← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

فَاغْتَسَلَتْ فَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرْحِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ خَيْرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩١]. ٥٨٩٦ - [٢٩] وَعنهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، ــ تحريكه، في (القاموس) (١): الخضخضة: تحريك الماء والسويق ونحوه. وقوله: (وعجلت) من سمع يسمع، أي: عجلت إلى فتح الباب متجاوزة عن خمارها، أي: فتحت الباب قبل أن يلبس خمارها، والمعجزة هنا ظهور أثر دعائه ﷺ في شأن أم أبي هريرة في الحال مع كونها آتية قائلة فيه ﷺ ما لا يجوز، فهو من تصرفه ﷺ فيها وتقليب قلبها على الإيمان بإذن اللَّه، فافهم. ٥٨٩٦ - [٢٩] (وعنه) قوله: (إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة) كأنه كان هذا القول منهم استغرابًا واستبعادًا وتوهمًا لعدم رعاية الاحتياط منه، لا تكذيبًا وعدم قبول روايته، فافهم. وقوله: (واللَّه الموعد) أي: لقاء اللَّه هو الموعد يعني به يوم القيامة، فهو يحاسبني ويجازيني على عملي من الزيادة والنقصان في حديثه ﷺ ، و (الصفق بالأسواق) كناية عن البيع والشراء، صفق يده على يده، وذلك عند وجوب البيع، فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارات، كما أن الأنصار كانوا أصحاب زراعات، وأموال أهل المدينة

стр. 5637

وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا: "لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا"، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ ﷺ مَقَالتُهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مقَالَتِهِ ذَلِكَ إِلَى يَومِي هَذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٥٤، م: ٢٤٩٢]. ٥٨٩٧ - [٣٠] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، ــ نخيلُهم، وإذا نسبت الأموال إلى أهل مكة كان المراد الإبل. وقوله: (على ملء بطني) أي: قانعًا واقفًا على ملء بطني، ومقتصرًا عليه غير متجاوز عنه إلى طلب الزيادة. وقوله: (حتى أقضي مقالتي) هذه إشارة إلى دعاء دعاه لأصحابه بالحفظ والوعي لأحاديث سمعوها منه ﷺ . وقوله: (فينسى من مقالتي) جواب النفي على تقدير (أن)، والمراد بهذه المقالة كلامه وأحاديثه ﷺ التي سمع منه ﷺ ، و (النمرة) كساء فيه سواد وبياض، والمراد بمقالتي المذكورة ثالثًا الأول، وبالمذكورة رابعًا هو الثاني، هذا ولكن قد يختلج وجه الإشارة في الرابعة بقوله: (ذلك) فإن الظاهر الموافق لما قبله أن يقول: فما نسيت من مقالته شيئًا، ووجهه الطيبي (١) بأن ذلك إظهار إلى الجنس باعتبار المذكور، فافهم. ٥٨٩٧ - [٣٠] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (من ذي الخلصة) في (القاموس) (٢):

стр. 5638

فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي، حَتَّى رَأَيْتُ أثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: "اللهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا". قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسِي بَعْدُ، فَانْطَلَقَ فِي مِئَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ أَحْمَسَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٢٠، م: ٢٤٧٦]. ٥٨٩٨ - [٣١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ، وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الأَرْضَ لَا تَقْبَلُهُ". . . . . ــ ذو الخلصة بفتحتين وبضمتين: بيت كان يدعى كعبة اليمانية لخثعم، كان فيه صنم، اسمه الخلصة، أو لأنه كان منبت الخلصة، والخلص محركة: شجر كالكَرْمِ يتعلق بالشجر فيعلو، طَيِّبُ الريح، انتهى. وقوله: (فانطلق) أي: جرير، الظاهر أنه من كلام الراوي، والأحمس على وزن الأحمر لقب قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية، لتحمسهم في دينهم أو لالتجائهم بالحمساء وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض إلى السواد، والحماسة: الشجاعة، والأحمس: الشجاع، والعام الشديد، وسنة حمساء، وسنون أحامس وحمسٌ، كذا في (القاموس) (١). والحمس: الأمكنة الصلبة جمع أحمس، وحمس كفرح: اشتد وصلب في الدين والقتال، فهو حمس وأحمس، وهي حمسى. وقوله: (بالنار) للتأكيد على مثال كتبه بيده. ٥٨٩٨ - [٣١] (أنس) قوله: (إن رجلًا) قيل: هو عبد اللَّه بن أبي السرح، وهذا غلط؛ فإنه وإن كان ارتد ولكنه مات مسلمًا، بل هو رجل كان نصرانيًّا فأسلم

стр. 5639

فَأَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهُ أَتَى الأَرْضَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا فَوَجَدَهُ مَنْبُوذًا فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ فَقَالُوا: دَفَنَّاهُ مِرَارًا فَلَمْ تَقْبَلْهُ الأَرْضُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦١٧، م: ١٢٧٨]. ٥٨٩٩ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: "يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٥، م: ٢٨٦٩]. ٥٩٠٠ - [٣٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ. . . . . ــ فعاد نصرانيًّا. وقوله: (فوجده منبوذًا) أي: مطروحًا، قال في (القاموس) (١): النبذ: طرحك الشيء أمامك أو وراءك، أو عام. ٥٨٩٩ - [٣٢] (أبو أيوب) قوله: (وقد وجبت الشمس) أي: غربت، من وجبت بمعنى سقطت. وقوله: (فسمع صوتًا) الظاهر صوت يهود المعذبين، وقيل: يحتمل صوت الملائكة، أو صوت وقع العذاب، قيل: وعند الطبراني ما يؤيد الأول. وقوله: (يهود تعذب) هو خبر مبتدأ، أي: هذه يهود، أو هو مبتدأ و (يعذب) خبره، والأول أظهر. ٥٩٠٠ - [٣٣] (جابر) قوله: (فلما كان قرب المدينة هاجت ريح) الهيجان لازم متعد، والهوجاء: ريح شديدة تقلع البيت من أصله.

стр. 5640

تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ". فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِيْنَ قَدْ مَاتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٢٨٧٢]. ٥٩٠١ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ، فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا نَحْنُ هَهُنَا فِي شَيْءٍ، وَإنَّ عِيَالنا لَخُلُوفٌ مَا نَأَمَنُ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. . . . . ــ وقوله: (تكاد أن تدفن) استعمل (كاد) استعمال (عسى) بـ (أن) والأكثر تركها في خبره، كذا قال النحاة، و (تدفن) بكسر الفاء من باب ضرب، والمراد بدفنها الراكب جعلها إياه بحيث يغيب عن أعين الناظر، أو إذهابها وإهلاكها إياه لشدتها، واللام في (لموت) للوقت، قيل: هو رفاعة بن زيد، والسفر غزوة تبوك، وقيل: رافع، والسفر غزوة بني المصطلق، كذا في الحواشي. ٥٩٠١ - [٣٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عسفان) بضم العين: موضع على مرحلتين من مكة. وقوله: (في شيء) أي: من الحرب، أو أعم، أي: في شيء مهم. وقوله: (وإن عيالنا لخلوف) بضم الخاء جمع خلف أو خالف، في (القاموس) (١): هم الذين ذهبوا من الحي، ومن حَضَر منهم، وفي (النهاية) (٢): يقال: حيّ خلوف: إذا غاب الرجال وأقامت النساء، ويطلق على المقيمين والظاعنين، انتهى. وفي حديث

