← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢]. ٥٥٧٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أُنَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ الشَّمْسِ بِالظَهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ " قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبَدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ــ الحديث من غاية لطفه تعالى بهذا الرسول الكريم، وعظم منزلته ولطفه، وما فيه من البشارة لهذه الأمة المرحومة الملطوفة، اللهم إنا نسألك بجاه محمد ﷺ أن تغفر لنا، وترحمنا في الدنيا والآخرة، آمين، وشفاعته بدعوته. وقوله: (ولا نسوؤك) أي: لا نحزنك. ٥٥٧٨ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (هل تضارون) قد سبق شرحه وبيان ما فيه من الروايات في (باب الحساب) في حديث أبي هريرة فلا نعيده، و (الصحو) ذهاب الغم، أصحت السماء: إذا خلت عن الغيم، (ليس معها) أي: مع الشمس. وقوله في ذكر القمر: (ليس فيها) أي: في ليلة البدر. وقوله: (ليتبع) بصيغة الأمر مع اللام. و (الأنصاب) جمع نصب وهو بضم النون والصاد وسكونها، وجاء بفتح النون والصاد: حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية ويتخذونه صنمًا فيعبدونه، وجمعه أنصاب، وقيل: هو حجر كانوا ينصبونه ويذبحون عليه فيحمرّ

стр. 5252

حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ: . . . . . ــ بالدم، وفي حديث إسلام أبي ذر: (كأني نصب أحمر) يريد: أنهم ضربوه حتى أدموه، فصار كالنصب المحمر بدم الذبائح، وقد عطف على الأصنام، فإن كان النصب أحجارًا فالعطف ظاهر، وإن كان معبودًا فتفسيري، وفي (شرح جامع الأصول) (١): الأنصاب: أحجار، وقيل: أصنام، وفي (القاموس) (٢): هو بضمتين: ما عُبِدَ من دون اللَّه، وقول الطيبي (٣): هي حجارة كانت تنصب وتعبد من دون اللَّه، ويذبحون عليها تقربًا إلى آلهتهم، جمع بين المعنيين، وإشارة إلى أن نصبهم الحجارة والذبح عليها ليس إلا لاعتقاد معبوديتها. وقوله: (أتاهم رب العالمين) أي: أمره، أو تجلى وتقرب، أو أتاه ملك من ملائكته، وقالوا: إن الرؤية التي هي ثواب المؤمنين في الجنة غير هذه الرؤية المذكورة، وهذه امتحان من اللَّه تعالى، فيقع بها التمييز بين من عبد اللَّه وبين من عبد الطواغيت، ليتبع كل من الفريقين معبوده، والآخرة وإن كانت دار جزاء فقد يقع فيها الامتحان، كما أن الدنيا دار امتحان وقد يقع فيها الجزاء، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] بدليل أن القبر هو أول منزل من منازل الآخرة يجري فيه الابتلاء، ولقد أشبع الطيبي (٤) الكلام في هذا المقام بما لا مزيد عليه نقلًا عن بعض شراح الحديث فلينظر ثمة.

стр. 5253

فَمَاذَا تَنْظُرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِم وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ". ٥٥٧٩ - [١٤] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاه". وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: "فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، ــ وقوله: (فماذا تنظرون؟ ) أي: أيّ شيء تنظرون لِمَ لا تتبعوهم (قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا) أي: ما اتبعناهم. وقوله: (أفقر) حال من ضمير (فارقنا)، و (ما) مصدرية حينية، أي: عند أفقر أوقات كوننا محتاجين إليهم فكيف نتبعهم الآن وهم مع ما يعبدون حصب جهنم. ٥٥٧٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فيكشف عن ساق) هذا مما يجب فيه التوقف عند السلف أو يأول بالكشف عن أمر فظيع، وقد مر تأويله في (باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)، وقيل: المراد النور العظيم، وقيل: جماعة من الملائكة، وروي (يكشف عن ساقه) معروفًا ومجهولًا. وقوله: (من تلقاء نفسه) أي: من جانبها وجهتها، أي: بالإخلاص من غير ملاحظة الخلق وما سواه تعالى، وخوف واتقاء من الناس أو السيف لمقابلة قوله: (اتقاء ورياء). وقوله: (طبقة واحدة) أي: من غير فاصل بين فقراته، وهذا ما قال اللَّه سبحانه:

стр. 5254

كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرَفِ الْعَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيح، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ، وَالرِّكَابِ؛ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوشٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ــ ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، قد يستدل به على جواز تكليف ما لا يطاق، وأقول: الخلاف فيه إنما بالتكليف في دار الدنيا التي يطلب فيها الفعل، وأما هاهنا فالمقصود هو التميز والتفرقة بين المخلصين والمنافقين، فهو في حكم جزاء الأعمال. و (تحل) بكسر الحاء وضمها، أي: تقع الشفاعة ويؤذن فيها. وقوله: (ويقولون) أي: الأنبياء، وقد صرح به في حديث أبي هريرة من قوله: (وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم)، والظاهر أنهم يطلبون ذلك لأممهم، أي: سلمهم من تعب الصراط، وضرره وسقوطهم في النار. و (أجاويد) جمع أجواد وهو الفرس السابق الجيد. و (الركاب) بكسر الراء: الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من لفظها. وقوله: (ومخدوش) خدشه: خمشه، وخدش الجلد: مزقه، قلّ أو كثر، أو قشره بعود ونحوه، والخدش اسم لذلك الأثر أيضًا. وقوله: (مرسل) أي: متروك مطلق مخلص، والإرسال: الإطلاق والإهمال، و (مكدوش) في (القاموس) (١) كدشه: خدشه، وضربه بسيف أو رمح، ودفعه دفعًا عنيفًا، وقطعه وساقه وطرده.

стр. 5255

حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. . . . . ــ وقال القاضي عياض في (المشارق) (١): (مكدوش) بالشين المعجمة للعذري، ولغيره في "الصحيحين" بالمهملة، فـ (مكدوس) مثل: (مخدوش) في الحديث الآخر، ومثل (مخردل) في الآخر، قال ابن دريد: كدشه: إذا قطعه بأسنانه قطعًا، كما يقطع القثاء وما أشبهه، وقد يكون أيضًا مرميًا مطروحًا فيها، وقال صاحب (العين): الكدش: السوق، ويكون هذا معنى مكدوس بالمهملة في الرواية الأخرى، أي: مطروح على غيره، والتكديس: طرح الشيء بعضه على بعض، ويروى: ومنهم المكردس بالراء والدال المهملة وبالسين المهملة، أي: الموثق الملقى في النار، وقد يكون بمعنى المكدوس المتقدم، أي: يلقى على غيره بعضهم على بعض، من قولهم لكتائب الخيل: كراديس لاجتماعها، والتكردس: التجمع، انتهى. ويقال: كردس القائد خيله: إذا جعلها كتيبة، وفي (القاموس) (٢): الكردوسة بالضم: قطعة عظيمة من الخيل، والكردسة: الوثاق، ومشي في تقارب خَطْو كالمقيد والسَّوْق العنيف، وكُردِسَ بالضم: جمعت يداه ورجلاه، وتكردس: انقبض واجتمع. وقوله: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار) أس ي: خرج المؤمنون المكدوسون الذين سقطوا في النار، أي: بعضهم بعد رؤية العذاب بقدر ذنوبهم، وفيه دليل على أن المؤمنين لا يخلدون في العذاب. وقوله: (فوالذي نفسي بيده. . . إلخ)، جواب (إذا) يعني أنهم إذا خرجوا من النار شفعوا وناشدوا لإخوانهم الذين ألقوا في النار ولم يخرجوا بعد لكثرة معاصيهم.

