← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٦٥٧، جه: ٢٣٢]. ٢٣١ - [٣٤] وَرَوَاهُ الدَّارمِيُّ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ. [دي: ١/ ٧٥ - ٧٦]. ٢٣٢ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٥١]. ٢٣٣ - [٣٦] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَلَمْ يَذْكُرِ: "اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي. . . . . ــ وقوله: (كما سمعه) هذا أصرح مما سبق في محافظة الرواية باللفظ، وهو إما حال أو مفعول مطلق، و (ما) موصولة أو مصدرية. وقوله: (فرب مبلغ) بفتح اللام المشددة أي المبلغ إليه، (أوعى) قد علم أن معناه الحفظ وإبقاؤه، والمراد ههنا أعلم وأفقه، وقال الكرماني: يقال: قد أوعيت أي: فهمت، انتهى، كأنه بمعنى أكثر وعاء للعلم والفقه. وقوله: (من سامع) أي: ممن سمع مني وبلغ. ٢٣٢، ٢٣٣ - [٣٥، ٣٦] (ابن عباس، وابن مسعود وجابر) قوله: (اتقوا الحديث عني) أي رواية الحديث، أو الحديث بمعنى التحديث على أن فعيلًا قد جاء بمعنى المصدر كالنذير بمعنى الإنذار على قول صاحب (الكشاف) (١)، وعلى هذا (عن) متعلق بالحديث.

стр. 562

إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ". [جه: ٣٢]. ٢٣٤ - [٣٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". وَفِي رِوَايَةٍ: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٥٠]. ــ وقوله: (إلا ما علمتم) أي: بالظن الغالب أنه مني لئلا تقعوا في الكذب علي، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول. ٢٣٤ - [٣٧] (عنه) قوله: (من قال في القرآن برأيه) القول بالرأي ما لا يكون مؤسسًا على علوم الكتاب والسنة من قواعد العربية المقررة عند الجمهور، وأصول الإسلام المسلمة عند العلماء، ثم إن كان بطريق التفسير ويعني به ما يجزم به بأنه مراد اللَّه فلا بد فيه من النقل الصحيح من رسول اللَّه ﷺ ، وما يكون بطريق التأويل واحتمال أن يكون مرادًا يكفي فيه التأسيس على قواعد العربية وأصول الدين، وبدون ذلك لا يجوز التكلم به لا تفسيرًا ولا تأويلًا، وهذا هو الضابط، وقد يراد بالتفسير بالرأي أي: يكون له رأي وميل من طبعه وهواه، فيأوله على وفق رأيه، ويصرفه إلى ما اعتقد من مذهبه وإن لم تكن الآية واردة فيه، ولو لم يكن له ذلك الرأى بالاعتقاد لما لاح له ذلك، وأما ما يذكره الصوفية من أهل الإشارات والوعّاظ في المقاصد الصحيحة فذلك شيء آخر، وقد منعه بعض الفقهاء وشدّد في ذلك. وقال آخرون: هم أخطؤوا في الدليل لا في المدلول، وهم لا يدعون الجزم بذلك، بل إشارات تلوح على سرائرهم، وقال حجة الإسلام: الطامات، وهي صرف ألفاظ الشرع من ظواهرها إلى أمور لم يسبق منها إلى الأفهام، كدأب الباطنية من قبيل البدعة المنهية عنها، وبالجملة الأمر في تفسير القرآن خطير يجب الاحتياط فيه

стр. 563

٢٣٥ - [٣٨] وَعَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فقد أَخْطَأَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٩٥٢، د: ٣٦٥٢]. ٢٣٦ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٢٨٦، ٣٠٠، د: ٤٦٠٣]. ــ والإمساك عما توقع في الخطر، والكلام فيه كثير، وقد استقصاه السيوطي في كتاب (الإتقان) (١). ٢٣٥ - [٣٨] (جندب) قوله: (فأصاب) فأخطأ على عكس ما قالوا في المجتهد: إنه وإن أخطأ فقد أصاب؛ بمعنى نيل الأجر والثوب. ٢٣٦ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (المراء في القرآن كفر) قد عرفت معنى المراء في حديث كعب بن مالك في هذا الفصل، وقيل المراد بالمراء ههنا الشك كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]، أي شك، كذا في بعض الشروح، ولا شك أن الكفر على هذا المعنى يكون على ظاهره، ولكن الظاهر من سوق الأحاديث التشديد والتغليظ فيما لا ينبغي أن يفعل ويفضي إلى الكفر، وأما إنكار القرآن والشك في قرآنيته فظاهر معلوم بالضرورة من الدين أنه كفر، واللَّه أعلم. وقيل: المراد المجادلة فيما فيه من الأحكام؛ فإنه ربما يفضي إلى الكفر إذا عاند صاحب الحق، وقيل: الجدال المشكك في الآي المتشابهة المؤدي إلى الجحود، فسماه كفرًا باسم ما يخشى عاقبته، وقد يراد إنكار بعض القراءات المروية بالشهرة. وبالجملة البحث والجدال لا على سبيل الحق وطلبه، وعدم التفويض إلى مراد

стр. 564

٢٣٧ - [٤٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْمًا يَتَدَارَؤُونَ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: "إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا: ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ١٨٥، ١٩٥، ١٩٦، جه: ٨٥]. ــ اللَّه ورسوله، وعدم الاحتياط في ذلك حرام منهي عنه، وأما على وجه الشك والإنكار فكفر بلا شبهة. ٢٣٧ - [٤٠] (عمرو بن شعيب) قوله: (يتدارؤون في القرآن) أي: يتدافعون ويجادلون فيه على نحو ما مرّ. وقوله: (ضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض) وقالوا: هذا يناقض ذلك ويخالفه قدحًا وطعنًا، وهذا مما يستغرب من الصحابة، ولعله كان فيما بينهم من بعض المنافقين قصدًا إلى التشكيك والإفساد، واللَّه أعلم. وقال التُّورِبِشْتِي (١): خلطوا بعضه ببعض فلم يميزوا بين المحكم والمتشابه، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، من قولهم: ضربت اللبن بعضه ببعض، أي: خلطته، والظاهر أن المراد المجادلة والمنازعة، فشبه ﷺ حالهم بحال من كان قبلهم من المتشككين تشديدًا وتغليظًا. وقوله: (فكلوه إلى عالمه) وهو اللَّه ورسوله كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وقيل: من يعرفه من أهل العلم الراسخ في علمه، واللَّه أعلم.

стр. 565

٢٣٨ - [٤١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. . . . . ــ ٢٣٨ - [٤١] (ابن مسعود) قوله: (أنزل الفرآن على سبعة أحرف) وقد جاء في رواية: (نزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف) (١)، قيل: المراد بسبعة أحرف سبع لغات للعرب مشهور لها بالفصاحة، فإن حرف الشيء: طرفه، ولهذا سميت حروف التهجي لأنها أطراف الكلم، وهذه سبع أطراف اللغات، وهي لغة قريش وطيء وهوازن وأهل اليمن وثقيف وهذيل وبني تميم، فإن القرآن نزل أولًا بلغة قريش، ولما شق على كل العرب القراءة بلغتهم رخص في ذلك، وكان ذلك بسؤال منه ﷺ ربه ، كما ورد في حديث أبي بن كعب. وقد أورده التُّورِبِشْتِي (٢) في شرحه، وكانوا يقرؤنه على اللغات المختلفة المذكورة كما يشتهي كل أحد إلى إمارة عثمان ﵁، فلما كتب المصاحف وأرسل النسخ إلى بلاد الإسلام جمع الناس على لغة قريش بعد ما جمعه زيد بن ثابت بأمر أبي بكر واستصواب عمر ﵁ بمجموع اللغات، وأمر عثمان بمحو ما عداه رفعًا للخلاف الذي وقع في الناس بإنكار بعضهم قراءة بعض، وتكفير كل من الفريقين الآخر، ولم يبق من الحروف المختلف فيها على نهج التواتر إلا شيء يسير، وبقي المختلف فيه من الإدغام والإمالة والوقف وغير ذلك من القسم المشترك الذي اشتهر عند القراء السبع لاتصال سنده على أصله مقروءًا به، وما عدا ذلك فإنه متروك لا يقرأ به ولا يحتج به لفقد الضرورة التي دعت إليه في أول الوهلة، ثم لسقوط الرواية عنه وانعدام التواتر

