← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الطريقة المثلى بتصفية القلب وتجلية الروح. وقال في (العوارف) (١): أفضل الصبر الصبر على اللَّه بعكوف الهم عليه، وصدق المراقبة بالقلب، وحسم مواد الخواطر، والصبر ينقسم إلى فرض وفضل، فالفرض كالصبر على أداء المفترضات، والصبر عن المحرمات، ومن الصبر الذي هو فضل: [الصبر] على الفقر، والصبر عند الصدمة الأولى، وكتمان المصائب والأوجاع، وترك الشكوى، والصبر على إخفاء الفقر، والصبر على كتم المنح والكرامات، ووجوه الصبر فرضًا وفضلًا كثيرة، وكثير من الناس يقوم بهذه الأقسام من الصبر ويضيق عن الصبر على اللَّه بلزوم صحبة المراقبة والرعاية ونفي الخواطر، انتهى. وقال غوث الثقلين الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني: الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب، والثبات مع اللَّه تعالى، وتلقي موافقته بالرحب والسعة على أحكام الكتاب والسنة، وينقسم أقسام: صبر للَّه، وهو الثبات على أوامره، والانتهاء عن نهيه، وصبر مع اللَّه تعالى، وهو السكون تحت جريان قضائه، وصبر على اللَّه، وهو الركون لما وعده في كل شيء، والمصير من الدنيا إلى الآخرة، والصبر مع اللَّه أشد، والفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، والفقير الشاكر أفضل منهما، انتهى كلامه الأقدس. ثم الصبر أيضًا مع كثرة أقسامه يخصص في الاستعمال بالصبر على البلايا والمصائب والمكروهات كالشكر في أمر الرزق، والأحاديث مذكورة فيه.

стр. 4937

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٢٩٥ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٧٢، م: ٢٢٠]. ــ الفصل الأول ٥٢٩٥ - [١] (ابن عباس) قوله: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا) قال السيوطي في حاشية (صحيح مسلم): وقد جاء في بعض الروايات من غير مسلم: (سبعون ألفًا مع كل واحد منهم سبعون ألفًا)، كذا في (الحواشي). وقوله: (لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) قال الطيبي (١): هذا من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا، الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها، وتلك درجة الخواص لا يبلغها غيرهم، وأما العوام فرخص لهم في التداوي والمعالجات، ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من اللَّه تعالى بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء، ومن لم يصبر رخص له في الرقية والعلاج والدواء، انتهى. دل هذا الكلام على أن ترك التداوي والعلاج وسائر الأسباب التي خلقها اللَّه تعالى بحكمه هو العزيمة، ودرجة الخواص والكاملين من الأولياء والمقربين، وأما التشبث بها فمرتبة العوام الذين لا يصبرون عنها، رخص لهم لضعفهم وعدم صبرهم، وهذا صحيح بالنسبة إلى من دونهم، وليس على الإطلاق؛ لثبوت العمل بها من النبي ﷺ وأكابر الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فالحق أن ما ورد في الحديث مرتبة السالكين المتوسطين من تاركي الأسباب لتحقيق مقام التوكل بتركها؛ لوقوع نظرهم

стр. 4938

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليها، وخوف اعتقادهم تأثيرها، فتركوها ليسقط النظر عنها ويتحقق مقام التوكل، وهذه فضيلة ودرجة عالية في سلوك طريق الحق ومجاهدة النفس وقمع هواها، فجُوزُوا بدخول الجنة بغير حساب. وأما أرباب الانتهاء المقربون الواصلون إلى مرتبة حق اليقين، المشاهدون قدرة الحق على كل حال في وجود الأسباب وعدمها، بل في وجودها أتم وأكمل؛ لكمال القدرة في خلقها، فلا عليهم أن يتشبثوا بالأسباب ويتمسكوا بها، ونظرهم ساقط عنها في ذلك، وهذه درجة أعلى من الأولى، وهم قد قطعوا الدرجة الأولى وارتقوا منها، فلهم الجزاء المذكور، وحصلت لهم الحسنى وزيادة، وفعل النبي ﷺ وأكابر الصحابة من هذا القبيل، وهذا هو حقيقة التوكل والتفويض ونهايته، وهو أعلى من الصبر وانتظار الفرج بالدعاء، وهو حقيقة مقام الرضا والتسليم، وهذا الكلام موافق لما ذكره السادة من الصوفية الصفية قدس اللَّه أسرارهم، ولا ينافيه الحديث، فتدبر، واللَّه الموفق. ثم احتجاج البعض بهذا الحديث على كراهة التداوي والمعالجات غلط؛ لأنه لا يفهم منه كراهتها، غاية ما يفهم منه كونها مرتبة أدنى ورخصة كما لا يخفى. ثم اعلم أن في الحديث وجها آخر هو الأظهر عند التأمل، وهو أن المنفي هو الاسترقاء برقى الجاهلية التي لا يؤمن فيها من الشرك بقرينة قوله: (ولا يتطيرون)، فإن التطير والتشاؤم من عادة الجاهلية، فالمراد أنهم يتركون أعمال الجاهلية، وهذه ينبغي أن تكون مرتبة عوام المسلمين؛ لورود النهي عنها، ومع ذلك فيهما فضيلة ولهما جزاء ذكر؛ لأن أكثر المسلمين مبتلون بارتكاب الأسباب وإن كانت جاهلية،

стр. 4939

٥٢٩٦ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفق، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، ــ وهي من درجات التوكل، وفوق ذلك ترك الاسترقاء مطلقًا والمعالجات وإن كانت مشروعة غير منهي عنها، وهو النهاية، وذلك مرتبة قطع الأسباب ومجاهدة النفس لتحقيق مقام التوكل، وفوق ذلك مرتبة أخرى أشرنا إليها، وهي المشار إليها بقولهم: النهاية هي الرجوع إلى البداية، فليفهم. ٥٢٩٦ - [٢] (وعنه) قوله: (هكذا وهكذا) أي: إلى اليمين وإلى الشمال. وقوله: (ومع هؤلاء سبعون ألفًا) الظاهر أن هؤلاء السبعون الألف وراء المرئيين الذي سدوا الأفق وأشير إليهم بهؤلاء أمتك. وقوله: (ولا يكتوون) قالوا: الكي من الأسباب الوهمية التي تنافي التوكل، وقد ورد النهي عنه، وعمل بعض الأصحاب به بإذنه ﷺ ، فقيل: النهي لتوغل العرب في اعتقاد حصول الشفاء به، حتى قيل: آخر الدواء الكي، وقيل: يباح عند الضرورة مع اعتقاده أن الشفاء من اللَّه تعالى، والمختار أنه مكروه، وقد بسطنا الكلام فيه في (شرح سفر السعادة)، فلينظر ثمة.

