← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

فَوْجًا رَاكِبِينَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ، وَفَوْجًا تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ، وَفَوْجًا يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ وَيُلْقِي اللَّهُ الآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ، فَلَا يَبْقَى حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٢٥٨٦]. * * * ٣ - باب الحساب والقصاص والميزان ــ أبي هريرة في (الفصل الأول) من أن هذا الحشر قبل يوم القيامة من أشراطها أو بعده حين يبعث الموتى من القبور، وسباق الحديث وسياقه ينظر إلى الأول، فتأمل. وقوله: (تسحبهم الملائكة) أي: تجرهم، سحبه: جرّه على وجه الأرض فانسحب. وقوله: (وتحشرهم النار) بالرفع كما تدل عليه الأحاديث الأخر كقوله: (ستخرج نار من أنحو، بحر حضرموت تحشر الناس) (١)، وقد ينصب، أي: تحشر الملائكة لهم النار، وتلزمهم إياها حتى لا تفارقهم، وفي بعض النسخ: (تحشرهم إلى النار). وقوله: (على الظهر) أي: المركوب، والمراد (بذات القتب) الإبل؛ لأن القتب محركة للجمل كالإكاف لغيره. ٣ - باب الحساب والقصاص والميزان الحساب مصدر حسبه حسبًا وحسبانًا بالضم، وحسبانًا وحسابًا وحسبة بكسرهن:

стр. 5217

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٥٤٩ - [١] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ". قُلْتُ: أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَاب يَهْلِكُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٣، م: ٢٨٧٦]. ٥٥٥٠ - [٢] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ. . . . . ــ عَدَّهُ، والمعدود: محسوبٌ، والقصاص: أن يفعل بالشخص مثل ما فعله من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح، وهو في الأصل بمعنى المساواة، والميزان: عبارة عما تعلم به مقادير الأعمال، والجمهور على أنه ميزان حقيقة له لسان وكفتان توزن به صحائف الأعمال، وقيل: توزن الأشخاص، وقيل: تصور الحسنات بالصور الحسنة، والسيئات بالسيئة، وأَوّلَ البعض الوزن بمقابلة الأعمال بالجزاء، والميزان تمثيل وتصوير لإرصاد الحساب، وقد جاء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، والجمع باعتبار أنواع الأعمال، أو يكون لكل أحد من المكلفين ميزانٌ، واللَّه أعلم. الفصل الأول ٥٥٤٩ - [١] (عائشة) قوله: (إنما ذلك العرض) أي: الحساب اليسير عرض الأعمال على العبد من غير مناقشة واستقصاء، وإنما المراد بقولنا: (من حوسب): من نوقش في الحساب، والمناقشة: الاستقصاء في الحساب، كذا في (القاموس) (١). ٥٥٥٠ - [٢] (عدي بن حاتم) قوله: (ترجمان) هو بفتح مثناة وقد تضم وضم

стр. 5218

وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٣٩، م: ١٠١٦]. ٥٥٥١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . ــ جيم وقد يفتحان، كذا قال الكرماني (١)، وهو المفسر للسان بلسان، وقد ترجمه عنه، والفعل يدل على أصالة التاء. وقوله: (فينظر أيمن) وكذا قوله: (وينظر أشأم منه) النصب في (أيمن) و (أشأم) على الظرفية، والمراد جانب اليمين والشمال، وفي (القاموس) (٢): الشأمة والمشأمة: ضد اليمنة والميمنة، واليد الشؤمى: ضد اليمنى، انتهى. وفي (مجمع البحار) (٣) في صفة الإبل: ولا يأتي خيرها إلا من جانبها الأشأم يعني الشمال، ومنه لليد الشمال: الشؤمى، تأنيث الأشأم، يريد بخيرها لبنها؛ لأنها إنما تحلب وتركب من الجانب الأيسر، ومنه حديث: (فينظر أيمن منه وأشأم منه). وقوله: (ولو بشق تمرة) له معنيان؛ أحدهما: فاتقوا النار ولا تظلموا أحدًا ولو بشق تمرة، وثانيهما: اتقوها ولو بتصدق شق تمرة، وقد أورد هذا الحديث في (باب الصدقة)، وقد أشار بذكره في الموضعين إلى صحة إرادة المعنيين، والثاني أظهر، واللَّه أعلم. ٥٥٥١ - [٣] (ابن عمر) قوله: . . . . .

стр. 5219

"إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْب كَذَا؟ فَيَقُول: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ. قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوْسِ الْخَلَائِقِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٤١، م: ٢٧٦٨]. ٥٥٥٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٦٧]. ــ (كنفه) يقال: أنت في كنف اللَّه تعالى محركة، أي: في حرزه وستره، وهو الجانب، والظل، والناحية، ومن الطائر: جناحه، كذا في (القاموس) (١)، وذلك لئلا يفتضح عند أهل المحشر ويخزى. ٥٥٥٢ - [٤] (أبو موسى) قوله: (هذا فكاكك من النار) فك الرهن فكًّا وفكوكًا: خلّصه، كافْتَكّه، وفك الأسير فكًّا وفكاكًا: خلّصه، وفكاك الرهن بفتح الفاء ويكسر: ما يفك به، ولما كان لكل مكلف مقعد في الجنة ومقعد من النار فلما دخل المؤمن الجنة صار الكافر كالفكاك للمؤمنين خلص به عن النار، ولم يرد به تعذيب الكتابي بما اجترحه المسلم من الذنوب؛ لأنه لا يعذب أحد بذنوب أحد، وتخصيص اليهود والنصارى بالذكر لاشتهارهم لمضارة المسلمين، ومعرفة الحكم في غيرهم بطريق الأولى.

стр. 5220

٥٥٥٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ! فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيُقَالُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بلَّغَ"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٣٣٩]. ٥٥٥٤ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّا أَضْحَكُ؟ ". قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ: يَا رَبِّ! أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ ". . . . . ــ ٥٥٥٣ - [٥] (أبو سعيد) قوله: (محمد وأمته) لما كان محمد ﷺ مزكيًا لهم وهو معنى قوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكان ﷺ بتزكيته مقررًا لشهادتهم ومثبتًا كان كأنه معهم في الشهادة، فلهذا قال: (محمد وأمته). وقوله: (أمة وسطًا) والوسط محركة من كل شيء: أعدله، أي: عدولًا وخيارًا. قوله: (فقال رسول اللَّه ﷺ : فيجاء بكم) الخطاب للصحابة، ويحتمل أن يكون للحاضرين من الأمة والغائبين على سبيل التغليب. ٥٥٥٤ - [٦] (أنس) وقوله: (ألم تجرني من الظلم؟ ) أجاره: أنقذه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] وغيرهما من الآيات.