стр. 566

لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، ــ فيه، وهذه العلة هي التي تعتمد في ترك القراءات التي تخالف نظم المصحف المجمع عليه، وهذا القول المعتمد عليه الذي أكثر الشارحين. وقيل: المراد بها القراءات السبع، فإنها كلها متواترة ثبت إنزالها، وقراءتها تترتب على كل واحدة منها أحكام التلاوة من جواز الصلاة بها وحرمة مس المصحف الجنب والمحدث إياها. وقد زيدت قراءة يعقوب فصارت ثمانية، وقد تدعى العشر أنها متواترة، والقول المختار الذي عليه الجمهور هو الأول، وقد استوفى الكلام فيه السيوطي في (الإتقان) (١) فلينظر ثمة. وقيل: معناه أنزل مشتملًا على سبعة معان: الأمر والنهي والقصص والأمثال والوعظ والوعد والوعيد، وقيل: المعاني السبعة: العقائد والأحكام والأخلاق والقصص والأمثال والوعد والوعيد، وقد يقال: المراد بلفظ السبعة التوسعة والكثرة لا العدد المخصوص كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، قال التُّورِبِشْتِي (٢): والعرب تضع السبع موضع الأعداد التامة؛ لأنها قواعد الزمان والمكان. وقوله: (لكل آية منها) أي: من سبعة أحرف التي أنزل القرآن عليه، وفي بعض النسخ: (لكل آية منه) فالضمير للقرآن. وقوله: (ظهر وبطن) قيل: الظهر ما ظهر من معناه ويفهمه أهل اللسان جميعًا، والبطن ما خفي منه، ويكون بينه وبين عباده المصطفين، وقيل: الظهر ما بينه التفسير،

стр. 567

وَبكُلِّ حَدٍّ مُطَّلَعٌ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" [١/ ٤٠]. ــ والبطن ما يستكشفه التأويل، والتفسير ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية، وقيل: الظهر الإيمان به، والبطن العمل به، وقيل: الظهر القراءة والتلاوة، والبطن التفهم والتدبر، وقيل: ظهرها لفظها، وبطنها معناها، وقيل: قصصه في الظاهر أخبار، وفي الباطن اعتبار. وقوله: (ولكل حد) أي: لكل حد وطرف ونهاية من الظهر والبطن. وقوله: (مطّلع) بضم ميم وتشديد طاء وفتح لام، أي: مصعد، أي: موضع صعود يطلع عليه بالترقي إليه، والمطلع مكان إطلاع من موضع عال، يقال: مطلع هذا الجبل من مكان كذا، أي: مأتاه ومصعده، فمطلع الظهر تعلم العربية والعلوم التي تتعلق به ومعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وأمثال ذلك، ومطلع البطن تزكية النفس وتصفية القلب بالرياضة واتباع الظاهر والعمل بمقتضاه. وقال التُّورِبِشْتِي (١): المراد بالحد ما شرع اللَّه لعباده من الأحكام، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]، أي: أحكام، فالمعنى: لكل حد من حدود اللَّه وأحكامه التي شرع لعباده من الدين موضع اطلاع من القرآن، فمن وفق أن يرتقي ذلك المرتقى اطلع منه على الحد الذي يتعلق بذلك المطلع، وكان رسول اللَّه ﷺ الذي رزق الارتقاء إلى مطلع كل حد من القرآن. وقد قال بعض العلماء: إن عامة سنن الرسول ﷺ راجعة إلى القرآن، والعلماء في ذلك على طبقاتهم ومنازلهم، وكان ﷺ يدرك من معاني الوحي ما لا يبلغه فهم غيره، انتهى.

стр. 568

٢٣٩ - [٤٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، ــ وقيل: الحد: الفرائض والأحكام، والمطلع: الثواب والعقاب، وقيل: أي: لكل حرف حد في التلاوة كالمصحف الإمام لا يتجاوز، وفي التفسير كالمسموع لا يتجاوز، وقيل: المطلع: الفهم الموصل إلى التدبر من التأويل والمعاني، وقيل: معناه: أن لكل حد منتهكًا ويرتكبه، أي: إن اللَّه لم يحرم حرفه إلا علم أن سيطلعها، وهذه المعاني أكثرها ضعيفة نازلة لعيدة خصوصًا المعنى الأخير، والذي ذكره الجمهور هو الأول، وما ذكر التُّورِبِشْتِي معنى صحيح متين كما لا يخفى، واللَّه أعلم بالصواب. ٢٣٩ - [٤٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (العلم ثلاثة) أي: علم الدين والشريعة وهو العلم النافع المراد بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، والمطلوب زيادته لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] بمراتبه ودرجاته، وأما ما سواه فمستعاذ منه بقوله ﷺ : (أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع) كالفلسفيات ونحوها، أعاذ اللَّه المؤمنين من ذلك. وقوله: (آية محكمة) (١) إشارة إلى الكتاب، وإنما خص بالآية المحكمة لأنها أم الكتاب وأصله حفظت من الاحتمال والاشتباه، ويحمل ما سواها من المتشابهات عليها، ولا بد في ذلك من علوم هي مباديها، والمراد بـ (السنة القائمة) (٢) الثابتة بحفظ

стр. 569

أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٨٨٥، جه: ٥٤]. ــ متونها وأسانيدها. وقوله: (فريضة عادلة) إشارة إلى الإجماع والقياس لأنهما يعدلان الكتاب والسنة مساويتان لهما للاستثناء والاستنباط منهما، وسميا بالفريضة للإشارة إلى أن العمل بها فرض وواجب كما بالكتاب والسنة، فصار الحاصل أن أدلة الشرع أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأما حمل الفريضة العادلة على سهام الفرائض المذكورة في الكتاب والسنة برعاية العدالة في قسمتها فلا يناسب تخصيصها المقام، إلا أن يكون أيضًا إشارة إلى الاهتمام بها، كما قيل في تسميتها بنصف العلم، والوجه هو الأول كما لا يخفى، وما قيل: إن المراد بالفريضة العادلة ما اتفق عليه المسلمون، فهو أيضًا إشارة إلى الإجماع والقياس. وقوله: (ما كان سوى ذلك فهو فضل) في (القاموس) (١): الفضل: ضد النقص، والجمع فضول، والفضيلة: الدرجة الرفيعة في الفضل، والفضولي بالضم المشتغل بما لا يعنيه، انتهى. وتحقيقه كما حكاه الطيبي (٢) من (المغرب) أن الفضل: الزيادة، وقد غلب جمعه يعني الفضول على ما لا خير فيه، ثم قيل لمن يشتغل بما لا يعنيه: فضولي، وقد وقع في عبارة (إحياء العلوم) الفضل في مثل هذا المقام بمعنى زيادة الفضيلة في العلم، وذلك أنه قسم العلم إلى ما هو فرض عين وفرض كفاية، وعين القدر الضروري والحاجي منه، ثم قال: وأما إحاطة أقسام العلوم والتبحر فذلك فضل