стр. 4940

فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ"، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٥٢، م: ٢٢٠]. ٥٢٩٧ - [٣] وَعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٩٩]. ٥٢٩٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، ــ وقوله: (فقام عكاشة) تشديد الكاف فيه أكثر من تخفيفها، و (محصن) بكسر الميم وفتح الصاد. وقوله: (سبقك بها عكاشة) أي: كأنه بهذه المسألة لم يؤذن له في ذلك المجلس بالدعاء إلا لواحد، أو لم يكن الثاني ممن يستحق تلك المنزلة، ومع ذلك كره أن يقول: لست أهلًا لها؛ فأجاب بكلام مشترك يشعر بأن السبب في تخصيصه سبقه بذلك، وقيل: كان منافقًا فأجاب بكلام محتمل لحسن خلقه ﷺ ، وقيل: سبقك عكاشة بوحي به، وصوب هذا القول؛ لما روي أن الثاني كان سعد بن عبادة، وفي الحديث دلالة على المسارعة إلى الخيرات وطلب الدعاء من الصالحين. ٥٢٩٧ - [٣] (صهيب) قوله: (إن أصابته) بمنزلة الصفة والقيد له، أو المراد المؤمن الكامل. ٥٢٩٨ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن القوي) أي: في الاعتقاد باللَّه، والثقة

стр. 4941

احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٦٤]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٢٩٩ - [٥] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، ــ به، والصبر على الطاعة، وفي قوة العزائم على الخير، وتقوية الدين بالجهاد، والأمر بالمعروف، ونحو ذلك، وقيل: أراد من صبر على محاسبة الناس، وتحمل أذاهم في تعليمهم الخير. وقوله: (فإن لو تفتح عمل الشيطان) أي: من معارضة القدر والوسوسة، وذلك إذا تكلم بها بطريق معارضة القدر ونسبة الحول والقوة إلى النفس واعتقاد ذلك حقًّا، وإلا فقد وقع في الأحاديث منه ﷺ كقوله في الحج: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت) لتطييب قلوب الصحابة، وكذلك قول من قاله تأسفًا على ما فات منه من الطاعة، وأمثال ذلك. الفصل الثاني ٥٢٩٩ - [٥] (عمر بن الخطاب) قوله: (حق توكله) فسره الطيبي (١): بأن يعلم يقينًا أن لا فاعل إلا اللَّه، ثم يسعى في الطلب على الوجه الجميل، قال: ولذلك شبهه بالطير، واستند في ذلك بما قال الإمام الغزالي: من ظن أن معنى التوكل ترك الكسب

стр. 4942

تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٣٤٤، جه: ٤١٦٤]. ٥٣٠٠ - [٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّهَا النَّاسُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ (١) يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ -وَفِي روايةٍ: وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ- نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، ــ [بالبدن، وترك التدبير بالقلب]، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة، فهو جاهل، وبما قال الإمام أبو القاسم القشيري: اعلم أن التوكل محله القلب، وإنما الحركة بالظاهر، فلا تنافي التوكل بعد ما تحقق [العبد] الثقة. وقوله: (تغدو خماصًا) الغدوة بالضم: البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس كالغداة، غدا عليه غدوًا وغدوة بالضم: بكرة، والخمصة: الجوع، والمخمصة: المجاعة، وخميص الحشى: ضامر البطن، والخماص بالكسر جمع خميص، و (الرواح) العشي من الزوال إلى الليل، و (البطان) بالكسر جمع بطين، ورجل بطين: عظيم البطن، ضد الخميص، وبطن ككرم. ٥٣٠٠ - [٦] (ابن مسعود) قوله: (وإن الروح الأمين) بالتوصيف، والمراد به جبرئيل ﵇، وكذاب (روح القدس) بالإضافة، والقدس بالضم وبضمتين: الطهر، اسم ومصدر؛ لأنه خلق من طهارة روح، فالإضافة لزيادة الاختصاص مثل حاتم الجود،

стр. 4943

أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". . . . . ــ وقيل: المصدر بمعنى المفعول، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وفيه تكلف، والنفث: النفخ، والروع بالضم: القلب، والمراد بنفث روح القدس في الروع الوحي الخفي، (وأجملوا في الطلب) في (القاموس) (١): أجمل في الطلب: اعتدل فلم يفرط، وذلك بأن يكون على الوجه المشروع غير مخل بالحقوق والآداب من غير حرص ولا اضطراب. وقوله: (ولا يحملنكم استبطاء الرزق) يعني إذا أبطأ وصول الرزق -وهو كذلك كان مقدرًا فاستبطأتموه، أي: عددتموه بطيئًا في الوصول، وذلك لتوهمكم وصوله كل يوم مثلًا- فلا يحملنكم ذلك على اضطرابكم وإفراطكم في الطلب وارتكاب المعصية في ذلك ظنًّا منكم أنه يصل بهذا السبب، وهو لا يصل به، ولا يحصل إلا المعصية، فاجتنبوها، و (لا يدرك ما عند اللَّه) تعالى -وهو الرزق الحلال- (إلا بطاعته) أي: داوموا على طاعته واستقيموا ولا تضطربوا، فإن الرزق الذي قدر لكم واصل إليكم وتمدحون بذلك، وإن عصيتم لا يصل الرزق ويرجع الذم إليكم، هذا حاصل معنى الحديث، وقيل: المراد بـ (ما عند اللَّه) الجنة، كذا في (الحواشي)، وفي الحديث دليل على أن الرزق واصل البتة، وهو قد يكون حلالًا إذا حصل بواسطة الطاعة، ويكون حرامًا إذا حصل بالمعصية كما هو المذهب.

стр. 4944

إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ". [شرح السنة: ٤١١١، ٤١١٢، ٤١١٣، شعب: ٩٨٩١]. ٥٣٠١ - [٧] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَلَا إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ بِمَا فِي يَد اللَّهِ، وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ الرَّاوِي مُنْكَرُ الحَدِيثِ. [ت: ٢٣٤٠، جه: ٤١٠٠]. ــ وقوله: (إلا أنه لم يذكر: وإن روح القدس) يعني أنه لم يذكره بدلًا عن قوله: (وإن الروح الأمين) في رواية، بل ذكر (وإن الروح الأمين نفث في روعي) من غير ذكر قوله: وفي رواية: وإن روح القدس. ٥٣٠١ - [٧] (أبو ذر) قوله: (الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال. . . إلخ)، قالوا: الزهد في الدنيا هو عدم الرغبة فيها، والخروج عن متاعها وشهواتها ومالها وجاهها، فأشار ﷺ أنه لا يتم مقام الزهد بهذا؛ لأن غايته ترك اللذات والأموال، وإسقاطها وإخراجها عن اليد؛ لأنه في الحقيقة تحريم الحلال وإضاعة المال، قال: هذا تنقيصًا له وحطًّا لرتبته. وقوله: (ولكن الزهادة في الدنيا. . . إلخ) يشير إلى أن مقام الزهد إنما يتحقق بالتوكل على اللَّه، والثقة به، والاعتماد عليه وعلى ما عنده بالصبر على المصائب؛ رغبة في ثواب الآخرة. ومعنى (أبقيت) أي: المصيبة (لك) منعت وأخرت عنك ما أصبت بها، والحاصل

стр. 4945

٥٣٠٢ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "يَا غُلَامُ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١/ ٢٩٣، ت: ٢٥١٦]. ٥٣٠٣ - [٩] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ، ــ أن رغبتك في المصيبة لأجل ثوابها أكثر من رغبتك في عدمها. ٥٣٠٢ - [٨] (ابن عباس) قوله: (احفظ اللَّه يحفظك) أي: احفظ حق اللَّه وراعِهِ يحفظك اللَّه من مكاره الدنيا والآخرة. وقوله: (تجاهك) أي: مقابلك، والتاء بدل من الواو، وفي الحديث زيادات في غير رواية أحمد والترمذي نقلها الطيبي وشرحها (١). وقوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف) كناية عن معنى القضاء وثبوت القدر لا يتغير ولا يتبدل. ٥٣٠٣ - [٩] (سعد) قوله: (من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى اللَّه له) لأداء حقوق العبودية وامتثال الأمر الإرادي، ولأن فيه سلامة القلب، وجمعية الخاطر، وفراغ الوقت من الاضطراب والتدبير والتشعب في أودية الهموم، وأما الاستخارة