стр. 5641

مَا فِي الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا"، ثُمَّ قَالَ: "ارْتَحِلُوا"، فَارْتَحَلْنَا وَأَقْبَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ مَا وَضَعْنَا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يُهَيِّجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْء. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٤]. ٥٩٠٢ - [٣٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سنَةٌ. . . . . ــ المزادتين: (وَنَفَرُنا خلوف) (١) أي: رجالنا غيب، والخالف: المستسقي، أو الغائب، أي: خرج رجالنا للاستسقاء، أو غابوا وخلفونا. وقوله: (شعب) بالكسر: الطريق في الجبل، و (النقب) بفتح النون وسكون القاف أيضًا: الطريق في الجبل، ولكن المراد هنا الطريق بين الدارين، وفيه حديث: (وعلى أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال) (٢)، والأنقاب جمع قلة للنقب، ويجيء النقبة أيضًا بهذا المعنى، كأنه نقب من هذه وهذه، والنقب في الأصل بمعنى الثقب بالمثلثة. وقوله: (إلا عليه) أي: على كل واحد، و (يحرسانها) بضم الراء من نصر. وقوله: (حتى تقدموا) بفتح الدال من القدوم من سمع. وقوله: (فالذي يحلف به) أي: يقسم به وهو اللَّه تعالى، و (غطفان) بالمعجمة والمهملة المفتوحتين. ٥٩٠٢ - [٣٥] (أنس) قوله: (سنة) أي: قحط، والسنة اسم للعام، ويطلق على القحط، كأنها غلب على سنة فيها القحط لاختصاصه بشيء وقع فيها من بين سائر

стр. 5642

عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْم الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيتِهِ، فَمُطِرنَا يَوْمنَا ذَلِك، وَمِنَ الْغَدِ وَمِنْ بَعدِ الْغَدِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: . . . . . ــ السنين، فهي من الأسماء الغالبة كالدابة ونحوها. وقوله: (قزعة) بالقاف والزاي المفتوحتين: قطعة من سحاب، في (القاموس) (١): القزع محركة: قِطَعٌ من السحاب، والواحد بهاء. وقوله: (ما وضعها) هكذا وجدنا في النسخ بضمير الواحدة، والظاهر أنه يرجع إلى اليدين، فهي إما باعتبار إرادة جنس اليد، ويجوز أن يرجع إلى اليد الواحدة للمبالغة في سرعة القبول، كأنه قال: بأن ما وضع يدًا واحدة فثار السحاب قبل أن يضع الأخرى، وفي (جامع الأصول) (٢): ما وضعهما بضمير التثنية، وما وجدنا هذه الكلمة في الصحيحين. وقوله: (يتحادر) أي: ينزل، وذلك لو كف المسجد، فإنه كان المسجد إذا نزل مطر وكف. وقوله: (أو غيره) هكذا في (المصابيح) بطريق الشك، وجاء في رواية: ثم دخل

стр. 5643

"اللهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا"، فَمَا يُشِيرُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ، ــ رجل في الجمعة المقبلة، وهذا ظاهر في أنه غير الأول، وفي رواية: حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى، وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدًا، وكلاهما من أنس، فلعل ذكره بعد أن نسيه أو نسيه بعد أن ذكره، فلهذا ذكره صاحب (المصابيح) بالشك، وتبع المؤلف. وقوله: (اللهم حوالينا ولا علينا) يعني أنزل الغيث في المزارع لا على الأبنية، يقال: قعدوا حوله وحواله وحوليه وحواليه بفتح اللام دون كسرها كلها بمعنى، فالأصل: حول وحوال، وقد يثنى قصدًا إلى التعدد والتكرار، وليس حوالي جمعًا حتى يكسر لامه، لكنه إنما ذكر (حوالينا) دون حولنا وحوالنا لمراعاة الازدواج مع (علينا)، والواو في (ولا علينا) للعطف بتقدير لا تمطر عطفًا على أمطر المقدر قبل، وقال الشيخ (١): ليست الواو خالصة للعطف بل للتعليل كقولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها؛ فإن الجوع ليس مقصودًا بعينه بل لكونه مانعًا من الرضاع بأجرة إذ كانوا يكرهونه، فافهم. وقوله: (إلى ناحية من السحاب) وفي رواية: (إلى ناحية من السماء)، و (الجوبة) بفتح الجيم وسكون الواو وبالموحدة: الفرجة في السحاب، وهنا حذف أي: صار جو المدينة مثل الفرجة في السحاب، أي: خاليًا عن السحاب، كذا قال الشيخ (٢)، وفي (النهاية) (٣): الجوبة: هي الحفرة المستديرة الواسعة وكل مُنفَتِق بلا بناء: جوبة،

стр. 5644

وَسَالَ الْوَادِيُّ قَنَاةً شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ ناحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: "اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، ــ أي: حتى صار السحاب محيطًا بآفاق المدينة دونها، وفي (القاموس) (١): الجوب: الترس، والجوبة: الحفرة، والمكان الوطيء، وجاء في رواية: وصارت المدينة كالإكليل. وقوله: (وسال الوادي قناة) بفتح القاف وتخفيف النون، والمشهور في الرواية بالنصب على الحال، أي: مثل قناة، أو على المصدر، أي: سيلان قناة، والشبه في الدوام والاستمرار والقوة، وعلى هذا لا يتم ما قيل: إن تفسير قناة بالرمح أولى منه بما حفر في الأرض واستنبط منه الماء، ويقال بالفارسية: كاريز، لأنه قلما تبلغ القُنِيُّ في كثرة مائها مبلغ السيول، وظهر أن جعلها تمييزًا على المعنى الأول بمعنى قدر قناة ضعيف لما ذكر، ولأن القُنِيُّ يختلف مقاديرها بحسب اختلاف متابعها وموادها، فيتفاوت تفاوتًا، ويصح على تقدير إرادة الرمح مبالغة، فافهم. وفي بعض الحواشي: أن قناة علم أرض ذات مزارع بناحية أحد، وأوديتها أحد أودية المدينة المشهورة، وذكروا أن أول من سماه وادي قناة تبع اليماني لما قدم يثرب قبل الإسلام، ولعله من تسمية الشيء باسم ما حاذاه، وقناة في هذه الرواية بالضم على البدل أو البيان. وفي رواية البخاري: حتى سال الوادي وادي قناة (٢)، وعلى هذه الرواية قناة مفتوح بغير تنوين. وقوله: (إلا حدث بالجود) أي: أخبر به، والجود بفتح الجيم وسكون الواو:

стр. 5645

اللهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ". قَالَ: فَأُقْلِعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٣٣، م: ٨٩٧]. ٥٩٠٣ - [٣٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا خَطَبَ اسْتَنَدَ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ، صَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، ــ المطر الغزير، أو ما لا مطر فوقه، جمع جائد، كذا في (القاموس) (١). وقوله: (والآكام) بفتح الهمزة ممدودة وكسرها مقصورة جمع أكمة محركة، وهو ما ارتفع من الأرض، وفي (القاموس) (٢): الأكمة محركة: الموضع الذي أشد ارتفاعًا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا، والجمع أكُمٌ، محركةٍ، وبضمتين، وكأَجْبُل وجبال وأَجْبَال، و (الظراب) بالظاء المعجمة جمع ظرب ككتف: ما نَتَأ من الحجارة وحُدّ طرفه، أو الجبل المنبسط، أو الصغير. وقوله: (فأقلعت) بلفظ المجهول من الأقلاع، يقال: أقلع المطر: انقطع، وأقلعت عنه الحمى: فارقته، كذا في (النهاية) (٣)، والضمير في (أقلعت) للسحاب، فإنه اسم جنس أو جمع سحابة. ٥٩٠٣ - [٣٦] (جابر) قوله: (إلى جذع نخلة) بكسر الجيم وسكون الذال أي: ساقها، و (سواري المسجد) أسطواناته جمع سارية.