стр. 570

٢٤٠ - [٤٣] وَعَن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَقُصُّ إِلَّا أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ أَو مُخْتَالٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٥]. ٢٤١ - [٤٤] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَفِي رِوَايَتَه: "أَوْ مِرَاءٌ" بدل "أَو مُخْتَالٌ". [دي: ٢/ ٣١٩]. ــ أي: زيادة فضيلة، ومع ذلك يجب أن لا يكون من العلوم البدعية المحرمة، وأما سوق الحديث فليس في ذلك، بل المراد منه أن علم الدين هو الكتاب والسنة وما استنبط منهما، ويشمل هذا على كل ما يتعلق بها من غير اقتصار على قدر الكفاية، وما سوى ذلك فضول، وقد اتفق الشراح على تفسيره بما لا يعنيه، وهو الأنسب بالمقام. ٢٤٠، ٢٤١ - [٤٣، ٤٤] (عوف بن مالك الأشجعي، وعمرو بن شعيب) قوله: (لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال) في (القاموس) (١): قَصَّ الخبر: أعلمه، و ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]: نبين لك أحسن البيان، والقاص من يأتي بالقصة، وفي (مجمع البحار) (٢): قصصت الرؤيا عليه إذا أخبرته بها، والقص البيان، والقاص من يأتي بالقصة على وجهها، كأنه تتبع وتبين معانيها وألفاظها، وقال: القص: التحدث بالقصص، ويستعمل في الوعظ، يريد أن الواعظ للناس إما الأمير يعظ الناس ويخبرهم بما مضى ليعتبروا به، أو مأمور به يأمره الأمير مأذون من عنده، فحكمه حكم الأمير، ويجوز لهما الوعظ للناس، أو يكون القاص مختالًا يفعل تكبرًا على الناس وطلبًا للرياسة واتباعًا للهوى، والمختال المتكبر المعجب بنفسه يرائي الناس بقوله وعمله، ففيه زجر عن القص والوعظ بغير إذن الإمام، وذلك لأن الإمام أعرف

стр. 571

٢٤٢ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ، ــ بمصالح الرعية، فلينظر في العلماء من رأى فيه العلم والديانة وترك الطمع وحسن العقيدة وصدق الحال يأذن له أن يعظ الناس، ومن لم ير فيه هذه الصفات لم يأذن له لئلا يوقع الناس في الفتنة من البدعة والجهل. أقول: ويستنبط منه أن التصدر للوعظ والإرشاد مما لا ينبغي إلا بإذن المشايخ وإجازتهم واستخلافهم، كما يفعله المتشيخة من أهل الجهل والهوى، نسأل اللَّه العافية. وقال التُّورِبِشْتِي (١): قال بعض العلماء: هذا في الخطبة؛ لأن الأمر فيها إلى الأمراء أو إلى من يتولاها من قبلهم، وذكر في بعض الشروح: (محتال) بالحاء المهملة من الحيلة أو الخاء المعجمة من الاختيال أي التكبر، وقال في (شرح السنة): بالمهملة أصح، وقال: وهكذا قيدناه من شيوخنا. ٢٤٢ - [٤٥] (أبو هريرة) قوله: (من أَفتَى) في (القاموس) (٢): أفتاه في الأمر: أبانه له، والفتيا والفُتوى وتفتح: ما أفتى به الفقيه، ونقل الطيبي (٣) في معنى الحديث أن (أفتى) الثاني بمعنى استفتى أي: كان إثمه على من استفتاه، فإنه جعله في معرض الإفتاء بغير علم، ويجوز أن يكون (أفتى) الأول مجهولًا أي الإثم على المفتي دون المستفتي، انتهى. وفي الوجه الأول شيئان: أحدهما: حمل (أفتى) على استفتى،

стр. 572

وَمَن أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٥٧]. ٢٤٣ - [٤٦] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الأُغْلُوطَاتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٥٦]. ــ ولا يوجد ذلك في كتب اللغة، والثاني: لا بد من الحمل على أنه استفتى مع الوقوف على جهلة مع وجود العلماء، وإلا كيف يكون الإثم عليه مع أن الخيانة إنما وقعت من المفتي لإفتائه من غير علم كما لا يخفى. وقوله: (من أشار على أخيه بأمر) في (القاموس) (١): أشار عليه بكذا: أمره، أي: من استشار أحدًا في أمر وسأله كيف أفعل؟ فأشار المستشار فيه بأمر، وهو يعلم أن المصلحة في غيره فقد خانه. ٢٤٣ - [٤٦] (معاوية) قوله: (نهى عن الأغلوطات) في (القاموس) (٢): الغلط محركة: أن تعيا بالشيء فلا تعرِف وجه الصواب فيه، والغلوطة كصبورة، والأغلوطة بالضم، والمغلطة: الكلام يغلط فيه، ويغالط به. وفي (مجمع البحار) (٣): نهى عن الغلوطات، ويروى: عن الأغلوطات، والأول محذوف الهمزة كجاء الأحمر، وجاء الْحُمْرُ، وغلط من قال: [إنها] جمع غلوطة، أي: يغلط فيها كشاة حلوب، وإذا جعلتها اسمًا قلت: غلوطة بالتاء كحدوبة، وأراد مسائل يغالط بها العلماء ليزِلُّوا فيهيج به شر وفتنة، ونهى عنها لأنها غير نافعة في الدين،

стр. 573

٢٤٤ - [٤٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَالْقُرْآنَ وَعَلِّمُوا النَّاسَ فَإِنِّي مَقْبُوضٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٣١]. ــ ولا تكاد تكون إلا فيما لا يقع، وأما الأغلوطات فجمع أغلوطة، أفعولة كأحدوثة، وقيل: غلوطات بفتح غين جمع غلوطة، وصوب بعض ضمها، وأصله أغلوطات. وفي بعض الشروح: الأغلوطات هي المسائل التي يوقع السائل بها المسؤول عنها في الغلط لإشكال فيها وغموض فيمتحنه ليظهر فضل نفسه وقلة علم المسؤول عنها. وفي (الأزهار) النهي للتحريم إذا كان ابتداء لأنه سبب الإيذاء، والإيذاء حرام وتهييج للفتنة والعداوة، وفيه إظهار فضل النفس ونقص الغير، وأما إن كان جوابًا وجزاء فلا يكون حرامًا لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وسئل من الشافعي في مجلس هارون الرشيد عن مسائل مشكلة، فأجابها سريعًا، فسأل الشافعي ممن سئل منه عن رجل مات عن ست مئة درهم ولم يخص أخته إلا درهم، فأطرق مليًّا وعجز، فأشار هارون إلى الشافعي بتصويره فقال: رجل مات عن بنتين وأم وزوجة واثنى عشر أخًا وأخت وست مئة درهم. ٢٤٤ - [٤٧] (أبو هريرة) قوله: (تعلموا الفرائض) قيل: المراد بالفرائض علم المواريث، والصواب أن المراد منها الفرائض التي فرضها اللَّه على عباده، ولما وقعت في مقابلة القرآن يراد به الفرائض التي يعلم من كلامه ﷺ ليكون إشارة إلى تعلم الكتاب والسنة، وهما ينقطعان بوفاته ﷺ بانقطاع الوحي، فوصى بالتعليم والتعلم لهما.

стр. 574

٢٤٥ - [٤٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: "هَذَا أَوَانٌ يُخْتَلَسُ فِيهِ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٥٣]. ٢٤٦ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: "يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِم الْمَدِينَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَمِثْلُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَاق، قَالَ إسْحَاقُ بْنُ مُوسَى: . . . . . ــ ٢٤٥ - [٤٨] (أبو الدرداء) قوله: (فشخص ببصره إلى السماء) شخوص البصر ارتفاع الأجفان إلى فوق وتحديد النظر وانزعاجه، يقال: أشخص بصره: رفعه ولم يطرق، والباء في (ببصره) للتعدية، ويجيء متعديًا بنفسه، وكأنه انتظر الوحي فأوحي إليه باقتراب أجله ﷺ . وقوله: (أوان يختلس) بالإضافة، وقد يضبط بعض الناس بالتوصيف، وقال الشيخ ابن حجر: واللفظ العربي بالإضافة، وفي بعض النسخ: (يختلس فيه)، وهذا الظاهر في التوصيف، ولذا حمله عليه الطيبي، ويختلس بمعنى يسلب، من الخلس بمعنى السلب، والمراد بـ (العلم) الوحي. ٢٤٦ - [٤٩] (أبو هريرة) قوله: (وعن أبي هريرة رواية) بالنصب على التمييز، وهو عبارة رفع الحديث أي رواية عن رسول اللَّه ﷺ ، وقيل: إنما يؤتى بهذه العبارة إذا لم يتيقن عند الراوي أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ . وقوله: (يوشك) بضم الياء وكسر الشين، وفتحها لغة ردية، وقد مر. وضرب الأكباد كناية عن سرعة السير.

