* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٩٧٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٩٥، م: ١٨١٨].
ــ
الفصل الأول
٥٩٧٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: (في هذا الشأن) ظاهر سوق الحديث يقتضي أن يكون المراد به الدِّين وجودًا وعدمًا، فقريش أقدم وأسبق في أمر الدين، وقدوة الناس في الإيمان والكفر، فيكون المسلمون أتباعًا لمسلميهم، والكافرون أتباعًا لكافريهم، ووقع مصداق ذلك أن العرب كانت تنتظر أمر قريش في الإسلام، وكانوا يقولون: ننظر ماذا يصنع قومه، فلما فتح مكة وأسلمت قريش تبعهم العرب ودخلوا في دين اللَّه أفواجًا، والمقصود بيان تقدمهم ورياستهم على الناس في الإسلام والجاهلية، لكن الفضل والشرف يكون باعتبار الأول دون الثاني إلا أن يراد أعم من الشرف باعتبار الدين أو الدنيا، فكان البيت مناصبه من السدانة والسقاية والرفادة وأمثالها فيهم دون مَن عداهم، وقد يحمل (الشأن) على الخلافة والإمامة وهو لا يلائم سياق الحديث، واللَّه أعلم.
وقيل: (الناس تبع) خبر بمعنى الأمر، وإلا فقد خرج هذا الأمر عن قريش في أكثر البلاد، أو المراد بالناس بعض الناس، انتهى.
وبما ذكرنا من التقرير لا يَرِدُ هذا ولا يحتاج إلى توجيهه، فإن المراد بتقدمهم وسبقهم في هذا الشأن، ولا ينافيه خروجه عنهم في أكثر البلاد.
ثم قيل في معنى الحديث: إن المراد أن الناس إن كانوا أخيارًا سلط اللَّه عليهم
стр. 5742
٥٩٨٠ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨١٩].
٥٩٨١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَان". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٠١، م: ١٨٢٠].
٥٩٨٢ - [٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٠٠].
ــ
أخيارًا منهم، وإن كانوا أشرارًا سلط اللَّه عليهم الأشرار، كما قيل: أعمالكم عمالكم، وهذا المعنى إنما يناسب حمل الشأن على الخلافة كما لا يخفى.
٥٩٨٠ - [٢] (جابر) قوله: (في الخير والشر) أي: في الإسلام والكفر، وقد تبين معناه في شرح الحديث السابق.
٥٩٨١ - [٣] (ابن عمر) قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش) ظاهر هذا الحديث والذي يأتي بعده أن المراد بالأمر أمر الخلافة، وينبغي أن يحمل الخبر على معنى الأمر كما عرفت.
وقوله: (ما بقي منهم اثنان) أي: سوى الخليفة، وقيل: اثنان واحد خليفة وواحد تابع.
٥٩٨٢ - [٤] (معاوية) قوله: (لا يعاديهم أحد) أي: لا يخالفهم (إلا كبه اللَّه) أي: أذله وخذله.
وقوله: (ما أقاموا الدين) قيل: المراد به الصلاة كما سميت إيمانا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] لرواية: (ما أقاموا الصلاة). وهذا
стр. 5743
٥٩٨٣ - [٥] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ الإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ". وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا كلُّهُم مِنْ قُرَيشٍ". وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٢٢، م: ١٨٢١].
ــ
الحديث يدل على أن الأمر إنما يكون في قريش إذا أقاموا الدين، وإذا لم يقيموا الدين فلا أمر منهم سواء حمل على الخبر أو على معنى الأمر. وقيل: إنه متعلق بـ (كب) لا بقوله: إن الأمر فيهم؛ لأنه كان فيهم مَن غيَّر وبدَّل ولم يصرف عنه الأمر، كذا قال التُّوربِشْتِي (١)، اللهم إلا أن يقال: إن المقصود تحريضهم على إقامة الدين وأنهم إن لم يقيموا الدين كاد أن يخرج عنهم الأمر ويغلبهم فيه غيرهم، وهذا المعنى بمعنى الخبر أنسب دون الأمر، فافهم.
٥٩٨٣ - [٥] (جابر بن سمرة) قوله: (لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش) إلى آخر الروايات، وفي بعض طرق هذا الحديث في آخره: (أبو بكر لا يلبث إلا قليلا) (٢)، واستشكل هذا الحديث بأن الظاهر منه أن اثني عشر خليفة يكون بعده ﷺ على الولاء، يستقيم بهم أمر الدين، ويعز الإسلام، وتجري الأحكام مع أن الوجود لا يشهد له، فإن فيهم من أمراء الجور والفساد من بني مروان من لا تُمدح طريقتهم، ولا تَحْسن سيرتهم، وأيضًا قد صح: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يصير ملكًا عضوضًا)، واتفقوا على أنه لا يسمَّى مَن بعده خلفاء بل ملوكًا
стр. 5744
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأمراء، واختلفوا في توجيهه على أقوال:
أحدها: أن المراد اثنا عشر نَفْسًا قاموا من بعده ﷺ بالسلطنة والإمارة، وانتظم أمر السلطنة واستقام من غير نزاع وخلاف واختلال في أمور المسلمين والرعايا، وإن كان بعضهم جائرين خارجين عن دائرة العدل والإحسان، وقد وقع الاختلال في زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي هو الثاني عشر، اجتمعوا عليه لما مات عمه هشام فولي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ، كذا قال القاضي عياض، واستحسنه الشيخ ابن حجر في (فتح الباري) (١) وقال: وهذا أحسن ما قيل في هذا الحديث وأرجحه، لتأييده بقوله في بعض طرقه الصحيحة: (كلهم يجتمع عليه الناس)، والمراد باجتماعهم انقيادهم لبيعته، ولم يَرِدِ الحديث على مدحهم والثناء عليهم بالدين والعدالة إلا من هذه الجهة أعني الانتظام والاجتماع واتحاد الكلمة، والخلافة التي حَكَم الحديث بانتهائها إلى ثلاثين سنة إنما هو الخلافة الكبرى التي هي خلافة النبوة، وهذه خلافة إمارة، وقد استمر القول بتسمية الأمراء بعد الخلفاء الراشدين خلفاء كالخلفاء العباسية وإن كانت بالمجاز، انتهى.
وهذا الوجه لا يخلو عن عدم الملاءمة لسياق الحديث من قوله: (لا يزال الإسلام عزيزًا) و (لا يزال الدين قائمًا)، وإن كانت ملائمة برواية أخرى: (لا يزال أمر الناس ماضيًا)، والحديث صريحٌ في مدحهم بأن صلاح الدين وظهور الحق وقوة الإسلام في زمانهم وعدالتهم.
وثانيها: أن المراد المقسطون من الأمراء لأنهم هم المستحقون لاسم الخلافة على
стр. 5745
٥٩٨٤ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غِفَارُ. . . . .
ــ
الحقيقة، لكن لا يلزم أن يكونوا على الولاء، بل يتم هذا العدد إلى زمان حتى إلى قبيل قيام الساعة، قال التُّوربِشْتِي (١): وهذا هو السبيل في هذا الحديث وما يعتقبه في هذا المعنى.
وثالثها: أن المراد وجودهم بعد موت المهدي، فقد جاء أنه إذا مات المهدي ﵇ ملك الأمر خمسة رجال من ولد السبط الأكبر يعني الإمام الحسن ﵁، ثم يملك خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بخلافة رجل من ولد الحسن، ثم يملك بعده ولده فيتم به اثنا عشر، كل منهم إمام عادل هاد مهديٌّ، وهذا وجه لكن الكلام في صحة هذا الحديث، وذكر عن ابن عباس في وصف المهدي: يفرج اللَّه تعالى عن هذه الأمة كل كرب ويصرف بِعَدلِه كل جور، ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر، خمسين ومئة سنة، ثم يفسد الزمان.
ورابعها: أنه أراد هذا العدد في عصر واحد يتبع كلَّ واحد طائفةٌ، ويؤيده حديث: (سيكون بعدي خلفاء فيكثرون) أراد ﷺ بأعاجيب تكون بعده من الفتن حتى يتفرق الناس في وقت واحد إلى اثني عشر أميرًا، والغاية على هذا الوجه تكون على أغلب استعمالها من عدم دخولها في حكم المغيَّا، وعلى الوجوه السابقة تكون داخلة فيه، هذا ما وجدنا في كلامهم في شرح هذا الحديث، واللَّه أعلم بمراد رسوله.
