← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٦٠٥٨ - [٣] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ عِلِّيِّينَ كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، ــ الفصل الثاني ٦٠٥٨ - [٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ليتراءون) أي: ينظرون ويرون، ومنه قول ابن عمر ﵄: (كنا نترآى اللَّه في ذلك المقام) يريد المطاف. و (عليين) جمع عِلِّيٍّ بكسر العين واللام وتشديد الياء أصله عِلِّيوٌ فأعِلَّ إعلال الواو والياء أولاهما ساكنة، قال في (القاموس) (١): هو مقام في السماء السابعة تصعد إليه أرواح المؤمنين، وفي (مجمع البحار) (٢): هو اسم للسماء السابعة، وقيل: اسم لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين من العباد، وقيل: أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من اللَّه في الآخرة، ويعرب بالحروف والحركات كنحو قنّسرين على أنه جمع أو واحد، انتهى. وفي (الدر المنثور) (٣): عليون [فوق السماء السابعة عند] قائمة العرش اليمنى، وقد سبق ذكره في حديث: (صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين) (٤). و(الكوكب الدري) بضم دال وشدة راء وتحتية بلا همز وبه: الشديد الإنارة كأنه نسب إلى الدر تشبيهًا به لصفائه، [وقال] الفرَّاء: هو عند العرب: العظيم المقدار، وقيل:

стр. 5812

وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ"، وَرَوَى نَحْوَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٩٨٧، ت: ٣٦٥٨، جه: ٩٦]. ٦٠٥٩ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٦٤]. ٦٠٦٠ - [٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ. [جه: ٩٥]. ــ هو أحد الكواكب الخمسة السيارة. وقوله: (وإن أبا بكر وعمر منهم) كذا في نسخ الأصول، وفي بعض نسخ (المصابيح): (لمنهم) باللام. وقوله: (وأنعما) أي: زادا وفضلا، من أحسنت إلي وأنعمت، أي: زدت على الإنعام، أو صارا إلى النعيم، كذا في (النهاية) (١)، وقيل: معناه: زادا وفضلا عن كونهما أهل عليين، وقيل: معناه: تناهيا فيه إلى غايته. ٦٠٥٩، ٦٠٦٠ - [٤، ٥] (أنس، وعلي) قوله: (سيدا كهول) بضم الكاف: جمع كهل. في (القاموس) (٢): الكهل: من وَخَطَهُ الشيبُ، أو من جاوز الثلاثين أو أربعًا وثلاثين إلى إحدى وخمسين. وفي (مجمع البحار) (٣): الكهل: من انتهى شبابه،

стр. 5813

٦٠٦١ - [٦] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَا أَدْرِي مَا بَقَائِي فِيكُمْ؟ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٦٣]. ٦٠٦٢ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَمْ يَرْفَعْ أَحَدٌ رَأْسَهُ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ إِلَيْهِمَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٦٨]. ٦٠٦٣ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، ــ واكتهل النبت: تم طوله، وهو من الرجال من زاد على ثلاثين سنة إلى أربعين، وقيل: من ثلاث وثلاثين إلى الخمسين، وأكتهل وكاهل: إذا بلغ الكهولة، ووصفُهما بالكهولة باعتبار ما كانوا في الدنيا وإلا فلا كهل في الجنة، فالمعنى: سيدا من مات كهلًا من المسلمين، وإذا كانا سيدي الكهول فأولى أن يكونا سيدي الشباب، كذا قالوا، وقيل: أراد به ههنا الحليم العاقل، أي: يُدخلهما اللَّه الجنة حلماء وعقلاء. ٦٠٦١ - [٦] (حذيفة) قوله: (ما بقائي) أي: لا أدري كم مدة (بقائي فيكم؟ ). ٦٠٦٢ - [٧] (أنس) قوله: (كانا يتبسّمان إليه ويتبسم إليهما) وذلك من عادة المحبة وخاصيتها إذا نظر أحدهما إلى الآخر يحصل منهما التبسم بلا اختيار، ولا يدرى سببه، وسبب الضحك التعجب على ما قال أهل الحكمة. ٦٠٦٣ - [٨] (ابن عمر) قوله: (خرج) أي: من حجرته.

стр. 5814

وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، وَهُوَ آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا. فَقَالَ: "هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٦٩]. ٦٠٦٤ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: "هَذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا. [ت: ٣٦٧١]. ٦٠٦٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَلَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٨٠]. ــ ٦٠٦٤ - [٩] (عبد اللَّه بن حنطب) قوله: (عبد اللَّه بن حنطب) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الطاء المهملة، تابعي كبير. وقوله: (هذان السمع والبصر) قيل: معناه أنهما في المسلمين كالسمع والبصر في الجسد بالنسبة إلى سائر الأعضاء في الشرف والنفاسة، ويقرب منه ما قيل: إن منزلتهما في الدين منزلة السمع والبصر في الجسد، أو هما مني كالسمع والبصر أسمع وأبصر بهما، ويرجع إلى معنى الوزارة والوكالة، أو المراد شدة حرصهما على استماع الحق واتباعه ومشاهدة الآيات في الأنفس والآفاق. ٦٠٦٥ - [١٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إلا وله وزيران) الوزير من الوِزْر بالكسر بمعنى الثقل لأنه يحتمل عن الملك ويعينه برأيه، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا حزبه

стр. 5815

٦٠٦٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ فَرَجَحْتَ أَنْتَ، وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ، وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ، فَاسْتَاءَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَعْنِي فَسَاءَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: "خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٢٨٧، د: ٤٦٣٤]. ــ أمر شاورهما كالوزير بالنسبة إلى السلطان. ٦٠٦٦ - [١١] (أبو بكرة) قوله: (فاستاء لها) صحِّح هذا اللفظ بوجهين: أحدهما: أن استاء على وزن افتعل من السوء مطاوع ساء، يقال: ساءه فاستاء، و (لها) جار ومجرور والضمير للرؤية، أي: اغتم رسول اللَّه ﷺ لهذه الرؤية، وثانيهما: (فاستاءلها) على وزن استفعل من الأَوْل، أي: طلب تأويلها بالتأمل والنظر. (فقال: خلافة نبوة) أي: انقضت بأبي بكر وعمر بحيث يكون سالمًا عن شوب ملك كما يكون بعدهما، وأما بعد خلافة الأربعة يكون ملكًا عضوضًا، وإنما فهم هذا لأن الموازنة إنما تراعى في أشياء متقاربة، فإذا تباعدت لم يوجد للموازنة معنى، فلهذا رفع الميزان، ودلت هذه الرؤيا على انحطاط أمر الخلافة بعدهما، يعني دلت الرؤيا على أن خلافة الحق بحيث لم يشب فيها من طلب الملك شيء ينتهي بانقضاء خلافة عمر، وكون المرجوحية انتهت إلى عثمان دل على حصول المنازعة فيها، وإنها في زمن علي ﵁ مشوبة بالملك لكنها ليس بعضوض، وبعده يكون ملكًا عضوضًا، هكذا فسروا الحديث، واللَّه أعلم.