стр. 575

وَسَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. [ت: ٢٦٨٠]. ــ قوله: (سمعت ابن عيينة أنه قال) وفي بعض النسخ المصححة ههنا: (قال: قيل: هو العمري)، وهذا أحسن لئلا ينافي سابقه. وقوله: (هو العمري الزاهد، واسمه عبد العزيز بن عبد اللَّه) اعلم أن العمري بضم العين وفتح الميم كثير، والكل منسوب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أولاده، ومنهم عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن العمري المدني، قال الشيخ في (التقريب) (١): ضعيف عابد، من السابعة، مات سنة إحدى وسبعين ومئة. وذكر المؤلف في الفصل الثاني من (باب تعجيل الصلاة) عن الترمذي أنه ليس بالقوي، وذكر في بعض الحواشي عن (الترغيب) (٢): هو صدوق حسن الحديث فيه لين، وعن (الكفاية): كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقيل: هو لا يحدث عنه، وقد ذكره مسلم في شواهده، وهو ممن غلب عليه الزهد، وشغلته العبادة عن حفظ الحديث وضبطه، ولم يذكره صاحب (جامع الأصول)، وهو عجيب. وفي (الكاشف) (٣) للذهبي: عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم العمري عن أخيه عبيد اللَّه ونافع والمقبري، وعنه ابنه عبد الرحمن والقعنبي وأبو مصعب، قال ابن معين: صويلح، وقال ابن عدي: لا بأس به صدوق.

стр. 576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي (التهذيب) (١): كان رجلًا صالحًا، وقال عبد اللَّه بن علي بن المديني عن أبيه: ضعيف، وقال يعقوب بن أبي شيبة: ثقة صدوق، في حديثه اضطراب، وقال النسائي: ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة الدمشقي: رأيت أحمد يحسن الثناء عليه. ومنهم: عبيد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، أبو عثمان أخو عبد اللَّه هذا العمري، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة، كذا في (التقريب) (٢). وقال في (الكاشف) (٣): هو العمري الفقيه الثبت، ويقال: رأى أم خالد الصحابية، عن أبيه والقاسم وسالم، وعنه شعبة والقطان وأبو أسامة وعبد الرزاق، مات سنة سبع وأربعين ومئة. وفي (التهذيب) (٤): كان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش فضلًا وعلمًا وعبادة وشرفًا وحفظًا وإتقانًا، وذكره صاحب (جامع الأصول) (٥) وقال: مدني، أحد الأعلام والراسخين في العلم، وكان تقدم على مالك بن أنس، وروى عن أم خالد القرشية، سمع القاسم بن محمد ونافعًا، وروى عنه حميد الطويل. ومنهم: عاصم بن محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي العمري، سمع أباه، وسمع منه وكيع وأبو نعيم وأحمد بن يونس، وذكر في

стр. 577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (الكاشف) (١): هو صدوق، عن أبيه، وعنه ابن عيينة وقبيصة وأبو الوليد، وفي (التهذيب) (٢): قال أحمد ويحيى وأبو حاتم: ثقة، زاد أبو حاتم: لا بأس، ذكره ابن حبان في (الثقات)، وكذا في (التقريب) (٣). ومنهم عمر بن حمزة، في (جامع الأصول) (٤): هو عمر بن حمزة بن عبد اللَّه ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، ويعرف بالعمري، أصله من المدينة، وسكن المدينة (٥)، سمع سالم بن عبد اللَّه بن عمر ونافعًا، وسمع منه أبو أسامة ومروان، قال أحمد: أحاديثه مناكير، وفي (التهذيب) (٦): المدني، وذكره ابن حبان في (الثقات)، قال: وكان ممن يخطئ، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه، استشهد به البخاري في (الصحيح)، وروى له حديث (٧) في الأدب أيضًا، وذكر أبو الحجاج أن مسلمًا روى عنه. إذا عرفت هذا فاعلم أن تعيين عالم المدينة الذي مدحه رسول اللَّه بقوله: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل، ولم يجدوا أحدًا أعلم منه) بالعمري الزاهد الذي هو عبد اللَّه بن عمر المختلف فيه ذلك الاختلاف غير مناسب، والأولى به أخوه عبيد اللَّه

стр. 578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذي اتفقوا على أنه ثبت ثقة، ومدحوه مدحًا بالغًا، وقدمه بعضهم على مالك بن أنس، بل لو فسروا العمري الزاهد به لم يبعد؛ فإنه قد وصف بالعبادة أيضًا كما وصف بالعلم والحفظ والإتقان، نعم لفظ الزاهد اشتهر في عبد اللَّه. وأما قوله: واسمه عبد العزيز بن عبد اللَّه الظاهر أن الضمير في اسمه يرجع إلى العمري الزاهد، وليس كذلك، إذ لم يذكر أحد أن عبد العزيز بن عبد اللَّه عمري، نعم هو مدني من أعلام علماء المدينة، كما ذكر صاحب (جامع الأصول) (١): هو أبو عبد اللَّه (٢)، وقيل: أبو الأصبغ، عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة (٣)، واسمه ميمون الماجشون، قال إبراهيم الحربي: الماجشون فارسي، وإنما سمي بذلك لأن وجنتيه كانتا حمراوين فسمي بالفارسية ماه كون، ثم عربه أهل المدينة فقالوا: الماجشون، وعبد العزيز أحد فقهاء المدينة وأعلامهم، سمع ابن شهاب الزهري ومحمد بن المنكدر وعبد اللَّه بن دينار وأبا حازم وحميد الطويل وهشام بن عروة، وروى عنه الليث بن سعد وبشر بن المفضل ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون وأبو نعيم، قدم بغداد وحدث بها، ومات سنة أربع وستين ومئة ببغداد، وصلى عليه المهدي. وفي (الكاشف) (٤): عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون التيمي مولاهم المدني الفقيه، أجازه المهدي بعشرة آلاف دينار، وكان إمامًا معظمًا، قال أبو الوليد: كان يصلح للوزارة، هذا على ما فهمه الطيبي وإلا فههنا عبد العزيز بن عبد اللَّه

стр. 579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آخر هو عمري ذكره في (الكاشف) (١)، وقال: عبد العزيز بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر ابن الخطاب العمري، سمع أباه وعمه سالمًا، وعنه ابن المبارك ووهيب، صدوق، خرج مع ابن حسن، ثم عفا عنه المنصور، وكان بارع الجمال، وفيه يقول المنصور: إذا قتلت مثل هذا فعلى من أتأمر، واللَّه أعلم، هذا، وقد نقل الطيبي (٢) عن المظهر أنه قال: أراد بالعمري عمر بن عبد العزيز، ووجهه أن أمه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكنيتها أم عاصم، واسمها ليلى، فهو من أولاد عمر بن الخطاب ﵁ من البنت، ولكن رده بأنه ليس من أهل المدينة بل من أهل الشام، فلا يصح تسميته عالم المدينة، نعم كان في المدينة في إمارة وليد بن عبد الملك بن مروان أميرًا عليها من قبله حين بني مسجد رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه أعلم. ثم اعلم أنه كان في المدينة وغيره من البلاد علماء من الصحابة والتابعين وأتباعهم كثيرون كالمذكورين والفقهاء السبعة المشهورين وغيرهم من الأعلام، فتخصيصه بمالك بن أنس والعمري الزاهد لا يخلو عن شيء، ولا بد من الدليل عليه، ولا يقطع بذلك، نعم قد اشتهر مالك، وهو من أتباع التابعين في زمانه بالفقه والحديث والإمامة، وله ملازمة خاصة وجهة مخصوصة بالمدينة التزمها، ولم يخرج منها مدة عمره إلا لحجة واحدة، فلا يبعد أن يذهب الظن إلى ذلك، وأما غيره فتخصيص محض بلا مخصص يوجب الظن، ولعل الصواب أنه ﷺ أخبر بهذا الحديث من حال آخر الزمان الذي يارز فيه الدين إلى هذه البلدة الشريفة، ولا يبقى على الأرض عالم إلا فيها، واللَّه أعلم بالصواب.