стр. 5256

مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ -قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ للَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: . . . . . ــ وقوله: (يقولون: ربنا) بيان للمناشدة. وقوله: (ما من أحد منكم بأشد مناشدة في الحق -قد تبين لكم- من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار) لا بد من بيان إعراب هذا التركيب، فقوله: (بأشد) خبر (ما)، و (مناشدة) أي: مطالبة ومساءلة تمييز، (وفي الحق) ظرف للمناشدة، و (قد تبين) صفة لـ (الحق) لكونه في المعنى كالنكرة، أي: حق تبين وظهر لكم ثبوته على خصمكم، أو حال وإنما قيد بهذا؛ لأنه تكون المناشدة والمطالبة فيه أكثر وأشد، و (من المؤمنين) متعلق (بأشد) تعلق (من) التفضيلية باسم التفضيل، وهو من قبيل وضع المظهر موضع المضمر والظاهر منكم، كذا قال الطيبي (١)، ولو أريد بالمخاطبين في (منكم): الحاضرون في الدنيا، وبـ (المؤمنين) في (من المؤمنين): المؤمنون المناشدون للَّه تعالى الشافعون في الآخرة لم يكن من وضع المظهر، بل هذا أوضح وأظهر في المعنى. نعم الظاهر (منهم) برجوع الضمير إلى (المؤمنين) المذكورين قبل، فلو قيل: إنه من وضع المظهر موضع المضمر بهذا الاعتبار لكان له وجه، فافهم، والمعنى أن المؤمنين الذين خرجوا من النار أشد مناشدة للَّه تعالى وأكثر مطالبة وسؤالًا منه لإخراج المؤمنين الذين بقوا في النار بمعاصيهم من القوم الذين يناشدون في الحق الصريح الذي تبين ثبوته على خصمائهم، فإن هؤلاء يناشدون ويطالبون الحق غاية جهدهم،

стр. 5257

أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ. فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُم فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيِّرًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: شُفِّعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشُفِّعَ النَّبِيُّونَ، وَشُفِّعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، ــ والمؤمنون أشد مناشدة للَّه ومطالبة منهم. وقوله: (فتحرم) بالتشديد (صورهم) أي: وجوههم (على النار) ليعرفوا. وقيل: الضمير للداخلين. وقوله: (ممن أمرتنا به) أي: بإخراجه والمأمور به إخراج من عرفتم، ولعل المراد ممن عرفتم أنه من أهل الخير والصلاح، وهو الظاهر من سياق الحديث، فالمراد بالخير ما هو زائد على أصل الإيمان سواء كان من أعمال الجوارح أو القلب. وقوله: (لم نذر فيها خيرًا) أي: لم ندع في النار أحدًا ممن كان فيه خير زائد على أصل الإيمان. وقوله: (شفعت الملائكة وشفع النبيون) لم يقع في هذا الحديث ذكر لشفاعة الملائكة والنبيين وكأنه سبق منهم شفاعة ثم شفع بعدهم المؤمنون، ولكنه لم يذكر واقتصر على ذكر شفاعة المؤمنين لغرابتها ووقوعها على أشد الوجوه وأوكدها.

стр. 5258

فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الْحَيَاةِ. . . . . ــ وقوله: (قد عادوا) أي: صاروا، و (الحمم) جمع حمة بمعنى الفحمة، ولعل المراد: صاروا كالحمم وسودًّا، محرقين. وقوله: (في أفواه الجنة) يتراءى في الظاهر أنه جمع فوه الذي بمعنى فم، ولكنهم جعلوه جمع فوّهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة هي من الطريق والوادي: فمه، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): فوهة بالضم والتشديد: دهانه كوى، ودهانه جوى، أفواه جماعة، وفي (المشارق) (٣): يقال: فوهة النهر والطريق، مضموم الفاء مشدد الواو، أي: فمه وأوله، كأنه يريد مفتتحات مسالك قصور الجنة ومنازلها. وفي (النهاية) (٤): يقال لأول الزقاق والنهر: فوهته، بضم الفاء وتشديد الواو، وقال النووي: أفواه السكك، أي: أبواب الطرق، وقال الطيبي (٥): الأفواه جمع فوهة، بضم الفاء وتشديد الواو، وهو جمع سمع من العرب على غير القياس، وأفواه الأزقة والأنهار: أوائلها، انتهى. ولا يذهب عليك أن ذلك باعتبار التشبيه بالضم، ولكنه قد جاء (فوهة) بهذا المعنى فجعلوا الأفواه جمعًا لها، فتدبر.

стр. 5259

فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ــ وقوله: (فيخرجون) أي: من ذلك النهر (كما تخرج الحبة) قال في (المشارق) (١): هي بكسر الحاء وتشديد الباء، قال الفراء: بذر البقل، وقال الكسائي: هو حب الرياحين بالفتح، وقال أبو عمرو: هو نبت ينبت في الحشيش الصغار، وقال النضر بن شميل: الحبة بكسر الحاء: اسم جامع لحبوب البقل التي تنتشر إذا هاجت الريح، فإذا أمطرت السماء من قابل نبتت، والحبة من العنب حبة بالفتح، وحب الحبة الذي داخلها، وقال الحربي: ما كان من النبت له حب، فاسم ذلك الحب الحبة، وقال غيره: فأما الحنطة ونحوها فهو الحب لا غير، وقالوا: الحبة فيما هو حبوب مختلفة. وقال ابن دريد: وهو جميع ما تحمله البقول من ثمرة، وجمعه حبب، وتشبيهه نباتهم بنبات الحبة لوجهين؛ أحدهما: بياضها كما ذكر في الحديث فيهم وفيها، والثاني: سرعة نباتها؛ لأنها تنبت في يوم أو ليلة، انتهى. والأولى كما قال الطيبي: إنه إنما شبهه سرعة نباته وحسنه وطراوته؛ لأن وجود البياض في المشبه به محل خفاء كما في المشبه، كيف وقد يأتي في الحديث الآتي: (أنها تخرج صفراء)، وأما ما ذكر القاضي من ذكره في الحديث، فكأنه أراد قوله ﷺ : (كاللؤلؤ)، جاء في حديث آخر، واللَّه أعلم. وقوله: (في حميل السيل) في (المشارق) (٢): هو ما حمله السيل من طين وغثاء، والحميل بمعنى المحمول كقتيل بمعنى المقتول، وقال الحربي: فيه وجه آخر: أن الحميل ما لم يصبك مطره ومر عليك سيله، كالحميل من الناس من حمل إليك ممن

