← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

٥٩٥٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُدْعَى سَارِيَةَ، فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَخْطُبُ فَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا سَارِيَ! الْجَبَلَ، فَقَدِمَ رَسُولٌ مِنَ الْجَيْشِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَقِيَنَا عَدُوُّنَا فَهَزَمُونَا، فَإِذَا بِصَائِحٍ يَصِيحُ: يَا سَارِيَ! الْجَبَلَ. فَأَسْنَدْنَا ظُهُورَنَا إِلَى الْجَبَلِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِل النُّبُوَّة". [دلائل النبوة: ٦/ ٣٧٠]. ٥٩٥٥ - [١٢] وَعَنْ نُبَيْهَةَ بْنِ وَهْبٍ: أَنَّ كَعْبًا دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ كَعْبٌ: مَا مِنْ يَوْمٍ يَطْلُعُ إِلَّا نزَلَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يَحُفُّوا بِقَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْرِبُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا عَرَجُوا وَهَبَطَ مِثْلُهُمْ فَصَنَعُوا مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا انْشَقَّتْ عَنْهُ الأَرْضُ خَرَجَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ. . . . . ــ ٥٩٥٤ - [١١] (ابن عمر) قوله: (يا ساري! ) بفتح الياء ترخيم سارية، وفي بعض النسخ: (يا سارية) من غير ترخيم. وقوله: (الجبل) منصوب، أي: اجعل الجبل في ظهرك، وفي بعض الروايات: (الجبل الجبل)، و (عدونا) مرفوع فاعل (لقي)، وصحح في بعض النسخ بالنصب. ٥٩٥٥ - [١٢] (نبيهة بن وهب) قوله: (وعن نبيهة) بضم النون وفتح الموحدة وسكون التحتية آخره تاء، وقيل: صوابه: نبيه بلا تاء. وقوله: (إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة) كان كعبًا شاهد الملائكة حتى يكون ذلك له كرامة وإلا إن كان ذلك بالسماع فلا كرامة.

стр. 5707

يَزُفُّونَهُ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢٢٨]. * * * ٩ - باب ــ وقوله: (يزفونه) روي بكسر الزاي من ضرب، زف: أسرع في مشيته، وزف البعير: أسرع، كقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤]، ففيه حذف وإيصال، أي: يسرعون به، وبضمها من نصر، من زف العروس إلى زوجها زفًّا وزفافًا: أهداها إليه، وفيه استعارة لطيفة، والمراد إهداء المحبوب إلى حبيبه. ٩ - باب هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: (باب وفاة النبي ﷺ )، وهذا أنسب؛ لأن عادة المؤلف أن يضع بابًا مطلقًا فيما يكون من متممات ولواحق لما تقدم من الباب، وهنا ليس كذلك، وقد ذكر في هذا الباب أحاديث متعلقة بوفاته ﷺ فناسب ترجمته به، ونحن نريد أن نذكر شيئًا من ابتداء مرضه وامتداده ووفاته على ما التزمنا في هذا الشرح من ذكر ما يتعلق بالأبواب. فاعلم أنه ابتدأ به ﷺ صداع في أواخر صفر، قيل: لليلتين بقيتا منه يوم الأربعاء، وقيل: لليلة، وقيل: بل في مفتح ربيع الأول، وفي (الوفاء) (١): مَرِض في صفر لعشر بقين منه، وتوفي ﷺ لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وقد جزم سليمان التيمي وهو أحد الثقات بأن ابتداء مرضه يوم السبت الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، واللَّه أعلم.

стр. 5708

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد يرجح هذا القول بما صح من موت فاطمة الزهراء ﵂ في ثالث رمضان مع ما ثبت من حياتها ﵂ بعده ﷺ ستة أشهر، وقد استأذن ﷺ نساءه في تمريضه ببيت عائشة ﵂ فأذِنّ له، ثم اشتد وجعه جعل يشتكي وينقلب على فراشه، وروي أنه لا تكاد تقر يدٌ عليه من شدة الحمى، فقال: (ليس أحد أشد بلاء من الأنبياء، كما يشتد علينا البلاء كذلك يضاعف لنا الأجر)، فكانت مدة علته اثني عشر يومًا. وقيل: ثمانية عشر يومًا كما عرف من الاختلاف في ابتداء مرضه، وقد أعتق في مرضه أربعين نفسًا. وكان يصلي بالناس في مدة مرضه، وإنما انقطع ثلاثة أيام، وقيل: سبع عشرة صلاة، وقال فيها: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وخرج يومًا إلى المسجد وصلى وقال: (يا معشر المسلمين! أنتم في وداع اللَّه وكنفه، واللَّه خليفتي، عليكم بتقوى اللَّه وحفظ طاعته، فإني مفارق للدنيا)، والروايات متعاضدة على أن الإمام كان أبا بكر. وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لم يصل النبي ﷺ خلف أحد من أمته إلا خلف أبي بكر وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف في سفر ركعة واحدة. ومما وقع في مرضه أنه اشتد وجعه يوم الخميس، فأراد أن تكتب كتابًا، فقال لعبد الرحمن بن أبي بكر: (ائتني بكتف أو لوح اكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف فيه)، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: (أبى اللَّه والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر). وروي أن عباسًا ﵄ قال لعلي ﵁: أنت بعد ثلاث عبد العصا، ثم خلا به فقال: إني يخيل لي أني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، وإني خائف أن لا يقوم رسول اللَّه ﷺ من وجعه، فاذهب بنا إليه فلنسألنه، فإن يك هذا الأمر إلينا فعلمنا ذلك، وإن لم يكن إلينا أمرناه أن يستوصي بنا خيرًا، فقال له علي: أرأيت إذا

стр. 5709

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جئناه فلم يعطناها؟ أترى الناس يعطوناها؟ واللَّه لا أسألها إياه أبدًا (١). ومما وقع في موضه أنه كان له سبعة دنانير فما توفي حتى أنفقها، ومما وقع في موضه استعمال السواك قبل موته، وعن أنس ﵁: كان عامة وصية رسول اللَّه ﷺ عند الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل رسول اللَّه ﷺ يتغرغر بها في صدره ولا يفيض بها لسانه. وفي (حياة الحيوان) (٢) للدميري عن الواقدي عن شيوخه أنهم قالوا: لما وقع الشك في موت النبي ﷺ وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه فقالت: توفي رسول اللَّه ﷺ قد رفع الخاتم بين كتفيه، فكان هذا الذي عرف به موت رسول اللَّه ﷺ ، ورُوي عن أم سلمة: وضعت يدي على صدر رسول اللَّه ﷺ يوم مات فمر بي جمع آكل الطعام وأتوضأ، ما تذهب ريح المسك من يدي، و (في شواهد النبوة) (٣): سئل علي ﵁[عن] سبب فهمه وحفظه قال: لما غسلت النبي ﷺ اجتمع ماء على جفونه فرفعته بلساني واذدرته، فأرى قوة حفظي منه (٤). وكفن ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية -بلدة من اليمن- من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة، واختلفت الروايات في كفنه ﷺ ، وحديث عائشة هذا أصح لكنهم اختلفوا في تفسير قولها: ليس فيها قميص ولا عمامة، فقيل: معناه أنه كفن