стр. 580

٢٤٧ - [٥٠] وَعَنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِئَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٩١]. ــ ٢٤٧ - [٥٠] (عنه) قوله: (فيما أعلم) هذا لفظ أبي هريرة، أي: في جملة معلوماتي التي حفظتها من رسول اللَّه ﷺ أنه قال. . . إلخ، وقيل: بفتح الميم على لفظ الماضي، فهو قول الراوي من أبي هريرة، وقد يقرأ بضم الهمزة وفتح اللام ورفع الميم على صيغة المجهول المتكلم، وعلى هذا أيضًا هو لفظ أبي هريرة، والأول هو الوجه. وقوله: (على رأس كل مئة) المراد بالرأس آخر المئة أو قريب من آخرها، هكذا اللفظ العربي، وفي الحديث: فتوفاه اللَّه تعالى على رأس ستين سنة، قال الطيبي (١): أي آخره، وقال: ورأس الآية آخرها، وكذا بعثه اللَّه على رأس أربعين سنة، وقالوا: أن المبعوث على رأس المئة الأولى عمر بن عبد العزيز، وهو إنما بعث في آخر المئة الأولى. وقوله: (من يجدد لها دينها) (٢) قد تبادر إلى أفهام أقوام أن المراد به واحد من علماء الأمة أمتاز من بين أهل زمانه بتجديد الدين ونصرته، وترويج السنة وتقويتها،

стр. 581

٢٤٨ - [٥١] وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، ــ وقمع البدعة وتضعيفها، ونشر العلم حتى عيّنه قوم بأنه في المئة الأولى فلان، وقال صاحب (جامع الأصول) (١): الأولى الحمل على العموم (٢) فإنه لفظة: (من) يقع على الواحد والجمع، ولا يخص أيضًا بالفقهاء بل يعم أولى، وكذا القراء وأصحاب الحديث والزهاد، ثم عين إلى قريب من زمانه كل واحد من الطوائف، هذا ولو عمم البلاد بأن يكون في زمان واحد أو جمع من شأنه هذا لم يبعد، وإنما قال: على رأس كل مئة؛ لأن القرن ينقرض في هذه المدة وينقضي وينتهي كماله إليها، ولهذا سمي القيامة الوسطى كما سيجيء في (باب قيام الساعة) إن شاء اللَّه. ٢٤٨ - [٥١] (إبراهيم بن عبد الرحمن) قوله: (العذري) بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة منسوب إلى عذرة بن سعد. وقوله: (من كل خلف) (٣) بفتح اللام أي: من كل جماعة يخلف السابقين ويلحق بهم، فـ (من) تبعيضية، و (عدوله) فاعل (يحمل). وقوله: (تحريف الغالين) التحريف التغير لفظًا أو معنًى، والمراد تبديل الحق

стр. 582

وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الْمَدْخَلِ" مُرْسَلًا (١). [هق: ١٠/ ٢٠٩]. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ: "فَإِنَّمَا شِفَاءُ العيِّ السُّؤالُ" فِي "بَاب التَّيَمُّمِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالى. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٤٩ - [٥٢] عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلَامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ. . . . . . ــ بالباطل لفظًا أو معنى، أي: تأويلًا وصرفًا عن الظاهر، وغلا في الأمر غلوًّا: جاوز حَدّه، أي: المتجاوزين في أمر الدين عما حد له وبين. وقوله: (انتحال المبطلين) انتحله وتنحله: ادعاه لنفسه، وهو لغيره من شعر أو قول، وهو الكناية عن الكذب، كذا في بعض الشروح، وقوله: (من حديث بقية بن الوليد عن معاذ) هكذا في أكثر نسخ (المشكاة)، وفي بعضها: عن معان بالنون، وفي (الكاشف) (٢): معان بن رفاعة روى عنه بقية بن الوليد، وتحقيقه في أسماء الرجال. الفصل الثالث ٢٤٩ - [٥٢] (الحسن) قوله: (درجة واحدة) مبالغة في قرب منزلتهم من النبيين،

стр. 583

فِي الْجَنَّةِ". رَوَاهُ الدَّارمِيّ. [دي: ١/ ١١٢]. ٢٥٠ - [٥٣] وَعَنْهُ مُرْسَلًا قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِمًا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيرَ، وَالآخِرُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ عَلَى الْعَابِدِ الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٩٧ - ٩٨]. ٢٥١ - [٥٤] وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نِعْمَ الرَّجُلُ الْفَقِيهُ فِي الدِّينِ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ نَفَعَ، ــ ولذا أكد بواحد، ويمكن أن يكون وجهه -واللَّه أعلم- أنه قائم مقام الأنبياء في إبلاغ العلم وإحياء الدين، لكنه فرع وتابع لهم، فيكون أحط بدرجة منهم، ومع ذلك ينبغي أن يكون المراد الدرجة في إبلاغ العلم وثوابه لا في جميع الدرجات والمراتب. ٢٥٠ - [٥٣] (عنه) قوله: (والآخر يصوم النهار ويقوم الليل) وهو أيضًا عالم دون الأول أو مثله، بل أكثر منه، ولكن لم يشتغل بالعلم، بل صرف أوقاته إلى العبادة، كما قررنا سابقًا. ٢٥١ - [٥٤] (علي) قوله: (نعم الرجل الفقيه في الدين) الفقيه مخصوص بالمدح، و (في الدين) متعلق بـ (الفقيه). وقوله: (إن احتيج) استئناف أو صفة للفقيه، ومعنى الحديث -واللَّه أعلم-: أن من شأن العالم وما يليق بحاله أن لا يحوج نفسه إلى الخلق طمعًا في صحبتهم واختلاطهم ومنافعهم، ولا ينقطع عنهم مطلقًا بأن لا يفيدهم بالعلم ويحرمهم عنه،

стр. 584

وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ أَغْنَى نَفْسَهُ". رَوَاهُ رَزِينُ. ٢٥٢ - [٥٥] وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ. . . . . ــ بل إن احتاج الناس إليه بأن اضطروا إليه، ولم يكن هناك عالم سواه فيسألوه عن العلم ليفيدهم ويعلمهم، دخل فيهم للإفادة ونفعهم بالعلم؛ لئلا يضلوا ويهلكوا، (وإن استغني عنه) بأن لا يلتجئوا ويضطروا إليه وكان هناك من يكفيهم في التعليم (أغنى نفسه) ولم يداخلهم ولا يتذلل لهم، بل يستغني عنهم وبشتغل بالعبادة وبالعلم أيضًا بمطالعة الكتاب والسنة والتصنيف ونحوهما. ٢٥٢ - [٥٥] (عكرمة) قوله: (كل جمعة) المراد بالجمعة الأسبوع. وقوله: (فإن أبيت) أي: أبيت عن الاقتصار على هذا القدر وأردت الزيادة. وقوله: (ولا تمل) أمر من الإملال يعني الإيقاع في الملالة، يقال: أملّني وأملّ عليّ: أبرمني. وقوله: (هذا القرآن) الإشارة للتعظيم. وقوله: (ولا ألفينك) أي لا أجدنك أي: لا تأتيهم على هذه الجملة فأجدك عليها، ذكر اللازم وإرادة الملزوم. وقوله: (تأتي) حال من الضمير المنصوب لا مفعول ثان؛ لأن ألفى بمعنى وجد الذي بمعنى صادف لا بمعنى علم، يدل عليه كلام (القاموس) (١): ألفاه: وجده، وتلافاه: تدارك لتفسير تلافاه بمعنى تدارك.

стр. 585

فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلَّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ، وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٣٣٧]. ــ وقوله: (فتقص) و (فتقطع) مرفوعان عطفًا على (تأتي)، وفي بعض النسخ وقعا منصوبين على جواب النهي، والوجه هو الأول. وقوله: (فتملهم) منصوب بتقدير (أن) جوابًا للنهي. وقوله: (فإذا أمروك) أي: طلبوا العلم منك. وقوله: (وانظر السجع) المصحح في النسخ بصيغة الأمر من النظر، قال الطيبي (١): المعنى تأمل في السجع الذي ينافي إظهار الاستكانة والتضرع والتخشع فاجتنبه، فإنه أقرب إلى الإجابة، وقد يفهم من بعض الشروح أنه جعله من الإنظار بمعنى الإمهال والتأخير أي اتركه. وقوله: (فاجتنبه) تأكيد له، وهذا صحيح إن صحت الرواية، واللَّه أعلم. وقوله: (عهدت) أي: عرفت وعلمت، في (القاموس) (٢): العهد: الالتقاء والمعرفة، وفي (الصحاح) (٣): عهدي به قريب، أي: علمي ومعرفتي به. وقوله: (لا يفعلون ذلك) أي: السجع والتكلف فيه، وفي الرواية: (إلا ذلك) بزيادة حرف الاستثناء، فذلك إشارة إلى ترك السجع، كذا في بعض الشروح.