стр. 4946

وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ١/ ١٦٨، ت: ٢١٥١]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٣٠٤ - [١٠] عَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ. . . . . ــ فهي مأمور بها، ففيها امتثال الأمر التشريعي كما في سائر الأوامر والنواهي، ولها فوائد ومنافع في تسهيل الأقدار وحصول الخيرة من اللَّه، وهي أيضًا من الأسباب القدرية كالدعاء، ووراء ذلك سر لا ينكشف، وقيل: الاستخارة طلب الخير، ومعنى تركه ذلك أن لا يرضى لما اختاره اللَّه ويتركه، وفيه خفاء، فافهم. وقوله: (تركه استخارة اللَّه) الاستخارة طلب الخير، ومعنى تركه ذلك أن لا يرضى بما اختاره اللَّه ويتركه، لما كان الرضا بما قضى اللَّه على الإطلاق يشمل الرضا بما قدر اللَّه تعالى له من المعاصي، وجب أن يطلب الخير؛ رجاء أن يقدر له الخير، ويذهب به مذهب الخير. الفصل الثالث ٥٣٠٤ - [١٠] (جابر) قوله: (قبل نجد) النجد: ما أشرف من الأرض، وبلاد العرب، وهو تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. وقوله: (فأدركتهم القائلة) في (القاموس) (١): القائلة: نصف النهار، وقال قَيلًا

стр. 4947

فِي وَادٍ كَثيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا"، قَالَ: مَا يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: "اللَّهُ" ثَلَاثًا، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩١٠، م: ٨٤٣]. ٥٣٠٥ - [١١] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيِّ فِي "صَحِيحِهِ": فَقَالَ (١): مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللَّهُ"، فَسَقَطَ السيفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّيْفَ فَقَالَ: "مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، فَقَالَ: "تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ"؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ عَلَى أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، ــ وقائلة وقَيلولة ومَقيلًا ومَقالًا وتَقَيَّل: نام فيه، فهو قائل. (كثير العضاه) في (القاموس) (٢): العضاهة بالكسر: أعظم الشجر، أو الخمط، أو كل ذات شوك، أو ما عظم منها وطال، كالعضه كعنب، والعِضَهَة كعنبة، والجمع عضاه. و (السمرة) بفتح السين وضم الميم واحدة سَمُر: شجر الطلح، والطلح: شجر عظام، كالطلاح ككتاب. و (اخترط السيف) سلَّه من غمده. (صلتًا) الصلت بالفتح: السيف الصيقل الماضي، والسكين الكبير، ويضم. وقال الطيبي (٣): صلتًا، أي: مسلولًا. ٥٣٠٥ - [١١] (أبو بكر الإسماعيلي) قوله: . . . . .

стр. 4948

فَأَتَى أَصْحَابَهُ فَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ. هَكَذَا فِي "كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ" وَفِي "الرِّيَاضِ". [الجمع بين الصحيحن: ١٥٢٦، رياض: ٧٨]. ٥٣٠٦ - [١٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنِّي لأَعْلَمُ آيَةً لَوْ أَخَذَ النَّاسُ بِهَا لَكَفَتْهُمْ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ". [الطلاق: ٢ - ٣]. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ١٧٩، جه: ٤٢٧٣، دي: ٢٧٢٥]. ٥٣٠٧ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إني أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِينُ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [د: ٣٩٩٣، ت: ٢٩٤٠]. ٥٣٠٨ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَالآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ــ (في الرياض) أي (رياض الصالحين) تصنيف الشيخ محيي الدين النووي. ٥٣٠٦ - [١٢] (أبو ذر) قوله: (لو أخذ الناس بها) أي: عملوا بها واتقوا، (لكفتهم) من طلب الرزق والتعب في أسبابها، قال بعض المشايخ: لكل قوم حرفة، وحرفتنا التقوى والتوكل، أو كما قال. ٥٣٠٧ - [١٣] (ابن مسعود) قوله: (إني أنا الرزاق) قراءة شاذة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. ٥٣٠٨ - [١٤] (أنس) قوله: (فشكا المحترف أخاه) أي: عن إنفاقه على ذلك الأخ، (النبي ﷺ ) أي: إلى النبي ﷺ بحذف الخافض، يقال: شكا أمره إلى اللَّه شكوى،

стр. 4949

فَقَالَ: "لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٤٥]. ٥٣٠٩ - [١٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ بِكُلِّ وَادٍ شُعْبَةٌ، فَمَنْ أَتْبَعَ قَلْبَهُ الشُّعَبَ كُلَّهَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِأَيِّ وَادٍ أَهْلَكَهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ الشُّعَبُ". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٤٢١٨]. ٥٣١٠ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ : لَوْ أَنَّ عَبِيدِي أَطَاعُونِي لأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ، وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَلَمْ أُسْمِعْهُمْ صَوْتَ الرَّعدِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٥٩]. ٥٣١١ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ الْحَاجَةِ خَرَجَ إلَى الْبَرِيَّةِ، ــ وينون، كذا في (القاموس) (١). ٥٣٠٩ - [١٥] (عمرو بن العاص) قوله: (بكل واد شعبة) أي: في كل هم له قطعة، كناية عن تشعب همومه وتفرقها في أسباب رزقه وتحصيله، ومن فوض أموره إلى اللَّه تعالى كفاه مؤن حاجاته المتشعبة، ومن يتوكل على اللَّه فهو حسبه. ٥٣١٠ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (ولم أسمعهم صوت الرعد) كناية عن الأمن والسلامة الخالصة عن خوف الهلاك كما يكون في السحاب من الخوف بالرعد والبرق. ٥٣١١ - [١٧] (وعنه) قوله: (خرج إلى البرية) أي: ليحصل له شيء فيجيء به

стр. 4950

فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ قَامَتْ إِلَى الرَّحَى فَوَضَعَتْهَا وَإِلَى التَّنُّورِ فَسَجَرَتْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: اللهُمَّ ارْزُقْنَا، فَنَظَرَتْ فَإِذَا الْجَفْنَةُ قَدِ امْتَلأَتْ، قَالَ: وَذَهَبَتْ إِلَى التَّنُّورِ فَوَجَدَتْهُ مُمْتَلِئًا، قَالَ: فَرَجَعَ الزَّوْجُ، قَالَ: أَصَبْتُمْ بَعْدِي شَيْئًا؟ قَالَتِ امْرَأَتَهُ: نَعَمْ مِنْ رَبِّنَا، وَقَامَ إِلَى الرَّحَى، فَذُكِرَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "أَمَا إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْفَعْهَا لَمْ تَزَلْ تَدُورُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٥١٣]. ٥٣١٢ - [١٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ". رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "الْحِلْية". [حلية: ٦/ ٨٦]. ــ إلى الأهل، و (البرية) بتشديد الراء والياء: الصحراء، (فلما رأت امرأته) أي: حالة الزوج وخروجه لطلب الرزق (قامت إلى الرحى ووضعتها) أي: وضعت الرحى بين يديها لتدورها، أو وضعت أحد شقي الرحى على الأخرى رجاء أن يجيء زوجها بشيء من الحبوب فتطحنها. وقوله: (فسجرته) سجر التنور: أحماه، و (الجفنة) القصعة الكبيرة، والمراد هنا ما يوضع تحت الرحى ليجتمع فيها الدقيق، (فوجدته ممتلئًا) أي: وجدت التنور ممتلئًا من الخبز من غير أن تعجن وتخبز، (فقام) أي: الزوج (إلى الرحى) أي: ثم رفعها. وقوله: (أما إنه لو لم يرفعها. . . إلخ)، فإن النظر إلى الأسباب وتفتيشها يورث الخلل في اليقين والفتور فيه، وذلك كثير في المعجزات. ٥٣١٢ - [١٨] (أبو الدرداء) قوله: (إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله) فالرزق يصل إليه ما لم يصل الأجل؛ فإذا جاء الأجل انقطع الرزق.

