. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: كان فيه تعريض باستخلافه، ومنع من أن يتمناها غيره، وسدّ باب مقالته، إذ كان ذلك في آخر خطبة خطبها، وقيل: هذا هو المعنى المتعيِّن إذ لم يصح أن الصديق كان له منزل بجنب مسجده ﷺ ، وإنما كان منزله بالسُّنح من عوالي المدينة، ولهذا مهّد هذا المعنى بقوله: (ولو كنت متخذًا خليلًا) أي: صاحبًا يعتمد عليه في الأمور.
والتحقيق أنه كان له ﵁ في جوار المسجد الشريف منزل ومنزل آخر في عوالي المدينة فيه مسكنه، وكان له منازل متعددة بتعدد الزوجات، وجاء في بعض الروايات أنه لما أمر ﷺ بسدّ الأبواب والخوخات إلا خوخة أبي بكر تكلم الناس في ذلك، قالوا: أمر بفتح باب صديق وسد أبواب سائر الصحابة، فقال ﷺ : (إني ما فعلت ذلك من عند نفسي وإنما فعلت بأمر اللَّه تعالى)، وروي: أن عمر ﵁ سأل أن يترك في جدار بيته كوة ينظر إلى رسول اللَّه ﷺ حين يخرج للصلاة إلى المسجد فقال رسول اللَّه ﷺ : (لا ولو كان روزنةً مثل سُمِّ الخِيَاط).
ثم اعلم أن الحافظ ابن حجر العسقلاني قال في شرح (صحيح البخاري) (١): إنه قد جاء في هذا الباب أحاديث بطرق متعددة تخالف بظاهرها الحديث المذكور في باب أبي بكر، منها حديث سعد بن أبي وقاص قال: أمر رسول اللَّه ﷺ بسد الأبواب التي كانت إلى المسجد إلا باب علي، أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي، وأخرج الطبراني في (الأوسط) بنقل الثقات: أن الصحابة اجتمعوا وقالوا: يا رسول اللَّه! أمرت بسدّ أبواب الأصحاب وفتحت باب علي؟ قال: (لا سددت أنا ولا فتحت بل اللَّه تعالى سدّ
стр. 5777
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفتح، وإني أمرت بسدّ الأبواب إلا باب علي)، وكذا أخرج أحمد والنسائي عن ابن عباس وابن عمر نحوه.
قال الشيخ: وكل من هذه الأحاديث يصلح حجة لاسيما وقد تعاضد بعضها ببعض وقويت، وقال: حكم ابن الجوزي على هذا الحديث الذي ورد في شأن علي ﵁ بالوضع وتكلم على بعض طرقه لمخالفته الأحاديث الصحيحة التي وردت في شأن أبي بكر، وقال: وضعته الروافض في معارضتها.
ورد الشيخ ابن حجر على ابن الجوزي في حكمه بوضع هذا الحديث بمجرد توهم معارضته بحديث أبي بكر، قال: لحديث علي طرق كثيرة بلغ بعضها حد الصحة وبعضها مرتبة الحسن، ولا معارضة بينه وبين الحديث الوارد في شأن أبي بكر، ووجه التوفيق: أن الأمر بسد الأبواب وفتح باب علي كان في أول الأمر عند بناء المسجد، وكان لعلي ﵁ باب في جانب المسجد يدخل ويخرج منه، وقد صح أن رسول اللَّه ﷺ قال لعلي ﵁: لا يدخل هذا المسجد جنبًا إلا أنا وأنت، والأمر بسد الخوخات إلا خوخة أبي بكر كان في آخر الأمر في مرضه حين بقي من عمره ثلاثة أيام أو أقل، والدليل على ذلك ما أورده ابن زبالة: أنه لما أمر رسول اللَّه ﷺ بسد الأبواب إلا باب علي جاء حمزة بن عبد المطلب بعد ما توقف في امتثال هذا الأمر أدنى وقفة وعيناه ترمدان ويسيل الماء منهما، وقال: يا رسول اللَّه! أخرجت عمك وأدخلت ابن عمك؟ قال رسول اللَّه ﷺ : (يا عماه! إني أمرت بهذا ولا اختيار لي في ذلك)، فبذكر حمزة في هذه القصة علم أنه كان مقدمًا لأن حمزة ﵁ استشهد بأحد، وجاء في رواية: أنه خطب رسول اللَّه ﷺ وقال: (أوحى اللَّه تعالى إلى موسى أن يبني مسجدًا مطهرًا لا يسكن إلا أنت وهارون وابناه شبر وشبير، كذلك أوحى اللَّه إلي أن أبني مسجدًا مطهرًا لا يسكن
стр. 5778
٦٠٢٠ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٨٣].
٦٠٢١ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: "ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا وَلَا، وَيَأْبَى اللَّه وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ". . . . .
ــ
فيه إلا أنا وعلي وابناه الحسن والحسين)، والكلام في هذا الباب مبسوط ذكرناه في (تاريخ المدينة) واللَّه أعلم.
٦٠٢٠ - [٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ولكنه أخي) وزاد أحمد: (في الدين)، و (صاحبي) زاد: (في الغار)، كذا ذكر السيوطي.
وقوله: (وقد اتخذ اللَّه صاحبكم خليلًا) دل على وجود المخالَّة من الطرفين، وهكذا الشأن لأن المحبة نسبة مشتركة بين المحب والمحبوب، ففعيل ههنا يحتمل كونه بمعنى الفاعل وبمعنى المفعول، ولو جوِّز استعمال المشترك في معنييه لكان محمولًا على كلا المعنيين وهو الأنسب الأوفق بالحال، ومنه يعلم أن الخلة حاصلة لنبينا ﷺ بل كانت فيه أتم وأكمل وليست مخصوصة بإبراهيم ﷺ ، ولهذا قال الإمام الغزالي: الخلة أكمل من المحبة، وهو ﷺ جامع بين مرتبتي الخلة والمحبة، فافهم وباللَّه التوفيق.
٦٠٢١ - [٣] (عائشة) قوله: (وأخاك) عطف على (أبا بكر)، قال النووي: وأما طلبه لأخيها فالمراد أنه يكتب الكتاب، والمراد بـ (أكتب): آمر بالكتابة.
وقوله: (أنا ولا) أي: أنا أستحق الخلافة ولا يستحقها غيري.
стр. 5779
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي "كِتَابِ الْحميدِي": "أَنَا أولى" بدل "أَنَا وَلَا". [م: ٢٣٨٧].
٦٠٢٢ - [٤] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه! أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ. قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥٩، م: ٢٣٨٦].
٦٠٢٣ - [٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ،
ــ
وقوله: (وفي كتاب الحميدي: أنا أولى)، ونقل الطيبي عن عياض أنه قال: هذه الرواية أجود.
٦٠٢٢ - [٤] (جبير بن مطعم) قوله: (فأتي أبا بكر) قيل: هو نص في استخلاف أبي بكر بعده ﷺ ، وليس بنص في الاستخلاف، وقد اتفق أهل السنة والجماعة أن لا نص في باب الخلافة في أحد من الجانبين، وقد ادعى بعضهم النص على خلافة أبي بكر، وقد ضبط الكلام فيه الشيخ ابن الهمام في كتاب (المسايرة)، ويدعي الشيعة النص على استخلاف علي ﵁.
٦٠٢٣ - [٥] (عمرو بن العاص) قوله: (على جيش ذات السلاسل) السلاسل رمل ينعقد بعضه ببعض، ولما بعث ذلك الجيش إلى تلك الأرض أضيف إليها كذا قال الطيبي (١). وقال صاحب (المواهب) (٢): سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل، وراء ذات القرى، من
стр. 5780
فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَةُ". قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "عُمَرُ". فَعَدَّ رِجَالًا فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٥٨، م: ٢٣٨٤].
