وَرَأَيْت عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٠٤].
٥٣٤٢ - [٤] وَعَنْ زينَبَ بْنَتِ جَحْشٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ يَوْمًا فَزِعًا يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
ــ
وقوله: (عمرو بن عامر) وفي بعض الروايات عمرو بن لحيٍّ، ولعلهما واحد، أحدهما أبوه والآخر جده، كذا قيل.
وقوله: (يجر قصبه) بالضم وسكون الصاد المهملة: المعى، كذا في (القاموس) (١)، واختلف أنه اسم للأمعاء كلها أو لما كان أسفل البطن من الأمعاء.
وقوله: (وكان أول من سيب السوائب) أي: وضع تحريمها، والسائبة: الناقة يدرك [نتاج] نتاجها فتسيب، أي: تهمل وتترك ولا تركب، وكانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه، أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن على التوالي كلهن أناث سيبت، أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو برئ من مرض أو نجت دابته من مشقة أو جرب قال: هي سائبة، أو كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظمًا، وكانت لا تُمنع من ماء أو كلأ، ولا تركب ولا تحلب، وكان ذلك تقربًا منهم إلى أصنامهم، وكان أول من فعل هذا عمرو المذكور، والسائب: العبد الذي يعتق ويترك ولا يكون للمعتق ولاء، ويقال: إن عمرًا أول من سن عبادة الأصنام بمكة وحمل أهلها بالتقرب إليها.
٥٣٤٢ - [٤] (زينب بنت جحش) قوله: (فزعًا) يروى بكسر الزاي، أي: خائفًا، وقال النووي: وجوز فتحها أيضًا، أي: خوفًا.
стр. 4972
وَيلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ" وَحَلَّقَ بِأُصْبَعَيْهِ: الإِبْهَامَ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنُهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذا كثُرَ الخَبَثُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٤٦، م: ٢٨٨٠].
ــ
وقوله: (ويل للعرب من شر قد اقترب) أي: قرب خروج جيش يقاتل العرب، قيل: أراد به الفتن الواقعة في العرب أولها قتل عثمان ﵁ واستمرت إلى الآن، وقيل: كثرة الفتوح والأموال والتنافس فيها، ثم التنافس في الإمارة، كذا قال الشيخ ابن حجر (١).
وقوله: (ردم يأجوج ومأجوج) بفتح الراء، ردم الباب والثلمة يردمه: سدّه كله أو بعضه، أو هو أكثر من السد، وخص العرب لأن معظم شرهم راجع إليهم، أو أنه ﷺ أعلم أن تلك الثقبة علامة ظهور الفتن في العرب، وقيل: إن المراد من يأجوج ومأجوج في هذا الحديث هو الترك، وقد أهلكوا المعتصم باللَّه، وجرى منهم ببغداد وسائر بلاد الإسلام ما جرى. وقيل: المراد أنه لم يكن في ذلك الردم ثقبة إلى اليوم، وقد انفتحت فيه، وانفتاحها من علامات قرب الساعة، فإذا اتسعت خرجوا، وذلك بعد خروج الدجال، كذا في (الحواشي).
وقوله: (وحلق بأصبعيه) تمثيلًا لبيان مقدار ثقبة الردم.
وقوله: (أفنهلك) بلفظ المضارع المتكلم مع الغير، من الهلاك معلومًا ومجهولًا، والأول أقوى وأشهر.
وقوله: (الخبث) بضم الخاء وسكون الباء، أي: الفسق والفجور، وفي بعض
стр. 4973
٥٣٤٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ أَوْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ. . . . .
ــ
النسخ بفتحتين كذا فسره الجمهور، وقيل: الزنا، وقيل: أولاده، والظاهر أنه المعاصي مطلقًا، أي: إذا كثر فقد يحصل الهلاك، لكنه طهارة للمطيعين عن الذنوب، فإن قلت: لم لا يعكس، فإن الأبرار لا يشقى جليسهم؟ قلت: ذلك في القليل، وإذا غلب الخبث يغلبهم، كذا في (مجمع البحار) (١) عن الكرماني.
٥٣٤٣ - [٥] (أبو عامر) قوله: (أبي عامر أو أبي مالك الأشعري): (أبو عامر) عم أبي موسى الأشعري، واسمه عبيد بن وهب، وقيل: ابن سليم الأشعري، كان من كبار الصحابة، قتل يوم حنين أميرًا على طلب أوطاس، فلما أخبر رسول اللَّه ﷺ بقتله رفع يديه يدعو له أن يجعله فوق كثير من خلقه، روى عنه ابنه عامر وأبو موسى الأشعري.
و(أبو مالك الأشعري)، ويقال الأشجعي، اسمه مختلف، وهو كعب بن عاصم على المشهور المختار، وقيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: عمرو، وقيل: عبيد، مات في خلافة عمر بن الخطاب، وأخرج البخاري حديثه بالشك، فقال: عن أبي مالك الأشعري أو عن أبي عامر، قال ابن المديني: والأول هو الصواب، كذا في (جامع الأصول) (٢).
وقوله: (يستحلون الخز) في (القاموس) (٣): الخز من الثياب معروف، والجمع
стр. 4974
وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ. . . . .
ــ
خزوز، وفي (مجمع البحار) (١): كان الخز أولًا ثيابًا تنسج من صوف وإبريشم، وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز ما هو المعروف الآن فهو حرام؛ لأن جميعه من إبريشم، وعليه يحمل حديث: (يستحلون الخز والحرير)، ولم يكن في عصره ﷺ ، فهو معجزة للإخبار بالغيب، انتهى.
وعلى هذا يكون عطف الحرير عليه من باب التعميم بعد التخصيص.
و(المعازف) الملاهي، كالعود والطنبور، والواحد عزف أو مغزف كمنبر، والعازف: اللاعب بها والمغني، سمي به لأنه تعزف به الجن، والعزف والعزيف: صوت الجن، وهو جرس يسمع في المفاوز بالليل، وعزف الرياح: أصواتها، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (مجمع البحار) (٣) عن (النهاية): كانت الجن تعزف الليل كله بين الصفا والمروة، وعزيف الجن: جرس أصواتها، وقيل: هو صوت يسمع بالليل كالطبل، وقيل: إنه صوت الرياح في الجو فتوهمه أهل البادية صوت الجن، وعزيف الرياح: ما يسمع من دويها.
وقوله: (ولينزلن أقوام. . . إلخ)، هذا خبر آخر بوقوع العذاب من الإهلاك والمسخ في أمته من جهة منعهم السائل وذا الحاجة، ودفعهم إياه بالمطل والتسويف في قضاء حاجاته والاستهزاء به، وكذبهم وخلف وعدهم مع وفور الثروة وظهورها،
стр. 4975
يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ رَجُلٌ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ. . . . .
ــ
وشرحه: (لينزلن أقوام إلى جنب علم) أي: يكون منزلهم ومقامهم عند جبل، والتعبير عنه بالعلم إيذان بأن المكان مشهور معلوم يقصده ذوو الحاجات، فيكون تخييبهم أشد وأقبح.
