← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

أن أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَجَا، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: كُفِيتُم مَا هَهُنَا، فَلَا يَلْقَى أحدًا إِلَّا رَدَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦١٥، م: ٢٠٠٩]. ٥٨٧٠ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَو إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ (١): "أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرَئِيلُ آنِفًا، أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. . . . . ــ للرد، أو متعلق بقوله: (فاللَّه لكما)، ومعناه: فاللَّه شاهد لأجلكما بأن أرد عنكما الطلب، وعلى التقديرين (فاللَّه لكما) مبتدأ وخبر، وقد ينصب بتقدير أشهد اللَّه أو على القسم بحذف حرفه، ويؤيده ما نقل الطيبي (٢) من رواية (شرح السنة): (واللَّه) على القسم. وقوله: (كفيتم) بلفظ المجهول، و (ما) في (ما ههنا) إما موصولة، أي: كفيتم الذي هنا، أي: كفيتم طلبه في هذا الجانب؛ لأنه ليس فيه من يطلبونه، أو نافية، أي: ليس ههنا من يطلبونه أو أحد. ٥٨٧٠ - [٣] (أنس) قوله: (يخترف) أي: يجتني الثمر من الشجر، خرف الثمار واخترفها: جناه، أي: كان في حائطه وبستانه يقطع التمر من نخيله. وقوله: (إلى أبيه أو إلى أمه) أي: ما سبب شبهه لأحدهما؟ يقال: نزعه إليه: أشبهه به.

стр. 5602

فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبق مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ". قَالَ: أَشْهدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعلَمُوا بِإِسْلَامِي مِنْ قَبْلِ أَنْ تَسْأَلهُمْ يَبْهَتُونَنِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ: "أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ؟ " قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ " قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا فَانْتَقَصُوهُ، قَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! . رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٨٠]. ــ وقوله: (فنار تحشر الناس) مر شرحه في (باب أشراط الساعة) والمراد بـ (زيادة كبد حوت): القطعة المعلقة بالكبد، وهو في غاية اللذة في الطعم. وقوله: (إذا سبق) أي: غلب وعلا، والسبق: التقدم، والمراد هنا الغلبة، كذا قيل، وقد سبق في (باب الغسل) من (كتاب الطهارة) أن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه، والمراد بالعلو الغلبة، ويمكن جعل السبق متضمنا للمعنيين، فافهم. وقوله: (نزع) أي: ذلك السبق أو الرجل بسبب سبق مائه، وهذا أنسب بقوله: (نزعت)، والبهت بضمتين: جمع بهوت بالفتح بمعنى المباهت، ويجوز التسكين تخفيفًا، بهته: قال عليه ما لم يفعل. وقوله: (يبهتونني) أي: بعد السؤال. وقوله: (ابن خيرنا) لأنه كان من أولاد يوسف بن يعقوب ﵇.

стр. 5603

٥٨٧١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَنَا إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ، لَفَعَلْنَا. . . . . ــ ٥٨٧١ - [٤] (وعنه) قوله: (حين بلغنا إقبال أبي سفيان) أي: إقباله بالعير من الشام إلى مكة، وكان بالعير تجارة عظيمة، فأعجب المسلمين تلقي العير لكثرة الخير، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبرهم، فخرج أبو جهل بأهل مكة أجمعهم، فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا، واللَّه لا أرجع، وزعم أن المسلمين قليل ومعه ناس كثير، فمضى بهم إلى بدر فوقع من وقعة بدر ما وقع، على ما ذكر في كتب السير، والمقصود هنا ذكر معجزته ﷺ ، وهو تعيين مصارع المشركين من قبل أن يقع القتال. وقوله: (لو أمرتنا أن نخيضها) الضمير للمراكب بقرينة الحال، خاض الماء يخوضه خوضًا: دخله، وأخاض الفرس وخاوضه: أدخله، و (برك الغماد) بكسر الموحدة وتفتح، والغماد مثلثة المعجمة: بلدة باليمن، أو وراء مكة بخمس ليال، أو أقصى معمور الأرض، كذا في (القاموس) (١). قال في (المشارق) (٢): أكثر الرواية فيه في الصحيحين بفتح الباء، وعند بعض رواة البخاري بكسر الباء، وسكون الراء، والغماد بغين معجمة، يقال بكسرها وضمها، وميم مخففة، وآخره دال مهملة: موضع في أقاصي هَجَرَ، ووقع في كتاب

стр. 5604

قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ" وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ هَهُنَا وَهَهُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٩]. ٥٨٧٢ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ: "اللهُمَّ أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ" فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بَيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، ــ الأصيلي بكسر الباء وكذا عند المستملي والحموي، ولغيرهم من رواة مسلم بفتحها. وقوله: (فندب رسول اللَّه ﷺ الناس) ندبه إلى الأمر: دعاه وحثه، ووجهه، و (البدر) موضع معروف بين مكة والمدينة، وقد سبق وجه تسميته بدرًا في (كتاب الجهاد). وقوله: (فما ماط) أي: بَعُد وتجاوز. ٥٨٧٢ - [٥] (ابن عباس) قوله: (أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين، أي: سألتك إيفاء عهدك، وإنجاز وعدك الذي وعدتنيه بالنصر على أعداء الدين، ويقال: أنشدك اللَّه وأنشدك باللَّه، أي: سألتك به، وأستحلفك، وأصله من نشد الضالة وأنشدها بمعنى طلبها وعرّفها، كأنك ذكرته إياه فنشد، أي: تذكر. وقوله: (ألححت على ربك) أي: بالغت في الدعاء كل المبالغة، وإلحاحه ﷺ كان تشجيعًا للمسلمين وتثبيتًا لهم؛ لأنهم كانوا عالمين أن دعاءه مستجاب لاسيما إذا بالغ فيه.

стр. 5605

فَخَرَجَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ وَهُوَ يقولُ: " ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٨٧٥]. ــ وقوله: (وهو) أي: رسول اللَّه ﷺ (يثب) من الوثوب، أي: يسرع فرحًا ونشاطًا، كان رسول اللَّه ﷺ بين خوف من غنى الحق ورجاء بوعده، فرجح بما وجد من اليقين والطمانينة من أبي بكر ﵁ جانب الرجاء، فقام وهو يخبر بانهزام الكفار ونصرة المؤمنين إعجازًا بإطلاع اللَّه إياه على الغيب. قال الخطابي (١): لا يظن أحد أن أبا بكر ﵁ كان أوثق بربه من النبي ﷺ في تلك الحال حاشا، بل الحامل له ﷺ على ذلك شفقة على أصحابه وتقوية لقلوبهم؛ لأنه كان أول مشهد شهده فبالغ في التوجه والابتهال لتسكين نفوسهم؛ لأنهم كانوا يعلمون أن مسألته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال علم أنه استجيب لما وجد عند أبي بكر من القوة والطمأنينة فكف عن ذلك. قال بعض العارفين: كما أن وعده تعالى صدق، كذلك لا يجب عليه حق، فوجب اعتبار الأصلين عند التعارض بتقدير الوعد بشرط ستره تعالى عنك، إذ لا يجب عليه بيان ما يريد إشراطه، بل يصلح في الحكمة ستره إبقاءً لسطوة الربوبية في نظر العبد، واستبقاءً لأحكام العبودية عليه، وبذلك تأدب خليل الرحمن صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم حيث قال لقومه: ﴿خَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ جزمًا بحكم الوعد، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ رجوعًا لاتساع العلم، ثم قال: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠] دفعًا لما يتوهم في استثنائه، وتحقيقًا لما عنده من النظر لاتساع العلم، وكأنه يقول: إنما استثنيت رجوعًا لاتساع العلم وقيامًا بحق الأدب لا شَكًّا في الوعد.