стр. 5816

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٦٠٦٧ - [١٢] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَاطَّلَعَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: "يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَاطَّلَعَ عُمَرُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٩٤]. ٦٠٦٨ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: بَيْنَا رَأْسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجْرِي فِي لَيْلَةٍ ضَاحِيَةٍ إِذْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ عَدَدُ. . . . . ــ الفصل الثالث ٦٠٦٧ - [١٢] (ابن مسعود) قوله: (يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فاطلع أبو بكر. . . إلخ)، قد وقعت البشارة لهما ولغيرهما من الصحابة، ولما وقعت في هذا الحديث لهما جمعًا ذكره في هذا الباب. فإن قلت: فلمَّا وقعت البشارة بالجنة لغيرهما اشترك الكل في هذه الفضيلة؟ قلت: المقصد في الباب ذكر الفضيلة لا الأفضلية. ٦٠٦٨ - [١٣] (عائشة) قوله: (ليلة ضاحية) أي: مُضْحية كضحياء وإضْحِية بكسر الهمزة والحاء، والمقصد بيان الواقع من وقت السؤال لا كون النجوم في تلك الليلة كثيرة، فلا يتجه أن يقال: إن النجوم تكون في الليلة المضحية قليلة فلا تحصل المبالغة، فالمراد نجوم السماء مطلقًا، فافهم. وقوله: (عدد) صحح في النسخ بالرفع، والظاهر أن يكون بالنصب، و (يكون)

стр. 5817

نُجُومِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، عُمَرُ". قُلْتُ: فَأَيْنَ حَسَنَاتُ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: "إِنَّمَا جَمِيعُ حَسَنَاتِ عُمَرَ كَحَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ أَبِي بَكْرٍ". رَوَاهُ رَزِينٌ. * * * ٦ - باب مناقب عثمان ﵁ ــ تامة، فافهم. وقوله: (كحسنة واحدة من حسنات أبي بكر) أي: في الكم والكيف، ولو فرض أن حسنات عمر أكثر من حسنات أبي بكر فمع ذلك يكون أبو بكر أفضل لقوة حسناته وعظمها، ويستأنس لهذا المعنى بما يروى من الحديث: (ما فَضَلكم أبو بكر بفضل صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه)، ذكره الغزالي (١)، وقال العراقي (٢): لم أجده مرفوعًا، وهو عند الحكيم الترمذي في (النوادر) من قول بكر بن عبد اللَّه المزني، كذا في (تمييز الطيب من الخبيث) لابن ديبع شيخ شيوخنا في الحديث من أكابر علماء اليمن رحمة اللَّه عليه. ٦ - باب مناقب عثمان ﵁ لم يكثر في الأحاديث ذكر مناقبه ﵁ كثرة مناقب الخلفاء الثلاثة وفيما ذكر كفاية لمن اعتبر واذكر.

стр. 5818

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٦٠٦٩ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ -أَوْ سَاقَيْهِ- فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَوَّى ثِيَابَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ فَقَالَ: "أَلَا أَسْتَحَيِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ " وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: "إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، ــ الفصل الأول ٦٠٦٩ - [١] (عائشة) قوله: (على فخذيه أو على ساقيه) شك من الراوي فلا يتم الاستدلال فيه لمن ذهب إلى أن الفخذ ليست بعورة، وقيل: بل يتم لأن شك الراوي يدل على المساواة، والحق أن المحتمل لا يصلح حجة، هذا وقد يؤول كشف الفخذ بكشفه عما عليه من القميص لا المئزر، ويقال: وهو الظاهر من حاله ﷺ . وقوله: (فلم تهتش) الهشاشة: البشاشة، والاهتشاش: إظهار البشاشة والفرح، وفي (القاموس) (١): الهشاش والهشاشة: الارتياح، والخفة، والنشاط، والهشيش: من يفرح إذا سئل، ويقال: أنا به هش بش، والمراد باستحياء النبي ﷺ من عثمان توقيره وتعظيمه.

стр. 5819

وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٠١]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٦٠٧٠ - [٢] عَن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ، وَرَفِيقِي -يَعْنِي فِي الْجنَّةِ- عُثْمَانُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٩٨]. ٦٠٧١ - [٣] وَرَواه ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. [جه: ١٠٩]. ٦٠٧٢ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَحُثُّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ، ــ وقوله: (وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يبلغ إلي في حاجته) أي: إن أذنت له على تلك الحالة أخاف أن يرجع حياءً عندما يراني على تلك الهيئة ولا يَعرض علي حاجته ولم أقضها. الفصل الثاني ٦٠٧٠، ٦٠٧١ - [٢, ٣] (طلحة بن عبيد اللَّه، وأبو هريرة) قوله: (رفيقي) أكثر ما يطلق الرفيق على المصاحب في السفر، وقد يطلق على المصاحب مطلقًا، من الرفق بمعنى اللطف والمبالغة في البر، وهو ضد العنف، ومنه: إن اللَّه يحب الرفق، وهذا المعنى هو المراد هنا. وقوله: (يعني في الجنة) من كلام الراوي فهمه من القرينة. ٦٠٧٢ - [٤] (عبد الرحمن بن خباب) قوله: (يحث على جيش العسرة) يريد

стр. 5820

فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلَيَّ مِئَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَضَّ عَلَى الْجَيْشِ فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: عَلَيَّ مِئَتَا بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَضَّ فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: عَلَيَّ ثَلَاثُ مِئَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: "مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ، مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٠٠]. ٦٠٧٣ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: . . . . . ــ به غزوة تبوك لأنها كانت في زمان شدة الحر وجدب البلاد وقلة الماء، وكانوا فيها في عسرة شديدة حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء، وتعرف أيضًا بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها، وكان في رجب سنة تسع من الهجرة، وهي آخر غزواته ﷺ ، والمراد بحثِّه عليها الترغيب في الذهاب إليها أو الإمداد للمسلمين فيها، وهذا أنسب بالسياق. و(الأحلاس) جمع حلس بالكسر: كساء على ظهر البعير تحت البردعة ويبسط في البيت تحت حر الثياب. و (الأقتاب) [جمع] قتب بفتحتين: الإكاف الصغير على قدم سنام البعير، يريد: بجميع أسبابها وأدواتها، ومجهز جيش العسرة من ألقابه ﵁ يذكر في الخطب. وقوله: (ما على عثمان ما عمل بعد هذه) أي: ليس عليه إثم ما عمل بعد عمله هدْ ٥ الحسنةَ، أي: هي مكفرة لما يعمله من الخطايا، وهذا كما قال: (لعل اللَّه قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). ٦٠٧٣ - [٥] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: . . . . .

стр. 5821

جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي كُمِّهِ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَنَثَرَهَا فِي حِجْرِهِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ: "مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ" مرَّتَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٦٣]. ٦٠٧٤ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ كَانَ عُثْمَانُ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ، فَبَايَعَ النَّاسَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِن عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ"، فَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى، فَكَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُثْمَانَ خَيْرًا مِنْ أَيْدِيهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٠٢]. ــ (حين جهز) جهاز الميت والعروس والمسافر بالكسر والفتح: ما يحتاجون إليه، وقد جهزه تجهيزًا فتجهز به. ٦٠٧٤ - [٦] (أنس) قوله: (ببيعة الرضوان) وهي البيعة التي كانت تحت الشجرة بحديبية، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨]، فلهذا سميت ببيعة الرضوان. وقوله: (كان عثمان رسول رسول اللَّه ﷺ إلى مكة) بعثه بالكتاب إليهم معه ﵁ بعد ما جاء سهيل بن عمرو منهم إليه ﷺ . وقوله: (فضرب إحدى يديه على الأخرى) وفي رواية: (فوضع النبي ﷺ شماله في يمينه، وقال: هذه عن عثمان)، وفي (صحيح البخاري): فقال ﷺ بيده اليمنى: (هذه بيعة عثمان) فضرب بها على يده اليسرى، وكان ﷺ يقول: شمال رسول اللَّه ﷺ خير من يميني، وكذلك لما خلَّفه النبي ﷺ على ابنته رقية وضرب له بسهمه يوم بدر ولذلك عدُّوه من أهل بدر.