стр. 5710

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في ثلاثة أثواب خارج عن القميص والعمامة، والصحيح أن معناه ليس في الكفن قميص ولا عمامة أصلًا، قال النووي (١): وبه قال جمهور العلماء، ولم يثبت أنه ﷺ كفن في قميص وعمامة، وعلى التأويل الأول بكون خمسة، وذكر الحنابلة أنه مكروه، وقال الشافعية: جائز غير مستحب، وقال المالكية: إنه مستحب للرجال والنساء، وهو في حق النساء آكد، وجاء في رواية: أنه ﷺ كفن في سبعة أثواب، وذكر ابن حزم أنه وهم، وقيل: الزيادة إلى سبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف. وعند الحنفية: الأثواب الثلاثة: إزاره وقميصه ولفافه. وصلوا عليه ﷺ فرادى لا يؤمهم أحد، قال ابن الماجشون: صُليّ عليه اثنين وسبعين صلاة، وقد كان شقران حين وضع رسول اللَّه ﷺ في قبره أخذ قطيفة نجرانية حمراء أصابها يوم خيبر، وكان رسول اللَّه ﷺ يلبسها ويفرشها، فطرحها تحته فدفنها معه في قبره، فقال: واللَّه لا يلبسها أحد بعدك، وبنى في قبره اللبن، يقال: تسع لبنات، قيل: فلما فرغوا عن وضع اللبنات أخرجوا القطيفة. قال النووي (٢): وقد نص الشافعي وأصحابه وغيرهم من العلماء على كراهة وضع قطيفة أو نحو ذلك تحت الميت في القبر. وجعل قبره مسطوحًا، ورش الماء على قبره، وعن سفيان التمار: أنه رآه مسنمًا، أي: مرتفعًا، وتسنيم القبر مستحب وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وبعض قدماء الشافعية استحبوا التسطيح، ونقل أهل السير عن

стр. 5711

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٩٥٦ - [١] عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِآنِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرْحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: . . . . . ــ سعيد بن المسيب قال: بقي في البيت موضع قبر يدفن فيه عيسى ابن مريم ﵉، وقبض رسول اللَّه ﷺ يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء، وقيل: دفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس، وقيل: صُلّي عليه يوم الأربعاء ثم دفن، والأول أصح، وقد ندبه ورَثَاه أهل بيته وأصحابه، وقد ذكرنا منه ومن باقي أحوال مرضه وموته ودفنه ونحوها في رسالة لنا مسماة بـ (ما ثبت في السنة) من أحكام السنة وما ذكرنا يكفي ههنا، وباللَّه التوفيق. الفصل الأول ٥٩٥٦ - [١] (البراء) قوله: (أول من قدم علينا) أي: جاء من مكة إلى المدينة مهاجرًا، وقد كان رسول اللَّه ﷺ قدم بعض أصحابه إليها قبل أن يهاجر بنفسه الكريمة إجابة لسؤال بعض الأنصار، ذلك منه ليعلمهم القرآن والأحكام ولمصالح أخرى رآها في ذلك، و (مصعب) بضم الميم وسكون المهملة وفتح العين (ابن عمير) بلفظ التصغير. وقوله: (يقرآننا) من الإقراء أي: يعلماننا، و (الولائد) جمع وليدة، وهي الجارية الصغيرة، فعيل بمعنى مفعول، وقد يطلق على الأمة وإن كانت كبيرة كالفتاة.

стр. 5712

هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَاءَ، فَمَا جَاءَ حَتَّى قرأتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا مِنَ الْمُفَصَّلِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٩٤١]. ٥٩٥٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يؤّتيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ". . . . . ــ وقوله: (حتى قرأت) أي: تعلمت. وقوله: (في سور مثلها) أي: في جملة سور مثلها في المقدار، هذا وقال الشيخ (١): هذا يدل على أن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ نزلت بمكة، ويشكل عليه أن قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] نزلت في زكاة الفطر، ووجوب صلاة العيد في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: ويحتمل أن تكون السورة مكية إلا هاتين الآيتين، والأصح أنها كلها مكية، واللَّه أعلم. وأقول: كون هذه السورة مكية إنما هو على قول الجمهور، وقيل: إنها مدنية، كذا قال الحلبي في (حاشية تفسير القاضي)، وحمل قوله: (تزكى) على أداء الزكاة إنما هو على أحد التفاسير، وقد فسر بالتطهر من الكفر والمعصية، وبالتكثر من التقوى من الزكاء، وبالتطهر للصلاة. وقال الحلبي: وعلى تقدير كون السورة مكية وكون المراد من قوله: (تزكى) و (صلى): زكاة الفطر وصلاة العيد يمكن أن يقال: لما كان في علم اللَّه تعالى أن ذلك سيكون أثنى على من فعله، وفيه الإخبار على الغيب. ٥٩٥٧ - [٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (جلس على المنبر) وكان ذلك في

стр. 5713

فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ قَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَعَجِبْنَا لَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخ يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هوَ الْمُخَيَّرُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أعْلَمَنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٠٤، م: ٢٣٨٢]. ٥٩٥٨ - [٣] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِ سنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، ــ مرضه، وقد جاء مصرحًا في رواية، وفي أخرى: كان ذلك قبل أن يتوفى بخمس ليال. ٥٩٥٨ - [٣] (عقبة بن عامر) قوله: (صلى رسول اللَّه ﷺ ) أي: صلاة الجنازة وهو الظاهر، وهذا يؤيد مذهبنا، وقال الشافعي: المراد بالصلاة الدعاء والاستغفار، وليس على الشهيد صلاة الجنازة عنده. وقوله: (بعد ثمان سنين) أي: من دفنهم. وقوله: (كالمودّع للأحياء والأموات) توديعه للأحياء ظاهر، وأما توديعه للأموات فلانقطاع دعائه واستغفاره لهم، و (الفرط) بالتحريك: المتقدم إلى الماء، من فرط فروطًا بالضم: سبق وتقدم، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصحاح) (٢): هو فعل بمعنى فاعل، مثل تبع بمعنى تابع، يقال: رجل فرط، وقوم فرط، يستوي

стр. 5714

وَإِنَّ مَوْعِدكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأَنَا فِي مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُم الدُّنْيَا أَنْ تُنَافِسُوا فِيهَا". وَزَادَ بَعْضُهُمْ: "فَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٤٢، م: ٢٢٩٦]. ٥٩٥٩ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوِفِّيَ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَإِنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ. . . . . ــ فيه الواحد والجمع، يريد تقدمه إلى دار الآخرة ليشفع لهم ويهيئ أسباب نجاتهم وشفاعتهم. وقوله: (وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض) إخبار بتملك أمته الخزائن. وقوله: (أن تنافسوا فيها) أي: ترغبوا وتميلوا إليها كل الميل، ومنه شيء نفيس ومنفوس يتنافس فيه ويرغب. ٥٩٥٩ - [٤] (عائشة) قوله: (توفي في بيتي وفي يومي) قد عرفت في شرح الترجمة أنه ﷺ استأذن أزواجه في أن يمرض في بيت عائشة، فكان ﷺ في بيتها إلى يوم وفاته، ولعله صادف يوم نوبتها أيضًا، وفيه تأكيد لبيان فضلها وإلا فالأيام كلها سواء بعد الإذن، فافهم. و(السحر) بفتح السين ويضم وسكون الحاء المهملة: الرئة، والمراد هنا الصدر؛ لأنه ﷺ كان مستندًا إلى صدرها، والمراد بـ (النحر) موضعه وهو موضع القلادة من أعلى الصدر.