٦٠٢٤ - [٦] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ. وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ: عُثْمَانُ. قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: "مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦١٧].
ــ
المدينة على عشرة أيام، بعثه ﷺ إليها، فعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء في ثلاث مئة من سراة المهاجرين والأنصار، فلما قرب منهم [بلغه أن لهم جمعًا كبيرًا، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول اللَّه ﷺ ] يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح، وعقد له لواء، وبعث معه مئتين من سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر، فأمره أن يلحق بعمرو ولا يختلفا، فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس، فقال عمرو: إنما قَدِمتَ عليَّ مددًا وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس، وسار حتى وصل إلى العدو فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد فتفرقوا، كذا في (المواهب اللدنية)، فكان سبب سؤال عمرو (أيّ الناس أحب إليك؟ ) أنه لما أمَّره النبي ﷺ وفيهم أبو بكر وعمر وقع في نفسه أنه مقدم عنده في المنزلة عليهم فأجاب بما قطع طمعه.
٦٠٢٤ - [٦] (محمد بن الحنفية) قوله: (ما أنا إلا رجل من المسلمين) هذا تواضع منه ﵁ وكرم وجهه مع العلم بأنه حين المسألة خير الناس لأنه بعد قتل عثمان،
стр. 5781
٦٠٢٥ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٩٧].
وَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثم عُثْمَانُ ﵃. [د: ٤٦٢٨].
ــ
كذا قال الشيخ ابن حجر (١).
٦٠٢٥ - [٧] (ابن عمر) قوله: (لا نفاضل بينهم) قالوا: أراد الشيوخ وذوي الأسنان الذين إذا حزب النبيَّ ﷺ أمرٌ شاورهم، وعليٌّ ﵁ كان في زمنه ﷺ حديث السن، وإلا فأفضليته من ورائهم لا ينكرها أحد، وأيضًا التفاضل ثابت بين الصحابة بلا شبهة كأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وعلماء الصحابة.
وأخرج أحمد (٢) عن ابن عمر أنه قال: كنا في زمن رسول اللَّه ﷺ نرى خير الناس بعد رسول اللَّه ﷺ أبا بكر ثم عمر، وقال: وأما علي بن أبي طالب فقد أوتي ثلاث خصال لو كان لي واحدةٌ منها كان خيرًا من الدنيا وما فيها، زوجَّه رسول اللَّه ﷺ بنته فكان له منه ولد، وسد أبواب الناس إلا بابه، وأعطاه راية يوم خيبر.
وروى النسائي أنه سئل ابن عمر: ما تقول في عثمان وعلي؟ فحدث بهذا الحديث ثم قال: لا تسألوا عن علي ولا تقيسوا أحدًا عليه، [فإنه] سد أبوابنا كلها إلا بابه.
стр. 5782
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٦٠٢٦ - [٨] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا لأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَيْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِيهِ اللَّه بِهَا يومَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٦١].
٦٠٢٧ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٥٦].
٦٠٢٨ - [١٠] وَعَن ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: "أَنْتَ صَاحِبِي فِي الْغَارِ وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٧٠].
ــ
الفصل الثاني
٦٠٢٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (إلا وقد كافيناه) في أكثر النسخ هكذا: (كافيناه) بالياء من الكفاية، وفي بعضها: (كافأناه) بالهمزة من كأفاه مكأفاة وكِفاءٍ: جازاه، وهذا المعنى أنسب ويرجع الأول أيضًا إليه، وكذا قوله: (يكافيه)، و (ما) في قوله: (وما نفعني مال أحد) نافية، وفي (ما نفعني مال أبي بكر) مصدرية، أي: مثل نفع مال أبي بكر.
٦٠٢٧ - [٩] (عمر) قوله: (أبو بكر سيدنا) باعتبار الفضل والرياسة (وخيرنا) من جهة العمل وفعل الخيرات (وأحبنا إلى رسول اللَّه ﷺ ) وهذا نتيجةُ سيادته وخيريته، بل هو أكمل وجوه السيادة والخيرية.
٦٠٢٨ - [١٠] (عمر) قوله: (أنت صاحبي في الغار وصاحبي في الحوض)
стр. 5783
٦٠٢٩ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٧٣].
٦٠٣٠ - [١٢] وَعَن عُمَرَ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ وَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا. قَالَ: فجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ " فَقُلْتُ: مِثْلَهُ. وَأَتَى أَبُو بَكْر بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ. فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْر؟ مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ ". فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّه وَرَسُولَهُ. قُلْتُ: لَا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٦٧٥، د: ١٦٧٨].
ــ
يعني: صاحبي في الدنيا والآخرة، وكونه صاحبًا في الغار فضيلة تفرد بها أبو بكر لم يشاركه فيه أحد.
٦٠٢٩ - [١١] (عائشة) قوله: (لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره) فيه دليل على فضيلته في الدين على جميع الصحابة، فكان تقديمه في الخلافة أيضًا أولى وأفضل، ولهذا قال سيدنا علي المرتضى ﵁: قدمك رسول اللَّه ﷺ في أمر ديننا فمن الذي يؤخرك في دنيانا؟ .
٦٠٣٠ - [١٢] (عمر) قوله: (ووافق ذلك) أي: أمره بالتصدق (عندي مالًا) أي: حصول مال عندي.
وقوله: (إن سبقته يومًا) (إن) نافية، ويجوز أن تكون شرطية، أي: إن أمكن سبقي إياه يومًا فذاك يكون اليوم لوجود سببه.
وقوله: (وأتى أبو بكر بكل ما عنده) ربما يلوح هذا: أنه وإن كان نصف مالي
стр. 5784
٦٠٣١ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَنْت عتيقُ اللَّه مِنَ النَّارِ". فَيَوْمئِذٍ سُمِّيَ عَتيقًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٧٩].
٦٠٣٢ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ آتِي أَهْلَ الْبَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ مَعِي، ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ حَتَّى أُحْشَرَ بَين الْحَرَمَيْنِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٩٢].
٦٠٣٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي"،
ــ
أكثر من كل ماله ولكن فضله باق إذ أتى بكل ما عنده ولم يبق شيئا لأهله، فقد ورد: (أفضل الصدقة جهد المُقِل)، واللَّه أعلم.
٦٠٣١ - [١٣] (عائشة) قوله: (فيومئذٍ سمي عتيقًا) فعتيق بمعنى المعتق، كحكيم بمعنى المحكم، وقد يقال: سمي عتيقًا لحسنه وجماله ونجابته، والعتق بالكسر: الكرم والجمال والنجابة والحرية.
٦٠٣٢ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (ثم أبو بكر ثم عمر) لكونهما معه في حجرته.
وقوله: (فيحشرون معي) أي: يجمعون، والحشر في الأصل بمعنى الجمع، ومنه: يوم الحشر، ليوم القيامة، والمحشر مكانُه.
وقوله: (حتى أحشر بين الحرمين) أي: لي ولهم اجتماع بين الحرمين، ويحتمل أن يكون معناه. أُجمع بين أهل الحرمين.
٦٠٣٣ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (فأراني باب الجنة) وذلك إما في ليلة المعراج
فَلُدِغَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِجْلِهِ مِنَ الْجُحْرِ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ مَخَافَةَ أَنْ يَنْتَبِهَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَقَطَتْ دُمُوعُهُ عَلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: "مَا لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ " قَالَ: لُدِغْتُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، فَتَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَذَهَبَ مَا يَجِدُهُ، ثُمَّ انْتَقَضَ عَلَيْهِ وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ، وَأَمَّا يَوْمُهُ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ وَقَالُوا: لَا نُؤَدِّي زَكَاةً. فَقَالَ: لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢)، تَأَلَّفِ النَّاسَ وَارْفُقْ بِهِمْ. فَقَالَ لِي: . . . . .