стр. 5260

فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَن أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ بِغَيْر عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٠٦، م: ١٨٢]. ٥٥٨٠ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرَجُونَ قَدِ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوَيَةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٦٠، م: ١٨٤]. ــ لم يولد بأرضك، وكذلك من نزل بقوم منهم يقال له: حميل. وقوله: (في رقابهم الخواتم) المراد به العلامات ليمتازوا عن الخارجين من النار بالعمل الصالح. وقوله: (لكم ما رأيتم ومثله معه) قال الطيبي (١): فيه حذف، أي: ينظرون في الجنة إلى أشياء، فيقال: لكم ما رأيتم ومثله معه، انتهى. ويمكن أن يكون (ما رأيتم) عبارة عما فضل اللَّه تعالى عليهم من إخراجهم من النار وإدخالهم الجنة، أي: لكم ما شاء من العناية والكرم ومثله معه من نعيم الجنة وأنواع العطايا فيها. ٥٥٨٠ - [١٥] (وعنه) قوله: (قد امتحشوا) في (القاموس) (٢): المحش: قشر الجلد من اللحم، وفي (النهاية) (٣): المحش: احتراق الجلد وظهور العظم. قال

стр. 5261

٥٥٨١ - [١٦] وَعَن أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَذَكرَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، غَيْرَ كَشْفِ السَّاقِ وَقَالَ: "يُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَّجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيْبُ. . . . . ــ القاضي عياض (١): امتحشوا وامتحشت، ضبطه أكثرهم: بضم التاء وكسر الحاء على ما لم يسم فاعله، وضبطناه على أبي بحر بفتح التاء والحاء في الأول، وضبط الأصيلي في الآخر بفتحهما أيضًا، يقال: محشته النار: أحرقته، وقال ابن قتيبة: محش النار وامتحش، وحكى يعقوب أمحشه الحر: أحرقه، وقال غيره: ولا يقال: محشته في هذا بمعنى أحرقته، وحكى صاحب (الأفعال) الوجهين بمعنى أحرقته، قال: ومحشت لغة، وأمحشت المعروف، ويقال: امتحش فلان غضبا، أي: احترق، وقال الداودي: انقبضوا واسودوا. ٥٥٨١ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (فاكون أول من يجوز من الرسل بأمته) ظاهره أنه ﷺ يجوز ويمر على الصراط مع أمته تحلة للقسم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، وقد اختلف في ذلك، وخص ﷺ من هذا العموم، ويجوز أن تجعل الباء للتعدية بمعنى: يجيز أمته واقفًا عليه حاضرًا عنده، واللَّه أعلم. وقوله: (في جهنم كلاليب) جمع كلوب بفتح كاف وتشديد لام مضمومة: حديدة لها شعب يعلق به اللحم، وفي (النهاية) (٢): هو بالتشديد: حديدة مُعْوَجَّة

стр. 5262

مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ، ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ــ الرأس، وقد سبق في (باب الرؤيا). (والسعدان) بفتح السين وسكون العين والمهملة: نبت من أفضل مراعي الإبل، ومنه (مرعى ولا كالسعدان) وله شوك يشبه حلمةَ الثدي، وفي (الصحاح) (١): ولهذا النبت شوك يقال له: حسك السعدان، وفي (مجمع البحار) (٢) عن النووي: هو بفتح سينه وسكون عينه: نبت له شوك عظيم مثل الحسك من كل الجوانب. وقوله: (تخطف) في (القاموس) (٣): خطف الشيء كسمع وضرب، أو هذه قليلة أو رديئة: استلبه، انتهى. وقد قرئ في قوله تعالى: ﴿يَخْطَفُ﴾ [البقرة: ٢٠] بالكسر أيضًا. وقوله: (من يوبق بعمله) في (القاموس) (٤): وبق كوعد، ووجِل، ووَرِث، وُبُوقًا ومَوبِقًا: هلك، وأوبقه: حبسه أو أهلكه، (ومنهم من يخردل) أي: يقطع، وهو كالمخدوش والمكدوش كما مر، يعني أن الكافر يهلك ولا ينجو، والمؤمن الفاسق يقطع ويخدش ثم ينجو.

стр. 5263

أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونهمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجنَّةِ والنارِ وَهُوَ آخرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! اصْرِفْ وَجْهِي عَن النَّار قَد قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. . . . . ــ وقوله: (أمر الملائكة) إما بعد شفاعتهم، أو شفاعة الأنبياء والرسل، أو شفاعة المؤمنين. وقوله: (إلا أثر السجود) أي: موضع أثر السجود، والمراد الجنس، فيشمل جميع أعضاء السجود، والتخصيص بالجبهة لا وجه له إلا باعتبار المواجهة أو شرفه. وقوله: (فيصب عليهم ماء الحياة) لا منافاة بينه وبين ما ورد: (أنهم يدخلون في نهر الحياة)، فيجوز أن يكون الصب بإلقائهم في نهرها. وقوله: (وقد قشبني) القشب: الخلط، وسقي السم، والإصابة بالمكروه المستقذر، وقشبني ريحه: آذاني، وقال في (المشارق) (١): معناه سَمَّنَي وآذاني، والقشب: السم، ويقال: قشبه الدخان: إذا ملأ خياشيمه. وقوله: (وأحرقني ذكاؤها) في (المشارق) (٢): أي شدة حرها والتهابها، كذا هو بفتح الدال ممدودًا عند الرواة، والمعروف في شدة حر النار القصر، إلا أن أبا حنيفة

стр. 5264

فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَفْعَلْ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُول: لَا وَعِزَّتِكَ، فيُعطِي اللَّهَ مَا شاءَ اللَّهُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فإِذا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَأى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ! قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: أَلَيْسَ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ. . . . . ــ ذكر فيه المد، وخطأه فيه علي بن حمزة في ردوده، يقال منه: ذكت النار تذكو ذكًا وذكوًا، ومنه: ذكا الطيب: انتشار ريحه، وأما الذكاء ممدودًا فتمام السن وذكاء القلب، انتهى. وفي (القاموس) (١): ذكت النار ذُكُوًّا [ذكًا]، وذكاء بالمد عن الزمخشري، واستذكت: اشتد لهبها. وقوله: (هل عسيت) معنى الرجاء راجع إلى المخاطب كالترجي في: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]. وقوله: (فيعطي اللَّه) فاعله ضمير الرجل، (فإذا أقبل به على الجنة) لعل الباء للتعدية، أي: أقبله اللَّه تعالى. وقوله: (لا أكون أشقى خلقك) بأن أكون خارج الجنة، والمؤمنون فيها، فلا أقل من أن أكون عند بابها، والشقا: الشدة والعُسْر، ويمد، كذا في (القاموس) (٢). وقوله: (فما عسيت) (ما) استفهامية، و (أعطيت) بلفظ المجهول.

стр. 5265

فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَسَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ! مَا أَغْدَرَكَ، أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ: تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): تَمَنَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشْرَةُ أَمْثَالِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٠٦، م: ١٨٢]. ــ وقوله: (فيقول: لا وعزتك) فإن قلت: كيف لم يعاتبه اللَّه تعالى على نقض العهد والحنث في اليمين؟ قلت: حاله حال الولهان والمجانين فيعذروا، وأيضًا ليست تلك دار التكليف فلا مؤاخذة. وقوله: (يا رب! لا تجعلني أشقى خلقك) ذكر في هذه المرة بصيغة الدعاء تضرعًا وإلحاحًا لكثرة النقض والعذر، ولذلك لا يزال يدعو حتى يضحك اللَّه تعالى أي: يرضى منه غاية الرضاء. وقوله: (أقبل يذكره ربه) من باب تنازع الفعلين في الفاعل. وقوله: (يذكره) من التذكير، و (ربه) تنازع فيه الفعلان، ويحتمل المذهبين.