وقوله: (يروح عليهم بسارحة لهم) قيل: سقط من صاحب (المصابيح) فاعل (يروح)، وقد وجد في الروايات، أي: يدخل وقت الرواح الذي هو وقت مجيء المواشي ملأى البطون حافلة الضروع رجل بسارحة لهم تسرح، والسارحة والسارح والسرح: الماشية تطلق لترعى، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، فسقط (رجل) وهو فاعل (يروح)، وهو الراعي، وقيل: الفاعل ضمير رجل مفهوم من السياق، أي: يأتيهم راعيهم، وقيل: الباء في (بسارحة) زائدة، وهو الفاعل، وقد تزاد الباء في الفاعل كما قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، والتذكير للفصل، وقد يروى: (تروح) بالتاء المثناة الفوقانية، و (سارحة) بالرفع بدون الباء كما نقله المؤلف عن الحميدي والخطابي، فتعين القول بزيادة الباء توفيقًا بين الروايتين.
وقوله: (يأتيهم رجل لحاجة) هو السائل يلتمس منهم قوتًا فيمنعونه بالمطل والتسويف.
وقوله: (فيبيتهم اللَّه ويضع العلم) بيان للعذاب النازل عليهم، (يبيتهم) أي: يرسل عليهم العذاب بياتًا، ويضع الجبل على بعضهم حتى يهلكوا فلم يحيى منهم أثر، ومن هنا قيل بسقوط كلمة (عليهم)، ولا حاجة إلى القول بسقوطها بل هي مرادة.
стр. 4976
وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ "الْمَصَابِيحِ": "الْحِرَ" بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْخَاءِ وَالزَّاي الْمُعْجَمَتَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ الْحُمَيْدِيُّ وَابْنُ الأَثِيرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ،
ــ
وقوله: (ويمسخ آخرين قردة وخنازير) دل على وقوع المسخ في هذه الأمة على خلاف قول من زعم أن مسخها بقلوبها، كذا قيل، وفيه ما فيه.
وقوله: (إلى يوم القيامة) إما حال من (قردة وخنازير)، أي: باقين على هذه الصورة إلى يوم القيامة، وهذا أقبح وأشنع من موتهم بعد المسخ بعد حين، أو متعلق بالمجموع، أي: يقع هذا التعذيب على معاصيهم إلى يوم القيامة على أقوام بعد أقوام، هذا شرح الحديث وتنقيح ما ذكره الطيبي فيه.
وقوله: (وفي بعض نسخ المصابيح: الحر بالحاء والراء المهملتين) في (القاموس) (١): الحر بكسر الحاء وفتح الراء مع التخفيف: الفرج، والمراد الزنا، أصله حرح حذف الحاء للتخفيف، والدليل على أنه يجمع الحر على أحراح، وقد يجمع على حِرون وينسب بِحِرِيّ، كذا في (القاموس) (٢).
وقوله: (وهو تصحيف وإنما هو بالخاء والزاي المعجمتين) قال التُّوربِشْتِي (٣): بل الرواية بالخاء والزاي المعجمتين تصحيف، صحفه بعض الرواة من أصحاب الحديث، وذلك رواية من لا يعلم، والجواب أنه قد ذكر الحميدي وابن الأثير في هذا
стр. 4977
وَفَي كِتَابِ "الْحُمَيْدِيِّ" عَنِ الْبُخَارِيِّ وَكَذَا فِي "شَرحه" للخطابي: "تَرُوحُ سَارِحَةٌ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ لحِاجَةٍ". [خ: ٥٥٩٠].
٥٣٤٤ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٠٨، م: ٢٨٧٩].
ــ
الحديث: والحر بالحاء والراء المهملتين إنما هو في حديث آخر غير حديث البخاري، أخرجه أبو داود وغيره، كما ذكره الطيبي (١)، وقد أشار المؤلف إلى ذلك بقوله: (في هذا الحديث).
هذا ولكن قال الشيخ ابن حجر (٢): وقع في معظم روايات البخاري بالحاء والراء المهملتين، فعلى هذا يكون كلا الروايتين صحيحة، واللَّه أعلم.
وقوله: (وفي كتاب الحميدي عن البخاري، وكذا في شرحه) أي: شرح البخاري (للخطابي: تروح عليهم سارحة) أي: بالتاء المثناة الفوقية ورفع (سارحة) على أنه فاعل (تروح) كما ذكرنا في شرح الحديث، و (لهم ياتيهم لحاجة) أي: بتقديم قوله: لحاجة على رجل أو بدون ذكر رجل، وعلى هذا كان الضمير راجعًا إلى رجل يفهم من سياق الكلام كما في يروح عليهم بسارحة على بعض الوجوه.
٥٣٤٤ - [٦] (ابن عمر) قوله: (من كان فيهم) أي: صالحًا كان أو طالحًا، هكذا جرت السنة الإلهية في بعض الذنوب، وفي بعض الأحيان، وقد يحفظ من يريد، واللَّه عليم حكيم.
стр. 4978
٥٣٤٥ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا ماتَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٧٨].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٣٤٦ - [٨] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٠١].
٥٣٤٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ : "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَتِ السَّمَاءُ. . . . .
ــ
٥٣٤٥ - [٧] (جابر) قوله: (على ما مات عليه) من الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية، والذكر والغفلة، فالمعتبر هو الخاتمة.
الفصل الثاني
٥٣٤٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (ما رأيت مثل النار) أي: شدة وهولًا، (نام هاربها) ومن شأن الهارب من مثل هذا الشيء أن لا ينام ويجدّ في الهرب، وذلك بالتزام الطاعة، (ولا مثل الجنة) بهجةً وسرورًا (نام طالبها) وينبغي له أن لا ينام ويغفل عن طلبها، ويعمل عملًا يوصل إليها.
٥٣٤٧ - [٩] (أبو ذر) قوله: (أطت السماء) أي: صاحت وأنَّتْ، أطّ الرجل ونحوه يأط أطيطًا: صوت، والإبل أنَّتْ تعبًا، والأطيط: صوت الرحل والإبل من ثقلها، وظاهر السياق أن أطيطها من ازدحام الملائكة وكثرتهم وثقلهم كما يأط المركب من ثقل الراكب، وهو كناية عن كثرتهم وإن لم يكن هنا صوت وأنين، كذا قالوا، وقيل:
стр. 4979
وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِيهَا مَوْضعُ أَرْبَعِ (١) أَصَابعَ إِلَّا وملَكٌ وَاضعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ". . . . .
ــ
من خشية اللَّه تعالى، فإذافَإنت تخشى من اللَّه مع أنها جماد وموضع عبادة الملائكة، فالإنسان أولى بأن يخشى ويحن ويبكي مع أنه يموت بالذنوب، كذا في (الحواشي)، (وحق لها) على لفظ المجهول، أي: ينبغي لها أن تصيح، (وأربع) يروى بتاء وبدونها، والأصبع يذكر ويؤنث.
وقوله: (ولخرجتم إلى الصعدات) جمع صعد بضمتين جمع صعيد بمعنى الطريق، كطريق وطرق وطرقات، وهو في الأصل معنى التراب أو وجه الأرض، وقيل: جمع صعدة كظلمة وظلمات، وهو فناء الدار وممر الناس، أو المعنى لخرجتم من بيوتكم إلى فنائها وإلى الطرقات والصحاري كما هو شأن المحزون الذي ضاق عليه الأمر.
وقوله: (تجارون إلى اللَّه) أي: تتضرعون إليه رافعين أصواتكم، في (القاموس) (٢): جأر كمنع جأرًا وجؤارًا: رفع صوته بالدعاء، وتضرع، واستغاث، والبقرة والثور: صاحا، وفي (الصحاح) (٣): الجؤار صوت البقر، وقرأ بعضهم: (عجلًا جسدًا له جؤار) بالجيم، وعن الأخفش: وجأر إلى اللَّه، أي: تضرع بالدعاء.
