ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ مُلْكًا عَضُوضًا، ثُمَّ كَائِنٌ جَبْرِيَّةً وَعُتُوًّا وَفَسَادًا فِي الأَرْضِ، يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْفُرُوجَ وَالْخُمُورَ، يُرْزَقُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيُنْصَرُونَ. . . . .
ــ
وقوله: (ثم ملكًا عضوضًا) عضه وعض عليه كسمع ومنع عضًّا وعضيضًا: أمسكه بأسنانه، والعضوض: ما يعض عليه ويؤكل، ومُلْكٌ فِيه عَسْفٌ وظُلْمٌ، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): العض كَزيدن، والعضوض بفتح العين: صيغة مبالغة، أي: يصيب منه الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعضون فيه، وروي: (ملوك عضوض)، وهو جمع عض بالكسر، وهو الخبيث الشرير، ومعنى الحديث: أنه كان أول الدين زمان نزول الوحي والرحمة، ثم بعده إلى انقضاء الخلفاء الراشدين زمان رحمة وشفقة وعدل، ثم يوهن الأمر، وظهر بعض الظلم.
(ثم كائن) أي: الأمر المذكور (جبرية) بالنصب تمييزًا، أي: قهرًا وغلبة، أي: يغلب الظلم والفساد، وصحح (الجبرية) في نسخ (المشكاة) بفتح الجيم والياء، وفي (القاموس) (٣): الجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقًّا، وفي (مجمع البحار) (٤) من (شرح الشفا): هو بفتح الجيم وسكون الموحدة: الكبر.
وقوله: (يرزقون على ذلك) أي: لا يستأصلون على ذلك -وذلك لما سبق لهذه الأمة من اللَّه أمن، مغفرة ورحمة، أو لحكمة أخرى لا يعرفها إلا اللَّه- كالأمم
стр. 5007
حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٥٢٢٨].
٥٣٧٧ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُكْفَأُ -قَالَ زَيْدُ بْنُ يَحْيَى الرَّاوِي: يَعْنِي الإِسْلَامَ- كَمَا يُكْفَأُ الإِنَاءُ، يَعْنِي الْخَمْرَ"، قِيلَ: فَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا ما بين؟ قَالَ: "يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا فَيَسْتَحِلُّونَهَا". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢١٤٥].
ــ
السابقة لما عصوا أمر دينهم أهلكوا.
وقوله: (حتى يلقوا اللَّه) فإما يأخذهم أو يغفر لهم.
٥٣٧٧ - [٧] (عائشة) قوله: (إن أول ما يكفأ -يعني الإسلام- كما يكفا الإناء، يعني الخمر) لعل خبر (إن) محذوف، وهو الخمر الذي بينه الراوي بقوله: (يعني الخمر)، وكأنه ﷺ كان تحدث في الخمر فقال في أثناء حديثه: (إن أول ما يكفأ. . . إلخ)، و (يكفأ) ببناء المجهول، يقال: كفات الإناء، أي: أملته وكببته لإفراغ ما فيه، والمراد هنا الشرب، وقول الراوي: (يعني الإسلام) صوابه: (في الإسلام)، لعل كلمة (في) سقطت من لفظ الراوي، كذا قالوا.
وأقول -وباللَّه التوفيق-: الأظهر أن لا يقدر (في)، ويترك قوله: (يعني الإسلام) على ظاهره، ويكون بيانًا للضمير في (يكفأ) راجعًا إلى (الإسلام)، وهو أنسب بقوله: (كما يكفا الإناء)، كأن الإسلام مثل إناء فيه الأحكام فيكفأ، أي: يقلب ويكب، فتخرج منه الأحكام وتنصب كما يخرج الماء وينصب من إكفاء الإناء وكبه، وتكون (ما) مصدرية، ويكون التقدير: أول إكفاء الإسلام وسقوط أحكامه شرب الخمر، فتأمل.
يعني أول ما يشرب في المحرمات ويجترأ على شربه كما يشرب الماء هو
стр. 5008
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٣٧٨ - [٨] عَن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَة عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ"، ثُمَّ سَكَتَ،
ــ
الخمر، والأظهر أن المعنى: أول ما يمال ويغير في الإسلام من الأشياء المحرمة ويقلب حكمه تغييرًا سريعًا شبيهًا بقلب الإناء بما فيه هو الخمر، يعني أول ما يكفأ في الإسلام إكفاء مثل إكفاء ما في الإناء الخمر، يكفأ ويقلب ويمال، قيل: وكيف يشرب أو كيف يغير حكمها يا رسول اللَّه! وقد بين اللَّه تحريمه؟ قال: (يسمونها بغير اسمها) كالنبيذ والمثلث، أي: هو خمر حقيقة، ولكن يسمونها باسم آخر، وهذا التأويل على مذهب من لا يخص اسم الخمر بماء العنب كالشافعية، أو المعنى: يتخذونها من الذرة والعسل وغيرهما، ويعتقدون حل هذه الأشربة، ويقولون: إنها ليست بخمر؛ لأن الخمر يتخذ من العنب، وهذا على مذهب من يخص اسم الخمر بماء العنب كالحنفية.
الفصل الثالث
٥٣٧٨ - [٨] (النعمان بن بشير) قوله: (ثم يكون خلافة): (كان) تامة أو ناقصة، وكذلك قوله: (ثم تكون خلافة على منهاج نبوة) الظاهر أن المراد به زمن عيسى والمهدي.
стр. 5009
قَالَ حَبِيبٌ: فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبْتُ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ أُذَكِّرُهُ إِيَّاهُ وَقُلْتُ: أَرْجُو أَنْ تَكُونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْمُلْكِ الْعَاضِّ وَالْجَبْرِيَّةِ، فَسُرَّ بِهِ وَأَعْجَبَهُ، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِل النُّبُوَّة". [حم: ٤/ ٢٧٣، دلائل: ٦/ ٤٩١].
ــ
وقوله: (أن تكون أمير المؤمنين) الظاهر أن يقال: أن تكون خليفة، وقد سماه بعض العلماء خليفة خامسة.
* * *
стр. 5010
(٢٧) كتاب الفتن
стр. 5011
(٢٧) كتاب الفتن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٧ - كتاب الفتن
الفتن جمع فتنة، كالمحن جمع محنة لفظًا ومعنًى، والفتنة: هي الاختبار والامتحان، في (القاموس) (١): الفتنة بالكسر: الخبرة كالمفتون، ومنه: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦]، وإعجابك بالشيء، والضلال، والإثم، والكفر، والفضيحة، والعذاب، وإذابة الذهب والفضة، والإضلال، والجنون، والمحنة، والمال، والأولاد، واختلاف الناس في الآراء، وفتنه يفتنه: أوقعه في الفتنة، كفتّنه وأفتنه، فهو مُفتَّنٌ ومَفْتُونٌ، ووقع فيها، لازم ومتعد، كافتتن فيهما، انتهى.
ثم إن المؤلف رحمه اللَّه تعالى جعل (كتاب الفتن) ورتب فيه أبوابًا إلى آخر الكتاب، ولا يظهر له وجه خصوصًا (باب الفضائل والمناقب)، ولا يظهر معنى الافتتنان، ولو اعتبر باعتبار أنا مكلفون باعتقادها والانقياد لها فكل ما ذكر في الكتاب من هذا القبيل فما وجه التخصيص، وهذا كما أسلفنا من الكلام في جعله (كتاب البيوع) شاملًا لما ذكر بعده من الأبواب إلى (كتاب النكاح) خصوصًا مثل الفرائض والوصايا، فتدبر.
стр. 5012
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٣٧٩ - [١] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مقَامه إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ، فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٠٤، م: ٢٨٩١].
٥٣٨٠ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا،
ــ
الفصل الأول
٥٣٧٩ - [١] (حذيفة) قوله: (قام فينا رسول اللَّه ﷺ ) أي: خطب ووعظ وأخبر بما يظهر من الفتن، و (مقامًا) مصدر أو اسم مكان، وقوله: (ما ترك) صفته، و (يكون) تامة، و (مقامه) مظهر وضع موضع ضمير الموصوف، أو استئناف، و (في) متعلق بـ (ترك)، والضمير في (إنه) للشأن، وضمائر (حفظه) و (نسيه) و (علمه) لـ (شيء).
وقوله: (إلا حدث به) استثناء منقطع، أي: لكن حدث به.