стр. 5822

٦٠٧٥ - [٧] وَعَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالإِسْلَامَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرُ بِئْرِ رُومَةَ؟ فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ ". . . . . ــ ٦٠٧٥ - [٧] (ثمامة بن حزن القشيري) قوله: (وعن ثمامة) بضم المثلثة (ابن حزن) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي. وقوله: (شهدت الدار) أي: دار عثمان التي حاصروه فيها. وقوله: (حين أشرف) أي: اطَّلع عليهم. وقوله: (أنشدكم) بفتح الهمزة وضم الشين بلفظ المتكلم، و (اللَّه والإسلام) منصوبان، أي: أسألكم باللَّه وبالإسلام. و (بئر رومة) بضم الراء وسكون الواو، وقيل: بالهمزة: بئر عظيم شمالي مسجد القبلتين بواد يلي العقيق، ماؤه عذب لطيف في غاية العذوبة واللطافة، يسميها العامة الآن ببئر الجنة لترتب دخول الجنة بعثمان ﵁ على شرائها، وجاء في حديث: (نعم القليب قليب المزني)، والمزني هو رومة الذي كانت هذه البئر له واشترى منه عثمان ﵁ وتصدق، وباقي أحوال هذه البئر ذكرته في (تاريخ المدينة). وقوله: (يجعل دلوه مع دلاء المسلمين) بكسر الدال عبارة عن جعله وقفًا على المسلمين، أي: يجعل دلوه مساويًا مع دلائهم في الاستقاء، ولا يخصها بنفسه، كناية عن وقفها على المسلمين. وقوله: (بخير) متعلق بـ (يشتري) أي: يشتري بثمن، ثم يحصل به خير

стр. 5823

فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي، وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالإِسْلَامَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ ". فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالإِسْلَامَ. . . . . ــ في الجنة. وقوله: (فاشتريتها من صلب مالي) أي: من خالصه، وأصله اشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، وروي (ثمانية آلاف درهم)، والمراد بـ (ماء البحر) الماء المالح كماء البحر. وقوله: (اللهم نعم) قد يذكر قبل لا أو نعم تأكيدًا ومبالغة في التصديق والإنكار، وقيل: إشارة إلى شذوذه وندرته. وقوله: (هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله) وذلك في وقت بنائه، لا أنه بني المسجد ثم ضاق فزيد، وكان الزيادة بعد البناء أيضًا منه في وقت خلافته، وليس مرادًا ههنا. وقوله: (من يشتري بقعة آل فلان) وكان لبعض الأنصار في جوار المسجد، قال له رسول اللَّه ﷺ : هل تبيع هذه البقعة ببيت يكون له في الجنة؟ فقال الأنصاري: أنا فقير ولي عيال يا رسول اللَّه، فاشترى منه عثمان بن عفان تلك البقعة بعشرة آلاف درهم، فزيد في المسجد.

стр. 5824

هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ مِنْ مَالِي؟ قَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالإِسْلَامَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَا فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ حَتَّى تَسَاقَطَتْ حِجَارَتُهُ بِالْحَضِيضِ، فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ قَالَ: "اسْكُنْ ثَبِيرُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيُّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ". قَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ شَهِدُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ أَنِّي شَهِيدٌ، ثَلَاثًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [ت: ٣٧٠٣, ن: ٣٦٠٨, قط: ٤/ ١٩٦]. ٦٠٧٦ - [٨] وَعَن مرّة بن كَعْب قَالَ: . . . . . ــ وقوله: (أني جهزت جيش العسرة من مالي) لم يقل هنا: من صلب مالي، اكتفاء. و (ثبير) على وزن خبير: جبل بمنى على يسار الذاهب إلى منى مشرف على جبل بمنى وبمكة، وقيل: بمزدلفة، والأول أصح. وقوله: (حتى تساقطت حجارته بالحضيض) أي: أسفل الجبل، والحضيض: القرار في الأرض عند منقطع الجبل، في (الصراح) (١): حضيض: بستي زمين دردامن كوه. وقوله: (فركضه برجله) أي: ضربه، والركض: تحريك الرجل، ومنه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]. وقوله: (اللَّه أكبر) تعجب من إقرارهم بكونه على الحق وإصرارهم على خلاف مقتضاه. ٦٠٧٦ - [٨] (مرة بن كعب) قوله: (وعن مرة بن كعب) بضم الميم وتشديد الراء.

стр. 5825

سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ الْفِتَنَ فَقَرَّبَهَا، فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي ثَوْبٍ فَقَالَ: "هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى"، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. قَالَ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ. فَقُلْتُ: هَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٣٧٠٤]. ٦٠٧٧ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَا عُثْمَانُ إِنَّهُ لَعَلَّ اللَّهَ يُقَمِّصُكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ. [ت: ٣٧٠٥]. ــ وقوله: (سمعت من رسول اللَّه ﷺ ) مفعوله محذوف مدلول عليه بقوله: (فقال: هذا يومئذ على الهدى). وقوله: (فقربها) من التقريب، أي: جعلها قريبة أي: ذكر أنها قريبة، و (مقنع) بضم الميم وفتح القاف وكسر النون المشددة، أي: لابس ثوبه على رأسه، وهو التطلس، وقد جاءت أخبار وأثار ذكرناها في (شرح سفر السعادة)، قال: في (القاموس) (١): المِقْنع والمِقْنعة بكسر ميمهما: ما تقنع به المرأة رأسها، والقناع بالكسر: أوسع منها. وقوله: (هذا يومئذ) أي: يوم وقوع الفتق. وقوله: (فأقبلت عليه) أي: على النبي ﷺ بوجه عثمان، (فقلت) بطريق الاستفهام: (هذا؟ ) أي: هذا هو الرجل الذي يومئذ على الهدى. ٦٠٧٧ - [٩] (عائشة) قوله: (يقمصك) بالتشديد، استعار القميص للخلافة، وذكر الخلع ترشيح، أي: سيجعلك اللَّه خليفة، فالناس إن قصدوا عزلك عنها فلا تعزل

стр. 5826

٦٠٧٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِتْنَةً فَقَالَ: "يُقْتَلُ هَذَا فِيهَا مَظْلُومًا" لِعُثْمَانَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٧٠٨]. ٦٠٧٩ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ قَالَ: قَالَ لِي عُثْمَانُ يَوْمَ الدَّارِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا وَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٣٧١١]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٦٠٨٠ - [١٢] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ يُرِيدُ حَجَّ الْبَيْتِ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ. قَالَ فَمَنِ الشَّيْخُ فِيهِمْ؟ . . . . . ــ نفسك عنها لأجلهم، فلذا كان عثمان ما عزل نفسه حين حاصروه يوم الدار. ٦٠٧٩ - [١١] (أبو سهلة) قوله: (وعن أبي سهلة) بفتح السين وسكون الهاء. وقوله: (قد عهد إلي عهدًا وأنا صابر) معناه مضمون قوله: فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه، أو: أوصاني بأن أصبر ولا أقاتل، ويؤيده هذا الحديث الآخر الآتي عن أبي سهلة. الفصل الثالث ٦٠٨٠ - [١٢] (عثمان بن عبد اللَّه) قوله: (ابن موهب) بفتح الهاء من الأعلام الشاذة، والقياس الكسر.

стр. 5827

قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ؟ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ, قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَك، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحَدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ". وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ، وَكَانَت بَيْعةُ الرِّضْوَانِ بعدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: "هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ" فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ وَقَالَ: "هَذِه لعُثْمَان". ثُمَّ قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٩٨، ٣١٣٠]. ــ وقوله: (تعال) بفتح اللام و (أبين لك) مجزوم جوابًا للأمر. وقوله: (فأشهد أن اللَّه عفا عنه) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. . وقوله: (وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة) فإنه ﵁ ذهب إلى أهل مكة، وشاع عندهم أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين، فاستعد المسلمون للقتال فبايعهم النبي ﷺ تحت الشجرة على أن لا يفروا، وقيل: بل جاء الخبر بأن عثمان قُتِلَ. وقوله: (اذهب بها الآن معك) أي: اذهب بمقالتي وتمسك بها بعد ما يثبت لك الحق الصريح لا شك فيه، وانته عن اعتقادك الفاسد في حقه ﵁.