стр. 5606

٥٨٧٣ - [٦] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "هَذَا جِبْرَئِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ أَداةُ الْحَرْبِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٩٩٥]. ــ وكذلك نبي اللَّه شعيب ﵊ حيث قال: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾، فجعل برهان صدقه عدم عوده في ملتهم، قال: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ جزمًا بمقتضى الوعد، ثم استثنى في حاله رجوعًا لاتساع العلم فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾، ثم رفع الإبهام بقوله: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ الآية [الأعراف: ٨٩]. ولما نظر نبينا ﷺ يوم بدر لاتساع العلم قال: (إن أهلكت هذه العصابة لن تعبد بعد اليوم)، ونظر أبو بكر ﵁ إذ ذاك لظاهر الوعد فقال: دع مناشدتك ربك فإنه قد وعدك بالنصر، قال الإمام أبو حامد (١): والأول أتم وهذا صحيح واضح، واللَّه أعلم، انتهى. يعني حال النبي ﷺ أتم وأكمل لشهوده من صفات القهر والجلال ما لم يشاهده أبو بكر حيث اقتصر علمه على ظاهر الوعد، ولم يتعد إلى مشاهد غنى الحق، وسطوته وجلاله، وإلى اتساع علمه، وأنه لا يجب عليه شيء، وأنه كما وجب أن لا يهتمّ في وعده الكريم لزم أن لا يهتمّ في فعله الحكيم، إذ الكل من عنده، هذا بحكم البر، وهذا بحكم القهر، وفي الجميع قهره وبره. ومن هنا يقال: إنه يحصل الأمن للمقربين بحكم الإيمان بصدق الوعد، ويبقى الخوف بمعرفة صفة (لا أبالي)، ولهذا صدر من المبشرين من الصحابة ما هو يشعر بغاية الخوف، يفعل اللَّه ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، واللَّه أعلم. ٥٨٧٣ - [٦] (وعنه) قوله: (آخذ) بلفظ اسم الفاعل (برأس فرسه) أي: آخذ

стр. 5607

٥٨٧٤ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي إِثْرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ. إِذْ نَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، ــ بعنانه، وهو كناية عن التهيأ للحرب، والمعجزة حضور جبرئيل للحرب معه، ورؤيته ﷺ إياه يومئذ، أي: يوم وقعة بدر. ٥٨٧٤ - [٧] (وعنه) قوله: (يشتد) من الشدة وهي الحملة في الحرب، والشد: العدو، (أمامه) صفة (رجل من المشركين)، و (أقدم) أمر من الإقدام، أو من قَدَم، من نصر، من التقدم، و (حيزوم) بالحاء المهملة والتحتية والزاي، على وزن منصور: اسم فرس جبرئيل، كذا في (القاموس) (١) من حزمه يحزمه: شده، أو من حزم الفرس: شد حِزامه. وقيل: اسم فرس مَلَك من الملائكة، (إذ نظر) بدل من (إذ سمع). وقوله: (فإذا هو قد خطم) بالخاء المعجمة والطاء المهملة بلفظ المجهول، خطمه يخطمه: ضربه على أنفه، والخطام بالكسر: سمة على أنف البعير أو على وجهه من الخد، كذا في (القاموس) (٢)، والمراد هنا أنه ظهر على أنفه أثر ضربته، وقد أصاب أنف الوليد بن المغيرة جراحة يوم بدر فبقي أثره، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]. وقوله: (فاخضر) من الاخضرار، وكذلك يبقى أثر الضرب.

стр. 5608

فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ" فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٦٣]. ٥٨٧٥ - [٨] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يُقَاتِلَانِ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رأيتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، يَعْنِي جِبْرئِيلَ وَمِيكَائِيلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٥٤، م: ٢٣٠٦]. ٥٨٧٦ - [٩] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ رَهْطًا إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ: فَوَضَعْتُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ. . . . . ــ وقوله: (فجاء الأنصاري) وهو الرجل من المسلمين ولذا عرفه واسمه. وقوله: (ذلك) أي: سماع ضربة بالسوط. . . إلخ. ٥٨٧٥ - [٨] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (كأشد القتال) أي: قتالًا مثل أشد ما يكون من القتال، وقيل: الكاف زائدة. وقوله: (يعني جبرئيل وميكائيل) تفسير من الراوي، وكان ذلك لسماع من النبي وإخباره ﷺ . ٥٨٧٦ - [٩] (البراء) قوله: (إلى أبي رافع) كنية [ابن] أبي الحقيق بالحاء المهملة وقافين بينهما تحتانية على لفظ التصغير، أعدى عدو رسول اللَّه ﷺ ، نبذ عهده وهجاه، (عتيك) بالمهملة والفوقانية على وزن عتيق.

стр. 5609

أَفْتَحُ الأَبْوَابَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَانْكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: "ابْسُطْ رِجْلَكَ". فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا، فَكَأَنَّمَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٠٤٠]. ٥٨٧٧ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاؤُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ فَقَالَ: "أَنَا نَازِلٌ"، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّام لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِعْوَلَ، فَضَرَبَ فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ، ــ وقوله: (أفتح الأبواب) أي: أبواب حصن له تحصن به ليدخل الرهط الذي بعثهم رسول اللَّه ﷺ معه لقتله، وكان دخل الحصن هو ليلا بالحيلة، وتركهم خارجه، وقصته مذكورة في كتب السير وفي أوائل (كتاب المغازي) من (صحيح البخاري) بعد غزوة بدر. وقوله: (فوقعت) أي: من تلك الدرجة (ليلة مقمرة) أي: مضيئة من نور القمر، يقال: أقمرت الليلة: صارت ذا قمر، وسبب الوقوع اشتباه الدرج بالأرض لضوء القمر. ٥٨٧٧ - [١٠] (جابر) قوله: (كدية) بضم الكاف وسكون الدال المهملة بعده ياء تحتانية: الأرض الغليظة، والشيء الصلب بين الحجارة والطين، والذواق بالفتح: ما يذاق من المأكول والمشروب، وفي الحديث: لا يتفرقون إلا عن ذواق، أي: عن علم وأدب؛ لأنه يقوم للأرواح مقام الطعام والشراب للأجسام، و (المعول) كمنبر: الحديدة ينقر بها الجبال، و (الكثيب) بالمثلثة: التل من الرمل، و (أهيل) بالتحتانية على

стр. 5610

فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرأَتِي فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ خَمصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بَهْمَةٌ دَاجِن فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنتُ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ! . . . . . ــ وزن أفعل، فسره الطيبي (١) برمل سائل، وفي (القاموس) (٢): هال عليه التراب هيلًا وأهاله فانهال: صبه فانصب. ورمل هال وأهيل: منهال. وقوله: (فانكفأت إلى امرأتي) أي: انصرفت وملت، من كفأه: صرفه وكبه، وأكفأ: مال وأمال وقلب، كذا في (القاموس) (٣)، واسم امرأته سهيلة بنت معوذ الأنصارية، والخمص بفتح المعجمة وسكون الميم، وقيل: بفتحها أيضًا: الجوع كالخمصة والمخمصة، ورجل خميص: ضامر البطن من الجوع، و (البهم) بفتح الباء وسكون الهاء، والجمع بهم ويحرك: أولاد الضان، وفي بعض النسخ: (بهيمة) بلفظ التصغير، والداجن من الحمام والشاة وغيرهما ألفت بالبيوت، من دجن بالمكان دجونًا: أقام، (وطحنت) بلفظ الواحدة الغائبة، وفي بعض النسخ بلفظ المتكلم. و(البرمة) بالضم والسكون: القدر من الحجارة، والجمع: بُرْم وكصرد. وقوله: (فساررته) أي: قلت له خفية وسرًّا. وقوله: (ذبحنا بهيمة) بلفظ التصغير، و (النفر) ما دون العشرة من الرجال، كذا