ــ
وقوله: (من الجحر) بتقديم الجيم المضمومة على الحاء.
وقوله: (ثم انتقض عليه) بالقاف والضاد المعجمة من انتقضت الجراحة، أي: نكست بعد أن اندملت، يعني: رجع أثر السم إليه، قال في (أساس اللغة) (٣): انتقضت: نكست، كذا نقله الطيبي (٤)، ولم نجده في (الصحاح) و (القاموس) و (النهاية) و (مجمع البحار)، واللَّه أعلم.
وقوله: (لو منعوني عقالًا) بالكسر: الحبل الذي يشد به الإبل من الصدقات، والمراد قيمتها، وفي (القاموس) (٥): العقال ككتاب: زكاة عامٍ من الإبل والغنم، ومنه قول أبي بكر ﵁: لو منعوني عقالًا، انتهى. وفي رواية: (عناقا) بالفتح وهي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة كما مرّ.
стр. 5787
أَجَبَّارٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَخَوَّارٌ فِي الإِسْلَامِ؟ إِنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ الْوَحْيُ وَتَمَّ الدِّينُ، أَيَنْقُصُ وَأَنا حَيٌّ؟ . رَوَاهُ رَزِينٌ.
* * *
٤ - باب مناقب عمر
ــ
وقوله: (وخوار) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو بمعنى الضعيف بصيغة المبالغة، والخور بالتحريك: الضعف، أنكر عليه ضعفه ووهنه في أمر الدين في هذه القضية مبالغة، وفي هذا كمال الشجاعة والقوة في الدين للصديق الأكبر ﵁.
٤ - باب مناقب عمر ﵁
مناقبه كثيرة، ويكفي في ذلك أن اللَّه تعالى أيد به الدين إجابة لدعوة نبيه ﷺ ، وأعلى من ذلك كله أنه كان يلهم الصواب، ويُلقى في رُوعِهِ الحق، وكان يطابق رأيه الوحي والكتاب، وهو الشيخ المحدَّث المجاب الناطق بالصدق والصواب، ورأيه دليل حقِّيةِ خلافةِ الصديق كما أن قتل عمار بن ياسر دليل حقانية عليٍّ المرتضى رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين.
وأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن. وأخرج ابن عساكر عن علي ﵁ قال: إن في القرآن لرأيًا من رأي عمر. وأخرج عن ابن عمر مرفوعًا: ما قال الناس في شيء قال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر، كذا ذكر السيوطي في (تاريخ الخلفاء) (١).
وذكر أن موافقات عمر قد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين، فمنها اتخاذ مقام
стр. 5788
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إبراهيم مصلًّى، واحتجاب نساء النبي ﷺ .
وقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، وسيجيء ذكره في أول الفصل الثالث، وإشارته بقتل أسارى بدر، وقصته مذكورة في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وفي تحريم الخمر حيث قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية [المؤمنون: ١٢]، قال ﵁: فتبارك اللَّه أحسن الخالقين، فنزلت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] في قصة موت عبد اللَّه بن أبيٍّ وصلاته ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، روي أنهم كانوا قبل نزول هذه الآية إذا صلوا العشاء حرم عليهم الطعام والشراب والجماع، وكان عمر يتمنى أن تحل لهم هذه الأشياء إلى طلوع الفجر، ووقع ليلة على أهله فجاء إلى رسول اللَّه ﷺ يترخص في ذلك، فنزلت، ولما استشار رسول اللَّه ﷺ الصحابة في الخروج إلى بدر أشار عمر بالخروج فنزلت: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية [الأنفال: ٥]، واستشارهم ﷺ في قصة الإفك قال عمر: من زوجكها يا رسول اللَّه؟ قال: اللَّه، قال: أفتظن أن ربك دلَّس عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت كذلك. وجاء أن يهوديًّا لقي عمر فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا، لو نزل ميكائيل لآمنا به، فقال عمر: من كان عدوًا للَّه وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن اللَّه عدو له فنزلت، ولما نزل قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] بكى عمر وقال: يا رسول اللَّه! آمنا باللَّه وبرسوله وصدقنا كلامه وينجو منا قليل؟ فنزل قوله
стр. 5789
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠]، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى عمر وقال: قد أنزل اللَّه تعالى فيما قلت، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية [النساء: ٦٥]، وقصته أنه اختصم رجلان إلى النبي ﷺ فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فأتيا إليه، فقال الرجل: قضى رسول اللَّه ﷺ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر، فقال: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فخرج إليهما مستلًّا عليه سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر، فقتله، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فأهدر دم الرجل وبرئ عمر من قتله، وكذلك آية الاستئذان في الدخول، وذلك أنه دخل عليه غلامه وكان نائمًا، فقال: اللهم حرم الدخول، فنزلت آية الاستئذان، وقوله في اليهود: إنهم قوم بهت، وتلاوة: الشيخ والشيخة إذا زنيا، الآية، وقوله يوم أحد لما قال أبو سفيان: أفي القوم فلان؟ ألا نجيبه؟ فوافقه رسول اللَّه ﷺ فقال: كلهم حاضرون فمن تطلبهم؟ فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال عمر: اللَّه مولانا ولا مولى لكم، فنزل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].
وروي أن كعب الأحبار قال: ويل لملك الأرض من ملك السماء، فقال عمر: إلا ما حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنها في التوراة تابِعَتها، فخرّ عمر ساجدًا.
وقال السيوطي: رأيت في (الكامل) لابن عدي من طريق عبد اللَّه بن نافع وهو ضعيف عن أبيه عن ابن عمر: أن بلالًا كان يقول إذا أذَّن: أشهد أن لا إله إلا اللَّه،
стр. 5790
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٠٣٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فإِنَّهُ عُمَرُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٨٩، م: ٢٣٩٨].
ــ
فقال عمر ﵁: قل في أثرها: أشهد أن محمدا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : قل كما قال عمر، وروي: أنه أكثر رسول اللَّه ﷺ الاستغفار لقوم فقال عمر ﵁: سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اللَّه لهم، فنزلت كذلك.
فهذه عشرون خصلة، ولو اعتبر آيات الخمر متعددة كما في القرآن يزيد عشرين، واللَّه أعلم.
الفصل الأول
٦٠٣٥ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لقد كان فيما قبلكم محدَّثون) في (القاموس) (١): المحدَّث كمعظم: الصادق، وفي (النهاية) (٢): المحدث: الملهم، كأنه حدث بشيء فقاله، وفي (مجمع البحار) (٣): أي: من لقي في نفسه شيئًا فيخبر به حدسًا وفراسة يخص بها اللَّه من يشاء، وقيل: مصيبٌ إذا ظن فكأنه حدِّث به، وقيل: تكلمهم الملائكة، وروي: (مكلمون).
وقوله: (فإن يك في أمتي أحد) لم يرد به التردُّد فإن أمته أفضل الأمم، بل التأكيد نحو: إن كنتُ عملتُ لك فوفني حقي، وكقولك: إن يك لي صديق فإنه فلان، تريد
стр. 5791
٦٠٣٦ - [٢] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ فَبَادَرْنَ الْحِجَابَ، فَدَخَلَ عُمَرُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ فَقَالَ: أَضْحَكَ اللَّه سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّه. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ" قَالَ عُمَرُ: يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ! أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ . . . . .
ــ
اختصاصه بكمال الصداقة.
هذا وقيل: يحتمل أن يكون هو على ظاهره؛ لأن الحكمة في وجودهم في بني إسرائيل احتياجهم إلى ذلك حيث لا يكون بينهم نبي، ويطرأ على كتبهم التبديل، فاحتمل عنده ﷺ أن لا تحتاج هذه الأمة إلى ذلاك لاستغنائها بالقرآن المأمون تبديله، كذا قال السيوطي (١)، والوجه هو الأول، واللَّه أعلم.
