وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩٩].
٢٠٥ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ. . . .
ــ
وقوله: (وحفتهم الملائكة) أي: طافت بهم ودارت حولهم فيمن عنده من الملائكة مباهاة بعباده وإثباتًا للحجة عليهم في طعنهم في البشر.
وقوله: (ومن بطأ به) بالتشديد بطأ به وأبطأ بمعنى أخّره، أي: من أخّره العمل لم يقدمه النسب، والرجل إذا قصر في الأعمال المصالحة لم يجبر نقصه بكونه نسبيًا في قومه.
٢٠٥ - [٨] (عنه) قوله: (إن أول الناس يقضى عليه) صفة للناس لكون اللام للعهد الذهني كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني، ثم إنه ذكر ثلاثة نفر بالواو، وقال: إنهم أول من يقضى فيكونون أوائل ممن عداهم في السؤال، ولا يعلم الترتيب فيما بينهم، وهذا السؤال من الإخلاص في العمل، فلا ينافي (إن أول ما يسأل العبد عن الصلاة) أي: في السؤال عن الإتيان بالعبادات، وإن أول ما يقضى بالقصاص، وذلك في باب المظالم.
وقوله: (استشهد) أي: مات شهيدًا، في (القاموس) (١): استشهد: قتل في سبيل اللَّه.
وقوله: (فعرفه نعمته) من التعريف أي: عرف اللَّه الرجل إلزامًا وتبكيتًا، والمراد بالنعمة الجنس، وفي بعض النسخ (نعم) بلفظ الجمع، أي: ذكر ما أنعم اللَّه عليهم من
стр. 527
فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمر بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ،
ــ
أنواع النعم، وقال الطيبي (١): نعمته على صيغة المفرد أولًا، وعلى الجمع في الآخرين، هكذا جاء في الأصول.
وقوله: (فعرفها) بالتخفيف أي: عرف الرجل نعمة اللَّه عليه واعترف بها.
وقوله: (ما عملت فيها) في تعليلية، أي: فكيف أديت شكرها.
وقوله: (قاتلت فيك) أي: لأجل إرادة وجهك خالصًا.
وقوله: (جريء) بفتح الجيم وكسر الراء ممدودًا من الجراءة بمعنى الشجاعة.
وقوله: (فقد قيل) أي: قال الناس هذا القول في مدحك ففزت ثوابه، فماذا تطلب مني؟ .
وقوله: (أمر به فسحب) كلاهما على لفظ المجهول، وأمر مسند إلى الجار والمجرور والضمير للرجل، أي: أوقع الأمر للملائكة بسبب الرجل ولأجله بالسحب، وهكذا يكون المعنى في مثل هذا التركيب يكون المأمور به مدخول الفاء، وهي كثيرة في الأحاديث، وليست الباء في (به) صلة الأمر.
وقوله: (وقرأ القرآن) أي مع وجود الاشتغال بالعلم قرأ القرآن وتعهد.
وقوله: (تعلمت العلم وعلمته) أي: خالصًا لوجهك بقرينة السياق، ويحتمل
стр. 528
وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: إِنَّكَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٥].
٢٠٦ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، . . . .
ــ
أن تكون الأفعال الثلاثة متنازعة في (فيك)، لكن الظاهر من تأخير القرآن تعلقه بـ (قرأت) خاصة، فافهم.
وقوله: (تعلمت. . . إلخ) لم يذكر التعليم لأنه تابع للتعلم وفرع له، فلم يذكره اكتفاء.
وقوله: (ثم ألقي في النار) قيل: أتى بـ (ثم) ههنا، وبـ (حتى) في الاثنين لأنه أقبح، فافهم.
٢٠٦ - [٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (انتزاعًا) مفعول مطلق للنوع من غير لفظ الفعل، و (ينتزعه) جملة مبينة للانتزاع ومؤكدة له لا صفة له لعدم الضمير وعدم جودة المعنى.
стр. 529
حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤، م: ٢٦٧٣].
٢٠٧ - [١٠] وَعَن شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨، م: ٢٨٢١].
ــ
وقوله: (حتى إذا لم يبق عالمًا) في بعض الشروح: قال الشيخ (١): (حتى إذا لم يبق عالم) بفتح الياء والقاف، فعالم مرفوع، وللأصيلي بضم الياء وكسر القاف وعالمًا منصوب أي: لم يبق اللَّه عالمًا، وفي رواية مسلم: (لم يترك عالمًا).
وقوله: (رؤوسًا) وفي شرح الشيخ: بضم الهمزة والتنوين جمع رأس كما في رواية البخاري، وفي رواية مسلم: رؤساء بفتح الهمزة والمد: جمع رئيس، والأول أظهر.
٢٠٧ - [١٠] (شقيق) قوله: (يتخولنا بها) باللام في أكثر الروايات يتعهدنا ويتنقدنا ويحسن رعايتنا ويعظنا في مظان القبول وعدم السآمة، وروي بالنون مكان اللام، والتخول والتخون بمعنى واحد، فقد ذكر في (القاموس) (٢): تخول في باب اللام، وقال: تخول فلانًا: تعهده، وفي باب النون أيضًا وقال: تخونه: تعهده، وذكره
стр. 530
٢٠٨ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ. . . . .
ــ
في (الصحاح) (١) تخول باللام، وأورد هذا الحديث ثم قال: وكان، الأصمعي يقول: و (يتخوننا) بالنون أي: يتعهدنا.
وقال في (المشارق) (٢): يتخولنا معناه يتعاهدنا، والخائل: المتعاهد للشيء المصلح له، وقال ابن الأعرابي: معناه يتخذنا خَوَلًا، وقيِل: يفاجئنا بها، وقيل: يصلحنا، وقال أبو عبيدة: يذللنا، يقال: خوّله اللَّه لك، أي: سَخّره لك، وقيل: يحبسهم عليها كما يحبس خولك، قال أبو عبيد. ولم يعرفها الأصمعي قال: وأظنها يتخونهم، وقال أبو نصر: يتخون مثل يتعهد، هذا كلامه، ويدل على أن الأصمعي لم يعرف اللام وأنكرها كما يدل عليه كلام (الصحاح) أيضًا على خلاف ما قال التُّورِبِشْتِي (٣): إن الأصمعي يثبت اللام والنون كليهما، والمنكر للام إنما هو أبو عمرو، وقد روي (يتحولنا) بالحاء المهملة واللام، قال في (المشارق): وقال أبو عمرو: الصواب يتحولهم [بالحاء] أي: يطلب حالاتهم وأوقات نشاطهم. قال التُّورِبِشْتِي: لكن الرواية في الصحاح بالخاء المعجمة.
ثم اعلم أنهم إنما تعرضوا لبيان الروايات واختلافها في (يتخولنا)، ولا يعرف أن على حسب هذا الاختلاف يختلف في (أتخولكم) أيضًا، أو هو على حاله على رواية واحدة، والاختلاف إنما هو في الثاني، واللَّه أعلم.
٢٠٨ - [١١] (أنس) قوله: (إذا تكلم بكلمة) أراد بـ (كلمة) الجملة المفيدة
стр. 531
أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٩٥].
٢٠٩ - [١٢] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ أُبْدِع بِي فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ: "مَا عِنْدِي"،
ــ
كما يقال: كلمة الحق، وفي التنزيل: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ثم الظاهر أن المراد الكلمة التي يهتم بها وبإفادتها كما يشير إليه قوله: (حتى تفهم عنه)، واللَّه أعلم.
وقوله: (أعادها ثلاثًا) أي: كررها حتى يصير ثلاثًا.
وقوله: (سلم عليهم ثلاثًا (١)) الأول للاستئذان، والثاني للتحية، والثالث عند المفارقة، فالمراد بـ (إذا) الوقت الممتد من أول الدخول إلى آخره، وقيل: ذلك في الاستئذان إذ لم يؤذن مرتين، والأول أوجه.
٢٠٩ - [١٢] (مسعود) قوله: (إنه أبدع بني) في (القاموس) (٢): أبدعت الراحلة: كلت وعطبت، أو لا يكون الإبداع إلا بضلع، وفي (الصحاح) (٣): أبدع بالرجل إذا كلت راحلته يستعمل مجهولًا.