وقوله: (كما يذكر الرجل وجه الرجل) أي: إجمالًا ومبهمًا وإن نسيه تفصيلًا ومعيّنًا، فإذا رآه عرفه مشخصًا معينًا.
٥٣٨٠ - [٢] (وعنه) قوله: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير) عرض الشيء عليه: أراه، وعرض العود على الإناء: وضعه عليه، وعرض الجند: عَيّن أمرهم ونظر في حالهم، وكل من هذه المعاني يناسب المقصد، أي: تتطرق الفتن إلى القلوب وتدخل فيها (عودًا عودًا) روي على ثلاثة وجوه: بالفتح، أي: مرة بعد مرة،
стр. 5013
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروي بالضم واحد العيدان، يريد ما ينسج به الحصير من طاقاته وشطباته، وبالفتح مع ذال المعجمة، كأنه استعاذ من الفتن، وأشهر الثلاثة بمضمومة ومهملة، ثم بمفتوحة فمعجمة أو مهملة، ومعناه على الأول: تدخل الفتن في القلوب فتنة بعد فتنة كما يدخل العود في الحصير واحدًا بعد واحد، وقيل: شبه عرضها عليها بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدًا بعد واحد، وقيل: يلصق بعرض القلوب -أي: بجانبها- كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيها، وعلى الثاني نعوذ باللَّه عوذًا بعد عوذ، كما يقال بعد ذكر الكفر والعصيان: نعوذ منه أو معاذ اللَّه، وعلى الثالث يعاد ويكرر مرة بعد مرة، ثم الرواية على تقدير ضم العين والدال المهملة بالرفع والنصب، والرفع على تقدير المبتدأ، أي: وهو عود عود، والجملة حالية، والنصب على الحالية، والمراد بالفتن الاعتقادات الفاسدة أو أعم، والأول أظهر.
واعلم أن لفظ الحديث على ما ذكر في (مشارق الأنوار) (١) للقاضي عياض هكذا: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير أو عرض الحصير عودًا عودًا)، وقال في حرف الحاء مع الراء: قيل: معناه تحيط بالقلوب، يقال: حصر به القوم: إذا أحدقوا به، وقيل: حصير الجنب: عرق يمتد معترضًا على جنب الدابة إلى ناحية بطنها، شبهها بذلك، وقال ثعلب: الحصير: لحم يكون في جانب الصلب من لدن العنق إلى المتين، وقيل: أراد عرض أهل السجن واحدًا واحدًا، والحصير: السجن، وقيل: تعرض بالقلوب، فتلصق بها لصق الحصير بالجنب وتأثيرها فيه وبقاء آثارها بأعوادها في الجلد إذا لزقت به، وإلى هذا كان يذهب من شيوخنا سفيان بن العاص والوزير
стр. 5014
فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا. . . . .
ــ
أبو الحسين، وقيل: تعرض عليها واحدة بعد واحدة كما تعرض المنقية لشطب الحصير وهو ما تنسج منه من لحاء القضبان على النساجة وتناوله إياها عودًا بعد آخر، وإلى هذا كان يذهب من شيوخنا أبو عبد اللَّه بن سليمان، وهو أشبه بلفظ الحديث.
وقال في حرف العين مع الواو: (تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا) بضم العين وبالدال المهملتين فيهما، كذا قيدنا هذا الحرف على أبي بحر، ومعنى (تعرض): تلصق الفتن القلوب كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه، وإلى هذا التأويل كان يذهب من شيوخنا ممن باحثناه عن معنى الحديث الأستاذ أبو الحسين والشيخ أبو بحر، وقيل: معنى (تعرض على القلوب) أي: تظهر لها وتعرف ما تقبل منها ويوافقها وما تأباه، ومنه عرضت الخيل، وعرض السجان أهل السجن، أي: أظهرهم واختبر حالهم، كما قال تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ﴾ الآية، [الكهف: ١٠٠] أي: أظهرناها، وأن المراد بالحصير هنا [الحصير المعلوم] عند عملها ونسجها، وعرض المنقية على الناسجة للحصير ما ينسج ذلك منه واحدًا بعد واحد، كما قال: عودًا عودًا، وإليه كان يذهب من شيوخنا الأستاذ أبو عبد اللَّه بن سليمان، وقال الهروي: معنى (تعرض) أي: تحيط بالقلوب، وما ذهب إليه أبو عبد اللَّه أظهر وأولى، وقيدنا عن القاضي الشهيد (عوذًا عوذًا) بفتح العين وبذال معجمة، كأنه استعاذ من الفتن، وعند الجياني (عودًا عودًا) بفتح العين والدال المهملة، وهو اختيار شيخنا أبي الحسين من هذه الوجوه، أي: تعاد عليه وتكرر، و (العود) بفتح العين: تكرار الشيء، ومنه قولهم: العود أحمد.
وقوله: (فأي قلب أشربها) على لفظ المجهول، من الإشراب، والإشراب: خلط
стр. 5015
نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ،
ــ
لون بآخر، كأن أحد اللونين شرب [الآخر] وكسي لونًا آخر، وفي (الصراح) (١): الإشراب: در خوردن رنكَـ ودر خورانيدن، لازم ومتعد، يقال: أشرب الأبيض حمرة، أي: علاه ذلك، وفي (القاموس) (٢): أُشْرِب فلان حب فلان: خالط قلبه، وتشرب: سرى، والثوبُ العرقَ: نشَفه، فالمراد هنا أيّ قلب اختلط بالفتن، أي: وحلَّت منه دخولًا تامًّا وحفَت منه محل الشراب [في نفوذ المسام وتنفيذ المرام]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣].
قال البيضاوي (٣): أي تداخلهم حبه ورسخ في قلوبهم صورته؛ لفرط شغفهم به كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن، و ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ بيان لمكان الإشراب، كقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، انتهى.
يعني يكفي في هذا المعنى أن يقال: وأشربوا العجل، أي: حبه، فلمَ زاد ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾؟ فوجهه به.
وقوله: (نكتت فيه نكتة سوداء) في (القاموس) (٤): النكت: أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها، والنكتة بالضم: النقطة، وفي (مجمع البحار) (٥): النكتة: الأثر، وقال أيضًا: وهي النقطة في شيء يخالف لونها.
стр. 5016
وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى يَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: أَبْيَضُ مِثْلُ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا. . . . .
ــ
وقوله: (أنكرها) أي: امتنع عن قبول الفتن ولم يتأثر بها. وقوله: (حتى يصير) غاية للأمرين، وصحح بالرفع والنصب، و (حتى) على الأول حرف الابتداء نحو: مرض حتى لا يرجونه، وعلى الثاني للغاية، ويروى بلفظ التذكير، فالضمير للإنسان المفهوم من السياق، وبالتأنيث فالضمير للقلوب، والمعنى على الأول: يصير جنس الإنسان مشتملًا على نوعين من القلب، وعلى الثاني: يصير القلوب على نوعين، وصحح (أبيض) بالرفع على الخبرية، وبالنصب بدلًا مع ما عطف عليه من (قلبين)، والظاهر هو الأول؛ لقوله: (والآخر أسود).
وقوله: (مثل الصفا) بالقصر: حجر أبيض شديد البياض، وفي (القاموس) (١): الصفا: الحجر الضخم الصلد لا ينبت.
وقوله: (مثل الصفا) المتبادر من العبارة أن التشبيه لبيان بياضه، ولكن المراد بيان أنه مع وجود البياض متصف بالشدة والصلابة، حتى إنه لا يتأثر بالفتنة أصلًا.
وقوله: (مربادًا) منصوب على الحال أو الذم، بضم الميم وسكون الراء وتشديد الدال، اسم فاعل من اربادّ يربادُّ كاحمارّ يحمارُّ محمارًّا، والربدة بالضم: لون إلى الغبرة، وقد اربدّ واربادّ كاحمرّ واحمارّ، وقد روي (مربئدًّا) بهمزة مكسورة، وهي لغة من نجد في الهرب عن التقاء الساكنين، ويقول: (احمأر) بهمزة بعد الميم، وقد قرئ قوله: ﴿ولا الضألين﴾ بهمزة بعد الضاد المعجمة على هذه اللغة.
стр. 5017
كَالْكُوزِ مُجَخِّيًّا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٤].
