فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ وَمَا لِي وَلبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلَالٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُ تحتَ إِبْطِهِ. [ت: ٢٤٧٢].
ــ
وقوله: (في اللَّه) أي: لأجل إظهار دين اللَّه، (وما يخاف أحد) على صيغة المجهول أيضًا، وهي جملة حالية، أي: خوفت في دين اللَّه وحدي، وما معي أحد يشاركني، وكنت وحيدًا في ابتداء إظهار الدين، وكذا معنى قوله: (ولقد أوذيت في اللَّه وما يؤذى أحد) أي: لم يوافقني أحد في تحمل الأذى، كذا قال الطيبي (١)، ويجوز أن يكون معناه: ما يخاف أحد مثل ما أخفت، وما يؤذى مثل ما أوذيت، كما يدل عليه حديث: (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت)، وذلك لعلو درجته وكمال صدقه وغاية حرصه على الهداية، وإيذاء كل أحد إنما يكون على حسب قدره وحاله، فافهم.
وقوله: (ثلاثون من بين ليلة ويوم) قيل: هي تأكيد للشمول، أي: ثلاثون يومًا وليلة متواترات لا ينقص منها شيء، يعني لو قال: ثلاثون يومًا وليلة لم يكن نصًّا في التواتر، وزيادة قوله: (من بين) يقيد الشمول والتواتر، كذا قالوا، فتدبر.
وقوله: (يأكله ذو كبد) أي: حيوان، أعم من الإنسان، و (الإبط) بكسرتين وكسر وسكون، ["إلا شيء"] أي: شيء قليل.
وقوله: (ومعنى هذا الحديث) أي: محمله حال النبي ﷺ حين خرج ومعه بلال،
стр. 4902
٥٢٥٤ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ الْجُوعَ، فَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونَنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَطْنِهِ عَنْ حَجَرَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٧١].
ــ
وأفاد بقوله: (ومعه بلال) أن الخروج غير الهجرة إلى المدينة؛ لأنه لم يكن معه بلال فيها، فلعل المراد خروجه ﷺ هاربًا من مكة في ابتداء أمره إلى الطائف إلى عبد كلال -بضم الكاف مخففًا- رئيس أهل الطائف؛ ليحميه من كفار مكة حتى يؤدي رسالة ربه، فسلط على النبي ﷺ صبيانه فرموه بالحجارة حتى أدموا كعبيه ﷺ ، وكان معه زيد بن حارثة فعطش عطشًا شديدًا، فأرسل إليه سحابة ماطرة، فنزل جبرئيل ﵇ بملك الجبال ليأذن له في هلاكهم، فقال ﷺ : "لا، فإني أرجو أن يخرج من أصلابهم من يذكر اللَّه بالتوحيد"، وفيه قصة، والمذكور فيها وجود زيد بن حارثة معه ﷺ لا بلال، واللَّه أعلم.
٥٢٥٤ - [٢٤] (أبو طلحة) قوله: (فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر) قال بعض الشارحين: (عن حجر حجر) متعلق بـ (رفعنا عن بطوننا)؛ فإن قيل: تعلق حرفي جرٍّ بمعنى واحد بعامل واحد لا يجوز، قلنا: ذلك إذا كانا في مرتبة واحدة، أما تعلق الثاني بعد تعلق الأول وتقييده به فجائز، وقيل: إنه بدل اشتمال بإعادة الجار، والضمير محذوف، تقديره: حجر مشدود علينا؛ بأن يحمل التنكير على النوع، ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف، أي: كشفنا عن بطوننا كشفًا ناشئًا عن حجر حجر، أي: متعدد لكل واحد حجر، وشد الحجر على البطن يفيد تقوية الصلب، ويمنع عن النفخ، ويعين على القيام والمشي.
стр. 4903
٥٢٥٥ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ أَصَابَهُمْ جُوعٌ، فَأَعْطَاهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَمْرَةً تَمْرَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٧٤].
٥٢٥٦ - [٢٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا، مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ، وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا، وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥١٢].
وَذُكَرَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: "أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ (١) " فِي بَابٍ بَعْدَ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.
ــ
٥٢٥٥ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (أصابهم) أي: الصحابة أو أهل الصفة في سفر أو حضر، واللَّه أعلم.
وقوله: (فأعطاهم تمرةً تمرةً) لضيق كان حينئذ، ويحتمل أنهم كانوا قد شبعوا بذلك معجزة ﷺ .
٥٢٥٦ - [٢٦] (عمرو بن شعيب) قوله: (فاقتدى به) فصبر على طاعة اللَّه.
وقوله: (فأسف) أي: حزن، في (القاموس) (٢): الأسف: أشد الحزن، انتهى. وأسف عليه يجيء بمعنى غضب، ولا يناسب هنا؛ لأن الغضب لا يكون على ما فات
стр. 4904
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٢٥٧ - [٢٧] عَن أبي عبد الرَّحْمَن الحُبُليِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: . . . . .
ــ
بل على من فوته عليه، إلا أن يكون التقدير غضب على من فوته عليه بناء على ما فات، وما موصولة أو مصدرية.
الفصل الثالث
٥٢٥٧ - [٢٧] (أبو عبد الرحمن) قوله: (عن أبي عبد الرحمن الحبلي) بضم الحاء المهملة والموحدة، تابعي يعدّ في المصريين، واسمه عبد اللَّه بن زيد المصري المعافري.
وقوله: (سمعت عبد اللَّه بن عمرو، وسأله رجل) المسموع قوله (قال: فأنت من الأغنياء) لكنه جاء بلفظ الماضي دون المضارع كما هو المتعارف، ومعنى الماضي صحيح بلا شبهة، (وسأله رجل) حال بتقدير (قد)، وقال الطيبي (١): لا بد من محذوف، أي: سمعته يقول قولًا يفسره ما بعده، فتدبر.
وقوله: (قال عبد الرحمن) سقط لفظ (أبو) من قلم الناسخ، وشاعت النسخ كذلك، والصواب أبو عبد الرحمن.
стр. 4905
وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّا وَاللَّهِ (١) مَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، لَا نَفَقَةٍ وَلَا دَابَّةٍ وَلَا مَتَاعٍ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ؟ إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا فَأَعْطَيْنَاكُمْ مَا يَسَّرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا"، قَالُوا: فَإِنَّا نَصْبِرُ لَا نَسْأَلُ شَيْئًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٧٩].
٥٢٥٨ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَلْقَةٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ. . . . .
ــ
وقوله: (وجاء ثلاثة نفر) أي: من المهاجرين، كلام مستأنف، وجعله حالًا عطفًا على (سأل) تكلف؛ إذ الظاهر على هذا التقدير إليه إلا أن يكون وضع المظهر موضع المضمر لبعد المرجع، وينافيه أيضًا الفاء في قوله: (فقال) على ما قلنا، نعم على ما قدر الطيبي صحيح، فتدبر.
وقوله: (فقال لهم: ما شئتم؟ ) استفهام.
وقوله: (إن شئتم) مفعوله محذوف، أي: إن شئتم نعطيكم شيئًا، ولكن رجعتم إلينا بعد هذا؛ فإن الساعة ما حضرنا شيء، والسلطان هو معاوية، فإن عبد اللَّه بن عمرو كان فيهم لرضا والده؛ لوصية رسول اللَّه ﷺ إياه برضاه مجملًا، ولم يكن في باطنه راضيًا عنهم، كما ذكر في كتب السير (٢).
٥٢٥٨ - [٢٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وحلقة من فقراء المهاجرين) في
стр. 4906
قُعُودٌ إِذْ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَعَدَ إِلَيْهِمْ، فَقُمْتُ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لِيُبَشَّرْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ بِمَا يَسُرُّ وُجُوهَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِأَرْبَعِينَ عَامًا"، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَلْوَانَهُمْ أَسفَرَتْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَمْرٍو: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أكُونَ مَعَهُمْ أَو مِنْهُم. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٢٨٨٦].