стр. 586

٢٥٣ - [٥٦] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْركَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الأَجْرِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كفْلٌ مِنَ الأَجْرِ". رَوَاهُ الدِّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٩٦]. ٢٥٤ - [٥٧] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتهِ عِلْمًا عَلِمَهُ ونَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، ــ ٢٥٣ - [٥٦] (واثلة بن الأسقع) قوله: (من طلب العلم فأدركه) يجوز أن يكون هذا بيان حال المجتهد كما ورد أنه إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وأن يكون بيان حال سائر طلبة العلم من أصحاب التحصيل بأنه إن حصل العلم كان له أجر العلم وأجر المشقة، وإن لم يحصل فأجر المشقة ثابت، كما في المجتهد، و (الكفل) بالكسر: الحظ والنصيب. ٢٥٤ - [٥٧] (أبو هريرة) قوله: (إن مما يلحق المؤمن) المستتر في (يلحق) راجع إلى (ما)، و (المؤمن) مفعول، والظاهر أن (من) تبعيضية، ويصح معنى البعضية باعتبار كل واحد، وحاصله اعتبار الحمل قبل العطف، فلا ينافي الحصر في الأشياء المذكورة. وقوله: (علمه) بالتخفيف، وفي بعض النسخ بالتشديد، والأول أظهر، وسيأتي بعد في حديث أنعى وبقرينة (ونشره) لئلا يكون تكرارًا، إلا أن يراد بنشر التعليم إكثاره وإشاعته. وقول: (وولدًا) بالواو والبواقي بـ (أو)، ولعل النكتة فيه الإشارة [إلى] أنه لو جمع التعليم والولد بأن يعلم الولد كان أولى وأحرى ليكون دعاؤه للوالد أفضل

стр. 587

أو مُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعُبِ الإيمَانِ". [جه: ٢٤٢، شعب: ٣١٧٤]. ٢٥٥ - [٥٨] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّهُ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكًا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ سَهَّلْتُ لَهُ طَرِيقَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَلَبْتُ كَرِيمَتَيْهِ أَثَبْتُهُ عَلَيْهِمَا الْجَنَّةَ، ــ وأقرب إجابة. وقوله: (ورثه) بالتشديد أي: تركه إرثًا، وقيل: وقفه في حال حياته، وكل هذه المذكورات راجعة إلى صدقة جارية، فلا ينافي الحصر في الثلاثة كما سبق. وقوله: (حياته) في حكم العطف التفسيري إشارة إلى أن التصدق لو كان في حال الحياة وإن لم يكن صحيحًا ما لم يبلغ الروح الحلقوم، ويكون الصحة مرجوة معتبر كما جاء في الحديث: (ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا) (١)، فافهم. وقوله: (تلحقه) يحتمل أن يكون متعلقًا بالكل، كرره تأكيدًا، أي: يلحق ثواب الأشياء الستة المذكورة المؤمن من بعد موته، ويحتمل أن يكون متعلقة بالصدقة، كرره بعد التعميم اهتمامًا بشأنها، والظاهر من كلام بعض الشارحين تعلقه بالصدقة بمعنى إن شرط أن يبقى عين المتصدق به بعد موته، كذا في شرح الشيخ، يعني لتكون صدقة جارية. ٢٥٥ - [٥٨] (عائشة) قوله: (كريمتيه) أي: عينيه الكريمتين عليه، في

стр. 588

وَفَضْلٌ فِي عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ فَضْلٍ فِي عِبَادَةٍ، وَمِلَاكُ الدِّينِ الْوَرَعُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٥٣٦٧]. ٢٥٦ - [٥٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ خَيْرٌ من إحْيَائِهَا. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٨٢، ١٤٩]. ــ (القاموس) (١): كريمتك: أنفك، وكل جارحة شريفة كالأذن واليد، والكريمتان: العينان، و (الملاك) بفتح الميم وكسره: قوامه الذي يملك به، كذا في (القاموس) (٢). وفي (مجمع البحار) (٣): هو بالكسر والفتح قوام الشيء ونظامه وما يعتمد عليه فيه، وكسر ميمه رواية، وفتحها لغة، و (الورع) (٤) التقوى كذا في (القاموس) (٥)، وقد يفرق بينهما بأن التقوى اجتناب الحرام، والورع اتقاء الشبهة، وقد يعكس. ٢٥٦ - [٥٩] (ابن عباس) قوله: (خير من إحيائها) إحياء ساعة من الليل أو كله، واللَّه أَعلم، وإحياء الليل إما بمعنى إضافة المصدر إلى المفعول كأن الليل ميت والعبادة فيه إحياء له، فإن حياة الوقت كونه محلًا لعبادة اللَّه وموته بعدمه، أو بمعنى (في) أيِّ إحياء النفس في الليل، فكأن القائم بالليل حيي والنائم ميت.

стр. 589

٢٥٧ - [٦٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجدِهِ فَقَالَ: "كِلَاهُمَا عَلَى خَيْرٍ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِليْهِ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ. وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقهَ أَوِ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا"، ثمَّ جَلَسَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٩٩ - ١٠٠]. ــ ٢٥٧ - [٦٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (مر بمجلسين) أي: بقومين جالسين في مكانين، أحدهما كانوا ذاكرين داعين، وثانيهما مذاكرين في العلم، أو المجلس محمول على حقيقته، والمراد بهؤلاء أهل المجلس. وقوله: (يرغبون إليه) أي يبتهلون ويتضرعون ويسألون، في (القاموس) (١): رغب فيه: أراده، وعنه: لم يرده، واليه: ابتهل، والطيبي (٢) قدر في وضمنه معنى التوسل، وقال: أي يرغبون فيما عند اللَّه من الثواب متوسلين إليه، ولا حاجة إلى ذلك، وحمل العبارة على الظاهر أنسب وأولى. وقوله: (فإن شاء أعطاهم) (٣) فمطلوبهم في احتمال ومقتصر على أنفسهم، وفائدة عمل الآخرين بآخر متعد إلى غيرهم. وقوله: (أو العلم) شك من الراوي.

стр. 590

٢٥٨ - [٦١] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا حَدُّ الْعِلْمِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فِي أَمْرِ دِينَهَا بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا، وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة شَافِعًا وَشَهِيدًا". ــ ٢٥٨ - [٦١] (أبو الدرداء) قوله: (ما حد العلم الذي. . . إلخ) في (القاموس) (١): الحد: الحاجز بين الشيئين، ومنتهى الشيء، وتمييز الشيء عن الشيء، والظاهر أن المراد في الحديث المعنى الأخير كما دل عليه كلام الطيبي (٢) حيث قال: حد الشيء الوصف المحيط بمعناه المميز عن غيره، ويحتمل إيراد المعنى الأول، فإن ما ذكر حد حاجز، أي: فاصل بين الفقيه وغيره، أو المعنى الثاني بأن يراد منتهى قدر كفايته، فافهم. وقوله: (من حفظ على أمتي (٣)) معنى الحفظ ههنا أن ينقل الأحاديث الأربعين إلى المسلمين وإن لم يحفظها ولا عرف معناها (٤)، وتحقيق معنى هذا الحديث والكلام