стр. 4980
قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَهْ. [حم: ٥/ ١٧٣، ت: ٢٣١٢، جه: ٤١٩٠].
٥٣٤٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٥].
ــ
وقوله: (كنت شجرة تعضد) أي: تقطع، والعضد: القطع، من عضد يعضد من باب ضرب، والنصر والإعانة من باب نصر، وهذه كناية عن كونه بريئًا من الذنوب غير محشور ومعذب يوم القيامة.
٥٣٤٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (من خاف أدلج) الدلج محركة والدلجة بالضم والفتح: السير من أول الليل، وقد أدلجوا، فإن ساروا من آخره فادّلجوا بالتشديد، وفي (الصحاح) (١): الإدلاج: السير من أول الليل، والإدلاج: السير من آخر الليل، والاسم من الأول دلج بالتحريك، ومن الثاني دلجة بالضم والفتح.
وقوله: (ومن أدلج بلغ المنزل) أي: هرب في أول الليل؛ لأن العدو يغير في آخره، أي: من خاف عذاب اللَّه وكيد الشيطان فليهرب سريعًا من المعاصي إلى الطاعات، ولا يسوِّف في التوبة، ولا يتكاسل في الطاعة.
وقوله: (ألا إن سلعة اللَّه غالية)، في (القاموس) (٢): السلعة بالكسر: المتاع وما تُجِرَ به، أي: متاع اللَّه غال لا يحصل إلا ببذل الأنفس والأموال، قال سبحانه:
стр. 4981
٥٣٤٩ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِي يَوْمًا أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والْبَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ". [ت: ٢٥٩٤].
٥٣٥٠ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: "لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَهْ. [ت: ٣١٧٥، جه: ٤١٩٨].
ــ
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
٥٣٤٩ - [١١] (أنس) قوله: (من ذكرني) أي: بالإخلاص في الطاعة، (أو خافني في مقام) أي: كف النفس عن الهوى في ارتكاب المعصية، تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠].
٥٣٥٠ - [١٢] (عائشة) قوله: (﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾) قراءة السبعة ﴿يؤتون ما آتوا﴾ من الإيتاء بمعنى الإعطاء، وقد قرئ: (يأتون ما أتوا) من الإتيان بمعنى الفعل، وقد تنسب هذه القراءة إلى النبي ﷺ ، وسؤال عائشة مبني على هذه القراءة، لكن الواقع في النسخ هي الأولى، والظاهر أن تكون الثانية، وقد يوجه بأن الفاعل يؤتي، أي: يعطي من نفسه الفعل ويخرج منها، فافهم.
стр. 4982
٥٣٥١ - [١٣] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ (١)، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٥٧].
٥٣٥٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَلَاةٍ فَرَأَى النَّاسَ كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ، قَالَ: "أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى الْمَوْتُ، فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّات. . . . .
ــ
٥٣٥١ - [١٣] (أبي بن كعب) قوله: (جاءت الراجفة تتبعها الرادفة) رجف: حرك وتحرك واضطرب شديدًا، رجفًا ورجوفًا ورجيفًا، والأرض: زلزلت كأرجفت، والرعد: ترددت هَدْهَدَتُه في السحاب، والرجفة: الزلزلة، والراجفة: النفخة الأولى، والرادفة: الثانية، وفي (الصحاح) (٢): ردفه وأردفه، أي: تبعه وأتبعه، ويقال: كان نزل بهم أمر فردف لهم آخر أعظم منه، ومنه قوله تعالى: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧].
وقوله: (جاء الموت بما فيه) يحتمل أن تكون الباء للتعدية أو للملابسة.
٥٣٥٢ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (يكتشرون) افتعال من الكشر بالشين المعجمة، وهو ظهور الأسنان للضحك، وكاشره: إذا ضحك في وجهه، وفي (الصراح) (٣): كشر دندان سبيد كردن شتر، وتبسم كردن مردم.
وقوله: (هاذم اللذات) الهذم بالذال المعجمة: القطع، وبالدال المهملة؛ الهدم:
стр. 4983
الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِ على الْقَبْر يومٌ إِلَّا تَكَلَّمَ فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَأَنَا بَيْتُ الْوحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ، وَإِذَا دفُنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ". قَالَ: "فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ -أَوِ الْكَافِرُ- قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ" قَالَ: "فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ"، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصَابِعِهِ، فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ، قَالَ: "وَيُقَيَّضُ لَهُ سَبْعُونَ تِنِّينًا،
ــ
نقض البناء، قال السيوطي: قد صرح السهيلي أن الرواية بالمعجمة، ونقل في (الحواشي) عن صاحب (المهمات): هاذم اللذات بالذال المعجمة معناه القاطع، وهو الأنسب بحسب المعنى، لكن في بعض النسخ بالدال المهملة.
وقوله: (الموت) إما مجرور أو مرفوع، ويحتمل النصب، والوجوه ظاهرة.
وقوله: (أما إن كنت): (أما) حرف تنبيه، و (إن) مخففة من المثقلة، و (إلي) متعلق بـ (أحب).
وقوله: (فإذ وليتك) على صيغة الماضي المتكلم، إما من التولية مجهولًا أو من الولاية معلومًا، أي: جعلت أو صرت حاكمًا قادرًا عليك.
و(تختلف أضلاعه) أي: يدخل بعضها في بعض.
وقوله: (ويقيض له) قيض اللَّه فلانًا لفلان، أي: سلط ووكل، وقد مرّ في حديث:
стр. 4984
لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، فَيَنْهَسْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ"، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٦٠].
٥٣٥٣ - [١٥] وَعَن أبي جُحَيْفَة قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: "شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ وَأَخَوَاتُهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٩٧].
ــ
(ما أكرم شاب شيخًا إلا قيض اللَّه له من يكرمه).
وقوله: (فَيَنْهَسْنَهُ) نهس اللحم كمنع وفرح: أخذه بمقدم أسنانه ونتفه. (ويخدشنه) خدش الجلد: مزقه أو قشره بعود ونحوه.
وقوله: (من حفر النار) وفي بعض الروايات: (من حفر النيران).
٥٣٥٣ - [١٥] (أبو جحيفة) قوله: (شيبتني سورة هود) قالوا: وذلك لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢]، وذلك لأن الاستقامة على الطريق المستقيم من غير ميل إلى الإفراط والتفريط في الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة عسيرة جدًّا، انتهى. وذلك لقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢]، ولذلك لم ينسبه إلى سورة الشورى، وفيها قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ من غير عطف ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾، فالشيب إنما هو للاهتمام بأمر الأمة، وإلا فهو ﷺ واقف على حد الاستقامة والاعتدال لا عوج فيه ولا ميل ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧].
وقوله: (هود وأخواتها) قد عرف أن تشييب هود لأجل قوله: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾، وعلى ذلك ينبغي أن تحمل السور الأخر.
стр. 4985
٥٣٥٤ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: "شَيَّبَتْنِي ﴿هُودٌ﴾ وَ ﴿وَالْوَاقِعَةُ﴾ وَ ﴿وَالْمُرسَلَاتِ﴾ وَ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هريرةَ: "لَا يَلِجُ النَّارَ" فِي (كتاب الْجِهَاد). [ت: ٣٢٩٧].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٣٥٥ - [١٧] عَن أَنَسٍ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمُوبِقَاتِ. يَعْنِي الْمُهْلِكَاتِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٩٢].
