٢٦٧ - [٧٠] وَعَنِ الأَحْوَصِ بن حَكِيمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الشَّرِّ،
ــ
وقال ﵁: اشتريت في ابتداء أمري من رجل كان يعرفني شيئًا بنصف درهم، ولما كان قليلًا وقع في خاطري أنه لا يأخذ مني الثمن، فسمعت هاتفًا يقول: السلامة في الدين بترك الطمع في المخلوقين، وقال: صاحب الطمع لا يشبع أبدًا، ألا ترى أن حروفها كلها مجوفة، فإنه يصد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو أفضل الأعمال، وخصها بالعلماء فإنه لا يقدر على ذلك مع الطمع، وقيل: الطمع يصير الأسود ذبابًا، ثم الطمع توقع حصول مال من أحد يشك في وصوله منه، أما إذا كان جازمًا بوصوله لحق عليه كالخادم من المخدوم الذي عينه مشاهرة مثلًا فلا طمع، وكذا إذا كان بسبب يقيني، ويقرب من ذلك توقعه من صديق يغلب ظنه بعقد الأخوة والتزامه لذلك.
وكان شيخنا الشيخ عبد الوهاب المتقي يقول: لما كنا في المركب راحلين إلى مكة فنزلناه بجزيرة مكران كما هو العادة أتانا نفر من العرب في زي الصلاح والمروة فاستفتونا وقالوا: إنا إذا حان موسم المراكب في بلدنا نستشرف حصول الخير من أهلها، هل هذا من الطمع والاستشراف الذي يكرهه القوم؟ فقلنا في جوابهم: عسى أن لا يكون من ذلك، فإن وصول المراكب في حقكم في الموسم كنزول المطر في موسمه، فمن انتظر المطر في موسمه لا يكون استشرافًا، فكذلك مجيء المراكب ونزولها لا يكون استشرافًا، واللَّه أعلم.
٢٦٧ - [٧٠] (الأحوص بن حكيم) قوله: (سأل رجل النبي ﷺ عن الشر) أي شر الناس لا الأعمال.
стр. 597
فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّرِّ وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ" يَقُولُهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: "أَلَا إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ شِرَارُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ١٠٤].
٢٦٨ - [٧١] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: "إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: . . . . .
ــ
وقوله: (لا تسألوني عن الشر) أظهر ﷺ الكراهة عن ذكر أشرار الناس ووسمهم بذلك، وكرر ذلك، ثم لما لم يكن بد من بيانه وجواب سؤالهم (قال: ألا إن شر الشر شرار العلماء) المراد بالشر المضاف معنى التفضيل، وبالمضاف إليه إما معنى التفضيل أو الصفة فإنه يجيء بمعناهما، ثم إنه ﷺ لم يكتف ببيان شر الناس بل ذكر خيارهم أيضًا تلافيًا لما اعتراه من الكراهة بذكر الأشرار، وإنما كان الأمر كما ذكره ﷺ ؛ لأن العلماء قدوة الناس وأمراؤهم، وسائر الناس كالرعايا، ففسادهم بفسادهم (١)، وصلاحهم بصلاحهم، كالقلب بالنسبة إلى الجسد، قالوا: فساد الرعية بفساد الأمراء، وفساد الأمراء بفساد العلماء.
٢٦٨ - [٧١] (أبو الدرداء) قوله: (إن من أشر الناس) قال صاحب (القاموس) (٢): أشر لغة في شر قليلة أو رديئة، وقال الطيبي (٣): (من) زائدة، ولا يخفى عليك أنه إن أخذ التفضيل حقيقيًا فلا يكون إلا فرد واحد، وإن أخذ إضافيًّا فيمكن أن يصدق على متعدد، أو يعتبر التفضيل في الجماعات، فيكون جماعة من الناس أشر من جماعات
стр. 598
عَالِمٌ لَا ينْتَفع بِعِلْمِهِ". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٨٢].
٢٦٩ - [٧٢] وَعَن زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ، وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ. رَوَاهُ الدِّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٧١].
ــ
أخر، ويكون العلماء بعضًا منها، فيجوز أن يثبت (من) تبعيضية، فافهم.
وقوله: (لا ينتفع بعلمه) بصيغة المعلوم، أي: لا يعمل بعلمه حتى ينتفع هو بنفسه وإن كان ينفع الناس، وقد يضبط بصيغة المجهول، أي: لا ينتفع الناس لعدم التعليم والتدريس والتصنيف، أو لعدم أمره إياهم بالمعروف ونهيه عن المنكر.
٢٦٩ - [٧٢]: (زياد بن حدير) قوله: (ابن حدير) بالحاء والدال المهملتين على صيغة التصغير.
وقوله: (ما يهدم الإسلام) في (القاموس) (١): الهدم: نقض البناء، وكسر الظهر، ويناسب الحملى على المعنى الأول إثبات البناء للإسلام في قوله ﷺ : (بني الإسلام على خمسة)، ويمكن حمله على المعنى الثاني بطريق الاستعارة بالكناية، فإن بالعلماء يتقوى ظهر الإسلام، وبهم يستظهر أهله، فإذا زلّوا وداهنوا يضعف أمره، وينكسر ظهره وظهر أهله، وكذا جدال المنافق بالكتاب والسنة، والمراد به ما يشتمل جدال المبتدعة بالشبهة الواهية، والتأويلات الباطلة، وكذا حكم أمراء الجور والظلمة (٢)، والزائغين عن الحق، التابعين لشهواتهم وأهوائهم الذين يضلون الناس، ويأمرونهم بما يضلهم، وزلة العالم هو المقدم في ذلك، عافانا اللَّه.
стр. 599
٢٧٠ - [٧٣] وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: "الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَاكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَاك حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ١٠٢].
ــ
٢٧٠ - [٧٣] (الحسن) قوله: (فعلم في القلب) الفاء للتفصيل، والمراد بعلم في القلب ما ظهر أثره ونوره في القلب بأن يعمل به وجرى على مقتضاه، وبـ (علم على اللسان) ما هو بخلاف ذلك، وقد يحمل على علمي الظاهر والباطن (١)، وهما علم المعاملة وعلم المكاشفة، والمعنى الأول أنسب بقوله: وعلم على اللسان، واللَّه أعلم.
قال الشيخ ابن عطاء اللَّه في (كتاب الحكم) (٢): العلم النافع: هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه، ويكشف عن القلب قناعه.
وقال الشيخ أبو عبد اللَّه محمد بن علي الحكيم الترمذي: العلم النافع هو الذي قد تمكن في الصدر وتصور، وذلك أن النور إذا أشرق في القلب تصورت الأمور حسنها وسيئها، ووقع بذلك ظل في الصدر فهو صورة الأمور فيأتي حسنها ويجتنب سيئها، فذلك هو العلم النافع من نور القلب خرجت تلك العلائم إلى الصدر وهي علامات الهدى، والعلم الذي يتعلمه فذلك علم اللسان، إنما هو شيء قد استودع
стр. 600
٢٧١ - [٧٤] وَعَنْ أَبيِ هُرَيرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِيكُمْ،
ــ
الحفظ، والشهوة غالبة عليه قد أحاطت به وأذهبت بظلمتها ضوءه، وقال بعضهم: العلم النافع علم الوقت وصفاء القلب، والزهد في الدنيا، وما يقرب من الجنة، وما يبعد عن النار، والخوف، والرجاء، وآفات النفوس وطهارتها، وهو النور المشار إليه بقوله: (إنه نور يقذفه اللَّه في قلب من شاء) دون علم اللسان والمعقول والمنقول.