стр. 5266

٥٥٨٢ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ! لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ! . . . . . . ــ ٥٥٨٢ - [١٧] (ابن مسعود) قوله: (ويكبو مرة) في (القاموس) (١): كبا يكبو كَبْوًا وكُبُوًا: انكبّ على وجهه. وقوله: (وتسفعه النار) في (القاموس) (٢): سفع الشيء كمنعه: أعلمه، ووَسَمَه، والمعنى تعلمه النار، وتسميه علامة ووسمة منها بأن تلفحه لفحًا يسيرًا فيتغير لون بشرته، ويظهر فيه أثر منها من احتراق بعض أعضائه واسوداد من لفحها، وأصل السفع: سواد في الوجه، قال الأصمعي: هو حمرة يعلوها سواد. وقوله: (ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين) كلام وقع من غاية الفرح والسرور، وليس المراد حقيقته، بل المراد: أعطاني شيئًا كثيرًا عظيمًا. وقوله: (فترفع له شجرة) أي: تظهر رفيعًا. وقوله: (فلأستظل) أحد الحرفين الفاء واللام زائدة زيدت للتأكيد واللام مكسورة مقدرة بعدها (أن) ناصبة. وقوله: (وأشرب من مائها) ظن من غلبة الظمأ أنه يكون تحتها ماء أو لجريان

стр. 5267

وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيرَهَا، وَربُهُ يُعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنيتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يُعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ! هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يُعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا سَمِعَ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَي رَبِّ! أَدْخِلْنِيهَا فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! . . . . . ــ العادة، أو على الاحتمال. وقوله: (وربه يعذره) أي: يجعله معذورًا، وأصل الإعذار: إزالة العذر، وقد يكون بمعنى العذر، يقال: عذرته فيما صنع عذرًا من باب ضرب: رفعت عنه اللوم، فهو معذور، أي: غير ملوم، وأعذرته بالألف لغة، واعتذر، أي: طلب قبول معذرته، واعتذر عن فعله، أي: أظهر عذره، كذا في بعض الشروح. وقوله: (يا رب! هذه) أي: هذه أسألك ولا أسأل غيرها.

стр. 5268

مَا يَصْرِيْنِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَن أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا. قَالَ: أَيْ رَبِّ! أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ " فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلا تَسْأَلُونيّ مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ حِيْنَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيْرٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٧]. ٥٥٨٣ - [١٨] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ " إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ وَزَادَ فِيهِ: . . . . . ــ وقوله: (ما يصريني منك؟ ) في (المشارق) (١): بفتح الياء وسكون الصاد، وكذا الرواية، أي: من يقطعني، والصري: القطع، وقال الحربي: إنما هو (يصريك عني) أي: يقطعك عن مسألتي، انتهى، وقد تحمل الرواية الأولى على القلب؛ لأن الرواية صحيحة فلا بد من تأويلها، وفي (القاموس) (٢): صراه يصريه: قطعه، ودفعه، ومنعه، وحفظه، وكفاه، ووقاه، وكل هذه المعاني تؤيد الرواية الثانية، واللَّه أعلم. وقوله: (أتستهزئ مني) كلام وقع من غاية الفرح والسرور، فنزل لشأنه من شدة الفرح، كما أخطأ في القول من ضلت راحلته بأرض فلاة عليها طعامه وشرابه، فأيس منها ثم بعد أن وجدها قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. وقوله: (ولكني على ما أشاء قدير) أي: نعم لستَ أهلًا لذلك، ولكني. . . إلخ. ٥٥٨٣ - [١٨] (أبو سعيد) قوله: . . . . .

стр. 5269

"وَيُذَكِّرُهُ اللَّهُ: سَلْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ: هُوَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ"، قَالَ: "ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ فَتَقُولَانِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ". قَالَ: "فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مثلَ مَا أُعْطِيْتُ". [م: ١٨٨]. ٥٥٨٤ - [١٩] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ فَيُقَالُ لَهُمُ: الْجَهَنَّمِيُّونَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٥٩]. ٥٥٨٥ - [٢٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٦٦]. وَفِي رِوَايَةٍ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِي يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ". ٥٥٨٦ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دخُولًا، ــ (أحياك لنا وأحيانا لك) أي: خلقك لنا وخلقنا لك بالحياة الأبدية لا تموت بعدها. ٥٥٨٤ - [١٩] (أنس) قوله: (الجهنميون) لإصابة شيء من آثار جهنم وعلاماته إياهم. ٥٥٨٥ - [٢٠] (عمران بن حصين) وقوله: (قوم) وفي بعض النسخ: (أقوام). ٥٥٨٦ - [٢١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: . . . . .

стр. 5270

رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا. فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّة، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ مِنِّي -أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي- وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ "، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَكَانَ يُقَالُ: ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٧١، م: ١٨٦]. ٥٥٨٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كبَارَهَا، فُتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذنُوُبِهِ فَيُقَالَ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. . . . . ــ (حبوًا) حبا الرجل: مشى على يديه وبطنه، والصبي: مشى على استه، وأشرف بصدره، كذا في (القاموس) (١). وقوله: (أدنى أهل الجنة منزلة) في (الصراح) (٢): جائى فرود آمدن وسرائى، ومنزلت مثله ومرتبت أيضًا. ٥٥٨٧ - [٢٢] (أبو ذر) قوله: . . . . .

стр. 5271

فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا" وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نوَاجِذُهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠]. ٥٥٨٨ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ، فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ؟ لَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو إِذ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا"، قَالَ: "فَيُنْجيهِ اللَّهَ مِنْهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٢]. ٥٥٨٩ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلهِ كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٤٤٠]. ــ (حتى بدت نواجذه) قد مر شرحه فيما سبق. ٥٥٨٨ - [٢٣] (أنس) قوله: (ثم يؤمر بهم إلى النار) لعل ذلك لإظهار الامتنان والامتحان وذكر حال أحدهم، وترك أحوال الآخرين مقايسة، والظاهر أن ذكر الأربعة على سبيل التمثيل والتقدير، والمراد الجماعة. ٥٥٨٩ - [٢٤] (أبو سعيد) قوله: (يخلص المؤمنون من النار. . . إلخ)، يعلم منه أنهم يدخلون النار بذنوبهم من غير اقتصاص بالمظالم ثم يقتص. وقوله: (أهدى بمنزله) أي: أعرف وألصق.