وقوله: (ما عندي) أي: راحلة حتى أحملك عليها، أو ما تشتري به أو تستجير
стр. 532
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩٣].
٢١٠ - [١٣] وَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَهُ قَوْمٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ. . . . .
ــ
به، ولهذا حذف.
وقوله: (من دلّ على خير) أورد الحديث في باب العلم؛ لأن الدلالة تعليم، ثم إن كانت هذه الدلالة بالقول بأن قال له: اذهب إلى فلان فاسأله فإنه سيجيء بحملك كان تعليمًا بالقول، وإن دل عليه من غير قول كان بالفعل، فإن قلت: كيف يمكن الدلالة من غير قول أصلًا؟ قلت: يكفي في ذلك ذكره في حضرته ﷺ ثم دلالته، ولا حاجة إلى قول آخر.
٢١٠ - [١٣] (جرير) قوله: (مجتابي النمار) في (القاموس) (١): اجتاب القميص: لبسه، والنمار جمع نمرة، وهي شملة فيها خطوط بيض وسود، أو بردة من صوف يلبسها الأعراب، وفي (النهاية) (٢): كل شملة مخططة من مآزر الأعراب (٣) فهي نمرة، وجمعها نمار، كأنها أخذت من لون النمور فيها من السَّواد والبياض، وهي من الصفات الغالبة، أي جاءه قوم لابسي أُزُرٍ مخطّطة من صوف، وفي (مجمع البحار) (٤): نمرة بفتح النون وكسر ميم: بردة من صوف أو غيره مخطط،
стр. 533
أَوِ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخَرِ الآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]،
ــ
وقيل: الكساء.
وقوله: (أو العباء) شك من الراوي (١)، والعباء بالمد وفتح العين جمع عباءة وعباية، ضرب من الأكسية.
وقوله: (متقلدي (٢) السيوف) القلادة: ما جعل في العنق وتقلد لبسها.
وقوله: (عامتهم من مضر بل كلهم من مضر) حكم أولًا بأن عامتهم من مضر احتياطًا لاحتمال أن يكون فيهم غيرهم؛ لأنه قد يدخل في قوم غيرهم في غلبة الاجتماع، ثم لما أمعن تيقن بأن كلهم من مضر ليس فيهم غيرهم، وقد يتبادر إلى الفهم أن هذا مبالغة في كون أكثرهم من مضر وغلبتهم، وكذا الكلام في قوله: (بل قد عجزت).
قوله: (فتمعّر) مَعرّ وجهه: غَيّره غيضًا، فتمعر، وبه معرة بالضم والسكون، والمعرة بالضم: لون يضرب إلى الحمرة، والْمَمْعُور الْمُقَطِّب غضبًا.
وقوله: (من الفاقة) الفاقة: الفقر والحاجة.
وقوله: (فدخل) أي: البيت ليجد شيئًا يعطيهم، (ثم خرج) بعد زمان ولبث للفحص ولم يجد شيئًا.
стр. 534
وَالآيَةُ الَّتِي فِي الْحَشْرِ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجِزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَينِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ،
ــ
وقوله: (والآية التي) أي: وقرأ الآية التي في سورة الحشر، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
وقوله: (تصدق رجل) ظاهر اللفظ أن يكون على صيغة الماضي إخبارًا، ولم يساعده ظاهر قوله: (ولو بشق تمرة) إذ الظاهر أن المعنى: ليتصدق رجل ولو بشق تمرة، فقيل: لفظ الماضي ههنا بمعنى الأمر، وصحح في بعض النسخ بالجزم، وقال الطيبي (١): لعل الظاهر ليتصدق، ولام الأمر محذوفة، وجوزه ابن الأنباري، ولكن يأبى عن الحمل عليه عدم حرف المضارعة، والأمثلة التي أوردها مشتملة عليها مع أنها يحتمل الاستئناف كما لا يخفى.
وقوله: (فجاء رجل من الأنصار) الظاهر أن المراد فرد من الأفراد، وهو الأنسب بقوله: (ثم تتابع) له، ولا دليل على استغراقه كما ارتكبه الطيبي خصوصًا في محل الإثبات إلا أن يرتكب لإرادة المبالغة بمعونة المقام، أو تظهر رواية الجمع في طريق من الطرق، واللَّه أعلم.
وقوله: (كومين) صحح في نسخ بفتح الكاف، وفي (الصحاح) (٢): كومة من
стр. 535
حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ،
ــ
تراب بالضم مثل صبرة من طعام، وفي (مجمع البحار) (١) عن النووي: هو بفتح كاف وضمها: الصبرة، وفي (مختصر النهاية) (٢) للسيوطي: الكومة بالفتح: من ذهب ومن طعام، أي: صبرة، وبعضهم بضم الكاف، وقال في (مشارق الأنوار) (٣): (كومين من طعام) بفتح الكاف عندهم، وقيد الجياني بضمها، وقال أبو مروان بن سراج: هو بالضم اسم لما كوم، وبالفتح اسم للفعلة الواحدة، والكوم بالفتح اسم للمكان المرتفع من الأرض كالرابية، والكومة الصبرة، والكوم العظيم من كل شيء.
وقوله: (يتهلل) أي: يستضيء ويستنير للسرور.
وقوله: (كأنه مذهبة) روي هذا اللفظ بوجهين: الأول مدهنة بالدال المهملة الساكنة وضم الهاء وبالنون على وزن مكحلة، واحد المدهن، وهو آلة الدهن وقارورته، ومستنقع الماء، أو كل موضع فيه حفرة تسيل، شَبَّه صفاء وجهه ﷺ لإشراق السرور بصفاء هذا الماء المجتمع في الحجر، أو بصفاء الدهن، أو بالموضعين المذكورين، وجزم الحميدي بهذه الرواية، ولم يذكر غيرها وشرحه بما ذكر، والثاني وهو المشهور مذهبة بضم الميم وسكون الذال المعجمة وفتح الهاء وبعدها موحدة، كذا في (سنن النسائي) وبعض طرق مسلم، وبه جزم القاضي عياض، وقال (٤): وصحف هذا الحرف بعض الرواة فقال: مدهنة بدال مهملة ونون، وليس بشيء، وفسرها بفضة مذهبة أو جلدة مذهبة، وقيل: ذلك من قولهم: فرس مذهبة: إذا غلبت حمرته صفرة، وخص
стр. 536
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمَلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠١٧].
٢١١ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ . . . . .
ــ
الأنثى لأنها أصفى لونا وأرق بشرة، والإهذاب والتهذيب: التموية، والرواية من الإذهاب، واللَّه أعم بالصواب.
وقوله: (من سن في الإسلام سنة حسنة) أي: طريقة مرضية، أشار ﷺ إلى فضل الرجل الذي جاء أولًا بِصُرّةٍ، ثم تتابع الناس.
قوله: (فله أجره) الضمير لـ (من)، وفي أكثر النسخ: أجرها، والضمير لـ (سنة)، أي: أجر سنة سنها وعمل بها، والثاني أكثر رواية وإن كان الأول أسد معنى، وسنّ السنة من باب التعليم، فلذلك أوردها في هذا الباب، وهو فيما نحن فيه بالفعل.
٢١١ - [١٤] (ابن مسعود (١)) قوله: (كفل) الكفل: الحظ والنصيب والمثل، وكان الكفل فيما نحن فيه الوزر لتضمنه معنى الكفالة والضمان، ويستأنس له بقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ
стр. 537
لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: "لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي" فِي "بَابِ ثَوَابِ هَذهِ الأُمَّةِ" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. [خ: ٣٥٣٣، م: ١٦٧٧].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢١٢ - [١٥] عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ! إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: . . . . .
ــ
مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، واللَّه أعلم.