стр. 5611

إِنَّ جَابِرًا صَنَعَ سُورًا فَحَيَّهَلًا بِكُمْ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ". وَجَاءَ فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنا فَبَصَقَ وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: "ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكَ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا" وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمَ بِاللَّهِ لأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٠٢، م: ٢٠٣٩]. ــ في (القاموس) (١)، وفي (مختصر النهاية) (٢): هو رهط الإنسان وعشيرته، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة من ثلاث إلى عشرة، ولا واحد له من لفظه، والسور غير مهموز بضم السين: طعام يدعى إليه الناس، وهي كلمة فارسية، وفي (القاموس) (٣): السور: الضيافة، فارسية شرفها النبي ﷺ . و(حيهلًا) مركب من حيّ وهَلْ، ويستعمل بالتنوين وبدونه، ومعناه الحث والاستعجال، وقد مرّ تحقيقه في موضعه، و (لا تنزلن) بضم التاء واللام، (ولا تخبزن) بفتح التاء وضم الزاي، و (فأخرجت) بسكون التاء. وقوله: (واقدحي) أمر من قدح يقدح كفتح يفتح، قدح القدر: غرف ما فيها، وقدحة من المرق: غَرفة منه. وقوله: (لتغط) أي: تفور وتغلي، من ضرب، في (القاموس) (٤): غطت القدر:

стр. 5612

٥٨٧٨ - [١١] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَمَّارٍ حِينَ يَحْفِرُ الْخَنْدَقَ فَجَعَلَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: "بُؤسَ ابْنِ سُمَيَّةَ! تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩١٤]. ٥٨٧٩ - [١٢] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ أَجْلَى الأَحْزَابَ عَنْهُ: . . . . . ــ صوتت أو اشتد غليانها. ٥٨٧٨ - [١١] (أبو قتادة) قوله: (بؤس) بضم الموحدة وسكون الهمزة: العذاب والشدة في الحرب، وفي رواية: (ويح عمار)، و (سمية) بضم السين المهملة وفتح الميم المخففة وبالياء المشددة: اسم أم عمار، و (بؤس) منادى مضاف، وحرف النداء محذوف، والخطاب في (تقتلك) بطريق الالتفات، وقال الطيبي (١): نادى بؤسه وأراد نداءه فلذلك خاطبه، وقد يروى: بؤس بالرفع، أي: عليك بؤس، أو يصيبك بؤس، وعلى هذا (ابن سمية) منادى بحذف حرف النداء، والمراد بـ (الفئة الباغية) معاوية ومن معه فإنه قتل يوم صفين، وكان مع علي ﵁ وهو من دلائل حقانية علي في تلك القضية، وهذا الحديث له طرق كثيرة يكاد يبلغ حد التواتر، وقد أوردناها في رسالة (تحقيق الإشارة في تعميم البشارة)، والمعجزة في هذا: الإخبار بالغيب. ٥٨٧٩ - [١٢] (سليمان بن صرد) قوله: (حين أجلي) بلفظ المجهول (٢) من الإجلاء، أي: انكشفوا وتفرقوا، من جلا القوم عن الموضع جلوًا وجلاء، وأجلوا: تفرقوا، و (الأحزاب) جمع حزب بمعنى جماعة الناس، وقد اجتمع قريش في عشرة آلاف، ووافقهم يهود قريظة وغيرهم، فأرسل اللَّه عليهم ريحًا وجنودًا من الملائكة،

стр. 5613

"الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَّا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِم". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤١١٠]. ٥٨٨٠ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلاحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرَئِيلُ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِم، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَأَيْنَ؟ " فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ . مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١١٧، م: ١٧٦٩]. ٥٨٨١ - [١٤] وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا فِي زُقَاقِ بَنِيَ غَنْمٍ مَوْكِبَ جِبْرَئِيلَ ﵇ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. [خ: ٤١١٨]. ــ وذلك في غزوة الخندق، وتسمى غزوة الأحزاب فهزمهم اللَّه، وأخبر رسول اللَّه ﷺ بأنهم لا يسيرون إلينا ولا يأتوننا بعد، وتمامه ذُكِر في كتب السير. وقوله: (ولا يغزونا) بتشديد النون، ويجوز في مثله التخفيف لكن الموجود في النسخ التثقيل. ٥٨٨٠ - [١٣] (عائشة) قوله: (واغتسل) وجاء في الروايات: غسل أحد شقيه، يعني: لم يتم غسله، فيجوز أن يكون المعنى شرع في الغسل. وقوله: (وهو ينفض رأسه) الضمير لجبرئيل. ٥٨٨١ - [١٤] (أنس) قوله: (بني غنم) بفتح الغين المعجمة وسكون النون وقد يحرك: قبيلة من الأنصار. وقوله: (موكب) منصوب على نزع الخافض، أي: من موكبه، وفي بعض الروايات بإثبات (من)، والموكب: الجماعة ركبانًا أو مشاة، من وكب يكب وكوبًا

стр. 5614

٥٨٨٢ - [١٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ وَنَشْرَبُ إِلَّا مَا فِي رَكْوَتِكَ، فَوضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَه فِي الرِّكْوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ، قَالَ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا، قِيلَ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِئَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِئَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٥٢، م: ١٨٥٦]. ــ ووكبانًا: مشى في درجان، ومنه الموكب، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): الموكب جماعة ركاب يسيرون برفق، وقيل: الموكب: ضرب من السير، والمعجزة هنا مجيء جبرئيل لابس السلاح مع موكبه للحرب ورؤية الغبار في موكبه. ٥٨٨٢ - [١٥] (جابر) قوله: (ركوة) بفتح الراء وسكون الكاف. وقوله: (فجعل الماء يفور من بين أصابعه) وهذا أعني نبوع الماء من يده ﷺ وقع مرارًا كثيرة في عدة مواطن بطرق متعددة، ويفيد مجموعها العلم القطعي، وقد فصل الكلام فيه في (المواهب اللدنية) (٣)، قلت: وكذلك حال تكثير الطعام القليل، وحنين الجذع، وغير ذلك مما ذكر العلماء. وقوله: (كنا خمس عشرة مئة) كأن الظاهر أن يقال: ألف وخمس مئة، قيل: عدل عن الظاهر لاحتمال التجوز في الكثرة، كما في قوله: لو كنا مئة ألف كما يأتي في الحديث الآتي، وقيل: إنما قال: خمس عشرة مئة أو أربع عشرة مئة لأنهم كانوا أفواجًا

стр. 5615

٥٨٨٣ - [١٦] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِئَةً يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا، فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا ثُمَّ قَالَ: "دَعُوهَا سَاعَةً" فَأَرْوَوْا أَنْفُسَهُمْ وَرِكَابَهُمْ حَتَّى ارْتَحَلُوا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤١٥١]. ٥٨٨٤ - [١٧] وَعَنْ عَوْفٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَن عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَلَ، فَدَعَا فُلَانًا كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ وَنَسِيَهُ عَوْفٌ، وَدَعَا عَلِيًّا، فَقَالَ: "اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ". فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ، ــ من مئة مئة نفس، والتحقيق في أهل الحديبية أنهم كانوا ألفًا وأربع مئة، وقيل: أكثر من ألف وأربع مئة، فمن قال: ألفًا وخمس مئة فقد جبر الكسر أو قال على غلبة ظنه. ٥٨٨٣ - [١٦] (البراء بن عازب) قوله: (والحديبية بئر) قال في (القاموس) (١): الحديبية بالتخفيف وقد يشدد: بئر قرب مكة، أو لشجرة حدباء كانت هناك. وقوله: (فأرووا) بلفظ الماضي للغائبين من الإرواء. وقوله: (ارتحلوا) أي: كانوا هم وركابهم يروون منها مدة إقامتهم هنالك، والركاب: الإبل، واحللها راحلة، كذا في (القاموس) (٢)، وكان مدة إقامتهم فيها زهاء عشرين يومًا. ٥٨٨٤ - [١٧] (عوف) قوله: (بين مزادتين أو سطيحتين) المزادة بفتح الميم: في