стр. 5646

فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ: "بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٨٤]. ــ وقوله: (فجعلت تئن أنين الصبي) في (القاموس) (١): أنّ يئن أنًّا وأنينًا وأنانًا: تأوّه، وفي (الصراح) (٢): أنين: ناله وناليدن من ضرب يضرب، وجاء في بعض الروايات: حنّ حنين الناقة، والحنين: الشوق والانعطاف، والمراد هنا الصوت الدال على شوقه إلى رسول اللَّه ﷺ . وقوله: (يسكت) بلفظ المجهول من التسكيت. اعلم أن حديث حنين الجذع روي عن: ضاعة من الصحابة من طرق كثيرة يفيد القطع بوقوع ذلك، ونقل في (المواهب اللدنية) (٣) عن العلامة تاج الدين السبكي من أكابر مشاهير علماء الشافعية أنه قال: والصحيح عندي أن حديث حنين الجذع متواتر، وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (٤): حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلًا مستفيضًا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث دون غيرهم مما لا ممارسة له في ذلك، وقال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، انتهى. وقال القاضي عياض في (الشفا) (٥): حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر

стр. 5647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ به متواتر أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر نفسًا، فمنه حديث جابر بن عبد اللَّه قال: (كان المسجد مسقوفًا على جذوع نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العِشَار) (١)، وفي رواية: حتى ارتج المسجد بخواره (٢)، وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوا ما به. وفي رواية أبي: حتى تصدّع وانشق حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكنت (٣)، وزاد غيره فقال النبي ﷺ : (إن هذا بكى لما فقد من الذكر) (٤)، وزاد غيره: (والذي نفسي بيده لو لم نلتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنًا على رسول اللَّه ﷺ )، فأمر به رسول اللَّه فدفن تحت المنبر (٥)، وفي حديث أبي: فكان إذا صلى النبي ﷺ صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبي فكان عنده إلى أن أكلته الأرضة وعاد رُفاتًا (٦)، وذكر الإسفرائني أن النبي ﷺ دعاه إلى نفسه، فجاء يخرق الأرض فالتزمه، ثم أمره فعاد إلى مكانه. وفي حديث بريدة: فقال -يعني النبي ﷺ : إن شئت أردك إلى الحائط، أي: البستان الذي كنت فيه تنبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وتمرة، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء اللَّه من ثمرك، ثم أصغى له النبي ﷺ يستمع

стр. 5648

٥٩٠٤ - [٣٧] وَعَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعَ: أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: "كُلْ بِيَمِيِنكَ" قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: "لَا اسْتَطَعْتَ"، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢١]. ٥٩٠٥ - [٣٨] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ بَطِيئًا وَكَانَ يقْطِفُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا". فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى. . . . . ــ القول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء اللَّه وأكون في مكان لا أبلى فيه، فسمعه من يليه، فقال النبي ﷺ : (قد فعلت ذلك)، ثم قال: (اختار دار البقاء على دار الفناء)، فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى وقال: يا عباد اللَّه! الخشبة تحن إلى رسول اللَّه ﷺ شوقًا إليه لمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه ﷺ . ٥٩٠٤ - [٣٧] (سلمة بن الأكوع) قوله: (ما منعه إلا الكبر) يعني: لا العجز، وهذا قول الراوي ذكره بيانًا لموجب دعائه ﷺ . وقوله: (ما رفعها إلى فيه) أي: ما رفع الرجل يمينه إلى فيه بعد ذلك. ٥٩٠٥ - [٣٨] (أنس) قوله: (يقطف) أي: يتقارب خطاه، من قطف الدابة: ضاق مشيها، من ضرب ونصر، والقطاف بالكسر: مقاربة الخطو. وقوله: (وجدنا فرسكم هذا بحرا) قال الطيبي (١): شبه الفرس بالبحر في سعة خطوه وسرعة جريه، وقيل: سماه بحرًا باعتبار أن جريه لا ينفذ كما لا ينفذ البحر. وقوله: (لا يجارى) بلفظ المجهول، من جاراه مجاراة: إذا جرى معه، والمراد

стр. 5649

وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْم. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٦٧]. ٥٩٠٦ - [٣٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: تُوُفِّيَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَرَضْتُ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا التَّمَرَ بِمَا عَلَيْهِ، فَأَبَوْا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ دَينًا كثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ، فَقَالَ لِيَ: "اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيةٍ" فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أغرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ". فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ، وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، ــ المعارضة، وفي رواية: لا يحاذى بالحاء المهملة والذال المعجمة. ٥٩٠٦ - [٣٩] (جابر) قوله: (فبيدر) بكسر الدال: أمر بجمع كل قسم من التمر في بيدرة، وهو الكدس. وقوله: (أغروا بي) بلفظ الماضي المجهول من الإغراء، أي: أغراهم الناس على المطالبة بطريق اللجاج والإلحاح، وأصله كقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤] بمعنى ألقيناهما، وأصله من الغراء بالكسر والمد، وإذا فتحت الغين قصرته: شيء يلزق به، يقال له بالفارسية: سريشم، وغروت الجلد: ألصقته بالغراء، وقوس مغروة ومغرية، والضمير في (أعظمها) للبيادر أو الصُّبَر المفهومة من السياق، والمراد بـ (الإمانة) هنا الدين. وقوله: (ولا أرجع) بالنصب عطف على (يؤدي)، وفي بعض النسخ بالرفع فيكون حالًا بتقدير: وأنا لا أرجع، وكان لجابر أخوات تركهن أبوه، وجاء في حديث

стр. 5650

فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا، وَحَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٠٥٣]. ٥٩٠٧ - [٤٠] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الأُدُمَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنًا، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدُمَ بَيْتِهَا، حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ . . . . . ــ آخر حين قال له رسول اللَّه ﷺ : (هلا تزوجت بكرًا)، أنه قال: إنما تزوجت ثيبًا لتخدم أخواتي وهن صغائر (١)، أو كما قال. وقوله: (البيدر الذي كان عليه النبي ﷺ ) مع أنه قد أدى الدين من ذلك البيدر، فالبيادر التي غيره سلمت بطريق الأولى، و (تمرة واحدة) بالرفع والنصب، ونقص لازم ومتعد، والضمير في (كأنها) للقصة. ٥٩٠٧ - [٤٠] (وعنه) قوله: (في عكة) بضم المهملة وتشديد الكاف: آنية السمن أصغر من القربة. وقوله: (فيأتيها) أي: أم مالك (بنوها). وقوله: (وليس عندهم شيء) أي: من الأدم لإهدائها السمن إليه ﷺ ، ويظهر من هذا أن السمن أدم. وقوله: (فتعمد) أي: أم مالك (إلى الذي) أي: الظرف الذي، والضمير في (يقيم) لهذا الظرف أو للسمن الذي فيه، و (أدم بيتها) مفعوله، وكذا في (حتى عصرته)،

стр. 5651

فَقَالَ: "عَصَرْتِيهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٨٠]. ٥٩٠٨ - [٤١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلَاثَتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . ــ والياء في (عصرتيها) و (تركتيها) أي: العكة لإشباع الكسرة، وهذا في الأحاديث كثير. ٥٩٠٨ - [٤١] (أنس) قوله: (فأخرجت خمارًا) بالكسر: ما سترت المرأة به رأسها، وفي (القاموس) (١): كل ما ستر شيئًا فهو خماره. وقوله: (ثم دسته) أي: أخفته وأدخلته (تحت يدي) يعني إبطي، والدس: الإخفاء ودفن الشيء. وقوله: (ولاثتني) من اللوث وهو عصب العمامة، أي: عممتني، أي: غطت ببعض الخمار رأسي، أي: لففت بعضه على رأسي وبعضه على إبطي. وقوله: (في المسجد) قال الشيخ (٢): المراد بالمسجد الموضع الذي أعده