٥٣٥٦ - [١٨] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ والْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [جه: ٤٢٩٧، دي: ٢٧٦٨، شعب: ٦٨٧٥].
ــ
٥٣٥٤ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (والواقعة والمرسلات) هي أخوات هود المذكورة في الحديث السابق.
الفصل الثالث
٥٣٥٥ - [١٧] (أنس) قوله: (هي أدق في أعينكم من الشعر. . . إلخ)، فيه معنيان: أحدهما: إنكم تعملون أعمالًا هي أحسن الأعمال عندكم، وثانيهما: لا تبالون بها وتستصغرونها وكنا نعدها من المهلكات، ويؤيد المعنى الثاني قوله في الحديث الثاني: (ومحقرات الذنوب) أي: التي تحتقرونها.
٥٣٥٦ - [١٨] (عائشة) قوله: (فإن لها من اللَّه طالبًا) (من) إما تجريدية أو
стр. 4986
٥٣٥٧ - [١٩] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هَلْ تَدْرِي مَا قَالَ أَبِي لِأَبِيكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّ أَبِي قَالَ لِأَبِيكَ: يَا بَا مُوسَى هَلْ يَسُرُّكَ أَنَّ إِسْلَامَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِجْرَتَنَا مَعَهُ وَجِهَادَنَا مَعَهُ وَعَمَلَنَا كُلَّهُ مَعَهُ بَرَدَ لَنَا؟ وَأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ؟ فَقَالَ أَبُوكَ لِأَبِي: لَا وَاللَّهِ، قَدْ جَاهَدْنَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَصَلَّيْنَا وَصُمْنَا، وَعَمِلْنَا خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَسْلَمَ عَلَى أَيْدِينَا بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَإِنَّا لَنَرْجُو ذَلِكَ، قَالَ أَبِي: وَلَكِنِّي أَنَا وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ بَرَدَ لَنَا، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَاكَ وَاللَّهِ كَانَ خيرًا من أبي. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٩١٥].
ــ
ابتدائية، أي: أن لها من جانب اللَّه طالبًا، وهم الملائكة، ويحتمل أن تكون تعليلية، أي: لأجل حق اللَّه تعالى.
٥٣٥٧ - [١٩] (أبو بردة) قوله: (برد لنا) أي: ثبت ودام، يقال: برد لي على الغريم حق، أي: ثبت، وفي (القاموس) (١): عيش بارد: هنيء، وبرد حقي: وجب ولزم.
وقوله: (كفافًا) بفتح الكاف، أي: لا يكون لنا ولا علينا، أي: لا يوجب ثوابًا ولا عقابًا.
وقوله: (رأسًا برأس) في معنى قولهم: سواء بسواء، ومعناه هو قوله: (كفافًا).
وقوله: (كان خيرًا من أبي) يدل على أن خير الناس من خاف اللَّه وعذابه مع أنه عامل لم يتكل على عمله.
стр. 4987
٥٣٥٨ - [٢٠] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ: خَشْيَةِ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَكَلِمَةِ الْعَدْلِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدِ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَنْ أَصْلَ مَنْ قَطَعَنِي، وَأُعْطِي مَنْ حَرَمَنِي، وَأَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وَأَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْرًا، وَنُطْقِي ذِكْرًا، وَنَظَرِي عِبْرَةً، وَآمُرُ بِالْعُرْفِ -وَقِيلَ بِالْمَعْرُوفِ-". رَوَاهُ رَزِينٌ.
٥٣٥٩ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ دُمُوعٌ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَابِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُصِيبُ شَيْئًا مِنْ حُرِّ وَجْهِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٢٥٠].
* * *
ــ
٥٣٥٨ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (والقصد في الفقر والغنى) يحتمل معنيين:
أحدهما: الاقتصاد والتوسط في الفقر والغنى؛ بأن لا يكون في نهاية الفقر ولا في نهاية الغنى، فإن المختار أن الكفاف أفضل من الفقر والغنى.
وثانيهما: رعاية الاعتدال في حالتي الفقر والغنى؛ بأن لا يسخط في الفقر ولا يطغى في الغنى، بل يبقى على حد الأدب والاعتدال في الحالتين.
وقوله: (وآمر بالعرف) بضم العين وسكون الراء، (وقيل): أي روي (بالمعروف) بلفظ المفعول، وهذا عاشر المذكورات، وقد قال ﷺ : (أمرني ربي بتسع)، فقيل: إن هذا مجمل ما ذكر بمنزلة فذلكة الحساب؛ فإن المعروف يتناول كل ما عرف في الدين.
٥٣٥٩ - [٢١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (من حر وجهه) بضم الحاء، في
стр. 4988
٧ - باب تغير الناس
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٣٦٠ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ الْمِئَةِ. . . . .
ــ
(القاموس) (١): الحر من الوجه: ما بدا منه، وفي (النهاية) (٢): حر الوجه: ما أقبل أعليك وبدا لك، منه، وحُرُّ كل أرض ودار: وسطها وأطيبها، وحُرُّ البقل والفاكهة والطين: جيدها، وقال النووي (٣): حر الوجه: صفحته وما رق من بشرته، ولعل المقصود تقليله، يدل عليه قوله: (شيئًا من حر وجهه)، ويحتمل أن يكون ذكره على مجرى العادة، واللَّه أعلم.
٧ - باب تغير الناس
تغير عن حاله: تحول، وغيره: حوله وبدله، والمراد تغير الناس عما كانوا عليه في صدر النبوة من الاستقامة على الدين، والتزام أحكام السنة، والصبر على حفظها، واتباع الحق وأهله، والزهد في الدنيا، وعدم الاغترار بمتاعها وبزخارفها من الأموال، والخدم، والأعمال المرضية، والصفات الحميدة، والأخلاق الكريمة، ونورانية القلب، وصفاء الباطن، إلى ما عرض لهم في آخر الزمان من أضداد هذه المذكورات.
الفصل الأول
٥٣٦٠ - [١] (ابن عمر) قوله: (كالإبل المئة) وفي رواية: (كإبل مئة).
стр. 4989
لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٩٨، م: ٢٥٤٧].
٥٣٦١ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَتَتَّبِعُنَّ سُننَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبِّ تَبِعْتُمُوهُمْ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ". . . . .
ــ
وقوله: (لا تكاد تجد فيها راحلة) الراحلة: هي البعير القوي على الأسفار والأحمال، يستوي فيه الذكر وغيره، وهاؤه للمبالغة، والمعنى: أن الناس كثير والمرضي منهم قليل، وقيل: المراد قرون آخر الزمان دون القرون الثلاثة المشهود لهم بالفضيلة، وقيل: لا حاجة إليه لاحتمال أن المؤمنين منهم قليلون، والحق أن المنتخب من الناس المرضي الصالح للصحبة قليل في كل زمان، غايته أنه في آخر الزمان أقل قليل.
٥٣٦١ - [٢] (أبو سعيد) قوله: (سنن من قبلكم) روي بضم السين وفتحها، والمراد طريقة أهل البدع والأهواء التي ابتدعوها في الدين، وتغيير الأحكام التي حكم بها أنبياؤهم.
وقوله: (شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع) في (القاموس) (١): الشبر بالكسر: ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر، وقد يذكر، والجمع أشبار، والذراع بالكسر: من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى، وقد يذكر، والجمع أذرع وذرعان بالضم.