стр. 5828

٦٠٨١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَى عُثْمَانَ وَلَوْنُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ قُلْنَا: أَلا تُقَاتِلُ؟ قَالَ: لَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ أَمْرًا، فَأَنَا صَابِرٌ نَفسِي عَلَيْهِ. [حم: ٦/ ٥٨]. ٦٠٨٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي حَبِيبَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ فِيهَا، وَأَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَسْتَأْذِنُ عُثْمَانَ فِي الْكَلَامِ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي فِتْنَةً وَاخْتِلَافًا" -أَوْ قَالَ: "اخْتِلَافًا وَفِتْنَةً"- فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنَ النَّاسِ: فَمَنْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ -أَوْ: مَا تَأْمُرُنَا بِهِ؟ - قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالأَمِيرِ وَأَصْحَابِهِ"، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى عُثْمَانَ بِذَلِكَ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِل النبوَّةِ". [دلائل: ٦/ ٣٩٣]. * * * ــ ٦٠٨١ - [١٣] (أبو سهلة) قوله: (يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير) كأنه ﷺ أخبره بقضية فكان يتغير لونه بسماعه، ثم أظهر في وقته أنه عهد إليه. وقوله: (فأنا صابر) الصبر: حبس الرجل للقتل، يحبس على القتل حتى يقتل، ومنه القتل صبرًا. ٦٠٨٢ - [١٤] (أبو حبيبة) قوله: (فمن لنا) أي: فمن نتبعه ويكون اتِّباعًا لنا لا علينا. وقوله: (وهو) أبو هريرة (يشير إلى عثمان بذلك) أي: بالأمر الذي أمرنا باتباعه.

стр. 5829

٧ - باب مناقب هؤلاء الثلاثة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٦٠٨٣ - [١١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: "اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٨٦]. ٦٠٨٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَحَمِدَ اللَّه، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ فَقَالَ لِي: "افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ". . . . . ــ ٧ - باب مناقب هؤلاء الثلاثة قد وردت أحاديث وقعت فيها مناقب أبي بكر وعمر وعثمان جميعًا، فعقد هذا الباب لذكرها. الفصل الأول ٦٠٨٣ - [١] (أنس) قوله: (فرجف بهبم) أي: تحرك واضطرب شديدًا. ٦٠٨٤ - [٢] (أبو موسى الأشعري) قوله: (فاستفتح) أي: طلب الفتح واستأذن للدخول. وقوله: (على بلوى تصيبه) على بمعنى مع.

стр. 5830

فَإِذَا عُثْمَانُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ , فَحَمِدَ اللَّهَ ثم قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه. [خ: ٣٦٩٣، م: ٢٤٠٣]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٦٠٨٥ - [٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٠٧]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٦٠٨٦ - [٤] عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُرِيَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ. . . . . ــ وقوله: (فحمد اللَّه) على ما بشر، (ثم قال: اللَّه المستعان) أي: على مرارة الصبر على تلك البلوى. الفصل الثاني ٦٠٨٥ - [٣] (ابن عمر) قوله: (أبو بكر وعمر وعثمان ﵃) أي: كنا نذكر هؤلاء الثلاثة بأن اللَّه تعالى رضي عنهم، ويحتمل أن يكون ﵃ دعاء من الرواة كما هو المتعارف عند ذكر الصحابة، فيكون كما جاء في حديث آخر عن ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول اللَّه ﷺ : أبو بكر وعمر وعثمان، يعني هؤلاء الثلاثة كانوا مشهورين في الصحابة مذكورين فيهم ممتازين عن سائر الصحابة. الفصل الثالث ٦٠٨٦ - [٤] (جابر) قوله: (أري) بلفظ الماضي المجهول و (الليلة) ظرفه، و (رجل صالح) فاعله، وأراد به ذاته الكريمة، وأصل الكلام: أريت، يعني في المنام

стр. 5831

كَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ نِيطَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَنِيطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَنِيطَ عُثْمَانُ بِعُمَرَ" قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْنَا: أَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَرَسُولُ اللَّهِ، وَأَمَّا نَوْطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَهُمْ وُلَاةُ الأَمْرِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٦٣٦]. * * * ٨ - باب مناقب علي بن أبي طالب ــ (كأن أبا بكر نيط) أي: علق وضم بلفظ الماضي المجهول من ناطه نوطًا: عَلِقه، وانتاط: تعلَّق، ومنه: النياط ككتاب للفؤاد، ولِعْرقٍ غليظ نيط به القلب إلى الوتين، وعرقٍ مستبطنِ الصلب تحت المتن. ٨ - باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁ وكرم اللَّه وجهه مناقبه كثيرة لا تكاد تعد وتحصى، مذكورة في كتب الحديث أكثر مما ذكر لغيره من الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين، وقد تطرق الوضع إلى بعضها كما في مناقب أبي بكر أيضًا، كذا ذكروا، واللَّه أعلم. ونقل عن أحمد والنسائي وغيرهما أنهم قالوا: قد جاء في مناقبه أحاديث بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في غيره من الصحابة، وكان السبب في ذلك أنه متأخر، ووقع الاختلاف في زمانه، وكثر محاربوه والخارجون عليه، وكان ذلك سببًا لانتشار مناقبه لكثرة من كان يرويها من الصحابة ردًّا على من خالفه، وإلا فالثلاثة قبله لهم من المناقب ما يوازيه ويزيد عليه، كذا ذكر السيوطي.

стр. 5832

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٦٠٨٧ - [١] عَن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٠٦، م: ٢٤٠٤]. ــ الفصل الأول ٦٠٨٧ - [١] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) قاله حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، فقال علي: أتخلِّفني في النساء والصبيان؟ كأنه استنقص تركه وراءه، فقال: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) يعني حين استخلفه عند توجهه إلى الطور إذ قال له: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وهذا الحديث مما تعلقت به الشيعة في أن الخلافة كانت حقًّا لعلي ﵁، وأنه وصى بها له، وقال أصحابنا: لا حجة فيه، بل ظاهر الحديث أن عليًّا خليفة عن النبي ﷺ مدة غيبته بتبوك كما كان هارون خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة، ولم يكن هارون خليفة بعد موسى لأنه توفي قبل وفاة موسى بأربعين سنة، وقد استخلف رسول اللَّه ﷺ ابن أم مكتوم في هذه المدة على إمامة الناس، فكان علي ﷺ يتفقد أهل النبي ﷺ ، وابن أم مكتوم يؤم الناس، فلو كان الخلافة مطلقة لكان استخلفه على الإمامة أيضًا، بل كان أهمَّ، مع أن خبر الواحد لا يقاوم الإجماع، وقد تكلم الآمدي في صحة الحديث، ولكن قال أئمة الحديث: إنه صحيح، والمعول على قولهم، كيف وهو في الصحيحين؟ لكنه من الآحاد. وقيل: ليس قوله: (إلا أنه لا نبي بعده) في بعض الطرق، ولو كان فلا يدل على حصر الخلافة فيه ﵁ ولا وجودها بعده بلا واسطة.

стр. 5833

٦٠٨٨ - [٢] وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهِدَ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ ﷺ إِلَيَّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مؤمنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٨]. ٦٠٨٩ - [٣] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: "لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ". فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: "أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ " فَقَالُوا: . . . . . ــ ٦٠٨٨ - [٢] (زرّ بن حبيش) قوله: (عن زر) بفتح الزاي (١) متقدمة على الراء المشددة (ابن حبيش) بلفظ التصغير لحبش بلدة السودان. وقوله: (فلق الحبة) أي: شقها وأخرج منها النبات. وقوله: (إنه لعهد) من باب علم، والمراد أنه أكد هذا القول فكأنه عهد. ٦٠٨٩ - [٣] (سهل بن سعد) قوله: (يوم خيبر) هي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام، وكان في سنة سبع. قوله: (كلهم يرجون أن يعطاها) جَمَع نظرًا إلى المعنى وأفرد نظرًا إلى اللفظ، وإنما اعْتَبرَ المعنى في الأول فجمع، واللفظ في الثاني فأفرد؛ لأن الرجاء شامل للكل والعطاء لواحد. وقوله: (فقال: أين علي بن أبي طالب؟ ) وكان قد تخلف عن النبي ﷺ لكونه رمدًا.