стр. 5652

"أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "بِطَعَامٍ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: "قُومُوا"، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمِ! قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ، ــ النبي ﷺ للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق. وقوله: (أرسلك) بحذف حرف الاستفهام، أو قال: بهمزة ممدودة للاستفهام. وقوله: (قوموا) ظاهره أنه ﷺ فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله وإلا فقد علم أن أبا طلحة وأم سليم أرسلا الخبز مع أنس ﵁ إليه ﷺ فلأي شيء قام وانطلق؟ ويمكن أن يقال: إن رسول اللَّه ﷺ علم بإرسال الخبز ولكنه قام وانطلق إلى بيت أبي طلحة من غير أن دعاه أبو طلحة إظهارًا للمعجزة والبركة لأصحابه. وقال الشيخ (١): يجمع بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس أن يأخذه النبي ﷺ فيأكله، فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس استحيا، وظهر له أن يدعوه ﷺ ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه، أقول: هذا لا يخلو عن بعد، لأن أنسًا ﵁ صغيرًا تابعًا لهما فيبعد أن يدعوه من غير إذن منهما، ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك على رأي أبي طلحة أرسله وعهد إليه إذا رأى كثرة الناس دعا النبي ﷺ خشية أن لا يكفيهم ذلك النبي ومن معه، وقد عرفوا إيثاره ﷺ وأنه لا يأكل وحده، قال: وقد وجدت أكثر الروايات تقتضي أن أبا طلحة استدعى النبي ﷺ في هذه الواقعة، واللَّه أعلم.

стр. 5653

فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ" فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ففُتَّ، وَعَصَرتْ أُمُ سُلَيْمِ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ"، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ"، ثُمَّ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧٨، م: ٢٠٤٠]. ــ وقوله: (فقالت: اللَّه ورسوله أعلم) قال الشيخ (١): كأنها عرفت أنه فعل ذلك ليظهر الكرامة والبركة في تكثير ذلك الطعام، انتهى. وهذا مما يستأنس به على ما ذكرنا أنه ﷺ إنما قام وانطلق لقصد إظهار المعجزة، فافهم. وقوله: (ففت) بلفظ المجهول من الفت بمعنى الكسر. وقوله: (فأدمته) أي جعلت ما خرج من العكة من السمن إدامًا للفتيت. وقوله: (ثم قال: ائذن لعشرة) قيل: إنما لم يأذن للكل مرة واحدة؛ لأن الجمع الكثير إذا نظروا إلى طعام قليل يزداد حرصهم إلى الأكل، ويظنون أن ذلك الطعام لا يشبعهم، والحرص عليه ممحقة للبركة، وقيل: لضيق المنزل، وقال الطيبي (٢): ليكون أرفق بهم، فإن القصعة التي فيها الطعام لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقه لبعدها عنهم. وقوله: (سبعون أو ثمانون) كذا وقع هنا بالشك، وفي غير هذا بالجزم بالثمانين،

стр. 5654

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ" فَدَخَلُوا فَقَالَ: "كُلُوا وَسَمُّوا اللَّه". فَأَكَلُوا، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَتَرَكَ سُؤْرًا. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: "أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً". حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ؟ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِىَ فَجَمَعَهُ، ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ فَعَادَ كَمَا كَانَ فَقَالَ: "دُونَكُمْ هَذَا". ٥٩٠٩ - [٤٢] وَعَنْهُ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ــ وفي رواية: بضعة وثمانين، ولا منافاة لاحتمال إبقاء الكسر، لكن في رواية عند أحمد: (حتى أكل منه أربعون وبقيت كما هي)، وهو يفيد التغاير وأن تكون القضية متعددة، كذا قال الشيخ (١)، ويمكن أن يقال: لا ينافي هذا رواية ثمانين، وغاية ما تدل عليه أنه ﷺ أكل بعد تمام أربعين في البين، ولعله أكل أربعون آخرون بعده ﷺ ، واللَّه أعلم. وقوله: (وترك سؤرا) بالهمزة، أي بقية من الطعام، وهذا بعد أن أكلوا، وبقي منه شيء قبل أن دعا فيه بالبركة. وقوله في الرواية الثانية: (فجعلت أنظر هل نقص منها شيء) بعد أن دعا، والرواية الثالثة بيان للروايتين السابقتين فلا منافاة بين الروايات الثلاث، فافهم. ٥٩٠٩ - [٤٢] (وعنه) قوله: (وهو بالزوراء) بفتح الزاي مكان معروف بالمدينة

стр. 5655

فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ، قَالَ قتادةُ: قُلْتُ لأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَلَاثَ مِئَةٍ أَوْ زُهَاءُ ثَلَاثِ مِئَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧٢، م: ٢٢٧٩]. ٥٩١٠ - [٤٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: "اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ". فَجَاؤوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: "حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ، ــ عند السوق، وقد سبق ذكره في (باب الاستسقاء)، و (ينبع) مثلثة الباء، و (زهاء) بضم الزاي ممدودًا، أي: قدر ثلاث مئة تخمينًا، زها: قدّر وحَزَرَ. ٥٩١٠ - [٤٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (كنا) أي: أصحاب رسول اللَّه ﷺ (نعد) أي: نحسب ونعتقد في زمنه ﷺ (الآيات) القرآنية التي كانت تنزل من السماء، أو المعجزات التي تظهر على يده، وهذا أوفق بسياق الحديث (بركة) ونورًا يحصل في قلوبنا من ذلك، (وأنتم) خطاب لمن بعدهم، أي: أنتم أيها الناس تحسبون أن فائدتها كانت تخويفًا وإنذارًا للكافرين والمنكرين لها، نعم أنها كانت إنذارًا لهم، ولكنها كانت مورثة للبشارة والبركة في قلوب المؤمنين المحبين المعتقدين، فافهم. ويجوز أن يكون المراد أنه ما كان الغرض من نقل المعجزات في زمن الصحابة إلا التبرك والتيمن بذكر النبي ومعجزاته ﷺ لعدم المخالفين الذين من شأنهم التخويف والإنذار، بخلاف هذا الزمان الذي جاء بعد فإنه قد يقع الغرض من نقلها ذلك، وهذا حكم باعتبار البعض أو مبالغة، واللَّه أعلم. وقوله: (اطلبوا فضلة) بفتح الفاء وسكون الضاد: البقية كالفضل والفضالة

стр. 5656

وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ" وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٧٩]. ٥٩١١ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا"، فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ فَمَالَ عَنِ الطَّرِيقِ، ــ بالضم، وقد فضل كنصر وحسب، كذا في (القاموس) (١)، قالوا: إنما طلب فضلة من الماء كيلا يظن أنه ﷺ موجد للماء، فإن الإيجاد إلى اللَّه سبحانه، وإليه أشار بقوله: (والبركة من اللَّه)، أقول: وهكذا وقع في تكثير الماء والطعام ونحوهما من وجود بقية يكون كالمادة لها، ولا يدرى سببه في الحقيقة، وكذا أمره ﷺ بتغطية الظرف وعدم النظر فيه والتفحص عنه، حتى إذا كشف ونظر ارتفع أثر المعجزة، نعم يذكرون لذلك الوجوه، واللَّه أعلم بحقيقة الأمر. وقوله: (ينبع من بين أصابعه) صريح في خروج الماء من نفس أصابعه ﵇، ونبوعه منها، ولهذا فضل ذلك على خروج الماء عن الحجر كما لموسى ﵇، فلا يلتفت بعد ذلك إلى خلاف قوم وقولهم: إن اللَّه تعالى أكثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه، وأيّ باعث على هذا التأويل! ٥٩١١ - [٤٤] (أبو قتادة) قوله: (لا يلوي) من اللي وهو الميل والانعطاف، أي: لا يميل ولا يلتفت إليه، بل يهتم في طلب الماء ويمشي فيه من غير مراعاة صحبة، و (ابهار الليل) بتشديد الراء على وزن احمار، أي: انتصف، أو تراكبت ظلمته،