стр. 5616

فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: اسْقُوا، فَاسْتَقَوْا، قَالَ: فَشَرِبنَا عِطَاشًا أَرْبَعِينَ رَجُلًا، حَتَّى رَوِينَا، فَمَلأَنَا كُلَّ قِربَةٍ مَعَنَا وَإِداوَةٍ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا. . . . . ــ الأصل وعاء يوضع فيه الزاد، ويطلق على الراوية وهي المزادة التي فيها الماء، أو لا تكون إلا من جلدين تفأم بثالث بينهما لتتسع، كذا في (القاموس) (١)، وفي (فتح الباري) (٢): المزادة: قربة كبيرة يزاد فيها جلد من غيرها، والسطيحة أيضًا بمعنى المزادة، وقيل: هي نوع من المزادة من جلدين سطح أحدهما على الآخر. وقوله: (فجاءا) ضمير التثنية لعلي وفلان. وقوله: (فاستنزلوها) أي: المرأة أو المزادة، فاستنزل على الأول على معناه من طلب النزول، وعلى الثاني بمعنى الإنزال، والظاهر هو المعنى الأول. وقوله: (ففرغ فيه) من التفريغ، أي: صب الماء في الإناء، والأفواه بمعنى التثنية من قبيل ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. وقوله: (اسقوا) بكسر الهمزة وفتحها: أمر من سقى أو أسقى، والأول أفصح. وقوله: (عطاشًا) حال من ضمير (شربنا)، وكذا قوله: (أربعين) مترادفة أو متداخلة. وقوله: (حتى روينا) روي كرضي. وقوله: (لقد أقلع) بلفظ المجهول من الإقلاع، أي: كف عن تلك المزادة

стр. 5617

وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَينَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْئَةً مِنْهَا حِين إبْتَدَأَ (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧١، م: ٦٨٢]. ٥٨٨٥ - [١٨] وَعَن جَابِرٍ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، وَإِذَا شَجَرَتَيْنِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: "انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ". . . . . ــ وتركت، والإقلاع عن الأمر: الكف عنه، والمعنى أنهم شربوا منها ورووا وتركوها وهم يتخيلون أن ما بقي فيها أكثر مما كان أولًا، والمراد المبالغة في بقائها على حالها. و(ملئة) بكسر الميم وسكون اللام مهموزًا للحالة، وبقية الحديث: فقال النبي ﷺ : (اجمعوا لها)، فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعامًا فجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: (تعلمين ما رزأنا من مائك شيئًا ولكن اللَّه هو الذي سقانا)، فأتت أهلها، فقالت: العجب، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فواللَّه إنه لأسحر الناس كلهم، أو إنه لرسول اللَّه حقًّا، فقالت لقومها: فهل لكم في الإسلام؟ . . . الحديث، كذا في (المواهب اللدنية) (٢)، وجاء في بعض الروايات وفي آخره: فأطاعوها فدخلوا في الإسلام. ٥٨٨٥ - [١٨] (جابر) قوله: (واديًا أفيح) أي: واسعًا. وقوله: (إذا شجرتين) أي: رأى شجرتين أو وجدهما، وفي بعض الروايات:

стр. 5618

فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: "انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ" فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا قَالَ: "الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ" فَالْتَأَمَتَا، فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا وإذَا الشَّجَرَتَيْنِ قَدِ افْتَرَقتا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠١٢]. ــ شجرتان بالرفع. و (المخشوش) البعير الذي يجعل في أنفه الخشاش، بكسر الخاء المعجمة: خشبة تجعل في أنف البعير ليكون أسرع إلى الانقياد. وقوله: (يصانع) أي: يطاوع وينقاد، والمصانعة في الأصل: الرشوة والمداراة والمداهنة. وقوله: (حتى إذا كان بالمنصف) بفتح الميم والصاد، أي: الموضع الذي هو وسط بين الموضعين. قوله: (أحدث نفسي) يعني في وقوع هذا الأمر العجيب الذي رأيته ما هو؟ وكيف هو؟ أو في شيء آخر كما هو عادة الإنسان، (فكانت) أي: ظهرت، من كان: إذا أتى وقت الشيء، (مني لفتة) بفتح اللام وسكون الفاء، أي: التفاتة، أي: كنت مستقلًا بنفسي لا ألتفت إلى شيء فإذا التفت رأيت رسول اللَّه ﷺ (مقبلًا) أي: [من] هذا الجانب، (وإذا الشجرتين) أي: رأيتهما. وقوله: (فقامت كل واحدة منهما على ساق) يظهر منه أنهما كانتا التأمتا كأنها شجرة واحدة على ساق واحدة، أو المراد أنهما عادتا إلى الحال الأصلي كما كانتا، فافهم.

стр. 5619

٥٨٨٦ - [١٩] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، فَقُلْتُ: يَا بَا مُسْلِمٍ! مَا هَذِه الضَّربةُ؟ قَالَ: ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلمَةُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ، فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٣٠٦]. ــ ٥٨٨٦ - [١٩] (يزيد بن أبي عبيد) قوله: (فما اشتكيتها حتى الساعة) قيل في أكثر نسخ البخاري بجر (الساعة)، قال الكرماني (١): يلزم منه الاشتكاء زمن الحكاية، ولعل وجهه أن (حتى) حينئذٍ تكون للغاية بمعنى (إلى)، وحكم الغاية يجب أن يكون على خلاف حكم المغيا؛ لأنه ينتهي عدم الاشتكاء إلى هذا الزمان فيلزم أن يكون فيه اشتكاء. فقال: إن لفظ (الساعة) منصوب، و (حتى) للعطف، والمعطوف داخل في حكم المعطوف عليه، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، وقيل: يمكن أن يكون المعنى على تقدير كونها مجرورًا، وكون (حتى) للغاية: ما وجدت أثر وجع إلى الآن، وأما بعده فما أدري أجده أم لا، فيصدق أن حكم ما بعد (حتى) خلاف ما قبلها، أو المراد نفي الشكاية بآكد وجه بأن يكون المراد ما وجدت وجعًا إلى الآن، فلو أمكن أن يوجد وجع يكون بعد ذلك، ومن المحال عادة أن يوجد وجع بعد مدة مضت من ضربه، انتهى. ولا يخفى ما في الوجهين من التكلف، والجواب الصحيح أن يقال: إن كون حكم الغاية على خلاف حكم المغيا غير مطرد، فقد تكون الغاية داخلة في المغيا ولو بقرينة المقام، فتدبر.

стр. 5620

٥٨٨٧ - [٢٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَعَى النَّبِيُّ ﷺ زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، -يَعْنِي خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ- حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٦٢]. ٥٨٨٨ - [٢١] وَعَنْ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . . . ــ ٥٨٨٧ - [٢٠] (أنس) قوله: (نعى النبي ﷺ ) أي: أخبر الناس بموتهم، وكانت في غزوة موتة بلدة بالشام كانت في السنة الثامنة، وكان المسلمون ثلاثة آلاف، والروم مئة ألف، وتمام قصته في كتب السير. وقوله: (وعيناه تذرفان) حال من ضمير (قال)، والضمير للنبي ﷺ ، و (تذرفان) أي: تدمعان الدمع. وقوله (يعني خالد بن الوليد) بيان لـ (سيف من سيوف اللَّه)، وهذا لقب خالد ﵁. وقوله: (حتى فتح اللَّه عليهم) أي: على المسلمين، قال الشيخ (١): اختلفوا هل كان فيه قتال فيه هزيمة للمشركين، أو المراد بالفتح حيازة المسلمين حتى رجعوا سالمين؟ ٥٨٨٨ - [٢١] (عباس) قوله: (ولى المسلمون) المراد به إقبالهم إلى رسول اللَّه ﷺ كما يأتي في الحديث الآتي.