стр. 4951

٥٣١٣ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٧٧، م: ١٧٩٢]. * * * ٥ - باب الرياء والسمعة ــ ٥٣١٣ - [١٩] (ابن مسعود) قوله: (يحكي نبيًّا) قال الشيخ ابن حجر: لم أقف على تعيين هذا النبي صريحًا، ويحتمل أن يكون نوحًا ﵇، وقيل: بل أراد به نفسه الكريمة ﷺ ذكره بطريق الإبهام. قوله: (نبيًا من الأنبياء ضربه) الظاهر أنه مفعول (يحكي)، أي: يحكي حاله، و (ضربه) صفة أو استئناف، ويحتمل أن يكون منصوبًا على شريطة التفسير. ٥ - باب الرياء والسمعة (الرياء) من الرؤية، راءى يرائي مراءاة ولرياء، فهو مراءٍ وهم مراؤون، وقال البيضاوي في سورة النساء (١): المراءاة مفاعلة بمعنى التفعيل، كنعم وناعم، أو للمقابلة، فإن المرائي يري من يرائيه عمله وهو يريه استحسانه، وقال في سورة الماعون (٢): يرون الناس أعمالهم ليروهم الثناء عليهم. وفي (الصراح) (٣): رياء بالكسر

стр. 4952

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمد: خويشتن رابه نيكي بخلق ثمودن، وهو طلب المنزلة عند الناس بالعبادة، فيختص بعمل الظاهر، وما لا يكون من قسم العبادة لا يكون فيه رياء، ككثرة المال والأتباع، وحفظ الأشعار، وحسن الرمي، وإنما هو تكبر وافتخار، وكذلك ما لا يطلب منه المنزلة والجاه عند الناس، كاستمالة قلوب المريدين وترغيبهم وحثهم الاتباع، وفي ذلك قيل: رياء الصديقين خير من إخلاص المريدين. قال بعض المشايخ: الرياء أن يكون في شخص كمال في الواقع ويريد به الناس، ويحب أن يظهر ذلك عليهم، وأما إذا لم يكن فيه ذلك ويريه الناس ويحب أن يعلموه منه فذلك كذب ونفاق لا رباء، على قياس ما يقال: إن الغيبة أن تقول ما في أخيك من العيب، وأما إذا لم يكن فيه ذلك فذلك بهتان وافتراء، وأفحش الرياء وأقبحها أن لا يريد الثواب أصلًا، وهو في غاية المقت، حتى قيل: إنه لا يبرئ الذمة ويجب القضاء، ثم ما فيه إرادتان والرياء غالب، وهو بقربه، ثم ما استويا فيه، والظاهر فيه أن لا يكون له ولا عليه، ويرجى العفو، على قياس قوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، ولكن الأحاديث والآثار ناظرة في الوعد عليه وعدم القبول، واللَّه أعلم. ثم ما ترجح فيه نية الثواب، والظاهر فيه النقصان لا البطلان، أو الثواب والعقاب بحسب القصدين. ثم قد فرقوا بين وجود الرياء في ابتداء العمل وعروضه في أثنائه ولحوقه بعد تمامه، والأول أشنع، ثم الثاني، والثالث أدنى لا يبطل ما تقدم، وأيضًا فرق بين قوته والتصميم عليه وبين خطوره والوقوع فيه، وههنا حالة أخرى، وهي الفرح والسرور بفضل اللَّه ورحمته وحسن لطفه تعالى بإخفاء الذنوب وإظهار الطاعات أو باقتداء من

стр. 4953

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٣١٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٣]. ــ رآه، وهي محمودة ليست من باب الرياء كما سيأتي في (الفصل الثاني) من حديث أبي هريرة، والمسألة غامضة، فيها تفاصيل، ولم يتعرض لها الفقهاء، وتحقيقها في كلام القوم خصوصًا في كتاب (إحياء العلوم)، فليرجع إليه. و(السمعة) بضم السين وسكون الميم، تذكر مع الرياء، يقال: فعله رياء وسمعة، أي: لبراه الناس ويسمعوه، كذا في (الصحاح) (١)، وقال في (القاموس) (٢): فعله رياء وسمعة، ويضم ويحرك، وهي ما نُوِّه بذكره ليرى ويسمع، وقال الكرماني (٣): السمعة بضم سين: ما يتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر. الفصل الأول ٥٣١٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) أي: لا ينظر نظر الرحمة إلى صوركم المجردة عن السيرة المرضية، وأموالكم العارية عن الخيرات والإنفاق في سبيل اللَّه تعالى، ولكن ينظر إلى قلوبكم التي هي محل التقوى، وأعمالكم التي يتقرب بها إليه سبحانه، في

стр. 4954

٥٣١٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ"، وَفِي رِوَايَةٍ: "فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ هُوَ لِلَّذِي عَمِلَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٨٥]. ٥٣١٦ - [٣] وَعَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : . . . . . ــ (النهاية) (١): النظر ههنا الاختيار والرحمة والعطف، وقال النووي (٢): نظر اللَّه مجازاته ومحاسبته، فلا يكون إلا على القلوب دون الصور الظاهرة، ويحتج به على كون العقل في القلب. ٥٣١٥ - [٢] (وعنه) قوله: (أنا أغنى الشركاء) جمع شريك، والمراد به من يدعى له الشريك، وليس في الواقع. وقوله: (تركته وشركه) يجوز فيه العطف، وكون الواو بمعنى (مع)، قالوا: هذا في القسمين من الأقسام المذكورة، وهو ما لم يقصد الثواب أصلًا، أو كان قصد الشرك غالبًا، واللَّه أعلم. وقيل: في الحديث دليل على أنه لا يجوز الأضحية ببدنة إذا كان فيها شركة لحم. ٥٣١٦ - [٣] (جندب) قوله: (وعن جندب) هو اسم أبي ذر الغفاري ﵁ بضم الدال وفتحها.