стр. 5221

قَالَ: "يَقُولُ: بَلَى"، قَالَ: "فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي". قَالَ: "فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا". قَالَ: "فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي". قَالَ: "فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ". قَالَ: "فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٦٩]. ــ وقوله: (فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني) طلب العبد شاهدًا من نفسه زاعمًا أنه لا شاهد عليه من نفسه؛ لأنه لا يشهد أحد على نفسه، فهذا موضع غلطه ووقوعه فيما هرب عنه، وهذا الذي أضحك رسول اللَّه ﷺ . وقوله: (وبالكرام الكاتبين) هذا زيادة على المراد الأصلي وتأكيد له، وقد يدل مراده وملتمسه، فافهم. وقوله: (فيقال لأركانه: انطقي) إفراد الضمير باعتبار جماعة الأركان. وقوله: (ثم يخلى بينه) أي: بين العبد (وبين الكلام) مع أركانه، (فيقول) العبد لأركانه، وهذا أيضًا محل الضحك. و (السحق) بالضم وضمتين: البعد، فيكون تأكيدًا لقوله: (بعدًا)، وله معان تناسب المراد وهو السهك والدق، وسحقت الريح الأرض: عفت آثارها، وسحق الشيء الشديد: لينه، والثوب: أبلاه، والقملة: قتلها، وبالجملة فيه معنى الهلاك والفناء ونحوهما. وقوله: (كنت أناضل) أي: أخاصم وأدافع، ناضل عنه: دافع، ونضلته: سبقته، وناضله مناضلة ونضالًا: باراه في الرمي، أي: عنكن كنت أخاصم الخصماء وأدافعهم عنكن، وكنت معينًا ناصرًا لَكُنّ في الأمور، ثم شهدتن عليّ، وفضحتموني فيّ وخذلتموني، وجاء هذا البلاء والفضح على هذا العبد لمخاطبة الرب تعالى واحتجاجه

стр. 5222

٥٥٥٥ - [٧] وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَة؟ قَالَ: "فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: . . . . . ــ له تعالى منافيًا لما تقتضيه العبودية والمسكنة، بخلاف العبد الأول الذي وضع عليه كنفه وستره وحفظه عن الفضح. ٥٥٥٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (هل تضارون) روي بوجوه: أحدها: بضم التاء وتشديد الراء من الضرر من باب المفاعلة كضره وضاره، ويحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل أو للمفعول، أي: لا تضارون بالمجادلة والمنازعة في صحة النظر إلى الشمس والقمر لوضوحهما وظهورهما، فلا يخالف بعضكم بعضًا ولا ينكره، بل كنتم متفقين على رؤيتهما. وثانيهما: بفتح التاء وتشديد الراء من التفاعل أيضًا من الضرر، أصله تتضارون حذفت إحدى التائين مبنيًّا للفاعل، والمعنى ما ذكر. ونقل في (مجمع البحار) (١) عن الجوهري: أضرني: إذا دنا مني دنوًّا شديدًا، فيكون المراد بالمضارة الاجتماع والازدهام عند النظر، وقال القاضي عياض (٢): معناه لا تضايقون، والمضارة والمضايقة بمعنى قوله في الرواية الأخرى: تضامون، والمضايقة إنما تكون في الشيء يرى في حين واحد، وجهة مخصوصة، وقدر مقدور، واللَّه تعالى متعال عن الأقدار والأحواز. وقيل: معناه لا يحجب بعضكم عن رؤيته فيضره بذلك،

стр. 5223

"فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا". قَالَ: "فَيَلْقَى الْعَبْدَ فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ! . . . . . ــ وقيل: لا تضارون: لا يمنعكم منه مانع. وثالثها: بضم التاء وتخفيف الراء من الضير بمعنى الضر على صيغة المجهول. ورابعها: بفتح التاء وتخفيف الراء على لفظ المعلوم، والأصل تضيرون فأبدلت الياء ألفًا. وخامسها: لا تضامون بضم التاء وتشديد الميم من الضم من المفاعلة مبنيا للفاعل أو للمفعول. وسادسها: بفتح التاء من التفاعل. وسابعها: بضم التاء وتخفيف الميم من الضم على صيغة المجهول. وثامنها: تضامون بالفتح والتخفيف. ومآل المعنى في الجميع واحد، والاعتماد على الرواية، هذا والمشهور هو بضم التاء تشديدًا وتخفيفًا، وبالراء والميم، ورواية فتح التاء أيضًا ثابتة، فتدبر. وقوله: (إلا كما تضارون في رؤية أحدهما) هو من قبيل: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن سلول، و (أنا أفصح العرب بيد أني من قريش). وقوله: (فيلقى العبد) الضمير للَّه فاعله، و (العبد) مفعوله، أي: عبدًا من عباده. وقوله: (أي فل) الرواية المشهورة بسكون اللام مبنيًّا عليه، ولذا قالوا: إنه اسم برأسه بمعنى فلان، وليس ترخيمًا له، وإلا لكان مفتوح اللام أو مضمومه على المذهبين في الترخيم، ونقل عن سيبويه أنه صيغة مرتجلة في باب النداء، وعند بعضهم في غير النداء أيضًا، وأيضًا لا يجوز حذف الألف والنون معًا في مثله لعدم بقاء ثلاثة

стр. 5224

أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى"، قَالَ: "فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي قَدْ أَنْسَاكَ كَمَا نسَيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مثل ذَلِك، فَيَقُول: يَا رَبِّ! آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ، ــ أحرف كمروان، وقيل: ترخيم، والرواية بالفتح والضم ثابتة، وحذف النون للترخيم والألف بسكونها، وفيه ما فيه. وقوله: (وأسودك) أي: أجعلك سيدًا، و (أذرك) أي: أدعك، (ترأس) تصير رئيس القوم، (وتربع) أي: تأخذ الربع، وكان رئيس القوم في الجاهلية يأخذ ربع الغنيمة. وقوله: (ملاقي) بالتشديد بإدغام الياء المحذوفة العائدة بحذف التنوين في ياء المتكلم. وقوله: (فإني قد أنساك) في الجزاء (كما نسيتني) في الشكر، ونسبة النسيان إلى اللَّه سبحانه إما على المجاز عن الترك أو بطريق المشاكلة، وفي نسبة النسيان إلى العبد تغليب؛ لأنه قد يكون بطريق التعمد والتكبر أيضًا، فافهم. وقوله: (فذكر مثله) أي: ذكر رسول اللَّه ﷺ مثل ما ذكر في الأول من سؤال اللَّه وجواب العبد، ويحتمل أن المعنى فذكر اللَّه تعالى، أي: سأله مثل ما سأل الأول، وجواب العبد مطوي الذكر، لكن الوجه هو الأول، والظاهر على الثاني: فيذكر أو فيقول، كما ذكر من قوله: (فيقول له) أي: اللَّه للعبد (مثل ذلك) أي: السؤال، غير أن جواب العبد هنا على خلاف الأولين، فهنا ادعى العبد الشكر فكذب ورد عليه، وفيهما

стр. 5225

ويُثْنِي بِخَيْرِ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُول: هَاهُنَا إِذًا، ثم يُقَالُ: الآنَ نَبْعَثْ شَاهِدًا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي سخطَهُ اللَّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٦٨]. وذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: "يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ" فِي "بَابِ التَّوَكُّلِ" بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٥٥٦ - [٨] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: . . . . . ــ اعترف بحقيقة الحال. وقوله: (فيثني) أي: العبد على نفسه (بخير) كثير (فيقول) أي: اللَّه تعالى (هاهنا إذا) أي: إذا أثنيت على نفسك بما أثنيت فاثبت وقِفْ هناك نريك أعمالك بإقامة الشاهد عليها، (فيختم) على صيغة المضارع المجهول، ويجوز أن يكون بلفظ المعلوم. (ويقال لفخذه: انطقي) لعل تخصيص الفخذ إشارة إلى الشنيعة الفاحشة، أعني: الزنا، وكذا اللحم والعظام، والمذكور في القرآن شهادة الأيدي والأرجل والألسن والجلود، فافهم. وقوله: (وذلك) أي: المذكور من السؤال والجواب ونطق الفخذ وغيرها، (ليعذر) الروابة ببناء الفاعل من الإعذار، أي: يزيل عذره من قبل نفسه فالهمزة للإزالة، وقيل: يصيّره اللَّه ذا عذر في تعذيبه من قبل نفس العبد. الفصل الثاني ٥٥٥٦ - [٨] (أبو أمامة) قوله: . . . . .