٥٩٨٤ - [٦] (ابن عمر) قوله: (كفار) بكسر الغين وتخفيف الفاء وبالراء: قبيلة، أبو ذر الغفاري منها.
стр. 5746
غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥١٣، م: ٢٥١٨].
٥٩٨٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَغِفَارُ وَأَشْجَعُ مَوَالِيَّ، لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥١٢، م: ٢٥٢٠].
٥٩٨٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ خَيْرٌ مِنْ بَنِي تَمِيم وَبَنِي عَامِرٍ،
ــ
وقوله: (غفر اللَّه لها) يحتمل الخبر والدعاء وهو الأظهر، وقيل: كانوا يسرقون الحجاج، فدعا لهم بعد أن أسلموا ليمحو عنهم ذلك العار -مع أن الإسلام يجبّ ما قبله- تأكيدًا ومبالغة في تطهيرهم.
وقوله: (وأسلم سالمها اللَّه) أي: عاملهم اللَّه بما يوافقهم ولا يؤذيهم، أيضًا يحتمل الخبر والدعاء، وقيل: إنما دعا لهما لأنهما دخلا في الإسلام بلا حرب. (وعصية) بضم العين وفتح الصاد وتشديد الياء، وهم الذي قتلوا القراء ببئر معونة، وكان ﷺ يدعو عليهم في القنوت، وهذا إخبار قطعًا لا يحتمل الدعاء، وربما ينظر هذا إلى أن يكون ما قبله أيضًا خبرًا، واللَّه أعلم.
٥٩٨٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (وجهينة) بضم الجيم (ومزينة) بضم الميم وفتح ما بعدهما: قبيلتان، (موالي) بالإضافة إلى ياء المتكلم، أي: أوليائي وأنصاري، وروي (موالي) بالتنوين، أي: بعضهم أحباء وأنصار بعضهم.
وقوله: (ليس لهم مولًى) أي: ناصر وولي.
٥٩٨٦ - [٨] (أبو بكرة) قوله: (خير من بني تميم. . . إلخ)، إنما فضلهم
стр. 5747
وَالْحَلِيفَيْنِ بَنِي أَسْدٍ وَغَطَفَانَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٢٣، م: ٢٥٢١].
٥٩٨٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثلاثٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِيهِمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "هُمْ أَشَدّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ" قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا"، وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ: "أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٤٣، م: ٢٥٢٥].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٩٨٨ - [١٠] عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ يُرِدْ هَوَانَ قُرَيْشٍ. . . . .
ــ
على هؤلاء لسبق إسلامهم وحسن آثارهم.
وقوله: (بني أسد وغطفان) بفتحات بيان للحليفين، سميا حليفين لتحالفهما على التعاون والتناصر.
٥٩٨٧ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (منذ ثلاث) أي: ثلاث خصال أو كلمات، و (سمعت) صفة (ثلاث) والعائد محذوف، فإن قدرت خصال فالمراد سماع الإخبار بها من رسول اللَّه ﷺ ، وإن قدرت كلمات فظاهر، فالأولى: (هم أشد أمتي على الدجال) أي: إنكارًا وتجنبًا، أو جدلًا ونزاعًا، والثانية ما قال: (وجاءت صدقاتهم فقال رسول اللَّه ﷺ : هذه صدقات قومنا) فأضاف ﷺ إياهم إلى نفسه تشريفًا لهم، والثالثة أنه قال: (سبية) أي: مسبية كانت من قومهم عند عائشة، (فقال: أعتقيها) أي: تعليله بأنها من ولد إسماعيل، وفيه جواز استرقاق العرب.
الفصل الثاني
٥٩٨٨ - [١٠] (سعد) قوله: (من يرد هوان قريش) أئمةً كانوا أو غيرهم، فإن
стр. 5748
أَهَانَهُ اللَّه". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٠٥].
٥٩٨٩ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللهُمَّ أَذَقْتَ أَوَّلَ قُرَيْشٍ نَكَالًا فَأَذِقْ آخِرَهُمْ نَوَالًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٠٨].
٥٩٩٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نِعْمَ الْحَيُّ الأَسْدُ وَالأَشْعَرُونَ، لَا يَفِرُّونَ فِي الْقِتَالِ،
ــ
كانوا أئمة فظاهر، وإن كانو غيرهم فلعزة انتسابهم برسول اللَّه ﷺ وفضلهم وشرفهم، و (الهوان) بالفتح مصدر هان هونًا بالضم وهوانًا [و] مهانة: ذل.
٥٩٨٩ - [١١] (ابن عباس) قوله: (نكالًا) هو العقوبة التي تنكل الإنسان، أي: تمنعه عن فعلِ ما جُعلت له جزاء، ويَعتبر به غيره، من نكَل عن الأمر: امتنع، ونكَّل به تنكيلًا: جعله عبرةً لغيره، والنوال والنائلة: العطاء، ولعل المراد بالنكال ما أصاب أوائلهم بكفرهم وإنكارهم على رسول اللَّه ﷺ من الخزي والعذاب والقتل، وبالنوال ما حصل لأواخرهم من العزة والملك والخلافة والإمارة ما لا يحيط بوصفه البيان.
٥٩٩٠ - [١٢] (أبو عامر الأشعري) قوله: (نعم الحي الأسد) بفتح الهمزة والسين الساكنة أبو حي من اليمن، ويقال: الأزد بالزاي أيضًا، وبالسين أفصح، وهو أزد بن الغوث، أبو حي من اليمن، ومن أولاده الأنصار كلهم، ويقال: أزد شنوءة. و (الأشعرون) بإسقاط الياء في أكثر الأصول ونسخ (المشكاة)، وكأنه تسمية للأبناء باسم أبيهم، وبإثباتها في (المصابيح)، قال في (القاموس) (١): الأشعر لقب عمرو بن حارثة الأسدي، وهو أبو قبيلة باليمن منهم أبو موسى الأشعري، ويقولون: جاءك الأشعرون بحذف ياء النسبة.
стр. 5749
وَلَا يَغُلُّونَ، هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٤٧].
٥٩٩١ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الأَزْدُ أَزْدُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، يُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يَضَعُوهُمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَرْفَعَهُمْ، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقُولُ الرَّجُلُ: يَا لَيْتَ أَبِي كَانَ أَزْدِيًّا، وَيَا لَيْتَ أُمِّي كَانَتْ أَزْدِيَّةً". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٣٧].
٥٩٩٢ - [١٤] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَكْرَهُ ثَلَاثَةَ أَحْيَاءٍ: ثَقِيفٍ وَبَنِي حَنِيفَةَ وَبَنِي أُمَيَّةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٤٣].
٥٩٩٣ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ" قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ: يُقَالُ: . . . . .
ــ
وقوله: (ولا يغلون) بضم الغين، أي: لا يخونون في المغنم.
٥٩٩١ - [١٣] (أنس) قوله: (الأزد أزد اللَّه في الأرض) إضافتهم إلى اللَّه تعالى إما لاشتهارهم بهذا الاسم وإما للتشريف كناقة اللَّه، وكلا الوجهين لثبوتهم في الحرب لا يفرون في القتال، وقيل: إنهم كالأسد في الشجاعة.
٥٩٩٢ - [١٤] (عمران بن حصين) قوله: (ثقيف) بالجر بدل مع ما عطف عليه من (أحياء)، إنما كره ثقيفًا للحجاج، وبني حنيفة لمسيلمة، وبني أمية لعبيد اللَّه بن زياد، كذا قيل، قلت: ما وجه التخصيص بعبيد اللَّه، لِمَ لم يذكر يزيد وهو أميره وآمِره بما فعل؟ .
٥٩٩٣ - [١٥] (ابن عمر) قوله: (كذاب ومبير) بضم الميم بمعنى مهلك وهو
стр. 5750
الْكَذَّابُ هُوَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَالْمُبِيرُ هُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: أَحْصَوْا مَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ صَبْرًا فَبَلَغَ مِئَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٠].
٥٩٩٤ - [١٦] وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي "الصَّحِيحِ" حِينَ قَتَلَ الْحَجَّاجُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَالَتْ أَسْمَاءُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا "أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا" فَأَمَّا الْكذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ،
ــ
بمعنى الهلاك.