стр. 5621

يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَن لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيْ عَبَّاسُ! نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ" فَقَالَ عَبَّاسٌ: -وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا-، فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ــ وقوله: (يركض بغلته) الركض: تحريض الدابة بالرجل، و (البغلة) هي التي يقال لها: دُلدل. وقوله: (قبل الكفار) بكسر القاف وفتح الباء، أي: جانبهم ونحوهم، (وأبو سفيان بن الحارث) هو ابن عم رسول اللَّه ﷺ . و(السمرة) بفتح السين وضم الميم: هي الشجرة التي بايعوا تحتها يوم الحديبية، و (الصيت) بفتح الصاد وكسر الياء المشددة: مبالغة صائت اسم فاعل من الصوت. وقوله: (واللَّه لكأن عطفتهم) أي: رجعتهم ومجيئهم بالرفع أو النصب وكذا قوله: (عطفة البقر). وقوله: (فاقتتلوا والكفار) بالنصب على أنه مفعول معه. وقوله: (والدعوة) أي: الاستعانة والمناداة (في الأنصار) مبتدأ وخبره (يقولون). وقوله: (ثم قصرت) بلفظ المجهول من القصر، وبنو الخزرج من الأنصار، فإن الأنصار بنو الأوس وبنو الخزرج وإخوانهم أولادهما.

стр. 5622

فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ: هَذا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ، ثُمَّ أَخَذَ حَصَيَاتٍ، فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: "انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ" فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٥]. ٥٨٨٩ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي إِسحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُل لِلْبَرَاءِ: يَا بَا عُمَارَةَ! فَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنْ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُ سِلَاحٍ، فَلَقَوْا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، ــ وقوله: (كالمتطاول) أي: الغالب المستشرف إليهم، (عليها) والضمير في (عليها) للبغلة، أي: كائنا عليها، و (إلى قتالهم) متعلق بـ (نظر). وقوله: (هذا حين حمي الوطيس) (حين) مفتوح على أنه مضاف إلى (حمي الوطيس) أي: اشتد الحرب، و (الوطيس) بفتح واو وكسر طاء مهملة وبسين مهملة: التنور، أراد الحرب، كذا في (القاموس) (١)، قالوا: لم يسمع هذا الكلام من أحد قبل رسول اللَّه ﷺ . وقوله: (ما هو إلا أن رماهم) أي: ليس انهزامهم إلا بالرمي، أو ليس الأمر، أو ليس الواقع إلا رمية. وقوله: (حدهم) بمعنى الحدة مفعول (أرى)، و (كليلا) مفعول ثاني أو حال. ٥٨٨٩ - [٢٢] (أبو إسحاق) قوله: (فرشقوهم) أي: رموهم.

стр. 5623

فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ علَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُهُ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ (١) أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، ثُمَّ صَفَّهُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِلْبُخَارِيِّ مَعْنَاهُ. [م: ١٧٧٦، خ: ٤٣١٥]. ٥٨٩٠ - [٢٣] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ . [م: ١٧٧٦]. ٥٨٩١ - [٢٤] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَوَلَّى صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، ــ وقوله: (فأقبلوا) أي: المسلمون وهم الشبان المذكورون. وقوله: (فنزل) أي: نزل رسول اللَّه ﷺ عن بغلته وطلب النصرة من اللَّه سبحانه. ٥٨٩٠ - [٢٣] (البراء) قوله: (حتى احمر البأس) أي: اشتد القتال، وإيراد هذا الحديث لتتميم قصة يوم حنين، أو يقال: اتقاء الشجعان برسول اللَّه ﷺ في أمثال هذه المواطن معجزة له ﷺ ، واللَّه أعلم. ٥٨٩١ - [٢٤] (سلمة بن الأكوع) قوله: (فلما غشوا) أي: قاربوا، يعني الكفار، يعني قاربوا الغشيان. وقوله: (ثم قبض قبضة من تراب) القبضة وضمه أكثر: ما قبضت عليه من شيء، وكهمزة: من يمسك بالشيء ثم لا يلبث أن يدعه، كذا في (القاموس) (٢)، وفي

стр. 5624

فَقَالَ: "شَاهَتِ الْوُجُوهُ" فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَهَزَمَهُمْ اللَّهُ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنائِمَهُمْ بَينَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٧]. ٥٨٩٢ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ: "هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ، قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرأيتَ الَّذِي تُحَدِّثُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ؟ فَقَالَ: "أَمَّا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانتِهِ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا. . . . . ــ (الصراح) (١): قبضة بالضم: يك مشت از هر جيز، وربما جاء على الفتح. وقوله: (شاهت الوجوه) أي: قبحت. ٥٨٩٢ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (لرجل) اسم الرجل قزمان بالقاف كان من المنافقين، كذا قالوا. وقوله: (فأهوى بيده إلى كنانته) بالكسر أي: إلى جعبته، و (أهوى) أي: أمال، يقال: أهوى يده وبيده إلى الشيء: أمالها إليه ليأخذه. وقوله: (فانتزع سهمًا) هكذا في رواية أبي ذر بالإفراد، ولغيره: أسهمًا بالجمع.

стр. 5625

فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، قَدِ انْتَحَرَ فُلَانٌ وَقَتَلَ نَفْسَهَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، يَا بِلَالُ! قُمْ فَأَذِّنْ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٠٣]. ٥٨٩٣ - [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . . . ــ وقوله: (فانتحر بها) وفي (صحيح البخاري): فنحر بها، وتأنيث الضمير على رواية لفظ الجمع ظاهر، وعلى لفظ الإفراد بإرادة الجنس، ثم إنه قد جاء في حديث آخر للبخاري (١) عن سهل بن سعد الساعدي: أن الرجل وضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه. وقال القسطلاني (٢) في تطبيق الروايتين: إنه لا منافاة بينهما لاحتمال أن يكون نحر نفسه بأسهمه فلم تزهق روحه وقد أشرف على القتل، فاتكأ حينئذ على سيفه استعجالًا للموت، هذا ثم إنه قد ذكر في (المواهب) (٣) هذه القصة في غزوة خيبر، وكذلك في (صحيح البخاري)، ولفظ الكتاب على أنه كان في غزوة حنين، ولعله صحف بعضهم (خيبر) بـ (حنين)، واللَّه أعلم. وقوله: (وإن اللَّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) يريد قتاله أشد القتال. ٥٨٩٣ - [٢٦] (عائشة) قوله: (سُحر رسول اللَّه ﷺ ) قد استبعد قوم من الملاحدة