стр. 591

٢٥٩ - [٦٢] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدُ جُودًا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "اللَّهُ تَعَالَى أَجْوَدُ جُودًا، ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ، وَأَجْوَدُهُمْ مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَنَشَرَهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمِيرًا وَحْدَهُ، أَو قَالَ: أُمَّةً وَاحِدَةً". ٢٦٠ - [٦٣] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: . . . . . ــ في صحته وضعفه يطلب من (الأربعين) للنووي، وشرح الشيخ ابن حجر. ٢٥٩ - [٦٢] (أنس) قوله: (من أجود جودًا؟ ) الجود بضم الجيم: البذل مالًا كان المبذول أو علمًا، والأجود إما من الجودة بفتح الجيم ضد الرداءة، أي: من الذي جوده أحسن وأبلغ، أو من الجود على الإسناد المجازي نحو جد جده. وقوله: (وأجوده) هكذا في أكثر النسخ، والضمير لـ (بني آدم) بتأويل الإنسان، وفي بعض النسخ: (أجودهم) وهذا أظهر. وقوله: (يأتي يوم القيامة أميرًا وحده) أي: كملك عظيم معه جماعة لاجتماع الفضائل والكمالات في ذاته، أو كالأمة الواحدة كما في الرواية الأخرى نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، في (القاموس) (١): الأمير: الملك، والأمة: الجيل من كل شيء، والرجل الجامع للخير، والإمام. ٢٦٠ - [٦٣] (عنه) قوله: (منهومان) في (القاموس) (٢): النهم محركة والنهامة

стр. 592

مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي "شُعَبِ الإِيْمَانِ" وَقَالَ: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: هَذَا مَتْنٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. [شعب: ١٥٩٧، ١٦٣٢، ٩٧٩]. ٢٦١ - [٦٤] وَعَنْ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلَا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضًى لِلرَّحْمَنِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، قَالَ: وَقَالَ: الآخَرُ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٩٦]. ــ كسحابة: إفراط الشهوة في الطعام، وأن لا تمتلئ عين الآكل (١) ولا يشبع، والنهمة: الحاجة، وبلوغ الهمة والشهوة في الشيء. ٢٦١ - [٦٤] (عون) قوله: (يتمادى) أي: يذهب إلى الغاية، والمدى كفتى: الغاية. وقوله: (أن رآه) أي: لأن رآه، والرؤية بمعنى العلم. وقوله: (قال) أي قال عون: (قال) ابن مسعود ﵁. وقوله: (الآخر) أي الاستشهاد الآخر على زيادة منهوم العلم رضًا للرحمن، فقوله: الآخر مرفوِع، وقد ينصب على أنه مفعول (قال)، والتقدير ذكر الاستشهاد الآخر.

стр. 593

٢٦٢ - [٦٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ وَيَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآن يَقُولُونَ: نَأْتِي الأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَنَعْتَزِلُهُمْ بِدِينِنَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إِلَّا الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا -قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ: كَأَنَّهُ يَعْنِي- الْخَطَايَا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٥٥]. ٢٦٣ - [٦٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْم صَانوُا الْعِلْمَ، وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ، لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، فَهَانوُا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نبَيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: . . . . . ــ ٢٦٢ - [٦٥] (ابن عباس) قوله: (ولا يكون ذلك) كان تامة أي: لا يوجد ولا يصح ولا يستقيم الجمع بين التفقه في الدين والتقرب إلى الأمراء، ولا ينتج قربهم إلا الخسار والمضار كما لا يتحصل من (القتاد)، وهو شجر ذو شوك لا ثمر له (إلا الشوك) والجراحة والألم، وحذف المستثنى في جانب المشبه لفهمه من الكلام السابق، ولتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن، وإشارة إلى أنه يتضمن مضارّ لا تعدّ ولا تحصى ولا يكتنه كنهها. وقوله: (كأنه) أي: النبي ﷺ يعني بالاستثناء المحذوف الخطايا، وخص بالخطايا اهتمامًا بذكر المضار الدينية، وإلا فالاستثناء يعم المضار الدينية والدنيوية، والخطايا داخلة فيها. ٢٦٣، ٢٦٤ - [٦٦، ٦٧] (عبد اللَّه بن مسعود، وابن عمر) قوله: (لسادوا به أهل زمانهم) أي: لفاقوا وعزوا بسبب صون العلم جميع أهل زمانه من أهل الدين والدنيا، وذلك لأن سنة اللَّه جارية على أن من حفظ حرمة العلم حفظ اللَّه حرمته، ومن

стр. 594

"مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ [فِي] أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ في أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٥٧]. ٢٦٤ - [٦٧] وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ. . . إِلَى آخِرِهِ. [شعب: ١٧٤٤]. ٢٦٥ - [٦٨] وَعَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَإِضَاعَتُهُ أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ". . . . . ــ أضاعها أضاعه اللَّه، فنسأل اللَّه العافية. وقوله: (من جعل الهموم هَمًّا واحدًا) الهم: القصد، همّ به في نفسه أي قصد. وقوله: (همّ آخرته) بدل من (هَمًّا) (ومن تشعبت به) أي: تفرقت، والباء إما للتعدية أو للملابسة، و ([فِي] أحوال الدنيا) بدل من الهموم، ولم يقل هموم الدنيا إشارة إلى تحوله وتقلبه من حال إلى حال، وتفرق قلبه وتشعب باله وخروجه من مقام الجمع والطمأنينة. وقوله: (في أيِّ أوديتها) أي: أودية الهموم أو الدنيا وأحوالها، والمآل واحد، أي: لعله يهلك ويموت في حالة السوء ويختم له بسوء العاقبة، أعاذنا اللَّه من ذلك. ٢٦٥ - [٦٨] (الأعمش) قوله: (آفة العلم النسيان) تنبيه عن الاجتناب عن مباشرة الأسباب التي توجب النسيان من اقتراف الذنوب وارتكاب الخطايا وتشعب الهموم ومشاغل النفس والدنيا، والنسيان ضد الحفظ، وهو السهو بمعنى، وقد يفرق، وستعرفه في (باب سجود السهو) إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: (إضاعته) ضاع يضيع ضيعًا ويكسر وضيعة وضياعًا بالفتح: هلك.

стр. 595

رَوَهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا. [دي: ١/ ١٥٨]. ٢٦٦ - [٦٩] وَعَنْ سُفْيَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِكَعْبٍ: مَنْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ؟ قَالَ: الَّذِي يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ. قَالَ: فَمَا أَخْرَجَ الْعِلْمَ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ؟ قَالَ: الطَّمَعُ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٤٠]. ــ ٢٦٦ - [٦٩] (سفيان) قوله: (من أرباب العلم؟ ) في (القاموس) (١): رب كل شيء: مالكه ومستحقه أو صاحبه، ولهذا فسره الطيبي (٢) بقوله: أي من الذي ملك العلم أو رسخ فيه، وقد يجيء الرب بمعنى المربي والمدبر والمهتمم، والتربية زيادة في الشيء بالتدريج، وفي الحديث: (ألك نعمة تربها) (٣) أي: تحفظها وتراعيها وتربيها، ويمكن حمل الحديث على هذا المعنى، فإن العلم وأنواره يزيد ويتم ويصير محفوظًا من آفة النسيان، ويصفو ويتحلى بالعمل الصالح، وفي الحقيقة نور العلم والإيمان ونور العمل تتعاكسان في الترقي والإزدياد. وقوله: (فما أخرج العلم من قلوب العلماء؟ ) أي: بعثهم على ترك العمل الذي به صاروا أربابًا للعلم فانعزلوا وانسلخوا عنه، نعوذ باللَّه من الحور بعد الكور، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، قال سيدي الشيخ أبو العباس المرسي (٤): ما رأيت العز الأكبر إلا في رفع الهمة عن الخلق،