стр. 5657

فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: "احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا" فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: "ارْكبُوا"، فَرَكبْنَا، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِن مَاءٍ، ــ أو ذهبت عامته، أو بقي نحو ثلثه، ويقال: أبهر السيف: انكسر نصفين، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): ابهار الليل، أي: انتصف، وبهرة كل شيء: وسطه، وقيل: ابهار: إذا طلعت نجومه واستنارت، والأول أكثر. وقوله: (فوضع رأسه) أي للنوم. وقوله: (ثم نزل) أي: في مكان آخر قريب منه لقضاء الصلاة، و (ميضأة) بكسر الميم: مطهرة كبيرة يتوضأ منها، وفي (مجمع البحار) (٣): هي بكسر ميم وبهمزة بعد ضاد: إناء التوضئ شبه المطهرة تسع ماء قدر ما يتوضأ منه، وهي بالقصر مفعلة وبالمد مفعالة، واستدل به بعضهم على استحباب التوضع من الأواني دون البرك والمشارع لأنه لم ينقل منه ﷺ ، ولا دليل إذ لم يكن بحضرته ﷺ المياه الجارية والأنهار، ولم ينقل أنه وجدها فعدل عنها. وقوله: (وضوءًا دون وضوء) أي: دون وضوء يتوضأ في سائر الأوقات، أي: توضأ وضوء وسطًا لقلة الماء، أي: لم يصل إلى ثلاث مرات، وقيل: أراد أنه استنجى في هذا الوضوء بالحجر لا بالماء، والأول أظهر بل هو الصواب.

стр. 5658

ثُمَّ قَالَ: "احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ فَسَيَكُون لَهَا نَبَأٌ"، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ، وَرَكِبَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْنَا وَعَطِشْنَا، فَقَالَ: "لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ" وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . . ــ وقوله: (فسيكون لها نبأ) أي: خبر، والمراد أنه سيكون لها شأن يتحدث به الناس وهو ظهور المعجزة. وقوله: (ثم صلى الغداة) قيل: في تأخيره ﷺ قضاء الصلاة دليل على أن من نام عن صلاة أو نسيها لا يجب عليه الصلاة بالفور، وعلى ندب مفارقة الموضع الذي فات فيه المأمور إذ ارتكب فيه النهي، (وعطشنا) بكسر الطاء من باب سمع. وقوله: (لا هُلك) بضم الهاء بمعنى الهلاك. وقوله: (فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها) هكذا لفظ الحديث في نسخ (المشكاة) و (المصابيح): (فلم يعد) بفتح الياء وسكون العين وضم الدال، وفسره عياض في (المشارق) (١) بقوله: أي فلم يتجاوز. وقوله: (أن رأى) بفتح الهمزة، و (تكابوا) بدون الفاء، وفي بعض النسخ: (فتكابوا) بالفاء، وقال الطيبي (٢): وليس في (صحيح مسلم) ولا في شرحه، ونقله في

стр. 5659

"أَحْسِنُوا الْمَلأَ، كُلُّكُمْ سَيُرْوَى"، قَالَ: فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ، حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَبَّ فَقَالَ لِيَ: "اشْرَبْ: فَقُلْتُ" لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: "إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ"، قَالَ: فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ، ــ (المشارق) بالفاء، وأعربه الطيبي بأن قوله: (أن رأى الناس) يحتمل أن يكون فاعلًا، أي: لم يتجاوز رؤية الناس الماء إكبابهم فتكابوا، وأن يكون مفعولًا، أي: لم يتجاوز السقي رؤية الناس في تلك الحالة، وهي كبهم عليه فتكابوا، أي: ازدحموا على الميضأة مكبًّا بعضهم على بعض، انتهى. والكبة بالفتح ويضم: الزحام، وقال في (مجمع البحار) (١): وهي تفاعلوا من الكبة بالضم، وهي الجماعة من الناس وغيرهم، وفي (الصحاح) (٢): الكبة بالضم: جماعة الخيل كالكبكبة، ويعلم من (المجمع) أن لفظ الحديث في بعض الروايات: فلما رأى الناس الميضأة تكابوا عليها، وهذا أظهر. وقوله: (أحسنوا الملأ) أي: الخلق، قال في (القاموس) (٣): الملأ، كجبل: الأشراف والجماعة والخلق، ومنه: (أحسنوا أملاءكم) أي: أخلاقكم. وقوله: (يروى) هو بفتح الواو، روي من الماء واللبن كرضي ريًّا كروي وارتوى، والاسم الري بالكسر. وقوله: (إن ساقي القوم) يريد نفسه الكريمة لأنه الساقي في الحقيقة وإن توسط

стр. 5660

قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، هَكَذَا فِي "صَحِيحِهِ" وَكَذَا فِي "كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ" وَ"جَامعِ الأُصُولِ"، وَزَادَ فِي "الْمَصَابِيحِ" بَعْدَ قَوْلِهِ: "آخِرُهُمْ" لَفْظَةَ: "شُرْبًا" [م: ٦٨١]. ٥٩١٢ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ غزوةِ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسُ مَجَاعَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، ــ أبو قتادة ﵁ حيث قال: (يصب وأسقيهم). وقوله: (جامين) بتشديد الميم، أي: مسترحين من الجمام بمعنى الراحة وذهاب الأعياء، ومنه مجمة للفؤاد بفتح جيم وميم، ويقال: بضم جيم وكسر ميم، و (رواء) بكسر الراء جاء جمع راو بمعنى ريان، حال. ٥٩١٢ - [٤٥] (أبو هريرة) قوله: (غزوة تبوك) اسم أرض بين الشام والمدينة، وغزوة تبوك كانت سنة تسع في رجب وهي آخر غزواته ﷺ ، والمشهور في تبوك عدم الصرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، وكلا الاعتبارين جائز في أسماء المواضع والأماكن للتأويل بالبقعة والناحية أو الموضع والمكان، وقيل: وسميت تبوك لأنه ﷺ رأى قومًا من أصحابه تبوكون عنه، أي: يدخلون فيها القدح، أي: السهم ويحركون ليخرج الماء، فقال: (ما زلتم تبوكونها بوكًا)، كذا قال السيوطي، وفي (النهاية) (١): البوك: تثوير الماء بنحو عود ليخرج من الأرض، وبه سميت غزوة تبوك، وفي الحديث: أنهم باتوا يبوكون حسي تبوك، والحسي: العين، و (المجاعة)

стр. 5661

فَقَالَ: "نَعَمْ"، فَدَعَا بِنِطَعٍ فَبُسِطَ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قَالَ: "خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ"، فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَر وعَاءً إِلَّا مَلَؤُوهُ قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرُ شاكٍّ فَيُحْجَبُ عَنِ الْجنَّةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧]. ــ بفتح الميم مصدر جاع يجوع جوعًا ومجاعة، والجوع بالضم: ضد الشبع، و (النطع) فيه لغات فتح النون وكسرها مع فتح الطاء وإسكانها، أفصحهن كسر النون وفتح الطاء، وهو بساط من الأديم، و (الذرة) بضم الذال وفتح الراء مخففة آخره هاء: حب معروف، وهاء عوض عن واو في آخره أصله ذرو هكذا قالوا، وفي (الصراح) (١): ذرة بالضم والتخفيف: أرزن، و (الكسرة) بالكسر، أي: قطعة من الخبز. وقوله: (وفضلت) بفتح الضاد بلفظ الماضي (فضلة) بفتح الفاء بلفظ المرة فعلة. وقوله: (لا يلقى اللَّه بهما) أي: بهاتين الشهادتين، و (غير) بالرفع صفة عبد. وقوله: (فيحجب) بالرفع عطف على (يلقى)، والنفي منصب عليهما معًا، كذا قال الطيبي (٢)، وقيل: منصوب جواب النفي، والأول أظهر، فافهم.