٥٣٨١ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: "إِنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ". . . . .
ــ
وقوله: (مجخيا) حال من (الكوز)، والعامل فيه معنى الفعل الذي في الكاف، وهو بضم الميم وفتح الجيم قبل الخاء المعجمة المكسورة، أي: مائلًا، يقال: جخَّى الليل: إذا مال ليذهب، وفي (القاموس) (١): جَخَّى المصلي تجخية: خَوَّى في سجوده، والليل: مال، والشيخ: انحنى، ومنه الحديث: (كالكوز مجخيا)، انتهى.
والمعنى لم يبق فيه خير كالكوز المجخى لا يبقى فيه ماء، فلم يبق فيه معرفة معروف وإنكار منكر، ولم يبق سوى ما قبل من الاعتقادات الفاسدة والشهوات النفسانية، وهذا هو موت القلب، أعاذنا اللَّه من ذلك.
٥٣٨١ - [٣] (وعنه) قوله: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال) يحتمل أن يراد بالأمانة التكاليف الشرعية التي كلف اللَّه به عباده، ونزولها في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، والمراد بنزولها ورودها وثبوتها في القلوب وأصلها الإيمان، ويدل عليه قوله في آخر الحديث: (وما في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان)، ويحتمل أن يراد معناها المشهور كما يدل عليه قوله: (ولا يكاد واحد يؤدي الأمانة)، ونزولها بنزول الإيمان لتضمنه إياها، والأظهر هو الأول؛ لكونه الأصل والعمدة، ويتضمن الأمانة وغيرها من الأحكام الشرعية.
стр. 5018
وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: "يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ،
ــ
و(الجذر) بفتح الجيم وبكسر وسكون الذال المعجمة: الأصل، يعني أنها نزلت وثبتت في قلوب رجال اللَّه تعالى باعثة على أن يعلموا بنورها حقيقة الدين وأحكام الشرع من القرآن والسنة، نبَّه على أن خلق الهداية وإرادتها من اللَّه في قلوب المؤمنين سابق على إرسال الرسل وتنزيل القرآن حتى اهتدوا إلى الإيمان به والانقياد لأحكامه وقبولها، وقد يقال: إن (ثم) هنا للتراخي في الرتبة، وهذا أحد الحديثين الذي قال حذيفة: (رأيت أحدهما في أصحاب رسول اللَّه ﷺ في عصره وحضرته ﷺ )، والحديث الآخر هو الذي أشار إليه بقوله: (وحدثنا عن رفعها)، أراد به ارتفاع كمال ثمر الإيمان وانتقاصه شيئًا فشيئًا بعده ﷺ .
وقوله: (ينام الرجل النومة) الظاهر أن المراد يغفل عن التذكر لآيات اللَّه تعالى، وعن التدبر في كتاب اللَّه تعالى والتنبه لسنة رسوله، وهو مقابل لقوله: (ثم علموا من القرآن والسنة)، (فتقبض) بلفظ المجهول (الأمانة) أي: بعضها، وينقص بعض ثمر الإيمان؛ لقوله: (فيظل) أي: يصير (أثرها) أي: أثر الأمانة، والأثر ما بقي من رسم الشيء، يعني ترفع الأمانة عن القلوب عقوبة على الذنوب وترك النظر والتدبر، حتى إذا استيقظوا وتفحصوا عن أحوال قلوبهم ونظروا فيها لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه، ويبقى أثر من الأمانة تارة مثل الوكت وتارة مثل المجل، و (الوكت) بفتح الواو وسكون الكاف جمع وكتة، وهي الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه، وقيل: هي نقطة بيضاء تظهر في سواد العين، و (المجل) غلظ الجلد من العمل، يقال: مجلت
стр. 5019
كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ،
ــ
يده بالفتح تمجل من نصر وضرب مجلًا بسكون الجيم، أي: ثخن جلدها وظهر فيها ما يشبه البثر أمن العمل، بالأشياء الصلبة، وفي (القاموس) (١): مجلت يده كنصر وفرح مجلًا ومجولًا: نفطت من العمل فمرنت، كأمجلت.
وقوله: (كجمر) بدل من (مثل أثر المجل)، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كجمر، أي: أثر المجل في القلب كأثر جمر قلّبته على رجلك (فنفط) أي: العضو موضع إصابة الجمر، وهو رجلك، أي: صار نفطة، أي جدريًا، (فتراه منتبرًا) أي: مرتفعًا منتفخًا، ويحسب الناس أن في جوفه شيئًا وليس فيه شيء صالح، فكذا هذا الرجل يحسبه الناس صالحًا ولا يكون فيه من الصلاح والإيمان شيء إلا قليل، فظهر من هذا التقرير أن الوكت والمجل تمثيلان لبقاء أثر الأمانة، ويخدش في هذا الوجه أن أثر المجل والجمر أشدّ وأكثر من أثر الوكت، وسوق الكلام يقتضي أن يكون أقلّ وأضعف؛ لأنه قبض في هذه المرتبة مما بقي من المرتبة الأولى، فيكون أنقص، وأشاروا إلى توجيهه أن هذا أقلّ من الأولى؛ لأنه شبه بالمجوف الذي ليس فيه شيء، ولا طائل تحته، ولا يخفى ما فيه.
وقيل: إن الوكت والمجل تمثيلان لزوال الأمانة لا لبقائها، ومعنى الحديث: تزول الأمانة عن القلوب شيئًا فشيئًا، فإذا زال أول جزء زال نورها وخلفه ظلمة كالوكت، فإذا زال منه جزء آخر صار كالمجل واشتدّ أثر الظلمة حتى لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق ما قبلها، وهذا التوجيه لا يخلو عن بعد من لفظ الحديث، فتدبر.
стр. 5020
وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدُهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٩٧، م: ١٤٣].
٥٣٨٢ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرِّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ،
ــ
وقوله: (ويصبح الناس يتبايعون) أي: فيما بينهم، (ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة) أي: الحقوق الثابتة لبعضهم على بعض، وهذا أيضًا من جهة زوال أثر الإيمان والعمل بمقتضاه، فلا دليل فيه على أن المراد بالأمانة معناه المشهور كما أشرنا إليه.
وقوله: (فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا) عبارة عن قلة الأمانة، أي: لا يبقى من يحفظ الأمانة إلا قليل، حتى يكون في جماعة كثيرين واحد, (ويقال للرجل: ما أعقله. . . إلخ)، يعني يكون في الرجال أشياء يعدّها العقلاء وأهل العرف فضائل من كثرة العقل والظرافة والجلادة، ويمدحون بذلك، وليس فيهم إيمان وصلاح مما يكون في الشرع عليه مدح وثواب، وفيه أنه لا عبرة بالفضائل والمزايا العرفية، وإنما العبرة للتقوى وقوة الإيمان، رزقنا اللَّه.
٥٣٨٢ - [٤] (وعنه) قوله: (وكنت أسأله عن الشر) لعل المراد ما يقع في الناس من الفتن، وما يفشو فيهم من البدع والنزاع والجدال ولو على غير حق، وإلا فالمنهيات في الشرع مبينة، وليس السؤال عنها مخصوصًا به ﵁.
وقوله: (مخافة أن يدركني) فإن دفع الضرر أهم من جلب النفع.
стр. 5021
وَفِيهِ دَخَنٌ"، قلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: "قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ"، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: . . . . .
ــ
وقوله: (وفيه دخن) الدخن محركة: الدخان، والدخنة كدرة في سواد, ودخنت النار كمنع ونصر دخنًا ودخونًا وأدخنت: ارتفع دخانها، وكفَرِحَتْ: ألقي عليها حطب فأُفسِدَتْ ليهيج لها دخان، ودخنت النبت والدابة: صارت ألوانهما كدرة في سواد, ومنه: (هدنة على دخن) أي: على فساد واختلاف تشبيهًا بالدخان لما بينهم من الفساد الباطن تحت الصلاح الظاهر، والمعنى: خير ممزوج بشر، فالشر فيه أنه لا يرجع قلوب قوم على ما كانت عليه، أي: لا يصفو بعضها لبعض ولا ينصع حبها، كالكدرة التي في لون الدابة، وقيل: (فيه دخن) أي: لا تكون الاعتقادات صحيحة والأعمال صالحة، وعدل الملوك خالصًا، ويرتكب فيه البدع والمناهي.
