدّ في المصريين، واسمه عبد اللَّه بن زيد المصري المعافري.
وقوله: (سمعت عبد اللَّه بن عمرو، وسأله رجل) المسموع قوله (قال: فأنت من الأغنياء) لكنه جاء بلفظ الماضي دون المضارع كما هو المتعارف، ومعنى الماضي صحيح بلا شبهة، (وسأله رجل) حال بتقدير (قد)، وقال الطيبي (١): لا بد من محذوف، أي: سمعته يقول قولًا يفسره ما بعده، فتدبر.
وقوله: (قال عبد الرحمن) سقط لفظ (أبو) من قلم الناسخ، وشاعت النسخ كذلك، والصواب أبو عبد الرحمن.
стр. 4905
وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّا وَاللَّهِ (١) مَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، لَا نَفَقَةٍ وَلَا دَابَّةٍ وَلَا مَتَاعٍ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ؟ إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا فَأَعْطَيْنَاكُمْ مَا يَسَّرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا"، قَالُوا: فَإِنَّا نَصْبِرُ لَا نَسْأَلُ شَيْئًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٧٩].
٥٢٥٨ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَلْقَةٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ. . . . .
ــ
وقوله: (وجاء ثلاثة نفر) أي: من المهاجرين، كلام مستأنف، وجعله حالًا عطفًا على (سأل) تكلف؛ إذ الظاهر على هذا التقدير إليه إلا أن يكون وضع المظهر موضع المضمر لبعد المرجع، وينافيه أيضًا الفاء في قوله: (فقال) على ما قلنا، نعم على ما قدر الطيبي صحيح، فتدبر.
وقوله: (فقال لهم: ما شئتم؟ ) استفهام.
وقوله: (إن شئتم) مفعوله محذوف، أي: إن شئتم نعطيكم شيئًا، ولكن رجعتم إلينا بعد هذا؛ فإن الساعة ما حضرنا شيء، والسلطان هو معاوية، فإن عبد اللَّه بن عمرو كان فيهم لرضا والده؛ لوصية رسول اللَّه ﷺ إياه برضاه مجملًا، ولم يكن في باطنه راضيًا عنهم، كما ذكر في كتب السير (٢).
٥٢٥٨ - [٢٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وحلقة من فقراء المهاجرين) في