وقوله: (وسنذكر حديث معاوية: لا يزال من أمتي) ذكر صاحب (المصابيح) هذا الحديث من معاوية في الفصل الأول من (باب الاعتصام بالكتاب والسنة)، وفي الفصل الأول من (كتاب العلم) أيضًا، والمؤلف ذكره (في باب ثواب هذه الأمة) وأشار إلى ذكره في هذا الباب في كلا الموضعين، وأما حديث جابر (لا تزال طائفة من أمتي) المذكور في (المصابيح) في الفصل الأول من (باب الاعتصام) (١)، فلم يذكره المؤلف في (باب ثواب هذه الأمة)، وقد وعد يذكره ثمة كما أشرنا إليه هناك.
الفصل الثاني
٢١٢ - [١٥] (كثير بن قيس) قوله: (في مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح الميم، وقد يكسر: قاعدة الشام سميت ببانيها دمشاق بن كنعان أو دامشقيوش.
وقوله: (قال: فإني سمعت) يحتمل أن يكون هو الحديث الذي جاء الرجل
стр. 538
"مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا. . . . .
ــ
له، ويحتمل أن يكون توطية ومدحًا وتحسينًا لطلبه ولمطلوبه.
وقوله: (من سلك طريقًا. . . إلخ) سبق شرحه (١) في الفصل الأول من حديث أبي هريرة غير أن الباء في (به) ههنا للتعدية، والضمير لـ (من)، وقال الطيبي (٢): يجوز أن يكون الباء للسببية، والضمير للعلم، ويكون (سلك) من السلك كما أنه على الأول من السلوك، والمفعول محذوف كقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]، انتهى. فـ (سلك) يجيء لازمًا ومتعديًا، وهذا كما أن رجع يجيء لازمًا من الرجوع ومتعديًا من الرجع.
وقوله: (إن الملائكة لتضع أجنحتها) يحتمل أنه أراد به تليين الجانب والانقياد والفيء عليه بالرحمة والانعطاف، كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، ويحتمل أن يكون المراد منه فرش الأجنحة تواضعًا لطلاب العلم حيث يبذل سعيه في ابتغاء مرضات اللَّه سيما إذا وجدت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم (٣).
стр. 539
رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ،
ــ
وقال الطيبي (١): يحتمل أن يكون المراد بوضع الأجنحة كفها عن الطيران والنزول لسماع العلم كما ورد: (إلا ونزلت عليهم السكينة وحفّت بهم الملائكة)، ثم إنه يحتمل أن يكون هذا الصنع من الملائكة لطالب العلم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، واللَّه أعلم، والكلام في أجنحة الملائكة أهي حقيقة أو المراد بها القوى الملكية؟ مذكور في موضعه.
وقوله: (رضا لطالب العلم) الظاهر أنه مفعول له (لتضع)، وقد يجيء منصوبًا وإن لم يكن فعلًا لفاعل الفعل المعلل به نحو قوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٢) [الرعد: ١٢]، والمشترطون لذلك يأولونه بنحو إرادة خوف وطمع أو إخافة وإطماعًا، فههنا أيضًا يقدر إرادة رضًا أو يأول بإرضاء، هكذا قال الطيبي (٣). هذا إذا كان المراد رضا طالب العلم، وأما إن كان المراد رضا الملائكة فلا حاجة إلى التأويل، ويكون من قبيل: قعدت من الحرب جبنًا، هذا، ويجوز أن يكون تمييزًا، فتأمل.
стр. 540
وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَات وَمَنْ فِي الأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ،
ــ
وقوله: (وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء) هذا ترقي في وصفهم بإرادة أهل الخير له لشمول بركته إياهم، ولا مغايرة بين العالم وطالب العلم، فإن كل من طلب العلم وجد شيئًا من العلم، ويصدق عليه اسم العالم، والعالم يكون طالبًا للمزيد منه لعدم تناهي مراتبه، نعم إذا حصل الطالب علمًا ووصل إلى مرتبة التعليم في أنواع العلم يسمى عالمًا، فكأنه أشار إلى أن المرء ما دام في طلب العلم وتحصيله ترحمه وتتعطف عليه الملائكة إمدادًا وإعانة وإدخالًا لكنوز في قلبه حتى يسعى ويتقوى عليه سلوك طريق العلم؛ وإذا صار عالمًا وبلغ مرتبة التعليم تحيط بركته العالمين كلهم حتى يشكروا له ويريدوا به الخير ويدعوا له بمغفرة الذنوب المزيلة عنه البركات والأنوار الموجبة للنقمة وسخط الرب تعالى، كما ورد: اللهم إني أعوذ بك من الذنوب التي تزيل بها النعم، وتوجب بها النقم، حتى تكون البركات باقية دائمة في المزيد وتصل إليهم أجمعين.
وفيه أن العالم تغفر ذنوبه وتكفر سيئاته باستغفار من في السماوات ومن في الأرض، وكرر (من) إشارة إلى استقلال كل من الفريقين في الاستغفار وإرادة الخير، ثم قالوا: إن المراد بمن في السماوات الملائكة بأصنافهم، وبمن في الأرض الثقلان، والحيتان إشارة إلى جميع أنواع الحيوان، لكن خصص الحيتان بالذكر دلالة على أن إنزال المطر والخصب يكون ببركتهم كما ورد: (بهم يمطرون وبهم يرزقون).
ويمكن أن يقال: المراد بـ (من في الأرض) ما يشمل ذوي العلم وغيرهم، لكنه عبر بـ (من) للعقلاء على غيرهم، أو لأنه لما أسند الاستغفار إليهم صاروا في حكم أولي العلم، فيكون (من في الأرض) عامًا، وذكر الحيتان تخصيص بعد التعميم.
стр. 541
وَإنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ. . . . .
ــ
فإن قلت: يلزم في قوله: (يستغفر) الجمع بين الحقيقة والمجاز؛ لأن حقيقة الاستغفار لا يتأتى من الحيوانات، فالجواب أن يجعل من باب عموم المجاز بحمل الاستغفار على ذكره باللسان أو اقتضائه بلسان الحال، على أن من المحققين من يحمل تسبيح الأشياء كلها على حقيقة، فليكن الاستغفار كذلك، أو المراد مغفرة اللَّه ورحمته على العالم بعدد كل شخص إرادة اللازم من الملزوم؛ لأن المغفرة لازمة للاستغفار.
قال التُّورِبِشْتِي (١): ووجه الحكمة أن صلاح العالم بالعلم، وما من شيء من الأصناف المذكورة إلا وله مصلحة معقودة بالعلم، وقد كان أبو ذر ﵁ يقول: تَرَكَنَا محمدٌ ﷺ وما من طائر يحرك جناحيه في السماء إلا قد أَذْكَرَنا علمًا منه، فكتب اللَّه على كل نوع منها لطالب العلم استغفارًا جزاءً عنها لعلمه المعقود به صلاحًا.
وقوله: (إن فضل العالم على العابد) كان شيخنا الشيخ عبد الوهاب المتقي المكي -رحمه اللَّه تعالى وأوصل إلينا من بركاته وبركات علومه- يقول: المراد بالعالم ههنا من يصرف جل أوقاته إلى العلم والاشتغال به بالتعليم والتدريس والتصنيف والتفكر في معاني كتاب اللَّه وسنة رسوله نشرًا للعلم وتقويةً وترويجًا للدين، ويكتفي من العبادة بالفرائض والواجبات والنوافل المتأكدة كالرواتب وأمثالها من غير أن يستوعب أقسام النوافل ويشغل أوقاته بها، والمراد بالعابد من حصل العلم ولكنه بعد تحصيله اشتغل بالعبادة، وصرف عموم أوقاته بالعبادة، ويستوعب أقسام العبادات والأوراد والأذكار، قال ﵀: ولما كان نفع هذا العالم في دين اللَّه أكثر من العابد كان فضله أعظم وأوفر، وكان يقول: العلم في حكم الغذاء، والذكر في حكم الدواء، يستعمل لدفع
стр. 542
كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو داوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَسَمَّاهُ التِّرْمِذِيُّ قَيْسَ بْنَ كَثِيرٍ. [حم: ٥/ ١٩٦، ت: ٢٦٨٢، د: ٣٧٤١، جه: ٢٢٣، دي: ١٩٨].