стр. 5226

"وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ٢٦٨، ت: ٢٤٣٧، جه: ٤٢٨٦]. ٥٥٥٧ - [٩] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ: فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الأَيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، ــ (سبعين ألفًا. . . إلخ)، كناية عن الكثرة والمبالغة فيها. وقوله: (ثلاث) بالرفع عطف على (سبعون)، وهذا أشدّ مبالغة من نصبه عطفًا على (سبعين)، إذ يفيد كون ثلاث حثيات مع كل ألف من سبعين ألفًا، وعلى تقدير النصب يفيد كونها مع سبعين ألفًا، والحثية ما يعطي المعطي بكفيه دفعة واحدة. ٥٥٥٧، ٥٥٥٨ - [٩، ١٠] (الحسن) قوله: (فجدال ومعاذير) المراد بالجدال: دفع الذنوب بإنكار إبلاع الرسل، وبعدم ثبوت صدقهم عندهم، والمعاذير: عبارة عن اعتراف العبد بالذنوب، والاعتذار بالسهر والنسيان، وكونهم مضطرين مجبورين، وأما في العرضة الثالثة فيثبت الحجة عليهم ويحق الحق بثبوت صدق الأنبياء بشهادة الملائكة ومحمد ﷺ وأمته على ذلك. وقوله: (فآخذ بيمينه وآخذ بشماله) بلفظ اسم الفاعل، أي: فمنهم من يأخذ الصحيفة بيمينه، ومنهم من يأخذها بشماله، فتتم القضية ويرتفع الجدال والمعاذير.

стр. 5227

وَقَالَ: لَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [ت: ٢٤٢٥]. ٥٥٥٨ - [١٠] وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبَي مُوسَى. ــ وقوله: (من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة) وُلِد الحسن البصري لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁، وتوفي في مستهل رجب من سنة عشر ومئة، وكان عمره ثمان وثمانين سنة، وتوفي أبو هريرة سنة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وخمسين سنة، وهو ابن ثمان وسبعين، فلا شك أن صحبته معه وسماعه منه ممكن، ولكن ثبوت السماع شيء آخر، فلعله لم يثبت عند أهل الأخبار، كما أنهم لم يثبتوا سماع الحسن عن علي ﵁ مع وجود إمكانه (١)، وكما أن إمكان صحبة أبي حنيفة مع الصحابة ممكن لوجود عدة نفر منهم في زمانه مع أن الشافعية يقولون: لم يثبت ذلك عند أهل العلم بالأخبار، وذلك ليس ببعيد، واللَّه أعلم. وروي أن الحسن البصري كان يقول: حدثنا أبو هريرة، ويأول أهل المدينة كما كان يقول: خطبنا ابن عباس بالبصرة، ويريد: أهلها، مع أنه لم يسمع منها (٢)، هذا وقد قال الشيخ الجزري في (تصحيح المصابيح): إن البخاري أخرج في (صحيحه) للحسن عن أبي هريرة ثلاثة أحاديث وبيّنها، وقال: وأما مسلم فلم يخرج للحسن عن أبي هريرة ﵁ شيئًا، كذا قال بعض شارحي (المشكاة) (٣).

стр. 5228

٥٥٥٩ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُوْنَ؟ فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ! فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ قَالَ: لَا، يَا رَبِّ! فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، ــ ٥٥٥٩ - [١١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (سجلًا) السجل بكسرتين وتشديد اللام: الكتاب الكبير، و (البطاقة) على وزن الكتابة: الرقعة الصغيرة المنوطة بالثوب التي فيها رقم ثمنه، سميت بها لأنها تشد بطاقة من [هدب] الثوب، كذا في (القاموس) (١). قال الطيبي (٢): فتكون الباء حينئذ زائدة، انتهى. وكأنه أبقيت الباء الجارة التي هي صلة الفعل وهي لغة أهل مصر، وليس مادة (بطق)، ومشتقاته مذكورة في الكتب. وقوله: (فيقول: إنك لا تظلم) أي: هذه البطاقة وإن كانت حقيرة خفيفة في نظرك لكنها عظيمة ثقيلة في نفس الأمر، فلو تركناه لزم الظلم، أو المراد لا نترك من عملك شيئًا جليلًا كان أو حقيرًا؛ لئلا يلزم الظلم عليك فلا بد من وزنها.

стр. 5229

فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٦٣٩، جه: ٤٣٠٠]. ٥٥٦٠ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا يُبْكِيكِ؟ ". قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ؟ وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ أم فِي شِمَاله؟ أم مِنْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ؟ وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضعَ بينَ ظَهْري جَهَنَّم". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٥٥]. ــ وقوله: (فلا يثقل مع اسم اللَّه شيء) أي: ذكر اللَّه يترجح عن جميع المعاصي ويمحها. ٥٥٦٠ - [١٢] (عائشة) قوله: (أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا) قد يأتي من حديث أنس في (الفصل الثاني) من (باب الحوض والشفاعة) ما يدل على أنه ﷺ يشفع في هذه المواطن كيف لا؟ هو الحبيب الذي ترجى شفاعته ... في كل هول من الأهوال مقتحم ووجه التوفيق أنه إنما قال هذا لعائشة مبالغة في أن هذه المواطن ليست مما يتيسر فيها أن يذكر فيها أحد أحدًا؛ لئلا تتكل على أنها حرم رسول اللَّه ﷺ ، وقال لأنس ذلك لئلا ييأس. وقوله: (أم من وراء ظهره) هكذا في (سنن أبي داود)، وفي بعض نسخ

стр. 5230

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٥٦١ - [١٣] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يَكْذِبُونَنِي، وَيَخُونُونَنِي، وَيَعْصُونَنِي، وَأَشْتِمُهُمْ وَأَضْرُبهُمْ، فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ، وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذَنْبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ. . . . . ــ (المصابيح): (أو من وراء ظهره)، والأول أوفق للجمع بين الآيتين، كذا قال الطيبي (١). وقال البيضاوي (٢) في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠] أي: يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره، قيل: تغل يمناه إلى عنقه وتجعل يسراه وراء ظهره، انتهى. الفصل الثالث ٥٥٦١ - [١٣] (عائشة) قوله: (يكذبونني) بالتخفيف من الكذب، أي: يقولون كذبًا. وقوله: (فكيف أنا منهم؟ ) أي: من أجلهم وضربهم وشتمهم هل أعاقب على ذلك؟ وقوله: (كان فضلًا لك) الظاهر أنه يقتص له منهم كما قال في القسم الأخير: (اقتص لهم منك الفضل)، وكأنه إنما لم يذكر هاهنا الاقتصاص تشديدًا عليه واهتمامًا