وقوله: (هو المختار بن أبي عبيد) الثقفي، قام بعد وقعة الإمام الحسين، ودعا الناس إلى طلب ثأره، وكان غرضه أن يصرف وجوه الناس إلى نفسه ويتوصل به إلى تحصيل الإمارة، كذا قيل، وقصته مذكورة في كتب التواريخ.
وقيل: سمي كذابًا بادعائه النبوة، وكان يدعي أن الملائكة تأتيه بخبر السماء، وأفسد على قوم من الشيعة عقائدهم، فهم ينسبون إليه في آرائهم الفاسدة وأقاويلهم الزائفة، يقال لهم: المختارية.
وقوله: (أحصوا) بفتح الصاد بلفظ الماضي.
وقوله: (ما قتل الحجاج صبرًا) أصل الصبر: الحبس، صبر عنه يصبره: حبسه، وصَبْرُ الإنسان وغيرِه على القتل: أن يُحبس ويرمى حتى يموت، وقد قتله صبرًا لم يقتله في المعركة.
٥٩٩٤ - [١٦] قوله: (حين قتل الحجاج عبد اللَّه بن الزبير) وهو ﵁ لم يبايع يزيد، وخرج يدعي الإمامة بمكة، فأرسل إليه يزيد مسلم بن عقبة المري بعد قتل الإمام الحسين ونهب المدينة وإهلاك أهلها، فمات يزيد، ثم جاء الحجاج في إمارة عبد الملك بن مروان فقتله ﵁ وصلبه.
стр. 5751
وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ. وَسَيَجِيءُ تَمَامُ الْحَدِيثِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ. [م: ٢٥٤٥].
٥٩٩٥ - [١٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: "اللهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٤٢].
٥٩٩٦ - [١٨] وَعَن عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاء رَجُلٌ أَحْسَبُهُ مِنْ قَيْسٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْعَنْ حِمْيَرًا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : . . . . .
ــ
قوله: (فلا إخالك) خطاب للحجاج، أي: لا أظنك، وهو بفتح الهمزة وكسرُها أشهر، وقال الطيبي (١): الظاهر: فلا إخاله إلا إياك، قدَّمت المفعول الثانيَ للاهتمام، فتأمل.
٥٩٩٥ - [١٧] (جابر) قوله: (أحرقننا نبال) فاعل أحرقت، والنبل: السهام لا واحد [له]، أو واحده نبلة، وجمعه أنبال ونِبال نبُلان، كذا في (القاموس).
٥٩٩٦ - [١٨] (عبد الرزاق) قوله: (عن ميناء) بكسر الميم وبالمد والقصر، والمد أشهر، تابعي، وضعفوه، قال في (الكاشف) (٢): ميناء عن مولاه ابن عوف وعثمان، وعنه والد عبد الرزاق، ضعفوه، وفي الحاشية: ميناء بن أبي ميناء الخزاز، قال يحيى: ليس بثقة، وقال أبو زرعة: كان كذابًا، وقال ابن عدي: كان يغلو في
стр. 5752
"رَحِمَ اللَّهُ حِمْيَرًا، أَفْوَاهُهُمْ سَلَامٌ، وَأَيْدِيهِمْ طَعَامٌ، وَهُمْ أَهْلُ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، ويُروى عَنْ مِينَاءَ هَذَا أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ. [ت: ٣٩٣٩].
٥٩٩٧ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "مِمَّنْ أَنْتَ؟ " قُلْتُ: مِنْ دَوْسٍ. قَالَ: "مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ فِي دَوْسٍ أَحَدًا فِيهِ خَيْرٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٣٨].
٥٩٩٨ - [٢٠] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُبْغِضُنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ أُبْغِضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ؟ قَالَ: "تُبْغِضُ الْعَرَبَ فَتُبْغِضُنِي". . . . .
ــ
التشيع، ذكره ابن حبان في (كتاب الثقاث) (١)، روى له الترمذي حديثًا واحدًا، و (حمير) بكسر الحاء وسكون الميم وفتح الياء، أبو قبيلة من اليمن.
وقوله: (أفواههم سلام) أي: ذات سلام، أي: يفشون السلام، جعلهم نفسَ السلام مبالغة، وكذا قوله: (وأيديهم طعام) وصفها بالتواضع والسخاوة، وهما أصل المكارم في أداء حقوق الناس.
وقوله: (هذا) بدل من (ميناء) أو صفة.
٥٩٩٧ - [١٩] (عنه) قوله: (من دوس) بفتح الدال، وروي بالضم، وفي الحديث منقبة لأبي هريرة ومذمة لدوس لولا أبو هريرة.
٥٩٩٨ - [٢٠] (سلمان) قوله: (فتفارق) بالنصب جوابًا للنهي.
وقوله: (تبغض العرب) المراد به ما يشمل الأعراب، كان سلمان ﵁ عجميًا
стр. 5753
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٢٧].
٥٩٩٩ - [٢١] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ غَشَّ الْعَرَبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاعَتِي، وَلَمْ تَنَلْهُ مَوَدَّتِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُصَيْنِ بْنِ عُمَرَ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِذَاكَ الْقَوِيِّ. [ت: ٣٩٢٨].
٦٠٠٠ - [٢٢] وَعَنْ أُمِّ الْحَرِيرِ مَوْلَاةِ طَلْحَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ مَوْلَايَ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ هَلَاكُ الْعَرَبِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٢٩].
٦٠٠١ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُلْكُ فِي قُرَيْشٍ، وَالْقَضَاءُ فِي الأَنْصَارِ،
ــ
فارسيًا [ولعله] كان يهين بعض فقرائهم ويفاخر عليهم، فنبّهه ﷺ على ذلك، أو على مظنة أن يبغضهم ويهينهم وإن لم يقع، واللَّه أعلم.
٥٩٩٩ - [٢١] (عثمان بن عفان) قوله: (من غش العرب) بمعجمتين، أي: خان وبغض، في (القاموس) (١): غشه: لم يمحِّضه النصح، أو أظهر له خلاف ما أضمره، كغشَّشه، والغش بالكسر: الاسم سنه، والغل، والحقد.
٦٠٠٠ - [٢٢] (أم الحرير) قوله: (وعن أم الحرير) بحاء مهملة مفتوحة ورائين على وزن نصير.
وقوله: (من اقتراب الساعة) أي: من أماراتها.
٦٠٠١ - [٢٣] (أبو هريرة) قوله: (والقضاء في الأنصار) قيل: المراد النقابة؛
стр. 5754
وَالأَذَانُ فِي الْحَبَشَةِ، وَالأَمَانَةُ فِي الأَزْدِ". يَعْنِي الْيَمَنَ. وَفِي رِوَايَةٍ مَوْقُوفًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ. [ت: ٣٩٣٦].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦٠٠٢ - [٢٤] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ: "لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٨٢].
٦٠٠٣ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي نَوْفَلٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُسْلِمِ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ،
ــ
لأن النقباء كانوا من الأنصار، وقيل: القضاء المعروف لبعثه ﷺ معاذا قاضيًا إلى اليمن، وقال ﷺ : (أعلمهم بالحلال والحرام معاذ)، ولعل المراد أنه ينبغي أن تراعى هذه المناصب فيهم، فهو خبر في معنى الأمر.
وقوله: (موقوفًا) أي: على أبي هريرة من غير أن يرفعه إلى النبي ﷺ .
الفصل الثالث
٦٠٠٢ - [٢٤] (عبد اللَّه بن مطيع) قوله: (لا يقتل قرشي صبرًا) أي: وهو مرتد عن الإسلام ثابت على الكفر، إذ قد وجد من قريش من قتل صبرًا، وقيل: النفي بمعنى النهي فالكلام على إطلاقه.
٦٠٠٣ - [٢٥] (أبو نوفل) قوله: (على عقبة المدينة) العقبة بفتحات: مرقى الجبال، والمراد عقبة بمكة واقعة على طريق المدينة، يريد الحجون بالمعلى، وكان
стр. 5755
السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمًا وَاللَّهِ لأُمَّة أَنْتَ شَرُّهَا لأُمَّةُ سَوْءٍ -وَفِي رِوَايَةٍ: لأُمَّةُ خَيْرٍ-. . . . .
ــ
عبد اللَّه بن الزبير مصلوبًا عليه، صلبه الحجاج.
وقوله: (السلام عليك أبا خبيب) مكرر ثلاثًا، وأبو خبيب بالخاء المعجمة والموحدتين بلفظ التصغير كنية عبد اللَّه بن الزبير، وفيه استحباب السلام على الميت.