ــ
العلة، والعلم محتاج إليه في جميع الأوقات، ولكن أصلحوا نيتكم ولا فساد بعد ذلك، ونقل الطيبي (١) عن سفيان الثوري أنه قال: لا أعلم اليوم شيئًا أفضل من طلب العلم، قيل له: ليس لهم نية؟ فقال: طلبهم له نية، وقد نقل عن بعض العلماء باللَّه أنه قال: تعلمنا العلم لغير اللَّه فأبى العلم أن يكون إلا للَّه، وهذا صحيح واقع فيمن تعلم العلم الداعي إلى الدين والزاجر عن الدنيا، وأما العلوم البدعية الغير الشرعية فكلّا، نسأل اللَّه العافية.
وقوله: (كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) ما أحسن تشبيه العابد بالكواكب الذي لا يتعدى نوره منه إلى غيره، وتشبيه العالم بالقمر يتعدى نوره ويستضيء به وجه الأرض، وإنما شبه بالقمر لأنه يستضيء بنور النبي ﷺ الذي هو شمس العلم والدين، وإنما قيد بليلة البدر لكمال إضاءة القمر فيها وانمحاء الكواكب في شعاعها.
وقوله: (فمن أخذه أخذ بحظ وافر) أي: من أخذ العلم وتعلمه أخذ حظًا وافرًا من الدين والسعادة، والباء زائدة، وقيل: أخذ الثاني بمعنى الأمر وإن كان اللفظ ماضيًا، فمعناه من أراد أن يأخذ فليأخذ منه حظًا وافرًا ولا يقنع بقليله.
وقوله: (وسماه الترمذي قيس بن كثير) والصحيح كثير بن قيس، قال صاحب
стр. 543
٢١٣ - [١٦] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ" ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ. . . . .
ــ
(جامع الأصول) في حرف القاف: قيس بن كثير سمع أبا الدرداء، وروى عنه داود ابن جميل، وكذا أخرج حديثه الزهري عن قيس بن كثير، وقال: كذا حدثنا محمود بن خداش، وإنما هو كثير بن قيس، وكذلك سماه أبو داود كثير بن قيس، وأورده البخاري في (تاريخه) في باب كثير لا في باب قيس، وقال في حرف الكاف: هو كثير بن قيس روى عنه داود بن جميل روى عن أبي الدرداء، وقد جاء عن الترمذي أنه قيس بن كثير، قال: وقيل: كثير بن قيس، وهو الأصح.
٢١٣ - [١٦] (أبو أمامة الباهلي) قوله: (كفضلي على أدناكم) سبحان اللَّه فضله على الأنبياء والمرسلين على أي عظمة حتى على صحابته خصوصًا على أدناهم، ففيه مبالغات لا يخفى، ويجوز أن يكون الخطاب لعامة الأمة فيكون أبلغ، واللَّه أعلم.
وقوله: (وأهل السماوات) تعميم للملائكة حتى لا يتوهم تخصيص ببعض الملائكة، وأهل السماوات والأرض ويشمل الملائكة والجن والإنس والحيوانات كلها.
وقوله: (حتى النملة) بالنصب عطفًا على (أهل السماوات والأرض) أو بالجر على أن يكون (حتى) جارة، ويجوز فيه الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، يعني حتى النملة تصلي، والحوت يصلي، وحينئذ يكون (ليصلون) خبر (إن) المتعلق لغير النملة والحوت، فافهم، ووجه تخصيص النملة والحوت بالذكر الإشارة إلى جنس
стр. 544
عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٨٥].
٢١٤ - [١٧] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا وَلَمْ يَذْكُرْ: رَجُلَانِ، وَقَالَ: "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وسرد الحَدِيث إِلَى آخِره. [دي: ١/ ٨٨].
ــ
الحرام والحلال، وقيل: إلى جنس المنهي عن القتل وغير المنهي، وقيل: إلى جنس حيوان البر والبحر، كذا في بعض الشروح، وفي قوله: (ليصلون) فيه تغليب للعقلاء على غيرهم وإن قدر لقوله: حتى النملة والحوت خبر؛ لأن الحيوانات الأخر داخلة في أهل الأرض، وأيضًا فيه اشتراك؛ لأن الصلاة من اللَّه رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن المؤمنين دعاء، وقد استدل بمثل هذا من جوز عموم المشترك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وأيضًا جمع بين الحقيقة والمجاز كما مر في الحديث السابق، والحمل على المعنى المجازي العام يرفعهما، وإنما قال ههنا: يصلون بلفظ الصلاة، وفي السابق: ليستغفر؛ لأن الصلاة يطلق في حق اللَّه سبحانه، بخلاف الاستغفار فإنه لا يطلق في اللَّه تعالى.
وقوله: (على معلم الناس الخير) إشارة إلى وجه تفضيل العالم على العابد؛ فإن خيره متعد، وإلى أن المراد بالعالم المفضل هو المعلم النافع بعلمه للناس (١).
٢١٤ - [١٧] (مكحول) قوله: (ولم يذكر رجلان) أي: الدارمي لم يذكر قوله: ذكر لرسول اللَّه ﷺ رجلان، بل ذكر الحديث هكذا: قال رسول اللَّه ﷺ : (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم)، ثم تلا هذه الآية، ثم قال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 545
٢١٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ، وَإِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٥].
٢١٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ. . . . .
ــ
(إن اللَّه وملائكته. . . إلخ).
٢١٥ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إن الناس لكم تبع) التبع محركة يكون واحدًا وجمعًا، ويجمع على أتباع، كذا في (القاموس) (١)، ومن ههنا أخذ لفظ التابعين والأتباع لمن بعد الصحابة ﵃، وفيه: أن الصحابة متبوعون يجب على الناس متابعتهم والإتيان عليهم لطلب العلم.
وقوله: (إن رجالًا) هم الذين نفروا من قومهم للتفقه وطلب العلم على ما نطق به القرآن: ﴿وَفَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقوله: (فاستوصوا بهم خيرًا) أي: علموهم علوم الدين، وأصل الاستيصاء طلب الوصية، ولما كان في معنى المطلب ههنا خفاء وجهوه بأن المراد اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهم بخير، ويعدى بالباء، أو يطلب بعضكم من بعض الوصية بالخير في حقهم، وقيل: الاستيصاء بمعنى قبول الوصية أي: اقبلوا الوصية مني بالإحسان في حقهم، وقيل: الاستيصاء بمعنى الإيصاء، وأوصاه ووصّاه توصية: عهد إليه، ومنه حديث: (استوصوا بالنساء خيرًا).
٢١٦ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (الكلمة الحكمة) بالوصف مبالغة، ويروى
стр. 546
ضَالَّةُ الْحَكِيمِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ،
ــ
(كلمة الحكمة) بالإضافة، والاختصاص باعتبار إفادتها إياها، ويروى: (الكلمة الحكيمة) بالإسناد المجازي وصفًا للشيء بوصف صاحبها كالأسلوب الحكيم، والحكمة: الفقه في دين اللَّه ونور يقذفه اللَّه في قلب من يشاء.
وقوله: (ضالة الحكيم) ويروى: (ضالة المؤمن)، والضالة في الأصل الضائعة من كل ما يعتنى من الحيوانات وغيره، يقال: ضلّ: إذا ضاع، وهي من الصفات الغالبة غلبت على ما ضل من البهيمة من ذكر أو أنثى، وقد يخص بالإبل، قال في (القاموس) (١): الضالة من الإبل التي تبقى بمضيعة بلا ربٍّ للذكر والأنثى، والمراد أن الحكيم يطلب الحكمة، فإذا وجدها فهو أحق بالعمل بها من قائلها، إذ ربما لم يكن أهلًا لها.
وفي قوله: (فحيث وجدها فهو أحق بها) أن الحكيم يأخذ الحكمة من أي شخص تفوه بها ولا ينظر إلى خساستها، كصاحب الضالة يأخذها من واجدها وإن كان خسيسًا، وإن من سمع كلامًا لم يفهم معناه فعليه أن يحمله إلى من هو أهله، وهو أفقه منه، كما أن الرجل إذا وجد ضالة فسبيله أن يتفحص عن صاحبها حتى يجده فيرد عليه، وإن العالم لا يحل له المنع عن السائل المستعد، كما أنه لا يحل لواجد الضالة منعها عن صاحبها، ففيه أنه يجوز منع غير الحكيم فإنها ليست ضالته، فالعلم كما لا يجوز منعه عن أهله لا يجوز صرفه إلى غير أهله، ويكون هذا كبيع سيف من قاطع طريق.