стр. 5715

وَبِيَدِهِ سِوَاكٌ وَأَنَا مُسْنِدَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ، فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهِ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَراتٍ". ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: "فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى". حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٤٩]. ــ وقوله: (وأنا مسندة) بكسر النون بالإضافة، ويروى منونًا. وقوله: (فتناولته) أي: أخذت السواك من عبد الرحمن وناولته رسول اللَّه وحذف هذا اختصارا. وقوله: (فأمره) أي: على أسنانه ولسانه من الإمرار، وفي بعض الروايات: (بأمره) جار ومجرور متعلق بـ (لينته)، و (الركوة) بفتح الراء: إناء من جلد. وقوله: (في الرفيق الأعلى) أي: اجعلني في الرفيق الأعلى، وأريد الدخول فيهم، أو (في) بمعنى الباء تقديره: أريد اللحوق بالرفيق الأعلى، ويجوز أن يكون زائدة، أي: أريد الرفيق الأعلى، وفي رواية: (اخترت الرفيق الأعلى)، قال في (المشارق) (١): قيل: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، وخطأ هذا الأزهري، وقال: بل هم جماعة الأنبياء، ويصححه قوله في الحديث الآخر: (مع النبيين والصديقين) إلى قوله: (وحسن أولئك رفيقًا) وهو يقع للواحد والجميع، وقيل: أراد مرتفق الجنة، وقال الداودي: هو اسم لكل سماء، وأراد الأعلى؛ لأن الجنة فوق ذلك، ولم يعرف هذا أهل اللغة ووهم فيه، ولعله تصحف له من الرفيع، وقال الجوهري: والرفيق

стр. 5716

٥٩٦٠ - [٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ". وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ، ــ أعلى الجنة، انتهى. وقيل: اجعلني في مكان الرفيق الأعلى، وأراد الرفيق الأعلى نفسه، وبمكانه: المقام المحمود والمخصوص به، أي: اجعلني ساكنًا فيه، أقول: والذي يتبادر إلى الفهم أن يكون المراد بالرفيق الأعلى هو اللَّه سبحانه، والرفيق من أسماء اللَّه تعالى. وفي الحديث: (إن اللَّه رفيق يحب الرفق)، قال عياض (١): الرفق في صفات اللَّه تعالى وأسمائه بمعنى اللطيف الذي في القرآن في قوله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]، والرفق واللطف: المبالغة في البر على أحسن وجوهه، وكذلك في كل شيء أخذه بأحسن وجوهه وأقربها، وهو ضد العنف، ومنه في الحديث: (اللَّه رفيق يحب الرفق في الأمر كله) (٢)، انتهى. وأقول: ويؤيد إرادته ذكره ﷺ هذا الكلام بعد قول ملك الموت له: إن اللَّه يشتاق إلى لقائك، نعم ظاهر قوله: (في الرفيق الأعلى) بكلمة (في) أظهر في إرادة النبيين وأرواحهم، ويؤيده قوله: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين)، واللَّه أعلم. ٥٩٦٠ - [٥] (عائشة) قوله: (ما من نبي يمرض) من باب سمع. وقوله: (بين الدنيا والآخرة) أي: بين البقاء في الدنيا والذهاب إلى ما عند اللَّه في الآخرة، و (البحة) بضم الموحدة وتشديد الحاء المهملة: غلظة الصوت وخشونته،

стр. 5717

فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٨٦، م: ٢٤٤٤]. ٥٩٦١ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يتغَشَّاهُ الْكَرْبُ. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاكَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: "لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ". فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ! أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهُ! مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهُ! إِلَى جِبْرَئيِل نَنْعَاهُ. فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَنَسُ! أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التُّرَابَ؟ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٦٢]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٩٦٢ - [٧] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: . . . . . ــ والمراد هنا السعال. ٥٩٦١ - [٦] (أنس) قوله: (يتغشاه الكرب) أي: يغمى عليه من شدة المرض. وقوله: (واكرب أباه) أَلِفُهُ للندبة أو على قول بعض في الأب. وقوله: (ليس على أبيك كرب بعد اليوم) كأنها قالت هذه الكلمة في آخر يوم حياته، فالمعنى أنه يصل بعد اليوم إلى الآخرة ولا كرب له فيه. وقوله: (من جنة الفردوس) الرواية بفتح الميم وقد يكسر. وقوله: (ننعاه) بنونين بلفظ المتكلم من النعي وهو الخبر بالموت، أي: نبكي إليه، وقيل: نعزّيه، وقيل: نخبره، وهذا أوفق بمعناه الأصلي، وهو الخبر بالموت، فافهم. الفصل الثاني ٥٩٦٢ - [٧] (أنس) قوله: . . . . .

стр. 5718

لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ لَعِبَتِ الْحَبَشَةُ بِحِرَابِهِمْ فَرَحًا لِقُدُومِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٢٣]. وَفِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ: قَالَ: مَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ كَانَ أَحْسَنَ وَلَا أَضْوَأَ مِنْ يَوْمٍ دَخَلَ عَلَيْنَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا كَانَ أَقْبَحَ وَلَا أَظْلَمَ مِنْ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . [دي: ١/ ٢٢٣]. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَمَا نَفَضْنَا أَيْدِيَنَا عَنِ التُّرَابِ وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ، حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا. [ت: ٣٦١٨]. ٥٩٦٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، قَالَ: "مَا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضعِ الَّذِي يُحِبُّ أَن يُدْفَنَ فِيهِ"، ــ (بحرابهم) بالكسر جمع حربة: وهي الرمح الصغير. وقوله: (حتى أنكرنا قلوبنا) بالنصب مفعول (أنكرنا)، لم يُرِدْ عدم التصديق الإيماني، بل هو كناية عن عدم وجدان النورانية والصفاء الذي كان حاصلًا من مشاهدته وحضوره ﷺ لتفاوت حال الحضور والغيبة، وقد بيّنا هذا المعنى بأحسن عبارة وبيان في رسالة لنا مسماة بـ (مرج البحرين). ٥٩٦٣ - [٨] (عائشة) قوله: (في دفنه) أي: موضع دفنه، فقال بعضهم: يدفن بمكة، وقال الآخر: بالمدينة في البقيع، وقيل: بالقدس. وقوله: (يحب) يحتمل أن يكون الضمير للَّه أو للنبي ﷺ .

стр. 5719

ادْفِنُوهُ فِي مَوضعِ فِرَاشِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٠١٨]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٩٦٤ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: "إِنَّهُ لَنْ يُقْبَضَ نَبِيٌّ حَتَّى يُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرَ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا نزَلَ بِهِ، وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ: "اللهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى". قُلْتُ: إِذَنْ لَا يَخْتَارُنَا. قَالَتْ: وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ: "إِنَّهُ لَنْ يُقْبَضَ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرَ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ قَوْلهُ: "اللهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٧٣، م: ٢٤٤٤]. ــ الفصل الثالث ٥٩٦٤ - [٩] (عائشة) قوله: (حتى يرى) بلفظ المجهول والمعلوم. وقوله: (مقعده) منصوب على الوجهين. وقوله: (فلما نزل به) قال النووي (١): ضبطناه بضم نون وكسر زاي، أي: نزله ملك الموت، وفي أكثرها بفتحات، وفي رواية: (فلما نزلت)، قال في (المشارق) (٢): يريد منيته. وقوله: (فكان آخر كلمة. . . إلخ)، قالوا: وكان أول كلمة تكلم بها وهو مسترضع عند حليمة: اللَّه أكبر.

стр. 5720

٥٩٦٥ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: "يَا عَائِشَةُ! مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، وَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السَّمِّ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤١٦٥]. ٥٩٦٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ". فَقَالَ عُمَرَ: قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَمِنْهُم يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، ــ ٥٩٦٥ - [١٠] (وعنها) قوله: (أوان) يجوز فيه الرفع والفتح؛ لأن الظروف المضافة إلى الجملة يجوز بناؤها، فإن أُعْرِب كان مرفوعًا لأنه خبر المبتدأ، وسقوط التنوين للإضافة، وإن بني كان مبنيًّا على الفتح، و (الأبهر) عرق فيه وريد العنق يتعلق به القلب. ٥٩٦٦ - [١١] (ابن عباس) قوله: (قال: لما حضر) بلفظ المجهول، أي: حضره الموت وكان ذلك يوم الخميس، وعاش بعد ذلك إلى يوم الاثنين، فلا يخلو الكلام عن تجوز. وقوله: (اكتب لكم كتابًا) قيل: كان أراد أن يكتب تعيين واحد من الصحابة للخلافة لئلا يقع نزاع بينهم، وأراد عمر ﵁ التخفيف على رسول اللَّه ﷺ عند شدة الوجع. وقوله: (حسبكم كتاب اللَّه) خطاب لمن نازعه في ذلك، وقد عرف ﵁ أن ذلك