وقوله: (لقد كنت أنهاك عن هذا) مكرر ثلاثًا، وهذا إشارة إلى مُوْجِب الصلب وسببه، وهو الخروج ودعوى الإمامة ومخالفة هؤلاء الأشرار.
و(إن) في قوله: (إن كنت) مخففة من المثقلة و (ما) مصدرية، أي: فيما علمت، و (وصولًا) بفتح الواو.
وقوله: (لأمة) مبتدأ و (أنت شرها) صفة.
وقوله: (لأمة سوء) بالإضافة خبره، وفي رواية: (لأمة شر).
وقوله: (في رواية: لأمة خير) ونقل الطيبي (١) عن النووي (٢): هذه الرواية هي التي عليها الجمهور، ورواية: (لأمة سوء) خطأ وتصحيف، انتهى.
وفي (المشارق) (٣): ويروى: (خيار)، وعند السمرقندي: (لأمة شر)، وهو خطأ، والوجه الأول، وقال: ويروى (أشرها)، قال ابن قتيبة: لا يقال: أَشرُّ ولا أَخْيرُ، وإنما يقال: شر وخير، انتهى.
стр. 5756
ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ، فَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ. قَالَ: فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: . . . . .
ــ
هذا ولا يظهر وجهُ كون ([لأمة] شر) خطأً، فإن كان من حيث الرواية فلا مناقشة في ذلك، وأما من حيث المعنى فلا يظهر لنا معنى واضح لهذين الكلامين حتى نعلم كون أحدهما صوابًا والآخر خطأ، والذي يسنح الآن هو أن المراد بقوله: (لأمة أنت شرها) أي: في اعتقادهم وظنهم، فيكون حاصله أن أمة تحكم بكونك شرهم أمة سوء، وبقوله: (لأمة خير) التعريض والاستهزاء، يعني أنهم يظنون كونهم خيرًا وليس الأمر كذلك، هذا ولكن المعنى الأول أظهر، ومع ذلك حكموا بأنه خطًا، ولعل ذلك من حيث الرواية، واللَّه أعلم.
وقوله: (ثم نفذ) أي: مضى وذهب، من قولهم: طريق نافذ: سالك، والنفاذ والنفوذ: جواز الشيء [عن الشيء] والخلوص منه.
وقوله: (فبلغ الحجاج) بالنصب، و (موقف) فاعل (بلغ)، (فأنزل) أي: ابن الزبير (عن جذعه) بكسر الجيم وسكون الذال، أي: الخشبة التي صلب عليها.
وقوله: (فالقي في قبور اليهود) ولم يعرف بمكة قبور اليهود، ولعله كان إذ ذاك، أو أخرج من مكة وأرسل إلى مكان كان فيه قبور اليهود كالمدينة وغيرها، واللَّه أعلم.
وقوله: (لتأتيني) على لفظ المخاطبة الواحدة بإدغام نونها في نون الوقاية، و (يسحبك) أي: يجرك، سحبه: جره على وجه الأرض فانسحب، والمراد بـ (قرونها) ضفائر شعرها.
стр. 5757
وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُني بِقُرُونِي. قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتَيَّ فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنهُ،
ــ
وقوله: (سبتي) بلفظ التثنية مضافًا إلى ياء المتكلم، والسِّبْتِية بكسر السين المهملة وسكون الموحدة وكسر الفوقانية وتشديد التحتانية: النعل لا شعر عليها، منسوبة إلى السبت بالكسر: جلود البقر المدبرغة، أو كلُّ جلدٍ مدبوغٍ أو [المدبوغ] بالقَرَظ، يتخذ منها النعال، سمي بذلك لأن شعرها قد سبت عنها، أي: حلق وأزيل.
وقوله: (يتوذف) بالذال المعجمة والفاء، أي: يقارب الخطو ويحرك منكبيه متبخترًا، أو يسرع، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (أنا واللَّه ذات النطاقين) سماها بذلك رسول اللَّه ﷺ لما شقت نطاقها شقين فشدت بأحدهما سفرة رسول اللَّه ﷺ حين كان في غار ثور، وبالأخرى وسطها أو قربته، وكأن الظاهر [أن الحجاج] حمل قوله ﷺ : (ذات النطاقين) على الذم كناية عن كونها خادمة خَرَّاجة، ولم تُعرف أيُّ فضيلة فوق خدمة النبي ﷺ في تلك الحال، و (النطاق) بالكسر: شُقة تلبسها المرأة وتشد وسطها، فترسل الأعلى على الأسفل إلى
стр. 5758
أَمَا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثنَا: "أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا". فَأَما الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاه، قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلم يُرَاجِعهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٤٥].
٦٠٠٤ - [٢٦] وَعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا مَا تَرَى، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيَّ دَمَ أَخِي الْمُسْلِمِ. قَالَا: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لِلَّه، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٤٣].
ــ
الأرض، والأسفل ينجرّ إلى الأرض، كذا في (القاموس) (١)، وانتطقت: لَبِستْها، والرجل: شد وسطه بمنطقة، كتنطَّق. وفي المثل: مَنْ يَطُلْ هَنُ أَبِيهِ يَنْتَطِقْ بِهِ، أي: من كثر بنو أبيه يتقوى بهم.
وقوله: (أما الكذاب فرأيناه) إشارة إلى المختار بن أبي عبيد المذكور في (الفصل الثاني).
٦٠٠٤ - [٢٦] (نافع) قوله: (إن الناس صنعوا ما ترى) أي: من الاختلاف بينهم في أمر الإمامة والبيعة.
وقوله: (حرم علي) زيادة (عليَّ) للإشارة إلى تجنبه وأخذه طريق الاحتياط في ذلك، وإلا فيكفي أن يقول: حرم دم المسلم.
وقوله: (قد قاتلنا. . . إلخ)، أي: مع رسول اللَّه ﷺ والخلفاء الراشدين.
стр. 5759
٦٠٠٥ - [٢٧] وَعَن أبي هريرةَ قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّه عَلَيْهِمْ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ فَقَالَ: "اللهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٩٢، م: ٢٥٢٤].
٦٠٠٦ - [٢٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلَاثٍ: لِأَنِّي عَرَبِيٌّ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَكَلَامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبيٌّ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ١٣٦٤].
* * *
٢ - باب مناقب الصحابة
ــ
٦٠٠٥ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (قد هلكت عصت) بدون الواو، وقيل: (عصت) استئنافٌ لبيان سبب الهلاك.
وقوله: (وأت بهم) يعني: مسلمين.
٦٠٠٦ - [٢٨] (ابن عباس) قوله: (والقرآن) بالرفع (١)، وكذا قوله: (وكلام أهل الجنة) يعني: للعرب فضل في الدنيا والآخرة.
٢ - باب مناقب الصحابة
الصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام وإن تخللت ردةٌ على الأصح كأشعث بن قيس، فإنه كان ممن ارتد، ثم أتي به إلى أبي بكر الصديق أسيرًا،
стр. 5760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فعاد إلى الإسلام فقبل منه ذلك وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد وغيرها.
وإنما قال: على الأصح، إشارةً إلى الخلاف في المسألة، وتحقيق هذا التعريف يطلب من كتب أصول الحديث، وقد اشترط بعض الأصوليين طول صحبته مع النبي ﷺ وملازمته له وأخذه منه وأقله ستة أشهر؛ لأن الصحبة في العرف لا تطلق على رؤية أو لُقِيٍّ، هذا ولكن لا يعرف لتعيين مدة ستة أشهر أو أكثر من ذلك دليل، واللَّه أعلم.
وقال الشيخ (١): لا خفاء في رجحان رتبة من لازمه ﷺ وقاتل معه أو قتل تحت رايته على من لم يلازمه، أو لم يحضر معه مشهدًا، أو على من كلمه يسيرًا، أو ماشاه قليلًا، أو رآه من بعيد، أو في حال الطفولية، وإن كان شرف الصحبة حاصلا للجميع، انتهى.
ويعرف كونه صحابيًا بالتواتر، أو الاستفاضة، أو الشهرة، أو بإخبار بعض الصحابة، أو بعض ثقات التابعين، أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي إذا كان دعواه يدخل تحت الإمكان.