стр. 547
وَإِبْراهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [ت: ٢٦٨٧، جه: ٤١٦٩].
ــ
وهذا كما يختلف باعتبار أشخاص المتعلمين يختلف باعتبار أنواع العلم، فأحكام اللَّه تعالى المتعلقة بالمعاملات يبذل عمومًا، وفيما وراء ذلك التمسك بالحذر أولى خصوصًا في موارد اختلاف العلماء وأقاويلهم للعامة، فإنه يضرهم حتى يخرجهم عن العقد الإيماني خصوصًا في زماننا، وأشد من ذلك علوم الحقائق والدقائق اتخذها ناس سلمًا لاستهواء قلوب العامة وأخذ أموال الظلمة والتمكن من محرمات بينة وبدع ظاهرة حتى إن بعضهم خرج عن الملة، وأشد من ذلك إشارات القوم في التوحيد وحقائق الوجود، وينبغي أن يراعى في ذلك حال السائل لحديث: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب اللَّه ورسوله (١)؟ )، وقيل لجنيد ﵀: يسألك الرجلان عن مسألة واحدة فتجيب هذا بخلاف ما تجيب هذا، فقال: الجواب على قدر السائل.
وقوله: (وإبراهيم بن الفضل الراوي يضعف في الحديث) قال ابن حبان: وهو فاحش الخطأ، وفي (الكاشف) (٢): إبراهيم بن الفضل المخزومي عن المقبرى وغيره، وعنه وكيع وابن نمير، وضعفوه، وفي (التهذيب) (٣): هو أبو إسحاق المدني عن ابن عقيل، قال البخاري: وهو منكر الحديث، وقال النسائي مرة: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال ابن عدي: ومع ضعفه يكتب حديثه، وهو عندي ممن لا يجوز الاحتجاج بحديثه.
стр. 548
٢١٧ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٦٨١، جه: ٢٠٢٢].
٢١٨ - [٢١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ واللُّؤلُؤَ وَالذَّهَبَ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" إِلَى قَوْلِهِ: "مُسْلِمٍ". وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مَتْنُهُ مَشْهُورٌ،
ــ
٢١٧ - [٢٠] (ابن عباس) قوله: (فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد) إن كان المراد من الفقيه الذي رزق الفهم في الدين والتفطن لمداركه فهو عارف بكيد الشيطان ولمته، ورزق علم الخواطر وتميزها كما سبق في (باب الوسوسة) (١)، وإن كان المراد العالم بأحكام الدين وتفاصيلها مما يجوز ومما لا يجوز فكذلك، لأنه يعلمها ويحذر عن المواقع المحرمة، فلا يستخفها ولا يستحلها، فلا يقع في ورطة الكفر، بخلاف المتعبد الذي ليس في درجته بالمعنيين.
٢١٨ - [٢١] (أنس) قوله: (طلب العلم فريضة) اختلف كلامهم في المراد بهذا العلم، والصواب أن المراد به ما لا بد منه للعبد عن تعلمه، مثلًا إذا أسلم وجب عليه معرفة الصانع وصفاته ونبوة رسوله وغير ذلك مما يصح به الإيمان، ثم إذا دخل وقت الصلاة وجب تعلم أحكامها قبيل الدخول في وقت يسع التعلم فيه، فإذا جاء رمضان وجب تعلم أحكام الصوم، وإذا ملك النصاب وجب تعلم أحكام الزكاة، فإذا مات قبل ذلك من غير تعلم لم يكن عاصيًا، كذا إذا تزوج وجب تعلم علم الحيض
стр. 549
وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضَعِيفٌ. [جه: ٢٢٤، شعب: ١٥٤٣].
٢١٩ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ: . . . . .
ــ
والنفاس ونحوهما، وإن كان تاجرًا وجب علم البيع والشراء، وعلى هذا القياس، ثم إذا دخل في الإسلام وشرع في العمل بأحكامه، ودخل في الطاعات والعبادات وجب علم الإخلاص ومعرفة آفات النفوس وما يفسد الأعمال، فإنه أيضًا واجب حتى يكمل الإيمان، وشرح ذلك في كلام الإمام الغزالي، فتدبر.
وقوله: (وقد روي من أوجه كلها ضعيفة) لكن كثرة الطرق تدل على تقوي بعضها ببعض، وقد أشبعت الكلام في نقل طرقها في (شرح سفر السعادة) فليطلب ثمة، وهذا الحديث مما رواه الإمام أبو حنيفة في (مسنده) قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) (١).
٢١٩ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (خصلتان لا تجتمعان) ظاهره يدل على أن واحدة منهما قد تحصل في المنافق لكن الاجتماع غير واقع، وقال الطيبي (٢): ليس المراد ذلك بل هو تحريض للمؤمنين على اتصافهم بهما، والاجتناب عن ضدهما وهو من باب التغليظ.
стр. 550
حُسْنُ سَمْتٍ وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٨٤].
٢٢٠ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْم فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٦٤٧، دي: ١/ ١٣٩].
٢٢١ - [٢٤] وَعَن سَخْبَرَةَ. . . . .
ــ
وقوله: (حسن سمت) في (القاموس) (١): السمت: الطريق وهيئة أهل الخير، وفي (مجمع البحار) (٢): السمت الهيئة الحسنة، وفي الحديث: (فينظرون إلى سمته وهديه) (٣)، أي: حسن هيئته ومنظره في الدين، وفيه: (ما نعلم أحدًا أقرب سمتًا وهديًا ودلًّا بالنبي ﷺ من ابن أم عبد) أي: عبد اللَّه بن مسعود ﵁، والسمت الطريق القصد، ويستعار لطريق أهل الخير، وفي الحديث: (ويتسمت في ملأته) أي: يلزم طريقة أهل الخير في اشتمال الملحفة.
وقوله: (ولا فقه) أي: فهم وفطانة في الدين، ولا زائدة للتأكيد.
٢٢٠ - [٢٣] (أنس) قوله: (فهو سبيل اللَّه) أي: فله أجر من خرج إلى الجهاد؛ لأنه يجاهد الشيطان والنفس جهادًا أكبر، وله أجره إلى أن يرجع إلى بيته كما في الجهاد، وكذلك قالوا في الحج، وأما بعد الرجوع فيكون له أجر التعليم والتكميل ومضي الجهاد.
٢٢١ - [٢٤] (سخبرة الأزدي) قوله: (سخبرة) بفتح المهملة وسكون
стр. 551
الأَزْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفُ الإسْنَادِ، وَأَبُو دَاوُدَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ. [ت: ٢٦٤٨، دي: ١/ ١٣٩].
٢٢٢ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الْجنَّة". . . . .
ــ
المعجمة وفتح الموحدة.
وقوله: (الأزدي) بفتح الهمزة وسكون الزاي، وقد تبدل الزاي سينًا، اسم قبيلة، وفي (القاموس) (١): أزد بن الغوث، وبالسين أفصح، أبو حي باليمن، ومن أولاده الأنصار كلهم، ويقال: أزد شنوءة.
وقوله: (أبو داود الراوي يضعف) أبو داود هذا غير أبي داود صاحب (السنن) حاشاه، إنه ثقة أي: ثقة اتفاقًا، وفي بعض الشروح: أبو داود اسمه نفيع، قال ابن حبان: نفيع بن الحارث، أبو داود الأعمى القاضي الهمداني، من أهل الكوفة، كان ممن يروي من الثقات الموضوعات توهمًا، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه، وسئل يحيى عنه فقال: ليس بثقة ولا مأمون.
وقوله: (كان كفارة لما مضى) من الذنوب، التكفير فيما عداه من الأعمال كالوضوء والصلاة إنما هو من الصغائر، وقد يكون من الكبائر كما في الحج، ويمكن أن يكون الحال في العلم كذلك، واللَّه أعلم.