стр. 5834

هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قَالَ: "فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ" فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّه أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: "انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٢١٠، م: ٢٤٠٦]. وَذكر حَدِيث الْبَراء قَالَ لعَلي: "أَنْت مني وَأَنا مِنْك" فِي "بَاب بُلُوغ الصَّغِير". * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٦٠٩٠ - [٤] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. . . . . ــ وقوله: (أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ ) أي: أحاربهم حتى يكونوا مسلمين. وقوله: (انفذ) على وزن انصر من النفاذ، أي: امض، (على رسلك) بكسر الراء وسكون السين، أي: على رفقك وتُؤَدتك، و (الساحة) الناحية وفضاءٌ بين دور الحي، والمراد أرضهم. وقوله: (حمر النعم) بسكون الميم: جمع أحمر، والإبل الحمر أنفس الأموال عند العرب، وقد صارت مثلًا في كل النفيس، وفيه أن تعليم علم يهدى به خير من بذل المال. الفصل الثاني ٦٠٩٠ - [٤] (عمران بن حصين) قوله: (إن عليًّا مني وأنا منه) أي: في النسب

стр. 5835

وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧١٢]. ٦٠٩١ - [٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤/ ٣٦٨، ت: ٣٧١٣]. ٦٠٩٢ - [٦] وَعَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ، وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا وَعَلِيٌّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧١٩]. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي جُنَادَةَ. [حم: ٤/ ١٦٤]. ــ والمصاهرة والمسابقة والمحبة وغير ذلك من المزايا والخصوصيات، لا في محض القرابة، وإلا فجعفر وعقيل شريكان. وقوله: (وهو ولي كل مؤمن) أي: حبيبه وناصره، وهذا إشارة إلى [أن] قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [المائدة: ٥٥] نزل في علي ﵁. ٦٠٩١ - [٥] (زيد بن أرقم) قوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) أي: ناصره، سيجيء هذا الحديث في (الفصل الثالث) مفصلًا، ونشرحه هناك إن شاء اللَّه تعالى. ٦٠٩٢ - [٦] (حبشي بن جنادة) قوله: (وعن حبشي) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة وشين معجمة في آخره ياءٌ مشددة، (ابن جنادة) بضم الجيم وخفة النون. وقوله: (ولا يؤدي عني إلا أنا وعلي) لما فرض الحج أمر رسول اللَّه ﷺ أبا بكر ﵁ بأن يحج بالناس، ثم بعث بعد خروجه عليًّا لينبذ على المشركين والمنافقين عهدهم، ويقرأ عليهم سورة براءة، وكان من عادة العرب إذا كان بينهم مقاولة في صلح

стр. 5836

٦٠٩٣ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ عَلِيٌّ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: آخَيْتَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَلم تُؤاخِ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٢٠]. ٦٠٩٤ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طَيْرٌ فَقَالَ: "اللهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي هَذَا الطَّيْرَ" فَجَاءَهُ عَلِيٌّ فَأَكَلَ مَعَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٢١]. ــ وعهد ونقض وإبرام لا يؤدي إلا سيد القوم أو من يليه من ذوي قرابته القريبة، ولا يقبلون ممن سواهم، وقال هكذا تكريمًا له ﵁. ٦٠٩٣ - [٧] (ابن عمر) قوله: (آخى بين أصحابه) وفي رواية أخرى: (بين المهاجرين والأنصار)، وكانوا تسعين رجلًا من كل طائفة خمسة وأربعون، على الحق والمواساة والتوارث، وكان ذلك إلى أن نزل ببدر قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥]، وكان ذلك بعد قدومه بخمسة أشهر. ٦٠٩٤ - [٨] (أنس) قوله: (كان عند النبي ﷺ طير) أي: مشويٌّ يأكله. وقوله: (بأحب خلقك) أوله الشارحون بأن المراد: من أحب خلقك، أو أحب خلق اللَّه من بني عمه، أو بأحب خلقك إليه من ذوي القرابة القريبة، أو من هو أولى وأقرب وأحق بإحسان إليه، وهذا الوجه الأخير أقرب وأوفق بالمقام، هكذا قالوا، ولقد أتى الشيخ ابن حجر في (كتاب الصواعق) في الاعتذار عن التأويل لهذا الحديث بكلام مليح فصيح طويل، وقال: نحن وإن كنا لا نجهل بحمد اللَّه فضل علي ﵁ وقدمه وسوابقه في الإسلام، واختصاصه برسول اللَّه ﷺ لقرابته القريبة ومؤاخاته إياه في الدين،

стр. 5837

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونتمسك من حبه بأقوى وأولى مما يدعيه الغالون فيه، فلسنا نرى أن نضرب عن تقرير أمثال هذه الأحاديث في نصابها صفحًا لما يُخشى فيها من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، وهذا باب أمرنا بمحافظته وجيء أمرنا بالذب عنه، فحقيق علينا أن ننصر فيه الحق ونقدم فيه الصدق، وهذا حديث يريش به المبتدع سهامه ويوصّل به المنتحل جناحه فيتخذه ذريعة إلى الطعن في خلافة أبي بكر ﵁ التي هي أول حكم أجمع عليه المسلمون في هذه الأمة، وأقوم عماد أقيم به الدين بعد رسول اللَّه ﷺ ، فنقول -وباللَّه التوفيق-: هذا الحديث لا يقاوم ما أوجب تقديم أبي بكر والقولَ بخيريته من الأخبار الصحاح منضمًّا إليها إجماع الصحابة لمكان سنده، فإن فيه لأهل النقل مقالًا، ولا يجوز حمل أمثاله على ما يخالف الإجماع، لا سيما والصحابي الذي يرويه ممن دخل في هذا الإجماع، واستقام عليه مدة عمره، ولم ينقل عنه خلافه، فلو ثبت عنه هذا الحديث فالسبيل أن يؤول على وجه لا ينتقض عليه ما اعتقده، ولا يخالف ما هو أصح منه متنًا وإسنادًا، وهو أن يحمل على أحد الوجوه المذكورة. قال العبد الضعيف -عصمه اللَّه عما يطمه وصانه عما شانه-: إن من الظاهر أن الحديث غير محمول على الظاهر؛ لأن النبي ﷺ من جملة خلق اللَّه، وهو أحب الخلق إلى اللَّه من جميع الوجوه والحيثيات، فالمراد أهل زمان رسول اللَّه ﷺ من الصحابة وغيرهم، إنما يكون من وجه واحد خاص أو وجوه متعددة مخصوصة، فلا حاجة إلى تخصيص الخلق بل إلى تخصيص الوجه أو الوجوه، فإنه ليس أحب وأفضل من جميع الوجوه سوى سيد المحبوبين وأفضل المخلوقين ﷺ ، ثم الكلام في الصحابة إنما هو في الأفضلية من جهة كثرة الثواب والأحبية وغيرها، كما في القول المشهور من بعض