ــ
(القاموس) (١): حلقة الباب والقوم بفتح الحاء وسكون اللام، وقد تفتح لامهما وتكسر إذ ليس في كلامهم حلقة محركة إلا جمع حالق، أو لغة ضعيفة، والجمع حلق محركة، وكبِدَرٍ، وحلقات محركة، وتكسر الحاء، انتهى. والحاصل أن الأصل الكئير الاستعمال حلقة بفتح الحاء وسكون اللام، والقياس أن يجيء جمعه حلق بسكون اللام، وقد جاء بفتح الحاء واللام على غير القياس كبدر جمع بدرة، وجاء جمعه حلق بكسر الحاء وفتح اللام أيضًا، ويفهم من (الصحاح) (٢): أن بِدَرًا جمع بَدْرَة مثال لهما، وقد يجيء حلقة بفتح الحاء واللام، فحينئذ يكون جمعه حَلَق على القياس لكنها لغة ضعيفة، وقيل: حلقة بفتحها ليس إلا جمع حالق، وقد يجيء حلقة بفتح الحاء وكسر اللام ويكون جمعه كذلك، فتدبر.
وقوله: (ليبشر) بلفظ المضارع المجهول من التفعيل.
وقوله: (بما يسر وجوههم) المراد بالوجوه الذوات، أو هو محمول على الظاهر، وتعليق السرور بالوجوه؛ لأن أمر السرور يحصل ظاهرًا في الوجه.
стр. 4907
٥٢٥٩ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُوْنِي وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوَقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أن لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أقولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ؛ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٥٩].
٥٢٦٠ - [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ مِنَ الدُّنْيَا ثَلَاثَةٌ: الطَّعَامُ وَالنِّسَاءُ وَالطِّيبُ، فَأَصَابَ اثْنَيْنِ وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدًا، أَصَابَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَلَمْ يُصِبِ الطَّعَامَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٧٢].
ــ
٥٢٥٩ - [٢٩] (أبو ذر) قوله: (وإن أدبرت) أي: قطعت، في (القاموس) (١): تدابروا: تقاطعوا، أو من الإدبار مقابل الإقبال، ويلزمه القطع، وعلى كل تقدير المراد أهلها، والإسناد إليها مجاز.
وقوله: (فإنهن) أي: هذه الكلمات، وهي: (لا حول ولا قوة إلا باللَّه) كما سبقت في باب الأذكار، وقد سبق هناك شرحه أيضًا، ويحتمل هذه العبارة أن يرجع الضمير إلى الخصال السبع المذكورة، أي: إنهن نازلة من كنز تحت العرش وأعطيتها منها كما ورد في فضل الآيتين الآخرتين من سورة البقرة، ولم يبينه الطيبي إما اعتمادًا على ما ذكر في باب الأذكار أو على ما يتبادر من العبارة هنا، واللَّه أعلم.
٥٢٦٠ - [٣٠] (عائشة) قوله: (ولم يصب الطعام) بحيث يستوفي لذته ويكثر
стр. 4908
٥٢٦١ - [٣١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حُبِّبَ إِلَيَّ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: "حُبِّبَ إِليَّ": "منَ الدُّنْيَا". [حم: ١٢٢٩٣، ن: ٣٩٣٩].
ــ
منه إكثار الطيب والنساء باختياره الفقر لمصلحة رآها في ذلك، واختار اللَّه له ذلك.
٥٢٦١ - [٣١] (أنس) قوله: (حبب إلي الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة، رواه أحمد والنسائي، وزاد ابن الجوزي بعد قوله: حبب إلي: من الدنيا) واعلم أن لفظ الحديث بهذا الوجه مما أطبق عليه الأئمة، وأما زيادة (من الدنيا) أو (من دنياكم) و (ثلاث) فحالها كما سنذكره، وتفصيل الكلام ما ذكره السخاوي في (المقاصد الحسنة) بعد ذكره الحديث على الوجه المذكور في (المشكاة) قال: رواه الطبراني في (الأوسط) من حديث الأوزاعي عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة عن أنس به مرفوعًا، وكذا هو عنده في (الصغير)، وكذا الخطيب في (تاريخ بغداد) من هذا الوجه، ورواه النسائي في (سننه) من حديث بشار عن جعفر عن ثابت عن أنس، والحاكم في (مستدركه) بدون لفظة: (جعلت)، وقال: إنه صحيح على شرط مسلم، وهو عند النسائي أيضًا من جهة سلام أبي المنذر عن ثابت عن أنس بلفظ (حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة)، ومن هذا الوجه أخرجه أحمد وأبو يعلى في (مسنديهما)، وأبو عوانة في (مستخرجه الصحيح)، والطبراني في (الأوسط)، والبيهقي في (سننه) وآخرون حسبما بينته موضحًا في جزء أفردته لهذا الحديث، وأفاد ابن القيم أن أحمد رواه في (الزهد) بزيادة لطيفة، وهي: (أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن).
стр. 4909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما ما اشتهر في هذا الحديث من زيادة (ثلاث) فلم أقف عليها إلا في موضعين من (الإحياء)، وفي تفسير آل عمران من (الكشاف)، وما رأيتها في شيء من طرق هذا الحديث بعد مزيد التفتيش، ويذلك صرح الزركشي، فقال: إنه لم يرد فيه لفظ (ثلاث)، قال: وزيادته محيلة للمعنى؛ فإن الصلاة ليست من الدنيا، قال: وقد تكلم الإمام أبو بكر بن فورك على معناه في جزء، ووجه ما ثبت فيه (الثلاث)، ونحوه قول شيخنا في تخريج الرافعي تبعًا لأصله، وقد اشتهر على الألسنة بزيادة (ثلاث)، وشرحه الإمام أبو بكر بن فورك، وكذلك ذكره الغزالي، ولم نجد لفظ (ثلاث) في شيء من طرقه المسندة.
قال الولي العراقي في (أماليه): ليست هذه اللفظة -وهي (ثلاث) - في شيء من كتب الحديث، انتهى كلام السخاوي (١).
فعلم أن لفظ الحديث الذي اتفق عليه الأئمة (حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة)، ولا إشكال فيه، وجاء في بعض الطرق (من الدنيا) أو (من دنياكم)، وفي بعض الكتب وقع (ثلاث)، فإن كان أحدهما فلا إشكال أيضًا، وإن كانا جميعًا كما يدور على ألسنة فيوجه تارةً بأن المراد من كونها من الدنيا وجودها فيها، أي: في حياة هذا العالم لا كونها مما يذم من الدنيا، فحاصله أنه حبب إلي في هذا العالم ثلاثة، اثنان منها من الأمور الطبيعية الدنياوبة، والثالث من الأمور الدينية، وأخرى بأنه لم يذكر الأمر الثالث الدنياوي ملالة وسآمة منها، وعدل إلى الأمر الديني على طريقة التكميل، ودفع توهم أن لذته ومحبته للطيب ومعاشرة النساء لم تكن بحيث
стр. 4910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تشغله عن الحق ومناجاة الرب تعالى، ويجوز أن يكون الأمر الثالث الغير المذكور في هذا الحديث هو الخيل كما جاء في حديث آخر عن أنس: لم يكن أحب إليه ﷺ بعد النساء من الخيل، رواه النسائي، ويحتمل أن يكون هو الطعام كما علم من حديث عائشة ﵂، واللَّه أعلم.
