٦١٤٠ - [٦] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى: خُمًّا، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ. . . . .
ــ
ويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري).
وعن سويد بن غفلة قال: خطب علي ابنة أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبي ﷺ ، فقال: (أعن حسبها تسألني؟ ) قال علي: قد أعلم ما حسبها ولكن أتأمرني بها؟ فقال: (لا، فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا وأنها تحزن أو تجزع)، فقال علي: لا آتي شيئًا تكرهه، رواه أبو يعلى (١)، وروى عبد الرزاق (٢) عن الشعبي نحوه. وفي رواية له عن أبي جعفر قال: خطب علي ابنة أبي جهل، فقام النبي ﷺ على المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: (إن عليًّا خطب العوراء ابنة أبي جهل، ولم يكن ذلك له أن تجتمع بنت رسول اللَّه ﷺ وبنت عدو اللَّه، وإنما فاطمة بضعة مني).
وروي نحوه عن ابن أبي مليكة، وفيه: أن فاطمة قالت لأبيها: يزعم الناس أنك لا تغضب لبناتك، وهذا أبو الحسن قد خطب ابنة أبي جهل، فقام النبي ﷺ خطيبًا، وذكر أبا العاص بن الربيع، فأثنى عليه في صهره، ثم قال: (إنما فاطمة بضعة مني، وإني أخشى أن يفتنوها، واللَّه لا تجتمع بنت رسول اللَّه ﷺ وبنت عدو اللَّه تحت رجل)، وفيه: تحريم إيذاء النبي ﷺ وإن كان مما أصله مباح، وكمال محبته لفاطمة وشفقته على علي ﵄.
٦١٤٠ - [٦] (زيد بن أرقم) قوله: (بماء يدعى خُمًّا) الخم اسم موضع فيه
стр. 5882
وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ أَلا أيُّها النَّاس! إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَني رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ". فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: "وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي"، وَفِي رِوَايَةٍ: "كِتَابُ اللَّهِ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى الضَّلَالَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٠٨].
ــ
ماء يسمى غدير خم، كما سبق، وقد يسمى الماء أيضًا خُمًّا.
وقوله: (وذكر) بالتشديد من التذكير، والمراد بـ (رسول ربي) ملك الموت.
وقوله: (وإني تارك فيكم الثقلين) الثقل بكسر المثلثة وفتح القاف ضد الخفة، والثقل بالضم وبفتحتين: متاع المسافر وحشمه، وكل شيء نفيس مصون، ومنه الحديث: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه وعترتي)، كذا في (القاموس) (١)، وقيل: سميا بهما لأن الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل، ويقال للجن والإنس: الثقلان؛ لأنهما يسكنان الأرض وتعمر بهما، فكأنهما بالثقلين، وقيل: وجه تسمية الجن والإنس بالثقلين أيضًا باعتبار نفاستهما وقدرهما لفضل تميزهما على سائر الحيوان، فتدبر.
وقوله: (أذكركم) من التذكير، أي: أحذركم في شأنهم بأن تحفظوا حقوقهم ولا تؤذوهم.
وقوله: (كتاب اللَّه هو حبل اللَّه)، وفي رواية: (كتاب اللَّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض)، قيل: أي: نور ممدود، أي: نورُ هُداه، ويشبهون النور بالحبل والخيط،
стр. 5883
٦١٤١ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٠٩].
٦١٤٢ - [٨] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ يَقُولُ: "اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٤٩، م: ٢٤٢٢].
ــ
نحو ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ﴾ [البقرة: ١٨٧] يعني: نورَ الصبح من ظلمة الليل، وسياق الحديث ظاهر في هذا المعنى، وقيل: عهده وأمانه الذي يؤمن من العذاب، والحبل العهد والميثاق، وفي الحديث: (بيننا وبين القوم حبال) أي: عهود ومواثيق، وقيل: أي: وصلة لمزيد الترقي إلى معارج القدس، وفيه تلويح إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
٦١٤١ - [٧] (ابن عمر) قوله: (يا ابن ذي الجناحين) لقَّبه بهذا اللقب لأنه ﵁ لما استشهد بغزوة موتة رآه ﷺ له جناحان يطير بهما مع الملائكة، وقد ورد بطرق متعددة: (رأيت جعفرًا في الجنة يطير في الملائكة)، وفي حديث: قال لعبد اللَّه بن جعفر: (هنيئًا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء).