стр. 4955

"مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٩٩، م: ٢٩٨٧]. ٥٣١٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْخَيْرَ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، قَالَ: "تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٤٢]. ــ وقوله: (من سمع) في (القاموس) (١): التسميع: التشنيع والتشهير، وإزالة الخمول بنشر الذكر، والإسماع، أي: من شهر نفسه وقصد التشهير، أو من سمع الناس فضائله وأحواله شهر اللَّه عيوبه يوم القيامة وفضحه، يقال: سمعت به تسميعًا وسمعته: إذا شهرته، وقد جاء لفظ يوم القيامة صريحًا في حديث جندب في أول (الفصل الثالث)، وقيل: يظهر سريرته للناس في الدنيا، أي: أعماله السيئة التي يخفيها، أو نيته الفاسدة وغرضه الباطل، ويظهر للناس أن عمله لم يكن خالصًا، وقيل: أراد من سمع الناس بعمله أسمعه اللَّه به وأراه ثوابه من غير أن يعطيه، وقيل: أراد من سمع الناس بعمله أسمعه اللَّه الناس، وكان ذلك ثوابه، وقيل: يريد من نسب إلى نفسه عملًا صالحًا لم يفعله وادعى خيرًا لم يصنعه؛ فإن اللَّه يفضحه ويظهر كذبه. وقوله: (ومن يرائي) أي: يعمل رياء يجزه اللَّه جزاء المرائي، بأن يقول: اطلب جزاء عملك ممن عملت لأجله، ويحتمل أن يكون هذا الجزاء في الدنيا أيضًا. ٥٣١٧ - [٤] (أبو ذر) قوله: (يعمل عمل الخير) أي: لوجه اللَّه وثوابه بدون

стр. 4956

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٣١٨ - [٥] عَنْ أَبِي سَعْدِ (١) بْنِ أَبِي فَضَالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا ريبَ فِيهِ نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أشركَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٤٦٦]. ٥٣١٩ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ أَسَامِعَ خَلْقِهِ، وَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٦٤٠٢]. ــ رياء، فيجزيه اللَّه في الدنيا والآخرة. الفصل الثاني ٥٣١٨ - [٥] (أبو سعد) قوله: (أبي سعد) الحارثي الأنصاري اسمه كنيته، كذا في (جامع الأصول) (٢). وقوله: (ليوم لا ريب فيه) بدل من (يوم القيامة)، ذكره لبيان أنه مما لا بد في وقوعه، ويتعدى (جمع) بـ (في) وباللام. قوله: (عمله للَّه) فكيف بمن عمله لغير اللَّه خالصًا؟ ٥٣١٩ - [٦] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (سمع اللَّه به أسامع خلقه): (سمع)

стр. 4957

٥٣٢٠ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الآخِرَةِ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَتَّتَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَلَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيِّ. ٥٣٢١ - [٨] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. [حم: ٢١٥٩٠، دي: ٢٣٥]. ــ من التسميع، و (أسامع) جمع أسمع جمع سميع كأكالب وأكلب، وروي (سامع) مرفوعًا بلفظ اسم الفاعل من السمع، والمراد به اللَّه تعالى، أي: سمع اللَّه به الذي هو سامع خلقه، أي: فضحه به، أو منصوبًا، أي: من كان له سمع من خلقه، وأما على رواية (أسامع) فهو منصوب، أي: سمع اللَّه به أسماع خلقه، ويفضحه يوم القيامة وفي الدنيا. ٥٣٢٠ - [٧] (أنس) قوله: (جمع له شمله) أي: أموره المتفرقة، أي: جعله مجموع الخاطر بتهيئة أسبابه من حيث لا يدري. وقوله: (وهي راغمة) ذليلة حقيرة لا يحتاج في طلبها إلى سعي كثير شاءت أو لم تشأ، وفي (القاموس) (١): الرغم: الكره، رَغِمَه كَعَلِمَه ومنعه: كرهه، والتراب، كالرغام، والقسر، والذل. ٥٣٢١ - [٨] قوله: (أبان) بن عثمان ﵁ بفتح همزة وخفة موحدة وبنون، بصرف وتركه، والصرف أكثر.

стр. 4958

٥٣٢٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَيْنَا أَنَا فِي بَيْتِي فِي مُصَلَّايَ إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ، فَأَعْجَبَنِي الْحَالُ الَّتِي رَآنِي عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَكَ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٨٤]. ٥٣٢٣ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ، يَقُولُ اللَّهُ: أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عليَّ يَجْتَرِئُونَ؟ . . . . . ــ ٥٣٢٢ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (فأعجبني الحال التي رآني عليها) وذلك للفرح والسرور بفضل اللَّه ورحمته؛ لكونه موسومًا بالعبادة بين المسلمين، وكون الرائي شاهدًا على ذلك، أو ليقتدي به كما ذكرنا في شرح الترجمة. ٥٣٢٣ - [١٠] (وعنه) قوله: (يختلون) بكسر التاء، أي: يخدعون، في (القاموس) (١): ختله يختِله ويختُله ختلًا وختلانًا: خدعه، والذئب الصيد: تَخَفَّى له، فهو خاتل وختول. وقوله: (من اللين) أي: لأجل إظهار اللين. وقوله: (أبي) أي: بإمهالي إياهم (يغترون). وقوله: (أم علي) قال الطيبي (٢): (أم) منقطعة، إضراب عن اعتذارهم باللَّه على اغترارهم عليه سبحانه.

стр. 4959

فَبِي حَلَفْتُ لأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٠٤]. ٥٣٢٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبِرِ، فَبِي حَلَفْتُ لأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَع الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ، فَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حديثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٠٥]. ــ وقوله: (لأبعثن على أولئك منهم) أي: من أنفسهم أو من قبل الناس، و (من) للابتداء، أي: ناشئة منهم، وكونه للتبيين كما ذكره الطيبي بعيد كما لا يخفى. وقوله: (تدع الحليم) أي: العاقل الحازم، وفي بعض نسخ (المصابيح): (الحكيم) بالكاف. وقوله: (حيران) أي: يتحير على دفع ذلك العذاب عنه؛ لشدته وصعوبته فضلًا عن غير الحازم. ٥٣٢٤ - [١١] (ابن عمر) قوله: (من الصبر) في (القاموس) (١): بكسر الباء: عصارة شجر مرٍّ. وقوله: (لأتيحنهم) في (النهاية) (٢): أتاحه اللَّه وأتاح له، أي: قدره [له] وأنزله به، انتهى. وفي (القاموس) (٣): المتاح: الأمر المقدر.

стр. 4960

٥٣٢٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابعِ فَلَا تَعُدُّوهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٥٣]. ــ ٥٣٢٥ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (إن لكل شيء شرة) الشرة بكسر الشين وتشديد الراء آخره تاء: الحرص والنشاط، وشرة الشباب: نشاطه، ذكروه في باب الراء في مادة الشر ضد الخير، وأما الشره بفتحتين والهاء فهو بمعنى شدة الحرص، ذكروه في باب الهاء، و (الفترة) بفتح فاء وسكون تاء: الضعف والانكسار، فتر يفتر ويفتر فتورًا وفتارًا: سكن بعد حدة، ولان بعد شدة، ومادته للضعف والسكون، والمراد بالشرة هنا: جانب الإفراط وبالفترة: التفريط، فلكل من الأعمال والأخلاق طرفين: الإفراط والتفريط، والمحمود هو التوسط كما بُيِّن في موضعه، وأشار إلى التوسط والاقتصار بقوله: (فإن صاحبها سدد)، و (إن) شرطية والفعل مقدر بعدها على وتيرة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، أي: سلك طريق السداد والصواب، و (قارب) أي: لم يبعد ولم يذهب إلى أحد الجانبين، (فارجوه) أي: ارجوا فوزه وفلاحه. (وإن أشير إليه بالأصابع) بأن سلك طريق الإفراط، فلا تعدوه من الفائزين، هكذا ذكر الطيبي (١)، ويمكن أن تجعل الإشارة بالأصابع شاملةً لكل من طرفي الإفراط والتفريط؛ فإن الاشتهار كما يكون بالذهاب والإغراق في جانب الإفراط كذلك يكون في جانب التفريط، ولعله إنما خصه بجانب الإفراط؛ لأن عدم العد من الفائزين في جانب التفريط أظهر من أن يذكر، وإنما يحتاج ذكره في جانب الإفراط لأنه قد يتوهم