وإذا اشتغلنا وبادرنا بذكر طرق الحديث ذهلنا عن شرح الحديث وبيان معناه، فاعلم أن في قوله: (حبب) إشارة إلى إيداع محبة هذه الأشياء في قلبه ﷺ من اللَّه، ولم يكن ذلك باختيار منه وتكلف، ولا بد أن ما حببه اللَّه تعالى إلى حبيبه يكون محبوبًا مرغوبًا إلى اللَّه تعالى، وفيه منافع ومصالح لا يعلمها إلا اللَّه ورسوله، وكذلك قوله: (جعلت قرة عيني في الصلاة) يدل على أن ذلك بجعل اللَّه وفعله تفضيلًا منه وتكريمًا وتقريبًا لنبيه من جانب شهوده وقربه، ولم يكن لرسول اللَّه ﷺ حالة فرح وسرور وذوق وشهود أتم من الصلاة، وكانت معراجًا له ﷺ ، ولذلك كان يقول: (أرحنا يا بلال) أي: اجعلنا في راحة، وأشغلنا بها عن التوجه إلى ما سوى الحق.
وقرة العين كناية عن الفرح والسرور، والفوز بالبغية، والوصول بالمحبوب، لأن القرة إما من (القر) بفتح القاف بمعنى القرار والثبات؛ لأن العين تستقر بالنظر إلى المحبوب وتطمئن ولا تلتفت إلى جانب آخر، والمرء في حالة السرور ووجدان المقصود يسكن ويستقر في مكانه، وبالنظر إلى غير المحبوب يشمئز ويلتفت يمينًا وشمالًا، وكذلك في حال الخوف والفزع كما يفهم من قوله: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩].
أو مشتق من (القر) بضم القاف بمعنى البرد، وبرد العين ولذتها في مشاهدة
стр. 4911
٥٢٦٢ - [٣٢] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: . . . . .
ــ
المحبوب، وحرها واحتراقها بالنظر إلى الأعداء، ولذا يقال للولد: قرة العين.
وقوله: (في الصلاة) دون أن يقول: الصلاة إشارة بأن الفرح والسرور والاطمئنان إنما يحصل بالإحسان ومشاهدة الحق على حسب قوله: (كأنك تراه) الذي يحصل له في الصلاة لا بنفس الصلاة، لأنها مما سوى ذات اللَّه تعالى، والمشاهدة إنما تحصل بمطالعة الذات.
نعم الصلاة نعمة اللَّه وفضل منه، وحصول الفرح بنعمة اللَّه تعالى وفضله أيضًا مقام عال، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، لكنه دون مقام مشاهدة المفضل والمنعم، ومقامه ﷺ أعلى وأرفع، ولذلك قال: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ غيبة أو خطابًا، ولم يقل: فليفرح المؤمنون بفضل اللَّه عليهم، وليكن فرحك يا محمد بي، ويمكن أن يكون لبعض أخص خواص الأمة نصيب من هذا المقام بمتابعته ﷺ ، ولكن قرة العين بالشهود على قدر المشهود، ولما كان معرفته ﷺ أكمل من معرفة كل عارف كان شهوده أتم من شهودهم، فلا يكون قرة عيونهم مثل قرة عينه ﷺ .
٥٢٦٢ - [٣٢] (معاذ بن جبل) قوله: (بعث به): (بعث) يجيء متعديًا بدون الباء، في (القاموس) (١): بعثه كابتعثه: أرسله، وكذا في (الصحاح) (٢)، وكذلك يوجد في موارد استعماله، ولعلهم لم يطلقوا هذا على هذا الحديث إن كان صحيحًا، أو الباء مزيدة، أو المراد بعث الناس معه، واللَّه أعلم.
стр. 4912
"إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ عِبَادَ اللَّه لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٤٣].
٥٢٦٣ - [٣٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ، رَضِيَ اللَّه مِنْهُ بِالْقَلِيلِ من الْعَمَل".
٥٢٦٤ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ جَاعَ أَوِ احْتَاجَ فَكَتَمَهُ النَّاسَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرْزُقَهُ رِزْقَ سَنَةٍ مِنْ حلالٍ". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٤٢٦٥، ٩٥٨١].
ــ
وقوله: (إياك والتنعم): (التنعم): الترفه، والاسم النعمة بالفتح، الرفاهة والرفاهية بالتخفيف: لين العيش، رَفُهَ عيشه ككرم، فهو رَفِهٌ ورافِهٌ ورفهان ومترفِّه: مستريح متنعم، وفي (الصراح) (١): رفه يسر علف وآب شدن شتر وتن آساني، رجل رافه، أي: وادع.
٥٢٦٣ - [٣٣] (علي) قوله: (من رضي من اللَّه باليسير من الرزق، رضي اللَّه منه بالقليل من العمل) ومفهومه من لم يرض باليسير من الرزق واستكثر وحرص، لم يرض اللَّه منه بالقليل من العمل، بل طالبه بالكثير منه وأخذه على عمله، كما تدين تدان.
٥٢٦٤ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: (فكتمه الناس) بالنصب مفعول ثاني لـ (كتم)، في (القاموس) (٢): كتمه واكتتمه وكاتمه إياه.
стр. 4913
٥٢٦٥ - [٣٥] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ أَبَا الْعِيَالِ". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٤١٧٣].
٥٢٦٦ - [٣٦] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: اسْتَسْقَى يَوْمًا عُمَرُ، فَجِيءَ بِمَاءٍ قَدْ شيبَ بعسلٍ، فَقَالَ: إِنَّه لَطيِّبٌ، لَكِنِّي أَسْمَعُ اللَّهَ نَعَى عَلَى قَوْمٍ شَهَوَاتِهِمْ فَقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] فَأَخَافُ أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، فَلَمْ يَشْرَبْهُ. رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
٥٢٦٥ - [٣٥] (عمران بن حصين) قوله: (الفقير المتعفف) التعفف: الكف عن الحرام والسؤال عن الناس، قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقد سبق مرارًا.
٥٢٦٦ - [٣٦] (زيد بن أسلم) قوله: (بماءٍ قد شيب) ماضي مجهول من الشوب على وزن (قيل) من القول، والشوب: الخلط والمزج.
وقوله: (نعى على قوم شهواتهم) في (القاموس) (١): نعى على زيد ذنوبه: أظهرها وأشهرها، وفي (النهاية) (٢): أي: عاب عليهم شهواتهم، [يقال]: نعيت عليه أمرًا: إذا أعبته به ووبخته عليه، ونعى عليه ذنبه: أي شَهّره به، انتهى.
والمراد أنه أخبر بفوت شهواتهم في الآخرة باستمتاعهم بها في الدنيا.
وقوله: (حسناتنا) أي: ثواب حسناتنا، (عجلت لنا) أي: أخاف إن شربته أن
стр. 4914
٥٢٦٧ - [٣٧] وَعَن ابنِ عمَرَ قَالَ: مَا شَبِعْنَا مِنْ تَمْرٍ حَتَّى فَتَحْنَا خَيْبَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤١٤٣].
* * *
٢ - باب الأمل والحرص
ــ
يكون هذا التنعم ثواب حسناتنا استوفيناه في الدنيا، كما الكافر يعطى ثواب حسناته ويستوفيها في الدنيا، وهذا الخلق اكتسبه عمر ﵁ من زجره ﷺ إياه، بقوله: (أوفي هذا أنت يا بن الخطاب، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) كما مر في (الفصل الأول).
٥٢٦٧ - [٣٧] (ابن عمر) قوله: (ما شبعنا من تمر) فيه بيان غاية الفقر وشدة الاحتياج لكون التمر شائعًا ذائعًا في المدينة؛ فإذا لم يتيسر لهم ذلك قدر ما يشبعون به فكيف لغيره من الأطعمة، وفي خيبر أكثر من ذلك لا سيما فتح لهم ديارها.
٢ - باب الأمل والحرص
في (القاموس) (١): الأمل محركة كجبل ونجم وشبر: الرجاء، والجمع آمال، أمله: رجاه، وما أطول إملته بالكسر، وفي (الصراح) (٢): أمل بالتحريك: أميد، وبالفتح: أميد داشتن، من نصر ينصر، تاميل كذلك، قلت: الظاهر أن يفسر بالرجاء في طول العمر لا الرجاء الذي هو ضد اليأس، ويذكر في مقابلة الخوف، فرجاء العفو والمغفرة من اللَّه مثلًا لا يسمى أملًا كما يفهم من موارد استعماله، ولذلك يذم طول
стр. 4915
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٢٦٨ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا. . . . . .