стр. 5662

٥٩١٣ - [٤٦] وَعَنْ أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ، فَعَمَدَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَصَنَعَتْ حَيْسًا فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي، وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَهَبْتُ فَقُلْتُ، فَقَالَ: "ضَعْهُ"، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَادْعُ لِي فلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا" رِجَالًا سَمَّاهُمْ، "وَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ"، فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ، فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، ــ ٥٩١٣ - [٤٦] (أنس) قوله: (عروسًا) بالفتح يطلق على الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما، و (الحيس) بفتح الحاء المهملة: الخلط، ويطلق على تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدًا، ثم يندر [منه] نواه، وربما يجعل فيه سويق، و (التور) بمثناة فوقية مفتوحة فواو ساكنة فراء: إناء كالقدح، وفي (القاموس) (١): يشرب فيه. وقوله: (وهي تقرئك السلام) بضم التاء. وقوله: (غاص) بالغين المعجمة والصاد المهملة المشددة، منزل غاص بالقوم: ممتلئ. وأغصّ علينا الأرض: ضيقها، كذا في (القاموس) (٢)، وقال في (المشارق) (٣): ومنه: الغصة، وهي شيء يملأ مجرى النفس ويضيقه. ثم قيل: ظاهر الحديث أن وليمة زينب ﷺ كانت من الحيس الذي أهدته أم سليم. والمشهور من الروايات أنه أولم عليها بخبز ولحم، ولم يقع في القصة تكثير

стр. 5663

قِيلَ: لِأَنَسِ: عَدَدُكُمْ كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءُ ثَلَاثُ مِئَةٍ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَيْسَةِ، وَتَكَلَّمَ بِمَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُ لَهُم: "اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ"، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ وَدَخَلَتْ طَائِفَة حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، قَالَ لِي: "يَا أَنَسُ! ارْفَعْ". فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٦٣، م: ١٤٢٨]. ٥٩١٤ - [٤٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: "غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ قَدْ أَعْيَا، فَلَا يَكَادُ يَسِيرُ، فَتَلَاحَقَ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَا لِبَعِيرِكَ؟ " قُلْتُ: قَدْ عَيِيَ، فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَجَرَهُ فَدَعَا لَهُ، ــ ذلك الطعام؟ وأجيب بأنه يجوز أن يكون حضور الحيس صادف حضور الخبز واللحم، وإنكار وقوع تكثير الطعام في قصة الخبز واللحم عجيب، فإن أنسًا روى أنه أولم عليها بشاة وأنه أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا، وهم يومئذٍ نحو الألف، كذا قيل، وأقول: لا منافاة فإن أنسًا لم يقل في هذا الحديث: إن الحيس كان وليمة زينب، بل إنما ذكر إرسال أمه الحيس ووجود البركة فيه، وحديث وليمة زينب بالخبز واللحم، والبركة فيها حديث آخر ومعجزة أخرى، واللَّه أعلم. وقوله: (عددكم كم كانوا؟ ) جمع نظرًا إلى ما في العدد من معنى التعدد أو لزيادته على الواحد على قول أهل الحساب. ٥٩١٤ - [٤٧] (جابر) قوله: (وأنا على ناضح) الناضح جمل يستقى عليه، و (عيي) على وزن رضي، و (أعيا) لازم ومتعدد.

стр. 5664

فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَي الإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، فَقَالَ لِي: "كَيْفَ تَرَى بِعِيرَكَ؟ " قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: "أَفَتَبِيعُنِيهِ بِوُقِيَّةٍ؟ ". فَبِعْتُهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٩٧، م: ٧١٥]. ٥٩١٥ - [٤٨] وَعَنْ أَبِي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، ــ وقوله: (فما زال بين يدي الإبل قدامها) اسم (ما زال) ضمير فيها للناضح، فيحتمل أن يكون (بين يدي الإبل) خبره و (قدامها) خبرًا بعد خبر يفيد تأكيدًا وبيانًا، و (يسير) حالًا، وأن يكون خبره (يسير)، و (بين يدي الإبل) و (قدامها) ظرفين لـ (يسير) أحدهما تأكيد للآخر، و (الوقية) بفتح الواو وكسر القاف وتشديد الياء، ويقال: الأوقية بضم الهمزة أيضًا: أربعون درهمًا. وقوله: (على أن لي فقار ظهره) أي: ركوبه، والفقار بفتح الفاء: عظم الظهر، وفي (القاموس) (١): الفقرة بالكسر، والفقرة والفقارة بفتحهما: ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العَجْب، والجمع: كعنب وسحاب، والحديث يدل على جواز شرط فيه منفعة للبائع، والفقهاء حكموا بعدم جوازه، ولعله منسوخ، أو لم يكن في صلب العقد، بل التمسه بعد البيع وإن كان ظاهر العبارة ينافيه، واللَّه أعلم. ٥٩١٥ - [٤٨] (أبو حميد الساعدي) قوله: (وعن أبي حميد) بلفظ التصغير.

стр. 5665

فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اخْرُصُوهَا" فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ وَقَالَ: "أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ"، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُل فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى، ــ قوله: (فأتينا وادي القرى) هو موضع مشهور بينه وبين المدينة ثلاثة أيام من جهة الشام، وهو يرى في الظاهر تركيبًا إضافيًا جعل علمًا كعبد اللَّه، فينبغي أن يعرب بإعرابين وينصب الياء من وادي، لكن قال التُّوربِشْتِي (١): لا يعرب الياء من وادي، فإن الكلمتين جعلتا اسمًا واحدًا، فكأنه ثبت عندهم من حيث الرواية عدم الإعراب. وقوله: (اخرصوها) أي: قدروها بضم الهمزة والراء من خرص يخرص من نصر، والخرص: حرز الثمر على الشجرة، والأوسق: جمع وسق بفتح الواو وسكون المهملة: ستون صاعًا أو حمل بعير، (وقال) أي: رسول اللَّه ﷺ خطابًا للمرأة: (أحصيها) أمر من الإحصاء، أي: احفظي قدرها وعدد أوسقها إذا وزنتها. وقوله: (فحملته الريح) ثم أهلله بنو طيئ حين قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، كذا في (المواهب) (٢). وقوله: (بجبلي طيئ) بإضافة الجبلين إلى طيئ أحدهما أجأ بالجيم والهمزة،