стр. 5272

٥٥٩٠ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ لَوْ أَحْسَنَ لِيَكُونُ عَلَيْهِ حَسْرَةً". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٦٩]. ٥٥٩١ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحَ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ! لَا مَوْتَ. فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنهِمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٤٨، م: ٢٨٥٠]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٥٩٢ - [٢٧] عَن ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حَوْضِي مِنْ عَدَنٍ. . . . . ــ ٥٥٩٠ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (إلا أري) بلفظ المجهول وفيه ضمير هو مفعوله الأول، و (مقعده) منصوب مفعول ثان. ٥٥٩١ - [٢٦] (ابن عمر) قوله: (جيء بالموت) وقد جاء في رواية: (يؤتى على صورة كبش)، قيل: لكل شيء حقيقة ومثال في ذلك العالم، ومثال الموت الكبش، ومثال العلم اللبن، ومثال الإيمان الظلة، وأمثال ذلك، ومع قطع النظر عن ذلك يمثله اللَّه تعالى بذلك ليريهم عدمه وزواله بذبح الكبش، واللَّه أعلم. الفصل الثاني ٥٥٩٢ - [٢٧] (ثوبان) قوله: (من عدن) بلدة مشهورة من اليمن، جاء منصرفًا

стр. 5273

إِلَى عَمَّانَ الْبَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَكْوَابُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ وُرودًا فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، الشُّعْثُ رُؤُوسًا، الدُّنْسُ ثِيَابًا، ــ وغير منصرف، (إلى عمان) في (القاموس) (١): عمان كشداد: بلدة بالشام، وكغراب: بلدة باليمن، انتهى، وقال الطيبي (٢) موافقًا لما في (النهاية): موضع بالبحرين، والذي صحح في النسخ هو الأول، وعبارة الطيبي ظاهر في جواز الوجهين، وإضافته إلى البلقاء بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمد، الذي هو بلدة بالشام يعين الأول. و (الأكواب) جمع كوب بالضم: كوز لا عروة له أو لا خرطوم له، كذا في (القاموس) (٣). وقوله: (عدد) بالرفع، أي: عددها عدد (نجوم السماء)، أو النصب بنزع الخافض. و (الشعث) بضم المثلثة وسكون العين: جمع شعث بفتح شين وكسر عين أو أشعث، يقال: رجل شعث، وشعر شعث، وأشعث فيهما، وامرأة شعثاء وشعثة، وهو متلبد الشعر المغبر، والشعث بفتحتين: انتشار الأمر، ومصدر الأشعث لمغبر الرأس، وفي الحديث: (أسألك رحمة تلم بها شعثي) (٤)، أي: يجمع ويصلح بها ما تفرق من أمري. و (الدنس) صحح في باب النسخ بضمتين، وقيل: جمع دنس بفتحتين وهو الوسخ، وفي بعضها بسكون العين، وهو الأظهر، ويكون جمع دنس بكسر النون

стр. 5274

الَّذِينَ لَا يُنْكَحُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ، وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢٢٣٦٧، ت: ٢٤٤٤، جه: ٤٣٠٣]. ٥٥٩٣ - [٢٨] وَعَن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ: "مَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مِئَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضِ". قِيلَ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: سَبع مِئَةٍ أَوْ ثَمَانُ مِئَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٤٦]. ٥٥٩٤ - [٢٩] وَعَن سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، ــ كالشعث جمع شعث. و(لا ينكحون) على صيغة المجهول أي: لو خطبوا المتنعمات من النساء لم يجابوا. و (لا يفتح لهم السدد) جمع سدة بالضم، وهو باب الدار، أي: لو دقّوا الأبواب واستأذنوا للدخول لم يفتح لهم ولم يؤذن. ٥٥٩٣ - [٢٨] (زيد بن أرقم) قوله: (ما أنتم جزء) بالنصب والرفع على لغة الحجاز وبني تميم، قيل: أي لزيد بن أرقم، وليس المراد التحديد بل التكثير ولعلهم يكونون أقل من ذلك. ٥٥٩٤ - [٢٩] (سمرة) قوله: (إن لكل نبي حوضًا) قال الطيبي (١): يجوز أن يحمل على ظاهره، وأن يحمل على المجاز ويراد به العلم والهدى، ولا خفاء في أن

стр. 5275

وَإِنَّهُمْ لَيَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٤٣]. ٥٥٩٥ - [٣٠] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: "أَنَا فَاعِلٌ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: "اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ". قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: "فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ" قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ . . . . . ــ النصوص محمولة على ظاهرها ما لم يصرف عنه صارف، ولا ندري أي صارف هنا يصرف عن حمله على ظاهره ويدعو إلى التأويل بالعلم والهدى، كما جوزه الطيبي، ومجرد الاحتمال غير كاف، واللَّه أعلم. وقوله: (أكثرهم واردة) المراد بها الأمة التي ترد على الحوض. ٥٥٩٥ - [٣٠] (أنس) قوله: (فقال: أنا فاعل) أي: والقبول من اللَّه، وقد وعدني بالقبول أوكد وعد وأشده. وقوله: (فأين أطلبك) أي: في أيِّ موضع أطلبك للشفاعة فيه، فقال ﷺ : هذه مواضع الشفاعة فاطلبني فيها، فافهم. وقوله: (فاطلبني عند الميزان) قيل: المشهور أن الميزان قبل الصراط، ونظم هذا الحديث يدل على أن الصراط مقدم على الميزان، وأجيب بأن الطلب في المظان المرتبة يجوز أن يبدأ من كل طرف أراد الطالب، سواء كان من الطرف المتقدم أو المتأخر، وكذا ذكر المواقف المرتبة يجوز أن يبدأ من كل طرف، فإن الترتيب بحسب الذكر لا يدل على الترتيب بحسب الزمان، ولا بالطبع، ولا بحسب الذات، وأجيب أيضًا بأنه يجوز أن يكون ﷺ في وقت واحد تارة على الصراط، وتارة على الميزان، ويتكرر الوقوف

стр. 5276

قَالَ: "فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ الْمَوَاطِنَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٣٣]. ٥٥٩٦ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: قِيْلَ لَهُ: مَا الْمقَامُ الْمَحْمُود؟ قَالَ: "ذَلِكَ يَوْمَ يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كُرْسِيِّهِ فَيَئِطُّ كَمَا يَئِطُّ الْرَّحْلُ الجَدِيدُ مِن تَضايُقِهِ، وَهُوَ كَسَعَةِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَيُجَاءُ بِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ــ على كل واحد منهما، وبعض الناس يكونون مجتازين من الصراط، وبعضهم يوزن أعمالهم في وقت واحد، فتأمل. وقوله: (هذه الثلاث) بلا تاء بتأويل البقاع، وقد يروى بالتاء وهو ظاهر. ٥٥٩٦ - [٣١] (ابن مسعود) قوله: (وذلك يوم ينزل اللَّه تعالى على كرسيه) ويحكم بين العباد، هذا توطئة للجواب، والجواب في قوله: (ثم أقوم عن يمين اللَّه. . . إلخ)، والحديث من المتشابهات، وهو تشبيه وتمثيل وخلاصة وزبدة بيان عظمة اللَّه تعالى وكبريائه، ومعاني المفردات غير ملحوظة، وقد يقال: (كرسيه) مأخوذ من كرسي العالم أو الملك، وقد ورد: (ما السماوات السبع والأرضون السبع مع الكرسي إلا كحلقة [ملقاة] في [أرض] فلاة)، وقيل: أفضل، العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة، ويظهر من هذا أن قوله: (وهو كسعة ما بين السماء والأرض) تصوير لعظمته بحسب العرف لا بحسب المقدار، والمقصود من ذكره دفع توهم ضيقه لتشبيهه بالرحل وأطيطه لتضايقه كما ورد في سعة الجنة: عرضها السماوات والأرض، والرحل للإبل كالسرج للفرس، والجمع رحال، والأطيط: صوت الرحل والسرج، يقال: أط الرحل يئط أطيطًا: صوت، وقد يطلق على أنين الإبل تعبًا أو حنينًا أو زرمة، و (الغرل)