стр. 5721

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأمر لم يكن جزمًا منه، بل دعا لمصالحهم، وكان أصحابه إذا أمر بشيء غير جازم يراجعونه وكان يتركه برأيهم، ولو كان الأمر مما لا بد منه لما ترك ذلك بسبب اختلافهم، وكان عمر خشي أن يكون ما رآه النبي ﷺ شاقًّا عليهم موجبًا لوقوع الفتن بينهم، فلذلك أشار إلى أن تركه أولى، فتركه النبي ﷺ وذلك مثل ما مر في أول الكتاب من إرساله ﷺ أبا هريرة بأن يبشر الناس أن من قال: لا إله إلا اللَّه دخل الجنة، فمنعه عمر لئلا يتكلوا فتركه ﷺ على ذلك، وقيل: إن عمر ﵁ خشي تطرق المنافقين ومن في قلبه مرض لما يكتب في ذلك الكتاب في الخلوة، وأن يقولوا في ذلك الأقاويل كادعاء الوافضة الوصية وغير ذلك، وقالت طائفة: إن معنى الحديث أن النبي ﷺ كان مجيبًا في هذا الكتاب لما طلب منه لا أنه ابتدأ بالأمر به بل اقتضاه منه بعض أصحابه فأجاب رغبتهم، وكره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها، كذا قال القاضي عياض في (الشفا) (١) واللَّه أعلم. وقال البيهقي: قد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه ﷺ أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر، ثم ترك ذلك اعتمادًا على ما علم من تقدير اللَّه تعالى، وعلى أنهم لا يجاوزون ذلك، كما قال: يأبى اللَّه والمؤمنون إلا أبا بكر كما يأتي من حديث البخاري وقدمناه في شرح الترجمة، وادعاء الشيعة أن غرضه ﷺ كان كتابة الوصية لعلي ﵁ لا يخلو عن تناقض، إذ هم يقولون: إن استخلافه ﵁ ثبت بنص قطعي يوم غدير خم، فلا حاجة إلى كتابة الآن، بل هذه الكتابة ربما ينظر إلى أنه لم تثبت قبل ذلك وصيته وخلافته ﵁، فافهم. والمراد بأهل البيت من كان في البيت حينئذٍ، ولم يرد أهل بيت النبي ﷺ .

стр. 5722

فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالِاخْتِلَافَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُومُوا عَنِّي". قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابنُ عباسٍ يَقُول: إِنَّ الرَّزِيئَةَ كُلَّ الرَّزِيئَةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ لِاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ. وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الأَحْوَلِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى. قُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ فَقَالَ: "ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا"، فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُغٌ ــ و(اللغط) بفتح اللام وسكون الغين المعجمة ويحرك: الصوت أو أصوات مبهمة لا تفهم، و (الرزيئة) المصيبة بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ثم همزة على وزن الخطيئة، وقد تسهل وتشدد الياء. وقوله: (يوم الخميس) خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف. وقوله: (ثم بكى) يحتمل أن يكون البكاء لتذكر وفاته ﷺ وتجدد الحزن عليه، أو لفوات ما فات في معتقده من الخير. وقوله: (قلت: يا ابن عباس) قائله سعيد بن جبير الراوي عن ابن عباس، وظاهر عبارة المؤلف يقتضي أن قائله سليمان وليس كذلك، وهذا ظاهر من سياق (صحيح البخاري). وقوله: (أبدًا) ربما ينظر إلى أن المراد كان كتابة الأحكام تفصيلًا، واللَّه أعلم. وقوله: (ولا ينبغي عند نبي تنازع) هو من جملة الحديث المرفوع، ويحتمل أن يكون مدرجًا من قول ابن عباس، والصواب الأول، فقد تقدم في (كتاب العلم) بلفظ:

стр. 5723

فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ، فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: "دَعُونِي ذَرُونِي، ــ (ولا ينبغي عندي التنازع)، كذا قال الشيخ (١). وقوله: (ما شأنه أهجر؟ ) بألف الاستفهام، أي: اختلط كلامه بسبب المرض، قالوا ذلك إنكارًا على من قال: لا يكتبها، أي: لا تجعلوا أمر رسول اللَّه ﷺ كأمر من هجر في كلامه، ولا يجوز أن يكون بمعنى هذي وفحش؛ لأن القائل بعدم الكتابة عمر ﵁، ولا يظن به ذلك حتى ينكر، وفي ظاهر كلام القاضي عياض دلالة على جواز إرادة ذلك، وهو صحيح لأن المقصد النفي والإنكار. وفي رواية: (هجر) بلا استفهام، ولا يصح إلا أن يقال: بحذف حرف الاستفهام، قال في (المشارق) (٢): قوله: أهجر رسول اللَّه ﷺ ، كذا هو الصحيح بفتح الهاء، أي: هذي، والهجر: الهذيان، وككلام المبرسم والنائم، وكذلك يقال في من كثر كلامه وجاوز حده، يقال منه: هجر، وقول هذا في حقه ﷺ إنما يصح على طريق استفهام التقرير والإنكار لمن ظن ذلك به إذ لا يليق به الهذيان، ولا قول غير مضبوط في حالة من حالاته ﷺ ؛ لأن جميع ما يتكلم به حق وصحيح ولا سهو فيه ولا خلف ولا غلط في حال صحته ومرضه ونومه ويقظته ورضاه وغضبه، إلا أن يتأول هجر أيضًا على المعنى الأول، وحذف ألف الاستفهام، وجاء في رواية: أن رسول اللَّه ﷺ يهجر. وعند أبي ذر: هُجِرَ على ما لم يسم فاعله، وعند غيره: هجر بفتحها، وعند

стр. 5724

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مسلم في حديث أبي إسحاق: يهجر، وفي رواية قبيصة: هجر، وأكثر الروايات فيه أهجر بألف الاستفهام على ما قررناه وهو الأظهر والأولى، وكذا وقع عند البخاري من رواية ابن عيينة، وجل الرواة في حديث الزهري، وفي حديث محمد بن سلام عن ابن عيينة، وكذا ضبطه الأصيلي بخطه في كتابه من هذه الطرق، وهذا أرفع للإشكال وأقرب لفظًا للصواب. وقد يتأول (هجر) على ما قدمناه، وقد يكون ذلك من قائله دهشًا لعظيم ما شاهد من حال النبي ﷺ واشتداد الوجع به -كما جاء في الحديث- وعظيم الأمر الذي كانت فيه المخالفة حتى لم يضبط كلامه ولا ثقفه ولم يضبط لفظه، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع كما جاء في الرواية الأخرى: أن النبي ﷺ قد غلبه الوجع، لا أنه اعتقد أنه يجوز عيه الهجر، كما حملهم الإشفاق على حراسته، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وكما اتفق لعمر ﵁ من أنه لم يمت، هذا كلامه في (المشارق). وقال في (الشفا) (١): قال أئمتنا في هذا الحديث: النبي ﷺ غير معصوم من الأمراض وما يكون من عوارضها من شدة وجع وغشي ونحوه مما يطرأ على جسمه، ومعصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعَن في معجزته ويؤدي إلى فساد في شريعته من هذيان أو اختلال في كلام، وعلى هذا لا يصح رواية من روى في الحديث: هجر، إذ معناه هذي، وإنما الأصح والأولى: أهجر، على طريق الإنكار على من قال: لا يكتب، وهكذا الروايات، وقد تحمل عليه رواية من روى: هجر على حذف ألف الاستفهام، أو أن يحمل قول القائل: هجر، دهشة من قائل ذلك لعظيم ما شاهد