وقوله: (اليهود) منصوب بفعل مقدر، أي: أتعني ممن قبلنا اليهود والنصارى؟ وروي بالجر، أي: أنتبع سنن اليهود؟ وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: أهم اليهود؟
وقوله: (فمن) استفهام إنكار؛ أي: فمن يكون غيرهم؟ يعني المتبوعين
стр. 4990
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٥٦، م: ٢٦٦٩].
٥٣٦٢ - [٣] وَعَنْ مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَتَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بالةً". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤١٥٦].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٣٦٣ - [٤] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاءَ،
ــ
هم لا غير.
٥٣٦٢ - [٣] (مرداس الأسلمي) قوله: (الأول فالأول) بالرفع بدل من (الصالحون)، وبالنصب حال، أي: واحدًا بعد واحد، سمي كل واحد أول لأنه لما ذهب الأول صار الذي بعده أول بالنسبة إلى الباقي.
وقوله: (الحفالة) بضم الحاء المهملة وبالفاء وبالتاء، في (القاموس) (١): الحفالة: الحثالة، وهي القشارة وما لا خير فيه، والرديء من كل شيء، أي: لم يبق إلا رذالة من الناس وشرارهم.
وقوله: (لا يباليهم اللَّه بالة) في (القاموس) (٢): ما أباليه بالة وبلاء ومبالاة، أي: ما أكترث، انتهى. ومنه حديث: (هؤلاء في الجنة ولا أبالي).
الفصل الثاني
٥٣٦٣ - [٤] (ابن عمر) قوله: (إذا مشت أمتي المطيطاء) بالنصب على أنه
стр. 4991
وَخَدَمَتْهُمْ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ؛ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ، سَلَّطَ اللَّهُ شِرَارَهَا عَلَى خِيَارِهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٢٦١].
ــ
مفعول مطلق، أي: مشي تبختر، في (القاموس) (١): المطيطاء كحميراء: التبختر، ومد اليدين في المشي، ويقصر، وتمطط: تمدّد، ومطه: مدّه، وحاجبيه وخده: تكبر. وفي (الصراح) (٢): مطيطاء بالضم والمد: خراميدن ودست أندازان رفتن، وفي الحديث: (إذا مشت أمتي المطيطاء)، الحديث. وفي (النهاية) (٣): (إذا مشت أمتي المطيطاء) هي بالمد والقصر: مشية فيها تبختر ومد اليدين، يقال: مطوت ومططت بمعنى مددت، ولم يستعمل إلا مصغرًا، انتهى.
وأصل تمطى تمطط (تفعل) من المط، وهو المد، والمطيطاء مكتوبة بدون الياء في (القاموس) و (الصحاح) و (الصراح)، وفي (المصابيح) ونسخ مصححة من (المشكاة)، وفي الشروح والحواشي، وفي بعض النسخ: بالياء بعد الطاء الثانية المكسورة، وذكر في (مجمع البحار) (٤): هو بضم ميم ممدودًا، وعند بعض بحذف ياء بعد طاء ثانية، وذكر في بعض الحواشي: ويروى بغير الياء، ويفهم من هذا أن لفظه على وجهين باليائين وبإحداهما قبل الطاء لا بعدها، واللَّه أعلم.
وقوله: (خدمتهم) من باب نصر وضرب، والحديث من باب الإخبار بالغيب حيث وقع كما أخبره ﷺ ، فإنهم لما فتحوا بلاد فارس والروم وسبوا أولادهم واستخدموهم
стр. 4992
٥٣٦٤ - [٥] وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ، وَتَجْتَلِدُوا بِأَسْيَافِكُمْ، وَيَرِثَ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٧٠].
٥٣٦٥ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِل النُّبُوَّة". [ت: ٢٢٠٩، دلائل: ٦/ ٣٩٢].
ــ
سلط اللَّه قتلة عثمان عليه، وسلط بني أمية علي بني هاشم ففعلوا ما فعلوا، وهكذا.
٥٣٦٤ - [٥] (حذيفة) قوله: (ويرث دنياكم شراركم) أي: يصير الملك والمال في أيدي الظلمة.
وقوله: (تجتلدوا بأسيافكم) في (الصراح) (١): تجالد اجتلاد به: شمشير زدن يك ديكَررا.
٥٣٦٥ - [٦] (وعنه) قوله: (أسعد الناس) أي: أكثرهم مالًا وأطيبهم عيشًا وأنفذهم حكمًا، (لكع بن لكع) واللكع كصرد: اللئيم، والعبد، والأحمق، ومن لا يتجه لمنطق ولا غيره، وحذف الألف من (ابن) لإجراء اللفظين مجرى علمي الشخصين، كذا قيل، وحاصله يرجع إلى جواز حذفها في غير العلمين إذا كان كناية عن الأعلام، كأنه قيل: فلان اللكع ابن فلان اللكع، بخلاف العالم ابن العالم إذا أريد مجرد معنى الصفة من غير كناية عن العلم، فافهم. و (أسعد) اسم كان أو خبره، ويحتمل أن يكون الخبران مرفوعين، وفي (يكون) ضمير الشأن، و (اللكع) غير منصرف للعدل والوصفية.
стр. 4993
٥٣٦٦ - [٧] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالب قَالَ: إِنَّا لَجُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ مَا عَلَيْهِ إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوٍ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَكَى لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمُ فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ، وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ وَرُفِعَتْ أُخْرَى، وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَة؟ " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ، نَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ وَنُكْفَى الْمُؤْنَةَ،
ــ
٥٣٦٦ - [٧] (محمد بن كعب) قوله: (القرظي) بضم القاف وفتح الراء ويمعجمة نسبة إلى قريظة بن الخزرج من أولاد لاوي بن يعقوب النبي ﵇.
وقوله: (مصعب بن عمير) هو أبو عبد اللَّه مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي، كان من أجلة الصحابة وفضلائهم، وله مناقب جليلة عظيمة.
وقوله: (مرقوعة بفرو) بالفارسية بوستين.
وقوله: (غدا أحدكم في حلة) أي: يلبس أول النهار حلة وآخره أخرى من غاية التنعم.
وقوله: (ونكفى المؤنة) التموّن: كثرة النفقة على العيال، ومانه: قام بكفايته، فهو ممون، وفي (الصراح) (١): مؤنة برداشتن، يهمز ولا يهمز، وهي مفعلة من الأين، وهو التعب والشدة والخُرْج والعِدْل؛ لأنه ثقيل على الإنسان، مأنت القوم وأمأنهم مأنًا، أي: احتملت مؤونتهم، ومن ترك الهمزة قال: منتهم أمونهم.
стр. 4994
قَالَ: "لَا، أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٧٦].
٥٣٦٧ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٢٢٦٠].
٥٣٦٨ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ من ظهرهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٢٦٦].
ــ
وقوله: (لا، أنتم اليوم خير) فيه فضل الفقير الصابر على الغني الشاكر، فافهم.
٥٣٦٧ - [٨] (أنس) قوله: (كالقابض على الجمر) في صعوبة الصبر وشدته، قبضه بيده: تناوله بيده، وقبض عليه وبيده: أمسكه، وهذا ما قال الشاطبي ﵀:
وهذا زمان الصبر مَن لك بالتي ... كقبضٍ على جمرٍ فتنجو من البلا
٥٣٦٨ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (سمحاءكم) جمع سميح، [سَمُحَ] ككرم سماحة وسموحًا: جاد.