وقال صاحب (الحكم) (١): خير علم ما كانت الخشية معه، وقال: العلم إن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك، وقال في (لطائف المنن) (٢): وشاهد العلم الذي هو مطلوب اللَّه تعالى الخشية للَّه، وشاهد الخشية موافقة الأمر، أما علم يكون معه الرغبة في الدنيا، والتملق لأربابها، وصرف الهمة لاكتسابها (٣)، والجمع والادخار والمباهات والاستكثار وطول الأمل ونسيان الآخرة، فما أبعد من هذا العلم علمه من أن يكون ورثة الأنبياء، ثم معيار الخشية وتحقيق العلم باللَّه إنما هو عدم المبالاة بغيره في إقبال وإدبار، رزقنا اللَّه.
٢٧١ - [٧٤] (أبو هريرة) قوله: (حفظت من رسول اللَّه) في أكثر الروايات (عن)، وفي بعضها (من)، وهذا أظهر لأنه صريح في تلقيه منه ﷺ بلا واسطة، والظاهر من حال أبي هريرة بل من حال الصحابي مطلقًا كذلك.
وقوله: (وعاءين) بياءين في بعض النسخ، وفي بعضها بهمزة وياء وهذا أظهر،
стр. 601
وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ، يَعْنِي مَجْرَى الطَّعَامِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٢٠].
ــ
وفي بعض الروايات: (وعاءين من العلم) أراد الكناية عن محل العلم وجمعه فاستعار له الوعاء، كذا في (مجمع البحار) (١)، وقال الطيبي (٢): شبه نوعي العلم بالظرفين لاحتواء كل منهما ما لم يحتو به الآخر، وقال: لعل المراد بالأول علم الأحكام والأخلاق، والثاني علم الأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء باللَّه من أهل العرفان، وذلك ليس بخارج من الدين، لكنه دقيق وخارج عن فهم العوام، وقيل: أراد به أخبار الفتن وفساد الدين على يد أغيلمة من قريش، وكان يقول: لو شئت إن أسميهم بأسمائهم، أو الأحاديث التي فيها آسامي أمراء الجور وأحوالهم وذمهم، وكان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا يصرح به خوفًا على نفسه كقوله: (أعوذ باللَّه من إمارة الستين وإمارة الصبيان) يشير إلى إمارة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين، واستجاب اللَّه دعاءه فمات قبلها بسنة.
أقول: إن كان مراد هذا القائل نفي علم الأسرار والحقائق التي لا يفهمه العوام ويخص بالعلماء باللَّه من أهل العرفان لدقتها وغموضها بحيث لو ذكر عند العوام أنكروها وذموا قائلها فمكابرة، إذ لا بد أن يكون لكل ظاهر باطن، ولكل شريعة حقيقة، والحقيقة هو حقيقة الشريعة لا شيء يباينها ويخالفها، وإن كان مقصوده أن حديث أبي هريرة محمول على شيء آخر من أخبار الفتن وأمراء الجور بقرينة ما يفهم بقرينة الحال كما ذكر فله وجه، واللَّه أعلم.
стр. 602
٢٧٢ - [٧٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٠٩، م: ٢٧٩٨].
٢٧٣ - [٧٦] وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تأْخُذُونَ دِينَكُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [مق: ١/ ١٢].
ــ
٢٧٢ - [٧٥] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (فإن من العلم أن تقول لما لم تعلم) بالفوقانية، وفي نسخة بالتحتانية، وإنما كان ذلك من العلم؛ لأن تميز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا معنى ما قيل: لا أدري نصف العلم.
وقوله: (وما أنا من المتكلفين) أي: المتصفين بما ليسوا من أهله، تكلفت الشيء: تجسسته على مشقة، والمتكلف المتعرض لما لا يعنيه، وفي حديث عمر ﵁: نهينا عن التكلف (١). أراد كثرة السؤال والبحث عن أشياء غامضة، وقرأ ﵁ قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] فسئل عنه، فلما لم يدر قال: ما هذا إلا تكلف يعني أنه معلوم أنه اسم لشيء من جنس المطاعم والأمتعة، فالبحث عن علمه بالتعيين تكلف تركه أولى.
٢٧٣ - [٧٦] (ابن سيرين) قوله: (إن هذا العلم) أي: علم الحديث وما جاء من عند رسول اللَّه ﷺ (دين) أي يبتني عليه الدين ويثبت (فانظروا عمن تأخذون دينكم) حث على الاهتمام بحال الراوي في رعاية الوثوق والديانة والحفظ والورع حتى
стр. 603
٢٧٤ - [٧٧] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٨٢٨٢].
ــ
لا يؤخذ من كل من يروى، قال سيدي أبو عبد اللَّه بن عباد: أوصيك بوصية لا يعقلها إلا من عقل وجرب، ولا يهملها إلا من غفل وحجب، وهي أن لا تأخذوا هذا العلم مع متكبر ولا صاحب بدعة ولا مقلد، فأما الكبر فطابع يمنع من فهم الآيات والعبر، والبدعة في البلايا الكبر، والتقليد يمنع من بلوغ الوطر ونيل الظفر (١).
٢٧٤ - [٧٧] (حذيفة) قوله: (يا معشر القراء) أي: الذين يحفظون القرآن بألسنتهم فقط، كذا في شرح الشيخ (٢)، وقيل: المراد بالقراء العلماء بالكتاب والسنة المقصرون في العمل بذلك.
وقوله: (فقد سبقتم) روي بصيغة المعلوم فهو خطاب لمن أدرك أوائل الإسلام، فإنهم لما تمسكوا بالكتاب والسنة سبقوا إلى كل خير؛ لأن من جاء بعدهم وإن عمل بعملهم لم يصل إلى ما وصلوا من سبقهم إلى الإسلام، وقد يروى بالمجهول أي: فقد سبقكم المتصفون بتلك الاستقامة إلى اللَّه، وقال القاضي عياض في (المشارق) (٣): (فقد سبقتم) كذا عند ابن السكن بفتح السين والباء، ولغيره (سبقتم) بضم السين على ما لم يسم فاعله، والأول الصواب بدليل سياق الحديث وقوله بعد: (وإن أخذتم يمينًا وشمالًا فقد ضللتم).
стр. 604
٢٧٥ - [٧٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ؟ قَالَ: "وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَ مِئَةِ مَرَّةٍ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَدْخُلُهَا؟ قَالَ: "الْقُرَّاءُ الْمُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ فِيهِ: "وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَزُورُونَ الأُمَرَاءَ"، قَالَ الْمُحَارِبِيُّ (١): يَعْنِي الْجَوْرَةَ. [ت: ٢٣٨٣، جه: ٢٥٦].