стр. 5725

فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ". فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ: فَقَالَ: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ". وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا، قَالَ سُفْيَانُ: هَذَا مِنْ قَولِ سُلَيْمَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٣٢، م: ١٦٣٧]. ــ من حال الرسول ﷺ وشدة وجعه، وهو المقام الذي اختلف فيه عليه، والأمر الذي همّ بالكتاب فيه. وقوله: (فالذي أنا فيه خير) يعني: مراقبة الحق والتأهب للقائه خير مما أنتم فيه من النزاع والخلاف واللغط. وقوله: (من جزيرة العرب) عرف تحديد جزيرة العرب في أول الكتاب في (باب الوسوسة)، و (أجيزوا) من الإجازة بمعنى إعطاء الجائزة وهي العطية (الوفد) سواء كانوا مؤمنين أو كافرين. وقوله: (وسكت) أي: ابن عباس، وقائل هذا الكلام سعيد بن جبير الراوي عن ابن عباس، فيكون هو الناسي، ثم قيل: الثالثة تجهيز جيش أسامة بن زيد إلى أبنى بضم الهمزة ناحية بالبلقاء، وقال: سر إلى موضع مقتل أبيك بهذا الجيش فأوطئهم الخيل وحرق عليهم، وكان لأربع ليال بقين من صفو سنة إحدى عشرة، وهي آخر سرية جهزها النبي ﷺ فصدع ﷺ وعقد بنفسه لواء، وقال: (اغز في سبيل اللَّه)، فخرج وعسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزاة حتى أبو بكر وعمر ﵄، فتقاول الناس. . . الحديث، فاشتد وجعه ﷺ ولم يتسر (١) فكانت وقعة وفاته ﷺ ، وقيل: المراد بالثالثة قوله: (لا تتخذوا قبري

стр. 5726

٥٩٦٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتُهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ. فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي لَا أَبْكِي أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى خَيْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجعلَا يَبْكِيَانِ مَعهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٥٤]. ٥٩٦٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، حَتَّى أَهْوَى نَحْوَ الْمِنْبَرِ، فَاسْتَوَى عَلَيْهِ وَأَتْبَعْنَاهُ، قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى الْحَوْضِ مِنْ مَقَامِي هَذَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ عَبْدًا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا فَاخْتَارَ الآخِرَةَ"، قَالَ: فَلَمْ يَفْطِنْ لَهَا أَحَدٌ. . . . . ــ وثنًا يعبد). ٥٩٦٧ - [١٢] (أنس) قوله: (إلى أم أيمن) بفتح الهمزة والميم مولاة النبي ﷺ أم أسامة بن زيد، وكانت حاضنته ﷺ . وقوله: (فلما انتهينا) هكذا في أكثر النسخ بلفظ التكلم مع الغير كان أنسًا كان معهما في الانطلاق، وفي بعضها: (انتهيا) بلفظ التثنية. وقوله: (أني) بالفتح بتقدير حرف الجر، أي: لأجل أني لا أعلم. وقوله: (فهيجتهما) أي: أم أيمن أو هذه الكلمة منها. ٥٩٦٨ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فلم يفطن) فطن به وله من سمع ونصر وكرم.

стр. 5727

غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بَلْ نَفْدِيكَ بِآبَائِنَا وأمَّهاتِنا وَأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ثُمَّ هَبَطَ فَمَا قَامَ عَلَيْهِ حَتَّى السَّاعَةِ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٢١٥]. ٥٩٦٩ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاطِمَةَ قَالَ: "نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي"، فَبَكَتْ، قَالَ: "لَا تَبْكِي، فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لَاحِقٌ بِي"، فَضَحِكَتْ، فَرَآهَا بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَ: يَا فَاطِمَةُ! رَأَيْنَاكِ بَكَيْتِ ثُمَّ ضَحِكْتِ، قَالَتْ: إِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نفسُهُ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ لِي: لَا تَبْكِي فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لَاحِقٌ بِي فَضَحِكْتُ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . ــ وقوله: (حتى الساعة) أي: إلى القيامة. ٥٩٦٩ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (نعيت إلي نفسي) أي: أُنْهِيَ إلي نعي نفسي، أي: خبر موتي. وقوله: (فإنك أول أهلي لاحق بي) الصحيح أنها عاشت بعده ستة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: ثلاثة، وقيل: سبعين يومًا، وقيل: شهرين، والمراد بـ (بعض أزواج النبي ﷺ ) عائشة ﵂ كما جاء صريحًا في رواية أخرى، وفي التعبير بالبعض تعظيم لشأنها كقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقوله: (فقلن) أيضًا للتعظيم، لكن الجمع في غير التكلم للتعظيم نادر، بل غير واقع، ويحتمل أنه لم يتعين عند الراوي أنها كانت واحدة أو أكثر، واللَّه أعلم. وقوله: (قالت: إنه أخبرني) وجاء في بعض الروايات: أن فاطمة ﵂ لم تخبرها بذلك وقالت: إنه سر بيني وبين رسول اللَّه ﷺ لا أخبر به أحدًا، ثم أخبرت بعد وفاته.

стр. 5728

"إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَجَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَالإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢١٦]. ــ وقوله: (وجاء أهل اليمن) لما كان نعيه ﷺ في سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ذكر مجيء أهل اليمن إشارة إلى ما هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النصر: ٢]. وقوله: (هم أرق أفئدة) في (القاموس) (١): التفؤد: التحرق، والتوقد، ومنه: الفؤاد للقلب، وجمعه أفئدة، ذكره في المهموز، وقال: والفواد بالفتح والواو غريب، انتهى. وزاد في رواية: (وألين قلوبًا)، وفي (مجمع البحار) (٢): فيه تفنن على اتحاد القلب والفؤاد، وقيل: الفؤاد: وسط القلب أو غشاؤه، أقوال، والقلب حبته وسويداؤه، وأريد بالرق واللين الخشية وسرعة الإجابة، والتأثر بقوارع التذكير، والسلامة عن غلظ وقساوة. وقوله: (والإيمان يمان) أي يمني، وفعال بالكسر كلمة النسبة، وقالوا: الألف فيه عوض عن إحدى يائي النسبة، وقيل: قدمت إحدى اليائين وقلبت أَلْفًا، وهذا أوجه لتقديم الألف، وكذلك يمانية بتخفيف الياء، والألف فيه عوض، وحكي التشديد، وقال عياض (٣): معنى نسبته إلى اليمن أن الإيمان بدأ من مكة، ومكة من تهامة، وتهامة من أرض اليمن. وقال أبو عبيد: المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانيون في الأصل، فنسب الإيمان

стр. 5729

٥٩٧٠ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَارَأْسَاهُ! ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ"، ــ إليهم مبالغة في مدحهم لكونهم أنصاره، وعليه حمل قوله ﷺ : (إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن) لوجود التنفيس والتفريح من جانبهم، وقال الشيخ أبو عمر: بل المراد أهل اليمن كلهم كما هو الظاهر، نُسِبَ الإيمان إليهم إشعارًا بكماله فيهم، وليس ذلك نفيًا له عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله ﷺ : الإيمان في أهل الحجاز. ثم المراد به الموجودون في ذلك العصر لا كل أهل اليمن في كل أحيان، كذا في (شرح ابن الملك) (١)، وقيل: قاله بتبوك، ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد الحرمين، انتهى. ولا يخفى أن سياق الحديث أنه ﷺ قال ذلك في مرضه إلا أن يقال: هذا حديث آخر أدخله الراوي في هذا الحديث لمناسبة ذكر النعي وسورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، واللَّه أعلمْ. ٥٩٧٠ - [١٥] (عائشة) قوله: (وارأساه) هو تفجع من شدة صداع الرأس، وفيه أن ذكر الوجع ليس بشكاية؛ لأنه قد يسكت وهو شاك، وقد يذكره وهو راض، وقال الطيبي (٢): ندبت نفسها وأشارت إلى الموت، انتهى. كأنه حمل الرأس على الذات كما جاء في هذه الأعضاء ويلائم هذا المعنى بسياق الحديث، ومع ذلك لا بعد في الحمل على المعنى الأول باعتبار استلزام المرض الموت، ويؤيده ما يأتي في الحديث الآتي من قولها: وأنا أجد صداعًا. وقوله: (ذاك لو كان) بكسر الكاف، أي: إن حصل موتك.