стр. 5666

فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا "كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟ " فَقَالَتْ: عَشْرَةُ أَوْسُقٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٨١، م: ١٣٩٢]. ٥٩١٦ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهَا ذِمَّةً وَرَحِمًا، أَوْ قَالَ: ذِمَّةً وَصِهْرًا، ــ والآخر سلمى، قال الطيبي (١): هما بأرض نجد، وطيئ أبو القبيلة والنسبة طائي، والقياس طَيْئيٌّ حذفوا الياء الثانية، فبقي طَيْئيٌ فقلبوا الياء الساكنة ألفًا، انتهى. والظاهر أنه قبيلة حاتم المشهور بالجود. ٥٩١٦ - [٤٩] (أبو ذر) قوله: (يسمى فيها القيراط) القيراط والقراط بكسرهما: يختلف وزنه بحسب البلاد، فبمكة ربع سدس دينار، وبالعراق نصف عشره، كذا في (القاموس) (٢)، وأصله القراط بتشديد الراء أبدلت إحداهما ياء بدليل جمعه على قراريط، والمراد بتسميتهم القيراط إكثار أهلها، ذكره في معاملاتهم لتشددهم فيها، وقلة مروءتهم وعدم مسامحتهم، فلا ينافيه مشاركة غيرهم من أهل البدو والبلاد في ذكره، كذا ذكروا. وقال التُّوربِشْتِي (٣): كنت أرى الحديث مشكلًا؛ لأنه يدل على أن تسمية القيراط مختصة بأهل مصر وليس كذلك، بل شاركهم فيها البدو والحضر من بلاد العرب، وقد تكلم بها النبي ﷺ في عدة أحاديث، منها حديث: (كنت أرعاها لأهل مكة -أي

стр. 5667

فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا" قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلِ بْنِ حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجْتُ مِنْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٤٣]. ــ الغنم- على القراريط) (١)، وحديث: (من تبع الجنازة فله قيراط) (٢)، وحديث: (من اقتنى كلبًا نقص كل يوم قيراط من عمله) (٣) حتى وجدت أبا جعفر الطحاوي -شكر اللَّه سعيه- قد ذكر في كتابه الموسوم بـ (مشكل الآثار): أن الإشارة بذلك وقعت إلى كلمة عوراء يستعملها المصريون في المسابة وإسماع المكروه، ويقولون: أعطيت فلانًا القراريط، أي: أسمعته المكروه، ويقولون: لأعطينك قراريط أي: أسابك، والطحاوي أعلم بلهجة أهل بلدته، هذا حاصل كلام التُّوربِشْتِي، وسياق الحديث من قوله: (يختصمان في موضع لبنة) يدل على أن الغرض بيان شدتهم وعدم مسامحتهم، وبه يتأيد المعنى الأول، وأقول: ومع ذلك وصى برعاية حقوقهم التي ترجع إلى ملاحظة نسبته ﷺ ورعاية الإنصاف حيث قال: (فإذا فتحتموها واستوليتم على أهلها أحسنوا إليهم بالصفح والعفو عن مساويهم). (فإن لها ذمة) أي: حرمة وأمانًا من جهة إبراهيم بن رسول اللَّه فإن أمه مارية القبطية كانت منهم، و (رحمًا) أي: قرابة من قبل هاجر أم إسماعيل ﵇ فإنها أيضًا كانت منهم، وفي بعض الروايات: (قرابة وصهرًا)، ثم ذكر شيئًا من خصائصهم أنهم يختصمون على موضع لبنة من الأرض، فإذا رأيت ذلك منهم فاخرج منها خطاب لأبي ذر ﵁، وإنما خص الخروج

стр. 5668

٥٩١٧ - [٥٠] وَعَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فِي أَصْحَابِي -وَفِي رِوَايَة قَالَ: فِي أُمَّتِي- اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُم تَكْفِيهِمُ الدُّبَيْلَةُ: سِرَاجٌ مِنْ نَارٍ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ. . . . . ــ به لمزيد الشفقة، ويحتمل أن يكون الخطاب عامًا، وقد وقع من جهتهم فتن أخر كقتل عثمان وقتل محمد بن أبي بكر بعد ذلك في ولاية علي ﵁. ٥٩١٧ - [٥٠] (حذيفة) قوله: (في أمتي اثنا عشر منافقًا) لا يخفى أن إطلاق الصحابة على المنافقين إنما هو لتشبههم بالصحابة وإدخال أنفسهم فيهم بالتستر بالكلمة، ولذا قال: (في أصحابي)، ولم يقل من أصحابي، قال التُّوربِشْتِي (١): وقد أسر رسول اللَّه ﷺ بهذا القول إلى خاصته وذوي المنزلة من أصحابه أَمْرَ هذه الفئة المشؤومة المتلبسة لئلا يقبلوا منهم الإيمان، ولا يأمنوا من قبلهم المكر والخداع، وكان أعلمهم بأسمائهم، وكان ذلك ليلة العقبة مرجعه من غزوة تبوك، وله قصة ذكرها التُّوربِشْتِي، ونقلها منه الطيبي (٢) فلينظر هناك. وقوله: (الدبيلة) بالدال المهملة والياء الموحدة تصغير دبلة: وهي خراج ودبل تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبًا، وفي (القاموس) (٣): الدبل: الطاعون، وكصبور: الداهية، فكل شيء اجتمع فقد دبل، دبله يدبُلُه: جمعه، وفسر في الحديث بـ (سراج) يحدث في أكتافهم، لعله أراد به ورمًا حارًا.

стр. 5669

حَتَّى تَنْجُمَ فِي صُدُورِهِمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٧٩]. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: "لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا" فِي "بَابِ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ". وَحَدِيثَ جَابِرٍ: "مَنْ يَصْعَدُ الثَّنِيَّةَ" فِي "بَابِ جَامِعِ الْمَنَاقِبِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٩١٨ - [٥١] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّام، وَخَرَجَ مَعَه النَّبِيُّ ﷺ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا، فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ، . ــ وقوله: (تنجم) بضم الجيم، أي: يظهر أثر تلك الحرارة وشدة لهبها في باطنهم، وقد روي عن حذيفة ﵁ أنه ﷺ عرفه إياهم وأنهم هلكوا كما أخبر به المخبر الصادق، وقد كان عنده علم المنافقين. الفصل الثاني ٥٩١٨ - [٥١] (أبو موسى) قوله: (في أشياخ من قريش) متعلق بـ (خرج) على سبيل التنازع، ولقد أصاب من قال من النحويين بتشريك العاملين في مثل هذه الصورة إذ لا مانع منه. وقوله: (فلما أشرفوا) أي: اطلعوا (على الراهب) لعل تعريفه لأنه كان معهودًا معلومًا عندهم مذكورًا فيما بينهم في وقت الرواية. (هبطوا) أي: نزلوا عنده، واسم الراهب بحيرا بفتح الموحدة وكسر المهملة مقصورًا.

стр. 5670

وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيهِم، قَالَ: فَهُم يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ، حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا رسولُ ربِّ الْعَالِمِينَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِين أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدَانِ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أعرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ، ــ وقوله: (يتخللهم الراهب) أي: يدخل وسطهم. وقوله: (ما علمك؟ ) أي: سبب علمك، والغضروف: عظم لين على رؤوس المفاصل في ملتقى العظم واللحم، وهو واسطة في التقائهما والتئامهما لكونه بين بين، لا شديد شدة العظم، ولا لين لين اللحم، ولذا كان واسطة بينهما؛ لأن الواسطة بين الشيئين ينبغي أن يكون ذات جهتين ومناسبته لكل منهما كما ذكروا، ومثلوا له بأمثلة هذا أحدها، هذا كلام الحكماء، وفي (القاموس) (١): الغضروف: كل عظم رخص يؤكل، ونُغْض الكتف، ورؤس الأضلاع، وفي (النهاية) (٢): من أسفل غضروف كتفه، وهو رأس لوحه، وهذا هو المراد في الحديث. وقوله: (مثل التفاحة) مرفوع أو منصوب أو مجرور بالبدل عن (خاتم النبوة)، وفي رواية البيهقي وأبي نعيم: قام فاحتضنه، وأنه جعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره ويخبره رسول اللَّه ﷺ فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ورأى