ــ
٢٧٥ - [٧٨] (أبو هريرة) قوله: (من جب الحزن) في (القاموس) (٢): الجب بالضم: البئر أو مما وجد لا مما حفره الناس، في (الكشاف) (٣): الجب البئر لم تطو، وأطلق في الحديث على الوادي لكونه مقعرًا كالبئر.
وقوله: (يتعوذ منه جهنم) وفي بعض النسخ: (تتعوذ) بالتاء وهو الأظهر، وفي بعضها: (تعوذ) بحذف التاء، وهو كناية عن غاية قبحه وشناعته، أو المراد حقيقة التعوذ، وقد أسند إلى جهنم القول والتغيظ والشكاية، واللَّه تعالى قادر على كل شيء.
وقوله: (ومن يدخلها) الضمير للوادي باعتبار المعنى، وفي (تتعوذ منه) باعتبار اللفظ، وقد يجيء الواو في أول الكلام من غير عطف على شيء، أو هو عطف على مقدر، أي: ذلك شيء عظيم، فمن يستحقها ومن يدخلها.
وقوله: (يزورون الأمراء) أي: لأجل دنياهم طمعًا لا للأمر بالمعروف أو دفعًا
стр. 605
٢٧٦ - [٧٩] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنَ الإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ، وَلَا يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، مَسَاجِدُهُم عَامِرَةٌ وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، عُلَمَاؤُهُمْ شَرُّ مَنْ تَحْتَ أَدِيم السَّمَاءِ، مِنْ عِنْدِهِمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَة وَفِيهِمْ تَعُودُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ١٧٦٣].
ــ
لشرهم، أعاذنا اللَّه.
٢٧٦ - [٧٩] (علي) قوله: (أن يأتي على الناس) أتى بعلى إفادة لمعنى التضرر ولمعنى الاستعلاء والغلبة بأن يأتي الزمان عليهم من غير اختيارهم، بل من جهة فساد العلماء والأمراء وأسباب أخر، وفي هذا مبالغة في بيان فساده.
وقوله: (إلا رسمه) الرسم: الأثر أو بقية الأثر، والمراد برسم القرآن تجويد حروفه وإتقان ألفاظه من غير تفكر في معانيه والعمل بمقتضاه.
وقوله: (مساجدهم عامرة) يجتمعون فيها ولكن لا للعبادة والذكر وتدريس العلوم لوجه اللَّه، فهي خراب من الهدى، وخال عنه لعدم وجوده بعدم وجود الهادي، والخراب ضد العمران اسم جنس أو جمع، والأديم من السماء والأرض ما ظهر.
وقوله: (من عندهم تخرج الفتنة) بإعانة الظلمة.
وقوله: (وفيهم تعود) بتسليط اللَّه إياهم عليهم، والعود يتعدى بـ (إلى)، والعدول إلى (في) لإفادة معنى التمكن والاستقرار، أي: يعود ويرجع ضررها إليهم متمكنًا ومستقرًا فيهم، ولقد رأينا هذا في زماننا، وإلى اللَّه المشتكى وبه المستغاث، وهو المستعان وعليه التكلان.
وَالْعِلْمُ سَيَنْقَبِضُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي فَرِيضَةٍ لَا يَجدَانِ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [دي: ١/ ٧٢ - ٧٣، قط: ٤/ ١٣٤].
٢٨٠ - [٨٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ عِلْمٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَمَثَلِ كَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارمِيُّ. [حم: ٢/ ٤٩٩، دي: ١/ ١٣٤].
ــ
أمر الدين، و (سينقبض) في بعض النسخ من الانقباض (١)، وفي بعضها من الانتقاص، والأول أقوى رواية وأنسب معنى بالسياق.
وقوله: (في فريضة) فضلًا عن سنة ونفل.
٢٨٠ - [٨٣] (أبو هريرة) قوله: (مثل علم لا ينتفع) بصيغة المجهول بدلالة تشبيهه بالكنز، والكنز الذي لا ينفق في حكم العدم، كذلك العلم الذي لا يعلم ولا يعمل به وإن كان كمالًا في نفسه، وزيادة قوله: (في سبيل اللَّه) لمناسبة تشبيه العلم، أو لأن إنفاق المال إنما يكون معتبرًا إذا كان في سبيل اللَّه، فافهم.
تم (كتاب العلم) بعون اللَّه وتوفيقه ويتلوه: (كتاب الطهارة).
تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني إن شاء اللَّه تعالى، وأوله: (كتاب الطهارة).
وصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.
* * *
стр. 608
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
للخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)
تأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي
عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي
المولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى
تحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي
طبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان
ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة
المجلد الثاني
دار النوادر
стр. 609
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 610
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (٢)
стр. 611
دار النوادر
المؤسس والمالك نور الدين طالب
مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.
سوريا - دمشق - الحلبوني:
ص. ب: ٣٤٣٠٦
جميع الحقوق محفوظة للمحقق
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.
الطبعة الأولى
١٤٢٥ هـ - ٢٠١٤ م
E-mail: info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com
شركات شقيقة
دار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
دار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)
دار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند
الهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١
الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١
البريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com
стр. 612
(٣) كتاب الطهارة
стр. 613
(٣) كتاب الطهارة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣ - كتاب الطهارة (١)
الطهارة -بفتح الطاء- في اللغة بمعنى النظافة نقيض النجاسة، وطهر كنصر وكرُم، والطَّهور: مصدر واسم ما يُتطهر به، أو الطاهر المطهِّر، كذا في (القاموس) (٢)، وظهر مما ذكر أن الطهارة لازمة، فاستشكل اشتقاق الطهور منها بمعنى المطهِّر، فقال قوم: الطهور منقول شرعي من معنى الطاهر طهارة تامة إلى معنى المطهِّر، والظاهر أنه متعدٍّ لغة كما يظهر مما ذكره في (القاموس) (٣)، ولكن الإشكال في وجه اشتقاقه من معنى اللازم، وقال آخرون: المبالغة في الطهارة لا تعقل إلا بتعديتها؛ إذ الطهارة الشرعية لا تقبل الزيادة والنقصان، وفيه ما فيه، وقيل: هو مشتق من طهره كمنعه بمعنى أبعده، فالطهور بمعنى المُبْعِد للنجاسة، وقد ذكر هذا المعنى في
стр. 614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(القاموس) حيث قال: الطهور اسم ما يتطهر به، أو الطاهر المطهر، وطهره كمنعه: أبعده.
وقال الزركشي في شرح كتاب الخرقي (١): وقال بعضهم: الطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار حسيةً كانت أو معنوية. وقد ورد في الصحيحين: كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل على مريض قال: (لا بأس طهور إن شاء اللَّه) أي: مطهَّر من الذنوب، والذنوب أقذار معنوية، ولا يخفى أنه يحتمل أن يكون استعمال الطهر ههنا بطريق المجاز، إلا أن يقال: الأصل الحمل على الحقيقة.