стр. 5231

اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ، فَتَنَحَّى الرَّجُلُ وَجَعَلَ يَهْتِفُ وَيَبْكِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ " [الأنبياء: ٤٧]، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَجِدُ لِي وَلِهَؤُلَاءِ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَحْرَارٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٦٥]. ٥٥٦٢ - [١٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ: "اللهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا". قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ قَالَ: "أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابِهِ فَيُتَجَاوَزَ عَنْهُ، إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ يَا عَائِشَة! هَلَكَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ [٦/ ٤٨]. ٥٥٦٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَنْ يَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، فَقَالَ: ، يُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ". ــ بذكر الاقتصاص لهم منه كما يشعر به سياق الحديث من قوله: (فتنحى الرجل وجعل. . . إلخ). ٥٥٦٢ - [١٤] (وعنها) قوله: (أن ينظر) أي: العبد، كذا قال الطيبي (١): ولو جعل الضمير للَّه لكان أيضًا جائزًا. ٥٥٦٣ - [١٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (كالصلاة المكتوبة) أقلها ركعتان،

стр. 5232

٥٥٦٤ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ مَا طُولُ هَذَا الْيَوْمِ؟ فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ "الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ". ٥٥٦٥ - [١٧] وَعَنْ أَسمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُحْشَرُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَة فَيُنَادِي مُنَادٍ فَيَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ؟ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ، ــ وخص المكتوبة لأن أداءها أهون لإسقاط الذمة وامتثال الأمر. ٥٥٦٤ - [١٦] (وعنه) قوله: (ما طول هذا اليوم) استفهام على سبيل التعجب والاستغراب. ٥٥٦٥ - [١٧] (أسماء بنت يزيد) قوله: (يحشر الناس في صعيد واحد) في (القاموس) (١): الصعيد: التراب، أو وجه الأرض، وفسره شارحو الحديث بأرض واسعة مستوية كما جاء في حديث آخر: (أصبح صعيدًا بيضاء يزلق عليها لملاستها)، وتفسيره في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقد مرّ. وقوله: (فينادي) النداء بالكسر: الصوت، وقد يضم النون مثل الدعاء، وكذا في (الصحاح) (٢). وقوله: (الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع) فسروه بقيام الليل، وقيل: كان من الصحابة يصلون من المغرب إلى العشاء فنزلت فيهم.

стр. 5233

فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثمَّ يُؤمَرُ لِسَائِر النَّاسِ إِلَى الْحِسَابِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٢٩٧٤]. * * * ٤ - باب الحوض والشفاعة ــ ٤ - باب الحوض والشفاعة في (القاموس) (١): الحوض معروف من حاض الماء: جمعه، ومنه حاضت المرأة: سال دمها، والمراد هنا الحوض الذي يكون للنبي ﷺ يوم القيامة كما يجيء صفاته في الأحاديث، وورد: (أن لكل نبي حوضًا في القيامة يرده أمته). والشفاعة من الشفع وهو في الأصل بمعنى الضم، ومنه الشفع بمعنى خلاف الوتر، وهو الزوج مقابل الفرد، والشفعة لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه بعد أن كان وترًا، ومنه الشفاعة لأنها ضم الشافع نفسه إلى المجرم للسؤال عن التجاوز عن جريمته، شفع فهو شافع، والمشفع من يقبلها، والمشفع من يقبل شفاعته. واعلم أن الشفاعات الأخروبة أنواع، وكلها ثابتة لسيد المرسلين ﷺ ، بعضها على الخصوص، وبعضها بالمشاركة، ويكون هو المتقدم فيها، وهو الذي يفتح باب الشفاعة أولًا ﷺ ، فالشفاعات كلها راجعة إلى شفاعته، وهو صاحب الشفاعات بالإطلاق: الأولى: وهي العظمى العامة للخلائق الخاصة بنبينا ﷺ من بين سائر النبيين والمرسلين صلوات اللَّه عليهم أجمعين، وهي لفصل القضاء والإراحة من طول الوقوف

стр. 5234

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٥٦٦ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجنَّةِ إِذا أَنَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ، ــ وتعجيل الحساب لا يدنو إليها غيره كما يأتي من الأحاديث. الثانية: لإدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضًا وردت لنبينا ﷺ ، ومال بعضهم إلى أنها أيضًا مختصة به، وقال ابن دقيق العيد: ولا أعلم الاختصاص فيها ولا عدم الاختصاص. الثالثة: في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيآتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة. الرابعة: في أقوام من أمته استوجبوا النار فيشفع فيهم، فيدخلون الجنة. الخامسة: في رفع الدرجات وزيادتها. السادسة: فيمن دخل النار من المذنبين، وهذه الشفاعة يشاركه فيها الأنبياء والأولياء والملائكة والعلماء. السابعة: في استفتاح الجنة. الثامنة: في تخفيف العذاب عمن يستحقه. التاسعة: لأهل المدينة. والعاشرة: لزائري قبره الشريف ﷺ على وجه الاختصاص والامتياز، واللَّه أعلم. الفصل الأول ٥٥٦٦ - [١] (أنس) قوله: (حافتاه قباب الدر) في (القاموس) (١): حافتا الوادي

стр. 5235

قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ مِسْكٌ أَذْفَرُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٨١]. ٥٥٦٧ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . ــ وغيره: جانباه، والجمع: حافات، والقباب بالكسر: جمع قبة، وهو البناء المدور، يقال له: الجنبذ معرب كَنبد، وقد يفسر بالخيمة. وقوله: (هذا الكوثر الذي أعطاك ربك) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، ويفسر بالخير الكثير المفرط من العلم والعمل وشرف الدارين، والنهر المذكور من جزئياته، وفي (القاموس) (١): الكوثر: الكثير من كل شيء، انتهى، ونهر في الجنة يتفجر منه جميع أنهارها، وقيل: هو أولاده وأتباعه وعلماء أمته، وهو أيضًا من أفراده، وقد جاء الكوثر بمعنى الرجل الخير العطاء والسيد، وله تفسيرات ذكرت في موضعها، والكل راجع إلى المعنى الأول الذي ذكرنا، حكي أن أعرابيًا فقد ابنًا له فجاء بعددهر بخير كثير فقيل له: كيف جاء ابنك؟ فقال: جاء بالكوثر. وقوله: (مسك أذفر) أذفر بالذال المعجمة محركة: شدة ذكاء الريح كالذفرة، أو يخصان برائحة الإبط المنتن، وفي (الصراح) (٢): ذفر: بوئى تيز خوش وناخوش، مسك أذفر: مشك تيز بوئى. وفي (القاموس) (٣): ومسك أذفر وذفر: جيد إلى الغاية. ٥٥٦٧ - [٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: . . . . .