وقوله: (يهدون) على وزن يبغون بدون تاء الافتعال، وفي رواية مسلم: (أئمة لا يهتدون) بلفظ الافتعال.
وقوله: (تعرف منهم وتنكر) أي: ترى فيهم المعروف والمنكر جميعًا، أو تعرف منهم المنكر؛ بأن يصدر منهم المنكر، و (تنكر) خبر بمعنى الأمر، والمعنى الأول أظهر وأنسب بقوله: (نعم، وفيه دخن)، وليس في قوله: (يستنون بغير سنتي) دليل على المعنى الثاني، فإنه مع وجود الاستنان بغير سنة فيهم خير معروف، فافهم.
قالوا: الخير بعد الشر أيام عمر بن عبد العزيز، والذين تعرف منهم وتنكر الأمراء بعده، ومنهم من يدعو إلى بدعة كالخوارج.
وقيل: يحتمل أن الشر زمان قتل عثمان والخير بعده زمان علي، والدخن الخوارج، والشر بعده زمان الذين يلعنون على المنبر.
стр. 5022
"نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: "هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا"، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْركَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ"، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: "فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ. . . . .
ــ
وقوله: (دعاة على أبواب جهنم) أي: يدعون الناس إلى الضلالة. وقوله: (هم من جلدتنا) بكسر الجيم، أي: من أبناء جنسنا ومن أهل ملتنا، أو من عشيرتنا وأقربائنا، وجلدة الشيء: ظاهره، وهي في الأصل غشاء البدن، كذا في (الحواشي).
وقوله: (ويتكلمون بألسنتنا) أي: يتكلمون بالقرآن والأحاديث، أو بالمواعظ والحكم وما في قلوبهم شيء من الخير من الاعتقاد الصحيح والإيمان الخالص، أي: لا تعرفهم بصورهم وظاهرهم بل بسيرتهم واعتقاداتهم، وهذا كما قال في شأن الخوارج: (يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم) الحديث، ولعلهم المراؤون.
وقوله: (إن أدركني ذلك) الشر أو زمانه.
وقوله: (ولو أن تعض بأصل شجرة) أي: أعتزل ولو قنعت فيه بِعَضِّ أصل شجرة، كذا قال الطيبي (١)، وفي بعض الحواشي: أي: تأكل الحشيش في البراري.
اعلم أنه قد قال في (القاموس) (٢): عضضته وعليه كسمع ومنع عضًّا وعضيضًا: أمسكته بأسناني، وبصاحبي عضيضًا: لزمته، ولما كان العض في الحديث مستعملًا بالباء كان المعنى لزوم أصل الشجر، أي: تنقطع عن الناس وتتبوأ أجمة، وتلزم أصل
стр. 5023
حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٠٦، م: ١٨٤٧].
ــ
شجرة إلى أن تموت مع أنه ليس مما يلزم ويتبوأ، ففيه مبالغة في العزم على اعتزالهم والانقطاع عنهم، وأما العض بمعنى الإمساك بالأسنان فهو إنما يستعمل متعديًا بنفسه أو بـ (على)، كما في حديث: (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بِهَنِ أبيه ولا تكنوا) (١)، وفي حديث: (عضوا عليها بالنواجذ).
نعم قد يعلم من (الصراح) (٢) أن العض بهذا المعنى قد يستعمل بالباء أيضًا، حيث قال: عض كَزيدن، يقال: عضَّه وعضَّ به وعضَّ عليه بالهاء والباء وبـ (على)، وقال بعده: عضيض ملازم شدن، ولم يتعرض في (القاموس) لاستعماله بمعنى الإمساك بالأسنان مستعملًا بالباء، ولم يغلط الجوهري في ذلك أيضًا كما هو عادته، ثم إن الطيبي (٣) ذكر معنى اللزوم في الحديث الآتي في (الفصل الثاني) في قوله: (وأنت عاض على جذل الشجرة) أي: أصلها مع أنه مستعمل بـ (على)، واستشهد بقولهم: عض الرجل بصاحبه مستعملًا بالباء، ولا يخفى ما فيه، فلعله جوز استعماله في كلا المعنيين مستعملًا بكلا الحرفين، وقد يظهر ذلك في (الصراح) أيضًا، بل متعديًا بنفسه أيضًا، وذكر الطيبي في ذلك الحديث معنى آخر أيضًا، وهو الصبر على عضيض الزمان والتحمل لمشاقه وشدائده، قال: عض جذل الشجر -وهو أصله- كناية عن مكابدة الشدائد، من قولهم: فلان يعض بالحجارة لشدة الألم، وقد أشير إلى هذا المعنى في (القاموس) (٤) أيضًا حيث قال: وعض الزمان والحرب شدتهما، لكنه أيضًا مستعمل
стр. 5024
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ"، قَالَ حُذَيْفَةُ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ الأَمِيرَ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٥٣٨٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِم، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٨].
ــ
في قولهم بالباء، وفي الحديث بـ (على)، ويجوز إرادته في الحديث الذي نحن فيه أيضًا بطريق الأولى؛ لاستعماله بالباء، فتدبر.
وقوله: (في جثمان): (الجثمان) بالضم وسكون المثلثة الجسد, وفي (القاموس) (١): الجسم والشخص، وبالسين: الجسم.
وقوله: (وإن ضرب وأخذ) صحِّح بلفظ المجهول والمعلوم.
٥٣٨٣ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (بادروا بالأعمال فتنًا) أي: بادروا إلى الاشتغال بالأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن المانعة عنه، (كقطع الليل المظلم) من حيث إنها شاعت ولا يعرف سببها، ولا طريق للخلاص منها.
وقوله: (يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا) ويجوز أن يكون معناه مؤمنًا لتحريمه
стр. 5025
٥٣٨٤ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمٌ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فليَعُذْ بِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: "تَكُونُ فِتْنَةٌ، النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ، واليقظانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَسْتَعِذْ بِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٠١، م: ٢٨٨٦].
ــ
دم أخيه وعرضه وماله، وكافرًا لتحليله، واللَّه أعلم.
٥٣٨٤ - [٦] (وعنه) قوله: (خير من الساعي) في (الصراح) (١): السعي: دويدن وشتاب كردن وكسب وكار كردن، والمقصد من الحديث أن التباعد عنها خير في أيّ مرتبة كانت، فالقاعد أبعد, ثم الواقف في مكانه، ثم الماشي من الساعي.
وقوله: (من تشرف لها تستشرفه) أي: صار مشرفًا، واستشرف الشيء: رفع بصره إليه وبسط كفه فوق صاحبه، كالمستظل من الشمس، وحاصل المعنى: من تطلع لها ودعته إلى الوقوع فيها فالخلاص في التباعد عنها.
وقوله: (ملجأً أو معاذًا) كلاهما بمعنًى، في (القاموس) (٢): المعاذ: الملجأ، وقال: العوذ: الالتجاء، وفي (الصراح) (٣): لجأ ملجًا: بناه كَرفتن، وقال: عوذ عياذ معاذ اندخسيدن، وعذت به واستعذت به، أي: لجأت إليه، وهو عياذي أي:
стр. 5026
٥٣٨٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ، القاعدُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا، أَلَا فَإِذَا وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِل فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ؟ قَالَ: "يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ،
ــ
ملجئي، ولذا اكتفى في الجزاء بأحدها، وقال: (فليعذ به)، فعلى هذا يجوز أن تكون (أو) للشك من الراوي، أو تكون تأكيدًا، وهكذا تقع هاتان الكلمتان معًا.
٥٣٨٥ - [٧] (أبو بكرة) قوله: (إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة): (ثم) للتراخي في الرتبة، والتنوين للتعظيم، وهو من عطف الخاص على العام، وفي بعض النسخ زيادة: (ثم تكون فتن) بعد قوله: (إنها ستكون فتن)، وليست موجودة في النسخ المصححة، ويفهم من كلام الطيبي أيضًا أنه ليس موجودًا في نسخته، وأخرجه في (الجامع الصغير) من حديث أحمد, وليس فيه هذه الزيادة، وعلى تقدير وجودها المعنى على تكثير الفتن طائفة بعد طائفة، وأن منها تكون فتنة عظيمة.