وأما الطهارة في اصطلاح الفقهاء، فقال أبو محمد من الحنابلة: هي رفع ما يمنع الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء، أو رفع حكمه بالتراب، وأورد على عكسه الحَجَر وما في معناه في الاستنجاء، ودلك النعل، وذيل المرأة، فإن تقييده بالماء والتراب يُخرج ذلك، وأيضا نجاسة تصح الصلاة معها لكونها قليلة، فإن زوالها طهارة ولا تمنع الصلاةَ، وأيضًا الأغسال المستحبة، والتجديد، والغسلة الثانية والثالثة، فإنها طهارة ولا تمنع الصلاة. وقد أجيب عن الأغسال المستحبة ونحوها بأن إطلاق الطهارة عليها مجاز لمشابهته للوضوء الواقع في الصورة.
وحدَّها بعض متأخري البغاددة بأنها استعمال الطهور في محل التطهير على الوجه المشروع، وهو حدٌّ للتطهير لا للطهارة، فهو تعريف بغير المحمول، وقد حُدَّت بحدود كثيرة يطول ذكرها والكلام عليها، وأحسن ما قيل في تعريفه ما ذكره الشُّمُنِّي في شرح (النقاية): إنها النظافة عن الحدث والخبث، فتدبر.
стр. 615
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٨١ - [١] عَن أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ. . . . .
ــ
الفصل الأول
٢٨١ - [١] (أبو مالك الأشعري) قوله: (الطهور شطر الأيمان) ضبطوا الطهور بالضم والفتح وكلاهما بمعنى المصدر، نعم قد جاء بالفتح بمعنى ما يتطهَّر به أيضًا كما ذكر في (القاموس) (١)، والمشهور عند الجمهور أن بالضم للمصدر، وبالفتح للاسم كما في الوضوء، وعن بعضٍ عكسُه، والحق أن كليهما يجيء للمصدر بالفتح والضم، ويجيء بالفتح للاسم أيضًا.
والشطر نصف الشيء وجزؤه، والمعنى الأول أشهر وأكثر استعمالًا في الأحاديث كما لا يخفى على المتتبع، ولو ذكرنا موارده لطال الكلام، فإنْ حُمل في هذا الحديث على معنى الجزء مطلقًا فذاك كأنه جزء من حقيقة الايمان مبالغة في التحريض والمحافظة عليه سواء أُريد بالإيمان حقيقتُه أو الصلاة، وإن حمل على معنى النصف فتوجيهُه إرادة المبالغة في أن الأجر في الطهور ينتهي إلى نصف أجر الإيمان أو الصلاة، أو الإيمان يجبُّ ما قبله من الخطايا، إلا أن الإيمان يجبُّ الكبائر والصغائر، والطهور يجبُّ الصغائر فقط، أو أن الإيمان يطهر الباطن، والطهور يطهر الظاهر، كذا في (مجمع البحار) (٢)، ولعل المراد أنهما في المؤمن متناصفان، فافهم.
وقال بعض المحققين في تأويله: إن الإيمان تخلية عن الرذائل وتحلية بالفضائل،
стр. 616
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ -أَوْ تَمْلأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ. . . . .
ــ
والطهور ههنا محمول على التخلية.
وقوله: (والحمد للَّه يملأ الميزان) يملأ يروى بالفوقانية والتحتانية، فالأُولى باعتبار اللفظة أو الكلمة أو المثوبة، والثانية باعتبار اللفظ أو الثواب، وقد ثبت بالنصوص أن الأعمال توزن إما نفسها، أو بجعلها صورًا، أو كتبها أو لكونها جواهر في موطن الآخرة كما هو عند المحققين، وقد حقق في موضعه.
وقوله: (سبحان اللَّه والحمد للَّه تملآن أو تملأ) شك من الراوي أنه بلفظ التثنية أو المفرد، فالأول ظاهر، والثانية باعتبار الجملة أو المجموع، وكل منهما بالفوقانية أو التحتانية، وذلك من جهة أن سبحان اللَّه تنزيه للَّه سبحانه، وهو يشمل السماوات والأرض وما بينهما، وكل ذرة تدل على تنزهه من النقائص، والحمد للَّه اعتراف بكمالاته ونعمه، والعالم مملوء بها ودالٌّ عليها، ولا شك أن هذه الكلمات لو صدرت من أحد بحقائقها أوجبت شهود صفات اللَّه وأسمائه التي العالم مظاهرها، وأما التفوُّه بمجرد الألفاظ فلا اعتداد به، ومع ذلك فضل اللَّه واسع يعطي من يشاء ما يشاء.
وقوله: (والصلاة نور (١)) أي: منوِّر القلب لشهود الحق وظهور المعارف؛ لأن أتم الأحوال والأوقات التي تُكشف للعارفين إذا كانوا في الصلاة، وأقربُ ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدًا، وحسبه قوله ﷺ : (وجعلت قرة عيني في الصلاة) (٢)، والوجهِ لظهور سيماء الصلاح والعرفان، وتهدي إلى طريق الحق والصواب، وتنهى عن
стр. 617
وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو. . . . .
ــ
الفحشاء والمنكر، أو سبب للنور يوم القيامة يسعى بين أيدي أهلها وبأيمانهم (١).
وقوله: (والصدقة برهان) أي: حجة لطالب الأجر؛ لأنها فرض يجازي اللَّه به عليه، أو دليل واضح قوي على صدق صاحبها في دعوى الإيمان إذا كان لوجه اللَّه سبحانه.
وقوله: (والصبر ضياء) الصبر هو الاستقامة على مقتضى الكتاب والسنة، وقد يفسر بترجيح داعية الحق على داعية الهوى عند معارضتهما، أو المراد: الصبر على البلايا والمصائب، ويحتمل أن يكون المراد الصوم بقرينة ذكر الصلاة والزكاة كما يفسره به في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ولقد بالغ ﷺ في مدح الصبر بجعله ضياء وجعل الصلاة نورًا؛ لأن الضياء فرط الأنارة وفوقها، والنور دونه كما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] والأمر كذلك؛ لأنه ملاك الأمر والطاعات كلها من الصلاة وغيرها من أقسام الصبر وأفرادها.
وقوله: (والقرآن حجة لك) إن عملتَ به وأدَّيت حقه ونصحت له (أو عليك) إن لم تفعل ذلك.
ولما ذكر بعض أنواع العبادات والطاعات التي هي العمدة، ويستلزم ذلك ذكر أضدادها أيضًا، أشار إلى تعميم الطاعات والمعاصي وأحوال الناس فيها فقال: و (كل الناس يغدو) أي: يبكر ويصبح، والغدوة بالضم: البُكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس.
стр. 618
فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٣].
وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلآنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ". لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَلَا فِي "الْجَامِعِ"، وَلَكِنْ ذَكَرَهَا الدَّارِمِيُّ بَدَلَ "سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ للَّهِ".
٢٨٢ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: . . . . .
ــ
وقوله: (فبائع نفسه) أي: صارف نفسه في عوض ما يتوجه إليه.