стр. 5236

"حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانَهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ يَشْرَبُ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٧٩، م: ٢٢٩٢]. ٥٥٦٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، ــ (وزواياه سواء) فسره الطيبي بأنه مربع لا يزيد طوله على عرضه. وقوله: (أبيض من اللبن) ينتقض به حكم النحويين بأن اسم التفضيل لا يبنى من لون ولا عيب، وكذلك قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢]: إن (أعمى) الثاني اسم تفضيل إلا أن يقال: إن القاعدة أكثرية، ويقدر اسم تفضيل آخر مثل أكثر وأشد، وهو تكلف مستغنى عنه. وقوله: (كنجوم السماء) الظاهر أن التشبيه في الكثرة كما صرح به في الحديث الثاني، فيجوز أن يكون على الحقيقة، أو كناية عن غاية الكثرة، ولو اعتبر في البريق والإشراف فلا خفاء. وقوله: (من يشرب) وكذا قوله: (فلا يظمأ) بالرفع والجزم كلاهما رواية. ٥٥٦٨ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (أبعد من أيلة من عدن) أي: بعد ما بين طرفيه أزيد من بعد أيلة من عدن، وأيلة بفتح الهمزة وسكون التحتانية من بلاد الشام، وعدن من بلاد اليمن، واعلم أنه قد وقع التحديد بمواضع أخر متفاوتة في الأبعاد كما يأتي من الأحاديث فعرف كل قوم بما يعرفونه، والغرض تمثيل وتخمين فلا إشكال. وقوله: (وأحلى من العسل باللبن) لا يخفى أن حلاوة العسل لا تزيد بخلطه

стр. 5237

وَإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ لَكُمْ سِيمَاءُ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَم، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٧]. ٥٥٦٩ - [٤] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "تُرَى فِيهِ أَبَارِيقَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ". [م: ٢٣٠٣]. ٥٥٧٠ - [٥] وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ. فَقَالَ: "أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ؛ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالآخَرُ مِنْ وَرِقٍ". [م: ٢٣٠١]. ــ باللبن، فالمراد (بأحلى): ألذ أو أحلى وألذ. وقوله: (لأصد الناس) أي: ممن عدا أمتي. وقوله: (سيماء) السيماء بالكسر: العلامة من سامه: إذا أعلمه، يجيء ممدودًا ومقصورًا، والقصر أكثر. وقوله: (غرًا محجلين) مرّ معناهما في (فضل الوضوء) من (كتاب الطهارة). ٥٥٦٩ - [٤] (أنس) قوله: (والأباريق) جمع إبريق معرب آبريز. ٥٥٧٠ - [٥] (ثوبان) قوله: (يغت فيه ميزابان) بضم معجمة وكسرها من نصر وضرب، فمثناة مشددة، أي: يدفقان دفقًا متتابعًا دائمًا، غت في الماء: غمسه، والغت يجيء بمعنى الغمس، يقال: غت في الماء غمسه، ومنه حديث: (يغتهم اللَّه في العذاب) أي: يغمسهم فيه غمسًا متتابعًا، وبمعنى الغلبة والقهر، ومنه حديث: (يا من لا يغته دعاء الداعين) أي: يغلبه ويقهره، وغت فلانًا، أي: غمّه وخَنَقَهُ، وغت الضحك:

стр. 5238

٥٥٧١ - [٦] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَنِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِيْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٨٣، م: ٢٢٩٠]. ــ أخفاه، وغت الماء: شربه جَرعًا بعد جَرع من غير إبانة الإناء من فيه، وغت الشيء الشيء: أتبع بعضه بعضًا، والكل يتضمن معنى الضغط والغلبة والتتابع. ويروى (يعب) بمهملة مضمومة وموحدة من عب الماء عبًا، أي: شربه جرعًا متتابعًا، ومنه العباب لمعظم السيل وارتفاعه وكثرته، وعند ابن ماهان (يثعب) بمثلثة ومهملة، أي: يتفجر. وفي (القاموس) (١): ثعب الماء والدم كمنع: فَجَرَهُ فَانْثَعَبَ، وماء ثَعْبٌ: سائل، والثعب: مسيل الوادي، والميزاب بكسر الميم، وقيل بالفتح أيضًا، وفي (القاموس) (٢): وزب الماء يزب: سال، ومنه: الميزاب، أو هو فارسي ومعناه: بُلِ الماءَ، فعرّبوه بالهمز، ولهذا جمعوه بالمآزيب. ٥٥٧١ - [٦] (سهل بن سعد) قوله: (إني فرطكم) فرط فروطًا بالضم: سبق، وتقدم في الأمر، وفرط القوم: سبق وتقدمهم ليرتاد لهم الماء ويهيء لهم الدلاء والأرشية، أي: أنا سابقكم إلى الحوض كالمهيء له لأجلكم. وقوله: (ليردن عليّ أقوام) قيل: لعل هؤلاء هم الذين قال فيهم: (أصيحابي)، وقد سبق شرحه في الفصل الأول من (باب الحشر).

стр. 5239

٥٥٧٢ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهَمُّوا بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ــ ٥٥٧٢ - [٧] (أنس) قوله: (حتى يهموا بذلك) هو من الهم بمعنى القصد والحزن، معلومًا وَمجهولًا، في (الصراح) (١): هم: أندوه، وكَداختن بيماري تن را، يقال: همني المرض، وقصد، يقال: هممته بالشيء، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وفي بعض الروايات من الوهم، وفي (مسلم): (حتى يهتموا) أي: يعتنوا بسؤال الشفاعة، كذا قال الكرماني (٢)، وقال الطيبي (٣): هو علي بناء المجهول من أهمه: إذا أحزنه، أي: يحزنون، من أهمني: إذا أقلقك وأحزنك. وقوله: (لو استشفعنا) (لو) للتمني، (فيريحنا) من الإراحة منصوب بتقدير (أن)، من أراح اللَّه العبد: أدخله في الراحة، ومنه: (أرحنا يا بلال)، أو من أراح الشيء: دحرجه وأزاله من مكانه، وهذا المعنى أنسب بقوله: (من مكانن). وقوله: (أنت آدم) هو من باب: أنا أبو النجم. وقوله: (لست هناكم) أي: لست بالمكان الذي تظنوني فيه من الشفاعة، و (هنا) إذا لحق به كاف الخطاب يكون للبعيد من المكان المشار إليه، أي: أنا بعيد من مكان

стр. 5240

وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ؛ أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ؛ . . . . . ــ الشفاعة ومقامها. وقوله: (خطيئته التي أصاب) أي: أصابها، و (أكله) منصوب بدل من (خطيئته)، وكذا الحال في أخواته، وقال الطيبي (١): يجوز أن يكون بيانًا للضمير المبهم المحذوف نحو قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، انتهى، ولا يخفى بعده بعد الحذف بخلاف المذكور. وقوله: (ائتوا نوحًا أول نبي بعثه اللَّه إلى أهل الأرض) استشكل هذه الأولية بآدم وشيث وإدريس عليهم الصلاة والسلام، وأجيب بأن المراد نبي مرسل، والثلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلًا، وفيه خلاف للعلماء، فقد دل بعض الأحاديث على أن آدم وإدريس كانا رسولين، ودلت أيضًا على إنزال الصحف على شيث وهو دليل الإرسال، وقد يجاب أيضًا بأن المراد النبي المبعوث إلى الكفار، وآدم إنما أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارًا بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة اللَّه تعالى، وكذلك خلفه شيث وخلفه إدريس، ورسالة نوح كانت إلى كفار أهل الأرض. وقد يقال: إن العموم لم يكن في أصل بعثة نوح، وإنما اتفق باعتبار الخلف في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، هذا ما قالوا، ويمكن أن يقال: إن الأولية المذكورة إضافية بالنسبة إلى المذكورين بعده من إبراهيم وموسى الذين كانوا أكثر أمة وأشهر أمرًا وأعظم شأنًا، واللَّه أعلم.