ثم إنه قد ثبت بالآيات والأحاديث فضل الصحابة وشرفهم ما لا سبيل معه إلى الإنكار والشك في ذلك، وموتهم على الكفر كما يزعم الروافض، وما نقل من ذلك عن واحد أو اثنين منهم كعبد اللَّه بن جحش وابن خطل فنادر، ولم يكن إيمانهم حقيقةً، أو لم يكونوا داخلين في حيطة هذه الفضائل والكرامات، وقد أُخذ من قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] كفرُ من يبغضهم ويغيظهم، مع ما ثبت منهم من الهجرة
стр. 5761
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين.
وقال إمام عصره أبو زرعة الرازي (١) من أجل شيوخ مسلم: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك إلا الصحابة، فمن جرحهم إنما أراد به إبطال الكتاب والسنة، فيكون الجرح به ألصق، والحكم عليه بالزندقة والضلال والكذب والعناد هو الأقوم الأحق.
وقال ابن حزم: الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا، وفي الحقيقة يلحق منه المنقصة إلى رسول اللَّه ﷺ حيث بُعث إلى كافة الخلق وهدايتهم وإخراجهم من الكفر والضلال، ويكون بحيث لم يهتد من صحابته ولم يُختم لهم بالإيمان إلا نفر قليل كستة أو سبعة، ومن سواهم كلهم ماتوا على الضلال والكفر، نعوذ باللَّه من أمثال هذه الكلمات، فمِن ثَم أجمع أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع الصحابة وتعديلهم، والكفُّ عن سبهم والطعن فيهم، والثناءُ عليهم؛ لأن اللَّه تعالى ورسوله عدلهم وزكاهم وأثنى عليهم.
ونحو ذلك قال شيخ شيوخ زمانه شهاب الدين عمر السهروردي في (أعلام الهدى): اعلم أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ ورضي عنهم مع نزاهة بواطنهم وطهارة قلوبهم كانوا بشرًا، وكانت لهم نفوس تظهر بصفاتها وقلوبُهم منكوة لذلك، فيرجعون إلى حكم قلوبهم وينكرون ما كان من نفوسهم، انتهى (٢).
стр. 5762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذهب بعض العلماء الشافعية وغيرهم إلى أن اختصاص الحكم بالعدالة بمن لازم رسول اللَّه ﷺ ونصره دون من اجتمع به يومًا أو لغرض، وهذا قول غريب يخرج به كثير من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث وعثمان بن أبي العاص، وغيرهم ممن وفد عليه ﷺ ولم يُقم عنده إلا قليلا وانصرف، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور وهو المعتبر، واللَّه أعلم.
وقال في (الصواعق المحرقة) (١): اعلم أنه وقع خلاف في التفضيل بين الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الأمة، فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه يوجد فيمن أتى بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة، واحتج على ذلك بخبر: (طوبى لمن رآني وآمن بي ولمن لم يرني وآمن بي) سبع مرات، وبخبر عمر ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فقال: (أتدرون أيُّ الخلق أفضل إيمانًا؟ ) قلنا: الملائكة، قال: (وحق لهم بل غيرهم)، قلنا: الأنبياء، قال: (وحق لهم بل غيرهم)، ثم قال ﷺ : (أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني، فهم أفضل الخلق إيمانًا)، وبحديث: (مثل أمتي كمثل المطر لا يُدرى آخره خير أم أوله)، وبخبر: (ليدركن المسيح أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير) ثلاثًا، وبخبر: (تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين)، قيل: منهم أو منا يا رسول اللَّه؟ قال: (بل منكم)، وبما روي عن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد اللَّه بن عمر: أن اكتب لي سيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها، فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر؛ لأن زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر، وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم كتب بمثل
стр. 5763
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٠٠٧ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدُكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا. . . . .
ــ
قول سالم.
قال أبو عمر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية.
وأجابوا عن هذه الأحاديث بما ذكر في محله، وقالوا: إن المفضول قد يكون فيه مزية لا توجد في الفاضل، وأيضًا مجرد زيادة الأجر لا تستلزم الأفضلية المطلقة، وأيضًا الخيرية إنما تكون باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين، فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من يأتي على بعض من الصحابة في ذلك، وأما ما اختص به الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين وفازوا من مشاهدة طلعته ﷺ ورؤية ذاته المشرفة المكرمة فأمر من وراء العقل، إذ لا يسع أحد أن يأتي من الأعمال وإن جلت بما يقارب ذلك فضلًا عن أن يماثله، وعلم من قول أبي عمر بن عبد البر: إلا أهل بدر والحديبية أن الكلام في غير أكابر الصحابة ممن لم يفز إلا بمجرد رؤيته ﷺ ، وقد ظهر أنه فاز بما لم يَقْرَبْه مَن بعده، واللَّه أعلم.
الفصل الأول
٦٠٠٧ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم) الظاهر أن الخطاب لمن بعد الصحابة نزلوا منزلة الموجودين الحاضرين، وقيل: للموجودين من العوام في ذلك الزمان الذين لم يصاحبوه ﷺ ، ويفهم خطابُ مَن بعدهم بدلالة النص، وقال السيوطي: الخطاب بذلك للصحابة، لِمَا ورد أن سبب الحديث أنه
стр. 5764
مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٧٣، م: ٢٥٤١].
٦٠٠٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَفَعَ -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. فَقَالَ: "النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ،
ــ
كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فالمراد بـ (أصحابي) أصحاب مخصوصون وهم السابقون على المخاطبين في الإسلام، وقيل: نَزّل الساب منهم لتعاطيه ما لا يليق به من السب منزلة غيرهم، فخاطبه خطاب غير الصحابة، ولا يخفى ما فيه من التكلف، والوجه هو الأول.
و(المد) بالضم المكيال وهو رطلان أو رطل وثلث، والجمع أمداد، و (النصيف) لغة في النصف، وقيل: مكيال دون المُد، وعلى الأول ضمير (نصيفه) للمُد وعلى الثاني لـ (أحدهم).
٦٠٠٨ - [٢] (أبو بردة) قوله: (وعن أبي بردة) اسمه عامر، وقيل: الحارث (عن أبيه) وهو أبو موسى الأشعري.
وقوله: (وكان كثيرًا مما يرفع رأسه) والظاهر أن (كثيرًا) صفة زمان محذوف، و (مما) خبر كان، وكلمة (ما) يعم العقلاء، أي: كان ﷺ ممن يرفع رأسه كثيرًا، أو (من) زائدة، وما ذكره الطيبي في توجيهه حيث قال: من بيان لـ (كثيرًا) وهو خبر (كان) أي: كان كثيرًا رَفْعُ رأسِهِ، و (ما) مصدرية، لا يخلو عن شيء.
وقوله: (النجوم أمنة) بفتحات بمعنى الأمن، أي: سبب أمن، أمن كفرح أمنًا وأمانًا وأمنة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾ [الأنفال: ١١]، ويروى: (أمنة) بسكون الميم مرة من الأمن، أو جمع أمين بمعنى الحافظ كسفير وسَفَرة، أو
стр. 5765
فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومَ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَنَا أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٣١].
٦٠٠٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ (١): هَلْ فِيكُمْ مِنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ،
ــ
جمع آمن كبارٍّ وبررة، ولعل هذا يجعله صيغة النسبة، وعلى كل تقدير لفظ الجمع بالنسبة إلى النبي ﷺ يكون من قبيل ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠].
وقوله: (فإذا ذهبت النجوم) ذهاب النجوم تكديرها وانكدارها وإعدامها، وقد جعله اللَّه سبحانه سبب إتيان السماء ما توعد -وهو انفطارها وانشقاقها- وأمارةً عليه.
ويحتمل أن يكون ذلك من قِبَل أن النجوم نورانية وزينة للسماء، وواسطة في حدوث بعض الحوادث في الأرض مثل الحر والبرد، ونضج الأثمار ونزول الأمطار، يجعل اللَّه إياها أسبابًا عادية، واللَّه أعلم.
والمراد بما توعد الأصحاب: الفتنُ والحروبُ وارتدادُ الأعراب، وبما توعد الأمة: البدع والحوادث والفتن وذهاب الخير ومجيء الشر.
٦٠٠٩ - [٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فيغزو فئام) بكسر الفاء والهمزة:
стр. 5766
ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ، فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فِيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ البَعْثُ الثَّاني،
ــ
الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه، والجمع: فُؤُم ككتب، كذا في (القاموس) (١)، وفي (المشارق) (٢): قال بعضهم: هو بفتح الفاء، حكاه الخليل وهو رواية القابسي، وأدخله صاحب (العين) في حرف الياء بغير همزة وغيره بهمزة، وكذا قاله القابسي، وحكى الخطابي أن بعضهم رواه (فيّام) بالفتح مشدد الياء وهو غلط، وفي المهموز ذكره الهروي، وكذا قيد عن أبي ذر بالهمزة.