وقوله: (فمعتقها) إن كان ما يتوجه [إليه] طاعة، (أو موبقها) أي: مهلكها إن كان معصية، وقيل: البائع هو المملِّك لغيره، والإنسان إذا أصبح فإما إن يملِّك زمام نفسه للشرع فلا يرتكب محظور دينه فيكون معتقًا لنفسه، وإما إن يملك زمامها للشيطان فيكون مهلكًا لها، وقيل: المراد بالبائع المشتري، أي: يشتري نفسه ويختار، وبعد ذلك إما أن يعتقها أو يوبقها.
٢٨٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (على ما يمحو اللَّه به الخطايا) محاه يمحوه ويمحاه: أذهب أثره، ومحو الخطايا: غفرانها، أو محوها عن ديوانها، والمراد بها الصغائر.
وقوله: (ويرفع به الدرجات) اعلم أنه قد يجيء في باب مواضع الصلاة أن هذه كفارات، والدرجات: إطعام الطعام ولِين الكلام والصلاة بالليل والناس نيام، ولا منافاة بين ما ذكر ههنا وما ذكر هناك، إذ يمكن أن يكون فيها خاصيتان: كونُها كفارات ودرجات، لكنه اقتصر هناك على أحد الوصفين وذكر في الدرجات صفاتٍ أخر، وفي
стр. 619
"إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ".
٢٨٣ - [٣] وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: "فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ". مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيِّ: ثَلَاثًا. [م: ٢٥١، ت: ٥٢].
ــ
الحقيقة كل طاعة موجب لرفع الدرجة.
وقوله: (إسباغ الوضوء) في (القاموس) (١): أسبغ الوضوء: أبلغه مواضعه، ووَفَّى كل عضو حقه، انتهى. وأصل السبغ: الكمال والتمام، وحاصله: أن لا يترك شيئًا من واجباته وسننه وآدابه.
وقوله: (على المكاره) جمع مكره بفتح الميم من الكره بالفتح والضم: الإباء والمشقة، أو بالضم: ما أكرهت نفسك عليه، كذا في (القاموس) (٢).
وقوله: (وكثرة الخطى إلى المساجد) المراد الذهاب إليه من مكان بعيد، ويحتمل أن يكون كناية عن المشي بالوقار والأناة، والمراد بانتظار الصلاة أن يجلس في المسجد ينتظرها، أو إن خرج يكون قلبه متعلقًا بها.
٢٨٣ - [٣] (مالك بن أنس) قوله: (فذلكم الرباط) الظاهر أن الإشارة إلى انتظار الصلاة، وأصل الرباط: ملازمة الثغور لمحاربة الكفار، ويحتمل أن يكون إشارة إلى الكل؛ لأنها تسد طرق الشيطان على النفس، وتقهر عنها الهوى، وتمنعها عن قبول الوسواس إشارة إلى أنها المُرابَطة الحقيقية والجهاد الأكبر، والمستأهل أن يسمى رباطًا، واسم الإشارة للبعد للتعظيم على وتيرة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]،
стр. 620
٢٨٤ - [٤] وعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَاره". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٣٣، م: ٢٤٥].
٢٨٥ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ -أَوِ الْمُؤْمِنُ- فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاء مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ،
ــ
والتكرير للتأكيد والتقرير.
٢٨٤ - [٤] (عثمان) قوله: (فأحسن الوضوء) بضم الواو وقد يفتح، والحال فيه كما في الطهور وهو في معنى أسبغه، والظاهر أن الإسباغ إكماله بإيصال الماء تمامًا وتثليث الغسل ونحوه، والإحسان برعاية السنن والآداب، واللَّه أعلم.
وقوله: (من تحت أظفاره) ويحتمل أن يكون المراد: داخل الأظفار تحت الجلد، ففيه مبالغة، وإن لم يكن محل وصول الماء، أو المراد بتحت الأظفار داخل رؤوس الأظفار مما طالت، وهو الظاهر، واللَّه أعلم.
وقوله: (متفق عليه) وفي بعض الشروح أنه من أفراد مسلم.
٢٨٥ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (نظر إليها) أي: إلى الخطيئة، أي: إلى ما تحصل به الخطيئة كالعورة وما يحرم النظر إليه.
وقوله: (بعينيه) بلفظ التثنية، وفي بعض النسخ (بعينه) بالإفراد، خصص العين بالذكر وإن كان الوجه مشتملًا على غيرها أيضًا؛ لأن أكثر ما تحصل به الخطيئة من الوجه هي العين (١).
стр. 621
فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ من يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ-، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيهِ خَرَجَ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوب". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٤].
٢٨٦ - [٦] وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ. . . . .
ــ
وقوله: (أو مع آخر قطر الماء) الظاهر أنه شك من الراوي، وفي بعض الشروح أنه ليس بشك من الراوي بل لأحد الأمرين، ولا يخلو عن خفاء بحسب المعنى، فافهم.
وقوله: (مشتها) بنزع الخافض، أي: مشت إليها، وقال الطيبي (١): يحتمل أن
يكون الضمير للمصدر، أي مشت المشية، وهذا كما ذكروا في قوله ﷺ : (واجعله الوارث منا) أن الضمير للمصدر على تأويل، وقد يجعل الضمير للمذكورات من الأسماع والأبصار، ولا يخفى أن جعل الضمير للمصدر مما لا يذهب إليه الفهم أصلا لكنهم ذكروا ذلك، ولا بد أنه فهموا ذلك من استعمال أهل اللسان.
٢٨٦ - [٦] (عثمان) قوله: (صلاة مكتوبة) أي مفروضة، في (القاموس) (٢):
стр. 622
فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً،
ــ
كتبه: خطه، والكتاب: ما يكتب فيه والفرض والحكم والقدر.
وقوله: (وضوءها) وفي بعض النسخ (وضوءه)، وكذا في (خشوعها وركوعها)، والخشوع يشتمل على رعاية آدابه الظاهرة والباطنة، وتخصيص الركوع بالذكر لأنه من خصائص صلاة المسلمين، وليس في صلاة اليهود والنصارى ركوع، ولأنه أشد من السجود لا يقدر على إكماله الضعفاء بخلاف السجود، ولأنه يدرك الركعة بدركه فيكون إحسانه وإتمامه أهم، ولأن الركوع أول حالة يتميز بها المصلي.
وقوله: (ما لم يؤت) على بناء الفاعل من الإيتاء، هكذا الموجود في (صحيح مسلم) وشرحه للنووي، وفي كتاب الحميدي، والذي يوجد في نسخ (المصابيح): (لم يأت) من الإتيان وهو ظاهر المعنى؛ لأن إتيان الشيء بمعنى العمل به كثير، وأما الإيتاء فإنما هو بمعنى الإعطاء، وتوجيه الإيتاء أن العالم يعطي العمل من نفسه، وقد يروى: (يؤت) بلفظ المجهول إقامةً للمفعول الأول مقام الفاعل وترك الثاني منصوبًا بمعنى: لم تصبه الكبيرة، من قولهم: أُتي فلان في بدنه، أي: أصابته علَّةٌ، والمختار بحسب الرواية (ما لم يؤت) من الإيتاء مبنيًا للفاعل.