وقوله: (فيدق) بضم الدال (على حده بحجر) قيل: أراد كسر السيف حقيقة ليسدّ على نفسه باب القتال، وقيل -وهو الأظهر-: إنه كناية عن ترك القتال، وبمثله احتج من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال، وهو مذهب أبي بكرة، وقال ابن عمر: لا يقاتل ابتداء ويدفع لو قوتل، وقال معظم الصحابة والتابعين: يجب نصر المحق وقتال الباغي، وإلا ظهر الفساد واستطال أهل البغي بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية [الحجرات: ٩]، ويتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق
стр. 5027
ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ " ثَلَاثًا، فَقَالَ: رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ، فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ، أَوْ يجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي؟ قَالَ: "يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ. . . . .
ــ
من المبطل، أو على طائفتين لا تأويل لواحد منهما.
وقوله: (ثم لينج إن استطاع النجاء) وهو السرعة، نجا ينجو: إذا أسرع، ونجا من الأمر: إذا خلص، وأنجاه غيره، وهو بالمد، والمعروف فيه المد إذا أفرد, والمد والقصر إذا كرر، كذا في (مجمع البحار) (١).
وقوله: (اللهم هل بلغت ثلاثًا) أي: قال هذا القول وهو (اللهم هل بلغت) ثلاث مرات، والمراد تبليغ ما ذكره، أو مطلق ما أمر أن يبلغ.
وقوله: (يبوء بإثمه وإثمك) أصل هذا التركيب قوله تعالى حكاية عن قول هابيل لأخيه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: ٢٩]، وفسره البيضاوي (٢): تبوء بإثمي لو بسطت إليك يدي، وإثمك ببسطك يدك إليّ، وقيل: معنى بإثمي: بإثم قتلي، وبإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك، انتهى.
أي: الذي هو السبب الباعث على قتلك إياي، فإن الباعث عليه عدم التقبل الباعث على الحسد, فسببه سبب له، ففيما نحن فيه المراد بـ (إثمك) قتلك بالإضافة إلى المفعول، وبـ (إثمه) الذي بعثه على قتلك من العداوة والبغضاء، فافهم.
стр. 5028
النَّار". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٨٧].
٥٣٨٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبِعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٩].
٥٣٨٧ - [٩] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَإِنِّي لأَرَى الْفِتَنَ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَوَقْعِ الْمَطَرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧٨، م: ٢٨٨٥].
ــ
٥٣٨٦ - [٨] (أبو سعيد) قوله: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم) يجوز أن يكون برفع (خير) وبنصب (غنم)، وأن يكون بالعكس، على أن يكون أحدهما اسمًا لـ (كان) والثاني خبرًا، وكلاهما رواية، والموجود في (البخاري) وفي نسخ (المشكاة) و (المصابيح) هو الثاني، وأن يكونا مرفوعين لكونهما مبتدأً وخبرًا، وفي (يكون) ضمير الشأن.
وقوله: (يتبع) بتشديد التاء من الاتباع، و (الشعفة) محركة: رأس الجبل، والجمع شعف وشعاف وشعوف وشعفات، يعني يسكن في الجبال فرارًا عن صحبة الناس، و (مواقع القطر) أي: مواضع المطر ليرعاه.
٥٣٨٧ - [٩] (أسامة بن زيد) قوله: (على أطم): (الأطم) بضمتين: القصر وكل حصن مبني بالحجارة، وفي المدينة وحواليها آطام كان يسكن فيها اليهود وغيرهم. وقوله: (فإني لأرى الفتن تقع) إن كانت الرؤية قلبية فـ (تقع) مفعول ثان، وإن كانت بصرية فهو حال، فكأنه كوشف له ﷺ ومثل بصور فرآها بالبصر.
стр. 5029
٥٣٨٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَي غِلْمةٍ مِنْ قُرَيْشٍ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٠٥].
ــ
٥٣٨٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (هلكة أمتي) في (القاموس) (١): هلك كضرب ومنع وعلم هُلكًا بالضم، وتُهلوكًا وهُلوكًا بضمهما، ومهلكة وتهلكة مثلثتي اللام: مات، والهلكة محركة: الهلاك، (غلمة) بكسر الغين وسكون اللام جمع غلام كغلمان بالكسر: الشاب والكهل، ضد، كذا في (القاموس) (٢). وفي (الصراح) (٣): غلام كودك، وأصل معنى اللفظ: غلبة الشهوة وهيجانها، من غلم كفرح واغتلم: غلبته شهوته، وقال الطيبي (٤) في تفسيره: أي أحداث السن الذين لا مبالاة لهم بأصحاب الوقار وذوي النهى.
وقال في (مجمع البحار) (٥): وكان أبو هريرة ﵁ يعرف أسماءهم وأعيانهم، وسكت عن تعيينهم مخافة مفاسد، وكانهم يزيد بن معاوية، وعبيد اللَّه بن زياد ونحوهما من أحداث ملوك بني أمية، فقد صدر عنهم من قتل أهل بيت النبي ﷺ وسبيهم وقتل خيار المهاجرين والأنصار، وما صدر عن الحجاج وسليمان بن عبد الملك وولده (٦) من سفك الدماء وإتلاف الأموال فغير خاف.
وأقول: لما كان الحجاج من أمراء عبد الملك بن مروان كان ما فعله من الفساد منسوبًا إليهم وإن لم يكن هو من قريش.
стр. 5030
٥٣٨٩ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ"، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: "الْقَتْلُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٥، م: ١٥٧].
٥٣٩٠ - [١٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ؟ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ؟ " فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٠٨].
ــ
٥٣٨٩ - [١١] (وعنه) قوله: (يتقارب الزمان) قد يراد به اقتراب الساعة، وقد يراد تقارب أهل الزمان بعضهم من بعض في الشر والفتنة، أو تقارب الزمان في نفسه حتى يشبه أوله آخره، أو قصر أعمار أهله، أو قصر مدة الأيام والليالي حتى تكون السنة كالشهر والشهر كالأسبوع، أو تسارع الدول إلى الانقضاء فتتقارب أزمنتها، وقد ذكرنا في (كتاب الرؤيا) في شرح صدق الرؤيا عند اقتراب الزمان وجوهًا أخر، والحق أن هذا اللفظ له معاني متعددة بعضها أنسب بحديث الرؤيا، وبعضها بهذا الحديث، فتدبر.
وقوله: (ويقبض العلم) أي: يقبض العلماء كما جاء في الحديث.
وقوله: (ويلقى الشح) المراد به غلبته وعمومه على طوائف الناس وإطاعتهم له، كالغني يبخل بماله، والعالم بعلمه، والصانع بصنعه، وإلا فوجود أصل الشح من طبيعة الإنسان.
و(الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء: الفتنة والاختلاط، فتفسيره بالقتل لأنه سببه.
٥٣٩٠ - [١٢] (وعنه) قوله: (القاتل والمقتول في النار) وإنما كان المقتول في النار لكونه حريصًا عازمًا على قتل صاحبه، وهذا إذا كان يقاتل من غير شبهة
стр. 5031
٥٣٩١ - [١٣] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٨].
٥٣٩٢ - [١٤] وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: "اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ أَشَرُّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ"، سَمِعْتُهُ مِنْ نبَيِّكُمْ ﷺ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٦٨].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٣٩٣ - [١٥] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوْا؟ وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَائِدِ فِتْنَةٍ. . . . .
ــ
وتأويل كما يشعر به سياق الحديث.
٥٣٩١ - [١٣] (معقل بن يسار) قوله: (العبادة في الهرج كهجرة إليّ) لوجود المانع الصارف، فلا تتيسر إلا بخروجه من موطن الطبيعة، وخروجه من بين الناس واجتماعهم.
٥٣٩٢ - [١٤] (الزبير بن عدي) قوله: (إلا الذي بعده أشر منه) استشكل هذا بزمن عمر بن عبد العزيز بعد زمن إخوانه من بني أمية، وبزمن المهدي وعيسى بعد زمن الدجال، وأجيب بحمله على الأكثر والأغلب.
وقوله: (أشر) ورد على الأصل المتروك.
الفصل الثاني
٥٣٩٣ - [١٥] (حذيفة) قوله: (من قائد فتنة) كمن يأمر الناس بالبدعة ويدعوهم
стр. 5032
إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثَ مِئَةٍ فَصَاعِدًا إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ قَبِيلَتِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٢٤٣].
٥٣٩٤ - [١٦] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٤٢٥٢، ت: ٢٢٢٩].