٢٢٢ - [٢٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من خير يسمعه) المسموع هو العلم، و (الجنة) بالنصب والرفع خبر يكون أو اسمه، وفي الحديث دلالة على أن المؤمن
стр. 552
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٨٦].
٢٢٣ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "من سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [جم: ٢/ ٢٦٣، ٣٠٥، د: ٣٦٥٨، ت: ٢٦٤٩].
٢٢٤ - [٢٧] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ. [جه: ٢٦٤].
ــ
الحريص على طلب العلم يموت على الإيمان، اللهم ارزقنا.
٢٢٣، ٢٢٤ - [٢٦، ٢٧] (أبو هريرة، وأنس) قوله: (ثم كتمه) ثم للتراخي في الرتبة، فإن مرتبة كتمان العلم والسؤال عنه بعيدة في القبح والشناعة والإثم.
وقوله: (بلجام) بكسر اللام، وقال في (سفر السعادة): إنه لم يصح في هذا الباب شيء (١)، انتهى. ومع ذلك الظاهر أنه يكون إذا كان العلم فرضًا، ولم يكن هناك مانع صحيح ديني أو دنيوي، بل يكون للبخل وعدم الاعتناء بالعلم والدين، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): هذا من باب المقابلة في العقوبة، وذلك أنه ألجم نفسه بالسكوت حيث
стр. 553
٢٢٥ - [٢٨] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاس إِلَيْهِ. . . . .
ــ
فرض عليه البيان، فألجم بلجام من نار.
٢٢٥، ٢٢٦ - [٢٨، ٢٩] (كعب بن مالك، وابن عمر) قوله: (ليجاري به العلماء) قال التُّورِبِشْتِي (١): المجاراة أن يجري الإنسان مع آخر، فيباريه في جريته، والمعنى أنه يطلب العلم ليعدل بنفسه العلماء ترفعًا ورياء وسمعة.
وقوله: (أو ليماري به السفهاء) أي: يجادل ويحاج فيما فيه مرية، والمرية بالكسر والضم: الشك والجدل، وماراه مماراة وامتراء ومِراء، وامترى فيه، وتمارى: شك، وأصل ذلك من مرى الناقة بمريها: إذا مسح ضرعها فَأَمَرَتْ هي لبنها، كذا في (القاموس) (٢)، ومَرَى الشيءَ: استخرجه، وكل من المتجادلين يستخرج ما عند الآخر، والسفهاء: جمع سفيه، والسفه محركة وكسحاب وسحابة: خفة العلم أو نقيضه أو الجهل، وسفه كفرح وكرم: جهل، والمحاجة والمجادلة جائز إذا كان فيه غرض صحيح، ولا يثرا (٣) الخصومة والشحناء لأجل النفس.
وقوله: (أو يصرف به وجوه الناس) ليحصل منهم المال والجاه، ويصرفها في أمور الدنيا وشهوات النفس.
стр. 554
أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٥٤].
٢٢٦ - [٢٩] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. [جه: ٢٥٣].
٢٢٧ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا. . . . .
ــ
وقوله: (أدخله اللَّه النار) أي: استحق عذاب اللَّه إن شاء عذبه.
٢٢٧ - [٣٠] (أبو هريرة) قوله: (من تعلم علما مما يبتغى به وجه اللَّه) يجوز أن يكون (من) بيانية، ففيه تخطية وتوبيخ على أن ما كان لا يبتغى به وجه اللَّه يقبح غاية القبح أن يبتغى به ما سواه، ويجوز أن يكون تبعيضية، فيفهم من تقييد كون العلم مما يبتغى به وجه اللَّه أنه لو لم يكن منه بأن لا يكون من العلوم الدينية بعد ما كان مباحًا لو تعلمه ليصيب به الدنيا لم يقبح ذلك القبح، وكان يقول أحد من طلاب العلم يشتغل بالمعما وأقسام علوم الشعر حين قيل له في ذلك: أنا أحب أن أجعل هذه العلوم آلة لتحصيل الدنيا ووسيلة إلى صحبة أربابها دون العلوم الدينية، والطيبي أيضًا نقل مثل هذا القول من بعض العلماء الزاهدين ﵏.
وقوله: (لا يتعلمه إلا ليصيب) يفيد أن من تعلم لرضا اللَّه مع إصابة عرض الدنيا لا يدخل تحت هذا الوعيد، بل ينقص من هذا الوجه بقليل، ومآل المسألة إلى مزج الرياء وخلوصه، ولعل هذا هو المراد من الحديث السابق لأن الظاهر من العلة هي التامة، فافهم.
وقوله: (عرضًا من الدنيا) العرض بفتح الراء، وهو متاع الدنيا وحطامها، وأما العرض بالسكون فيما سوى النقدين.
стр. 555
لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" يَعْنِي رِيحَهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٣/ ٣٣٨، د: ٣٦٦٤، جه: ٢٥٢].
٢٢٨ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي. . . . .
ــ
وقوله: (لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) العرف بفتح العين المهملة وسكون الراء: الريح -كما فسره الراوي- طيبةً كانت أو منتنة، وأكثر استعماله في الطيبة، وظاهر العبارة يفيد تحريم الجنة عليه، فيكون المراد عدم دخوله مع السابقين الناجين، والوجه أن الآمنين من الفزع الأكبر المتلقين بالبشرى والرضوان إذا وردوا الموقف يجدون روائح الجنة تقويةً لقلوبهم وإزاحةً لهمومهم، وهذا العبد المهجور المفتون يحرم منها، ويكون كمزكوم لا يجدها ولا يهتدي إليها سبيلًا للأمراض الكامنة في قلبه المخلة بالقوى الإيمانية، يدل على هذا المعنى أنه ﷺ لم يقل: لم يجد عرفها على الإطلاق، إنما قال: لم يجد عرفها يوم القيامة، وهو يوم يقوم الناس لرب العالمين، وذلك من حين يحشرون إلى حين ينتهي بهم الأمر، إما إلى الجنة وإما إلى النار، كذا قيل.
٢٢٨، ٢٢٩ - [٣١، ٣٢] (ابن مسعود، وزيد بن ثابت) قوله: (نضر اللَّه عبدًا) وفي رواية: امرءًا، و (نضر) يروى بالتخفيف والتشديد، فروى أبو عبيد بالتخفيف، وقال: هو لازم ومتعد، ورواه الأصمعي بالتشديد، وقال: المخفف لازم، والمشدد للتعدية، وعلى الأول للتكثير والمبالغة، والنضرة والنضارة في الأصل حسن الوجه والبريق كقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، أي: نضرة في الوجه وسرورًا في القلب، والمراد
стр. 556
فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. . . . .
ــ
ههنا حسن خلقه ورفعة قدره وعلو منزلته في الدنيا والآخرة، أي: خصه اللَّه بالبهجة والسرور والشرف والقدر؛ لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنة ورفع قدر العلم ومنزلته، وكفى باعثًا على طلب الحديث وحفظه وتبليغه فائدة وغناء في الدارين أن يستفاد بركة هذا الدعاء المبارك من رسول اللَّه ﷺ ، رزقنا اللَّه.
وقوله: (فحفظها ووعاها) في (القاموس) (١): وعاه يعيه: حفظه وجمعه، كأوعاه فيهما، وقال الطيبي (٢): يقال: وعى كلامًا إذا حفظه ودام على حفظه ولم ينسه، انتهى. قيل: وذلك بالتكرار والتذكار، وقيل: بالرواية والتبليغ فيكون عطف (وأدّاها) عليه قريبًا من عطف تفسيري.
وقوله: (فرب حامل ففه غير فقيه) وغير في أصل وضعه للتقليل، وكثر استعماله للتكثير، وهو المناسب ههنا، وغير فقيه صفة لحامل فقه.
وقوله: (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه) أي: حامل فقه فقيه أداه إلى من هو أفقه ليفيد ما لا يفقهه الحامل، والفعل المتعلق به (رب) يكون محذوفًا في الأكثر، أي: وجدته وأدركته ونحوهما، وفيه ترغيب وتحريض على رواية الحديث باللفظ، وقد جوز الرواية بالمعنى، والمختار أن العزيمة هو الثقل باللفظ، والنقل بالمعنى رخصة؛ لأن لكل لفظ خصوصية ليس في الآخر وإن كان يرادفه في أصل المعنى، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام ليس لها مع غيرها، لا سيما في كلام من هو أفصح
стр. 557
ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ. . . . .