ثم الظاهر من قوله: (ما لم يؤت كبيرة) أن كفارة الذنوب مشروطة بعدم إتيان الكبائر، فإن أتى الكبائر لم تكفَّر صغائره، وهو الظاهر من قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] لكنهم قالوا: معناه: إن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر، فافهم. قال النووي (١): هذا هو المراد، والأول وإن كان محتمل العبارة لكنه لم يذهب إليه أحد.
стр. 623
وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٨].
٢٨٧ - [٧] وَعَنْهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا،
ــ
وقوله: (وذلك الدهر كله) أي: تكفِّر الصلاة المكتوبة على هذه الكيفية الصغائر في الدهر كله، أي: لا يختص بفرض واحد بل فرائض الدهر تكفِّر صغائره، فالدهر منصوب على الظرفية، و (كله) تأكيد له، فإن قلت: فما الحال إذا كانت كبائر أو لم يكن صغائر ولا كبائر؟ قلنا: قال بعض العلماء: نرجو أن يخفف من الكبائر في الصورة الأولى، وترفع الدرجات في الثانية.
٢٨٧ - [٧] (عثمان) قوله: (توضأ فأفرغ) من عطف البيان على المبيَّن والتفصيل على الإجمال، وذلك كثير في الأحاديث، والإفراغ: الصب والإراقة (ثم تمضمض) المضمضة: تحريك الماء في الفم، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): هو وضع الماء في الفم وإدارته بالأصابع أو بقوة الفم ثم مجه، والاستنثار: استنشاق الماء ثم استخراج ذلك بنفَس الأنف، والنثرة: الخيشوم، (واستنثر) أي: استنشق الماء ثم استخرج ما في الأنف، فظهر من هذا أن الاستنثار يتضمن ذكر الاستنشاق، وليس أنه ترك ذكر الاستنشاق اعتمادًا على ما ذكره في الرواية الأخرى، نعم قد يذكران معًا، ويراد بالاستنثار هناك الاستخراج فقط، فذلك هو المحتاج إلى التوجيه والتأويل،
стр. 624
ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدم مِنْ ذَنْبِهِ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ للْبُخَارِيِّ. [خ: ١٥٩، ١٩٣٤، م: ٢٢٦].
ــ
فافهم.
ثم الظاهر من هذا الحديث كون المضمضمة والاستنشاق بغرفة واحدة لعدم ذكر (ثم) كما في سائر الأعضاء، وسيجيء الكلام فيه في (باب سنن الوضوء) إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: (نحو وضوئي) في شرح مسلم: إنما قال: نحو، ولم يقل: مثل، لأن حقيقة مماثلة وضوئه ﷺ لا يقدر عليها غيره، انتهى. وهذا مبني على اعتبار وجه الشبه في المماثلة من كل وجه، ولو لم يعتبر ذلك واكتفى بالمشاركة في جهة خاصة لكفى، وهذا تأدب منه ﵁، وأما قوله ﷺ : (وضوئي) بترك حرف التشبيه فترغيب وحث على كمال المبالغة، فافهم.
وقوله: (ثم يصلي ركعتين) ولو صلى أكثر لكان أفضل، يؤخذ فيه استحباب الصلاة بعد الوضوء، وقال الطيبي (١): هي سنة مؤكدة لا تترك ولو في وقت مكروه، ولو صلى فريضة أو راتبة لكفت، وأنكر الإمام الغزالي تسميتها بتحية الوضوء، وأما التسمية بتحية المسجد فصحيح.
وقوله: (لا يحدث نفسه فيهما بشيء) أي: في أمور الدنيا، ولو عرضت الخواطر فدفعها ولم يستقر لم يضر في هذه الفضيلة، وقيل: المراد الإخلاص، وقيل: عدم العجب، واللَّه أعلم.
стр. 625
٢٨٨ - [٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي ركْعَتَيْنِ مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ. . . . .
ــ
٢٨٨ - [٨] (عقبة بن عامر) قوله: (مقبلًا عليهما) وجد في أكثر الأصول بالرفع، ووجهه أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو مقبل، والجملة حال، وفي بعضها بالنصب وهو أظهر، ووجد في كثير من نسخ (المصابيح): يقبل بلفظ المضارع.
وقوله: (بقلبه ووجهه) أي: بباطنه وظاهره، والإقبال إنما هو على اللَّه، ولما كانت الصلاة وسيلة له نسب الإقبال إليها؛ لأنه إن لم يكن عليهما لا يحصل الإقبال على اللَّه تعالى.
قال الإمام الغزالي في (إحياء العلوم) (١): المعاني الباطنة التي تتم بها الصلاة جملتها ست: حضور القلب، والتفهم، والتعظيم، والهيبة، والرجاء، والحياء، الأول: حضور القلب ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابِس له ومتكلِّم به، فيكون العلم بالفعل مقرونًا بهما، ولا يكون الفكر جاريًا في غيرهما، والفهم غير الحضور، فربما يكون القلب حاضرًا مع اللفظ، ولا يكون حاضرًا مع معنى اللفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم، وهذا مقام يتفاوت الناس فيه، إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات، وكم من معانٍ لطيفة يفهمها المصلي في أثناء صلاته ولم يكن قد خطر بقلبه ذلك [قبله]، ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإنها تفهِم أمورًا تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة.
стр. 626
إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٤].
٢٨٩ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ -أَوْ فَيُسْبغُ- الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. . . . .
ــ
وأما التعظيم فهو أمر وراء حضور القلب والتفهم، إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظِّمًا له.
وأما الهيبة فزائد على التعظيم، بل هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم؛ لأن من لا يخاف لا يسمى هائبًا، والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجري مجراه من الأسباب الخسيسة لا يسمى مهابة، بل الخوف من السلطان العظيم يسمى مهابة.
وأما الرجاء فلا شك أنه زائد، فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه ويخاف سطوته ولكن لا يرجو مثوبته، والعبد ينبغي أن يكون راجيًا بصلاته ثواب اللَّه كما أنه خائف بتقصيره عقاب اللَّه.
وأما الحياء فهو زائد على الجملة؛ لأن مستنده استشعار تقصير وتوهُّمُ ذنب، ويتصور التعظيم [والخوف] والرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير [وارتكاب ذنب].
وقوله: (إلا وجبت له الجنة) الوجوب حيثما وقع [في] مقام ثواب الأعمال فالمراد به التفضل عند أهل السنة والجماعة؛ فإنه لا يجب على اللَّه شيء، ولكنه يفعل بمقتضى وعده الكريم، ولا يخلف الوعد، ولا يتصور على اللَّه غير هذا كما عرف في أصول الكلام.
٢٨٩ - [٩] (عمر بن الخطاب) قوله: (ما منكم من أحد) قال الطيبي: (من) الأولى بيانية، ولعله إنما ذهب إليها لأن (من أحد) عام، فلا يصح التبعيض، ويمكن
стр. 627
-وَفِي رِوَايَةٍ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ- إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَهُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ". هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" وَالْحُمَيْدِيُّ فِي "أَفْرَاد مُسْلِمٍ"، وَكَذَا ابْن الأَثِير فِي "جَامِعِ الأُصُولِ".