стр. 5730

فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاثُكْلَيَاهْ! وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعْرِسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ! لَقَدْ هَمَمْتُ -أَوْ أَرَدْتُ- أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدُ. . . . . ــ وقوله: (واثكلياه) بفتح المثلثة وضمها: الموت، والهلاك، وفقدان الحبيب أو الولد، وفي (مجمع البحار) (١): واثكلياه إما ندبة للثكل مصدر واللام مكسورة، وإما لثكلى صفة واللام مفتوحة، واثكل أمياه بضم ثاء وسكون كاف وبفتحهما، وليست حقيقة الكلام مرادة، بل هو كلام مجرى على ألسنتهم عند التوجع والتعجب، و (ظللت) بكسر اللام من الأفعال الناقصة. وقوله: (معرسًا) من الإعراس وعرس وأعرس: بنى على زوجته، ثم استعمل في كل اجتماع، وفي (مجمع البحار) (٢): وروي من التعريس، والمقصود أنك تفرغت لغيري ونسيتني. وقوله: (بل أنا وارأساه) إضراب، أي: أعرضي عن حكاية وجع رأسك ودعي ما تجدين من وجع رأسك، واشتغلي بوجع رأسي، إذ لا بأس عليك وأنت تعيشين بعدي، عرفه بالوحي. وقوله: (لقد هممت) استطراد بذكر ما يقع بعد وفاته من خلافة أبي بكر، وتطييب لقلب عائشة وتبشير لها. وقوله: (أن أرسل إلى أبي بكر وابنه) وهو عبد الرحمن، أي: أطلبهما عندي، و (أعهد) أي: أوصي أبا بكر بالخلافة وأجعله ولي عهدي.

стр. 5731

أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ، أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٤٢]. ٥٩٧١ - [١٦] وَعَنْهَا: قَالَتْ: رَجَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ مِنَ الْبَقِيعِ، فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهْ! قَالَ: "بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ! وَارَأْسَاهْ" قَالَ: "وَمَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي، فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ؟ " قُلْتُ: لَكَأَنِيِّ بِكَ وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَرَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَعَرَّسْتَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكَ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ بُدِيءَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢١٧]. ــ وقوله: (أن يقول) أي: كراهة أن يقول قائل: لم يعهد رسول اللَّه إلى أبي بكر، أو يقول: أنا أحق منه بالخلافة، أو يتمنى أحد الخلافة لنفسه أو يتمنى أن يكون غيره خليفة. وقوله: (ثم قلت) هذا من تتمة كلام الرسول، أي: ما أرسلت وما عهدت وتركت الإيصاء، وقلت: (يأبى اللَّه) أن يكون غيره خليفة ولا يريده (ويدفع المؤمنون) خلافة غيره، ولا يجمعون إلا عليه لما عندهم من دلائل خلافته، من ذلك استخلافي إياه في إمامة الصلاة، وفيه فضيلة لأبي بكر ﵁ وإخبار عن الغيب بما سيقع، فكان كما قال. ٥٩٧١ - [١٦] (وعنها) قوله: (وما ضرك) وما بعده خطابات لعائشة ﵂ كما أن الخطابات في قول عائشة ﵂ لرسول اللَّه ﷺ ، واللام في (لكأني) جواب قسم محذوف. وقوله: (بدئ) بلفظ المجهول، أي: أوقع البداية.

стр. 5732

٥٩٧٢ - [١٧] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: بَلَى حَدِّثْنَا عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ، قَالَ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرَئِيلُ فَقَالَ: "يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ تَكْرِيمًا لَكَ، وَتَشْرِيفًا لَكَ، خَاصَّةً لَكَ يَسْأَلُكَ عَمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، يَقُولُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: "أَجِدُنِي يَا جِبْرَئِيلُ! مَغْمُومًا، وَأَجِدُنِي يَا جِبْرَئِيلُ! مَكْرُوبًا"، ثُمَّ جَاءَ الْيَوْمَ الثَّانِي، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا رَدَّ أَوَّلَ يَوْمٍ، ثُمَّ جَاءَهُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ يَوْمٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ كَمَا رَدَّ عَلَيْهِ، وَجَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، يُقَالُ لَهُ: إِسْمَاعِيلُ عَلَى مِئَةِ أَلْفِ مَلَكٍ، كُلُّ مَلَكٍ عَلَى مِئَةِ أَلْفِ مَلَكٍ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ جِبْرَئيِلُ: هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ، ــ ٥٩٧٢ - [١٧] (جعفر بن محمد) قوله: (أجدني يا جبرئيل مغمومًا) لعل الغم والكرب لأجل الأمة والدين ماذا يقع وعلى ما يكون الأمر بعده. وقوله: (يقال له: إسماعيل) قال السيوطي في (الحبائك في أخبار الملائك) (١): هو صاحب سماء الدنيا، وقال: أخرج أبو الشيخ عن عكرمة ﵁ قال: إن في السماء ملكًا يقال له: إسماعيل، لو أُذِنَ له فَفَتَحَ أُذُنًا من آذانه فسبح الرحمن لمات من في السماوات والأرض. وقوله: (فسأله عنه، ثم قال جبرئيل: هذا ملك الموت) تقدير الكلام: سأل

стр. 5733

مَا اسْتَأْذَنَ عَلَى آدَمِيِّ قَبْلَكَ، وَلَا يَسْتَأْذِنُ عَلَى آدَمِيٍّ بَعْدَكَ. فَقَالَ: "ائْذَنْ لَهُ" فَأَذِنَ لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ، فَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْبِضَ رُوحَكَ قَبَضْتُ، وَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَتْرُكَهُ تَرَكْتُهُ، فَقَالَ: "وَتَفْعَلُ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، بِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأُمِرْتُ أَنْ أُطِيعَكَ. قَالَ: فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرَئيِل ﵇، فَقَالَ جِبْرَئيِلُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ قَدِ اشْتَاقَ إِلَى لِقَائِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: "امْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ"، فَقَبَضَ رُوحَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجَاءَتِ التَّعْزِيَةُ سَمِعُوا صَوْتًا مِنْ ناحِيَةِ الْبَيْتِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ، إِنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هالكٍ، ودَركًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ، ــ النبي ﷺ جبريل عن إسماعيل من هو؟ فقال جبرئيل ﵇: هو ملك كذا وكذا، ثم قال جبرئيل ﵇: هذا ملك الموت يستأذن عليك، كأنه قد حضر ملك الموت في الساعة، فاشار جبرئيل ﵇، وقال السيوطي: وأخرج البيهقي في (الدلائل) (١) بلفظ: فلما كان اليوم الثالث هبط إليه جبرئيل ﵇ معه ملك الموت، ومعهما ملك في الهواء، يقال له: إسماعيل على سبعين ألف ملك، كل ملك منهم على سبعين ألف ملك. وقوله: (في اللَّه عزاءً من كل مصيبة) العزاء بفتح المهملة: الصبر، والتعزية حمل الغير على ذلك، فقيل: المراد بالعزاء هنا التعزية إقامة للاسم مقام المصدر، والتقدير أن في كتاب اللَّه تعزية وتسلية من كل مصيبة إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ

стр. 5734

فَبِاللَّهِ فَاتَّقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّمَا الْمُصَابُ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هُوَ الْخَضِرُ ﵇. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ". [دلائل النبوة: ٧/ ٢٦٨]. * * * ــ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، ويجوز أن يكون التقدير في دين اللَّه، أي: شرع فيه وحرض عليه في دين الإسلام، وقيل: المصدر بمعنى اسم الفاعل، والتركيب من باب التجريد، أي: إن اللَّه معز ومسل، نحو: وفي الرحمن للضعفاء كاف، أقول: ويجوز أن يكون العزاء على معناه، أي: في ثواب اللَّه والنظر إليه حاملًا على الصبر من كل فائت وعلى كل مصيبة، ولعل هذا هو المراد من قول من قال: التقدير أن في لقاء اللَّه تسلية وتصبرًا من كل مصيبة، أو المراد بلقاء اللَّه الموت كما هو المشهور، فافهم. وقيل: المراد أن اللَّه يكفي عن كل شيء ولا يكفي عنه شيء، ويناسبه قرينتاه. وقوله: (فباللَّه فاتقوا) وفي بعض النسخ: (فَثِقُوا) وهو الأشهر، والفاء الأول فصيحة، والثانية لتأكيد الربط نحو قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، والباء على النسخة الأولى للاستعانة وعلى الثانية صلة (اتقوا). وقوله: (فقال علي) يعني: علي بن أبي طالب، وصرح به في (الحصن الحصين)، وقيل: المراد علي زين العابدين، و (الخضر) بفتح فكسر، ويجوز إسكان الضاد مع فتح الخاء وكسرها، وحياته في ذلك الزمان ثابت بلا خلاف، وإنما خالف من خالف بعد رأس المئة.