стр. 5241

سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمِ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ". قَالَ: "فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ كَذَبَهُنَّ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا". قَالَ: "فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ؛ قَتْلَهُ النَّفْسَ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ"، قَالَ: "فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا. . . . . ــ وقوله: (سؤاله ربه) (ربه) منصوب على أنه مفعول (سؤاله) والمراد به: سؤاله أن ابني من أهلي لإنجائه من الغرق. وقوله: (ثلاث كذبات) وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، و ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، وسارة أختي، ولم تكن كذبات إلا باعتبار الظاهر، ولكن شان المقربين أعلى وأخطر (١)، يؤخذون على ما لا يؤخذ عليه غيرهم. وقوله: (قتله النفس) وذلك قتله القبطي بالوكز المذكور في قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]. وقوله: (فيقول: لست هناكم ولكن ائتوا محمدًا) لم يذكر خطيئته ﵇، قالوا: لعله لاستحيائه من افتراء النصارى في حقه وحق أمه، وقد ورد ذلك في بعض الروايات، ويحتمل أنه ﵇ مع قطع النظر من ذلك لم يره مستحقًا للقيام في هذا المقام، أعني: فتح باب الشفاعة ابتداء لعامة الخلائق والمبادرة إليها، فإنه صعب جدًا لا يتيسر ولا يتصور حصوله إلا لمن كان مخصوصًا بغاية القرب والعزة في حضرة اللَّه تعالى، محمودًا محبوبًا عنده قولًا وفعلًا، وما هو إلا سيد المرسلين وإمام النبيين ﷺ ، ولهذا تأخر عن

стр. 5242

عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" قَالَ: "فَيَأْتُونِّي، ــ الإقدام عليه والدخول فيه النبيون المذكورون غاية أنهم ذكروا في الظاهر عذرًا لهم، ويدل عليه الحديث الآتي من قول كل واحد: (لست لها)، فافهم، واللَّه أعلم، وليس ذلك تواضعًا منهم وإكبارًا لما يسئلونه، كما قاله الطيبي (١). وقوله: (غفر اللَّه له ما تقدم وما تأخر) للناس في هذا أقوال، وأحسن الأقوال ما نقل السيوطي عن السبكي أنه قال في تفسيره (٢): وقد تأملت هذا الكلام مع ما قبله وما بعده فوجدته تشريفًا للنبي ﷺ من اللَّه من غير أن يكون هناك ذنب، ولكن أراد أن يستوعب في الآية جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية، والنعم الأخروية شيئان؛ سلبية، وهي عْفران الذنوب، وثبوتية وهي لا يتناهى، أشار إليها بقوله: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَا﴾ [الفتح: ٢]، والنعم الدنيوية شيئان؛ دينية أشار إليها بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، ودنيوية وهي قوله: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣]، فانتظم بذلك قدر النبي ﷺ بأنواع نعم اللَّه تعالى عليه المتفرفة في غيره، ولهذا جعل ذلك غاية للفتح المبين الذي عظمه ومجده بإسناده إليه هو في العظيمة، وجعله خاصًا بالنبي ﷺ . وقال بعض المحققين: المغفرة هنا كناية عن العصمة، فالمعنى ليعصمك اللَّه فيما تقدم من عمرك وفيما تأخر منه، وقد يكنى عن التخفيفات بلفظ المغفرة والعفو والتوبة، كقوله تعالى عند نسخ قيام الليل: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، وعند نسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣]، وعند نسخ تحريم الجماع ليلة الصيام: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].

стр. 5243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال في (الشفا) (١): قيل: إن النبي ﷺ لما أمر أن يقول: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] سر بذلك الكفار، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] أي: إنك مغفور لك غير مؤاخذ بذلك إن لو كان، أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن ابن عباس، وأخرجه أحمد والترمذي والحاكم عن أنس. وقال بعضهم: المغفرة هنا تبرئته من العيوب، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: فضل اللَّه نبينا ﷺ على سائر الأنبياء بوجوه: منها أن اللَّه تعالى أخبره أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولم ينقل أنه تعالى أخبر أحدًا من الأنبياء ﵈ بمثل ذلك، بل الظاهر أنه لم يخبرهم؛ لأن كل واحد إذا طلب منه الشفاعة في الموقف ذكر خطيئته، وإذا استشفعت الخلائق نبينا ﷺ في ذلك المقام قال: (أنا لها). وفي هذه أقوال مقبولة في هذه الآية، وأما غيرها فمنها مردودة، ومنها ضعيفة، فالمردودة أن المراد بـ ﴿مَا تَقَدَّمَ﴾ ما كان قبل النبوة، وبـ ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: عصمته عنها وهو مردود بأنه لم يقع منه ﷺ ذنب كبير ولا صغير أبدًا، وهو الحق الذي لا محيد عنه، وكذا ما قيل: إن المراد ما وقع في صغره من خروجه مع الغلمان يلعب، وذلك لا يليق بمقامه، ولم يثبت أن لعبه مع الغلمان كان لعب لهو، بل هذه اللفظة إن يثبت في حديث وجب تأويلها على ما يليق به. وقد روي أنه ﷺ كان يعدل وهو رضيع، وكان مرضعته حليمة تعطيه ثديها فيشرب منه، فإذا أعطته الثدي الآخر امتنع لعلمه بأن له شريكًا في الرضاعة، فهذه أجل من ترك اللعب وهو فوق ذلك السن.

стр. 5244

فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي فَيَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ". قَالَ: "فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، ــ وأما الأقوال الضعيفة فما قيل: ﴿مَا تَقَدَّمَ﴾: من ذنب أبويك آدم وحواء ﵉، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: من ذنوب أمتك، وهو ضعيف؛ لأن آدم ﵇ نبي معصوم وما ينسب إليه ذنب فهو يحتاج إلى تأويل، وأيضًا ذنب الغير لا يضاف إلى غير من صدر عنه بكاف الخطاب، وذنوب الأمة لم تغفر بل منهم من لا يغفر له، وقيل: المراد أنك بحال لو كان لك ذنوب ماضية ومستقبلة يغفرها لك جميعها، وقيل: المراد ما كان عن سهو وغفلة وتأويل، حكاه الطبري، واختاره القشيري، وقال مكي: مخاطبة النبي ﷺ هنا هي مخاطبة لأمته، واللَّه أعلم. وقوله: (فأستأذن على ربي في داره) أي: في الدخول في دار ربي، والإضافة للتشريف، والمراد المقام الخاص الذي لا يدخله أحد غيره، ويرفع فيه الحجاب، وقيل: ذلك تحت عرشه تعالى كما يأتي في حديث أبي هريرة. وقوله: (وسل تعطه) يحتمل أن يكون هاء السكت وأن يرجع إلى المفعول المحذوف. وقوله: (فيحد لي حدًّا) أي: يحد اللَّه تعالى حدًّا، ولا يجوز أن يكون على صيغة المجهول فيكون مسندًا إلى المصدر، أي: يوقع الحد، و (حدًّا) منصوب مفعول مطلق، ومعنى التحديد أن تعين طائفة من العصاة بالاستشفاع فيهم، مثل تاركي الصلاة، أو مرتكبي الزنا، أو شاربي الخمر مثلًا.