٦٠٣٦ - [٢] (سعد بن أبي وقاس) قوله: (وعنده نسوة من قريش) يريد أزواجه ﷺ ، ولعل التعبير عنهن بهذا العنوان لعزتهن وغلبتهن.
وقوله: (ويستكثرنه) أي: يطلبن منه أكثر مما يعطيهن من النفقة وغيرها.
وقوله: (عالية) بالرفع على الوصف، وبالنصب على الحال.
وقوله: (أضحك اللَّه سنك) كناية عن السرور.
وقوله: (أتهبنني) بلفظ المخاطب من هاب يهاب هيبة ومهابة: خافه، والهيبة: المخافة، كذا قال في (القاموس) (٢)، وقيل: الهيبة: الإجلال والتوقير.
стр. 5792
فَقُلْنَ: نَعَمْ أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِيهٍ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٨٣، م: ٢٣٩٦].
وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: زَادَ الْبَرْقَانِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: . . . . .
ــ
وقوله: (أنت أفظ وأغلظ) منه، أراد المبالغة والزيادة في فظاظة عمر وغِلَظِه بالنسبة إلى بعضِ مَن عداه لا بالنسبة إلى رسول اللَّه ﷺ ، فإنه لم يكن فيه فظاظة وغلظة أصلًا؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد يراد باسم التفضيل مطلق الزيادة والمبالغة في الفعل، والفظ: الغليظ الجانب، الخشن الكلام، والغلظة مثلثة، والغلاظة بالكسر [و] كعنب ضد الرقة.
وقوله: (إيه) بكسر الهمزة وهاء، أي: هات، استزاد منه الحديث توقيرًا لجانبه، ولذا عقبه بالمدح، وفي (القاموس) (١): بكسر الهمزة والهاء، وفتحها (٢)، وتنون المكسورة: كلمة استزادة واستنطاق، وفي (المشارق) (٣): (إيهٍ) مكسورة منونة كلمة استزادة من حديث لا يعرفه، وإيهِ غير منونة استزادة من حديث يعرفه، وقال يعقوب: يقال للرجل إذا استزدته من عمل أو حديث: إيهِ، فإن وصلت قلت: إيهٍ حدثنا، فتنوِّن، قال ثابت: (إيهِ) كلمة استزادة واستنطاق وقد تنون، انتهى.
و(الفج) الطريق الواسع في الجبلين كالفجاج بالضم.
و(البرقاني) بكسر الموحدة وفتحها وسكون الراء، وبالقاف والنون، نسبة إلى
стр. 5793
يَا رَسُولَ اللَّه: "مَا أَضْحَكَكَ".
٦٠٣٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه (١) ﷺ : "دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ خَشَفَةً فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا بِلَالٌ، وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جاريةٌ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ". . . . .
ــ
برقان قرية من قرى خوارزم، وفي (المغني) (٢): ذكر من رآها أنها بكسر باء، وكثيرًا ما يقال بالفتح، وبرقانة بالكسر قرية بخوارزم وقرية بجرجان، كذا في (القاموس) (٣)، والنسبة إليه برقاني بالكسر، وكثير ما يقال بالفتح، وقيل: بتثليث الموحدة.
٦٠٣٧ - [٣] (جابر) قوله: (فإذا أنا بالرميصاء) براء مضمومة وفتح ميم وإهمال صاد: اسم أم سليم أم أنس، والرَّمص محركة: وسخ أبيض يجتمع في الموق، رَمِصت عينه، كفرح، والنعت: أرمص ورمصاء. وكأمير، كذا في (القاموس) (٤)، والغمص بالغين المعجمة: ما سال من الرَّمَص، كذا في (القاموس) (٥)، وفي (النهاية) (٦): الرمص: الرطب منه، والغمص: اليابس.
و(الخشف) والخشفة بسكون الشين وفتحها: الصوت، والحركة، والحس الخفي، و (فناء) الدار بالكسر: ما اتسع من أمامها.
стр. 5794
فَقَالَ عُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّه! أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٧٩، م: ٢٣٩٤].
٦٠٣٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ" قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الدِّينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٩١، م: ٢٣٩٠].
ــ
وقوله: (أعليك أغار؟ ) من باب القلب، والأصل: أعليها أغار منك؟ وزاد عبد العزيز: وهل رفعني اللَّه إلا بك، وهل هداني اللَّه إلا بك، كذا ذكر السيوطي (١).
٦٠٣٨ - [٤] (ابن عمر) قوله: (وعليهم قمص) بضمتين: جمع قميص ويؤنث، ولا يكون إلا من القطن، وأما من الصوف فلا، كذا في (القاموس) (٢).
وقوله: (ما يبلغ الثدي) بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء جمع ثدي كحلي، وروي بالإفراد، وفي (القاموس) (٣): الثدي بالفتح ويكسر وكالثرى، خاص بالمرأة أو عام.
وقوله: (ومنها ما دون ذلك) أي: لم يبلغ الثدي لقصره، هكذا فسروه.
وقوله: (الدين) بالنصب، أي: أولته الدين، ويروى بالرفع، أي: المؤوَّل هو الدينُ، ولعل قميص أبي بكر يكون أطول منه لكن المقام ذكر مناقب عمر فلم يذكره ولم
стр. 5795
٦٠٣٩ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ" قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْعِلْمَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٨١، م: ٢٣٩١].
٦٠٤٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ مِنْهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ،
ــ
يكن في المعروضين أبو بكر.
٦٠٣٩ - [٥] (ابن عمر) قوله: (أتيت) بلفظ المجهول، و (الري) بالكسر.
وقوله: (العلم) بالنصب والرفع كما عرفت، قالوا: حقيقة العلم في ذلك العالم اللبن، والمناسبة بينهما ظاهرة من وجوه لا تَخفى.
٦٠٤٠ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (على قليب) القليب بفتح القاف وكسر اللام: بئر قلب ترابها قبل الطي، ويذكَّر ويؤنث، شبه به الدِّين لما فيه من الماء وبه أمر حياتهم الدنياويه، كذلك الدين يحصل به الحياة الأخروية، ونزعُ الماء منها كنايةٌ عن إشاعة أمره وإجراء أحكامه.
وقوله: (فنزع منها ذنوبًا أو ذنوبين) إشارة إلى قصر مدة خلافته، وهو سنتان وثلاثة أشهر، وقيل: هذا شك من الراوي، والصحيح رواية ذنوبين، والذنوب بفتح الذال المعجمة: الدلو العظيم الممتلئ من الماء، كذا نقل من شرح ابن الملك (١)، وقال في (القاموس) (٢): الذنوب: الدلو، أو فيها ماء، أو الملأى، أو دون الملء.
стр. 5796
وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّه يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ. . . . .
ــ
وقوله: (وفي نزعه ضعف) إشارة إلى ما كان في إمارته من الاضطراب وارتداد بعض العرب وإن ظهر منه ﵁ كمال قوة وشدة في دفعهم والمحاربة معهم، أو إلى ما كان له من الرفق ولين الجانب وقلة السياسة كما كان لعمر ﵁.
وفي الحقيقة إطلاق الضعف باعتبار قصر مدة الخلافة وقلة الفتوح، وليس في هذا حط منزلته وإثبات فضيلة عمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدة الانتهاء، وكثرةِ انتفاع الناس في ولاية عمر وكثر الغنائم لطولها.
وقوله: (واللَّه يغفر له) لا يدل على نسبة الذنب والتقصير إليه، بل هو كلمة جارية على ألسنتهم في عرفهم، يقولون: فعل كذا واللَّه غفر له، فافهم.