وَذكر الشَّيْخ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي آخِرِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا روينَاهُ: وَزَاد التِّرْمِذِيِّ: "اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ".
ــ
أن يقال: إنها تبعيضية، قيد بـ (أحد) قبل دخول (من) عليه، فافهم.
(وفي رواية: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده (١). . . إلخ) وزاد الجزري في (الحصن الحصين) من ابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة وابن السُّني: ثلاث مرات.
وقوله: (وزاد الترمذي: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وزاد النسائي والحاكم في (المستدرك) (٢): (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)، وذكر الجزري عن الطبراني في (الأوسط) (٣): (من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك وأستغفرك وأتوب إليك، كتب له في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة).
стр. 628
وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي الصِّحَاحِ: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ" إِلَى آخِرِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "جَامِعِهِ" بِعَيْنِهِ إِلَّا كَلِمَةَ "أَشْهَدُ" قَبْلَ "أَن مُحَمَّدًا". [م: ٢٣٤، والحميدي في "أفراد مسلم" (٩٤)، "جامع الأصول" (٧٠١٧)].
٢٩٠ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ. . . . .
ــ
وقوله: (والحديث الذي رواه محيي السنة في الصحاح) اعتراض على صاحب (المصابيح)، فإنه أورد الحديث في الصحاح بهذا اللفظ: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، وهذا ليس في الصحاح، بل هو حديث الترمذي، وإنما في الصحاح ما ذكرناه من حديث مسلم، وقوله: (وزاد الترمذي) مقول للشيخ محيي الدين، وهذا الكلام أورده تأييدًا؛ لأنه ليس في الصحاح وإن لم يكن محتاجًا إليه بعد وجود الحديث على الوجه المذكور أولًا في متن (مسلم) و (كتاب الحميدي) و (جامع الأصول)، ووجوده على الوجه المذكور ثانيًا في (جامع الترمذي).
٢٩٠ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (إن أمتي يدعون يوم القيامة) أي: ينادون على رؤوس الأشهاد أو إلى الجنة أو يسمَّون بذلك كما يقال: يدعى فلان ليثًا، ولعل قوله في الحديث الآخر: (يأتون يوم القيامة غرًا محجلين) يؤيد المعنى الأول، فعلى الأول يكون (غرًّا محجلين) حالًا، وعلى الثاني مفعول ثان، و (محجلين) إما حال بعد حال، أو مفعول بعد مفعول، أو صفة لِـ (غرًا)، والغر بالضم جمع أغر، والأغر: الأبيض من
стр. 629
مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَه فَلْيفْعَلْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٤، م: ٢٤٦].
ــ
كل شيء. والغرة بياض في جبهة الفرس، وفرس أغر وغرَّاء، والتحجيل بياض في قوائم الفرس كلها أو يكون في رِجْلين فقط، ولا يكون في اليدين خاصة إلا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين، والفرس محجول ومحجل.
وقوله: (من آثار الوضوء) في الوجه والأيدي والأرجل لظهورها، خص اللَّه تعالى هذه الأمة المباركة المرحومة بهذه الكرامة، ثم الظاهر أن المخصوص بهم هو الغرة والتحجيل لا الوضوء فإنه عام كما يظهر من قوله: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي)، فتدبر.
والوضوء بضم الواو ويجوز فتحها مصدرًا أو اسمًا، وكذا قوله في الحديث الآتي: (حيث يبلغ الوضوء) إلا أن الأظهر فيه الفتح بمعنى الاسم، وكذا الرواية.
وقوله: (فمن استطاع) قيل: هو مدرجٌ من كلام أبي هريرة وموقوف عليه، كذا ذكره غير واحد من الحفاظ، واللَّه أعلم.
ولعل قوله: (أن يطيل غرته) من باب الاكتفاء؛ لأن الظاهر أن حكم التحجيل كذلك، ويمكن أن يكون تخصيص الغرة بالذكر للاهتمام بتطويلها بتبيض الوجوه بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، ولأن أكثر الناس يقصرون في غسل الوجه وإسباغه دون الأرجل، ويظهر من قول الطيبي (١) في تفسير إطالة الغرة: بأن يوصل الماء من فوق الغرة إلى تحت الحنك طولًا ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، أن أثر الغرة يظهر في الوجه كله كما يظهر أيضًا ذلك من قوله: الأغر هو الأبيض الوجه،
стр. 630
٢٩١ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوضُوءُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٠].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٩٢ - [١٢] عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا،
ــ
وإلا فالظاهر من إطالة الغرة أن يوصل الماء إلى فوق الجبهة، فافهم، واللَّه أعلم.
٢٩١ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (تبلغ الحلية) (١) أي: السيماء وهو الغرة والتحجيل يوم القيامة من أثر الوضوء، وليس المراد به ما يُتحلى ويزيَّن به من مصنوع المعدنيات أو الحجارة، فإن ذلك حلي بفتح الحاء وسكون اللام، وبضم الحاء وكسرها مع كسر اللام، وقد قرئ بهما جميعًا في قوله تعالى: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وقد حملها بعضهم على ذلك بناء على أنه قد يستعمل فيه ولو مجازًا.
الفصل الثاني
٢٩٢ - [١٢] (ثوبان) قوله: (استقيموا ولن تحصوا) الحديث، الاستقامة: القيام بالعدل وملازمة المنهج المستقيم، وذلك أمر صعب في غاية الصعوبة، ولهذا قال: (ولن تحصوا) أي: لن تطيقوا الاستقامة، من قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]
стр. 631
وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ط: ٩٠، حم: ٥/ ٢٨٠، ٢٨٢، دي: ١/ ١٦٨، جه: ٧٧].
٢٩٣ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٩].
ــ
أن لن تطيقوا، أحصاه: عده وضبطه، أصله من الحصاء بمعنى صغار الحجارة؛ لاستعمالهم ذلك في العد كاعتمادنا على الأصابع، أخبرهم بعد الأمر به أنهم لا يطيقون على إيفاء حقه كيلا يتكلوا على ما يأتون ولا ييأسوا فيما لا يأتون عجزًا لا تقصيرًا.
ولما أمره بالاستقامة وهي شاقة جدًا تداركه بقوله: (ولن تحصوا) رحمة منه وشفقة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، بعد قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ثم نبههم على ما تيسر منهم بقوله: (واعلموا) أي: إذا لم تطيقوا فحق عليكم أن تلزموا بعضها وهي الصلاة، وأقيموا حدودها لاسيما مقدمتها التي هي شطر الإيمان وهو الوضوء، هذا حاصل ما ذكره الطيبي (١) مختصرًا.