стр. 5245

فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّانِيَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ". قَالَ: "فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ــ (فأخرج) على صيغة المتكلم من الخروج، أي: أخرج من دار ربي، (فأخرجهم من النار) استشكل بأن أول الحديث كان في الاستشفاع للإراحة من الموقف، وآخره على أنه لإخراجهم من النار، وتوجيهه أن يقال: لعل المؤمنين كانوا فريقين: فريق يشار به إلى النار من غير توقف، وفريق حُبِسوا في المحشر، فذكر أولًا شفاعتهم ثم بين شفاعة الآخرين، والشفاعة أقسام كما ذكرنا في أول الباب، فذكر منها القسمان وتركت الأقسام الأخر، ففي الكلام اختصار القول، هكذا ذكروا. ويمكن أن يقال: إن المراد إخراجهم من النار التي استحقوا دخولها، فإن آخر أمر العصاة أن يدخلوا النار، فأزال عنهم هذه البلية بالشفاعة لهم في أول الأمر، فلم يدخلوا، وهو المراد بإخراجهم من النار، لا الإخراج منها بعد دخولها بالفعل، وهذا كما يقال: أخرجه من هذه الورطة بأن فعل به ما لم يوجب دخوله فيها، وأما القول بأنّ المراد بالنار: شدة الحر من دنو الشمس، وبالإخراج الخلاص منها فبعيد، (قال) أي: النبي ﷺ ، ففي قوله: (نبيكم) وضع المظهر موضع المضمر، أو قال الراوي فهو على ظاهره. وقوله: (بثناء وتحميد يعلمنيه) يحتمل أن يكون هذا التحميد هو التحميد السابق أو غيره، ويؤيده قوله في الحديث الآخر: و (يلهمني محامد فأحمد بتلك المحامد)، واللَّه أعلم.

стр. 5246

ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ". قَالَ: "فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ قَدْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ" أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ، ثُمَّ تَلَا هَذِه الآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: "وَهَذَا الْمقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعَدَهَ نبَيَّكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٦٥، م: ١٩٣]. ٥٥٧٣ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: اشْفَع إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّه، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونِّي فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا، لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، ــ ٥٥٧٣ - [٨] (وعنه) قوله: (ولكن عليكم بإبراهيم) ليس فيه ذكر نوح (١).

стр. 5247

فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأقولُ: يَارَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ فَأَنْطَلِقُ فَأفْعَلُ، ثم أَعُودُ الرَّابِعَةَ فأحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِد ثُمَّ أَخِرُّ لهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ: وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥١٠، م: ١٩٣]. ــ وقوله: (فأقول: يا رب! أمتي أمتي) المفهوم من ظاهر الحديث السابق أن القضية المذكورة كانت في الناس كلهم، وهذا يدل على تخصيص هذه الأمة، فإما أن يكون قضيتين، وإما أن يكون الابتداء بالأمة والانتهاء إليهم، واللَّه أعلم. وقوله: (مثقال شعيرة من إيمان) أي: من ثمراته من القوة والازدياد، أو العمل والطاعة، وكذا في أخواته، وأما قوله: (فيمن قال: لا إله إلا اللَّه) فالمراد نفس الإيمان من غير اعتبار قوته وازدياده، ولذا قال: (من قال: لا إله إلا اللَّه)، أي: لم يزد على

стр. 5248

٥٥٧٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩٩]. ٥٥٧٥ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً ثُمَّ قَالَ: "أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَتَدْنُوْ الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَّشْفعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُم؟ فَيَأْتُونَ آدَمَ". وَذَكرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ وَقَالَ: "فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ! أُمَّتِي يَا رَبِّ! أُمَّتِي يَا رَبِّ! فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! . . . . . ــ ذلك شيئًا. ٥٥٧٤ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (أسعد الناس بشفاعتي) أي: أفوزهم لكونهم أحوج الناس، وأما الذي له أعمال حسنة زائدة على الناس فهم أيضًا فائزون بشفاعتي ومستسعدون بها، أما هؤلاء فهم أحوج وأسعد. وقوله: (من قلبه أو نفسه) من شك الراوي. ٥٥٧٥ - [١٠] (وعنه) قوله: (فنهس منها نهسة) الرواية المشهورة بالسين المهملة، وقد يروى بالمعجمة، والأول الأخذ بأطراف الأسنان، والثاني بالأضراس. وقوله: (لم يفتحه على أحد قبلي) بل عليّ أيضًا قبل هذا المقام.

стр. 5249

أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ" ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧١٢، م: ١٩٤]. ٥٥٧٦ - [١١] وَعَنْ حُذَيْفَةَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٥]. ــ وقوله: (إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة) المصراعان: قطعتان من باب واحد تغلقان على منفذ واحد، يكون الداخل في وسطهما، كمصراعي البيت من الشعر شبها بهما، وأصله من الصرع بمعنى الدفع والإلقاء، وقال في (مشارق الأنوار) (١): أي من أبوابها، والمصراع: الباب، ولا يقال مصراع حتى يكونا اثنين، انتهى، فيكون المقصود بيان سعة الباب، وقال الطيبي (٢): المصراعان: البابان المغلقان على منفذ واحد. (وهجر) اسم لموضعين، أحدهما من قرى المدينة وهو المراد في حديث: (إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم يحمل الخبث) (٣)، وقيل: من قرى البحرين، قيل: والصحيح أن المراد هنا الأخير. ٥٥٧٦ - [١١] (حذيفة) قوله: (فتقومان جنبتي الصراط) بفتح النون بمعنى

стр. 5250

٥٥٧٧ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وَقالَ عِيسَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي" وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فَسَلْهُ مَا يُبْكِيهِ؟ . فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: . . . . . ــ الجنب بسكونها، والْجَنْبُ والجانب والجَنَبَة: شِقُّ الإنسان وغيره، كذا في (القاموس) (١)، أي: ناحيتيه للمحاجة للأمين والواصل، وعلى الخائن والقاطع، وذلك بأن يُمثلا على صورتين، أو هو كناية عن عظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما. ٥٥٧٧ - [١٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وقال عيسى) (قال) هنا بمعنى القول مصدرًا عطفًا على قول اللَّه. وقوله: (﴿إِنَّهُنَّ﴾) أي: الأصنام (﴿أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾) آخر الآية: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وآخر قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ومعنى الشفاعة إنما يفهم من آخر الآيتين، والحاصل أنه ﷺ ذكر شفاعة هذين النبيين المكرمين لأمتهما، فذكر أمته ورقّ وشفع لهم، وشتان ما بين الشفاعتين، فإن شفاعتهما بصيغة الشرط والتردد، وشفاعته بالجزم والقطع، وذلك لغاية جاهه وعزته ومكانته عند ربه ، ولا يخفى ما في جوابه تعالى له من التقرير والتأكيد، وما في