стр. 5277

فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيْمُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اكْسُوا خَلِيلِي بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ مِنْ رِيَاطِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أُكْسَى عَلَى أَثَرِهِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ مَقَامًا يَغْبِطُنِيَ الأَوَّلُونَ وَالآخَرُونَ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٤١٩]. ٥٥٩٧ - [٣٢] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . ــ جمع الأغرل، وهو من لم يختن، وقد مر. و(الريطه): كل ملاءة غير ذات لِفْقَين، كلها نسج واحد، وقطعة واحدة، أو كل ثوب لين رقيق، كالرائطة، كذا في (القاموس) (١). وفي (مجمع البحار) (٢): ريط بفتح الراء وسكون ياء: كل ملاءة ليست بنفيس، وقيل: كل ثوب رقيق لين من كتان ولم يكن قطعتين متضامتين بل واحدة. وقوله: (ثم أكسى على أثره) قد مر الكلام في تقديم إبراهيم في الكسوة في (الفصل الأول) من (باب الحشر)، وأنه لا يدل على تفضيله على محمد ﷺ ، وأن تقديمه لأجل أبوته ﷺ ، وأما ما قيل: إنه ﷺ يبعث كاسيًا فينافيه ظاهر قوله: (ثم أكسى على أثره)، اللهم إلا أن يقال: يبعث كاسيًا ثم يكسى أيضًا مع الأنبياء مكررًا لكمال شرفه وفضله، والتقديم في الكسوة شيء جزئي، ولكن الفضل كل الفضل قيامه مقامًا يغبطه فيه الأولون والآخرون، وفيه فضله على الملائكة والثقلين، عليه من الصلاة أفضلها ومن التحيات أتمها وأكملها. ٥٥٩٧ - [٣٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: . . . . .

стр. 5278

"شِعَارُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الصِّرَاطِ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٣٢]. ٥٥٩٨ - [٣٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٤٣٥، د: ٤٧٣٩]. ٥٥٩٩ - [٣٤] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ. [جه: ٤٣١٠]. ٥٦٠٠ - [٣٥] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَانِي آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّي، فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٤٤١، جه: ٤٣١٧]. ٥٦٠١ - [٣٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الجَدْعَاءِ قَالَ: . . . . . ــ (شعار المؤمنين) في (القاموس) (١): الشعار ككتاب: العلامة في الحرب والسفر، وهذه الكلمة علامة للمؤمنين به يعرفون أنهم مؤمنون. ٥٥٩٨، ٥٥٩٩ - [٣٣، ٣٤] (أنس، وجابر) قوله: (شفاعتي لأهل الكبائر) أي: لوضع السيئات، وأما الشفاعة لرفع الدرجات فلكل من الأتقياء والأولياء، وذلك متفق عليه بين أهل الملة. ٥٦٠٠ - [٣٥] (عوف بن مالك) قوله: (فاخترت الشفاعة) لأنها قد تعم الكل كما سبقت من الأحاديث. ٥٦٠١ - [٣٦] (عبد اللَّه بن أبي الجدعاء) قوله: (أبي الجدعاء) بفتح الجيم

стр. 5279

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٤٣٨، دي: ٢/ ٤٣٢، جه: ٤٣١٦]. ٥٦٠٢ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَشْفَعُ لِلْفِئَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْقَبِيلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْعُصْبَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفعُ لِلرَّجُلِ حَتَّى يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٤٠]. ٥٦٠٣ - [٣٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وعَدَنِي أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعَ مِئَةِ أَلْفٍ بِلَا حِسَابٍ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: وَهَكَذَا، فَحَثَا بِكَفَّيْهِ وَجَمَعَهُمَا، ــ وسكون الذال المعجمة، الكناني. وفي (جامع الأصول) (١): الجدعاء بفتح الجيم وسكون الدال المهملة، ويقال: الكناني. ٥٦٠٢ - [٣٧] (أبو سعيد) قوله: (للفئام) بالكسر: الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه، وقد سبق، والقبيلة: بنو أب واحد، كذا في (القاموس) (٢)، و (العصبة) بالضم من الرجال والخيل والطير: ما بين العشرة إلى الأربعين كالعصابة. وقوله: (حتى يدخلوا الجنة) أي: المشفعون، وقال الطيبي (٣): الضمير لجميع الأمة، أي: تنتهي شفاعتهم إلى أن يدخل جميعهم الجنة. ٥٦٠٣ - [٣٨] (أنس) قوله: (فقال أبو بكر: زدنا يا رسول اللَّه) أي: زدنا في

стр. 5280

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: وَهَكَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَلَيْكَ أَنْ يُدْخِلَنَا اللَّهُ كُلَّنَا الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَنْ يُدْخِلَ خَلْقَهُ الْجَنَّةَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ فَعَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ عُمَرُ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٤٣٣٥]. ٥٦٠٤ - [٣٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُصَفُّ أَهْلُ النَّارِ، فَيَمُرُّ بِهِمُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: يَا فُلَانُ! أَمَا تَعْرِفُنِي؟ أَنَا الَّذِي سَقَيْتُكَ شَرْبَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَا الَّذِي وَهَبْتُ لَكَ وَضُوءًا، فَيَشْفَعُ لَهُ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٦٨٥]. ــ الإخبار عما وعدك ربك من إدخال أمتك الجنة بشفاعتك؛ لأنه وعده أكثر من ذلك، كما مرّ من حديث أبي أمامة في (باب الحساب): (سبعين ألفًا مع كل ألف سبعون ألفًا وثلاث حثيات)، أو زدنا بالسؤال عن ربك، وقول عمر ﵁: (دعنا يا أبا بكر) أي: دعنا نخاف العذاب، ونعمل ولا نتكل. وقوله: (بكف واحد) أي: بعطاء واحد، أي: لو أراد أن يدخل خلقه كله بفضله ورحمته فعل، فإن رحمته أوسع من ذلك، قيل: ما ذهب إليه أبو بكر هو من باب الجوار والمسكنة، وما ذهب إليه عمر هو من باب الرضاء والتسليم، وقيل: إنما لم يجب ﷺ أبا بكر أولًا بما قال عمر، وصدقه ثانيًا؛ لأن للبشارات مدخلًا عظيمًا في التوجه والعمل، وكلام عمر ﵁ أيضًا بشارة بل أعظم، فالمآل واحد، فافهم. ٥٦٠٤ - [٣٩] (وعنه) قوله: (يصف) من باب نصر، وروي مجهولًا ومعلومًا. وقوله: (فيقول الرجل منهم) أي: من أهل النار. وقوله: (أنا الذي سقيتك شربة) فيه تحريض على الإحسان للصالحين.