وقوله: (وأموركم شورى بينكم) أشار إليه بكذا: أمره، وهي الشورى، واستشاره: طلب منه المشورة، وشورى مصدر بمعنى التشاور، أي: ذو شورى، والمشاورة موجب للائتلاف والاتفاق، بخلاف الاستبداد؛ فإنه يورث المخالفة.
стр. 4995
٥٣٦٩ - [١٠] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا"، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "بَلْ أَنْتُم يَوْمئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِن غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ"، قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: "حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ". [د: ٤٢٩٧، دلائل: ٦/ ٥٣٤].
ــ
٥٣٦٩ - [١٠] (ثوبان) قوله: (أن تداعى عليكم) أصله تتداعى، وأراد بالأمم فرق الكفر والضلالة، وفي رواية: (تداعت)، أي: اجتمعوا ودعا بعضهم بعضًا لمقابلتكم وكسر شوكتكم، يقال: تداعوا عليه، أي: اجتمعوا، وتداعى العدو: أقبل، كما تتداعى الجماعة الأكلة بعضهم بعضًا إلى قصعتها التي يأكلون منها.
وقوله: (فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ ) كأنه قال على طريق الاستفهام، أي: ذلك من قلة نحن عليها يومئذ؟ ويحتمل أن يكون (من) بمعنى (في)، فيكون خبرًا لـ (نحن)، و (يومئذ) متعلق بالخبر.
وقوله: (ولكنكم غثاء) الغثاء ممدودًا كغراب وزنًا: الزبد، والبالي من ورق الشجر المخالط زبد السيل.
وقوله: (وما الوهن؟ ) أي: ما سبب الوهن؟ (قال: حب الدنيا وكراهية الموت) فإنه إذا أحب حياة الدنيا وكره الموت لم يتشجع على الجهاد والمقاتلة مع الكفار.
стр. 4996
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٣٧٠ - [١١] عَن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: "مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا قُطِعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ، وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ حَقِّ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ، وَلَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ". رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٤٦٠].
* * *
ــ
الفصل الثالث
٥٣٧٠ - [١١] (ابن عباس) قوله: (ما ظهر الغلول) بضم الغين: الخيانة، أو مخصوص بالفيء، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): غلول بالضم: خيانت كردن درغنيمت، قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وفي (مجمع البحار) (٣) عن (النهاية): الغلول الخيانة في المغنم، والسرقة قبل القسمة، وكل من خان في شيء خفيةً فقد غل، وسميت غلولًا لأن الأيدي فيها مغلولة، أي: ممنوعة مجعول فيها غل، وهي حديدة تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعة أيضًا.
وقوله: (في قوم) الحديث، الظاهر أن ترتب هذه الأجزية على هذه الأشياء بحسب الخاصية، والسر في ذلك موكول إلى علم الشارع، وقد تستنبط علل ومناسبات، وهي
стр. 4997
٨ - باب الإنذار والتحذير (١)
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٣٧١ - [١] عَنْ عِيَاضِ بْنِ حمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: "أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أعُلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حلالٌ،
ــ
في الثلاثة الأخيرة ظاهرة، وأما في الأولين فلأن الخيانة في الغلول توجب حرمان أهل العسكر من حقوقهم، وهو يوجب فقرهم واحتياجهم، وذلك يوجب الفترة في قوة قلوبهم وتطرق الرعب إليها، والزنا ضد التزوج يكثر التناسل فضده يورث لقليله، واللَّه أعلم.
٨ - باب الإنذار والتحذير
في متمماته ولواحق الباب السابق مما يتعلق بالإنذار والتخويف.
الفصل الأول
٥٣٧١ - [١] (عياض بن حمار) قوله: (مما علمني يومي هذا) شروع في التعليم، والظاهر أن قوله: (هذا) إشارة إلى (يوم)، أي: مما أوحى ربي إلي في هذا اليوم، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما بعده من الكلام، أي: مما أوحي في يومي هذا الكلام، أي: قال اللَّه تعالى: (كل مال نحلته) أي: أعطيته وملكته بوجه شرعي (عبدًا) من عبادنا فهو (حلال) له لا يستطيع أحد أن يحرمه من تلقاء نفسه، وهو إنكار لما حرموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة.
стр. 4998
وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرْتَهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا،
ــ
وقوله: (وإني خلقت عبادي حنفاء) جمع حنيف، والحنيف كأمير: الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه، أي: مستعدين لقبول الحق والطاعة، إشارة إلى الفطرة، كذا قال الطيبي (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): أي طاهري الأعضاء من المعاصي لا أنهم خلقهم مسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقيل: أراد أنه خلقهم حنفاء مؤمنين عند الميثاق بـ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فلا يوجد أحد إلا وهو مُقِر له بأن له ربًّا وإن أشرك به، واختلفوا فيه، والحنيف: هو المائل إلى الإسلام الثابت عليه، والحنيف عند العرب: من كان على دين إبراهيم ﵇، وأصل الحنف الميل، انتهى.
وقوله: (وإنهم أتتهم الشياطين) وهم جنود إبليس، ويحتمل أن يراد أعم من شياطين الجن والإنس، كقوله: (فأبواه يهودانه وينصرانه)، (فاجتالتهم) افتعال من الجولان، أي: جالت بهم الشياطين وبعدتهم عن دينهم، في (القاموس) (٣): اجتالهم: حوّلهم عن قصدهم.
وقوله: (ما لم أنزل) مفعول (يشركوا)، يريد به ما عبد من دون اللَّه، و (أنزل) على صيغة المعلوم من المضارع المتكلم، من الإنزال، (وسلطانًا) أي: حجة استحقاقه
стр. 4999
وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ"، وَقَالَ: "إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ،
ــ
للعبادة، سميت الحجة سلطانًا لتسلطها على القلوب، ولهذا سميت حجة، من حج: إذا غلب، (فمقتهم) أي: أبغضهم لاتفاقهم وانهماكهم على الشرك والضلال، و (عربهم وعجمهم) بدل من الضمير المنصوب في (مقتهم)، وذلك قبل مجيئه ﷺ .
وقوله: (إلا بقايا من أهل الكتاب) وهم الذين ثبتوا على الإيمان بموسى وعيسى ﵉ ومتابعتهما، ولم يحرفوا كتابهم، ولم ينحرفوا عن جادتهم.
وقوله: (لأبتليك) خطاب من اللَّه للنبي ﷺ ، أي: لأمتحنك هل تبلغ الرسالة عني، وهل تصبر على إيذاء قومك إياك؟ وأمتحن الخلق بك هل يقبلون رسالتك ويمتثلون أمرك؟
وقوله: (وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء) أي: لا ينمحي أبدًا، بل محفوظ في صدور العالمين، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، وكانت الكتب المنزلة لا تجمع حفظًا، وإنما يعتمد في حفظها على الصحف بخلاف القرآن [فإن حفاظه أضعاف مضاعفة لصحفه] فلا يتطرق إليه الذهاب على ممر الزمان، بل اللَّه تعالى حافظه وواقيه عن التحريف والتبديل، ولم يعتمد على حافظ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقال في التوراة: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، لا جرم تطرق إليه التحريف والتبديل، أو باقيًا دائمًا مستمرًّا لا ينسخ بالكلية.
وقوله: (تقرؤه نائمًا ويقظان) أي: تجمعه حفظًا في حالتي النوم واليقظة، وقيل: أي يقرأ في يسر وسهولة.
стр. 5000
وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُريْشًا فَقُلْتُ: رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا أَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦٥].
ــ
وقوله: (أن أحرق قريشًا) أي: أهلك كفارهم.