ــ
الأمل، ويدل عليه تفسير القاضي عياض إياه في (مشارق الأنوار) (١) بقوله: الأمل بفتح الميم: هو ما يحدث به الإنسان نفسه مما يدركه من أمور الدنيا ويبلغه ويحرص عليه، فتدبر.
والحرص فرط الشره والإرادة، كذا قال الطيبي (٢)، وفي (الصراح) (٣): شره آزناك وحريص شدن، وشره آزمند، وقال في (القاموس) (٤): الحرص بالكسر: الجشع، كضرب وسمع، فهو حريص، والجشع محركة: أشد الحرص وأسوأه وأن تأخذ نصيبك وتطمع في نصيب غيرك، جشع كفرح فهو جَشِعٌ.
الفصل الأول
٥٢٦٨ - [١] (عبد اللَّه) قوله: (خطًّا مربعًا) أي: شكلًا يحيط به أربع خطوط.
وقوله: (خطًّا في الوسط) محمول على ظاهره، وكذلك البواقي.
وقوله: (وخطّ خططًا) الظاهر أنه جمع خط، ولكنه لم يذكر في كتب اللغة فيما نعلم، بل ذكر أن جمع خط خطوط وأخطاط، وذكر في (مجمع البحار) (٥): خططًا
стр. 4916
إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، فَقَالَ: "هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطُطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَسَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَسَهُ هَذَا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٧].
ــ
بضم الخاء وكسرها جمع خط، ولا يظهر وجهه.
نعم هو جمع خطة بمعنى الأرض التي يختطها الإنسان لنفسه، بأن يعلم عليها علامة ليعلم أنه قد احتازها، ولا يناسب هنا، واللَّه أعلم.
وقوله: (من جانبه الذي في الوسط) متعلق بقوله: (وخط خططًا)، والضمير في (جانبه) إلى الخط الوسط الخارج الذي بعضه في الشكل المربع وبعضه خارج منه، وهو المراد بجانبه الذي في الوسط.
وقوله: (هذا الإنسان) مبتدأ وخبر، أي: هذا الخط الذي في الوسط الإنسان.
وقوله: (وهذا أجله) أي: الخط المربع المحيط بالخط الوسط.
و(الأعراض) الآفات والعاهات العارضة للإنسان، كالأمراض وغيرها من أسباب الموت مكتنفة من جميع جوانبه متصلة به، والأطباء يطلقون العرض على ما يحدث من المرض، والمراد هنا أعم من ذلك، وعبر عن عروض آلافة بالنهس -وهو لدغ ذات السم- مبالغة في الإصابة وتألم الإنسان بها، واكتفى بذكر الأعراض وآلافات؛ لأن الغالب موت الإنسان بالأمراض والآفات، وإن تجاوز عنه هذه الآفات المهلكة كلها، ولم يمت بالموت الأمراضي لا بد أن يموت بالموت الطبيعي، والمقصود من الحديث أن الإنسان يظن أني أصل إلى أملي قبل الأجل، وظنه خطأ، بل الأجل أقرب إليه من الأمل، ويموت قبل أن يصل إلى أمله، وقالوا: الأمل مذموم إلا للعلماء، فإنه
стр. 4917
٥٢٦٩ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا فَقَالَ: "هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الأَقْرَبُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٨].
٥٢٧٠ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ مِنْهُ اثْنَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٢١، م: ١٠٤٧].
ــ
لولا أملهم وطوله لما صنفوا واجتهدوا في تحصيل الكتب ونحوها، ولا حاجة إلى هذا الاستثناء؛ لأن المذموم طول الأمل على سبيل الجزم والاعتقاد، وأما بطريق الظن والاحتمال فلا، إذ الأمر محتمل لا يجزم بوجوده ولا بعدمه، والمقصود أن هذا الظن والعمل بهذا الاحتمال والاعتماد عليه مستحسن منهم، لكون عملهم حسنًا ومقصدهم صحيحًا بخلاف غيرهم من الناس، فتدبر.
فإن قيل: ذكر في الحديث الثاني خطوطًا في مجمله وذكر اثنين في مفصله؟
قلت: فيه اختصار بعدم ذكر الخط الآخر الذي هو الإنسان، والخطوط الأخر التي هي الآفات، و (هذا الأمل) إشارة إلى الخط الأطول الخارج.
٥٢٦٩ - [٢] (أنس) قوله: (وهذا أجله) إشارة إلى الخط الأقرب من بين الخطوط إلى الإنسان الذي به هلاكه وموته، وكذلك لم يذكر الخط المربع المحيط.
هذا والأظهر أن محمل هذا الحديث ما يجيء في حديث أبي سعيد في (الفصل الثاني).
٥٢٧٠ - [٣] (وعنه) قوله: (ويشب منه اثنان) وإنما لم تنكسر هاتان الخصلتان؛ لأن الإنسان مجبول على حب الشهوات، كما قال اللَّه سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ
стр. 4918
٥٢٧١ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٢٠، م ١٠٤٦].
٥٢٧٢ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٩].
ــ
الشَّهَوَاتِ﴾ الآية [آل عمران: ١٤]، والشهوة إنما تنال بالمال والعمر، وإنما تتقوى في الهرم؛ لأن قوته العقلية تضعف، وهي الزاجرة عن القوة الشهوية، وقد صارت ملكة راسخة.
٥٢٧١ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (في حب الدنيا وطول الأمل) المراد بحب الدنيا الحرص على المال، وبطول الأمل الحرص على العمر، كما قال في الحديث السابق.
٥٢٧٢ - [٥] (وعنه) قوله: (أعذر اللَّه إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة) في (النهاية) (١): أي لم يبق فيه موضعًا للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر، أعذر: إذا بلغ أقصى الغاية في العذر، والعذر لا يتوجه على اللَّه بل على العبد، فأريد به نفي اعتذاره مجازًا، وقيل: همزته للسلب، أي: أزال عذره؛ فإذا لم يتب إلى هذا العمر لم يكن له عذر؛ فإن الشاب يقول: أتوب إذا شخت، والشيخ ماذا يقول، وقيل: أقام اللَّه عدره في تطويل عمره فما له إلا الاستغفار والطاعة والإقبال إلى الآخرة، كذا في (مجمع البحار) (٢)، وقد سبق شرح هذا اللفظ في (الفصل الثاني) من (باب الأمر بالمعروف).
стр. 4919
٥٢٧٣ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٣٦، م: ١٠٤٩].
٥٢٧٤ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وعُدَّ نفسَكَ فِي (١) أَهْلِ الْقُبُورِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٦].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٢٧٥ - [٨] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا وَأُمِّي نُطَيِّنُ شَيْئًا فَقَالَ: . . . . .
ــ
٥٢٧٣ - [٦] (ابن عباس) قوله: (جوف ابن آدم) وهذه طبيعة الإنسان ونفسه إلا من أخرجه إليه من حضيض الطبيعة إلى ذروة العرفان، وقليل ما هم، كما قال: (ويتوب اللَّه على من تاب).
٥٢٧٤ - [٧] (ابن عمر) قوله: (ببعض جسدي) قال بعض الشارحين: لفظ البخاري عن ابن عمر قال: أخذ رسول اللَّه ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وليس في البخاري: (وعد نفسك في أهل القبور)، بل هو في الترمذي والبيهقي (٢)، واللَّه أعلم.
الفصل الثاني
٥٢٧٥ - [٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (نطين شيئًا) أي: نصلح بالطين، وفيه
стр. 4920
"مَا هَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ " قُلْتُ: شَيْءٌ نُصْلِحُهُ، قَالَ: "الأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢/ ١٦١، ت: ٢٣٣٥].