وقوله: (ثم استحالت) أي: صارت الدلو (غربًا) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء: الدلو العظيمة تتخذ من جلد ثور، وهو بفتح الراء بمعنى الماء السائل بين البئر والحوض، يريد لما أخذ عمر ليسقي عظمت في يده، وانقلبت عن الصغر إلى الكبر، إشارة إلى كثرة حصول الفتوح في زمنه واتساع بلاد الإسلام.
و(العبقري) بفتح العين وسكون الموحدة وفتح القاف: الكامل من كل شيء، والسيد، والذي ليس فوقه شيء، والشديد، والعبقر: موضع كثير الجن، وقرية ثيابها في غاية الحسن، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (مختصر النهاية) (٢): عبقري القوم: سيدهم وكبيرهم وقويهم، ويقال: جارية عبقرة، أي: ناصعة اللون، ويجوز أن تكون واحدة العبقر، وهو النرجس تُشَبَّهُ به العينُ، انتهى.
стр. 5797
حَتَّى ضرب النَّاس بِعَطَن". [خ: ٣٦٦٤، م: ٢٣٩٢].
٦٠٤١ - [٧] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ، فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَهُ. . . . .
ــ
ونقل في (مجمع البحار) (١): أصله فيما قيل: أن عبقر قرية يسكنها الجن، فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا يصعُب عملُه أو يَدِق، أو شيئًا عظيمًا في نفسه، نسبوه إليها فقالوا: عبقري، ثم اتسع حتى سمي به السيد والكبير.
و(العطن) محركة: وطن الإبل ومبركها حول الحوض، ومربض الغنم حول الماء.
٦٠٤١ - [٧] (ابن عمر) قوله: (يفري فريه) أي: يعمل عمله ويقطع قطعه، و (فريه) بفتح الفاء، ويروى بسكون الراء وتخفيف الياء، وبكسر الراء وتشديد الياء، وأنكره الخليل، وأصل الفري: القطع والاختلاق، ومنه الفرية للكذب المختلق، وفي حديث حسان: (لأفرينهم فري الأديم) (٢) أي: أقطعهم بالهجاء كما يقطع الأديم، ويراد به إجادة العمل، وفي (الصحاح) (٣): يقال: فلان يفري الفرِيّ: إذا [كان] يأتي بالعجب في عمله، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] أي: مصنوعًا مختلقًا، في (القاموس) (٤): فراه يفريه: شقّه فاسدًا أو صالحًا، كَفَرَّاه وأفراه، وفي (المشارق) (٥):
стр. 5798
حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وَضَرَبُوا بعَطَنٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠١٩، م: ٢٣٩٣].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٦٠٤٢ - [٨] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٨٢].
٦٠٤٣ - [٩] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ اللَّه وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَان عمر يَقُول بِهِ. [د: ٢٩٦٢].
ــ
(يفري فريه) بكسر الراء وشدة الياء، ويقال بسكون الراء أيضًا، وبالوجهين ضبطناه على شيوخنا أبي الحسين وغيره، وأنكر الخليل التثقيل وغلَّط قائله، ومعناه: يعمل عمله ويقوي قوته، يقال: فلان يفري الفري، أي: يعمل العمل البالغ، ومنه: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] أي: عظيمًا عجبًا، يقال: فريت: إذا قطعت وشققت على جهة الإصلاح، وأفريت: إذا فعلته على جهة الإفساد، ومنه قول حسان: (لأفرينهم فري الأديم) يريد: لأقطِّعن أعراضهم تقطيع الأديم وتشقيقه.
وقوله: (حتى روي الناس) بكسر الواو من سمع، وأما بفتحها من ضرب فهو من الرواية.
الفصل الثاني
٦٠٤٢، ٦٠٤٣ - [٨، ٩] (ابن عمر وأبو ذر) قوله: (إن اللَّه جعل الحق على لسان عمر) أي: أجراه على لسانه، وذلك أمر خَلْقي جِبِلِّي له، وفي رواية أخرى: (وضع الحق على لسان عمر) أي: جعله مستقرًا وموضعًا للحق.
وقوله: (وقلبه) أي: وفي قلبه، قريبًا من: علفته تبنًا وماءً، وباعتبار معنى الاستيلاء والاستقرار محمول على ظاهره.
стр. 5799
٦٠٤٤ - [١٠] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنَّا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ". [٦/ ٣٦٩].
٦٠٤٥ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اللهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ" فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَغَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ظَاهِرًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [فضائل الصحابة لأحمد: ٣١١، ت: ٣٦٨٣].
ــ
٦٠٤٤ - [١٠] (علي) قوله: (ما كنا نبعد) من الإبعاد.
وقوله: (أن السكينة تنطق على لسان غمر) قال التُّوربِشْتِي (١): أي ينطق بما يستحق أن تسكن إليه النفوس، وتطمئن به القلوب، وأنه أمر غيبي ألقي على لسانه، ويحتمل أنه أراد بالسكينة المَلَك الذي يلهمه ذلك القول، انتهى.
قيل: أراد بها السكينة التي ذكرها اللَّه تعالى في كتابه العزيز، ولا يخفى بُعْدُ هذا المعنى لما عرف من تفسير تلك السكينة، وقد ذكرناه فيما سبق في (باب فضائل القرآن وسور منه).
٦٠٤٥ - [١١] (ابن عباس) قوله: (اللهم أعز الإسلام) أي: قوِّه وانصره واجعله غالبًا على الكفر.
وقوله: (فغدا على النبي) وقال: اللات والعزى تعبد على رؤوس الجبال وفي بطون الأودية، ودين اللَّه يعبد سرًّا، واللَّه لا يعبد اللَّه سرًّا بعد يومنا هذا، (فأسلم)، وقصة إسلامه ﵁ قصة عجيبة مشهورة، وقد ذكرناها في ترجمته.
وقوله: (ثم صلى في المسجد ظاهرًا) يدل على أن قبل إسلام عمر [كانوا]
стр. 5800
٦٠٤٦ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَا إِنَّكَ إِنْ قُلْتَ ذَلِكَ فَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَجُلٍ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٨٤].
٦٠٤٧ - [١٣] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ كَانَ بَعْدِي نبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٨٦].
٦٠٤٨ - [١٤] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ (١) جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه! إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّه صَالِحًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى. . . . .
ــ
يصلون في خفية من الناس، نعم كذلك، وكان رسول اللَّه ﷺ مختفيًا في دار أرقم.
٦٠٤٦ - [١٢] (جابر) قوله: (على رجل خير من عمر) وجوه الخيرية مختلفة متعددة، فلا منافاة بين كون كل منهما خيرًا مع كون أبي بكر أفضل من جهة كثرة الثواب، فافهم.
٦٠٤٧ - [١٣] (عقبة بن عامر) قوله: (لو كان بعدي نبي) لو للفَرْض والتقدير ويستعمل في المستحيل.
وقوله: (لكان عمر بن الخطاب) لعله ﷺ قاله ذلك لأجل كون عمر ملهمًا محدَّثًا يلقي المَلَك في رُوعه الحق، وله مناسبة بعالَم الوحي والنبوة، واللَّه أعلم.
٦٠٤٨ - [١٤] (بريدة) قوله: (إن ردك اللَّه صالحًا) أي: سالمًا صحيحًا، و (الدف)
стр. 5801
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلَّا فَلَا"، فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٩٠].
ــ
بضم الدال وقد يفتح، واختلف فيه فأباحها قوم مطلقًا، وكرهه آخرون مطلقًا، وبعضهم أباحوه في العرائس والأعياد ونحوها، وهو المذهب الصحيح المختار، وقد يفصل بين ما فيه الجلاجل وما ليس فيه، ويقال: الأول مكروه بالاتفاق.