٦١٤٢ - [٨] (البراء) قوله: (على عاتقه) العاتق هو من المنكب إلى أصل العنق، هذا قول أبي عبيدة، وقال الأصمعي: هو موضع الرداء من الجانبين، كذا في (المشارق) (١)، وأقول: العاتق هو يثنى ويجمع، أما التثنية فظاهر، وأما الجمع فلعله بإرادة ما فوق الواحد أو لتعدد أجزائهما.
стр. 5884
٦١٤٣ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ: "أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟ " يَعْنِي حَسَنًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٢٢، م: ٢٤٢١].
٦١٤٤ - [١٠] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٠٤].
ــ
٦١٤٣ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (خباء فاطمة) أراد به البيت، وفي بعض النسخ: (خباب فاطمة)، والظاهر أنه تصحيف وتغيير.
وقوله: (أثم لكع؟ ) الهمزة للاستفهام و (ثم) بفتح المثلثة اسم إشارة للمكان، كما في قولهم: ومِن ثَم، و (اللُّكَعُ) على وزن صرد يجيء لمعان منها الصغير، وهو المراد هنا.
٦١٤٤ - [١٠] (أبو بكرة) قوله: (إن ابني هذا سيد) السيد الذي يفوق قومه في الخير، وقيل: السيد من لا يغلبه غضبه، وقيل: (سيد) أي: حكيم، والسيد يطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم، ومتحمل أذى قومه، والزوج والرئيس والمقدم.
وقوله: (ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) إخبار عن تفرق المسلمين فرقتين، فرقة مع الحسن وفرقة مع معاوية، وكان الحسن ﵁ أحق
стр. 5885
٦١٤٥ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْمُحْرِمِ -قَالَ شُعْبَةُ: أَحْسَبُهُ: يَقْتُلُ الذُّبَابَ- قَالَ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يَسْأَلُونِي عَنِ الذُّبَابِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُمَا رَيْحَانَيَّ مِنَ الدُّنْيَا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٥٣].
ــ
بذلك، وقد بقي ستة أشهر من ثلاثين سنة التي بها يتم ما أخبر النبي ﷺ بقوله: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، فدعاه شفقته ﵁ على أمة جده إلى ترك المُلك رغبة فيما عند اللَّه، وروي عنه أنه قال: ما أحببت أن لي أمر أمة محمد على أن يهراق في ذلك محجمة دم، ودل الحديث أن كلا الفريقين كانا على ملة الإسلام مع كون إحداهما مصيبة والأخرى مخطئة، وصلح الحسن مع معاوية دليل على صحة إمارته.
٦١٤٥ - [١١] قوله: (وعن عبد الرحمن بن أبي نعم) بضم النون وسكون المهملة.
وقوله: (سمعت عبد اللَّه بن عمر) مفعوله (قال) في قوله: (قال أهل العراق).
وقوله: (أهل العراق يسألوني) مبتدأ أو خبر مقول (قال).
وقوله: (وسأله رجل) حال من ضمير (قال)، والرجل من قوم قتلوا سيدنا الإمام الحسين سلام اللَّه عليه وعلى آبائه الكرام.
وقوله: (أحسبه: يقتل الذباب) تفسير لسؤال الرجل، أي: أحسب الرجل سأله ما حكم قتل المحرم الذباب: هل يبطل إحرامه، وهل يلزمه جزاء؟ .
وقوله: (هما ريحاني) بلفظ التثنية مضاف إلى ياء المتكلم بإبدال الألف ياء على الشذوذ، أو النصب على المدح، وروي: (ريحانتاي) و (ريحاناي) و (ريحاني) أي: كل واحد، والريحان يطلق على الرزق والرحمة والراحة، ويطلق على الولد، وورد في
стр. 5886
٦١٤٦ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَالَ فِي الْحَسَنِ أَيْضًا: كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٥٢].