٥٢٧٦ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُهَرِيقُ الْمَاءَ فَيَتَيَمَّمُ بِالتُّرَابِ، فَأَقُولُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمَاءَ مِنْكَ قَرِيبٌ، يَقُولُ: "مَا يُدْرِينِي لَعَلِّي لَا أَبْلُغُهُ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كتاب "الْوَفَاءِ". [شرح السنة: ٤٠٧١].
ــ
إشارة إلى أنه لم يكن في التطيين مبالغة، وإنما كان تطيين شيء من بيت أو جدار ومع ذلك حذره على ذلك به.
وقوله: (الأمر أسرع) أي: الارتحال عن الدنيا أسرع من أن يشتغل بذلك.
٥٢٧٦ - [٩] (ابن عباس) قوله: (يهريق الماء) أي: يبول، وقيل: يستعمل الماء قبل الوقت، فإذا لم يبق في الوقت تيمم، وفيه إشارة إلى أنه كان لا يدخر الماء، ولا يقع في تدبيره ادخاره للوضوء أيضًا، بل يستعمله حسب ما اتفق، فإذا وجد الماء في الوقت توضأ وإلا تيمم، أو كان استعماله ضروريًا كالشرب وغسل الثوب ونحوهما، فافهم.
وقوله: (إن الماء منك قريب يقول: ما يدريني لعلي لا أبلغه) وكان من عادته الشريفة أن يبادر إلى التيمم قبل الوضوء استعجالًا للطهارة من غير أن يصلي، ولا يؤخرها إلى وجود الماء والوضوء به.
стр. 4921
٥٢٧٧ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ"، وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ قَفَاهُ ثُمَّ بَسَطَ فَقَالَ: "وَثَمَّ أَمَلُهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٣٤].
٥٢٧٨ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَرَزَ عُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ وآخَرَ إِلَى جَنْبِهِ وآخَرَ أَبْعَدَ مِنْهُ، فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "هَذَا الإِنْسَانُ وَهَذَا الأَجَلُ"، أُرَاهُ قَالَ: "وَهَذَا الأَمَلُ، فَيَتَعَاطَى الأَمَلَ فَلَحِقَهُ الأَجَلُ دُونَ الأَمَلِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٤٠٩١].
٥٢٧٩ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عُمُرُ أُمَّتِي. . . . .
ــ
٥٢٧٧ - [١٠] (أنس) قوله: (ووضع يده عند قفاه) إشارة إلى اتباع الأجل قريبًا منه، ثم (بسط) أي: مد يده وبعّدها كما يشار إلى الأمر البعيد، وذلك مثل الخط الخارج من الخط المربع في المثال السابق.
٥٢٧٨ - [١١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فيتعاطى الأمل) في (القاموس) (١): التعاطي: التناول، وتناول ما لا يحق، والتنازع في الأخذ، والقيام على أطراف أصابع الرجلين مع رفع اليدين إلى الشيء، ومنه ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩].
وقوله: (دون الأمل) حال من الضمير المنصوب في (لحقه)، أي: [لحقه] وهو متجاوز عما قصده [من الأمل].
٥٢٧٩ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (عمر أمتي) أفرد العمر كأنه عمر واحد محدود
стр. 4922
مِنْ سِتِّينَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٣١].
٥٢٨٠ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَذُكِرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الشِّخيرِ فِي (بَاب عِيَادَة الْمَرِيضِ). [ت: ٣٥٥٠، جه: ٤٢٣٦].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٢٨١ - [١٤] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ صَلَاحِ هَذِهِ الأُمَّةِ الْيَقِينُ وَالزُّهْدُ، وَأَوَّلُ فَسَادِهَا الْبُخْلُ وَالأَمَلُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ١٠٣٥٠].
ــ
بهذه المدة لا يتجاوزها، وفيه مبالغة، والمراد الأكثر والأغلب.
٥٢٨٠ - [١٣] (وعنه) قوله: (أعمار) جمعه باعتبار الحقيقة، والمراد أكثر أعمار أمتي، وقد جاء صريحًا في بعض الروايات.
الفصل الثالث
٥٢٨١ - [١٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (اليقين) المراد باليقين هنا التيقن بأن اللَّه هو المتكفل بالأرزاق فلا يبخل، ومن زهد لم يأمل، واليقين: إزاحة الشك، يقن الأمر كفرح يقنًا ويحرك، وأيقنه وبه، وتيقنه واستيقنه وبه: علمه وتحققه، كذا في (القاموس) (١).
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٢٨٤ - [١] عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ" فِي (بَاب فَضَائِل الْقُرْآن). [م: ٢٩٦٥].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٢٨٥ - [٢] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ خيرٌ؟ قَالَ: "مَنْ طَالَ عمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ"، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ . . . . .
ــ
اشتقاقه من الميل؛ لأنه مما يميل إليه الطبع، و (العمر) بالفتح وبالضم وبضمتين: الحياة، وفي القسم الفتح أفصح، والجمع أعمار، ولعمر اللَّه، أي: بقاؤه؛ فإذا أسقط اللام نصب انتصاب المصادر، وجاء في الحديث النهي عن قول: لعمر اللَّه، كذا في (القاموس) (١).
الفصل الأول
٥٢٨٤ - [١] (سعد) قوله: (إن اللَّه يحب العبد التقي الغني الخفي) إيراد الحديث في (باب استحباب المال للطاعة) يدل على أنهم أرادوا بالغنى غنى المال، أو ما يعم غنى النفس أيضًا، ولا شك أنه المناسب للغني الحفي بالمهملة كما جاء في رواية، وقالوا: الصحيح الرواية بالمعجمة بمعنى المعتزل للعبادة، ومناسبته لغنى القلب أكثر، وفي بعض نسخ (المصابيح): زاد بعد التقي (النقي) بالنون، ومعناه الظاهر اللطيف.
الفصل الثاني
٥٢٨٥ - [٢] (أبو بكرة) قوله: (أي الناس خير؟ وأي الناسر شر؟ ) الخير والشر
стр. 4925
قَالَ: "مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ٤٠، ت: ٢٣٣٠، دي: ٢٧٨٤].
٥٢٨٦ - [٣] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ الآخَرُ بَعْدَهُ (١) بِجُمُعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَصَلَّوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا قُلْتُمْ؟ " قَالُوا: دَعَوْنَا اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وَيَرْحَمَهُ وَيُلْحِقَهُ بِصَاحِبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟ " أَوْ قَالَ: "صِيَامُهُ بَعْدَ صِيَامِهِ، لَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٥٢٤، ن: ١٩٨٥].
ــ
هنا مستعملان في معنى التفضيل، فالذي قصر عمره وحسن عمله والذي قصر عمره وساء عمله خير وشر في أصل معنى الفعل.
٥٢٨٦ - [٣] (عبيد بن خالد) قوله: (ما قلتم) أي: في الدعاء له في صلاتكم عليه.
وقوله: (لما بينهما) بفتح اللام؛ أي: التفاوت بينهما أبعد وأكثر مما بين السماء والأرض.
استشكل بأنه كيف يفضل عمله في جمعة بلا شهادة على عمل صاحبه معها، إذ لا عمل أزيد ثوابًا على الشهادة جهادًا في سبيل اللَّه وإظهارًا لدينه سيما في مبادئ الدعوة وقلة أعوانه؛ وأجيب بأن هذا الرجل أيضًا كان مرابطًا في سبيل اللَّه فجوزي بنيته، وهذا قول على الاحتمال غير مذكور في الحديث، واللَّه أعلم. مع أنه لا يؤيده
стр. 4926
٥٢٨٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، فَأَمَّا الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ،
ــ
ظاهر الحديث الآتي في آخر (الفصل الثالث)، وبأن النبي ﷺ قد عرف أن عمل هذا بلا شهادة يساوي عمل ذلك مع شهادة بسبب مزيد إخلاصه وعقله ومعرفته، ثم زاد بما عمل، فليس كل من استشهد يفضل على غيره على الإطلاق، بل قد يفضل عليه غيره، وكفى في ذلك حال الصديق وغيره من أكابر الصحابة.