стр. 5838

٦٠٩٥ - [٩] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَانِي، وَإِذَا سَكَتُّ ابْتَدَأَنِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٢٢]. ٦٠٩٦ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا دَارُ الْحِكْمَةِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ: رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَرِيكٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الثِّقَاتِ غَيْرَ شَرِيكٍ. [ت: ٣٧٢٣]. ــ العلماء في الفرق بين الأفضلية والأحبية، والمخلِّص في هذه المسألة اعتبار الوجوه والحيثيات، واللَّه أعلم. ٦٠٩٥ - [٩] (علي) قوله: (وإذا سكت) أي: لم أسأل (ابتدأني) أي: أعطاني من غير مسألة، يقال: ابتدأني الشيء: فعله ابتداء، وهذا مقام المحبوبية. ٦٠٩٦ - [١٠] (وعنه) قوله: (أنا دار الحكمة وعلي بابها) قيل: لا شك أن العلم قد جاء منه ﷺ من قِبَل باقي الصحابة، وليس منحصرًا في علي المرتضى ﵁، فلا بد أن يكونوا أبواب العلم، لكن لا بد للتخصيص من وجه بأن يكون متميزًا من سائر الأبواب بالسعة والفتح والعظمة ونحوها، واللَّه أعلم. واعلم أن المشهور من لفظ الحديث في هذا المعنى (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها)، وقد تكلم النقاد فيه، وأصله عن أبي الصلت عبد السلام وكان شيعيًا، وقد تكلِّم فيه، وصحح هذا الحديث الحاكم وحسنه الترمذي، وضعفه آخرون، ونسبه إلى الوضع طائفة، ونحن ننقل ما ذكره علماؤنا في ذلك بعباراتهم وإن كانت مشتملةً على التكرار، فنقول:

стр. 5839

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الشيخ مجد الدين الشيرازي اللغوي صاحب (القاموس) في (نقد الصحيح): حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في (الموضوعات) من عدة طرق وجزم ببطلان الكل، وقال مثل ذلك جماعة، وعندي في ذلك نظر كما سنبينه، والمشهور برواية أبي الصلت عبد السلام بن صلاح الهروي، عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، وعبد السلام هذا ضعفوه جدًا واتهم بالرفض، ومع ذلك فقد روى عباس بن محمد الزوزني في سؤالاته يحيى بنَ معين أنه سأله عن أبي الصلت هذا فوثقه، فقال: أليس قد حدث (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، وكذلك روى صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة، وأبو الصلت محمد بن محرز عن يحيى بن معين أيضًا، وفي رواية أبي الصلت بن محرز قال يحيى في هذا الحديث: هو من حديث أبي معاوية أخبرني ابن نمير، قال: حدث به أبو معاوية قديمًا ثم كف عنه، وكان أبو الصلت الهروي رجلًا موسرًا يطلب هذه الأحاديث ويكرم المشايخ، يعني فخصه أبو معاوية بهذا الحديث، فقد برئ عبد السلام عن عهدة هذا الحديث، وأبو معاوية الضرير حافظ يحتج بأفراده كابن عيينه وغيره، ليس هذا الحديث من الألفاظ المنكرة التي تأباها العقول، بل هو مثل قوله ﷺ في حديث: (أرأف أمتي أبو بكر) الحديث، وقد حسنه الترمذي وصححه غيره، ولم يأت من تكلم على حديث (أنا مدينة العلم) بجواب عن هذه الروايات الثابتة عن يحيى بن معين، والحكم عليه بالوضع باطل قطعًا، إنما سكت أبو معاوية عن روايته شائعًا لغرابته لا لبطلانه، إذ لو كان كذلك لم يحدث به أصلًا مع حفظه وإتقانه، وللحديث طريق أخرى رواها الترمذي في (جامعه) (١) عن إسماعيل بن موسى الفزاري، عن محمد بن عمر بن الرومي،

стр. 5840

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن شريك بن عبد اللَّه، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن أبي عبد اللَّه بن الصنابحي، عن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال: (أنا دار الحكمة وعلي بابها)، وتابعه أبو مسلم الكجي وغيره على روايته عن محمد بن عمر بن الرومي، ومحمد هذا روى عنه البخاري في غير الصحيح، ووثقه ابن حبان وضعفه أبو داود، وقال الترمذي بعد سياق الحديث: هذا حديث غريب، وقد روى بعضهم هذا عن شريك ولم يذكر فيه الصنابحي، ولا يعرف هذا عن أحد من الثقات غير شريك، قلت: فلم يبق الحديث من أفراد محمد الرومي، وشريكٌ احتج به مسلم وعلق له البخاري، ووثقه ابن معين والعجلي، وزاد: حسن الحديث، وقال عيسى بن يونس: ما رأيت أحدًا قط أورع في علمه من شريك، فعلى هذا يكون تفرده حسنًا، ولا يَرِدُ عليه رواية من أسقط الصنابحي منه؛ لأن سويد ابن غفلة تابعي مخضرم، روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وسمع، فيكون ذكر الصنابحي فيه من باب المزيد في متصل الأسانيد، والحاصل أن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية وشريك إلى درجة الحسن المحتج به، ولا يكون ضعيفًا فضلًا عن أن يكون موضوعًا، ولم أجد لمن ذكره في الموضوعات طعنًا مؤثرًا في هذين السندين، وباللَّه التوفيق (١)، انتهى كلام الشيخ مجد الدين. وقال السخاوي في (المقاصد الحسنة) (٢): حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، ذكره الحاكم في المناقب من (مستدركه)، والطبراني في (معجمه الكبير)، وأبو الشيخ ابن حبان في (السُّنة) له وغيرهم، كلهم من حديث أبي معاوية الضرير عن الأعمش عن

стр. 5841

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مجاهد عن ابن عباس مرفوعًا به، بزيادة: (فمن أتى العلم فليأت الباب)، ورواه الترمذي في المناقب من (جامعه)، وأبو نعيم في (الحلية)، وغيرهما من حديث علي أن النبي ﷺ قال: (أنا دار الحكمة وعلي بابها). قال الدارقطني في (العلل) عقب ثانيهما: إنه حديث مضطرب غير ثابت، وقال الترمذي: إنه منكر، وكذا قال شيخه البخاري، وقال: إنه ليس له وجه صحيح، وقال ابن معين فيما حكاه الخطيب في (تاريخ بغداد): إنه كذب لا أصل له، وقال الحاكم عقب أولهما: إنه صحيح الإسناد، وأورده ابن الجوزي من هذين الوجهين في (الموضوعات)، ووافقه الذهبي وغيره على ذلك، وأشار إلى هذا ابن دقيق العيد بقوله: هذا الحديث لم يثبتوه، وقيل: إنه باطل، وهو مشعر بتوقفه فيما ذهبوا إليه من الحكم بكذبه، بل صرح العلائي بالتوقف في الحكم عليه بذلك، فقال: وعندي فيه نظر، ثم بين ما يشهد لكون أبي معاوية راوي حديث ابن عباس حدث به، فزال المحذور ممن هو دونه، قال: وأبو معاوية ثقة حافظ يحتج بأفراده كابن عيينة وغيره، فمن حكم على الحديث مع ذلك بالكذب فقد أخطأ، وقد أخرج الديلمي في (مسنده) بسند ضعيف جدًا عن ابن عمر مرفوعًا: (علي بن أبي طابى باب حطة فمن دخل فيه كان مؤمنًا، ومن خرج منه كان كافرًا)، ومن حديث أبي ذر رفعه: (علي باب علمي ومبينٌ لأمتي ما أرسلْتُ به من بعدي، حبه إيمان، وبغضه نفاق، والنظر إليه عبادة)، ومن حديث ابن عباس رفعه: (أنا ميزان العلم، وعلي كفَّتاه، والحسن والحسين خيوطه)، الحديث، وأورد صاحب (الفردوس) وتبعه ابنه المذكور بلا إسناد عن ابن مسعود رفعه: (أنا مدينة العلم، وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها)، انتهى كلام (المقاصد الحسنة).