стр. 5735

١٠ - باب * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٩٧٣ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٣٥]. ٥٩٧٤ - [٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَخِي جُويرِيَةَ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٣٩]. ٥٩٧٥ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي. . . . . ــ ١٠ - باب في متممات ولواحق بالباب السابق. الفصل الأول ٥٩٧٣ - [١] (عائشة) قوله: (ولا أوصى بشيء) أي: من المال إذ لم يكن له مال، وما كان من مال بني النضير وفدك ونحوهما فهو كان صدقة على المسلمين بعد نفقة عياله، وأما الوصية في دين اللَّه التمسك بكتاب اللَّه تعالى فقد كانت ثابتة، وقد أوصى بإخراج اليهود من جزيرة العرب وإجازة الوفد. ٥٩٧٤ - [٢] (عمرو بن الحارث) قوله: (أخي جويرية) بضم الجيم وفتح الواو وسكون التحتانية وكسر الراء بعدها ياء مخففة. وقوله: (جعلها صدقة) أي: وقفًا. ٥٩٧٥ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (بعد نفقة نسائي) قال سفيان بن عيينة: أزواج

стр. 5736

وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٧٦، م: ١٧٦٠]. ٥٩٧٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٢٦، م: ١٧٥٩]. ٥٩٧٧ - [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نبَيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَيْهِ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٨٨]. ــ النبي ﷺ في حكم المعتدات إذ لا يجوز أن ينكحن فلذا ضرب لهن النفقة، والمراد بالعامل الخليفة بعده، (ومؤنة) أجرة على ما يصرفها إلى مصارفه ويوصلها إلى مستحقيه الذين كانوا يصرف إليهم النبي ﷺ . ٥٩٧٦ - [٤] (أبو بكر) قوله: (لا نورث) بلفظ المجهول، وأصله: لا يورث منا، فحذف الجار فاستتر الضمير، وانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، كذا قيل. ٥٩٧٧ - [٥] (أبو موسى) قوله: (قبض نبيها) أي: قيل: نزول العذاب، و (السلف) كل من يقدمك من آبائك وقرابتك، وكل عمل صالح، كذا في (القاموس) (١)، و (الهلكة) بفتحتين بمعنى الهلاك، ويجيء بضم الهاء وسكون اللام بدون هاء.

стр. 5737

٥٩٧٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمالِهِ مَعَهُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٦٤]. ــ ٥٩٧٨ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (معهم) تأكيد وتقرير للمقصد يفيد خيرية رؤيته ﷺ بالنسبة إلى مجموع الأهل والمال جميعًا، فالضمير في (معهم) لأهله وهو حال من (ماله)، أي: حال كونه مع الأهل، ثم المراد رؤيته ﷺ في حياته وصحبته معه، ويحتمل أن يراد رؤيته بعد وفاته يقظة أو منامًا، بل هذا أنسب بسياق الكلام، ولعمري كذلك حال المشتاقين إلى جماله المستغرقين في تصور كماله، رزقنا اللَّه. * * *

стр. 5738

(٣٠) كتاب المناقب

стр. 5739

(٣٠) [كتاب المناقب] ١ - باب مناقب قريش وذكر القبائل ــ [٣٠ - كتاب المناقب] ١ - باب مناقب قريش وذكر القبائل (المناقب) جمع منقبة وهي الفضيلة والشرف، في (القاموس) (١): المنقبة: المفخرة، انتهى. وأصله إما من النَّقب بمعنى الطريق في الجبل استعير للفعل الكريم والصفة الحميدة لكونه طريقًا ومنهجًا إلى مدحه ورفعه، وإما من نَّقب عن الأخبار: بحث عنها وأخبر بها. وفي (الصراح) (٢): منقبة: هنر وستودكَي، مردم، ضد مثلبة، نقيب: مهتر وداننده قوم، نقباء جمع، نقابة نقيبي كردن من باب نصر، يقال: نقب على قومه، قال الفراء: إذا أردتَ أنه لم يكن نقيبًا ففعل قلت: نقب نقابة بضم العين فيهما (٣)، قال سيبويه: نقابة بالكسر الاسم وبالفتح المصدر؛ كالوِلاية والوَلاية. و(قريش) اسم ولد النضر بن كنانة سموا باسم أبيهم، وهو اسم دابة من أقوى دواب البحر تأكل دوابه، يصرف ويمنع، وقيل: إن في البحر حوتًا يسمى قريشًا يأكل

стр. 5740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحيتان ولا يؤكل، ويعلوها ولا يعلى فيه، سميت بذلك قريش وتُصرف، فمن أراد به القبيلة لم يصرفه ومن أراد الحي يصرف، كذا في (الصحاح) (١). وقال في (القاموس): (٢) قَرَشه يَقرِشه ويَقرُشه: قطعه، وجمعه من ههنا وههنا، وضم بعضه إلى بعض، ومنه قريش لتجمعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرشون البِيَاعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا فقالوا: تقرش، أو لأنه جاء إلى قومه فقالوا: كأنه جَمَل قَرِيشٌ، أي: شديد، أو لأن قصيًّا كان يقال له: القرشي، أو لأنهم كانوا يُفَتِّشُون الحاج، فيسدون خَلَّتها، أو سميت بمصغر القِرش، وهو دابة بحرية تخافها دوابُّ البحر كلها، أو سميت بقريش بن مَخلد بن غالب بن فهر وكان صاحب عيرهم، فكانوا يقولون: قدمت عير قريش، وخرجت عير قريش، والنسبة قرشي وقريشي، انتهى. و(القبائل) جمع قبيلة، وهم بنو أب واحد، والقبيلة في الأصل واحد قبائل الرأس للقطع المشعوب بعضُها إلى بعض، ومنه قبائل العرب: شدب ثم قبيلة ثم عمارة ثم بطن ثم فخذ، والحي بمعنى القبيلة، كذا في (الصحاح) (٣). وقال في (القاموس) (٤): العمارة: أصغر من القبيلة ويكسر، أو الحي العظيم، البطن خلاف الظهر دون القبيلة، أو دون الفخذ وفوق العمارة، الفَخِذ ككتف: ما بين الساق والورك، مؤنث، ويكسر، وحي الرجل إذا كان من [أقرب] عشيرته.