ــ
الفصحاء، ويختلف المراد بوضعها مقامها، وله أمثلة كثيرة ذكر الطيبي بعضًا منها، فالاحتياط في نقل كلامه أن يروى كما هو، وذلك ظاهر، لكن قد شاع بينهم الرواية بالمعنى، وذلك من العارف بالعربية والحاذق فيها.
وفي (سنن الدارمي) (١) عن واثلة بن الأسقع قال: إذا حدثناكم بالحديث على معناه فحسبكم، وعن جرير بن حزم قال: كان الحسن يحدث بالحديث، الأصلُ واحدٌ والكلامُ مختلفٌ.
وبالجملة قد اختلفوا في الرواية بالمعنى، والأكثر على الجواز، ومن أقوى حججهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به وإن لم يكن هناك ضرورة؛ فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه باللغة العربية أولى، وقيل: إنما يجوز في المفردات دون المركبات، وقيل: إنما يجوز لمن يستحضر اللفظ ليتمكن من التصرف فيه، وقيل: إنما يجوز لمن كان يحفظ الحديث فنسي لفظه وبقي معناه مرتسمًا في ذهنه، فله أن يرويه بالمعنى لمصلحة تحصيل الحكم بخلاف من كان مستحضرًا للفظه، هذا كلام الشيخ في (شرح النخبة) (٢)، وهذا الخلاف في الجواز وعدم الجواز، وأما أولوية الرواية باللفظ فمتفق عليه، ومع ذلك الرواية بالمعنى قد كثر وقوعها من الأئمة، فرب حديث من أصحاب الكتب وغيرهم مروي في كتبهم والألفاظ مختلفة، وذلك أكثر من أن يحصى.
وقوله: (ثلاث لا يغل) روي هذا اللفظ بوجوه: أحدها: (لا يغل) بفتح الياء
стр. 558
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكسر الغين من الغل بالكسر بمعنى الغش والضغن، وثانيها: بضم الياء وكسر الغين من الإغلال بمعنى الخيانة أو السرقة الخفية، وثالثها: بفتح وضم من الغلول (١)، قال التُّورِبِشْتِي (٢): لا معنى له ههنا لأن الغلول السرقة والخيانة من المغنم خاصة، انتهى.
ولا يذهب عليك أنه لو صحت الرواية لجاز حمله على مطلق الخيانة إطلاقًا للفظ الخاص على العام، على أن صاحب (القاموس) (٣) جعله بمعنى مطلق الخيانة أيضًا، حيث قال: الغلول: الخيانة، غل غلولًا: خان كأغل، أو خاص بالفيء، وقال القاضي عياض في (المشارق) (٤) في قوله: نهى عن الغلول، ولا تقبل صدقة من غلول، [وأنه قد غل]، ولا تغلو، كله من الخيانة، وكل خيانة غلول، لكنه صار في عرف الشرع لخيانة المغانم خاصة، يقال منه: غل وأغل، انتهى.
فلو حمل على المعنى الأصلي اللغوي لم يبعد، ويحتمل أن العرف حصل بعد ورود هذا الحديث؛ لأن الترغيب في التعلم مقدم في الإسلام، والمغانم وأحكامها حصلت بعد ذلك بشرعية الجهاد والقتال، واللَّه أعلم. نعم القاضي لم يذكر رواية الفتح مع الضم في الحديث، واقتصر على الروايتين الأوليين، وذلك شيء آخر، لكن عند من ثبت هذه الرواية فله وجه قطعًا.
ورابعها: (لا يغل) بالفتح والكسر مع تخفيف اللام من الوغول بمعنى الدخول،
стр. 559
عَلَيهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمدْخَلِ" (١). [مسند الشافعي: ١٢٠٨، الرسالة: ١١٠٢].
ــ
قال القاضي عياض: وذكر عن حماد بن سلمة أنه كان يرويه (يغل) بتخفيف اللام من وغل يغل وغولًا، يقال: وغل الرجل إذا دخل في الشجر وتوارى فيه، وهذه الرواية أيضًا بعيدة باعتبار هذه الخصوصية في مفهوم الوغول، إلا أن يراد به مطلق الدخول، وقد يفهم من بعض الكتب أنه بمعنى الدخول في شيء، فلا استبعاد.
إذا عرفت هذا فاعلم أن معنى الحديث أن المؤمن لا يغل ولا يغش ولا يخون، ولا يدخل في قلبه ميل وزيغ كائنًا على هذه الخصال الثلاث، والمراد أن هذه تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الدغل والخيانة والشر.
و(عليهن) حال، أي: لا يغل قلب مؤمن كائنًا عليها، قدمت لكون ذي الحال نكرة، ثم بين الخصال الثلاث، فأحدها: (إخلاص العمل للَّه) بأن يكون خالصًا له تعالى، لا يشوبه غرض ولا عوض، وشرحه يطلب من كلام السادة الصوفية قدس اللَّه أسرارهم، وثانيها: (النصيحة للمسلمين) عامتهم وخاصتهم وإرادة الخير لهم، وبيانه في شرح قوله ﷺ : (الدين النصحية)، وثالثها: لزوم جماعة المسلمين وعدم النفور والخروج والبعد عنها.
وقوله: (فإن دعوتهم) الظاهر أنه تعليل لالتزام جماعة المسلمين.
وقوله: (من وراءهم) بفتح (من) موصولة، وفي بعض النسخ (مِن) بكسرها، والأول هو الأصوب رواية، والمعنى أن دعاء الجماعة قد أحاطت بهم وبمن وراءهم،
стр. 560
٢٢٩ - [٣٢] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ وَأَبا دَاوُدَ لَمْ يَذْكرَا: "ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ" إِلَى آخِرِهِ. [حم: ٥/ ١٨٣، ت: ٢٦٥٦، د: ٣٦٦، دي: ١/ ٧٥].
٢٣٠ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ. . . . .
ــ
والوراء بالمد بمعنى خلف وقدام وهو من الأضداد، فلا يكاد الشيطان ينتهز منهم فرصة بطريق الحقد والخيانة وغيرهما من المعاصي والمهالك، ويحتمل أن يكون المراد أنه من دخل في جماعتهم بالاعتقاد لا يحمله الغل على مفارقتهم، فإن اللَّه يكلؤه ويمنعه عن مفارقتهم لإحاطة الدعوة، ويجوز أن يكون تعليلًا لقوله: لا يغل، والأول هو الأظهر، وقالوا: وجه مناسبة هذا الكلام يسابقه أنه ﷺ لما حث على أداء ما سمع منه أشار إلى ما يؤيده ويقرره ويبعثه عليه، وهي هذه الخصال الثلاث؛ فإنه لو لم يخلص عمله للَّه ولم ينصح المسلمين ولم يلزم جماعتهم لا يحصل الأداء أو لا يتم.
وقال الطيبي (١) ما حاصله: أن الكلام السابق وهو الترغيب والتحريض على أداء ما سمع توطية وتمهيد لهذه الخصال، وهي التي استوصى في حقها أن يبلغ ويؤدي لأنها جامعة بين التعظيم لأمر اللَّه والشفقة على خلق اللَّه، وبها تمام الدين وكماله، هذا، والظاهر أن السابق عام، فالأظهر ما ذكره الشارحون، واللَّه أعلم.
٢٣٠، ٢٣١ - [٣٣، ٣٤] (ابن مسعود، وأبو الدرداء) قوله: (من سمع منا) لفظ الجمع للتعظيم على ما يقتضيه المقام، ويحتمل أنه ﷺ أشار بأن حكم أصحابي وخلفائي كذلك، واللَّه أعلم.
стр. 561
كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٦٥٧، جه: ٢٣٢].
٢٣١ - [٣٤] وَرَوَاهُ الدَّارمِيُّ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ. [دي: ١/ ٧٥ - ٧٦].
٢٣٢ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٥١].