٦١٤٧ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى صَدْرِهِ فَقَالَ: "اللهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ". وَفي رِوَايَةٍ: "عَلِّمْهُ الْكِتَابَ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٥٦].
٦١٤٨ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: "مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ ". . . . .
ــ
شأن أولادهم: (مبخلة مجبنة مجهلة، وإنهم لمن ريحان اللَّه)، أي: مع كونهم مظنة أن يحملوا الآباء على البخل والجبن عن الغزو، من ريحان اللَّه، أي: رزقه وعطائه ورحمته، ويجوز أن يطلق بمعنى الريحان المشموم أيضًا، وهو كل نبت مشموم طيب الرائحة لأن الأولاد يشمُّون ويقبَّلون.
٦١٤٦ - [١٢] (أنس) قوله: (وقال في الحسن أيضًا: كان أشبههم) لا شك أن في إثبات الأشبهية لكل من الإمامين منافاة، إلا أن يراد في الإمام الأول الحقيقي، وفي الثاني الإضافي، أو يخص كل واحد منهما عن الناس، فافهم. وتحقيق التطبيق بينهما بما يأتي في (الفصل الثاني) من حديث علي قال: الحسن أشبه ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين ما كان أسفل من ذلك.
٦١٤٧ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (اللهم علمه الحكمة) المراد معرفة حقائق الأشياء والعمل بما ينبغي، وهو المذكور في كتاب اللَّه تعالى.
٦١٤٨ - [١٤] (وعنه) قوله: (دخل الخلاء فوضعت له وضوءًا) بفتح الواو
стр. 5887
فَأُخبِرَ فَقَالَ: "اللهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٣، م: ٢٤٧٧].
٦١٤٩ - [١٥] وَعَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ فَيَقُولُ: "اللهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّي أُحبُّهُمَا".
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: "اللهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٣٥].
٦١٥٠ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ،
ــ
وكان ذلك في ليلة بات في بيت ميمونة خالته ﵄، وتمام الحديث مذكور في (باب قيام الليل)، وكان ابن عباس في حضرته ﷺ ، لكنه لما لم يخاطبه، وسأل مَن عنده مِن أهله، أتى بضمير الغائب، فجعلُ الطيبي إياه من الدعاء بظهر الغيب محلُّ نظر، والمراد بالفقه هنا: معرفة النفس ما لها وما عليها، وفي الحديث حصول الفيض والنعمة من خدمة الأكابر ورضائهم ودعائهم.
٦١٤٩ - [١٥] (أسامة بن زيد) قوله: (ثم يضمهما) قال الطيبي (١): الضمير للحسن وأسامة، ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة، ويجوز أن يجعل للفخدين، فافهم.
وقوله: (أرحمهما) أي: أحبهما، والرحمة لازمة للمحبة.
٦١٥٠ - [١٦] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (بعث بعثًا وأمر عليهم أسامة) من التأمير،
стр. 5888
فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ،
ــ
أي: جعله أميرًا، بعثه إلى أُبنى بضم الهمزة وسكون الموحدة في آخره ألف: ناحية بالبلقاء لغزوة الروم مكان قُتِلَ أبوه زيد، وكان آخر سرية جهزها النبي ﷺ ، وعقد لأسامة ﵁ لواء بيده، وعسكر بالجرف، فحم وصدع رسول اللَّه ﷺ ، ولم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب [في تلك الغزوة] فيهم أبو بكر وعمر ﵄، فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين، فخرج ﷺ وقد عصب رأسه فصعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: أيها الناس)، الحديث، فغلبه الوجع، وتوفي ﷺ ، فلم يتم الأمر.
وقوله: (فطعن) كمنع في العرض والنسب، وبالضم بالرمح واليد، وقيل: هما لغتان، كذا قال الشيخ (١)، وفي (القاموس) (٢): طعنه بالرمح كمنعه ونصره طعنًا: ضربه ووخزه، فهو مطعون وطعين، و [الجمع] طُعْن بالضم، وفيه بالقول [طَعْنا وطَعَنانًا].