стр. 5626

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عروض السحر وأمثاله عليه ﷺ ، وتوهموا أنه مما يمنع الثقة بالشرع بأقواله وبأفعاله، ويوجب لبسًا وشكًا في أمره، وهذا التوهم باطل بعد وجود الدلائل القطعية على صدقه وثبوت نبوته، وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل، يجوز طريانه عليه كأنواع المرض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، ولو فرض شيء من الاختلال في الأفعال بعلة المرض فإنه لا يوجب ظن الاختلال في سائر الأفعال التي لا مدخل فيها للمرض بعد حصول الصحة وزوال المرض. والأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم يجوز أن يطرأ عليهم العوارض البشرية من الآفات والتغيرات والآلام والأسقام ما يجوز على غيرهم، فإن أجسامهم وظواهرهم خالص للبشرية، وأما أرواحهم وبواطنهم فمعصومة منه متعلقة بالملأ الأعلى لأخذها العلم عنهم، وتلقيها الوحي منهم، وقد يقيهم اللَّه سبحانه عن الآفات البشرية أيضًا ويعصمهم منها معجزة لهم وإظهارًا لشرفهم وامتيازهم من سائر البشر إذا اقتضت الحكمة ذلك، فليس وقايته من سم اليهودية أقل من سحر ابن الأعصم، وأمثال ذلك كثيرة. والحكمة في تأثير السحر في جسمه ﷺ إظهار أن السحر حق ثابت جرت به السنة الإلهية، وإظهار صحة نبوته فإن السحر لا يؤثر في الساحر، وأما ما ورد: أنه كان يخيل إليه ﷺ أنه فعل الشيء وما فعله ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه لقيام الدليل على عصمته، وإنما هذا فيما يجوز طرؤه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ولا فضل من أجلها، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم تجلى عنه كما كان. وقد فسره ما جاء في الحديث الآخر من قوله: حتى يخيل إليه أنه يأتي أهله

стр. 5627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يأتيهن، وقيل: معناه أنه يظهر له من نشاطه وبتقدم عادته القدرة على النساء، فإذا دنا منهن أصابته أخذة السحر فلم يقدر على إتيانهن، ولم يأت في خبر منها أنه صدر عنه في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ولم يفعله، وإنما كانت خواطر وتخيلات، وقد قيل: إن المراد بالحديث أنه كان يتخيل الشيء أنه فعله وما فعله، ولكنه تخيل لا يعتقد صدقه، فيكون اعتقاداته كلها على السداد، وأقواله على الصحة، هذا ما ذكره الأئمة في هذا المقام. وقال القاضي عياض في (الشفا) (١): أنه قد وقع في روايات متعددة: سحر يهود بني زريق رسول اللَّه ﷺ ، فجعلوه في بئر حتى كاد أن ينكر بصره، حتى دله اللَّه على ما صنعوا، فاستخرجه من البئر، وجاء في حديث آخر: حبس رسول اللَّه ﷺ عن عائشة سنة، فبينا هو نائم أتاه ملكان. . . الحديث. وروي: حبس رسول اللَّه ﷺ عن عائشة خاصة سنة، حتى أنكر بصره، قال (٢): فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه لا على قلبه واعتقاده وعقله، ويكون قول عائشة: إنه يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله من باب ما اختل من بصره كما ذكر في الحديث، فيظن أنه رأى شخصًا من بعض أزواجه أو شاهد فعلًا من غيره ولم يكن على ما يخيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره، لا لشيء طرأ عليه في مَيْزةِ، وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السحر له وتأثيره فيه ما يدخل لبسًا ولا يجد به الملحد المعترض أنسًا، انتهى كلام القاضي -رحمة اللَّه عليه-، وكان سحره بعد رجوعه ﷺ من الحديبية في ذي الحجة من السنة السادسة، ومدة بقائه قيل: أربعون

стр. 5628

حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ! أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ، جَاءَنِي رَجُلَانِ، جَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجِلِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَم الْيَهُودِيُّ، قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ. . . . . ــ يومًا، وفي رواية: ستة أشهر، وفي رواية: سنة، ويجمع بأن قوته وغلبته كانت أربعين يومًا، ووجود آثاره إلى ستة أشهر، وبقيت بعض بقاياه إلى سنة، واللَّه أعلم. وقوله: (دعا اللَّه ودعاه) أي: دعا مكررًا دعاء بعد دعاء واستمر عليه، وبالغ فيه، وجاء في رواية: (دعا ثم دعا). وقوله: (أن اللَّه قد أفتاني) في (القاموس) (١): أفتاه في الأمر: أبانه له. وقوله: (عند رجلي) بلفظ التثنية. وقوله: (مطبوب) أي: مسحور، طبه: سحره، ومن معاني الطب: السحر. وقوله: (لبيد بن الأعصم اليهودي) وقيل: فعلته بناته بأمره وشركته، ومن ثم نزل قوله تعالى: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]. وقوله: (في مشط ومشاطة) بالضم رواية، وفي (القاموس) (٢): المشط مثلثة وككتف، وعنق، وعتل، ومنبر: آلة يمتشط بها، والمشاطة: ما سقط منه، والماشطة: التي تحسن المشط، وحرفتها: المشاطة بالكسر، انتهى. وبناء فعالة بالضم يجيء لما يسقط عن الشيء كقلامة وكناسة، وكان عُقِد في شَعْر لحيته ﷺ .

стр. 5629

وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ"، فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ، ــ وقوله: (وجف طلعة ذكر) أي: في غشاها، الجف بضم الجيم وتشديد الفاء: وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي عليه، وفي (القاموس) (١): الطلع من النخل: شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان، والحمل بينهما منضود، أو ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها، وأضاف (طلعة) إلى (ذكر)، لأنه يكون للنخل ذكر وأنثى، ولعل السحر من الذكر يكون أقوى، أَو يكون للرجل بالذكر، وللنساء بالأنثى، وفي (المشارق) (٢): الجف بالفاء للمروزي والسمرقندي، والباء للجرجاني والعذري، كلاهما بضم الجيم، وهو قشر الطلع وغشاؤه الذي يكون فيه. وقوله: (في بئر ذروان) بالذال المعجمة المفتوحة: اسم بئر، وفي بعض الروايات: (أروان) بالألف، قالوا: وكلاهما صحيح مشهور، وقال التُّوربِشْتِي (٣): أراها أصوب الروايتين؛ لأن أروان بالمدينة أشهر من ذروان، وذروان على مسيرة من المدينة، انتهى. والموجود في نسخ (المشكاة) ذروان بالذال. وقوله: (فذهب النبي ﷺ في أناس) بضم الهمزة (من أصحابه) وجاء في رواية عن ابن عباس: أنه أرسل عليًّا وعمارًا ﵄ لاستخراج السحر من بئر ذروان، فوجدا جف طلعة نخل فيه تمثاله ﷺ من شمعة وغرزت فيه عدة إبر وخيطة، وفي رواية: وتر فيه أحد عشر عقدًا، فنزل جبرئيل بالمعوذتين، فكان تنحل بكل آية يتلونها عقدة،

стр. 5630

فَقَالَ: "هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينَ" فَاسْتَخْرَجَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٩١، م: ٢١٨٩]. ٥٨٩٤ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا. . . . . ــ وكلما يخرجان منها مخيطًا يسكن ألمه ﷺ ، ولعله ﷺ ذهب إلى البئر وأمرهما بدخولهما فيها، واللَّه أعلم. وقوله: (والنقاعة) بضم النون وخفة القاف وتشديدها وبمهملة: ماء ينقع فيه الحناء ونحوه، وفي (القاموس) (١): نقاعة كل شيء بالضم: الماء الذي ينقع فيه. وقوله: (وكأن نخلها رؤوس الشياطين) قد يذهب الفهم إلى أن المراد بالنخل هو أشجارها التي حول البئر تشبيهًا لرؤوسها برؤوس الشياطين في قبح النظر، يعني أن البئر في مكان موحش قبيح، لكن الشيخ التُّوربِشْتِي (٢) قال: إن المراد بالنخل طلع النخل، وأضاف إلى البئر لكونه مدفونًا فيها، والتشبيه برؤوس الشياطين لما صادفوا عليه من الوحشة وقبح المنظر، وكانت العرب تعد صور الشياطين من أقبح المناظر، وقيل: المراد بالشياطين الحيات الخبيثات، والحية يقال لها: الشياطين. ٥٨٩٤ - [٢٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (وهو يقسم قسمًا) بالفتح مصدر بمعنى المقسوم، والقسم بالكسر: النصيب، والجزء من الشيء المقسوم، ويجوز أن يترك على معنى المصدر للتأكيد، والمفعول محذوف، أي: مالًا أو غنيمة، وكان في غنائم حنين قسمها بالجعرانة.