وقوله: (إن كنت نذرت فاضربي) أمرها ﷺ بوفاء نذرها؛ لأن الوفاء به واجب، وقد تقرر أن النذر لا يكون إلا ما هو من جنس الطاعة والقربة، وذلك مذهب الأئمة، وعندنا يكفي كونه مباحًا، والنذر عندنا إيجاب المباح، وأما بالمعصية فلا يجوز بالاتفاق، فدل الحديث على إباحة ضرب الدف بل على كونه مستحبًّا وهو هنا كذلك؛ لأن السرور بمقدمه ﷺ وسلامته قربة، ودل أيضًا أن سماع أصوات النساء بالغناء مباح إذا خلا عن فتنة، كذا قالوا.
لكن الإشكال في الحديث من جهة أنه كيف قررها رسول اللَّه ﷺ على فعلها أولًا، بل أمرها بذلك، وكذلك عند دخول أبي بكر وعلي وعثمان، وسماها آخرًا شيطانًا؟
стр. 5802
٦٠٤٩ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فَسَمِعْنَا لَغَطًا وَصَوْتَ صِبْيَانٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا حَبَشِتَّةٌ تَزْفِنُ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهَا، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ تَعَالَيْ فَانْظُرِي"، فجِئْتُ فَوَضَعْتُ لَحْيَيَّ عَلَى مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ إِلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ لِي: "أَمَا شَبِعْتِ؟ أَمَا شَبِعْتِ؟ " فَجَعَلْتُ أَقُولُ: لَا،
ــ
وقالوا في الجواب عن ذلك: إنها لما عدَّت انصراف رسول اللَّه ﷺ سالمًا نعمةً من اللَّه موجبًا للسرور وهو كذلك في نفس الأمر، أمرها بوفاء نذرها، وخرج من صفة اللهو إلى صفة الحق ومن الكراهة إلى الاستحباب، ولكن ذلك كان يحصل بأدنى الضرب، فلما ازداد عاد إلى حد المكروه وصادف ذلك مجيء عمر، فقال ما قال إشارةً إلى منع الزيادة منه والإكثار، وفعله من غير ضرورة، ولم يمنعها صريحًا لئلا يرجع إلى حد التحريم، وأما ترك الجاريتين اللتين كانتا تدفان أيام منى وعدم تحديدهما إلى نهاية، وهو ظاهر في الاستمرار، فلكونها إيام عيد، فالحالات متفاوتة بعضها يقتضي الاستمرار وبعضها لا يقتضيه، ذكر ذلك التُّوربِشْتِي ونقل عنه الطيبي (١)، فتدبر.
٦٠٤٩ - [١٥] (عائشة) قوله: (فسمعنا لغطا) هو الصوت الذي لا يفهم، و (تزفن) بالزاي، أي: ترقص من ضرب، و (لحيي) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة وتشديد الياء تثنية لَحْي، أضيف إلى ياء المتكلم، وهي منبت اللحية -بالكسر- من الخدين والذقن.
وقوله: (ما بين المنكب) بتقديرِ في ظرف لـ (أنظر) أو حال كون لحييَّ فيما بين
стр. 5803
لأَنْظُرَ مَنْزِلَتِي عِنْدَهُ، إِذْ طَلَعَ عُمَرُ فَارْفَضَّ النَّاسُ عَنْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالْجنِّ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ"، قَالَتْ: فَرَجَعْتُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٩١].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦٠٥٠ - [١٦] عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه! لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه! يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ يَحْتَجِبْنَ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ،
ــ
منكبه ورأسه.
وقوله: (لأنظر منزلتي) أي: مرتبتي عنده في محبته إياي وطلبه رضاي.
وقوله: (فارفض) بوصل الهمزة وتشديد الضاد المعجمة كاحمرّ، أي: تركوها وتفرقوا عنها من هيبة عمر.
وقوله: (إني لأنظر إلى الشياطين) كأنه قال باعتبار كونه في صورة اللهو واللعب، ولابد أن يكون فيه شيء ولكنه ليس بحرام، وإلا كيف رآه النبي ﷺ وأراه عائشة، وتوجيه هذا الحديث أيضًا مثل السابق.
الفصل الثالث
٦٠٥٠، ٦٠٥١ - [١٦، ١٧] (أنس، وابن عمر) قوله: (وافقت ربي في ثلاث) إن كان صدور هذا القول منه ﵁ في زمن النبي ﷺ وقت وجود هذه الموافقات الثلاث فقط فلا إشكال، وإن كان بعده ﷺ وبعد زمان حدوث أخواتها فالجواب أن تخصيص الثلاث لا يمنع الزيادة، ولعله وقع تقريب ذكرها في الوقت فقال: . . . واللَّه أعلم.
стр. 5804
وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَيْرَةِ فَقُلْتُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، فَنزلت كَذَلِك.
٦٠٥١ - [١٧] وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٢، م: ٢٣٩٩].
٦٠٥٢ - [١٨] وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ: فَضَلَ النَّاسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِأَرْبَعٍ: بِذِكْرِ الأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ، أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وبذكره الْحِجَابَ، أَمَرَ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَحْتجِبْنَ، فَقَالَتْ لَهُ زَيْنَبُ: وَإِنَّكَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وَبِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ : "اللهُمَّ أَيِّدِ الإِسْلَامَ بِعُمَرَ"، وَبِرَأْيِهِ فِي أَبِي بَكْرٍ كَانَ أَوَّلَ نَاسٍ بَايَعَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٤٥٦].
ــ
وقوله: (وفي الغيرة) وذلك في قصة شرب العسل، والروايات فيه متعددة مذكورة في كتب السير.
٦٠٥٢ - [١٨] (ابن مسعود) قوله: (فضل الناس) بنصب الناس.
وقوله: (أمر بقتلهم) بعد ما أشار أبو بكر بأخذ الفدية عنهم، ورضي رسول اللَّه ﷺ برأي أبي بكر ﵁، والمراد بـ (كتاب اللَّه) حكمه السابق بأن لا يعاقب المجتهد بخطئه أو بأن لا يعذب أهل بدر، وتمام هذه القضية مذكورة في التفسير في (سورة الأنفال).
وقوله: (وإنك علينا) أي: تحكم علينا، قالته بطريق الاستفهام الإنكاري.
وقوله: (برأيه) أي: برأي عمر في أبي بكر وبيعته بعد ما اختلف المهاجرون
стр. 5805
٦٠٥٣ - [١٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَاكَ الرَّجُلُ أَرْفَعُ أُمُّتي دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَاللَّه مَا كُنَّا نُرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٠٧٧].
٦٠٥٤ - [٢٠] وَعَنْ أَسْلَمَ قَالَ: سَأَلَنِي ابْنُ عُمَرَ بَعْضَ شَأْنِهِ -يَعْنِي عُمَرَ- فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حِينِ قُبِضَ كَانَ أَجَدَّ وَأَجْوَدَ. . . . . .
ــ
والأنصار.
٦٠٥٣ - [١٩] (أبو سعيد) قوله: (ذاك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة) قالوا: (ذاك) إشارة إلى مبهم، والمقصود منه أن يجتهد كل واحد أن ينال تلك المرتبة، وإنما تنال بالمواظبة وغاية الجد على الطاعات والعبادات، والاتصاف بالأخلاق والكمالات، أو كان قد جرى ذكر من يتصف بهذه الصفات فأشار إليه أن من يتصف بها أرفع درجة، وعلى التقديرين ظنوا أن ذلك الرجل هو عمر بن الخطاب لما شاهدوا فيه من الخيرات والمبرات، مبالغة في شأنه ورفعة مكانه، ولكن لا يلزم منه أن يكون هو أفضل قطعًا من غيره فيها، فلا يلزم كونه أفضل من أبي بكر، هكذا قرروه، فافهم.