وقوله: (إذًا يثلغوا رأسي)، في (القاموس) (١): ثلغ رأسه كمنع: شدخه، والشَّدْخُ: الكسر، وكمعظم: ما سقط من النخلة رطبًا فانشدخ، أو أسقطه المطر ودقه، وفي (مجمع البحار) (٢): الثلغ: الشدخ، وقيل: ضربك الشيء الرطب باليابس حتى ينشدخ.
وقوله: (فيدعوه) بفتح الدال، أي: يتركوه بالشدخ مصفحًا كخبزة، أي: إني لا أقدر على محاربتهم لقلة جيشي وكثرتهم.
وقوله: (اغزهم) من غزا يغزو (نغزك) مجزوم جواب الأمر على صيغة المضارع، من أغزى، يقال: أغزيت فلانا، أي: جهزته للغزو، (وأنفق) أمر من الإنفاق، الظاهر من السياق أن المراد الإنفاق على الجيش، وتجهيز أسباب الغزو، ويحتمل الإطلاق، (وابعث) أمر من البعث، و (نبعث) جوابه، و (خمسة مثله) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، كذا قال الطيبي (٣)، ولكن لا يخفى أن الظاهر من العبارة أن المراد خمسة أمثال البعث المبعوث، فيلزم أن
стр. 5001
٥٣٧٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ (١) النَّبِيُّ ﷺ الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي: "يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ" لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَقَالَ: "أَرَأَيْتكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " قَالُوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ". فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ . . . . .
ــ
يكون البعث ألفًا، وليس كذلك، بل هو يوم بدر ثلاث مئة وتسعة عشر، والألف إنما كانوا من المشركين، فتدبر.
٥٣٧٢ - [٢] (ابن عباس) قوله: (يا بني فهر) بكسر الفاء وسكون الهاء: قبيلة من قريش، (أرأيتكم) في (القاموس) (٢): أرأيتك وأرأيتكما وأرأيتكم، وهي كلمة تقولها العرب بمعنى أخبرني وأخبراني وأخبروني، والتاء مفتوحة، انتهى.
وقد يستوي فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع.
وقوله: (بين يدي عذاب شديد) أي: من قبل نزول عذاب شديد، أي: إن لم تؤمنوا بي ينزل عليكم عذاب قريب.
وقوله: (تبًّا لك) التب والتباب: النقص والخسارة، وتبت يداه: ضلتا وخسرتا، وقال البيضاوي (٣): التب والتباب خسران يؤدي إلى الهلاك.
وقوله: (سائر اليوم) الأكثرون على أن السائر بمعنى البقية، وقد يستعمل بمعنى
стр. 5002
فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٧٠، م: ٢٠٨].
وَفِي رِوَايَةٍ نَادَى: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ فَخَشِيَ أَنْ يسبقوه. . . . .
ــ
الجميع، وقرر الطيبي رده، وقال في (القاموس) (١)؛ السائر: الباقي لا الجميع كما توهم جماعات، أو قد يستعمل له، انتهى.
وسمعت من بعض العلماء من أهل الحرمين أنه إن كان يستعمل من السؤر بمعنى بقية الطعام والشراب، فهو بمعنى البقية، وإن اشتق من سور البلد فهو بمعنى الجميع، لتضمنه معنى الإحاطة والشمول، ففي الحديث إن حمل على معنى الجميع، فظاهر، وإن حمل على معنى البقية يراد بقية الأيام المستقبلة، فتدبر.
وقوله: (فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾) أي: نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقيل: إنما خصتا لأنه أخذ حجرًا ليرميه ﷺ به فنزلت، وقيل: المراد بهما دنياه وأخراه، كذا قال البيضاوي.
وقوله: (يربأ أهله) بالهمزة، في (القاموس) (٢): ربأهم ولهم كمنع: صار ربيئة لهم، أي: طليعة، فالمعنى يصير عينًا لهم ورقيبًا يحفظهم من العدو لئلا يأتيهم بغتة، ولا يكون إلا على جبل أو شرف، وأصل معنى ربأ: علا وارتفع.
وقوله: (فخشي أن يسبقوه) أي: خشي الرجل أن يسبق أهله وقومه العدوُّ، أي: يدركوه أولًا قبل إعلامه بغتة، أو تسبقوا الرجل في إدراك العدو، أي: يدركوه
стр. 5003
فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صَبَاحَاه".
٥٣٧٣ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دَعَا النَّبِيُّ ﷺ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: "يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ من النَّار، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُم من النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُم من النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. . . . .
ــ
قبل إدراكه، والمآل واحد.
وقوله: (فجعل يهتف) أي: يصوت ويصيح الرجل من رأس الجبل، في (القاموس) (١): هتفت الحمامة تهتف: صاتت، وهتف به هتافًا بالضم: صاح، وقوله: (يا صباحاه) نداء للصباح ليحضر ويخاف الناس منه، وهي كلمة تقال للإنذار من أمر مخوف؛ لأن الغارة تقع في الصبح.
٥٣٧٣ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (ابن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة وتشديد الياء، (وبنو مرة) بضم الميم وتشديد الراء.
وقوله: (فإني لا أملك لكم من اللَّه شيئًا) أي: من غير ذاته تعالى، قاله ترهيبًا وإنذارًا، وإلا فقد ثبت فضل بعض هؤلاء المذكورين ودخولهم الجنة وشفاعته ﷺ لأهل بيته وللعرب عمومًا ولأمته عامة، وقبول شفاعته فيهم بالأحاديث الصحيحة،
стр. 5004
غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٤].
وَفَي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا".
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٣٧٤ - [٤] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
ويمكن أن يكون ورود تلك الأحاديث بعد هذه القضية، واللَّه أعلم.
وقوله: (ببلالها) البلال ككتاب: الماء، وَيُثَلَّث، وكل ما يبل، والمراد أداء حق الرحم بقدر ما يتيسر، وقد مرت هذه الكلمة في (باب البر والصلة).
وقوله: (ما شئت من مالي) قيل: لم يكن رسول اللَّه ﷺ ذا مال خصوصًا بمكة، فالمراد ما يملكه من الأمور وينفذ تصرفه فيه، ويحتمل أن اللفظ (مما لي) فكتب منفصلًا، انتهى.
أقول: المال يطلق على القليل والكثير، والجزم بأنه لم يكن له ﷺ شيء من المال أصلًا لا يخلو عن شيء، وقد ثبت تجارته في بعض الأحيان وإن كان قبل هذه الحال، مع أن إمكان حصوله يكفي في هذا القول، أي: سليني ما شئت من مال إن كان لي، وهذا ظاهر.
الفصل الثاني
٥٣٧٤ - [٤] (أبو موسى) قوله: . . . . .
стр. 5005
"أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٧٨].