٢٣٣ - [٣٦] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَلَمْ يَذْكُرِ: "اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي. . . . .
ــ
وقوله: (كما سمعه) هذا أصرح مما سبق في محافظة الرواية باللفظ، وهو إما حال أو مفعول مطلق، و (ما) موصولة أو مصدرية.
وقوله: (فرب مبلغ) بفتح اللام المشددة أي المبلغ إليه، (أوعى) قد علم أن معناه الحفظ وإبقاؤه، والمراد ههنا أعلم وأفقه، وقال الكرماني: يقال: قد أوعيت أي: فهمت، انتهى، كأنه بمعنى أكثر وعاء للعلم والفقه.
وقوله: (من سامع) أي: ممن سمع مني وبلغ.
٢٣٢، ٢٣٣ - [٣٥، ٣٦] (ابن عباس، وابن مسعود وجابر) قوله: (اتقوا الحديث عني) أي رواية الحديث، أو الحديث بمعنى التحديث على أن فعيلًا قد جاء بمعنى المصدر كالنذير بمعنى الإنذار على قول صاحب (الكشاف) (١)، وعلى هذا (عن) متعلق بالحديث.
стр. 562
إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ". [جه: ٣٢].
٢٣٤ - [٣٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". وَفِي رِوَايَةٍ: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٥٠].
ــ
وقوله: (إلا ما علمتم) أي: بالظن الغالب أنه مني لئلا تقعوا في الكذب علي، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول.
٢٣٤ - [٣٧] (عنه) قوله: (من قال في القرآن برأيه) القول بالرأي ما لا يكون مؤسسًا على علوم الكتاب والسنة من قواعد العربية المقررة عند الجمهور، وأصول الإسلام المسلمة عند العلماء، ثم إن كان بطريق التفسير ويعني به ما يجزم به بأنه مراد اللَّه فلا بد فيه من النقل الصحيح من رسول اللَّه ﷺ ، وما يكون بطريق التأويل واحتمال أن يكون مرادًا يكفي فيه التأسيس على قواعد العربية وأصول الدين، وبدون ذلك لا يجوز التكلم به لا تفسيرًا ولا تأويلًا، وهذا هو الضابط، وقد يراد بالتفسير بالرأي أي: يكون له رأي وميل من طبعه وهواه، فيأوله على وفق رأيه، ويصرفه إلى ما اعتقد من مذهبه وإن لم تكن الآية واردة فيه، ولو لم يكن له ذلك الرأى بالاعتقاد لما لاح له ذلك، وأما ما يذكره الصوفية من أهل الإشارات والوعّاظ في المقاصد الصحيحة فذلك شيء آخر، وقد منعه بعض الفقهاء وشدّد في ذلك.
وقال آخرون: هم أخطؤوا في الدليل لا في المدلول، وهم لا يدعون الجزم بذلك، بل إشارات تلوح على سرائرهم، وقال حجة الإسلام: الطامات، وهي صرف ألفاظ الشرع من ظواهرها إلى أمور لم يسبق منها إلى الأفهام، كدأب الباطنية من قبيل البدعة المنهية عنها، وبالجملة الأمر في تفسير القرآن خطير يجب الاحتياط فيه
стр. 563
٢٣٥ - [٣٨] وَعَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فقد أَخْطَأَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٩٥٢، د: ٣٦٥٢].
٢٣٦ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٢٨٦، ٣٠٠، د: ٤٦٠٣].
ــ
والإمساك عما توقع في الخطر، والكلام فيه كثير، وقد استقصاه السيوطي في كتاب (الإتقان) (١).
٢٣٥ - [٣٨] (جندب) قوله: (فأصاب) فأخطأ على عكس ما قالوا في المجتهد: إنه وإن أخطأ فقد أصاب؛ بمعنى نيل الأجر والثوب.
٢٣٦ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (المراء في القرآن كفر) قد عرفت معنى المراء في حديث كعب بن مالك في هذا الفصل، وقيل المراد بالمراء ههنا الشك كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]، أي شك، كذا في بعض الشروح، ولا شك أن الكفر على هذا المعنى يكون على ظاهره، ولكن الظاهر من سوق الأحاديث التشديد والتغليظ فيما لا ينبغي أن يفعل ويفضي إلى الكفر، وأما إنكار القرآن والشك في قرآنيته فظاهر معلوم بالضرورة من الدين أنه كفر، واللَّه أعلم.
وقيل: المراد المجادلة فيما فيه من الأحكام؛ فإنه ربما يفضي إلى الكفر إذا عاند صاحب الحق، وقيل: الجدال المشكك في الآي المتشابهة المؤدي إلى الجحود، فسماه كفرًا باسم ما يخشى عاقبته، وقد يراد إنكار بعض القراءات المروية بالشهرة.
وبالجملة البحث والجدال لا على سبيل الحق وطلبه، وعدم التفويض إلى مراد
стр. 564
٢٣٧ - [٤٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْمًا يَتَدَارَؤُونَ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: "إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا: ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ١٨٥، ١٩٥، ١٩٦، جه: ٨٥].
ــ
اللَّه ورسوله، وعدم الاحتياط في ذلك حرام منهي عنه، وأما على وجه الشك والإنكار فكفر بلا شبهة.
٢٣٧ - [٤٠] (عمرو بن شعيب) قوله: (يتدارؤون في القرآن) أي: يتدافعون ويجادلون فيه على نحو ما مرّ.
وقوله: (ضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض) وقالوا: هذا يناقض ذلك ويخالفه قدحًا وطعنًا، وهذا مما يستغرب من الصحابة، ولعله كان فيما بينهم من بعض المنافقين قصدًا إلى التشكيك والإفساد، واللَّه أعلم.
وقال التُّورِبِشْتِي (١): خلطوا بعضه ببعض فلم يميزوا بين المحكم والمتشابه، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، من قولهم: ضربت اللبن بعضه ببعض، أي: خلطته، والظاهر أن المراد المجادلة والمنازعة، فشبه ﷺ حالهم بحال من كان قبلهم من المتشككين تشديدًا وتغليظًا.
وقوله: (فكلوه إلى عالمه) وهو اللَّه ورسوله كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وقيل: من يعرفه من أهل العلم الراسخ في علمه، واللَّه أعلم.
стр. 565
٢٣٨ - [٤١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. . . . .
ــ
٢٣٨ - [٤١] (ابن مسعود) قوله: (أنزل الفرآن على سبعة أحرف) وقد جاء في رواية: (نزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف) (١)، قيل: المراد بسبعة أحرف سبع لغات للعرب مشهور لها بالفصاحة، فإن حرف الشيء: طرفه، ولهذا سميت حروف التهجي لأنها أطراف الكلم، وهذه سبع أطراف اللغات، وهي لغة قريش وطيء وهوازن وأهل اليمن وثقيف وهذيل وبني تميم، فإن القرآن نزل أولًا بلغة قريش، ولما شق على كل العرب القراءة بلغتهم رخص في ذلك، وكان ذلك بسؤال منه ﷺ ربه ، كما ورد في حديث أبي بن كعب.
وقد أورده التُّورِبِشْتِي (٢) في شرحه، وكانوا يقرؤنه على اللغات المختلفة المذكورة كما يشتهي كل أحد إلى إمارة عثمان ﵁، فلما كتب المصاحف وأرسل النسخ إلى بلاد الإسلام جمع الناس على لغة قريش بعد ما جمعه زيد بن ثابت بأمر أبي بكر واستصواب عمر ﵁ بمجموع اللغات، وأمر عثمان بمحو ما عداه رفعًا للخلاف الذي وقع في الناس بإنكار بعضهم قراءة بعض، وتكفير كل من الفريقين الآخر، ولم يبق من الحروف المختلف فيها على نهج التواتر إلا شيء يسير، وبقي المختلف فيه من الإدغام والإمالة والوقف وغير ذلك من القسم المشترك الذي اشتهر عند القراء السبع لاتصال سنده على أصله مقروءًا به، وما عدا ذلك فإنه متروك لا يقرأ به ولا يحتج به لفقد الضرورة التي دعت إليه في أول الوهلة، ثم لسقوط الرواية عنه وانعدام التواتر