стр. 5741

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٩٧٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٩٥، م: ١٨١٨]. ــ الفصل الأول ٥٩٧٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: (في هذا الشأن) ظاهر سوق الحديث يقتضي أن يكون المراد به الدِّين وجودًا وعدمًا، فقريش أقدم وأسبق في أمر الدين، وقدوة الناس في الإيمان والكفر، فيكون المسلمون أتباعًا لمسلميهم، والكافرون أتباعًا لكافريهم، ووقع مصداق ذلك أن العرب كانت تنتظر أمر قريش في الإسلام، وكانوا يقولون: ننظر ماذا يصنع قومه، فلما فتح مكة وأسلمت قريش تبعهم العرب ودخلوا في دين اللَّه أفواجًا، والمقصود بيان تقدمهم ورياستهم على الناس في الإسلام والجاهلية، لكن الفضل والشرف يكون باعتبار الأول دون الثاني إلا أن يراد أعم من الشرف باعتبار الدين أو الدنيا، فكان البيت مناصبه من السدانة والسقاية والرفادة وأمثالها فيهم دون مَن عداهم، وقد يحمل (الشأن) على الخلافة والإمامة وهو لا يلائم سياق الحديث، واللَّه أعلم. وقيل: (الناس تبع) خبر بمعنى الأمر، وإلا فقد خرج هذا الأمر عن قريش في أكثر البلاد، أو المراد بالناس بعض الناس، انتهى. وبما ذكرنا من التقرير لا يَرِدُ هذا ولا يحتاج إلى توجيهه، فإن المراد بتقدمهم وسبقهم في هذا الشأن، ولا ينافيه خروجه عنهم في أكثر البلاد. ثم قيل في معنى الحديث: إن المراد أن الناس إن كانوا أخيارًا سلط اللَّه عليهم

стр. 5742

٥٩٨٠ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨١٩]. ٥٩٨١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَان". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٠١، م: ١٨٢٠]. ٥٩٨٢ - [٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٠٠]. ــ أخيارًا منهم، وإن كانوا أشرارًا سلط اللَّه عليهم الأشرار، كما قيل: أعمالكم عمالكم، وهذا المعنى إنما يناسب حمل الشأن على الخلافة كما لا يخفى. ٥٩٨٠ - [٢] (جابر) قوله: (في الخير والشر) أي: في الإسلام والكفر، وقد تبين معناه في شرح الحديث السابق. ٥٩٨١ - [٣] (ابن عمر) قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش) ظاهر هذا الحديث والذي يأتي بعده أن المراد بالأمر أمر الخلافة، وينبغي أن يحمل الخبر على معنى الأمر كما عرفت. وقوله: (ما بقي منهم اثنان) أي: سوى الخليفة، وقيل: اثنان واحد خليفة وواحد تابع. ٥٩٨٢ - [٤] (معاوية) قوله: (لا يعاديهم أحد) أي: لا يخالفهم (إلا كبه اللَّه) أي: أذله وخذله. وقوله: (ما أقاموا الدين) قيل: المراد به الصلاة كما سميت إيمانا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] لرواية: (ما أقاموا الصلاة). وهذا

стр. 5743

٥٩٨٣ - [٥] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ الإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ". وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا كلُّهُم مِنْ قُرَيشٍ". وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٢٢، م: ١٨٢١]. ــ الحديث يدل على أن الأمر إنما يكون في قريش إذا أقاموا الدين، وإذا لم يقيموا الدين فلا أمر منهم سواء حمل على الخبر أو على معنى الأمر. وقيل: إنه متعلق بـ (كب) لا بقوله: إن الأمر فيهم؛ لأنه كان فيهم مَن غيَّر وبدَّل ولم يصرف عنه الأمر، كذا قال التُّوربِشْتِي (١)، اللهم إلا أن يقال: إن المقصود تحريضهم على إقامة الدين وأنهم إن لم يقيموا الدين كاد أن يخرج عنهم الأمر ويغلبهم فيه غيرهم، وهذا المعنى بمعنى الخبر أنسب دون الأمر، فافهم. ٥٩٨٣ - [٥] (جابر بن سمرة) قوله: (لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش) إلى آخر الروايات، وفي بعض طرق هذا الحديث في آخره: (أبو بكر لا يلبث إلا قليلا) (٢)، واستشكل هذا الحديث بأن الظاهر منه أن اثني عشر خليفة يكون بعده ﷺ على الولاء، يستقيم بهم أمر الدين، ويعز الإسلام، وتجري الأحكام مع أن الوجود لا يشهد له، فإن فيهم من أمراء الجور والفساد من بني مروان من لا تُمدح طريقتهم، ولا تَحْسن سيرتهم، وأيضًا قد صح: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يصير ملكًا عضوضًا)، واتفقوا على أنه لا يسمَّى مَن بعده خلفاء بل ملوكًا

стр. 5744

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأمراء، واختلفوا في توجيهه على أقوال: أحدها: أن المراد اثنا عشر نَفْسًا قاموا من بعده ﷺ بالسلطنة والإمارة، وانتظم أمر السلطنة واستقام من غير نزاع وخلاف واختلال في أمور المسلمين والرعايا، وإن كان بعضهم جائرين خارجين عن دائرة العدل والإحسان، وقد وقع الاختلال في زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي هو الثاني عشر، اجتمعوا عليه لما مات عمه هشام فولي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ، كذا قال القاضي عياض، واستحسنه الشيخ ابن حجر في (فتح الباري) (١) وقال: وهذا أحسن ما قيل في هذا الحديث وأرجحه، لتأييده بقوله في بعض طرقه الصحيحة: (كلهم يجتمع عليه الناس)، والمراد باجتماعهم انقيادهم لبيعته، ولم يَرِدِ الحديث على مدحهم والثناء عليهم بالدين والعدالة إلا من هذه الجهة أعني الانتظام والاجتماع واتحاد الكلمة، والخلافة التي حَكَم الحديث بانتهائها إلى ثلاثين سنة إنما هو الخلافة الكبرى التي هي خلافة النبوة، وهذه خلافة إمارة، وقد استمر القول بتسمية الأمراء بعد الخلفاء الراشدين خلفاء كالخلفاء العباسية وإن كانت بالمجاز، انتهى. وهذا الوجه لا يخلو عن عدم الملاءمة لسياق الحديث من قوله: (لا يزال الإسلام عزيزًا) و (لا يزال الدين قائمًا)، وإن كانت ملائمة برواية أخرى: (لا يزال أمر الناس ماضيًا)، والحديث صريحٌ في مدحهم بأن صلاح الدين وظهور الحق وقوة الإسلام في زمانهم وعدالتهم. وثانيها: أن المراد المقسطون من الأمراء لأنهم هم المستحقون لاسم الخلافة على

стр. 5745

٥٩٨٤ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غِفَارُ. . . . . ــ الحقيقة، لكن لا يلزم أن يكونوا على الولاء، بل يتم هذا العدد إلى زمان حتى إلى قبيل قيام الساعة، قال التُّوربِشْتِي (١): وهذا هو السبيل في هذا الحديث وما يعتقبه في هذا المعنى. وثالثها: أن المراد وجودهم بعد موت المهدي، فقد جاء أنه إذا مات المهدي ﵇ ملك الأمر خمسة رجال من ولد السبط الأكبر يعني الإمام الحسن ﵁، ثم يملك خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بخلافة رجل من ولد الحسن، ثم يملك بعده ولده فيتم به اثنا عشر، كل منهم إمام عادل هاد مهديٌّ، وهذا وجه لكن الكلام في صحة هذا الحديث، وذكر عن ابن عباس في وصف المهدي: يفرج اللَّه تعالى عن هذه الأمة كل كرب ويصرف بِعَدلِه كل جور، ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر، خمسين ومئة سنة، ثم يفسد الزمان. ورابعها: أنه أراد هذا العدد في عصر واحد يتبع كلَّ واحد طائفةٌ، ويؤيده حديث: (سيكون بعدي خلفاء فيكثرون) أراد ﷺ بأعاجيب تكون بعده من الفتن حتى يتفرق الناس في وقت واحد إلى اثني عشر أميرًا، والغاية على هذا الوجه تكون على أغلب استعمالها من عدم دخولها في حكم المغيَّا، وعلى الوجوه السابقة تكون داخلة فيه، هذا ما وجدنا في كلامهم في شرح هذا الحديث، واللَّه أعلم بمراد رسوله. ٥٩٨٤ - [٦] (ابن عمر) قوله: (كفار) بكسر الغين وتخفيف الفاء وبالراء: قبيلة، أبو ذر الغفاري منها.
следующие страницы →