стр. 5671

وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الإِبِلِ، فَقَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْم وَجَدَهُمْ قَدْ سَبقُوهُ إِلَى فَيْءِ شَجَرَةٍ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ اللَّهَ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا، ــ خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، كذا في (المواهب) (١). وقوله: (وكان هو) أي: رسول ﷺ اللَّه ﷺ (في رعية) بكسر الراء وسكون العين: اسم من الرعي، (فقال) أي: الراهب. وقوله: (أنشدكم) بفتح الهمزة وضم الشين أي: أطلب منكم باللَّه جواب هذا السؤال. وقوله: (فلم يزل يناشده) الراهب ويقول لأبي طالب: باللَّه عليك أن ترد محمدًا إلى مكة وتحفظه من العدو حتى رده أبو طالب إلى مكة، قيل: كان الراهب يخاف أن يذهبوا به إلى الروم فيقتلونه، وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه أن في هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله ﷺ فاستقبلهم بحيرا، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، قال: أفرأيتم أمرًا أراد اللَّه أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه وأقاموا معه. وقوله: (وبعث معه أبو بكر بلالًا) قالوا: كيف يكون هذا وبلال لم يخلق بعد،

стр. 5672

وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٢٠]. ٥٩١٩ - [٥٢] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٦٢٦، دي: ١/ ١٧١]. ٥٩٢٠ - [٥٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرَئِيلُ: . . . . . ــ وأبو بكر كان صبيًّا فإنه أصغر من النبي ﷺ بسنتين، فلذا ضعفوا هذا الحديث، وحكم بعضهم ببطلانه، وقال الحافظ ابن حجر في (الإصابة) (١): الحديث رجاله ثقات وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة، فيحتمل أنها مدرجة فيه مقتطعة من حديث آخر وهمًا من أحد رواته. وقوله: (ورواه الترمذي) وقال: حسن غريب، انتهى، وقال الجزري: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيحين أو أحدهما، وذكر بلال وأبي بكر غير محفوظ، وعده أئمتنا وهمًا. ٥٩١٩ - [٥٢] (علي بن أبي طالب) قوله: (فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول) الظاهر أن عليًّا ﵁ أيضًا كان يسمعه، ويحتمل أنه علمه بخبره ﷺ . ٥٩٢٠ - [٥٣] (أنس) قوله: (ملجمًا مسرجًا) كلاهما بالتخفيف. قوله: (فاستصعب عليه) أي: البراق على النبي ﷺ ، أي: لم يمكنه من

стр. 5673

أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، قَالَ: فَارْفَضَّ عَرَقًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣١٣١]. ٥٩٢١ - [٥٤] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ جِبْرَئِيلُ بِأُصْبُعِهِ فَخَرَقَ بِهَا الْحَجَرَ، فَشَدَّ بِهِ الْبُرَاقَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٣٢]. ــ الركوب، كذا في الحواشي، وفي (القاموس) (١): استصعب عليه الأمر: صار صعبًا، كأصعب وصعب، ككرم، وعلى هذا المعنى الظاهر أن يكون الضمير في استصعب للركوب. وقوله: (أكرم) مرفوع صفة لـ (أحد)، قال التُّوربِشْتِي (٢): وجدنا الرواية في أكرم بالنصب، فلعل التقدير: كان أكرم. وقوله: (فارفض عرقًا) أي: فاض، وارفضاض الدموع: تَرَشُّشُها، والرفيض: الدمع، كذا في (القاموس) (٣). ٥٩٢١ - [٥٤] (بريدة) قوله: (قال جبرئيل) أي: أشار، (فخرق بها الحجر) أي: ثقب ثقبا نافذًا، قد مرّ في (باب المعراج) من حديث أنس: (فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء)، وقالوا في الجمع بينهما: لعل المراد من الحلقة الموضع الذي كان فيه الحلقة، وقد انسد فخرقه جبريل بإصبعه، واللَّه أعلم.

стр. 5674

٥٩٢٢ - [٥٥] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيِّ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَشيَاءٍ رَأَيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَه إِذ مَرَرْنَا بِبَعِيرٍ يُسْنَى عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِيرُ جَرْجَرَ، فَوَضَعَ جِرَانَهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ؟ " فَجَاءَهُ، فَقَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَقَالَ: بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَإِنَّهُ لِأَهْلِ بَيْتٍ مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ غَيْرُهُ، قَالَ: "أَمَّا إِذْ ذَكَرْتَ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ شَكَا كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ العَلَفِ، فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ"، ثُمَّ سِرنَا حَتَّى نَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَجَاءَتْ شَجَرَةٌ تَشُقُّ الأَرْضَ حَتَّى غَشِيَتهُ، ثم رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: . . . . . ــ ٥٩٢٢ - [٥٥] (يعلى بن مرة الثقفي) قوله: (وعن يعلى بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء. وقوله: (يسنى) بلفظ المجهول، أي: يستقى، سنت الناقة الأرض تسنو: إذا سقتها، والسانية: ناقة يستقى عليها، وفي حديث: (الزكاة ما يستقى بالسواني ففيه نصف العشر) (١). وقوله: (جرجر) أي: صوت وصاح، وقيل: أي: ردد الصوت في الحلق، والجرجار من الإبل: كثير الصوت، و (الجران) بكسر الجيم وخفة الراء: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره. وقوله: (أما إذ ذكرت هذا من أمره) فإنه يشكو، تقدير الكلام: أما إذ ذكرت أن البعير لأهل بيت لا معيشة لهم غيره فلا ألتمس شراه، وأما البعير فعاهدوه فإنه شكا.

стр. 5675

"هِيَ شَجَرَةٌ اسْتَأْذَنَتْ رَبَّهَا فِي أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَأَذِنَ لَهَا"، قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَمَرَرْنَا بِمَاءٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا بِهِ جِنَّةٌ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْخِرِهِ ثُمَّ قَالَ: "اخْرُجْ فَإِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، ثُمَّ سِرْنَا، فَلَمَّا رَجعْنَا مَرَرْنَا بِذَلِكَ الْمَاءَ فَسَأَلَهَا عَنِ الصَّبِيِّ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْنَا مِنْهُ ريبًا بَعْدَكَ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣٧١٨]. ٥٩٢٣ - [٥٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ بِابْنٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ابْنِي بِهِ جُنُونٌ، وَإِنَّهُ لَيَأْخُذُهُ عِنْدَ غَدَائِنَا وَعَشَائِنَا، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صدْرَهُ وَدَعَا، فَثَعَّ ثَعَّةً، وَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ مِثْلُ الْجِروِ الأَسْوَدِ يَسْعَى. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٧٠]. ــ وقوله: (بمنخره) بفتح ميم وكسر خاء وقد يكسر الميم اتباعًا للخاء، كذا قال الكرماني (١)، وفي (القاموس) (٢): المنخر: بفتح الميم والخاء، وبكسرهما وضمهما، ونخرة الأنف: مقدمته. وقوله: (فسألها) أي: المرأة (عن الصبي) الذي كان به جنة. وقوله: (ريبًا) أي: مكروهًا، من الريب بمعنى صرف الدهر، وقيل: أي: شَكًّا، أي: ما رأينا منه ما أوقعنا في شك من حالة بعد مفارقتك عنا. ٥٩٢٣ - [٥٦] (ابن عباس) قوله: (فثع ثعة) أي: قاء قيئة، والثع بالمثلثة وتشديد المهملة: القيء، وبالتاء المرة منه، و (الجرو) بكسر الجيم وسكون الراء في آخره واو:
следующие страницы →