٥٢٨٧ - [٤] (أبو كبشة) قوله: (الأنماري) بفتح الهمزة وسكون النون.
وقوله: (فأما الذي) أفرده وذكره بتأويل الأمر الذي، وجمع الضمير وأنثه في (عليهن) باعتبار كونها عبارة عن خصال ثلاث.
وقوله: (فإنه ما نقص مال عبد من صدقة) الظاهر أن المراد عدم النقصان من جهة حصول البركة والثواب، وأنها غير مقيدة بالاستثناء المذكور بعد الخصلة الثانية، وإن احتملت العبارة لذلك، وقال الطيبي به (١)، وذلك بعيد لفظًا ومعنى، أما لفظًا فلأنه لو أريد تقييد الخصال الثلاث بالاستثناء المذكور تحت كل منهما على حدة وتحت المجموع واحدة، وأما معنى فلأن كون زيادة العز جزاء للمظلومية التي هي مستلزمة للذل أظهر من كونه جزاء لنقص المال بالصدقة؛ فإن الظاهر في جزاء الصدقة إطفاء الغضب وحصول البركة في المال، وإن صح باعتبار أن بعض المال قد يفضي إلى الفقر، وهو سبب لحصول الذل، وأيضًا الظاهر على تقدير تعلق الاستثناء بكليهما أن يقال: (بهما) بضمير التثنية، فليفهم.
стр. 4927
وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ فَاحْفَظُوهُ" فَقَالَ: "إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ رَحِمَهُ وَيَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ بِحَقِّهِ، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ،
ــ
(والمظلمة) مصدر ظلم كالظلم بفتح الظاء وضمها، وهو بكسر اللام على ما في (القاموس) (١)، وقد تفتح اللام، وبعضهم أنكر الفتح، وقيل بضم اللام أيضًا، وقد سبق، ويجيء بمعنى ما أخذ بغير حق.
وقوله: (أما الذي أحدثكم) أي: الحديث الذي أحدثكم، والظاهر من العبارة أن يكون جواب (أما) قوله: (فاحفظوه)، لكنه لا يكون لهذا الحكم كثير فائدة، فإنه قد قال أولًا: (وأحدثكم [حديثًا] فاحفظوه)، إلا أن يكون المراد التأكيد والتقرير لوقوع الفاصلة، والظاهر باعتبار المعنى أن يكون التقدير: وأما الذي قلت: أحدثكم فاحفظوه فما أذكره لكم بعد، وإن كان فيه تكلف باعتبار اللفظ، فافهم.
وقوله: (وعلمًا) قيل: المراد علم كيفية صرف المال في مصارف الخير ووجوه البر، فافهم.
وقوله: (بحقه) أي: بحق المال، أي: ما فيه من الحقوق كالزكاة والكفارة وإطعام الضيف ونحوها، أو بحق اللَّه الذي أمر بصرف المال في وجوهه وأبوابه.
وقوله: (فهذا بافضل المنازل) أي: هذا العبد ملتبس بأفضل المقامات، أو في أو على، أو الباء زائدة، و (هذا) إشارة إلى المذكور من الأفعال.
стр. 4928
وَعَبدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَتَخَبَّطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ بِحَقٍّ، فَهَذَا بِأَخْبثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ نِيَّتُهُ، وَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٣٢٥].
٥٢٨٨ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ"، فَقِيلَ: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الموتِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٤٢].
ــ
وقوله: (فهو صادق النية) بناء على علمه بوجوه البر وحسن الصرف فيها، فيثاب على نيته قائلًا: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، أي: الذي يصرف المال في وجوهه.
وقوله: (فهو يتخبط في ماله) أي: يصرفه في شهوات نفسه في المناهي والملاهي.
وقوله: (لعملت فيه بعمل فلان) يريد الذي يتخبط في ماله بغير علم.
وقوله: (فهو نيته) ينبغي أن تحمل النية في هذا القسم على العزم، وعزم المعصية مكتوب ومؤاخذ عليه، والطاعة يثاب عليها بمجرد القصد والنية.
٥٢٨٨ - [٥] (أنس) قوله: (يوفقه لعمل صالح) أيّ عمل كان، وهذا اكتفاء بالأدنى، أو المراد الجنس، ويجوز أن يكون التنوين للتعظيم.
стр. 4929
٥٢٨٩ - [٦] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا. . . . .
ــ
٥٢٨٩ - [٦] (شداد بن أوس) قوله: (الكيس) بفتح الكاف وتشديد الياء المكسورة، من الكياسة، وهي الحذق والفطانة، خلاف الحمق والبلادة.
وقوله: (من دان نفسه) في (الصحاح) (١): دان لازم ومتعد، يقال: دان له، أي: انقاد له وأطاعه، ودانه، أي: أذله واستعبده، وفي الحديث: (الكيس من دان نفسه)، وفي (القاموس) (٢): دان فلانًا: حمله على ما يكره وأذلّه.
اعلم أن الدين يجيء بمعنى الجزاء، دنته، أي: جازيته، ويجيء بمعنى العمل، وفيهما استعمل في قولهم: كما تدين تدان، والعبادة والطاعة والذل والحساب والقهر والغلبة والاستعلاء والإكراه، ولمعان أخر ذكرت في كتب اللغة، وإذا كان بمعنى الذل والطاعة يجيء لازمًا ومتعديًا؛ وإذا كان بمعنى الحساب والقهر والغلبة فهو متعدي، فمعنى قوله: (دان نفسه) على هذا: حاسبها وقهرها، وغلبها واستعلاها، فتدبر.
وقوله: (والعاجز من أتبع نفسه هواها) بفتح الهمزة وسكون التاء من باب الإفعال، و (نفسه) و (هواها) مفعولاه، ثم اعلم أنه يستعمل العاجز في مقابلة الكيس كما في حديث آخر: (المؤمن الكيس خير من المؤمن العاجز)، والمقابل الحقيقي للكيسر، البليد؛ لأن الكياسة تستلزم القدرة والرأي والتجارب وتمشية الأمور، والبلادة تستلزم العجز فيها، والحاصل أن الناس يمدحون الكياسة والفطانة في أمور الدنيا ومهماتها، ويذمون العجز فيها، وفي الحقيقة الكياسة المحمودة هي القدرة على حبس
стр. 4930
وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٤٥٩، جه: ٤٢٦٠].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٢٩٠ - [٧] عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فَطَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَاكَ طَيِّبَ النَّفْسِ، قَالَ: "أَجَلْ"، قَالَ: ثُمَّ خَاضَ الْقَوْمُ فِي ذِكْرِ الْغِنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ ، وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ". . . . .
ــ
النفس وزجرها عن شهوتها وهواها في معصية اللَّه، والبلادة هي العجز عنه وإعطاء النفس ما أرادت من المحرمات والشهوات وعدم العمل، ثم (تمنى على اللَّه) تعالى، أي: يذنب ويتمنى دخول الجنة والمغفرة ولا يتوب ولا يستغفر.
قال العلماء: حقيقة الرجاء أن يعمل ويرجو، والرجاء الكاذب الذي يفتر صاحبه عن العمل ويجرئه على الذنوب والمعاصي فليس برجاء، لكنه أمنية واغترار باللَّه تعالى، وقد ذم اللَّه سبحانه هذا القوم بقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩]، قال معروف الكرخي: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وارتجاء الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق.
وكتب عمر بن المنصور إلى بعض إخوانه: أما بعد فإنك أصحبت تأمل بطول عمرك وتمنى على اللَّه الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديدًا باردًا.
الفصل الثالث
٥٢٩٠ - [٧] (رجل) قوله: (وطيب النفس من النعيم) أي: من نعمة اللَّه التي
стр. 4931
رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٦٩].