٥٣٩٥ - [١٧] وَعَنْ سَفِينَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً،
ــ
إليها، وكمن يحارب المسلمين. وقوله: (يبلغ) صفة (قائد)، و (من معه) فاعل (يبلغ)، و (ثلاث مئة) مفعوله، والمراد تابعوه، ومعنى التقييد بهذا الوصف كما يظهر الآن أنه ﷺ ذكر من قواد الفتنة من تكون فتنته شائعة في هذا العدد أو أزيد منه، فإنها إذا بلغت إليه شاعت وانتشرت، وعاد ضررها إلى الناس، بخلاف ما لو كانت في أقل من هذا العدد فلم يذكرها ولم يعتبر [ها]، واللَّه أعلم.
٥٣٩٤ - [١٦] (ثوبان) قوله: (وإذا وضع السيف في أمتي. . . إلخ)، أي: إذا ظهرت الحرب بين أمتي تبقى إلى يوم القيامة، وبقاؤها إلى يوم القيامة مرتب على وجود الأئمة المضلين وشرهم، فظهر الربط بين الجملتين، وترتبت الثانية على الأولى، هذا ما ذكروه، والظاهر أنهما إخباران مستعملان على انفرادهما، وأول وضع السيف فيما بينهم وقعة قتل عثمان ﵁، ثم لم تزل المحاربة إلى يوم القيامة.
٥٣٩٥ - [١٧] (سفينة) قوله: (وعن سفينة) هو سفينة مولى رسول اللَّه ﷺ ، وقيل: مولى أم سلمة، وقوله: (الخلافة ثلاثون سنة) أي: الخلافة الكاملة المرضية الموافقة للسنة للذين استحقوا إطلاق هذا الاسم عليهم حقًّا، ومن بعدهم ملوك وأمراء
стр. 5033
ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا"، ثُمَّ يَقُولُ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ: خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَخِلَافَةَ عُمَرَ عَشْرَةً، وَعُثْمَانَ اثْنَتَيْ (١) عَشْرَةَ، وَعَلِيٍّ سِتَّةً. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢٢٠، د: ٤٦٤٦، ت: ٢٢٦].
ــ
وإن سمّوا بذلك مجازًا، ولكونهم خلفًا لمن مضى وقائمين مقامهم.
وقوله: (ثم تكون) صحح بالتاء والياء، فإن كان بالتاء فالضمير للخلافة، أي: تصير، أي: تتبدل، وإن كان بالياء فالضمير للأمر أو نحوه.
وقوله: (أمسك خلافة أبي بكر سنتين. . . إلخ)، المذكور في (جامع الأصول) (٢): كانت خلافته ﵁ سنتين وأربعة أشهر، وخلافة عمر ﵁ عشر سنين ونصفًا، وخلافة عثمان ﵁ اثنتي عشرة سنة إلا أيامًا، وخلافة علي ﵁ أربع سنين وتسعة أشهر، انتهى.
وعلى هذا يتم خلافة الخلفاء الأربعة في تسعة وعشرين سنة وسبعة أشهر، وتبقى خمسة أشهر في ثلاثين سنة، وتتم بالحسن بن علي ﵄، وهو متمم الخلافة الكبرى، والمشار إليها بهذا الحديث، وفي (مجمع البحار) (٣) لأبي بكر سنتان وثلاثة أشهر وتسع ليال، ولعمر عشر سنين ونصف وخمس ليال، ولعثمان اثنتا عشرة سنة إلا اثنتي عشرة ليلة، ولعلي ﵁ خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وللحسن من رمضان سنة أربعين إلى نصف جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، فذا ثلاثون سنة، انتهى. فعلى هذا تبقى ستة أشهر وثلاث ليال وتتم بالحسن المجتبى ﵁.
стр. 5034
٥٣٩٦ - [١٨] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ؟ قَالَ: "السَّيْفُ"، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ السَّيْفِ بَقِيَّةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، تكونُ إِمارةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ وَهُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "ثُمَّ يَنْشَأُ دُعَاةُ الضَّلَالِ،
ــ
٥٣٩٦ - [١٨] (حذيفة) قوله: (أيكون بعد هذا الخير) أي: يبقى بعد ظهور الإسلام (شر) أي: كفر كما كان قبله.
وقوله: (فما العصمة؟ ) أي: ما طريق النجاة من ذلك الشر؟ (قال: السيف) أي: طريق النجاة أن تقاتلهم وتضربهم بالسيف، وقد يحمل ذلك على أهل الردة الذين كانوا في زمن الصديق.
وقوله: (وهل بعد السيف بقية؟ ) أي: هل يبقى أهل الإسلام بعد مقابلتنا إياهم؟ وهل يصلح أهل ذلك الزمان للإمارة؟ (قال: نعم) يبقون ويصلحون للإمارة، (على أقذاء) جمع قذًى، وهو ما يقع في العين وفي الشراب من غبار ووسخ ونحوهما، قذيت عينه كرضي قذى وقَذَيانًا: وقع فيها القذى، أي: يكون اجتماع الناس على من جعل أميرًا بكراهة وفساد وإنكار في القلوب لا بطيبها، ويقال: فعلت كذا وفي العين قذى، والأولى أن يكون معناه: أنه تكون إمارة مع ارتكاب المناهي وظهور البدع؛ ليكون قوله: (هدنة على دخن) كالتأسيس، و (هدنة) بضم الهاء وسكون الدال المهملة: الصلح، يقال: هدن يهدن هدونا: سكن وأسكن، والصبي: أرضاه، و (دخن) بفتحتين: الدخان، وقد مر معناه، وحاصله أنه يكون صلح مع خداع وخيانة ونفاق.
стр. 5035
فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَأَطِعْهُ، وَإِلَّا فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جَذْلِ شَجَرَةٍ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَهُ نَهْرٌ وَنَارٌ، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ وَجَبَ أَجْرُهُ وَحُطَّ وِزْرُهُ، وَمَنْ وَقَعَ فِي نَهْرِهِ وَجَبَ وِزْرُهُ وَحُطَّ أَجْرُهُ"، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "ثُمَّ. . . . .
ــ
(فإن كان للَّه في الأرض خليفة) أي: أمير وحاكم فأطعه، وإن جلد ظهرك وأخذ مالك أي: ظلمك في نفسك ومالك، (والا) أي: وإن لم يكن خليفة وأمير فاعتزل ومت على ذلك.
وقوله: (وأنت عاض على جذل شجرة) قد أمضينا الكلام فيه في (الفصل الأول)، وقيل: (وإلا) أي: لم تطعه (فمت) أمر في معنى الخبر، وفي بعض النسخ: (قمت) من القيام، خبر بمعنى الأمر على الوجهين؛ أي: اذهب واخرج من بينهم، و (الجذل) بالكسر: أصل الشجر وغيرها بعد ذهاب الفرع، وما عظم من أصول الشجر، وأما، على مثال شماريخ النخل من العيدان، ويفتح فيهن.
وقوله: (ثم يخرج الدجال) سمي به لتمويهه وتلبيسه وكذبه، والدجل: الكذب والتمويه، وسيجيء وجوه أخر في تسميته بذلك في (باب أشراط الساعة) إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: (معه نهر ونار) الظاهر أنهما على الحقيقة، ويحتمل أن يراد أن معه لطفًا وقهرًا ووعدًا ووعيدًا، (فمن وقع في ناره) أي: خالفه طمعًا في ثواب اللَّه وأجره حتى يلقيه في ناره، ويدخله في معرض قهره، وجب أجره على اللَّه؛ جزاء على صبره وثباته على دينه، (ومن وقع في نهره) أي: أطاعه ووافقه طمعًا في الدنيا وحبًّا لحياتها.
стр. 5036
يُنْتَجُ الْمُهْرُ فَلَا يُرْكِبُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ".
وَفِي رِوَايَة: قال: "هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءِ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ مَا هِيَ؟ قَالَ: "لَا تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ عَلَى الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ"، قُلْتُ: بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ. . . . .
ــ
وقوله: (ينتج المهر فلا يركب): (ينتج) على صيغة المجهول من النتج، وهكذا يستعمل مجهولًا، من نتجت الناقة: إذا ولدتها، وكذلك يقال: نتجت الناقة والفرس بلفظ المجهول، ونتجها أهلها نتجًا، وسبق الكلام في تحقيق هذا اللفظ (في الفصل الأول) من (كتاب الإيمان بالقدر) في حديث شرح الفطرة. و (المهر) بضم الميم وسكون الهاء: ولد الفرس، أو أول ما نتج منه ومن غيره، والجمع أمهار ومِهار ومهارة.