стр. 5842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي (فصل الخطاب من كتاب الأنساب) للإمام عبد الكريم بن محمد السمعاني ﵀ في ترجمة الهروي: أبو الصلت عبد السلام بن صالح بن سليمان الهروي، مولى عبد الرحمن بن سمرة، أدرك حماد بن زيد ومالك بن أنس وسفيان بن عيينه وغيرهم، وكان صاحب قشافة وزهد، قدم مرو أيام المأمون، فلما سمع كلامه جعله من الخاصة من إخوانه، وكان أبو الصلت يرد على أهل الاهواء من المرجئة، والجهمية، والزنادقة، والقدرية، وكان يعرف بالتشيع، وقال أحمد بن سيار المروزي: ناظرته فلم أره يُفْرِط، ورأيته يقدم أبا بكر وعمر ﵄، وكان لا يذكر أصحاب النبي ﷺ إلا بالجميل، وكان يقول: هذا مذهبي الذي أدين اللَّه به. وقال يحيى بن معين: أبو الصلت ثقة صدوق إلا أنه يتشيع. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أبو الصلت ليس بثقة. توفي أبو الصلت في شوال سنة ست وثلاثين ومئتين. وأيضًا في (الأنساب) (١): قال أبو حاتم بن حبان: وهو الذي روى عن أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت من قبل الباب)، وهذا شيءٌ لا أصل له، ليس من حديث ابن عباس ولا مجاهد ولا الأعمش ولا أبو معاوية حدث به، وكل من حدث بهذا المتن فإنه سرقه من أبي الصلت هذا، انتهى كلام (فصل الخطاب)، وفيه الطعن في الحديث فقط، لكن الكلام الجامع من مهرة الفن ما ذكرناه قبل، ولعل ذلك هو الصواب، ولكن لا يقتضي ذلك الحصر في هذا الباب، وهذا باب خاص ومخصوص بدخول العلم، فقد جاء: (أقضاكم علي) ولكل من الخيرات والمبرات والأنوار والأسرار

стр. 5843

٦٠٩٧ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا يَوْمَ الطَّائِفِ فَانْتَجَاهُ، فَقَالَ النَّاسُ: لَقَدْ طَالَ نَجْوَاهُ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا انْتَجَيْتُهُ وَلَكِنَّ اللَّهَ انْتَجَاهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٢٦]. ٦٠٩٨ - [١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: "يَا عَلِيُّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي. . . . . ــ التي أشرقت وظهرت من شمس النبوة لها مظاهر ومحالٌّ متعددة بل لا تعدُّ ولا تحصى، فإنه شمس فضل هم كواكبها، يظهرون أنوارها للناس في الظلم، (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، وفي الحقيقة لمسألة الفضيلة وجوه وحيثيات، وهذا هو المخلص والمسلك في هذا الباب، واللَّه أعلم بالحق والصواب، وإليه المرجع والمآب. ٦٠٩٧ - [١١] (جابر) قوله: (يوم الطائف) الظاهر أن المراد: يوم غزوة الطائف. وقوله: (فانتجاه) أي: قال معه نجوى، والمناجاة: المسارَّة، انتجى القوم وتناجوا، أي: تسارُّوا، وانتجيته: إذا خصصته بمناجاتك، والاسم النجوى، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] فجعلهم نجوى، وإنما النجوى فعلُهم، كذا في (الصحاح) (١). وقوله: (ما انتجيته ولكن اللَّه انتجاه) أي: ما خصصته بمناجاتي من عند نفسي، ولكن اللَّه أمرني أن أنتجيه فانتجيته امتثالًا لأمر اللَّه تعالى. ٦٠٩٨ - [١٢] (أبو سعيد) قوله: (لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري)

стр. 5844

وَغَيرُكَ" (١)، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ: فَقُلْتُ لِضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ: مَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرَكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٢٧]. ٦٠٩٩ - [١٣] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا فِيهِمْ عَلِيٌّ قَالَتْ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَقُولُ: "اللهُمَّ لَا تُمِتْنِي حَتَّى تُرِيَنِي عَلِيًّا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٣٧]. ــ يحتمل أن يكون (يجنب) بتقدير (أنْ) فاعل (لا يحل)، و (في هذا المسجد) ظرف (يجنب)، والمراد: أن يمر جنبًا فيه، وأن يكون (يجنب) صفة (أحد)، ويقدر قبل قوله: (في هذا المسجد): يمر، وذلك لأنه كان لرسول اللَّه ﷺ ولعلي ﵁ باب وممر في المسجد، ويجوز لمن كان له باب في المسجد مروره منه جنبًا، ولهذا قيده بقوله: (هذا المسجد) احترازًا عن سائر المساجد. وقوله: (لضرار) بكسر المعجمة وخفة الراء الأولى، و (صرد) بضم المهملة وفتح الراء. ٦٠٩٩ - [١٣] (أم عطية) قوله: (لا تمتني) لعله كان في آخر أمره ﷺ حيث كمل الدين، وإلا فكان بقاؤه ﷺ إلى كمال أمر الدين حتمًا مقضيًّا، أو كان قبل أن يوحى إليه ذلك، أو كان مكثُ علي ﵁ إلى مدة عمره ﷺ محتملًا، وذلك بعيد، فافهم، وفيه الدعاء لمن غاب حبيبه بالرجوع سالمًا.

стр. 5845

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٦١٠٠ - [١٤] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُحِبُّ عَلِيًّا مُنَافِقٌ وَلَا يُبْغِضُهُ مُؤْمِنٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٧١٧]. ٦١٠١ - [١٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ سَبَّنِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٣٢٣]. ٦١٠٢ - [١٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١): "فِيكَ مَثَلٌ مِنْ عِيسَى، أَبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهُ". ثُمَّ قَالَ: يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يُقَرِّظُنِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، ــ الفصل الثالث ٦١٠٠ - [١٤] (أم سلمة) قوله: (لا يحب عليًّا منافق) وكان المنافقون يبغضونه ﵁ لما كانوا يرون من جماله وكماله وسطوته في الدين، وفيه أن حب علي آية الإيمان، اللهم ثبتنا. ٦١٠١ - [١٥] (وعنها) قوله: (من سب عليًّا فقد سبني) وذلك لِمَا أنه يلزم من سبِّه سبُّه ومن طعنه في نسبه الطعنُ في نسبه؛ للقرابة القريبة بينهما ما لم يكن بين أحد من أصحابه. ٦١٠٢ - [١٦] (علي) قوله: (يقرظني) أي: يمدحني، والتقريظ بالظاء المعجمة:

стр. 5846

وَمُبْغِضٌ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [فضائل الصحابة لأحمد: ١٢٢١]. ٦١٠٣ - [١٧] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ بِغَدِيرِ خُمٍّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ " قَالُوا: بَلَى، ــ مدح الحي ووصفه، وفي (القاموس) (١) موافقًا لما في (الصحاح) (٢): التقريظ: مدح الإنسان وهو حي بحق أو باطل، وهما يتقارظان المدح: يمدح كل صاحبه. و (الشنآن) بفتح النون وبسكونها والمد: العداوة، وقيل: شدة البغض، وفسر البيضاوي قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢] بشدة بغضهم وعدواتهم. ٦١٠٣ - [١٧] (البراء بن عازب وزيد بن أرقم) قوله: (لما نزل) أي: في مرجعه من حجة الوداع. (بغدير خم) بضم خاء معجمة وتشديد ميم. في (القاموس) (٣): موضع بالجحفة بين الحرمين، أو (خم) اسم غيضة هناك بها غدير ماء. وقوله: (فقال) بعد أن جمع الصحابة: (ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وفي بعض الروايات كرره ثلاثًا، وهم يجيبون بالتصديق والاعتراف، يريد به قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦] أي: في الأمور كلها, فإنه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس فلذلك أطلق، فيجب عليهم أن يكون أحبَّ إليهم من أنفسهم، وأمرُه أنفذَ عليهم من أمرها،