стр. 5631

أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَة، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اعْدِلْ، فَقَالَ: "وَيْلَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ" فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ: "دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رُصَافِهِ إِلَى نَضِيِّهِ. . . . . ــ وقوله: (ذو الخويصرة) بضم المعجمة وفتح الواو وسكون التحتانية وكسر الصاد المهملة. وقوله: (قد خبت وخسرت) بضم المخاطب. وقوله: (يحقر) من ضرب، أي: يقلل، تعليل لقوله: (دعه) لأنه نهى عن قتل المصلين، فإن قلت: قد قال في آخر الحديث: (لئن أدركتهم لأقتللهم)؟ قلنا: إن الإباحة عند كثرتهم وإظهار الامتناع على الإمام وخروجهم عن طاعته، وهو غير موجود الآن، وكان أول ظهورهم في زمن أمير المؤمنين علي ﵁. وقوله: (لا يجاوز تراقيهم) كناية عن عدم صعوده إلى محل القبول والإثابة، (يمرقون) أي: يخرجون من الدين، ويمرون عليه من غير انتفاع به ويخرجون من طاعة الإمام بسرعة (كما يمرق السهم من الرمية) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد الياء، فعيل بمعنى الرمي يعني الصيد، أي: يخرج ويمر من جانب إلى جانب آخر ولا يقر فيها، و (ينظر) بلفظ المجهول، و (النصل): حديدة السهم والرمح، و (رصافه): عصب يلوى على مدخل النصل وفوقه. وقوله: (نضيه) بفتح النون وكسر الضاد وتشديد الياء.

стр. 5632

وَهُوَ قِدْحُهُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، ــ وقوله: (وهو قدحه) تفسير للنضي في البين من كلام الراوي، و (القدح) بالكسر: السهم قبل أن يراش وينصل، والمراد ما بين الريش والنصل. وقوله: (إلى قذذه) من كلام الرسول ﷺ مذكور مع أخواته بطريق التعداد، وهو بضم القاف وفتح الذال الأولى جمع قذّة بالضم: ريش السهم. وقوله: (فلا يوجد فيه شيء) أي: من أثر الصيد من دم ونحوه. وقوله: (قد سبق الفرث والدم) جملة حالية، والفرث بفتح الفاء وسكون الراء ومثلثة في آخره: السرجين في الكرش، أي: كما نفذ السهم في الرمية بحيث لم يتعلق به شيء من الروث والدم، كذلك دخول هؤلاء في الإسلام ثم خروجهم منه بحيث لم يؤثر فيهم، ولم يظهر علامته منهم. واستدل بهذا الحديث من كفر الخوارج، وقال الخطابي: المراد بالإسلام والدين هنا طاعة الإمام، وجاء في رواية البخاري ومسلم وابن ماجه: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر الرامي في النصل فلا يرى شيئًا، وينظر في القدح فلا يرى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق هل علق به من الدم شيء)، كذا أورد السيوطي في (جامع الصغير) (١)، والفوق بضم الفاء في آخره قاف: مدخل الوتر من السهم، قال بعض العلماء: هذا إشارة منه ﷺ إلى التوقف في تكفير الخوارج لشبهة الإيمان، وسئل مالك عن أهل الأهواء إكفارهم؟ قال: من الكفر هربوا، وقد يروى مثل هذا عن أمير المؤمنين علي ﵁ في شأن الخوارج، واللَّه أعلم.

стр. 5633

آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْي الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فالْتُمِسَ، فَأُتِيَ بِهِ، ــ وقال بعضهم في تطبيق المشبه على المشبه به: المراد بالنصل: القلب الذي هو المؤثر والمتأثر، فإذا نظرت إلى قلبه فلا تجد فيه أثرًا من العبادات من الخشوع والحضور، وبالرصاف: الصدر الذي هو محل الانشراح للأوامر والنواهي فلم ينشرح لذلك، وبالنضي: البدن، والمعنى أن البدن وإن تحمل تكاليف الشرع لكن لم يحصل له من ذلك فائدة، وبالقذة: أطراف البدن التي بمثابة الآلات لأهل الصناعات، أي: لم يحصل له بها ما يحصل لأهل السعادات. وقوله: (آيتهم) أي: علامتهم (رجل) منهم يخرج بالصفة المذكورة بعدهم، يظهر منه أثر الضلالة ما به يستحقون القتل، ويقال لهذا الرجل: ذو الثدية بضم المثلثة وفتح الدال وتشديد الياء تصغير ثدي، وهو رئيس الخوارج الذي حارب عليًّا ﵁. وقوله: (تدردر) أصله: تتدردر على وزن تتدحرج، أي: تجيء وتذهب وتضطرب. وقوله: (ويخرجون) أي: يخرج هذا الرجل ومن معه بالبغي (على خير فرقة من الناس) يريد عليًّا وأصحابه ﵁ وعنهم، وفي رواية: (على حين فرقة من الناس)، و (فرقة) بضم الفاء، أي: في حين شتات أمر الناس، واضطراب أحوالهم وظهور المحاربة بينهم. وقوله: (فأمر) أي: علي ﵁ (بذلك الرجل فالتمس) بلفظ المجهول، أي: أمر بالتماسه وطلبه بين المقتولين.

стр. 5634

حَتَّى نَظَرْتُ إلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! اتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ: "فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِّي"، فَسَأَلَ رَجُلٌ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، ــ وقوله: (وفي رواية) أي: بدل (أتاه ذو الخويصرة) في أول هذا الحديث، فهذا نعت ذو الخويصرة، و (غائر) اسم فاعل، والغور بمعنى ذهاب الماء في الأرض، ويقال: غارت عينه، أي: دخلت في رأسه، و (ناتئ الجبهة) أي: مرتفعها من نَتَا عضوُهُ ينتو نتوًّا فهو ناتٍ: ورِمَ. وقوله: (مشرف الوجنتين) أي: خال الخدين، والوجنة مثلة: الخد. وقوله: (فيأمنني) أي: يجعلني أمينًا. وقوله: (من ضئضئ) بكسر الضاد المعجمتين، وقيل: بالمهملتين أيضًا، وبالهمزتين: الأصل، والمراد من الأصل الذي هذا الرجل منه في النسب والمذهب، وليس المراد أنهم يتولدون منه إذ لم يكن في الخوارج قوم من نسل ذي الخويصرة. وقال التُّوربِشْتِي (١): من ذهب إلى أنهم يتولدون منه فقد أبعد، إذ لم يذكر في الخوارج قوم من نسل ذي الخويصرة، والزمان الذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ هذا القول إلى أن نابذ المارقة عليًّا ﵁ وحاربوه لا يحتمل ذلك، بل معناه من الأصل الذي هو

стр. 5635

وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٦٣، م: ١٠٦٤]. ٥٨٩٥ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: "اللهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ". فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَة! وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، ــ منه في النسب، أو من الأصل الذي هو عليه في المذهب، كذا قيل، انتهى. وهذا الرجل حارب عليًّا ﵁ هو غير ذو الخويصرة الذي كان في زمن رسول اللَّه ﷺ ، وقد يتوهم كونهما واحدًا وهو خطأ. وقوله: (ويدعون) بفتح الدال، أي: يتركون. وقوله: (لأقتللهم قتل عاد) أي: لأقتللهم وأهلكتهم بالكلية كما هلك عاد، وإطلاق القتل على عاد للمشاكلة. ٥٨٩٥ - [٢٨] (أبو هريرة) قوله: (فأسمعتني) بلفظ الغائبة من الإسماع، أي: قالت سيئًا. وقوله: (فإذا هو) أي: الباب (مجاف) بضم الميم: أي: مغلق مردود. وقوله: (خشف) بفتح الخاء المعجمة وسكون الشين وبالفاء بمعنى الصوت والحس والحركة. وقوله: (مكانك) بالنصب، أي: الزم مكانك وقِفْ، و (خضخضة الماء)