стр. 5251

إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢]. ٥٥٧٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أُنَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ الشَّمْسِ بِالظَهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ " قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبَدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ــ الحديث من غاية لطفه تعالى بهذا الرسول الكريم، وعظم منزلته ولطفه، وما فيه من البشارة لهذه الأمة المرحومة الملطوفة، اللهم إنا نسألك بجاه محمد ﷺ أن تغفر لنا، وترحمنا في الدنيا والآخرة، آمين، وشفاعته بدعوته. وقوله: (ولا نسوؤك) أي: لا نحزنك. ٥٥٧٨ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (هل تضارون) قد سبق شرحه وبيان ما فيه من الروايات في (باب الحساب) في حديث أبي هريرة فلا نعيده، و (الصحو) ذهاب الغم، أصحت السماء: إذا خلت عن الغيم، (ليس معها) أي: مع الشمس. وقوله في ذكر القمر: (ليس فيها) أي: في ليلة البدر. وقوله: (ليتبع) بصيغة الأمر مع اللام. و (الأنصاب) جمع نصب وهو بضم النون والصاد وسكونها، وجاء بفتح النون والصاد: حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية ويتخذونه صنمًا فيعبدونه، وجمعه أنصاب، وقيل: هو حجر كانوا ينصبونه ويذبحون عليه فيحمرّ

стр. 5252

حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ: . . . . . ــ بالدم، وفي حديث إسلام أبي ذر: (كأني نصب أحمر) يريد: أنهم ضربوه حتى أدموه، فصار كالنصب المحمر بدم الذبائح، وقد عطف على الأصنام، فإن كان النصب أحجارًا فالعطف ظاهر، وإن كان معبودًا فتفسيري، وفي (شرح جامع الأصول) (١): الأنصاب: أحجار، وقيل: أصنام، وفي (القاموس) (٢): هو بضمتين: ما عُبِدَ من دون اللَّه، وقول الطيبي (٣): هي حجارة كانت تنصب وتعبد من دون اللَّه، ويذبحون عليها تقربًا إلى آلهتهم، جمع بين المعنيين، وإشارة إلى أن نصبهم الحجارة والذبح عليها ليس إلا لاعتقاد معبوديتها. وقوله: (أتاهم رب العالمين) أي: أمره، أو تجلى وتقرب، أو أتاه ملك من ملائكته، وقالوا: إن الرؤية التي هي ثواب المؤمنين في الجنة غير هذه الرؤية المذكورة، وهذه امتحان من اللَّه تعالى، فيقع بها التمييز بين من عبد اللَّه وبين من عبد الطواغيت، ليتبع كل من الفريقين معبوده، والآخرة وإن كانت دار جزاء فقد يقع فيها الامتحان، كما أن الدنيا دار امتحان وقد يقع فيها الجزاء، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] بدليل أن القبر هو أول منزل من منازل الآخرة يجري فيه الابتلاء، ولقد أشبع الطيبي (٤) الكلام في هذا المقام بما لا مزيد عليه نقلًا عن بعض شراح الحديث فلينظر ثمة.

стр. 5253

فَمَاذَا تَنْظُرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِم وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ". ٥٥٧٩ - [١٤] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاه". وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: "فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، ــ وقوله: (فماذا تنظرون؟ ) أي: أيّ شيء تنظرون لِمَ لا تتبعوهم (قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا) أي: ما اتبعناهم. وقوله: (أفقر) حال من ضمير (فارقنا)، و (ما) مصدرية حينية، أي: عند أفقر أوقات كوننا محتاجين إليهم فكيف نتبعهم الآن وهم مع ما يعبدون حصب جهنم. ٥٥٧٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فيكشف عن ساق) هذا مما يجب فيه التوقف عند السلف أو يأول بالكشف عن أمر فظيع، وقد مر تأويله في (باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)، وقيل: المراد النور العظيم، وقيل: جماعة من الملائكة، وروي (يكشف عن ساقه) معروفًا ومجهولًا. وقوله: (من تلقاء نفسه) أي: من جانبها وجهتها، أي: بالإخلاص من غير ملاحظة الخلق وما سواه تعالى، وخوف واتقاء من الناس أو السيف لمقابلة قوله: (اتقاء ورياء). وقوله: (طبقة واحدة) أي: من غير فاصل بين فقراته، وهذا ما قال اللَّه سبحانه:

стр. 5254

كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرَفِ الْعَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيح، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ، وَالرِّكَابِ؛ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوشٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ــ ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، قد يستدل به على جواز تكليف ما لا يطاق، وأقول: الخلاف فيه إنما بالتكليف في دار الدنيا التي يطلب فيها الفعل، وأما هاهنا فالمقصود هو التميز والتفرقة بين المخلصين والمنافقين، فهو في حكم جزاء الأعمال. و (تحل) بكسر الحاء وضمها، أي: تقع الشفاعة ويؤذن فيها. وقوله: (ويقولون) أي: الأنبياء، وقد صرح به في حديث أبي هريرة من قوله: (وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم)، والظاهر أنهم يطلبون ذلك لأممهم، أي: سلمهم من تعب الصراط، وضرره وسقوطهم في النار. و (أجاويد) جمع أجواد وهو الفرس السابق الجيد. و (الركاب) بكسر الراء: الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من لفظها. وقوله: (ومخدوش) خدشه: خمشه، وخدش الجلد: مزقه، قلّ أو كثر، أو قشره بعود ونحوه، والخدش اسم لذلك الأثر أيضًا. وقوله: (مرسل) أي: متروك مطلق مخلص، والإرسال: الإطلاق والإهمال، و (مكدوش) في (القاموس) (١) كدشه: خدشه، وضربه بسيف أو رمح، ودفعه دفعًا عنيفًا، وقطعه وساقه وطرده.

стр. 5255

حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. . . . . ــ وقال القاضي عياض في (المشارق) (١): (مكدوش) بالشين المعجمة للعذري، ولغيره في "الصحيحين" بالمهملة، فـ (مكدوس) مثل: (مخدوش) في الحديث الآخر، ومثل (مخردل) في الآخر، قال ابن دريد: كدشه: إذا قطعه بأسنانه قطعًا، كما يقطع القثاء وما أشبهه، وقد يكون أيضًا مرميًا مطروحًا فيها، وقال صاحب (العين): الكدش: السوق، ويكون هذا معنى مكدوس بالمهملة في الرواية الأخرى، أي: مطروح على غيره، والتكديس: طرح الشيء بعضه على بعض، ويروى: ومنهم المكردس بالراء والدال المهملة وبالسين المهملة، أي: الموثق الملقى في النار، وقد يكون بمعنى المكدوس المتقدم، أي: يلقى على غيره بعضهم على بعض، من قولهم لكتائب الخيل: كراديس لاجتماعها، والتكردس: التجمع، انتهى. ويقال: كردس القائد خيله: إذا جعلها كتيبة، وفي (القاموس) (٢): الكردوسة بالضم: قطعة عظيمة من الخيل، والكردسة: الوثاق، ومشي في تقارب خَطْو كالمقيد والسَّوْق العنيف، وكُردِسَ بالضم: جمعت يداه ورجلاه، وتكردس: انقبض واجتمع. وقوله: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار) أس ي: خرج المؤمنون المكدوسون الذين سقطوا في النار، أي: بعضهم بعد رؤية العذاب بقدر ذنوبهم، وفيه دليل على أن المؤمنين لا يخلدون في العذاب. وقوله: (فوالذي نفسي بيده. . . إلخ)، جواب (إذا) يعني أنهم إذا خرجوا من النار شفعوا وناشدوا لإخوانهم الذين ألقوا في النار ولم يخرجوا بعد لكثرة معاصيهم.
следующие страницы →