وقوله: (يبعث) أي: يرسل فيهم (البعث) أي: الجيش، قال في (القاموس) (٣): البعث ويحرك: الجيش، والجمع البعوث.
وقوله: (هل تجدون فيكم) بكاف الخطاب، وفي قرائنه: (فيهم) بلفظ الغائب.
وقوله: (البعث الثاني) بالتوصيف وكذا في البعث الثالث، وفي الرابع بالإضافة، كذا وجدنا في نسخ (المشكاة) و (المصابيح)، وتأويله: بعث القوم الرابع، ففي هذه
стр. 5767
فيَقُولونَ: هَلْ فِيْهِمْ مَن رَأَى أَصْحَابَ رَسَولِ اللَّهِ (١) ﷺ ؟ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ ثُمَّ يَكُونُ بَعْثُ الرَّابعِ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَه" (٢). [خ: ٣٦٤٩، م: ٢٥٣٢].
٦٠١٠ - [٤] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ،
ــ
الرواية وقع إلى أربعة مراتب، وهكذا وقع في رواية للبخاري حديث (خير القرون) إلى أربعة.
٦٠١٠، ٦٠١١ - [٤، ٥] (عمران بن حصين) قوله: (خير أمتي قرني) القرن أهل زمان واحد متقارب أشركوا في أمر من الأمور المقصودة، وقد يطلق على طائفة من الزمان، واختلفوا في تحديده، وقد ذكرناه من قبل مع الإشارة إلى ما هو الأصح، وقيل: الأصح أنه لا يضبط بمدة، فقرنه ﷺ هم الصحابة، وكانت مدتهم من البعث إلى آخر من مات منهم مئةً وعشرين سنة، وقرن التابعين من سنة مئة إلى نحو سبعين، وقرن أتباع [التابعين] من ثم إلى حدود العشرين ومئتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتهم، ورفعت الفلاسفة رؤوسهم، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر مصداق قوله ﷺ : (يفشو الكذب)، كذا ذكر السيوطي.
стр. 5768
ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ،
ــ
وقوله: (يشهدون ولا يستشهدون) ذم على الشهادة قبل الاستشهاد، وقد ورد: (خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسأل)، فقيل في الجمع بينهما: إن الذم في حق من يعلم كونه شاهدًا، فيشهد قبل أن يسألها صاحبها، والمدح فيمن لا يعلم شهادته، فيخبر بها حتى يستشهد عند القاضي، وقيل: هي الأمانة والوديعة وما لا يعلمه غيره، وقيل: هو مثلٌ في سرعة إجابته إذا استشهد عند القاضي، وحديث المدح مخصوص، وحديث الذم عام فيمن يؤدي الشهادة قبل أن يسألها صاحب الحق فلا يقبل، أو معناه: يتحملون الشهادة بدون التحميل.
وقيل: المدح محمول على شهادة الحسبة كالطلاق والعتاق، أو على مبالغة في أدائها بعد طلبها نحو: الجواد يعطي قبل سؤاله، والذم محمول على من ليس بأهل لها أو على شهادة الزور، وقيل: الذم في حقوق الناس، والمدح في حقوق اللَّه تعالى إذا لم ير المصلحة في الستر، وقيل: أراد بالشهادة المذمومة التألي على اللَّه نحو: فلان في الجنة وفلان في النار.
وقال القاضي عياض (١): وقيل: معناه ههنا: يحلفون كذبًا ولا يُستحلفون كما قال في الرواية الأخرى، وجاء في رواية: (تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) (٢)، والحلف يسمى شهادة، قال اللَّه تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الآية [النور: ٦]، انتهى.
قال الكرماني (٣): فإن قلت: تقديم الشهادة على اليمين وعكسه ورد؟ قلت: أراد حرصهم عليها وقلة مبالاة بالدين بحيث تارة يكون هذا وتارة عكسه.
стр. 5769
وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ". وَفِي رِوَايَةٍ: "وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥٠، م: ٢٥٣٥].
٦٠١١ - [٥] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السِّمَانَةَ". [م: ٢٥٣٥].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٦٠١٢ - [٦] عَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكْرِمُوا أَصْحَابِي فَإِنَّهُمْ خِيَارُكُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ الْكَذِبُ،
ــ
وقوله: (ويخونون ولا يؤتمنون) أي: يعتادون الخيانة بحيث يكون ظاهره لا يبقى معها ثقة بخلاف من صدر عنه الخيانة مرة واحدة في أمر حقير.
وقوله: (ولا يفون) من الوفاء.
وقوله: (ويظهر فيهم السمن) بكسر السين وفتح الميم، في (القاموس) (١): سمن كسمع سمانة بالفتح، وسِمَنًا كعنب، فهو سامن وسمين، وقيل: يجيء من باب كرم أيضًا، قيل: كأنه استعار السمن في الأحوال من السمن في الأبدان، فالمراد: يتكبرون بما ليس فيهم، ويدَّعون ما ليس لهم من الشرف والكمال، وقيل: أراد جمعهم المال والغفلة عن الدين، وقيل يحبون التوسع في المآكل والمشارب، وقيل: محمول على ظاهره وهو كثرة اللحم، والمذموم منه ما يَسْتكسبُه بالتوسع في الأكل لا من فيه ذلك خلقة، وقد ورد: إن اللَّه لا يحب الحبر السمين.
الفصل الثاني
٦٠١٢ - [٦] (عمر) قوله: . . . . .
стр. 5770
حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَحْلِفُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا مَنْ سَرَّهُ بُحْبُوحَةُ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَذِّ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، وَلَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَان ثَالِثُهُمْ، وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ". رواه. [حم: ١/ ٢٦، ت: ٢١٦٥].
٦٠١٣ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمًا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٥٧].
ــ
(بحبوحة الجنة) بضم الموحدتين وسكون المهملة الأولى وفتح الثانية، أي: وسطها، وبحبوحة الدار وسطها وخيارها، بحبح يبحبح: تمكَّن في المقام، والدار: توسَّطَها.
وقوله: (فليلزم الجماعة) أي: ما عليه جماعة الصحابة والتابعين وأتباعهم الذين هم خير القرون، لما ورد: (عليكم بالسواد الأعظم)، و (الفذ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة: الفرد، والمراد: المستبد برأيه دون رأي الجماعة، و (الأبعد) بمعنى أصل الفعل.
وقوله: (بامرأة) أي: أجنبية.
وقوله: (ثالثهم) الظاهر أن يكون الثالث هنا بمعنى التصغير (١) لكن الإضافة إلى ضمير الجمع تقتضي أن يكون لبيان الحال، فالمراد: ثالث الثلاثة الذين هم الرجل والمرأة والشيطان، فافهم.
وقوله: (رواه) في الأصل هنا بياض، وكتب في الهامش: النسائي، وإسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن الحسن الخثعمي فإنه لم يخرج له الشيخان، وهو ثقة ثبت.
٦٠١٣ - [٧] (جابر) قوله: (لا تمس النار مسلمًا رآني أو رأى من رآني) يعني:
стр. 5771
٦٠١٤ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا مِنْ بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِيُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨٦٢].
٦٠١٥ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ أَصْحَابِي فِي أُمَّتِي كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِالْمِلْحِ". قَالَ الْحَسَنُ: فَقَدْ ذَهَبَ مِلْحُنَا فَكَيْفَ نَصْلُحُ؟ . رَوَاهُ فِي "شرح السّنة". [شرح السنة: ٣٨٦٣].
ــ
ومات على إسلامه، فعلى هذا وجب أن يقال: كل صحابي وتابعي بل كل مسلم في الجنة، لكن الصحابي والتابعي والمسلم في الحقيقة هو الذي مات على الإيمان، وهو إنما يعلم بإخبار المخبر الصادق بموته على الإيمان وبتبشيره بذلك، وبهذا خصَّص جماعة ببشارة الجنة، ويمكن أن يجعل هذا بشارة بالموت على الإيمان لمن رآه أو رأى من رآه كما قيل في قوله ﷺ : (من زار قبري وجبت له الجنة)، وفي رواية: (وجبت له شفاعتي)، لكن دل هذا الحديث على أن هذه الخصوصية تكون للقرنين لا للقرن الثالث وإن شاركوا في الخيرية ممن بعدهم، فتدبر.