و(لا يركب) بضم الياء وكسر الكاف، أركب المهر: حان أن يركب، فهو مركب بكسر الكاف، والمراد زمن عيسى ﵇، إذ ذاك لا يركب المهر إلى يوم القيامة؛ لعدم احتياج الناس فيه إلى المحاربة والقتال، أو المراد أن بعد خروج الدجال لا يكون زمان طويل حتى تقوم الساعة، أي: يكون حينئذ قيام الساعة قريبًا قدر انتاج المهر وإركابه، هذا هو الأظهر كما جاء في حديث آخر: (لو نتج رجل مهرًا لم يركب حتى تقوم الساعة) (١).
وقوله: (لا ترجع قلوب) بالرفع فاعل (ترجع) بلفظ التذكير والتأنيث، وقد أعرب في بعض النسخ بالنصب، وكأنه على أنه مفعول (ترجع) من الرجع متعديًا، والفاعل ضمير (الهدنة).
وقوله: (عمياء) أي: يعمى فيها الإنسان عن أن يرى الحق، (صماء) أي:
стр. 5037
صَمَّاءُ، عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ، فَإِنْ مُتَّ يَا حُذَيْفَةُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جَذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٤٤].
٥٣٩٧ - [١٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفًا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا جَاوَزْنَا بُيُوتَ الْمَدِينَةِ قَالَ: "كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ جُوعٌ تَقُومُ عَنْ فِرَاشِكَ وَلَا تَبْلُغُ مَسْجِدَكَ حَتَّى يُجْهِدَكَ الْجُوعُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "تَعَفَّفْ يَا أَبَا ذَرٍّ"، قَالَ: "كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَوْتٌ يَبْلُغُ الْبَيْتُ الْعَبْدَ. . . . .
ــ
يصم عن أن يسمع فيها النصح، فالإسناد إلى الفتنة مجازي، وزاد أبو هريرة في روايته: (بكماء) كما سيأتي.
٥٣٩٧ - [١٩] (أبو ذر) قوله: (كيف بك) الباء زائدة في المبتدأ، أي: كيف أنت، ولما زيدت الباء بدل الضمير المرفوع المنفصل مجرورًا متصلًا.
وقوله: (تعفف) أي: لازم العفة وتكلف بها، واصبر على أذى الجوع والتقوى والكف عن الحرام وعن سؤال الناس، في (القاموس) (١): عف: كف عما لا يحل، وتعفف: تكلفها.
وقوله: (إذا كان في المدينة موت يبلغ البيت العبد): (البيت) فاعل (يبلغ)، و (العبد) مفعول، وقيل: في معناه وجوه:
أحدها: أن المراد بالبيت هو القبر، يعني يباع موضع قبر بعبد لضيق مواضع القبر لكثرة الموت، فيغلو ثمنه.
стр. 5038
حَتَّى إِنَّهُ يُبَاعُ الْقَبْرُ بِالْعَبْدِ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "تَصَبَّرْ يَا أَبَا ذَرٍّ"، قَالَ: "كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ. . . . .
ــ
وثانيها: أن البيت هو القبر، والمراد أجرة حفر القبر قيمة العبد لكثرة الموتى وقلة الحفار، وترتب قوله: (حتى إنه يباع القبر بالعبد) على المعنى الأول ظاهر، وعلى الثاني بإرادة استئجار الحافر من بيع القبر.
وثالثها: أن البيوت تصير رخيصة لكثرة الموت وقلة من يسكنها، فيباع بيت بعبد مع أن قيمة البيت على ما هو الغالب المتعارف تكون أكثر من قيمة العبد, فيراد بالقبر البيت.
ورابعها: أنه لا يبقى في البيت إلا عبد يقوم بمصالح أهل ذلك البيت.
وقال الطيبي (١): على هذين الوجهين الأخيرين لا يحسن موقع (حتى) حسنُها على الوجهين الأولين، انتهى.
وحقيقة الحال أنه لا يصح موقع (حتى) على الوجه الأول من هذين الوجهين الأخيرين لعدم المناسبة بينهما، وأما على الوجه الأخير فيجوز أن يقال: إنه لما ماتوا ولم يتركوا مالًا ولم يبق من الأموال إلا هذا العبد, فإذا مات أحد من أهل البيت يباع هذا العبد في اشتراء موضع القبر وأجرة الحفر، فيباع موضع القبر بالعبد, ويتخذ في أجرة حفره، فافهم.
وقوله: (تصبر) على لفظ الأمر من باب التفعل، وفي بعض النسخ: (تصبر) على صيغة المضارع من الصبر.
стр. 5039
إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ تَغْمُرُ الدِّمَاءُ أَحْجَارَ الزَّيْتِ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "تَأْتِي مَنْ أَنْتَ مِنْهُ"، قَالَ: قُلْتُ: وَأَلْبَسُ السِّلَاحَ؟ قَالَ: "شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذًا"، قُلْتُ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ نَاحِيةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ لِيَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ". رَوَاهُ وأَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٦١].
ــ
وقوله: (قتل تغمر الدماء أحجار الزيت) الغمر: الماء الكثير، غمره الماء غمرًا واغتمر: غطاه، تغطي الدماء وتستر وتعلو أحجار الزيت، وهو اسم موضع بالمدينة فيه أحجار سود كأنها طليت بالزيت، والعائد إلى الموصوف محذوف، أو يقال: إن الدماء في معنى القتل واللام بدل من الإضافة، وهذا إخبار عن وقعة الحرة، وهي من أشنع الوقائع وأقبحها، وقعت في زمن يزيد بن معاوية، أرسل جيشًا إلى مدينة الرسول ﷺ سنة ثلاث وستين بعد وقعة قتل أمير المؤمنين الإمام الشهيد الحسين بن علي ﵁، فاستباح حرم المدينة، وهتك حرمة مسجده ﷺ ، وربط فيه الدواب، وقتل من الصحابة والتابعين من يبلغ ألوفًا، وغير ذلك من الشنائع، وقد ذكرناها في تاريخ المدينة فليطلب ثمة، وذلك في ذي الحجة في سنة ثلاث وستين.
وقوله: (تأتي من أنت منه) قيل: أي ارجع إلى من خرجت من عنده، يعني أهلك وعشيرتك، وقيل: ارجع إلى إمامك ومن بايعته.
وقوله: (أن يبهرك) البهر: الإضاءة والغلبة، وهو كناية عن استعمال السيف.
واعلم أنه ينبغي أن تحمل هذه الأخبار على أنه ﷺ لم يكشف له عن تعيين أوقات هذه الوقائع، فأخبر أبا ذر بالصبر فيها باحتمال أنه لعله يكون مدركًا لها، وإلا فأبو ذر ﵁ لم يكن باقيًا إلى وقعة الحرة؛ لأنه مات اثنين وثلاثين في خلافة عثمان ﵁،
стр. 5040
٥٣٩٨ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ بِكَ إِذَا أُبْقِيتَ (١) فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ، مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ؟ وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا؟ " وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، قَالَ: فَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: "عَلَيْكَ بِمَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهُمْ" وَفِي رِوَايَةٍ: . . . . .
ــ
وأما وقوع الجوع والموت في المدينة يحتمل أنه أدركها أبو ذر؛ لأنه قد وقع قحط وموت بها كما في عام الرماد وغيره، أو يكون حالها أيضًا كذلك، واللَّه أعلم.
٥٣٩٨ - [٢٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (في حثالة من الناس) بضم الحاء المهملة: القشارة، وما لا خير فيه، والرديء من كل شيء.
وقوله: (مرجت عهودهم) بكسر الراء على صيغة المعلوم، أي: اختلطت وفسدت، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أي: لهبها المختلط بسوادها، ومرج الأمر: لم يف به، وفي (الصحاح) (٢): مرج الأمر، أي: اختلط واضطرب، وقد صحح في بعض النسخ (مرجت) بلفظ المجهول، من المرج متحركًا بمعنى الخلط، من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩].