стр. 5636

فَاغْتَسَلَتْ فَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرْحِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ خَيْرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩١]. ٥٨٩٦ - [٢٩] وَعنهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، ــ تحريكه، في (القاموس) (١): الخضخضة: تحريك الماء والسويق ونحوه. وقوله: (وعجلت) من سمع يسمع، أي: عجلت إلى فتح الباب متجاوزة عن خمارها، أي: فتحت الباب قبل أن يلبس خمارها، والمعجزة هنا ظهور أثر دعائه ﷺ في شأن أم أبي هريرة في الحال مع كونها آتية قائلة فيه ﷺ ما لا يجوز، فهو من تصرفه ﷺ فيها وتقليب قلبها على الإيمان بإذن اللَّه، فافهم. ٥٨٩٦ - [٢٩] (وعنه) قوله: (إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة) كأنه كان هذا القول منهم استغرابًا واستبعادًا وتوهمًا لعدم رعاية الاحتياط منه، لا تكذيبًا وعدم قبول روايته، فافهم. وقوله: (واللَّه الموعد) أي: لقاء اللَّه هو الموعد يعني به يوم القيامة، فهو يحاسبني ويجازيني على عملي من الزيادة والنقصان في حديثه ﷺ ، و (الصفق بالأسواق) كناية عن البيع والشراء، صفق يده على يده، وذلك عند وجوب البيع، فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارات، كما أن الأنصار كانوا أصحاب زراعات، وأموال أهل المدينة

стр. 5637

وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا: "لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا"، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ ﷺ مَقَالتُهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مقَالَتِهِ ذَلِكَ إِلَى يَومِي هَذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٥٤، م: ٢٤٩٢]. ٥٨٩٧ - [٣٠] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، ــ نخيلُهم، وإذا نسبت الأموال إلى أهل مكة كان المراد الإبل. وقوله: (على ملء بطني) أي: قانعًا واقفًا على ملء بطني، ومقتصرًا عليه غير متجاوز عنه إلى طلب الزيادة. وقوله: (حتى أقضي مقالتي) هذه إشارة إلى دعاء دعاه لأصحابه بالحفظ والوعي لأحاديث سمعوها منه ﷺ . وقوله: (فينسى من مقالتي) جواب النفي على تقدير (أن)، والمراد بهذه المقالة كلامه وأحاديثه ﷺ التي سمع منه ﷺ ، و (النمرة) كساء فيه سواد وبياض، والمراد بمقالتي المذكورة ثالثًا الأول، وبالمذكورة رابعًا هو الثاني، هذا ولكن قد يختلج وجه الإشارة في الرابعة بقوله: (ذلك) فإن الظاهر الموافق لما قبله أن يقول: فما نسيت من مقالته شيئًا، ووجهه الطيبي (١) بأن ذلك إظهار إلى الجنس باعتبار المذكور، فافهم. ٥٨٩٧ - [٣٠] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (من ذي الخلصة) في (القاموس) (٢):

стр. 5638

فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي، حَتَّى رَأَيْتُ أثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: "اللهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا". قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسِي بَعْدُ، فَانْطَلَقَ فِي مِئَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ أَحْمَسَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٢٠، م: ٢٤٧٦]. ٥٨٩٨ - [٣١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ، وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الأَرْضَ لَا تَقْبَلُهُ". . . . . ــ ذو الخلصة بفتحتين وبضمتين: بيت كان يدعى كعبة اليمانية لخثعم، كان فيه صنم، اسمه الخلصة، أو لأنه كان منبت الخلصة، والخلص محركة: شجر كالكَرْمِ يتعلق بالشجر فيعلو، طَيِّبُ الريح، انتهى. وقوله: (فانطلق) أي: جرير، الظاهر أنه من كلام الراوي، والأحمس على وزن الأحمر لقب قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية، لتحمسهم في دينهم أو لالتجائهم بالحمساء وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض إلى السواد، والحماسة: الشجاعة، والأحمس: الشجاع، والعام الشديد، وسنة حمساء، وسنون أحامس وحمسٌ، كذا في (القاموس) (١). والحمس: الأمكنة الصلبة جمع أحمس، وحمس كفرح: اشتد وصلب في الدين والقتال، فهو حمس وأحمس، وهي حمسى. وقوله: (بالنار) للتأكيد على مثال كتبه بيده. ٥٨٩٨ - [٣١] (أنس) قوله: (إن رجلًا) قيل: هو عبد اللَّه بن أبي السرح، وهذا غلط؛ فإنه وإن كان ارتد ولكنه مات مسلمًا، بل هو رجل كان نصرانيًّا فأسلم

стр. 5639

فَأَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهُ أَتَى الأَرْضَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا فَوَجَدَهُ مَنْبُوذًا فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ فَقَالُوا: دَفَنَّاهُ مِرَارًا فَلَمْ تَقْبَلْهُ الأَرْضُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦١٧، م: ١٢٧٨]. ٥٨٩٩ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: "يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٥، م: ٢٨٦٩]. ٥٩٠٠ - [٣٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ. . . . . ــ فعاد نصرانيًّا. وقوله: (فوجده منبوذًا) أي: مطروحًا، قال في (القاموس) (١): النبذ: طرحك الشيء أمامك أو وراءك، أو عام. ٥٨٩٩ - [٣٢] (أبو أيوب) قوله: (وقد وجبت الشمس) أي: غربت، من وجبت بمعنى سقطت. وقوله: (فسمع صوتًا) الظاهر صوت يهود المعذبين، وقيل: يحتمل صوت الملائكة، أو صوت وقع العذاب، قيل: وعند الطبراني ما يؤيد الأول. وقوله: (يهود تعذب) هو خبر مبتدأ، أي: هذه يهود، أو هو مبتدأ و (يعذب) خبره، والأول أظهر. ٥٩٠٠ - [٣٣] (جابر) قوله: (فلما كان قرب المدينة هاجت ريح) الهيجان لازم متعد، والهوجاء: ريح شديدة تقلع البيت من أصله.

стр. 5640

تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ". فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِيْنَ قَدْ مَاتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٢٨٧٢]. ٥٩٠١ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ، فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا نَحْنُ هَهُنَا فِي شَيْءٍ، وَإنَّ عِيَالنا لَخُلُوفٌ مَا نَأَمَنُ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. . . . . ــ وقوله: (تكاد أن تدفن) استعمل (كاد) استعمال (عسى) بـ (أن) والأكثر تركها في خبره، كذا قال النحاة، و (تدفن) بكسر الفاء من باب ضرب، والمراد بدفنها الراكب جعلها إياه بحيث يغيب عن أعين الناظر، أو إذهابها وإهلاكها إياه لشدتها، واللام في (لموت) للوقت، قيل: هو رفاعة بن زيد، والسفر غزوة تبوك، وقيل: رافع، والسفر غزوة بني المصطلق، كذا في الحواشي. ٥٩٠١ - [٣٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عسفان) بضم العين: موضع على مرحلتين من مكة. وقوله: (في شيء) أي: من الحرب، أو أعم، أي: في شيء مهم. وقوله: (وإن عيالنا لخلوف) بضم الخاء جمع خلف أو خالف، في (القاموس) (١): هم الذين ذهبوا من الحي، ومن حَضَر منهم، وفي (النهاية) (٢): يقال: حيّ خلوف: إذا غاب الرجال وأقامت النساء، ويطلق على المقيمين والظاعنين، انتهى. وفي حديث
следующие страницы →