٥٢٩١ - [٨] وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: كَانَ الْمَالُ فِيمَا مَضَى يُكْرَهُ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَهُوَ تُرْسُ الْمُؤْمِنِ، وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الدَّنَانِيرُ لَتَمَنْدَلَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ، وَقَالَ: مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ هَذِهِ شَيْءٌ فَلْيُصْلِحْهُ، فَإِنَّهُ زَمَانٌ إِنِ احْتَاجَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَبْذُلُ دِينَهُ، وَقَالَ: الْحَلَالُ لَا يَحْتَمِلُ السَّرَفَ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٤٠٩٨].
ــ
وجب الشكر عليها، وفي الحواشي: أي من النعم المسؤول عنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
٥٢٩١ - [٨] (سفيان الثوري) قوله: (لتمندل بنا) في (القاموس) (١): الندل: الوسخ، والمنديل بالكسر والفتح وكمنبر: الذي يتمسح به، وتندل به وتمندل: تمسح، وهو كناية عن الابتذال.
وقوله: (فليصلحه) أي: يربيه وينميه حتى ينفق في مصالحه حيث شاء.
وقوله: (إن احتاج) الضمير لـ (من) في (من كان)، وكذا في (كان)، أي: كان ذلك الشخص أول شخص (يبدل دينه) فيما يحتاج إليه.
وقوله: (الحلال لا يحتمل السرف): و (السرف) محركة: ضد القصد، والإسراف: التبذير، أو ما أنفق في غير طاعة، والمراد أن الحلال لا ينبغي أن يسرف فيه، ويليق أن يحفظ ويرى القصد في إنفاقه ليبقى مدة، وقيل: معناه الحلال لا يكون كثيرًا، فلا يحتمل الإسراف، فتدبر.
стр. 4932
٥٢٩٢ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ أَبْنَاءُ السِتِّينَ؟ وَهُوَ الْعُمُرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٩٧٧٣].
٥٢٩٣ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: إِنَّ نفًرًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ ثَلَاثَةٌ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْلَمُوا،
ــ
٥٢٩٢ - [٩] (ابن عباس) قوله: (﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾) أي: عمرًا يتعظ فيه من شأنه الاتعاظ، قال البيضاوي (١): ﴿مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ متناول كل عمر يمكن المكلف فيه من التفكر والتذكر، وقيل: ما بين العشرين إلى الستين، انتهى. وهذا الحديث يدل على أنه الستون، فإن صح يتعين أنه المراد، وما ذكره البيضاوي محتمل اللفظ.
وقوله: (﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾) يدل على أنه لا يعاقب قبل الشريعة كما هو مذهب الأشعري، وإن خص بالفروع كان موافقًا لمذهب الماتريدية أيضًا، وقد روى الشيخ ابن الهمام عن أبي حنيفة ﵀ ما يوافق مذهب الأشعري، واللَّه أعلم. وهذا الحديث أوفق بالباب الأول في حديث: (أعذر اللَّه إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة).
٥٢٩٣ - [١٠] (عبد اللَّه بن شداد) قوله: (من بني عذرة) بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة.
стр. 4933
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَكْفِينِيهِمْ؟ " قَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، فَكَانُوا عِنْدَهُ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْثًا، فَخَرَجَ فِيهِ أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْثًا فَخَرَجَ فِيهِ الآخَرُ فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَمَامَهُمْ، وَالَّذِي اسْتُشْهِدَ آخِرًا يَلِيهِ، وَأَوَّلَهُمْ يَلِيهِ، فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ (١) ﷺ فَقَالَ: "وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ؟ لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ. . . . .
ــ
وقوله: (من يكفينيهم) أي: يكفيني مؤنتهم من الرزق والسلاح وغيرهما، في (القاموس) (٢): كفاه مؤنته يكفيه كفاية، وكفاك الشيء، وفي (الصراح): كفايت كار كَذاري كردن اكتفاء بسنده كردن، والمعنى: لزم علي مؤنتهم، فهل منكم من يمونهم حتى أكتفي؟
وقوله: (قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة) أي: في المنام.
وقوله: (أمامهم) بفتح الهمزة، أي: المقدم فيما بينهم على نحو يوسف أحسن إخوته.
وقوله: (فدخلني من ذلك) أي: تعجب وإنكار، يعني كان القياس أن يستوي الشهيدان في المرتبة، أو يتقدم الأول لسبقه إلى الخير ويتأخر عنهما الثالث الذي مات على فراشه.
وقوله: (وما أنكرت من ذلك؟ ) أيّ شيء أنكرت، أي: لا تنكر شيئًا من ذلك.
стр. 4934
يُعَمَّرُ فِي الإِسْلَامِ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ".
٥٢٩٤ - [١١] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا لَوْ خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمَ وُلدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرِمًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَوَدَّ أَنَّهُ رُدَّ إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِنَ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ. رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. [حم: ١/ ١٦٣، ٤/ ١٨٥].
* * *
٤ - باب التوكل والصبر
ــ
٥٢٩٤ - [١١] (محمد بن أبي عميرة) قوله: (وعن محمد بن أبي عميرة) على وزن البصيرة.
وقوله: (من يوم) بالجر والفتح، و (هرمًا) بفتح الراء وكسرها.
وقوله: (من يوم ولد) فرض ومبالغة.
وقوله: (لحقره) أي: قلل عمله مع كونه كثيرًا في تلك المرتبة من الكثرة بالنسبة إلى ما يرى من جزائه.
٤ - باب التوكل والصبر
في (القاموس) (١): وَكَل باللَّه يَكِل، وتوكَّل عليه واتكل: استسلم إليه، ووكَل إليه الأمر وكلًا ووكولًا: سلّمه وتركه، ورجل وَكَلٌ وتُكَلَةٌ مثال هُمَزَة، أي: عاجزٌ يَكِل أمرَه إلى غيره، والاسم الوكالة بالفتح ويكسر، والتوكل: إظهار العجز والاعتماد
стр. 4935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على الغير، والتكلان بالضم اسم فيه.
وقال في (العوارف) (١): قال السري: التوكل الانخلاع من الحول والقوة، وقال الجنيد: التوكل أن تكون للَّه كما لم تكن، فيكون اللَّه لك كما لم يزل، وقال ذو النون: ترك تدبير النفس والانخلاع من الحول والقوة، وقال حمدون القصار: التوكل هو الاعتصام باللَّه، وقال الشيخ نجم الدين الكُبرى (٢): التوكل هو الخروج عن الأسباب، والتسبّب بالكلية ثقة باللَّه، انتهى.
ثم التوكل عام شامل لجميع أفعال العبد وأحواله، والشائع استعماله في أمر الرزق كما نطقت به الأحاديث، وحقيقة التوكل هو العلم بضمانية اللَّه سبحانه للرزق والثقة به، وأما ترك الأسباب فإنما يكون بتحقيق مقام التوكل حتى يحصل العلم المذكور بالتجربة، وهو في حال الابتداء، ثم بعد حصوله لا حاجة إلى ترك الأسباب، بل ربما يقع التشبث بها تعبدًا وامتثالًا للأمر الحقيقي الذي في ضمن خلق الأسباب.
وأما الصبر فهو في اللغة: الحبس، صبره يصبره: حبسه، والصبر نقيض الجزع، وفي الشرع: ترجيح داعية الحق على داعية الهوى عند معارضتهما، وقال الشيخ نجم الدين قدس سره (٣): هو الخروج من حظوظ النفس بالمجاهدة والمكابدة، والثبات على فطامها عن مألوفاتها ومحبوباتها، وخمود شهواتها والاستقامة على
стр. 4936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطريقة المثلى بتصفية القلب وتجلية الروح.