وقوله: (قال: عليك بما تعرف، ودع ما تنكر وعليك بخاصة نفسك. . . إلخ)، ولقد اتبع ﵁ ما أمره النبي ﷺ ، وكان وصاه أيضًا باسترضاء والده، فكان بحكم الضرورة مع أبيه ومعاوية في الظاهر، مختلطًا معهم في الظاهر، ولم يكن معهم بالقلب، ولم يكن مخالفًا لهم ظاهرًا لرضا الوالد, وكانوا يقولون: لست منا، فأمره ﷺ
стр. 5041
"الْزَمْ بَيْتَكَ وَأَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ أَمْرَ الْعَامَّةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) وَصَحَّحَهُ.
٥٣٩٩ - [٢١] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ،
ــ
بالاجتماع مع الناس والتزام العزلة بالكلية، أمر الكل ما يليق بحاله ويتيسر له، وهو المرشد الحكيم العارف بمصالح أمته ﷺ .
وقوله: (الزم بيتك) وفي رواية: (وليسعك بيتك) أي: لا تخرج منه إلا لضرورة، (وأملك عليك لسانك) صحح بفتح الهمزة وكسر اللام، من الإملاك، وفسر الطيبي (٢): الإملاك بالسد والإحكام، يعني سدّ لسانك ولا تتكلم في أحوال الناس؛ كيلا يؤذوك.
وفسره في (مجمع البحار) (٣): أي لا تُجْرِه إلا بما يكون لك لا عليك، وقال: هو أمر من الثلاثي، أي: احفظها عما لا خير فيه، وفي الحديث رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا قوي الأشرار وضعف الأخيار.
٥٣٩٩ - [٢١] (أبو موسى) قوله: (فكسروا فيها قسيكم) القسي بكسر القاف وتشديد الياء جمع قوس، والقوس يذكر ويؤنث، وفي (الصحاح) (٤): أصل قسي (فليع)
стр. 5042
وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٥٩].
وَفِي رِوَايَة لَهُ: ذَكَرَ إِلَى قَوْلِهِ: "خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي"، ثُمَّ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ".
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الْفِتْنَةِ: "كَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ، وَكُونُوا كَابْنِ آدَمَ". وَقَالَ: هَذَا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ. [ت: ٢٢٠٤].
٥٤٠٠ - [٢٢] وَعَنْ أُمِّ مَالِكٍ البَهْزِيَّةِ قَالَتْ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِتْنَةً. . . . .
ــ
كان أجوف فصارت ناقصًا، فإذا نسبت إليها قلت قسوي؛ لأنها (فلوع) مغير من (فعول).
وقوله: (فإن دخل) على صيغة المجهول مسند إلى قوله: (على أحد).
وقوله: (كخير ابني آدم) وهو هابيل حين استسلم للقتل وقال لأخيه قابيل: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٨ - ٢٩].
وقوله: (كونوا أحلاس بيوتكم) جمع حلس بالكسر: كساء على ظهر البعير تحت البرذعة، ويبسط في البيت تحت حُرِّ الثياب، ويحرك، كذا في (القاموس) (١).
٥٤٠٠ - [٢٢] (أم مالك) قوله: (البهزية) بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالزاي، نسبة إلى بهز بن امرئ القيس.
стр. 5043
فَقَرَّبَهَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ خَيْرُ النَّاسِ فِيهَا؟ قَالَ: "رَجُلٌ فِي مَاشِيَتِهِ يُؤَدِّي حَقَّهَا وَيَعْبُدُ رَبَّهُ، وَرَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ يُخِيفُ الْعَدُوَّ وَيُخَوِّفُونَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٧٧].
٥٤٠١ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَتَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ، قَتْلَاهَا فِي النَّارِ،
ــ
وقوله: (فقربها) أي: جعلها قريبًا وقوعها، وقال الطيبي (١): أي وصفها وصفًا بليغًا، فإن من وصف شيئًا عند أحد وصفًا بليغًا فكأنه قربه إليه، انتهى.
لعله أراد أنه وصفها وصفًا بليغًا اتضح عنده وحضر في ذهنه فتخيله واقعًا، ويمكن أن يكون المراد تقريبها إلى أذهانهم وخيالاتهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (يخيف العدو) من الإخافة، والمراد بالعدو الكفار، أي: هرب من الفتنة وقتال المسلمين وقصد ثغرًا من الثغور يقاتل فيه الكفار، فيبقى سالمًا منها غانمًا.
٥٤٠١ - [٢٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (تستنظف العرب) أي: تستوعبهم وتصل إلى جميعهم، يقال: استنظف الوالي ما عليه من الخراج: استوفى، واستنظف الشيء: أخذه كله.
وقوله: (قتلاها) جمع قتيل كمرضى جمع مريض، والظاهر من اللفظ يشمل الفريقين، وإنما يكون كذلك إذا كان قصدهم بالمقاتلة الطمع في الملك والمال لا إعلاء الدين، أما إذا كان أحدهما محقًّا والآخر مبطلًا من غير شبهة وتأويل، فالآخر هو الذي قتلاه في النار، وإذا كان بشبهة وتأويل، واجتهاد، ولو كان مخطئًا، فليس أحد
стр. 5044
اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَه. [ت: ٢٦٧٨، جه: ٣٩٦٧].
٥٤٠٢ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "سَتَكُونُ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ، مَنْ أَشْرَفَ لَهَا اسْتَشْرَفَتْ لَهُ، وَإِشْرَافُ اللِّسَانِ فِيهَا كَوُقُوعِ السَّيْفِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٦٤].
٥٤٠٣ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْفِتَنَ، فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الأَحْلَاسِ، قَالَ (١) قَائِلٌ: وَمَا فِتْنَةُ الأَحْلَاسِ؟ . . . . .
ــ
منهما في النار، وقيل: قاله زجرًا وتوبيخًا ومبالغةً في النهي عن المقاتلة وإثارة الفتنة.
وقوله: (اللسان فيها أشدّ من وقع السيف) لأنهم مسلمون، وغيبة المسلمين بدعة شنيعة على طبق قوله: (الغيبة أشد من الزنا) خصوصًا إذا كان من الصحابة، ويحتمل أن يكون المراد أن إطالة القول في ذمهم وغيبتهم يفضي إلى القتل فإنهم لو سمعوه لربما قتلوا المغتاب والذام، وربما ينشأ من ذلك النهب والجلاء والمفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من نفس الفتنة.
٥٤٠٢ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (صماء بكماء عمياء) قد عرفت أنها وصفت بهذه الأوصاف بأوصاف أصحابها، أي: لا يسمع فيها الحق، ولا ينطق به، ولا يتضح الباطل عن الحق.
٥٤٠٣ - [٢٥] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (فتنة الأحلاس) قد علم معنى الحلس،
стр. 5045
قَالَ: "هِيَ هَرَبٌ وَحَرَبٌ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي، إِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلْعٍ،
ــ
وإنما أضيفت الفتنة إليها لدوامها؛ لأن الحلس يبقى تحت الثياب دائمًا، أو تشبيهًا به في الكدرة والرداءة، أو بمجرد أن الأحلاس تفرش وتبسط في البيوت، ففيه إشارة إلى التزام البيوت والعزلة في ذلك الزمان.
وقوله: (هرب وحرب) كلاهما بفتح الراء، و (الحرب) بالحركة: نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له، كذا قال الطيبي (١)، والحارب: المسلح الغاصب الناهب الذي يعري الناس ثيابهم، والهرب: الفرار، هرب هربا بالتحريك: فرّ، (وفتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل. . . إلخ)، الرواية في (فتنة السراء) بالرفع، و (دخنها) خبره، فهو عطف على جملة (وهي هرب وحرب)، ويروى بالنصب، وهو الظاهر، أي: ثم ذكر فتنة السراء.
وقوله: (دخنها من تحت قدمي) جملة مستأنفة لبيانها، أي: السبب في وقوعها السرور لسبب كثرة النعم وفضول الأموال، أو لأنها تسر الكفار لوقوع الخلل في الدين والضرة في المسلمين.
وقوله: (رجل من أهل بيتي) لعل هذه الفتنة بل هذه الفتن كلها تكون في آخر الزمان كما ينبئ عنه قوله: (فإذا كان ذلك فانتظروا الدجال من يومه أو من غده)، فتدبر.
وقوله: (كورك) بفتح الواو وكسر الراء، (على ضلع) بكسر الضاد وفتح اللام،