стр. 4961

٥٣٢٦ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٦٥٨٠]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٣٢٧ - [١٤] عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ: . . . . . . ــ كونه كمالًا، وفي الحقيقة ليس بكمال، وإنما الكمال هو التوسط، وفي قوله: (فارجوه) (ولا تعدوه) إشارة إلى إبهام العاقبة لعدم العلم بالسابقة، وإنما الحكم على الظاهر بالظن الغالب، فافهم. ٥٣٢٦ - [١٣] (أنس) قوله: (أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا) أما في الدنيا فظاهر، وأما في الدين فلأنه مظنة الوقوع في شبكة الرياء، وحب الرياسة، واعتقاد الناس وتعظيمهم، والشهوات الخفية النفسانية، ومكائد النفس وغوائليها، ومكر الشيطان، مما قل أن ينجو عنها إلا الصديقون، فالخمول والذبول هو الأولى والأسلم، ولذا قيد بقوله: (إلا من عصمه اللَّه)، ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، قيل للحسن البصري: إن الناس قد أشاروا إليك بالأصابع، فقال: لا يعني النبي ﷺ ذلك، وإنما عنى به المبتدع في دينه الفاسق في دنياه، فالحاصل أن ذلك فيمن يحب الرياسة والجاه في قلوب الناس بالباطل، وأما من عصمه اللَّه فغير داخل فيه، وقد قال اللَّه تعالى حكاية عن حال خواص عباده: إنهم يدعونه ويقولون: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، واللَّه أعلم. الفصل الثالث ٥٣٢٧ - [١٤] (أبو تميمة) قوله: (عن أبي تميمة) هو أبو تميمة خالد الهجيمي

стр. 4962

شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابَهُ وَجُنْدُبٌ يُوصِيهِمْ، فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، قَالُوا: أَوْصِنَا، فَقَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأَكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهَرَاقَهُ فَلْيفْعَل". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧١٥٢]. ــ البصري، بضم الهاء وفتح الجيم، نسبة إلى هجيم بن عمرو. (ومن شاقَّ شقَّ اللَّه عليه) في (القاموس) (١): شق عليه: أوقعه في المشقة، وفي بعض النسخ: (شاق اللَّه عليه)، والأول أصح وأكثر، ولقوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي" أي: لولا أثقل عليهم، من المشقة، وهي الشدة، أي: من يحمل الناس على أمر شاق ويكلفهم بما فوق طاقتهم، أو يكون في شق منهم وناحية بالخلاف لهم، شق اللَّه، أي: ثقله وأوقعه في شدة، وفي حديث آخر: (من ضار ضار اللَّه به، ومن شاق شاق اللَّه عليه)، والضرر: إتلاف مال أحد، والمشقة: إيصال أذية إلى بدنه بتكليفه عملًا شاقًّا، والمشاقة منه، أو من الشقاق بمعنى النزاع، كذا في (مجمع البحار) (٢). وقوله: (أول ما ينتن) بضم الياء من أنتن فهو منتن، صار نتنًا. وقوله: (بطنه) كناية عن مسه النار بسبب أكل الحرام المفضي لدخول النار، فاجتنبوا ذلك بأكل الحلال. وقوله: (ملء كف) فاعل (لا يحول)، قلّله إشارة إلى أن القليل من القتل

стр. 4963

٥٣٢٨ - [١٥] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَمَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأَبْرَارَ الأَتْقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَّدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُقَرَّبُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [جه: ٣٩٨٩، شعب: ٦٣٩٣]. ــ بأن يكون قتل نفس واحد مثل الحول فكيف بالكثير وقتل نفوس متعددة؟ وقيل: قلّله تسفيهًا لرأي من ارتكب هذا المحظور الجنس الحقير وفوّت على نفسه الجنة. ٥٣٢٨ - [١٥] (عمر بن الخطاب) قوله: (لم يتفقدوا) على صيغة المجهول، في (القاموس) (١): تفقده: طلبه عند غيبته. وقوله: (وإن حضروا لم يدعوا) من الدعوة، أي: إلى ضيافته ومائدته. وقوله: (ولم يقربوا) من التقريب بلفظ المجهول أيضًا، أي: وإذا دعوا لم يقربوا بل تركوا في صف النعال. وقوله: (غبراء مظلمة) صفة لمساكينهم.

стр. 4964

٥٣٢٩ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ الْعَبْدَ إِذَا صَلَّى فِي الْعَلَانِيَةِ فَأَحْسَنَ وَصَلَّى فِي السِّرِّ فَأَحْسَنَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا عَبْدِي حَقًّا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٢٠٠]. ٥٣٣٠ - [١٧] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ إِخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "ذَلِكَ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ وَرَهْبَةِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ". ٥٣٣١ - [١٨] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "مَنْ صَلَّى يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٣٥، ٤/ ١٢٥]. ٥٣٣٢ - [١٩] وَعَنْهُ أَنَّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: . . . . . ــ ٥٣٢٩ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (إذا صلى في العلانية) يعني لا يرائي، ويحسن سره وعلانيته. ٥٣٣٠ - [١٧] (معاذ بن جبل) قوله: (برغبة بعضهم إلى بعض، ورهبة بعضهم من بعض) أي: أمورهم معللة بالأغراض، فتارة يرغبون بالأغراض فيظهرون الصداقة، وتارة يكرهون لأغراض فيعادون. ٥٣٣١ - [١٨] (شداد بن أوس) قوله: (فقد أشرك) وذلك هو الشرك الأصغر كما ورد في الحديث. ٥٣٣٢ - [١٩] (وعنه) قوله: . . . . .

стр. 4965

شَيءٌ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فَذَكَرْتُهُ فَأَبْكَانِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "أَتَخوَّفُ على أمتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا حَجَرًا وَلَا وَثَنًا، وَلَكِنْ يُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا، فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَة مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ١٧١٢٠، شعب: ٦٤١١]. ٥٣٣٣ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (١) قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيح الدَّجَّالِ؟ لا فَقُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الشِّرْك الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُصَلِّيَ فَيَزِيدَ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رجلٍ". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٤٢٠٤]. ــ والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم. . . إلخ)، أي: الكامنة في نفسه، الظاهرة عند معارضة الطاعة، كأنها كانت مختفية في نفسه عند نية الصوم، وقال الطيبي (٢): سمي خفيًّا بخفاء هلاكه، أو لمشاكلة الشرك؛ لأن المراد منه الشرك الخفي. ٥٣٣٣ - [٢٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فيصلي فيزيد) هذا على سبيل التمثيل وليس الرياء منحصرًا فيه، وإنما كان هذا أخوف؛ لأن في الدجال علامات ظاهرة

стр. 4966

٥٣٣٤ - [٢١] وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: "الرِّيَاءُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ": "يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً وَخَيْرًا؟ ". [حم: ٢٣٦٣، شعب: ٦٤١٢]. ٥٣٣٥ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا فِي صَخْرَةٍ لَا بَابَ لَهَا وَلَا كَوَّةَ خَرَجَ عَمَلُهُ إِلى النَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ (١) ". ــ تدل على كذبه عند أهل العلم، وأما الرياء فخفي أمره غاية الخفاء، والنفس لها مكايد خفية يعسر إدراكها، قال بعض المشايخ: إدراك الرياء أصعب من رؤية دبيب النمل في الليلة الظلماء على الحجر الأسود، أو كما قال. ٥٣٣٤ - [٢١] (محمود بن لبيد) قوله: (قال الرياء) وقد فسر قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، بالرياء، وقيل: إن العمل الصالح الذي يصلح لقبول جناب الحق سبحانه هو الذي يخلص عن الرياء. ٥٣٣٥ - [٢٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ولا كوة) بتشديد الواو، والكوة بالفتح إذا كانت غير نافذة، وبالضم إذا كانت نافذة، كذا في (الحواشي)، وفي (القاموس) (٢): الكوة بالفتح ويضم: الخرق في الحائط، أو التذكير للكبير، والتأنيث