стр. 5847

قَالَ: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟ " قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ: "اللهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ". فَلَقِيَهُ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: هَنِيئًا يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ [حم: ٤/ ٢٨١]. ــ وشفقتهم عليه أتمَّ من شفقتهم عليها، روي أنه ﷺ أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج، فقال ناس: نستأذن آباءنا وأمهاتنا، فنزلت. وقرئ: (وهو أب لهم) أي: في الدين، فإن كل نبي أبٌ لأمته من حيث إنه أصل فيما به الحياة الأبدية، ولذلك صار المؤمنون إخوة، كذا في (تفسير البيضاوي) (١). وقوله: (أني أولى بكل مؤمن من نفسه) تأكيد وتكرير يفيد كونه أولى بكل واحد من المؤمنين كما أن الأول يفيده بالنسبة إليهم جميعًا. وقوله: (اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه) وفي رواية: (ثم رفع يد علي وقال). وقوله: (وعاد من عاداه) وزاد في رواية: (وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأَدِرِ الحق معه حيث دار). اعلم أن هذا الحديث أقوى ما تمسكت به الشيعة في ادعائهم النص التفصيلي المصرِّح بخلافة علي ﵁، فإنهم قالوا: المولى بمعنى: الأولى بالولاية، بدليل قوله: (ألست أولى بكم) لا الناصر والمحبوب، وإلا لما احتاج إلى جمعهم لذلك مع الدعاء له لأن ذلك يعرفه كل أحد، قالوا: ولا يكون هذا الدعاء إلا لإمام معصوم مفترَضِ الطاعة، فلعليٍّ عليهم من الولاء ما له ﷺ عليهم منه، فهذا نص صريح على خلافته،

стр. 5848

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا حديث صحيح لا مرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، وطرقه كثيرة جدًّا، رواه ستة عشر صحابيًا، وفي رواية لأحمد: أنه سمعه من النبي ﷺ ثلاثون صحابيًا، وشهدوا به لعلي ﷺ لما نوزع أيام خلافته، وكثير من أسانيده صحاح وحسان، ولا التفات لمن قدح في صحته، ولا إلى قول بعضهم: إن زيادة: (اللهم وال من والاه)، إلى آخره موضوع، فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي كثيرًا منها، كذا قال الشيخ ابن حجر في (الصواعق المحرقة) (١). وقال أيضًا: ولكن نقول إلزامًا للشيعة: إنهم اتفقوا على اعتبار التواتر فيما يستدل به على الإمامة، وهو منتفٍ فيه للخلاف في صحته، وإن كان مردودًا، بل الطاعنون في صحته جماعة من أئمة الحديث وعدوله المرجوع إليهم فيه، كأبي داود السجستاني وأبي حاتم الرازي وغيرهم، ولم يروه بعض المتقنين الحافظين الذين طافوا البلاد وساروا الأمصار في طلب الحديث كالإمام البخاري ومسلم والواقدي وغيرهم من أكابر أهل الحديث، وهذا وإن لم يُخلَّ بصحته لكن دعوى التواتر في مثله أعجب من كل عجب، وقد اشترطوا التواتر في أحاديث الإمامة. هذا وقد رد عليهم أهل السنة والجماعة، وكلامهم في ذلك طويل مذكور في (الصواعق المحرقة) للشيخ ابن حجر المكي، ونحن نقلنا منه ما تيسر اختصارًا، قال: لا نسلم أن معنى المولى ما ذكروه، بل معناه الناصر لأنه مشترك بين معان كالمعتق والعتيق والمتصرف في الأمر والناصر والمحبوب، وتعيين بعض معاني المشترك من غير دليل يقتضيه تحكمٌ لا يعتد به، ونحن وهم متفقون على صحة إرادة الحِب -بالكسر-

стр. 5849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والناصر، وعلي ﵁ سيدنا وحبيبنا وناصرنا، على أن كون المولى بمعنى الإمام لم يعهد لغة ولا شرعًا، ولم يذكر أحد من أئمة اللغة أن مَفْعلًا يأتي بمعنى أفعل، ويقال: هو أولى من كذا، دون: مولى من كذا، وأولى الرجلين دون مولاهما، فالغرض من التنصيص على موالاته الاجتناب من بغضه؛ لأن التنصيص عليه أوفى بمزيد شرفه، وصدَّره بـ (ألست أولى بكم من أنفسكم) ليكون أثبت على قبولهم إياه، وكذا بالدعاء له لأجل ذلك أيضًا، ويرشد لما ذكرناه حثه ﷺ في هذه الخطبة على أهل بيته عمومًا وعلى علي خصوصًا، كما جاء عند الطبراني وغيره بسند صحيح، وأيضًا سبب ذلك كما نقله الحافظ شمس الدين الجزري عن ابن إسحاق: أن عليًا تكلم فيه بعض من كان معه في اليمن، فلما قضى النبي ﷺ حجه خطبها تنبيهًا على قدره وردًّا على من تكلم فيه كبريدة، كما ذكر في (صحيح البخاري) أنه كان يبغضه، وذكر الذهبي وصححه (١): أنه خرج معه إلى اليمن فرأى منه جفوة فنقصه للنبي ﷺ ، فجعل يتغير وجهه ويقول: (يا بريدة! ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم) قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، سلمنا أنه أولى، لكن لانسلِّم أن المراد أنه أولى بالإمامة بل بالاتباع والقرب منه فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] ولا قاطع ولا ظاهر على نفي هذا الاحتمال، بل هو الواقع، إذ هو الذي فهمه أبو بكر وعمر، وناهيك بهما في فهم الحديث، فإنهما لما سمعاه قالا له: أمسيت يا ابن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة، أخرجه الدارقطني. وأخرج أيضًا أنه قيل لعمر: إنك تصنع بعلي شيئًا لا تصنعه بأحد من أصحاب النبي ﷺ ، فقال: إنه مولاي،

стр. 5850

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سلمنا أولى بالإمامة، فالمراد المآل وإلا لكان هو الإمام مع وجوده ﷺ ، ولا تعرض فيه لوقت المآل، فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له، فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمة الثلاثة عليه، لانعقاد الإجماع حتى من عليٍّ فيه، للأخبار المصرِّحة بإبامة أبي بكر بعده ﷺ ، وكيف كان نصًا على إمامته ولم يَحتجَّ به ولا العباس ولا غيرهما وقت الحاجة إليه، وإنما احتج به علي في خلافته، فسكوته عن الإفصاح إلى أيام خلافته قاض بأنه علم منه أنه لا نص فيه على خلافته عقب وفاة النبي ﷺ ، على أن عليًّا ﵁ صرح بأنه ﷺ لم ينص عليه ولا على غيره، كما جاء في الأخبار الصحيحة. وفي (صحيح البخاري) وغيره خروج علي والعباس من عند النبي ﷺ ، الحديث، ولو كان حديث (من كنت مولاه) نصًا في إمامة علي لم يحتج هو والعباس إلى مراجعته ﷺ ، ولما قال العباس: فإن كان هذا الأمر فينا علمناه، مع قرب العهد جدًا بيوم الغدير نحو الشهرين، وتجويز النسيان على سائر الصحابة السامعين بخبر يوم الغدير وسترهم لذلك مع وجود العلم مُحالٌ عادي، [يجزم العاقل بأدنى بديهته بأنه لم يقع منهم نسيان ولا تفريط] وأنهم كانوا حال بيعتهم لأبي بكر متذكرين لذلك الحديث عالمين [به وبمعناه]، على أنه ﷺ خطب بعد يوم الغدير وأعلن بحق أبي بكر وعمر، وقال لهما: (لا يتأمر عليكما أحد بعدي)، أخرجه ابن سعد عن بسطام بن أسلم، وقد ثبت أن رسول اللَّه ﷺ إنما حث على مودة أهل بيته ومحبتهم واتباعهم، وشتان ما بينهما وبين مقام الخلافة. وزعم الشيعة والرافضة بأن الصحابة علموا هذا النص، ولم ينقادوا له عنادًا ومكابرة وظلمًا، وإنما تركه عليٌّ تقيةً، وهذا كذب وافتراء لأنه كان في منعةٍ من قومه
следующие страницы →