وقال في (العوارف) (١): أفضل الصبر الصبر على اللَّه بعكوف الهم عليه، وصدق المراقبة بالقلب، وحسم مواد الخواطر، والصبر ينقسم إلى فرض وفضل، فالفرض كالصبر على أداء المفترضات، والصبر عن المحرمات، ومن الصبر الذي هو فضل: [الصبر] على الفقر، والصبر عند الصدمة الأولى، وكتمان المصائب والأوجاع، وترك الشكوى، والصبر على إخفاء الفقر، والصبر على كتم المنح والكرامات، ووجوه الصبر فرضًا وفضلًا كثيرة، وكثير من الناس يقوم بهذه الأقسام من الصبر ويضيق عن الصبر على اللَّه بلزوم صحبة المراقبة والرعاية ونفي الخواطر، انتهى.
وقال غوث الثقلين الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني: الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب، والثبات مع اللَّه تعالى، وتلقي موافقته بالرحب والسعة على أحكام الكتاب والسنة، وينقسم أقسام: صبر للَّه، وهو الثبات على أوامره، والانتهاء عن نهيه، وصبر مع اللَّه تعالى، وهو السكون تحت جريان قضائه، وصبر على اللَّه، وهو الركون لما وعده في كل شيء، والمصير من الدنيا إلى الآخرة، والصبر مع اللَّه أشد، والفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، والفقير الشاكر أفضل منهما، انتهى كلامه الأقدس.
ثم الصبر أيضًا مع كثرة أقسامه يخصص في الاستعمال بالصبر على البلايا والمصائب والمكروهات كالشكر في أمر الرزق، والأحاديث مذكورة فيه.
стр. 4937
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٢٩٥ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٧٢، م: ٢٢٠].
ــ
الفصل الأول
٥٢٩٥ - [١] (ابن عباس) قوله: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا) قال السيوطي في حاشية (صحيح مسلم): وقد جاء في بعض الروايات من غير مسلم: (سبعون ألفًا مع كل واحد منهم سبعون ألفًا)، كذا في (الحواشي).
وقوله: (لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) قال الطيبي (١): هذا من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا، الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها، وتلك درجة الخواص لا يبلغها غيرهم، وأما العوام فرخص لهم في التداوي والمعالجات، ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من اللَّه تعالى بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء، ومن لم يصبر رخص له في الرقية والعلاج والدواء، انتهى.
دل هذا الكلام على أن ترك التداوي والعلاج وسائر الأسباب التي خلقها اللَّه تعالى بحكمه هو العزيمة، ودرجة الخواص والكاملين من الأولياء والمقربين، وأما التشبث بها فمرتبة العوام الذين لا يصبرون عنها، رخص لهم لضعفهم وعدم صبرهم، وهذا صحيح بالنسبة إلى من دونهم، وليس على الإطلاق؛ لثبوت العمل بها من النبي ﷺ وأكابر الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فالحق أن ما ورد في الحديث مرتبة السالكين المتوسطين من تاركي الأسباب لتحقيق مقام التوكل بتركها؛ لوقوع نظرهم
стр. 4938
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليها، وخوف اعتقادهم تأثيرها، فتركوها ليسقط النظر عنها ويتحقق مقام التوكل، وهذه فضيلة ودرجة عالية في سلوك طريق الحق ومجاهدة النفس وقمع هواها، فجُوزُوا بدخول الجنة بغير حساب.
وأما أرباب الانتهاء المقربون الواصلون إلى مرتبة حق اليقين، المشاهدون قدرة الحق على كل حال في وجود الأسباب وعدمها، بل في وجودها أتم وأكمل؛ لكمال القدرة في خلقها، فلا عليهم أن يتشبثوا بالأسباب ويتمسكوا بها، ونظرهم ساقط عنها في ذلك، وهذه درجة أعلى من الأولى، وهم قد قطعوا الدرجة الأولى وارتقوا منها، فلهم الجزاء المذكور، وحصلت لهم الحسنى وزيادة، وفعل النبي ﷺ وأكابر الصحابة من هذا القبيل، وهذا هو حقيقة التوكل والتفويض ونهايته، وهو أعلى من الصبر وانتظار الفرج بالدعاء، وهو حقيقة مقام الرضا والتسليم، وهذا الكلام موافق لما ذكره السادة من الصوفية الصفية قدس اللَّه أسرارهم، ولا ينافيه الحديث، فتدبر، واللَّه الموفق.
ثم احتجاج البعض بهذا الحديث على كراهة التداوي والمعالجات غلط؛ لأنه لا يفهم منه كراهتها، غاية ما يفهم منه كونها مرتبة أدنى ورخصة كما لا يخفى.
ثم اعلم أن في الحديث وجها آخر هو الأظهر عند التأمل، وهو أن المنفي هو الاسترقاء برقى الجاهلية التي لا يؤمن فيها من الشرك بقرينة قوله: (ولا يتطيرون)، فإن التطير والتشاؤم من عادة الجاهلية، فالمراد أنهم يتركون أعمال الجاهلية، وهذه ينبغي أن تكون مرتبة عوام المسلمين؛ لورود النهي عنها، ومع ذلك فيهما فضيلة ولهما جزاء ذكر؛ لأن أكثر المسلمين مبتلون بارتكاب الأسباب وإن كانت جاهلية،
стр. 4939
٥٢٩٦ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفق، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ،
ــ
وهي من درجات التوكل، وفوق ذلك ترك الاسترقاء مطلقًا والمعالجات وإن كانت مشروعة غير منهي عنها، وهو النهاية، وذلك مرتبة قطع الأسباب ومجاهدة النفس لتحقيق مقام التوكل، وفوق ذلك مرتبة أخرى أشرنا إليها، وهي المشار إليها بقولهم: النهاية هي الرجوع إلى البداية، فليفهم.
٥٢٩٦ - [٢] (وعنه) قوله: (هكذا وهكذا) أي: إلى اليمين وإلى الشمال.
وقوله: (ومع هؤلاء سبعون ألفًا) الظاهر أن هؤلاء السبعون الألف وراء المرئيين الذي سدوا الأفق وأشير إليهم بهؤلاء أمتك.
وقوله: (ولا يكتوون) قالوا: الكي من الأسباب الوهمية التي تنافي التوكل، وقد ورد النهي عنه، وعمل بعض الأصحاب به بإذنه ﷺ ، فقيل: النهي لتوغل العرب في اعتقاد حصول الشفاء به، حتى قيل: آخر الدواء الكي، وقيل: يباح عند الضرورة مع اعتقاده أن الشفاء من اللَّه تعالى، والمختار أنه مكروه، وقد بسطنا الكلام فيه في (شرح سفر السعادة)، فلينظر ثمة.
стр. 4940
فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ"، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٥٢، م: ٢٢٠].
٥٢٩٧ - [٣] وَعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٩٩].
٥٢٩٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ،
ــ
وقوله: (فقام عكاشة) تشديد الكاف فيه أكثر من تخفيفها، و (محصن) بكسر الميم وفتح الصاد.
وقوله: (سبقك بها عكاشة) أي: كأنه بهذه المسألة لم يؤذن له في ذلك المجلس بالدعاء إلا لواحد، أو لم يكن الثاني ممن يستحق تلك المنزلة، ومع ذلك كره أن يقول: لست أهلًا لها؛ فأجاب بكلام مشترك يشعر بأن السبب في تخصيصه سبقه بذلك، وقيل: كان منافقًا فأجاب بكلام محتمل لحسن خلقه ﷺ ، وقيل: سبقك عكاشة بوحي به، وصوب هذا القول؛ لما روي أن الثاني كان سعد بن عبادة، وفي الحديث دلالة على المسارعة إلى الخيرات وطلب الدعاء من الصالحين.
٥٢٩٧ - [٣] (صهيب) قوله: (إن أصابته) بمنزلة الصفة والقيد له، أو المراد المؤمن الكامل.
٥٢٩٨ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن القوي) أي: في الاعتقاد باللَّه، والثقة