стр. 4967

٥٣٣٦ - [٢٣] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ سَرِيرَةٌ صَالِحَةً أَوْ سَيِّئَةً أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْهَا رِدَاءً يُعْرَفُ بِهِ". ٥٣٣٧ - [٢٤] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ كُلَّ مُنَافِقٍ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ وَيَعْمَلُ بِالْجَوْرِ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٦٥٤١، ٦٥٤٣، ٤١١]. ٥٣٣٨ - [٢٥] وَعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: . . . . . ــ للصغير، وقال الكرماني: الكوة بفتح الكاف: ثقب البيت، وحكي الضم، ومعنى الحديث: أنه لا حاجة إلى إظهار العمل وإفشائه فيكون رياء، بل اللَّه يظهره إذا كان للَّه خالصًا وأراد اللَّه إظهاره، ورأى فيه مصلحة، أو المعنى -واللَّه أعلم - ينبغي أن يحتاط العبد المخلص في إخفاء العمل ويتكلف فيه؛ فإنه قد يشيع من حيث لا يدري، واللَّه أعلم. ٥٣٣٦ - [٢٣] (عثمان بن عفان) قوله: (من كانت له سريرة) السريرة: السر، وهو ما يكتم، والجمع سرائر وأسرار. وقوله: (أظهر اللَّه منها رداء يعرف به) المراد بالرداء هنا علامة يعرف بها كما يعرف بالرداء كون الرجل من الأعيان، كذا في الحواشي. ٥٣٣٧ - [٢٤] (عمر بن الخطاب) قوله: (ويعمل بالجور) أي: يكون جابرًا مائلًا عن طريق الاستقامة. ٥٣٣٨ - [٢٥] (المهاجر) قوله: (وعن المهاجر بن حبيب) بالحاء المهملة

стр. 4968

إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقبَّلُ، وَلَكِنِّي أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا لِي وَوَقَارًا وإِنْ لمْ يَتَكَلَّمْ". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٢٥٨]. * * * ٦ - باب البكاء والخوف ــ على وزن (فعيل). ٦ - باب البكاء والخوف بكى يبكي بُكَاءً فهو باكٍ، والجمع بُكاةٌ وبُكِيٌّ، والتَّبْكَاءُ: كثرته، وأبكاه: فَعَلَ به ما يوجب بكاءه، والتباكي: التكلف في البَكَّاء، والبَكَّاء كشداد: كثير البكاء، وفي (الصراح) (١): بكاء بالمد: كَريه بآواز، وبالقصر: آب جشم باريدن، يقال: بكيته ويكيت عليه، والخوف: الفزع، خاف يخاف خوفًا وخيفًا ومخافة وخيفة بالكسر: فزع، والخوف أيضًا: القتل، ومنه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، ومنه: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩]، والعلم، ومنه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨]، وتخوف عليه شيئًا: فاته، والشيء تخوفه: تنقصه، ومنه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]، ورجل خافٍ، أي: شديد الخوف، كما يقال: رجل صات، أي: شديد الصوت.

стр. 4969

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٣٣٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٣٧]. ٥٣٤٠ - [٢] وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ لَا أَدْرِي وَاللَّهِ لَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٢٤٣]. ــ الفصل الأول ٥٣٣٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لو تعلمون ما أعلم) من أحوال القيامة وأهوالها، وحقيقة المبدأ والمعاد، وصفات الباري تعالى ما يورث الخوف والهيبة، فيعرض من أجل ذلك غم على قلبه الشريف لأجل الأمة، وهذا حث منه ﷺ للأمة على كثرة البكاء واستحضار ما يورثه من خوف اللَّه وخشيته، واستشعار عظمته وهيبته تعالى، والاجتناب عن الضحك، فإنه دأب الجاهلين الغافلين عما ذكر وإن كان رجاء العفو والمغفرة أيضًا متصورًا في الجملة. ٥٣٤٠ - [٢] (أم العلاء الأنصارية) قوله: (واللَّه لا أدري واللَّه لا أدري وأنا رسول اللَّه ما يفعل بي ولا بكم) قيل: مورد الحديث أنه لما مات عثمان بن مظعون، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، فحضر رسول اللَّه ﷺ موته، وقبل بين عينيه، فقالت امرأة: هنيئًا لك الجنة، فقال ﷺ هذا القول زجرًا لها على سوء الأدب بالحكم على الغيب والجزم به، فكان خلاصة المقصود الكناية عن عدم التصريح بعلم الغيب تأدّبًا، أو مراده ﷺ بنفي الدراية ليس ترددًا في عاقبة أمره؛ فإنه منفي

стр. 4970

٥٣٤١ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ــ بالدلائل القطعية، وإنما المراد الدراية التفصيلية، إذ لا علم له بالغيب إلا بتعليم اللَّه تعالى، وقيل: لا أدري أموت أو أقتل، وقيل: هو في الأمور الدنياوية، وقيل: هو إشارة إلى فتح مكة وعزته عند اللَّه وهوان المشركين فيه، وهو لا يلائم المورد على ما قيل، وقيل: قاله قبل نزول قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢]، وهو الأظهر. ٥٣٤١ - [٣] (جابر) قوله: (خشاش الأرض) الخشاش بالكسر: ما لا دماغ له من دواب الأرض، ومن الطير، مثلثة: حشرات الأرض، والعصافير ونحوها، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): خشاش حشرات زمين، وبالفتح أيضًا خشاشة مكي، وفي (مجمع البحار) (٣) عن (النهاية): خشاش الأرض، أي: هوامها وحشراتها، وروي (خشيشها) بمعناه، ويروى بحاء مهملة، وهو يابس النبات، وهو وهم، وقيل: إنما هو خشيش مصغر خشاش على الحذف، أو خشيش بتشديد الياء وبتركه، وعن النووي: فتح خاء (خشاش) أشهر الثلاثة، وإعجامه أصوب، وهي الهوام، وقيل: ضعاف الطير، وقال الكرماني: في الحديث أن بعضهم معذب في جهنم اليوم، انتهى. ويمكن أنه ﷺ كوشف وأريت له الأحوال الآتية وتمثلت، واللَّه أعلم.

стр. 4971

وَرَأَيْت عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٠٤]. ٥٣٤٢ - [٤] وَعَنْ زينَبَ بْنَتِ جَحْشٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ يَوْمًا فَزِعًا يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ــ وقوله: (عمرو بن عامر) وفي بعض الروايات عمرو بن لحيٍّ، ولعلهما واحد، أحدهما أبوه والآخر جده، كذا قيل. وقوله: (يجر قصبه) بالضم وسكون الصاد المهملة: المعى، كذا في (القاموس) (١)، واختلف أنه اسم للأمعاء كلها أو لما كان أسفل البطن من الأمعاء. وقوله: (وكان أول من سيب السوائب) أي: وضع تحريمها، والسائبة: الناقة يدرك [نتاج] نتاجها فتسيب، أي: تهمل وتترك ولا تركب، وكانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه، أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن على التوالي كلهن أناث سيبت، أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو برئ من مرض أو نجت دابته من مشقة أو جرب قال: هي سائبة، أو كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظمًا، وكانت لا تُمنع من ماء أو كلأ، ولا تركب ولا تحلب، وكان ذلك تقربًا منهم إلى أصنامهم، وكان أول من فعل هذا عمرو المذكور، والسائب: العبد الذي يعتق ويترك ولا يكون للمعتق ولاء، ويقال: إن عمرًا أول من سن عبادة الأصنام بمكة وحمل أهلها بالتقرب إليها. ٥٣٤٢ - [٤] (زينب بنت جحش) قوله: (فزعًا) يروى بكسر الزاي، أي: خائفًا، وقال النووي: وجوز فتحها أيضًا، أي: خوفًا.