٥٣٧٥، ٥٣٧٦ - [٦، ٧] وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ هَذَا الأَمْرَ بَدَأَ نُبُوَّةً وَرَحْمَةً،
ــ
(أمتي هذه أمة مرحومة) الحديث، قد وردت الأحاديث في تخصيص الأمة المحمدية بفضائل ومناقب ليست للأمم السالفة، منها اختصاصهم بالرحمة الخاصة المنجية من عذاب الآخرة، وتكفير المصائب والبلايا الواقعة عليهم في الدنيا ذنوبهم، حتى قيل: إن عذاب القبر من خصائصهم حتى يمحص اللَّه ذنوبهم في البرزخ، ويذهب بهم في الآخرة طاهرين مطهرين لا غبار عليهم، وقد قيل: تخصيصهم ببشارة ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، وقد ورد في شان أمة نوح ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] بـ ﴿مِنْ﴾ التبعيضية، ونجاتهم ووصولهم بشفاعة سيد المرسلين إلى أعلى الدرجات، وقد ادخر ﷺ دعاءه لهم يوم القيامة الذي بشر بإجابته، وأما ورود الأحاديث بتعذيب مرتكبي الكبيرة فلا ينافيه؛ إذ هو في مشيئة اللَّه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] عمومًا وخصوصًا، وليس واقعًا حتمًا في الناس كلهم، وبالجملة هذه الأمة مخصوصة بمزيد عناية اللَّه، ورحمته تقتضي نجاتهم، ويرجى العفو عنهم والمغفرة لهم ما لا يرجى لغيرهم، والكل في مشيئة اللَّه تعالى لا يجب عليه شيء، لكن وقوع الوعد مرجو، وهذا هو المراد من هذا الحديث، والأحاديث كثيرة في ذلك، واللَّه أعلم.
٥٣٧٥، ٥٣٧٦ - [٥، ٦] (أبو عبيدة، ومعاذ بن جبل) قوله: (إن هذا الأمر) أي: أمر الدين (بدأ) من البداية، وفي بعض النسخ: (بدا) من البدو بمعنى ظهر.
стр. 5006
ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ مُلْكًا عَضُوضًا، ثُمَّ كَائِنٌ جَبْرِيَّةً وَعُتُوًّا وَفَسَادًا فِي الأَرْضِ، يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْفُرُوجَ وَالْخُمُورَ، يُرْزَقُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيُنْصَرُونَ. . . . .
ــ
وقوله: (ثم ملكًا عضوضًا) عضه وعض عليه كسمع ومنع عضًّا وعضيضًا: أمسكه بأسنانه، والعضوض: ما يعض عليه ويؤكل، ومُلْكٌ فِيه عَسْفٌ وظُلْمٌ، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): العض كَزيدن، والعضوض بفتح العين: صيغة مبالغة، أي: يصيب منه الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعضون فيه، وروي: (ملوك عضوض)، وهو جمع عض بالكسر، وهو الخبيث الشرير، ومعنى الحديث: أنه كان أول الدين زمان نزول الوحي والرحمة، ثم بعده إلى انقضاء الخلفاء الراشدين زمان رحمة وشفقة وعدل، ثم يوهن الأمر، وظهر بعض الظلم.
(ثم كائن) أي: الأمر المذكور (جبرية) بالنصب تمييزًا، أي: قهرًا وغلبة، أي: يغلب الظلم والفساد، وصحح (الجبرية) في نسخ (المشكاة) بفتح الجيم والياء، وفي (القاموس) (٣): الجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقًّا، وفي (مجمع البحار) (٤) من (شرح الشفا): هو بفتح الجيم وسكون الموحدة: الكبر.
وقوله: (يرزقون على ذلك) أي: لا يستأصلون على ذلك -وذلك لما سبق لهذه الأمة من اللَّه أمن، مغفرة ورحمة، أو لحكمة أخرى لا يعرفها إلا اللَّه- كالأمم
стр. 5007
حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٥٢٢٨].
٥٣٧٧ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُكْفَأُ -قَالَ زَيْدُ بْنُ يَحْيَى الرَّاوِي: يَعْنِي الإِسْلَامَ- كَمَا يُكْفَأُ الإِنَاءُ، يَعْنِي الْخَمْرَ"، قِيلَ: فَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا ما بين؟ قَالَ: "يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا فَيَسْتَحِلُّونَهَا". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢١٤٥].
ــ
السابقة لما عصوا أمر دينهم أهلكوا.
وقوله: (حتى يلقوا اللَّه) فإما يأخذهم أو يغفر لهم.
٥٣٧٧ - [٧] (عائشة) قوله: (إن أول ما يكفأ -يعني الإسلام- كما يكفا الإناء، يعني الخمر) لعل خبر (إن) محذوف، وهو الخمر الذي بينه الراوي بقوله: (يعني الخمر)، وكأنه ﷺ كان تحدث في الخمر فقال في أثناء حديثه: (إن أول ما يكفأ. . . إلخ)، و (يكفأ) ببناء المجهول، يقال: كفات الإناء، أي: أملته وكببته لإفراغ ما فيه، والمراد هنا الشرب، وقول الراوي: (يعني الإسلام) صوابه: (في الإسلام)، لعل كلمة (في) سقطت من لفظ الراوي، كذا قالوا.
وأقول -وباللَّه التوفيق-: الأظهر أن لا يقدر (في)، ويترك قوله: (يعني الإسلام) على ظاهره، ويكون بيانًا للضمير في (يكفأ) راجعًا إلى (الإسلام)، وهو أنسب بقوله: (كما يكفا الإناء)، كأن الإسلام مثل إناء فيه الأحكام فيكفأ، أي: يقلب ويكب، فتخرج منه الأحكام وتنصب كما يخرج الماء وينصب من إكفاء الإناء وكبه، وتكون (ما) مصدرية، ويكون التقدير: أول إكفاء الإسلام وسقوط أحكامه شرب الخمر، فتأمل.
يعني أول ما يشرب في المحرمات ويجترأ على شربه كما يشرب الماء هو
стр. 5008
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٣٧٨ - [٨] عَن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَة عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ"، ثُمَّ سَكَتَ،
ــ
الخمر، والأظهر أن المعنى: أول ما يمال ويغير في الإسلام من الأشياء المحرمة ويقلب حكمه تغييرًا سريعًا شبيهًا بقلب الإناء بما فيه هو الخمر، يعني أول ما يكفأ في الإسلام إكفاء مثل إكفاء ما في الإناء الخمر، يكفأ ويقلب ويمال، قيل: وكيف يشرب أو كيف يغير حكمها يا رسول اللَّه! وقد بين اللَّه تحريمه؟ قال: (يسمونها بغير اسمها) كالنبيذ والمثلث، أي: هو خمر حقيقة، ولكن يسمونها باسم آخر، وهذا التأويل على مذهب من لا يخص اسم الخمر بماء العنب كالشافعية، أو المعنى: يتخذونها من الذرة والعسل وغيرهما، ويعتقدون حل هذه الأشربة، ويقولون: إنها ليست بخمر؛ لأن الخمر يتخذ من العنب، وهذا على مذهب من يخص اسم الخمر بماء العنب كالحنفية.
الفصل الثالث
٥٣٧٨ - [٨] (النعمان بن بشير) قوله: (ثم يكون خلافة): (كان) تامة أو ناقصة، وكذلك قوله: (ثم تكون خلافة على منهاج نبوة) الظاهر أن المراد به زمن عيسى والمهدي.
стр. 5009
قَالَ حَبِيبٌ: فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبْتُ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ أُذَكِّرُهُ إِيَّاهُ وَقُلْتُ: أَرْجُو أَنْ تَكُونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْمُلْكِ الْعَاضِّ وَالْجَبْرِيَّةِ، فَسُرَّ بِهِ وَأَعْجَبَهُ، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِل النُّبُوَّة". [حم: ٤/ ٢٧٣، دلائل: ٦/ ٤٩١].
ــ
وقوله: (أن تكون أمير المؤمنين) الظاهر أن يقال: أن تكون خليفة، وقد سماه بعض العلماء خليفة خامسة.
* * *