وقوله: (حتى مضى لسبيله) كناية عن الموت، والمراد بيان استمراره على تلك الحالة مدة عمره.
٦٠٥٤ - [٢٠] (أسلم) قوله: (من حين قبض) يدل على أن المراد بقوله بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ ، وإن احتمل أن يراد بعده في الخصال المرضية.
وقوله: (أجد) من الجد وهو الاجتهاد، و (أجود) من الجودة، أي: في أعمال الخير.
стр. 5806
حَتَّى انْتَهَى مِنْ عُمَرَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٨٧].
٦٠٥٥ - [٢٠] وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمةَ قَالَ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ جَعَلَ يَأْلَمُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَأَنَّهُ يُجَزِّعُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا كُلُّ ذَلِكَ، لَقَدْ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقَكَ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقَكَ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ الْمُسْلِمِينَ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ. قَالَ: أَمَّا مَا ذَكرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرضَاهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مَنٌّ مِنَ اللَّه مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَرِضَاهُ فَإِنَّمَا ذَلِك مَنٌّ مِنَ اللَّه مَنَّ بِهِ عَلَيَّ. وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي فَهُوَ مِنْ أَجْلِكَ وَمِنْ أَجْلِ أَصْحَابِكَ،
ــ
وقوله: (حتى انتهى) أي: إلى آخر عمره، قالوا: هذا محمول على وقت مخصوص وهو مدة خلافته ليخرج أبو بكر من ذلك.
٦٠٥٥ - [٢١] (مسور بن مخرمة) قوله: (وعن المسور) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو (ابن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء، (يجزعه) بتشديد الزاي، أي: ينسبه إلى الجزع ويلومه عليه، أو يزيل عنه الجزع ويسلبه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] أي: أزيل عنهم الفزع.
وقوله: (ولا كل ذلك) أي: لا تبالغ فيما أنت فيه من الجزع.
وقوله: (منّ من اللَّه) أي: عطاء منه.
وقوله: (فهو منه أجلك ومن أجل أصحابك) كأنه ﵁ غلب عليه الحزن لما استشعر من فتن تقع بعده في أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، ثم أظهر غاية الخوف من غنى اللَّه
стр. 5807
وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ قَبْلَ أَن أرَاهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٩٢].
* * *
٥ - باب مناقب أبي بكر وعمر ﵄
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٠٥٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنمَا رَجَلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ أَعْيَا فَرَكِبَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِحَرَاثَةِ الأَرْضِ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ! "،
ــ
تعالى بقوله: (لو أن لي طلاع الأرض) بكسر الطاء المهملة، أي: ملأها، وكان ﵁ شديد الخوف والخشية من اللَّه سبحانه.
وقوله: (من عذاب اللَّه) قيل: أي: من العذاب الذي يحتمل وقوعه عند ظهور الفتن.
٥ - باب مناقب أبي بكر وعمر ﵄
قد وقع في الأحاديث فضل أبي بكر وعمر جميعًا، فعقد بابًا آخر لبيانه، وقد كانا ﵄ مذكورين معًا في كثير من الأحوال، يقولون: أبو بكر وعمر، لكونهما وزيري رسول اللَّه ﷺ وقريبيه ومستشاريه في الأمور، وصاحبيه في جميع الأوقات والأحوال.
الفصل الأول
٦٠٥٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إنا لم نخلق لهذا) فيه دلالة على أن ركوب
стр. 5808
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنِّي أُوْمِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ"، وَمَا هُمَا ثَمَّ، وَقَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمٍ لَهُ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ مِنْهَا فَأَخَذَهَا، فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَاسْتَنْقَذَهَا، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ. . . . .
ــ
البقر والحمل عليها غير مرضي، وقال الشيخ (١): استدل به على أن الدواب لا تستعمل إلا فيما جرت العادة باستعمالها فيه، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الأفضل والأولى من غير أن تكون حقيقةُ الحصر مرادًا، فإن من جملة ما خلقت له أن تذبح وتؤكل بالاتفاق.
وقوله: (فإني أومن به) أي: بتكلم البقرة بأنه حق ليس من جملة الوهم والخيال أو من إلقاء الشيطان، أو بما تكلَّمُ به من أنها لم تخلق إلا للحراثة.
وقوله: (وأبو بكر وعمر) عطف على المستكن في (أومن)، وقد اجتمع ههنا الفصل والتأكيد معًا، وتخصيص أبي بكر وعمر بالذكر للإشارة إلى قوة إيمانهما وكماله، فإن قلت: كيف أخبر ﷺ بإيمان أبي بكر وعمر به مع أنهما لم يعلما به ولم يصدر عنهما الإيمان به؟ قلنا: المراد أنه من شأنه أنهما إن اطلعا عليه آمنا وصدقا به ولا يترددان، وأما ما قيل: إنه محمول على أنه أخبرهما به فصدقاه فينافيه سوق الكلام، كما لا يخفى.
وقوله: (وما هما ثم) مبالغة في مدحهما وقدرهما عند رسول اللَّه ﷺ ، لأنهما لو كانا حاضرين ثم لأمكن أن يقال: تخصيص ذكرهما اتفاقي تقريبًا لحضورهما، ولما مدحهما بذلك غائبين كان أدخل في المقصود، فافهم.
وقوله: (فمن لها يوم السبع) روي بسكون الباء وضمها، وتعددت في
стр. 5809
يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّه ذِئْبٌ يتَكَلَّمُ! "، فَقَالَ: "أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ"، وَمَا هُمَا ثمَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٧١، م: ٢٣٨٨].
ــ
معناه أقاويل.
أما بالسكون، فقيل: هو الموضع الذي يكون إليه المحشر، والمعنى: من لها يوم القيامة.
ويعكر على هذا قول الذئب: (يوم لا راعي لها غيري)، والذئب لا يكون راعيًا يوم القيامة. وقيل: السبع: الفزع، والظاهر أن المراد الفزع المشار إليه بقوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧]، وقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، فيؤول بالمعنى الأول، وَيرِدُ عليه ما يرد على الأول. وقيل: المراد به يوم الفتن حتى يهمل بلا راع نهبة للذئاب والسباع، والسبع: الإهمال، قال الأصمعي: المُسْبعُ المهمل، وأسبع الرجل غلامه إذا تركه يفعل ما يشاء، فجعل الذئب لها راعيًا إذ هو متفرد بها، وهو إخبار بما يكون من شدائد وفتن تهمل فيها المواشي فيتمكن منها الذئاب.
وقيل: يوم السبع بالسكون عيد كان لهم في الجاهلية يجتمعون فيه للموسم يلهيهم عن كل شيء، ويهملون مواشيهم فتأكلها السبع، كذا في (المشارق) (١).
وأما بالضم على ما أملاه الحافظ أبو عامر العبدري وكان من العلم والإتقان بمكان، فالمراد هو الحيوان المفترس، ويحتمل بعض المعاني المذكورة في رواية السكون،
стр. 5810
٦٠٥٧ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنِّي لَوَاقِفٌ فِي قَوْمٍ فَدَعَوُا اللَّهَ لِعُمَرَ وَقَدْ وُضعَ عَلَى سَرِيرِهِ، إِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلَفِي قَدْ وَضَعَ مِرْفَقُهُ عَلَى مَنْكِبِي يَقُولُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ؛ لِأَنِّي كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَفَعَلْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَانْطَلَقْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ". فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٧٧، م: ٢٣٨٩].
ــ
وقيل: يوم العيد أيضًا بالضم.
هذا وقال في (المشارق) (١): قال بعضهم: إنما هو يوم السيع بالياء باثنتين، أي: يوم الضياع، يقال: أسيعت وأضعت بمعنى.