стр. 4972

وَيلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ" وَحَلَّقَ بِأُصْبَعَيْهِ: الإِبْهَامَ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنُهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذا كثُرَ الخَبَثُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٤٦، م: ٢٨٨٠]. ــ وقوله: (ويل للعرب من شر قد اقترب) أي: قرب خروج جيش يقاتل العرب، قيل: أراد به الفتن الواقعة في العرب أولها قتل عثمان ﵁ واستمرت إلى الآن، وقيل: كثرة الفتوح والأموال والتنافس فيها، ثم التنافس في الإمارة، كذا قال الشيخ ابن حجر (١). وقوله: (ردم يأجوج ومأجوج) بفتح الراء، ردم الباب والثلمة يردمه: سدّه كله أو بعضه، أو هو أكثر من السد، وخص العرب لأن معظم شرهم راجع إليهم، أو أنه ﷺ أعلم أن تلك الثقبة علامة ظهور الفتن في العرب، وقيل: إن المراد من يأجوج ومأجوج في هذا الحديث هو الترك، وقد أهلكوا المعتصم باللَّه، وجرى منهم ببغداد وسائر بلاد الإسلام ما جرى. وقيل: المراد أنه لم يكن في ذلك الردم ثقبة إلى اليوم، وقد انفتحت فيه، وانفتاحها من علامات قرب الساعة، فإذا اتسعت خرجوا، وذلك بعد خروج الدجال، كذا في (الحواشي). وقوله: (وحلق بأصبعيه) تمثيلًا لبيان مقدار ثقبة الردم. وقوله: (أفنهلك) بلفظ المضارع المتكلم مع الغير، من الهلاك معلومًا ومجهولًا، والأول أقوى وأشهر. وقوله: (الخبث) بضم الخاء وسكون الباء، أي: الفسق والفجور، وفي بعض

стр. 4973

٥٣٤٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ أَوْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ. . . . . ــ النسخ بفتحتين كذا فسره الجمهور، وقيل: الزنا، وقيل: أولاده، والظاهر أنه المعاصي مطلقًا، أي: إذا كثر فقد يحصل الهلاك، لكنه طهارة للمطيعين عن الذنوب، فإن قلت: لم لا يعكس، فإن الأبرار لا يشقى جليسهم؟ قلت: ذلك في القليل، وإذا غلب الخبث يغلبهم، كذا في (مجمع البحار) (١) عن الكرماني. ٥٣٤٣ - [٥] (أبو عامر) قوله: (أبي عامر أو أبي مالك الأشعري): (أبو عامر) عم أبي موسى الأشعري، واسمه عبيد بن وهب، وقيل: ابن سليم الأشعري، كان من كبار الصحابة، قتل يوم حنين أميرًا على طلب أوطاس، فلما أخبر رسول اللَّه ﷺ بقتله رفع يديه يدعو له أن يجعله فوق كثير من خلقه، روى عنه ابنه عامر وأبو موسى الأشعري. و(أبو مالك الأشعري)، ويقال الأشجعي، اسمه مختلف، وهو كعب بن عاصم على المشهور المختار، وقيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: عمرو، وقيل: عبيد، مات في خلافة عمر بن الخطاب، وأخرج البخاري حديثه بالشك، فقال: عن أبي مالك الأشعري أو عن أبي عامر، قال ابن المديني: والأول هو الصواب، كذا في (جامع الأصول) (٢). وقوله: (يستحلون الخز) في (القاموس) (٣): الخز من الثياب معروف، والجمع

стр. 4974

وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ. . . . . ــ خزوز، وفي (مجمع البحار) (١): كان الخز أولًا ثيابًا تنسج من صوف وإبريشم، وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز ما هو المعروف الآن فهو حرام؛ لأن جميعه من إبريشم، وعليه يحمل حديث: (يستحلون الخز والحرير)، ولم يكن في عصره ﷺ ، فهو معجزة للإخبار بالغيب، انتهى. وعلى هذا يكون عطف الحرير عليه من باب التعميم بعد التخصيص. و(المعازف) الملاهي، كالعود والطنبور، والواحد عزف أو مغزف كمنبر، والعازف: اللاعب بها والمغني، سمي به لأنه تعزف به الجن، والعزف والعزيف: صوت الجن، وهو جرس يسمع في المفاوز بالليل، وعزف الرياح: أصواتها، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (مجمع البحار) (٣) عن (النهاية): كانت الجن تعزف الليل كله بين الصفا والمروة، وعزيف الجن: جرس أصواتها، وقيل: هو صوت يسمع بالليل كالطبل، وقيل: إنه صوت الرياح في الجو فتوهمه أهل البادية صوت الجن، وعزيف الرياح: ما يسمع من دويها. وقوله: (ولينزلن أقوام. . . إلخ)، هذا خبر آخر بوقوع العذاب من الإهلاك والمسخ في أمته من جهة منعهم السائل وذا الحاجة، ودفعهم إياه بالمطل والتسويف في قضاء حاجاته والاستهزاء به، وكذبهم وخلف وعدهم مع وفور الثروة وظهورها،

стр. 4975

يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ رَجُلٌ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ. . . . . ــ وشرحه: (لينزلن أقوام إلى جنب علم) أي: يكون منزلهم ومقامهم عند جبل، والتعبير عنه بالعلم إيذان بأن المكان مشهور معلوم يقصده ذوو الحاجات، فيكون تخييبهم أشد وأقبح. وقوله: (يروح عليهم بسارحة لهم) قيل: سقط من صاحب (المصابيح) فاعل (يروح)، وقد وجد في الروايات، أي: يدخل وقت الرواح الذي هو وقت مجيء المواشي ملأى البطون حافلة الضروع رجل بسارحة لهم تسرح، والسارحة والسارح والسرح: الماشية تطلق لترعى، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، فسقط (رجل) وهو فاعل (يروح)، وهو الراعي، وقيل: الفاعل ضمير رجل مفهوم من السياق، أي: يأتيهم راعيهم، وقيل: الباء في (بسارحة) زائدة، وهو الفاعل، وقد تزاد الباء في الفاعل كما قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، والتذكير للفصل، وقد يروى: (تروح) بالتاء المثناة الفوقانية، و (سارحة) بالرفع بدون الباء كما نقله المؤلف عن الحميدي والخطابي، فتعين القول بزيادة الباء توفيقًا بين الروايتين. وقوله: (يأتيهم رجل لحاجة) هو السائل يلتمس منهم قوتًا فيمنعونه بالمطل والتسويف. وقوله: (فيبيتهم اللَّه ويضع العلم) بيان للعذاب النازل عليهم، (يبيتهم) أي: يرسل عليهم العذاب بياتًا، ويضع الجبل على بعضهم حتى يهلكوا فلم يحيى منهم أثر، ومن هنا قيل بسقوط كلمة (عليهم)، ولا حاجة إلى القول بسقوطها بل هي مرادة.
следующие страницы →