стр. 596

٢٦٧ - [٧٠] وَعَنِ الأَحْوَصِ بن حَكِيمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الشَّرِّ، ــ وقال ﵁: اشتريت في ابتداء أمري من رجل كان يعرفني شيئًا بنصف درهم، ولما كان قليلًا وقع في خاطري أنه لا يأخذ مني الثمن، فسمعت هاتفًا يقول: السلامة في الدين بترك الطمع في المخلوقين، وقال: صاحب الطمع لا يشبع أبدًا، ألا ترى أن حروفها كلها مجوفة، فإنه يصد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو أفضل الأعمال، وخصها بالعلماء فإنه لا يقدر على ذلك مع الطمع، وقيل: الطمع يصير الأسود ذبابًا، ثم الطمع توقع حصول مال من أحد يشك في وصوله منه، أما إذا كان جازمًا بوصوله لحق عليه كالخادم من المخدوم الذي عينه مشاهرة مثلًا فلا طمع، وكذا إذا كان بسبب يقيني، ويقرب من ذلك توقعه من صديق يغلب ظنه بعقد الأخوة والتزامه لذلك. وكان شيخنا الشيخ عبد الوهاب المتقي يقول: لما كنا في المركب راحلين إلى مكة فنزلناه بجزيرة مكران كما هو العادة أتانا نفر من العرب في زي الصلاح والمروة فاستفتونا وقالوا: إنا إذا حان موسم المراكب في بلدنا نستشرف حصول الخير من أهلها، هل هذا من الطمع والاستشراف الذي يكرهه القوم؟ فقلنا في جوابهم: عسى أن لا يكون من ذلك، فإن وصول المراكب في حقكم في الموسم كنزول المطر في موسمه، فمن انتظر المطر في موسمه لا يكون استشرافًا، فكذلك مجيء المراكب ونزولها لا يكون استشرافًا، واللَّه أعلم. ٢٦٧ - [٧٠] (الأحوص بن حكيم) قوله: (سأل رجل النبي ﷺ عن الشر) أي شر الناس لا الأعمال.

стр. 597

فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّرِّ وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ" يَقُولُهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: "أَلَا إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ شِرَارُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ١٠٤]. ٢٦٨ - [٧١] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: "إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: . . . . . ــ وقوله: (لا تسألوني عن الشر) أظهر ﷺ الكراهة عن ذكر أشرار الناس ووسمهم بذلك، وكرر ذلك، ثم لما لم يكن بد من بيانه وجواب سؤالهم (قال: ألا إن شر الشر شرار العلماء) المراد بالشر المضاف معنى التفضيل، وبالمضاف إليه إما معنى التفضيل أو الصفة فإنه يجيء بمعناهما، ثم إنه ﷺ لم يكتف ببيان شر الناس بل ذكر خيارهم أيضًا تلافيًا لما اعتراه من الكراهة بذكر الأشرار، وإنما كان الأمر كما ذكره ﷺ ؛ لأن العلماء قدوة الناس وأمراؤهم، وسائر الناس كالرعايا، ففسادهم بفسادهم (١)، وصلاحهم بصلاحهم، كالقلب بالنسبة إلى الجسد، قالوا: فساد الرعية بفساد الأمراء، وفساد الأمراء بفساد العلماء. ٢٦٨ - [٧١] (أبو الدرداء) قوله: (إن من أشر الناس) قال صاحب (القاموس) (٢): أشر لغة في شر قليلة أو رديئة، وقال الطيبي (٣): (من) زائدة، ولا يخفى عليك أنه إن أخذ التفضيل حقيقيًا فلا يكون إلا فرد واحد، وإن أخذ إضافيًّا فيمكن أن يصدق على متعدد، أو يعتبر التفضيل في الجماعات، فيكون جماعة من الناس أشر من جماعات

стр. 598

عَالِمٌ لَا ينْتَفع بِعِلْمِهِ". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٨٢]. ٢٦٩ - [٧٢] وَعَن زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ، وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ. رَوَاهُ الدِّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٧١]. ــ أخر، ويكون العلماء بعضًا منها، فيجوز أن يثبت (من) تبعيضية، فافهم. وقوله: (لا ينتفع بعلمه) بصيغة المعلوم، أي: لا يعمل بعلمه حتى ينتفع هو بنفسه وإن كان ينفع الناس، وقد يضبط بصيغة المجهول، أي: لا ينتفع الناس لعدم التعليم والتدريس والتصنيف، أو لعدم أمره إياهم بالمعروف ونهيه عن المنكر. ٢٦٩ - [٧٢]: (زياد بن حدير) قوله: (ابن حدير) بالحاء والدال المهملتين على صيغة التصغير. وقوله: (ما يهدم الإسلام) في (القاموس) (١): الهدم: نقض البناء، وكسر الظهر، ويناسب الحملى على المعنى الأول إثبات البناء للإسلام في قوله ﷺ : (بني الإسلام على خمسة)، ويمكن حمله على المعنى الثاني بطريق الاستعارة بالكناية، فإن بالعلماء يتقوى ظهر الإسلام، وبهم يستظهر أهله، فإذا زلّوا وداهنوا يضعف أمره، وينكسر ظهره وظهر أهله، وكذا جدال المنافق بالكتاب والسنة، والمراد به ما يشتمل جدال المبتدعة بالشبهة الواهية، والتأويلات الباطلة، وكذا حكم أمراء الجور والظلمة (٢)، والزائغين عن الحق، التابعين لشهواتهم وأهوائهم الذين يضلون الناس، ويأمرونهم بما يضلهم، وزلة العالم هو المقدم في ذلك، عافانا اللَّه.

стр. 599

٢٧٠ - [٧٣] وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: "الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَاكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَاك حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ١٠٢]. ــ ٢٧٠ - [٧٣] (الحسن) قوله: (فعلم في القلب) الفاء للتفصيل، والمراد بعلم في القلب ما ظهر أثره ونوره في القلب بأن يعمل به وجرى على مقتضاه، وبـ (علم على اللسان) ما هو بخلاف ذلك، وقد يحمل على علمي الظاهر والباطن (١)، وهما علم المعاملة وعلم المكاشفة، والمعنى الأول أنسب بقوله: وعلم على اللسان، واللَّه أعلم. قال الشيخ ابن عطاء اللَّه في (كتاب الحكم) (٢): العلم النافع: هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه، ويكشف عن القلب قناعه. وقال الشيخ أبو عبد اللَّه محمد بن علي الحكيم الترمذي: العلم النافع هو الذي قد تمكن في الصدر وتصور، وذلك أن النور إذا أشرق في القلب تصورت الأمور حسنها وسيئها، ووقع بذلك ظل في الصدر فهو صورة الأمور فيأتي حسنها ويجتنب سيئها، فذلك هو العلم النافع من نور القلب خرجت تلك العلائم إلى الصدر وهي علامات الهدى، والعلم الذي يتعلمه فذلك علم اللسان، إنما هو شيء قد استودع

стр. 600

٢٧١ - [٧٤] وَعَنْ أَبيِ هُرَيرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِيكُمْ، ــ الحفظ، والشهوة غالبة عليه قد أحاطت به وأذهبت بظلمتها ضوءه، وقال بعضهم: العلم النافع علم الوقت وصفاء القلب، والزهد في الدنيا، وما يقرب من الجنة، وما يبعد عن النار، والخوف، والرجاء، وآفات النفوس وطهارتها، وهو النور المشار إليه بقوله: (إنه نور يقذفه اللَّه في قلب من شاء) دون علم اللسان والمعقول والمنقول. وقال صاحب (الحكم) (١): خير علم ما كانت الخشية معه، وقال: العلم إن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك، وقال في (لطائف المنن) (٢): وشاهد العلم الذي هو مطلوب اللَّه تعالى الخشية للَّه، وشاهد الخشية موافقة الأمر، أما علم يكون معه الرغبة في الدنيا، والتملق لأربابها، وصرف الهمة لاكتسابها (٣)، والجمع والادخار والمباهات والاستكثار وطول الأمل ونسيان الآخرة، فما أبعد من هذا العلم علمه من أن يكون ورثة الأنبياء، ثم معيار الخشية وتحقيق العلم باللَّه إنما هو عدم المبالاة بغيره في إقبال وإدبار، رزقنا اللَّه. ٢٧١ - [٧٤] (أبو هريرة) قوله: (حفظت من رسول اللَّه) في أكثر الروايات (عن)، وفي بعضها (من)، وهذا أظهر لأنه صريح في تلقيه منه ﷺ بلا واسطة، والظاهر من حال أبي هريرة بل من حال الصحابي مطلقًا كذلك. وقوله: (وعاءين) بياءين في بعض النسخ، وفي بعضها بهمزة وياء وهذا أظهر،
следующие страницы →