٦٠١٤ - [٨] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (اللَّه اللَّه في أصحابي) بالنصب بتقدير: اتقوا اللَّه في حق أصحابي، أي: لا تذكُروهم إلا بالخير، أو: أنشدكم اللَّه في حقهم، و (الغرض) محركة: الهدف يرمى فيه، والإضافة في (حبي) و (بغضي) إلى المفعول، يعني حبهم يستلزم حبي، وبغضهم بغضي، أعاذنا اللَّه من ذلك.
٦٠١٥ - [٩] (أنس) قوله: (لا يصلح الطعام إلا بالملح. . . إلخ)، صرح بوجه
стр. 5772
٦٠١٦ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي يَمُوتُ بِأَرْضٍ إِلَّا بُعِثَ قَائِدًا وَنُورًا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨٦٥].
وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ" فِي "بَابِ حِفْظِ اللِّسَانِ".
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦٠١٧ - [١١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَقُولُوا: لَعْنَةُ اللَّه عَلَى شَرِّكُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٦٦].
٦٠١٨ - [١٢] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "سَأَلْتُ رَبِّي عَنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِي مِنْ بَعْدِي، فَأَوْحَى إِلَيَّ: . . . . .
ــ
التشبيه لئلا يتوهم شيءآخر، كما قيل في القول المشهور بين الناس: النحو في الكلام كالملح في الطعام، من كون القليل منه مصلحًا والكثير مفسدًا، فمن هذا الحديث أيضًا علم أن وجه التشبيه هنالك هو الصلاح باستعماله والفساد بإهماله.
٦٠١٦ - [١٠] (عبد اللَّه بن بريدة) قوله: (يموت بأرض) الظاهر أن المراد دفنه فيها، واللَّه أعلم.
الفصل الثالث
٦٠١٧ - [١١] (ابن عمر) قوله: (لعنة اللَّه على شركم) أي: لعنة اللَّه عليكم بناء على شركم، أو هو احتياط باللعن على فعله دون ذاته رعاية للإنصاف وإن كان في الحقيقة راجعًا إلى الفاعل، فافهم.
٦٠١٨ - [١٢] (عمر بن الخطاب) قوله: . . . . .
стр. 5773
يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أَصْحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، وَلِكُلٍّ نُورٌ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هُدًى" قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ". رَوَاهُ رَزِينٌ.
* * *
٣ - باب مناقب أبي بكر
ــ
(فهو عندي على هدى) وهذا كقوله ﷺ : (اختلاف أمتي رحمة)، ويدل على أن المراد اختلاف العلماء المجتهدين وإن أجمعوا فذلك أعلى وأتم.
٣ - باب مناقب أبي بكر الصديق ﵁
قد وردت أحاديث كثيرة في فضائله ﵁ من الصحاح والحسان والضعاف، وقد يروى حكم بعض المحدثين بوضع بعضٍ، منها حديث: إن اللَّه يتجلى يوم القيامة للناس عامة ولأبي بكر خاصة، وحديث: ما صب اللَّه في صدري شيئًا إلا وصببته في صدر أبي بكر، وحديث: كان ﷺ إذا اشتاق إلى الجنة قبل شيبته، وحديث: أنا وأبو بكر كفرسي رهان، وحديث: إن اللَّه لما اختار الأرواح اختار روح أبي بكر، كذا ذكر الشيخ مجد الدين الشيرازي في (سفر السعادة) (١)، وقال: بطلانها معلوم بديهية العقل، انتهى. ولعل ذلك لأنه يلزم منها فضل أبي بكر على سائر الخلق من الأنبياء وغيرهم، ويلزم مساواته لسيد المرسلين ﷺ ، ويلزم ما هو خارج عن دائرة العقل والعادة، ولا يذهب أنه إن بُيِّنَ بطلانها بالتكلم في أسانيدها ورجالها فمسلَّم، وإلا
стр. 5774
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٠١٩ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ -وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ: أَبَا بَكْرٍ-. . . . .
ــ
يمكن تأويلها بما يطابق الحق والعقل والعادة، وباب التأويل غير مسدود بعد أن صح الحديث، وحديث: إن اللَّه يتجلى للناس، أورده في (تنزيه الشريعة) (١) عن أنس وقال: رواه الخطيب وأبو نعيم وابن حبان في (الضعفاء) وحكم الذهبي بوضعه، وأثبته أبو نعيم وحسنه بعضهم، وأورده الحاكم في (المستدرك) وذكره الغزالي في (الإحياء)، واللَّه أعلم.
الفصل الأول
٦٠١٩ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إن من أمن الناس عليّ) من المن بمعنى العطاء لا من المنة، أي: من أبذلهم وأسمحهم علي، وليس لأحد أن يمن على رسول اللَّه ﷺ ، فلله المنة ولرسوله على كل أحد، وقيل بعد حمله على معنى العطاء أيضًا: على بمعنى أجل، أي: أكثر الناس بذلًا لنفسه وماله لأجلي.
وقوله: (أبو بكر) هكذا بالرفع في (صحيح مسلم)، وعند البخاري: (أبا بكر) بالنصب وهو الظاهر، ووجِّه الرفع بأن يكون (من) زائدة على مذهب الأخفش، وقيل: (إنَّ) بمعنى نعم فيكون (أبو بكر) مبتدأ و (من أمن الناس) خبره، وقيل: اسم (إن) ضمير الشأن وهو نادر مع إنَّ المكسورة كما عرف في النحو، والأوجه ما ذكره بعضهم أنه محكي على ما هو عليه، وقد ثبت من قول أمير المؤمنين علي فيما أقطعه رسول اللَّه ﷺ تميمًا الداري: شهد به أبو بكر بن أبو قحافة وعلي بن أبو طالب ومعاوية
стр. 5775
وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ". وَفِي رِوَايَةٍ: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٠٤، م: ٢٣٨٢].
ــ
ابن أبو سفيان، على ما ذكر في توجيه قول أبي حنيفة ﵁: لا ولو رماه بأبا قبيس.
وقوله: (ولو كنت متخذًا خليلًا) الظاهر أنه من الخلة بضم الخاء بمعنى الصداقة والمحبة المتخللة في باطن قلب المحب الداعية إلى اطلاع المحبوب على سره، أي: لو جاز لي أن أتخذ صديقًا من الخلق تتخلل محبته في باطن قلبي يكون مطلعًا على سري لاتخذت أبا بكر، ولكن ليس لي محبوب بهذه الصفة إلا اللَّه، وإنما محبتي للخلق على ظاهر قلبي، ولا يطلع على سري إلا هو سبحانه، ويجوز أن يكون من الخلة بالفتح بمعنى الحاجة، أي: لو اتخذت صديقًا أراجع إليه حاجاتي وأعتمد عليه في مهماتي لاتخذت أبا بكر، ولكن اعتمادي في جميع أموري إلى اللَّه وهو ملجئي وملاذي، وهذا المعنى أقرب وأنسب بسياق الحديث، ولكنهم حكموا بأن الأول أوجه، فافهم.
وقيل: الخلة بالفتح بمعنى الخصلة، وهي إشارة بالتخلق بأخلاق اللَّه سبحانه.
وقوله: (ولكن أخوة الإسلام ومودته) خبره محذوف، أي: ثابت، وقيل: الأحسن أن يقدر مثل قولنا: أتم وأكمل من غيره، و (الخوخة) بالفتح: كوة تؤدي الضوء إلى البيت، ومخترَقُ ما بين كل دارين، وكان في البيوت اللاصقة بالمسجد مخترقًا يمرون منه إلى المسجد وينظرون منها إليه، فأمر بسد جملتها سوى خوخة أبي بكر تكريمًا له وتفضيلًا على سائر أصحابه.
стр. 5776
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: كان فيه تعريض باستخلافه، ومنع من أن يتمناها غيره، وسدّ باب مقالته، إذ كان ذلك في آخر خطبة خطبها، وقيل: هذا هو المعنى المتعيِّن إذ لم يصح أن الصديق كان له منزل بجنب مسجده ﷺ ، وإنما كان منزله بالسُّنح من عوالي المدينة، ولهذا مهّد هذا المعنى بقوله: (ولو كنت متخذًا خليلًا) أي: صاحبًا يعتمد عليه في الأمور.