٦٠٥٧ - [٢] (ابن عباس) قوله: (وقد وضع) أي: عمر ﵁ (على سريره) أي: للغسل بعد موته، والخطاب في (يرحمك اللَّه) لعمر، والمراد بـ (صاحبيك) النبي ﷺ وأبو بكر، وجعله معهما في عالم القدس أو في المدفن.
وقوله: (لأني كثيرًا ما) بزيادة (ما) الإبهامية، وقد جاء في بعض الروايات بدونها.
وقوله: (كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر) دليل على جواز العطف على الضمير المتصل بلا فصل وتأكيد، وقد وقع مثل هذا في غير هذا الموضع أيضًا، وحكم النحويون بخلافه، وهذا حجة عليهم إلا أن يقيد بالأكثر.
стр. 5811
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٦٠٥٨ - [٣] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ عِلِّيِّينَ كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ،
ــ
الفصل الثاني
٦٠٥٨ - [٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ليتراءون) أي: ينظرون ويرون، ومنه قول ابن عمر ﵄: (كنا نترآى اللَّه في ذلك المقام) يريد المطاف. و (عليين) جمع عِلِّيٍّ بكسر العين واللام وتشديد الياء أصله عِلِّيوٌ فأعِلَّ إعلال الواو والياء أولاهما ساكنة، قال في (القاموس) (١): هو مقام في السماء السابعة تصعد إليه أرواح المؤمنين، وفي (مجمع البحار) (٢): هو اسم للسماء السابعة، وقيل: اسم لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين من العباد، وقيل: أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من اللَّه في الآخرة، ويعرب بالحروف والحركات كنحو قنّسرين على أنه جمع أو واحد، انتهى.
وفي (الدر المنثور) (٣): عليون [فوق السماء السابعة عند] قائمة العرش اليمنى، وقد سبق ذكره في حديث: (صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين) (٤).
و(الكوكب الدري) بضم دال وشدة راء وتحتية بلا همز وبه: الشديد الإنارة كأنه نسب إلى الدر تشبيهًا به لصفائه، [وقال] الفرَّاء: هو عند العرب: العظيم المقدار، وقيل:
стр. 5812
وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ"، وَرَوَى نَحْوَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٩٨٧، ت: ٣٦٥٨، جه: ٩٦].
٦٠٥٩ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٦٤].
٦٠٦٠ - [٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ. [جه: ٩٥].
ــ
هو أحد الكواكب الخمسة السيارة.
وقوله: (وإن أبا بكر وعمر منهم) كذا في نسخ الأصول، وفي بعض نسخ (المصابيح): (لمنهم) باللام.
وقوله: (وأنعما) أي: زادا وفضلا، من أحسنت إلي وأنعمت، أي: زدت على الإنعام، أو صارا إلى النعيم، كذا في (النهاية) (١)، وقيل: معناه: زادا وفضلا عن كونهما أهل عليين، وقيل: معناه: تناهيا فيه إلى غايته.
٦٠٥٩، ٦٠٦٠ - [٤، ٥] (أنس، وعلي) قوله: (سيدا كهول) بضم الكاف: جمع كهل.
في (القاموس) (٢): الكهل: من وَخَطَهُ الشيبُ، أو من جاوز الثلاثين أو أربعًا وثلاثين إلى إحدى وخمسين. وفي (مجمع البحار) (٣): الكهل: من انتهى شبابه،
стр. 5813
٦٠٦١ - [٦] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَا أَدْرِي مَا بَقَائِي فِيكُمْ؟ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٦٣].
٦٠٦٢ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَمْ يَرْفَعْ أَحَدٌ رَأْسَهُ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ إِلَيْهِمَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٦٨].
٦٠٦٣ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ،
ــ
واكتهل النبت: تم طوله، وهو من الرجال من زاد على ثلاثين سنة إلى أربعين، وقيل: من ثلاث وثلاثين إلى الخمسين، وأكتهل وكاهل: إذا بلغ الكهولة، ووصفُهما بالكهولة باعتبار ما كانوا في الدنيا وإلا فلا كهل في الجنة، فالمعنى: سيدا من مات كهلًا من المسلمين، وإذا كانا سيدي الكهول فأولى أن يكونا سيدي الشباب، كذا قالوا، وقيل: أراد به ههنا الحليم العاقل، أي: يُدخلهما اللَّه الجنة حلماء وعقلاء.
٦٠٦١ - [٦] (حذيفة) قوله: (ما بقائي) أي: لا أدري كم مدة (بقائي فيكم؟ ).
٦٠٦٢ - [٧] (أنس) قوله: (كانا يتبسّمان إليه ويتبسم إليهما) وذلك من عادة المحبة وخاصيتها إذا نظر أحدهما إلى الآخر يحصل منهما التبسم بلا اختيار، ولا يدرى سببه، وسبب الضحك التعجب على ما قال أهل الحكمة.
٦٠٦٣ - [٨] (ابن عمر) قوله: (خرج) أي: من حجرته.
стр. 5814
وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، وَهُوَ آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا. فَقَالَ: "هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٦٩].
٦٠٦٤ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: "هَذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا. [ت: ٣٦٧١].
٦٠٦٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَلَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٨٠].
ــ
٦٠٦٤ - [٩] (عبد اللَّه بن حنطب) قوله: (عبد اللَّه بن حنطب) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الطاء المهملة، تابعي كبير.
وقوله: (هذان السمع والبصر) قيل: معناه أنهما في المسلمين كالسمع والبصر في الجسد بالنسبة إلى سائر الأعضاء في الشرف والنفاسة، ويقرب منه ما قيل: إن منزلتهما في الدين منزلة السمع والبصر في الجسد، أو هما مني كالسمع والبصر أسمع وأبصر بهما، ويرجع إلى معنى الوزارة والوكالة، أو المراد شدة حرصهما على استماع الحق واتباعه ومشاهدة الآيات في الأنفس والآفاق.
٦٠٦٥ - [١٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إلا وله وزيران) الوزير من الوِزْر بالكسر بمعنى الثقل لأنه يحتمل عن الملك ويعينه برأيه، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا حزبه
стр. 5815
٦٠٦٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ فَرَجَحْتَ أَنْتَ، وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ، وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ، فَاسْتَاءَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَعْنِي فَسَاءَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: "خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٢٨٧، د: ٤٦٣٤].
ــ
أمر شاورهما كالوزير بالنسبة إلى السلطان.
٦٠٦٦ - [١١] (أبو بكرة) قوله: (فاستاء لها) صحِّح هذا اللفظ بوجهين: أحدهما: أن استاء على وزن افتعل من السوء مطاوع ساء، يقال: ساءه فاستاء، و (لها) جار ومجرور والضمير للرؤية، أي: اغتم رسول اللَّه ﷺ لهذه الرؤية، وثانيهما: (فاستاءلها) على وزن استفعل من الأَوْل، أي: طلب تأويلها بالتأمل والنظر. (فقال: خلافة نبوة) أي: انقضت بأبي بكر وعمر بحيث يكون سالمًا عن شوب ملك كما يكون بعدهما، وأما بعد خلافة الأربعة يكون ملكًا عضوضًا، وإنما فهم هذا لأن الموازنة إنما تراعى في أشياء متقاربة، فإذا تباعدت لم يوجد للموازنة معنى، فلهذا رفع الميزان، ودلت هذه الرؤيا على انحطاط أمر الخلافة بعدهما، يعني دلت الرؤيا على أن خلافة الحق بحيث لم يشب فيها من طلب الملك شيء ينتهي بانقضاء خلافة عمر، وكون المرجوحية انتهت إلى عثمان دل على حصول المنازعة فيها، وإنها في زمن علي ﵁ مشوبة بالملك لكنها ليس بعضوض، وبعده يكون ملكًا عضوضًا، هكذا فسروا الحديث، واللَّه أعلم.