стр. 5281

٥٦٠٥ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهُمَا، فَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى: أَخْرِجُوهُمَا. فَقَالَ لَهُمَا: لِأَيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا؟ قَالَا: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَرْحَمَنَا. قَالَ: فَإِنَّ رَحْمَتِي لَكُمَا أَنْ تَنْطَلِقَا فَتُلْقِيَا أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ، فَيُلْقِي أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَيَقُومُ الآخَرُ فَلَا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُلْقِيَ نفسَكَ كَمَا أَلْقَى صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ! إِنِّي لأَرْجُو أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَمَا أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا. فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: لَكَ رَجَاؤُكَ. فَيُدْخَلَانِ جَمِيعًا الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٩٩]. ٥٦٠٦ - [٤١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ، ثم يَصْدُرُونَ مِنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ، فَأَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، ثُمَّ كَالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ، ــ ٥٦٠٥ - [٤٠] (أبو هريرة) قوله: (فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها اللَّه بردًا وسلامًا. . . إلخ)، في الحديث فضل الرضاء والتسليم والدعاء والسؤال معًا. ٥٦٠٦ - [٤١] (ابن مسعود) قوله: (يرد الناس النار) وذلك عند الجواز عن الصراط، ويفهم منه أن الصراط على النار، وعليه الأكثرون، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، والمراد بالصدور النجاة منها، واعتبار التراخي في الأول الذي هو كلمح البرق من جهة أن الورود على النار والمرور عليها وإن كان لمحةً يسيرة فكأنه ممتد، فافهم. و (الحضر) بالضم: ارتفاع الفرس في عدوه، كالإحضار أعني: العدو الشديد.

стр. 5282

ثُمَّ كَالرَّاكبِ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣١٥٩، دي: ٢٨٥٢]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٦٠٧ - [٤٢] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضِي مَا بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ". قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: هُمَا قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ، بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: "فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ وَرَدَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٧٧، م: ٢٢٩٩]. ــ وقوله: (ثم كالراكب في رحله) أي: على راحلته و (الشد): العدو. الفصل الثالث ٥٦٠٧ - [٤٢] (ابن عمر) قوله: (ما بين جنبيه) الجنب بسكون النون: الجانب والناحية، وإذا كان بالتاء فيفتح النون. وقوله: (وكما بين جرباء وأذرح) (جرباء) بالجيم والباء الموحدة ممدود ومقصور، و (أذرح) بفتح همزة وسكون ذال وضم راء وحاء مهملة: وهما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال، هكذا ذكره السيوطي في (مختصر النهاية) (١) إلا أنه سكت عن قوله: (بينهما مسيرة ثلاث ليال). وقال في (القاموس) (٢): الجرباء: قرية بجنب أذرح، وغلط من قال: بينهما ثلاثة

стр. 5283

٥٦٠٨، ٥٦٠٩ - [٤٣، ٤٤] وَعَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَجْمَعُ اللَّهُ ﵎ النَّاسَ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ، لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ" قَالَ: "فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، ــ أيام، وقال في باب الحاء المهملة وفصل الذال المعجمة: أذرح بضم الراء: موضع بجنب جرباء، وغلط من قال: بينهما ثلاثة أيام، انتهى. أقول: وهكذا ينبغي أن يكون، لأن مسيرة ثلاثة أيام أقل مسافة مما ورد في الأحاديث الأخر من بيانها كما في أيلة وعدن وعمان، والظاهر أن تكون المسافات متقاربة بينهما وإن وقعت مختلفة بحسب ما تعارف كل جماعة كما لا يخفى. قال الكرماني (١): اعلم أنه مما استشكله القوم قالوا: هما موضعان فرب بيت المقدس بينهما مسيرة ساعة، فأجابوا بأن الحديث مختصر تقديره كما بين المدينة وجرباء وأذرح، وهما في حكم موضع واحد، ولهذا يستعملان متقاربين كماه وجور، والقدس والخليل، وروى الدارقطني ذلك صريحًا حيث قال: (ما بين ناحيتي حوضي كما بين المدينة وجرباء وأذرح)، انتهى. وقد وجهه بتوجيهات بعيدة فارجع إليه. ٥٦٠٨، ٥٦٠٩ - [٤٣، ٤٤] (حذيفة وأبو هريرة) قوله: (اذهبوا إلى ابني إبراهيم) لم يجئ في هذا الحديث ذكر نوح ﵇.

стр. 5284

إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمَدُوا إِلَى مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵇ (١) فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ، فَيَقُولُ عِيسَى: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَيَقُومَانِ (٢) جَنَبَتَي الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ". قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: "أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيح، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، ــ وقوله: (إنما كنت خليلًا من وراء وراء) قال في (المشارق) (٣): أي من غير تقريب ولا إدلال بخواص الخلة، ثم إن هذين اللفظين رويا بالفتح فيهما وبالضم، أما الضم فظاهر للقطع عن الإضافة؛ لأن التقدير وراء ذلك، ولكن الفتح هو المشهور، ووجهوه بأن الكلمة كأنها مركبة فبنيا على الفتح، وقيل: معناه إني أعطيت المكانة بوساطة جبرئيل ﵇، فأنا وراء موسى الذي حصل له السماع بغير واسطة، وهو وراء محمد الذي حصل له السماع بلا واسطة، والرؤية أيضًا، فأنا وراء وراء. وقوله: (فيأتون محمدًا) الظاهر أن يقول: فيأتوني ووضع المظهر موضع المضمر وقع في غاية موقعه، فإنه يدل على أنهم يأتون عظيمًا ينجح به مقصودهم، وكريمًا يظفرون من حضرته مطلوبهم، ومن هو في غاية القربة والعظمة، مع ما في مفهوم هذا الاسم الشريف باعتبار أصل الوضع من كونه محمدًا في الظاهر والباطن، وقائمًا في

стр. 5285

تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: يَا رَبِّ! سَلِّمْ سَلِّمْ. حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا". وَقَالَ: "وَفِي حَافَتَي الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ، تَأْخُذُ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ ناجٍ، وَمُكَرْدَسٌ (١) فِي النَّارِ". وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعِينَ خَرِيفًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٥]. ٥٦١٠ - [٤٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ بِالشَّفَاعَةِ كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ". قُلْنَا: مَا الثَّعَارِيرُ؟ قَالَ: . . . . . ــ المقام المحمود. وقوله: (تجري بهم أعمالهم) الظاهر أن الباء للتعدية، أي: يجعلهم جائزين، وأما جعلها للملابسة فبعيد. وقوله: (إلا زحفًا) زحف الصبي: إذا دب على استه، ومنه الجيش الكبير الذي يرى لكثرته كأنه يزحف. وقوله: (مكردس) وفي بعض النسخ: (ومكدوس)، وقد مر شرحها. وقوله: (إن قعر جهنم لسبعين خريفًا) تقديره: أن مسافة قعر جهنم مسيرة سبعين خريفًا، وفي رواية السبعون)، وهو الأظهر؛ لأن الأكثر في حذف المضاف اكتساب المضاف إليه إعرابه، ويمكن أن يكون هذا الإطلاق على سبيل المجاز دون الحذف. ٥٦١٠ - [٤٥] (جابر) قوله: (كأنهم الثعارير) بالثاء المثلثة والعين المهملة:

стр. 5286

"إِنَّهُ الضَّغَابِيسُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٥٨، م: ١٩١]. ٥٦١١ - [٤٦] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٢٦٨]. * * * ٥ - باب صفة الجنة وأهلها ــ جمع ثعرور وهو القثاء الصغير، و (الضغابيس) جمع ضغبوس بضاد وغين معجمتين وموحدة: قثّاء صغير، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الحواشي) (٢): ثبت في أصول الثمام كالقطن ينبت بالرمل يبسط عليه ويطول. ٥٦١١ - [٤٦] (عثمان بن عفان) قوله: (يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء) تخصيص بالعظماء من أهل الشفاعة، وليست الشفاعة منحصرة في هؤلاء، بل كل أهل الخير من الرسل والأنبياء والأولياء والأخيار والعلماء والشهداء يرجى منهم الشفاعة لأهل الكبائر، ويجب الإيمان به، واشتهرت أحاديثه، وأنكره الخوارج وبعض المعتزلة، وأوَّلوا الأحاديث الواردة فيها بكونها مختصةً برفع الدرجات، وهو باطل لكون الأحاديث نصًّا في كونها لرفع العذاب. ٥ - باب صفة الجنة وأهلها الجنة: الحديقة ذات النخل والشجر، كذا في (القاموس) (٣)، قال

стр. 5287

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٦١٢ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. واقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٤٤، م: ٢٨٢٤]. ــ البيضاوي (١): الجنة: المرة من الجن، وهو مصدر جنه: إذا ستره، ومدار التركيب على الستر، سمي به الشجر المظلل لالتفاف أغصانه للمبالغة، كأنه يستر ما تحته سترة واحدة، ثم البستان لما فيه من الأشجار المتكاثفة المظللة، ثم دار الثواب لما فيها من الجنان. الفصل الأول ٥٦١٢ - [١] (أبو هريرة) قوله: (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) أي: لم يبصر ذاته عين، ولا سمعت وصفه أذن، ولا خطر ماهيته على قلب، ويحتمل أن يكون المراد بالأولى الصور الحسنة، وبالثانية الأصوات الطيبة، وبالثالثة الخواطر المفرحة. وقوله: (من قرة عين) قرة العين كناية عن الفرح والسرور، والفوز بالبغية، إما من القر بفتح القاف بمعنى القرار والثبات؛ لأن العين بالنظر إلى المحبوب تقر وتطمئن، ولا تلتفت إلى جانب آخر، وكذلك في حال الفرح والسرور تسكن في مكانها، وبالنظر إلى غير المحبوب تتفرق وتلتفت إلى الجوانب، وكذلك في حال الحزن والخوف تتحرك

стр. 5288

٥٦١٣ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ٥٦١٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غَدْوَةٌ فِي سَبِيْلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ. . . . . ــ وتضطرب كقوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وإما من القر بالضم أخذًا من قوله تعالى: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]، بمعنى البرد، وبرد العين ولذتها في مشاهدة المحبوب والفوز بالبغية، وحرها واحتراقها في رؤية الأعداء وحال الاستشراف والانتظار، ولهذا يقال: قرة العين للولد، وقيل: إما من القر بمعنى البرد فهو كناية عن السرور، وحقيقته: أقر اللَّه دمعتك فإن دمعة الفرح باردة، أو من القرار فكناية عن الفوز بالبغية؛ فإن من فاز بها قرّ نفسه، فافهم، وبالوجهين فسر قوله ﷺ : (وجعلت قرة عيني في الصلاة). ٥٦١٣ - [٢] (وعنه) قوله: (موضع سوط في الجنة) أي: أدنى مكان وأقله، وقد جرت العادة بإلقاء الراكب سوطه في موضع يريد النزول، ويجعله علامة اتخاذه منزلًا. ٥٦١٤ - [٣] (أنس) قوله: (غدوة في سبيل اللَّه أو روحة) الغدوة بالفتح: المرة من الغدو وهو السير أول النهار من غدا يغدو غدوًا، أو بالضم: البكرة، أو ما بين

стр. 5289

خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٩٦]. ــ صلاة الغداة وطلوع الشمس، وكذلك الروحة: المرة من الرواح، وهو العشي أو من الزوال إلى الليل، رحنا رواحا وتروحنا: سرنا فيه أو عملنا، والتخصيص بالغدوة والروحة على سبيل العادة، والمراد وقت وساعة مطلقًا لا مقيدًا بالغدوة والرواح، و (في سبيل اللَّه) أعم من الجهاد، ويشمل كل ما يبتغى لوجه اللَّه تعالى كالحج، وطلب العلم، والرزق الحلال للعيال. وقوله: (خير من الدنيا) أي: إنفاقها في سبيل اللَّه لو ملكها أو من نفسها لو ملكها وتصور تعميرها لأنه زائل لا محالة. وقوله: (ولو أن امرأة. . . إلخ)، لما كان لثواب الغدوة والروحة في سبيل اللَّه الجنة ذكر من نعيمها شيئًا. وقوله: (لأضاءت ما بينهما) أي: بين الأرض والجنة أو بين المشرق والمغرب، والظاهر أن (أضاءت) هنا استعمل متعديًا، والضمير لـ (امرأة) كما في قوله: (ولملأت ما بينهما ريحًا)، ويحتمل أن يكون لازمًا، و (ما بينهما) فاعل، والتأنيث باعتبار أن (ما) عبارة عن الأمكنة كما ذكر في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧]. وقوله: (ولنصيفها على رأسها) في (القاموس) (١): النصيف كأمير: الخمار والعمامة، وكل ما غطى الرأس، ومن البُرْد: ما له لونان.

стр. 5290

٥٦١٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِئَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. . . . . ــ ٥٦١٥ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (يسير الراكب في ظلها) أي: في كنفها، في (القاموس) (١): هو في ظله، أي: كنفه، وإلا فالظل في العرف: ما يبقى من حر الشمس وليس في الجنة، وبالجملة المقصود السير تحتها كظل العرس. وقال الشيخ ابن حجر (٢): قال ابن الجوزي: ويقال لهذه الشجرة: طوبى، قلت (٣): وشاهد ذلك عند أحمد والطبراني وابن حبان، انتهى. (ولقاب قوس أحدكم في الجنة) وفي (القاموس) (٤): القاب: المقدار كالقيب، كالقاد والقيب، انتهى. وفي (الصراح) (٥): يقال: قاب قوس أي: قدر قوس، وفي (المشارق) (٦): قوله: (قاب قوس أحدكم من الجنة) أي: قدر طولها، ويحتمل قدر رميتها، يقال: هو قاب رمح، وقاد رمح، وقدى رمح، وقد رمح، وقدة رمح، كله بمعنى، وقيل في قوله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩]: القاب: ما بين المقبض والسِّية، وهو موضع رأس الوتر، ولكل قوس قابان، ولذا قيل: فيه قلب، أي: قابي قوس، وقيل: القوس هنا الذراع بلغة أزد شنوءة، قيل: قدر قوسين، وقيل: القاب: ظفر
следующие страницы →