والتحقيق أنه كان له ﵁ في جوار المسجد الشريف منزل ومنزل آخر في عوالي المدينة فيه مسكنه، وكان له منازل متعددة بتعدد الزوجات، وجاء في بعض الروايات أنه لما أمر ﷺ بسدّ الأبواب والخوخات إلا خوخة أبي بكر تكلم الناس في ذلك، قالوا: أمر بفتح باب صديق وسد أبواب سائر الصحابة، فقال ﷺ : (إني ما فعلت ذلك من عند نفسي وإنما فعلت بأمر اللَّه تعالى)، وروي: أن عمر ﵁ سأل أن يترك في جدار بيته كوة ينظر إلى رسول اللَّه ﷺ حين يخرج للصلاة إلى المسجد فقال رسول اللَّه ﷺ : (لا ولو كان روزنةً مثل سُمِّ الخِيَاط).
ثم اعلم أن الحافظ ابن حجر العسقلاني قال في شرح (صحيح البخاري) (١): إنه قد جاء في هذا الباب أحاديث بطرق متعددة تخالف بظاهرها الحديث المذكور في باب أبي بكر، منها حديث سعد بن أبي وقاص قال: أمر رسول اللَّه ﷺ بسد الأبواب التي كانت إلى المسجد إلا باب علي، أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي، وأخرج الطبراني في (الأوسط) بنقل الثقات: أن الصحابة اجتمعوا وقالوا: يا رسول اللَّه! أمرت بسدّ أبواب الأصحاب وفتحت باب علي؟ قال: (لا سددت أنا ولا فتحت بل اللَّه تعالى سدّ
стр. 5777
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفتح، وإني أمرت بسدّ الأبواب إلا باب علي)، وكذا أخرج أحمد والنسائي عن ابن عباس وابن عمر نحوه.
قال الشيخ: وكل من هذه الأحاديث يصلح حجة لاسيما وقد تعاضد بعضها ببعض وقويت، وقال: حكم ابن الجوزي على هذا الحديث الذي ورد في شأن علي ﵁ بالوضع وتكلم على بعض طرقه لمخالفته الأحاديث الصحيحة التي وردت في شأن أبي بكر، وقال: وضعته الروافض في معارضتها.
ورد الشيخ ابن حجر على ابن الجوزي في حكمه بوضع هذا الحديث بمجرد توهم معارضته بحديث أبي بكر، قال: لحديث علي طرق كثيرة بلغ بعضها حد الصحة وبعضها مرتبة الحسن، ولا معارضة بينه وبين الحديث الوارد في شأن أبي بكر، ووجه التوفيق: أن الأمر بسد الأبواب وفتح باب علي كان في أول الأمر عند بناء المسجد، وكان لعلي ﵁ باب في جانب المسجد يدخل ويخرج منه، وقد صح أن رسول اللَّه ﷺ قال لعلي ﵁: لا يدخل هذا المسجد جنبًا إلا أنا وأنت، والأمر بسد الخوخات إلا خوخة أبي بكر كان في آخر الأمر في مرضه حين بقي من عمره ثلاثة أيام أو أقل، والدليل على ذلك ما أورده ابن زبالة: أنه لما أمر رسول اللَّه ﷺ بسد الأبواب إلا باب علي جاء حمزة بن عبد المطلب بعد ما توقف في امتثال هذا الأمر أدنى وقفة وعيناه ترمدان ويسيل الماء منهما، وقال: يا رسول اللَّه! أخرجت عمك وأدخلت ابن عمك؟ قال رسول اللَّه ﷺ : (يا عماه! إني أمرت بهذا ولا اختيار لي في ذلك)، فبذكر حمزة في هذه القصة علم أنه كان مقدمًا لأن حمزة ﵁ استشهد بأحد، وجاء في رواية: أنه خطب رسول اللَّه ﷺ وقال: (أوحى اللَّه تعالى إلى موسى أن يبني مسجدًا مطهرًا لا يسكن إلا أنت وهارون وابناه شبر وشبير، كذلك أوحى اللَّه إلي أن أبني مسجدًا مطهرًا لا يسكن
стр. 5778
٦٠٢٠ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٨٣].
٦٠٢١ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: "ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا وَلَا، وَيَأْبَى اللَّه وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ". . . . .
ــ
فيه إلا أنا وعلي وابناه الحسن والحسين)، والكلام في هذا الباب مبسوط ذكرناه في (تاريخ المدينة) واللَّه أعلم.
٦٠٢٠ - [٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ولكنه أخي) وزاد أحمد: (في الدين)، و (صاحبي) زاد: (في الغار)، كذا ذكر السيوطي.
وقوله: (وقد اتخذ اللَّه صاحبكم خليلًا) دل على وجود المخالَّة من الطرفين، وهكذا الشأن لأن المحبة نسبة مشتركة بين المحب والمحبوب، ففعيل ههنا يحتمل كونه بمعنى الفاعل وبمعنى المفعول، ولو جوِّز استعمال المشترك في معنييه لكان محمولًا على كلا المعنيين وهو الأنسب الأوفق بالحال، ومنه يعلم أن الخلة حاصلة لنبينا ﷺ بل كانت فيه أتم وأكمل وليست مخصوصة بإبراهيم ﷺ ، ولهذا قال الإمام الغزالي: الخلة أكمل من المحبة، وهو ﷺ جامع بين مرتبتي الخلة والمحبة، فافهم وباللَّه التوفيق.
٦٠٢١ - [٣] (عائشة) قوله: (وأخاك) عطف على (أبا بكر)، قال النووي: وأما طلبه لأخيها فالمراد أنه يكتب الكتاب، والمراد بـ (أكتب): آمر بالكتابة.
وقوله: (أنا ولا) أي: أنا أستحق الخلافة ولا يستحقها غيري.
стр. 5779
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي "كِتَابِ الْحميدِي": "أَنَا أولى" بدل "أَنَا وَلَا". [م: ٢٣٨٧].
٦٠٢٢ - [٤] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه! أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ. قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥٩، م: ٢٣٨٦].
٦٠٢٣ - [٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ،
ــ
وقوله: (وفي كتاب الحميدي: أنا أولى)، ونقل الطيبي عن عياض أنه قال: هذه الرواية أجود.
٦٠٢٢ - [٤] (جبير بن مطعم) قوله: (فأتي أبا بكر) قيل: هو نص في استخلاف أبي بكر بعده ﷺ ، وليس بنص في الاستخلاف، وقد اتفق أهل السنة والجماعة أن لا نص في باب الخلافة في أحد من الجانبين، وقد ادعى بعضهم النص على خلافة أبي بكر، وقد ضبط الكلام فيه الشيخ ابن الهمام في كتاب (المسايرة)، ويدعي الشيعة النص على استخلاف علي ﵁.
٦٠٢٣ - [٥] (عمرو بن العاص) قوله: (على جيش ذات السلاسل) السلاسل رمل ينعقد بعضه ببعض، ولما بعث ذلك الجيش إلى تلك الأرض أضيف إليها كذا قال الطيبي (١). وقال صاحب (المواهب) (٢): سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل، وراء ذات القرى، من
стр. 5780
فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَةُ". قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "عُمَرُ". فَعَدَّ رِجَالًا فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٥٨، م: ٢٣٨٤].
٦٠٢٤ - [٦] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ. وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ: عُثْمَانُ. قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: "مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦١٧].
ــ
المدينة على عشرة أيام، بعثه ﷺ إليها، فعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء في ثلاث مئة من سراة المهاجرين والأنصار، فلما قرب منهم [بلغه أن لهم جمعًا كبيرًا، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول اللَّه ﷺ ] يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح، وعقد له لواء، وبعث معه مئتين من سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر، فأمره أن يلحق بعمرو ولا يختلفا، فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس، فقال عمرو: إنما قَدِمتَ عليَّ مددًا وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس، وسار حتى وصل إلى العدو فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد فتفرقوا، كذا في (المواهب اللدنية)، فكان سبب سؤال عمرو (أيّ الناس أحب إليك؟ ) أنه لما أمَّره النبي ﷺ وفيهم أبو بكر وعمر وقع في نفسه أنه مقدم عنده في المنزلة عليهم فأجاب بما قطع طمعه.
٦٠٢٤ - [٦] (محمد بن الحنفية) قوله: (ما أنا إلا رجل من المسلمين) هذا تواضع منه ﵁ وكرم وجهه مع العلم بأنه حين المسألة خير الناس لأنه بعد قتل عثمان،