٢٩٣ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (من توضأ على طهر كتب له) قالوا: هذا مقيد بمن صلى بين الوضوءين فريضة أو نافلة، وكرهه بعضهم إذا لم يصلِّ بينهما، ثم إن ههنا صورة يشتبه علينا حكمها وهو أن يكون بحيث لا ينتقض وضوؤه ولا يثقل لكنه ينقضه احتياطًا، ويتكلف ذلك، هل يجد ثواب الوضوء على الوضوء في هذه الصورة بل مع زيادة رعاية الاحتياط أو لا؟ فمن حيث المعنى والحقيقة نعم، ومن حيث الظاهر والصورة لا، واللَّه أعلم.
стр. 632
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٩٤ - [١٤] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ، وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٣٤٠].
٢٩٥ - [١٥] وَعَنْ شَبِيْبِ بْنِ أَبِي رَوْحٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْح فَقَرَأَ الرُّومَ فَالْتبَسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُصَلُّونَ مَعَنَا لَا يُحْسِنُونَ الطَّهُورَ؟ وَإِنَّمَا يُلَبِّسُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ أُولَئِكَ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [س: ٩٤٧].
ــ
الفصل الثالث
٢٩٤ - [١٤] (جابر) قوله: (مفتاح الجنة الصلاة) جعل الصلاة مقدمة لدخول الجنة يتوقف عليها لا يحصل بدونها، وعبر عنها بالمفتاح، وفيه مبالغتان حيث حكم بعدم التهيؤ لدخول الجنة إلا بها كالإيمان، وبأنه إذا وجدت الصلاة فتحت باب الجنة، فليس بعده إلا الدخول، كالطهارة بأقسامها إذا وجدت لم يبق بعده إلا الإقبال على الصلاة ترهيبًا وترغيبًا.
٢٩٥ - [١٥] قوله: (وعن شبيب) على وزن حبيب (ابن أبي روح) بفتح الراء وبالحاء المهملة، ثم في نسخ (المشكاة) لفظ (ابن) يتوسط بين شبيب وأبي روح، والمشهور أن شبيبًا هو أبو روح، قال في (جامع الأصول) (١): أبو روح شبيب بن نعيم، ويقال: ابن أبي روح.
وقوله: (وإنما يلبس علينا القرآن أولئك) فيه تأثير الصحبة أشد تأثيرًا، فإن مثل رسول اللَّه ﷺ مع غاية كماله في قراءة القرآن في حالة الصلاة التي هي أتم أحوالها التي
стр. 633
٢٩٦ - [١٦] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: عَدَّهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِي -أَوْ فِي يَدِهِ- قَالَ: "التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ،
ــ
فيها قرة عينه بشهود ربه، إذا كان يتأثر من أحد من آحاد أمته لترك بعض الآداب في الوضوء الذي ليس عبادة مقصودة، فكيف لغيره من ضعفاء الأمة من صحبة أهل الأهواء والبدع والفسق والمعاشرة بهم؟ إن في هذا لعبرةً لأولي الألباب.
٢٩٦ - [١٦] (رجل من بني سليم) قوله: (عدهن) ضمير مبهم تفسيره ما بعده، وهو قوله: (التسبيح نصف الميزان) إلى آخر الخصال الخمسة بعدد الأصابع.
وقوله: (في يدي أو في يده) شك الراوي.
وقوله: (التسبيح نصف الميزان والحمد للَّه يملؤه) إما أن يراد التسوية بينهما بأن كل واحد منهما يأخذ نصف الميزان، أو ترجيح الحمد بأنه ضِعْفُه لأنه وحده يملؤه؛ لأن الحمد المطلق إنما يستحقه من هو مبرأ عن النقائص الذي هو مدلول التسبيح، كذا في (مجمع البحار) (١)، وهذا حاصل ما قال الطيبي (٢) في توجيه كونه ضعفَه بأن الحمد جامع للصفات الثبوتية والسلبية، والتسبيح تنزيهٌ عن النقائص فهو من السلبية، انتهى.
وأقول: إن قوله: (الحمد للَّه يملأ الميزان) في أول حديثٍ ذُكر في الباب يؤيد الاحتمال الثاني.
وقوله: (والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض) أخذ من قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية: ٣٧]، والتكبير شهود كبرياء الحق، فثوابه يملأ السماوات والأرض، وقد سبق بعض ما يتعلق به من الكلام في أول الباب.
стр. 634
وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ، وَالطُّهُورُ نِصْفُ الإِيمَانِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [ت: ٣٥١٩].
٢٩٧ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابحِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، وَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنفه، وِإذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ،
ــ
وقوله: (والصوم نصف الصبر) توجيهه: أن الإيمان كله صبر على الطاعات وعن المعاصي، ولما كان الصوم أقمع لشهوات النفس كأنه جعل نصف الإيمان مبالغة، وقيل: جعل باعتبار اليوم والليلة ووجود الصبر فيهما.
وقوله: (والطهور نصف الإيمان) مر توجيهه.
٢٩٧ - [١٧] (عبد اللَّه الصنابحي) (١) قوله: (الصنابحي) بضم الصاد المهملة وتخفيف النون وبالباء الموحدة وبالحاء المهملة منسوب إلى صنابح بن زاهر بطن من مراد.
وقوله: (وإذا غسل) بالواو في أكثر النسخ، وبالفاء في بعضها، وفي قرينه بالفاء في كلها.
وقوله: (حتى تخرج من تحت أشفار عينيه) في (القاموس) (٢): الشُّفْر بالضم: أصل منبت الشعر بالجفن، والجفن غطاء العين من أعلى وأسفل.
стр. 635
فَإِذَا غسل يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٨٤، س: ١٠٣].
٢٩٨ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبَرَةَ فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْم مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ. . . . .
ــ
وقوله: (حتى تخرج من أذنيه) يفهم منه أن الأذنين من الرأس كما هو مذهبنا.
وقوله: (نافلة له) أي: زائدة، والنفل الزيادة، أي: زائدة على تكفير السيئات وهو رفع الدرجات، وقد عدَّ في بعض الأحاديث التخطِّي إلى المسجد من المكفِّرات، ولا منافاة، ولعله إذا كان على وضوء سابق، وقد ارتكب من الخطايا شيئًا، واللَّه أعلم.
٢٩٨ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (أتى المقبرة) في (القاموس) (١): مدفن الإنسان، والجمع قبور، والمقبرة مثلثة الباء كمكنسة: موضعها، والمراد بالمقبرة: البقيع مقبرةُ المدينة المطهرة.
وقوله: (دار) منصوب على الاختصاص نحو: نحن معاشرَ العرب، أو على النداء، والدار: المحل بجميع البناء والعرصة، والمراد أهل دار حذفًا أو مجازًا، وفيه رمز إلى حياتهم وإلى أن العمران في الحقيقة هو هذا، وما سواه خراب لكونه آيلا إليه، والاستثناء للتبرك بذكر اللَّه تعالى وتفويض الأمور كلها إلى مشيئته وإرادته وإن كان متحتم الوقوع، أو للرغبة إلى لقاء اللَّه واللحوقِ بالمؤمنين السابقين الفائزين برحمة اللَّه. وقيل: لتحسين الكلام به، والود الحب من [باب] سمع يسمع، ولما تصور ﷺ