وقوله: (في إمارة أبيه) يريد إمارة زيد بن حارثة في غزوة موتة، وفيهم خيار الصحابة منهم جعفر بن أبي طالب ﵁، وعند النسائي عن عائشة [قالت: ] ما بعث رسول اللَّه ﷺ زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمَّره عليهم، رواه النسائي، وفيه جواز إمارة المولى، وتولية الصغار على الكبار، والمفضول على الفاضل، كذا قال الشيخ (٣).
стр. 5889
وَأَيْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمَارَةِ، وإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٣٠، م: ٢٤٢٦].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ وَفِي آخِره: "أُوصِيكُمْ بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ".
٦١٥١ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زيدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٨٢، م: ٢٤٢٥].
وَذُكرَ حَدِيثُ الْبَراءِ قَالَ لعليّ: "أَنْتَ مِنِّي" فِي "بَابِ بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَحَضَانتَهِ".
ــ
وقوله: (وإن كان) أي: أبوه زيد، والطعن في إمارة الموالي كان من عادة الجاهلية، فلما جاء اللَّه بالإسلام، ورفع قدر من لم يكن له عندهم قدر بالإيمان والهجرة والعلم، ارتفعت الجاهلية وعاداتها، وقد أشار ﷺ إلى فضله بقوله: (وإن كان لمن أحب الناس إليّ) وأيّ فضيلة بعد ثبوت محبته ﷺ ، خصوصًا الأحبية.
وقوله: (أوصيكم به فإنه من صالحيكم) وفي رواية: (فاستوصوا به خيرًا، فإنه من خياركم).
٦١٥١ - [١٧] (وعنه) قوله: (إلا زيد بن محمد) لأنه قد تبناه، وكانت العرب تَتَبنى مواليهم ويوارثونهم، فلما نزل القرآن ارتفع ذلك.
стр. 5890
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٦١٥٢ - [١٨] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حِجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٨٦].
٦١٥٣ - [١٩] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ،
ــ
الفصل الثاني
٦١٥٢ - [١٨] (جابر) قوله: (كتاب اللَّه) بالنصب بدل من (ما)، (وعترتي) عطف عليه، و (أهل بيتي) بيان لـ (عترتي)، عترة الرجل: نسله ورهطه وعشيرته الأدنون ممن مضى وغبر، وبيَّنه ﷺ بـ (أهل بيتي) تشريفًا وتكريمًا لهم بكونهم أهل بيته ومخالطين ومقتبسين من أنواره فائزين بأسراره، والظاهر أن المراد بأهل البيت ههنا أخص من أولاد الجد القريب وهم بنو هاشم بل أولاده وذريته، والعترة أعم من ذلك، فافهم.
٦١٥٣ - [١٩] (زيد بن أرقم) قوله: (كتاب اللَّه حبل ممدود) صحِّح (كتاب) هنا بالنصب والرفع، والظاهر أن في الحديث السابق أيضًا يكون كذلك لكنه لم يجعل في النسخ.
وقوله: (حبل ممدود من السماء إلى الأرض) قد عرف معناه في (الفصل الأول)، وإنما كان القرآن أعظم لأنه أسوة للعترة، وهم متمسكون به ومقتدون به، وهو صفة اللَّه تعالى.
стр. 5891
وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٨٨].
٦١٥٤ - [٢٠] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيِّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: "أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَهُمْ، وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَهُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٧٠].
٦١٥٥ - [٢١] وَعَنْ جُمَيع بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَمَّتِي عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلْتُ: أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: فَاطِمَةُ. فَقِيلَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَتْ: زَوْجُهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٧٤].
ــ
وقوله: (ولن يتفرقا) أي: يفارقاني في مواطن القيامة ومشاهدها (حتى يردا علىّ) بتشديد الياء، و (الحوض) منصوب مفعول (يردا)، يعني: فيشكرانكم صنيعكم عندي.
وقوله: (فانظروا) أي: تأملوا وتفكروا كيف تكونوا خلفًا لي بعدي عاملين متمسكين بهما.
٦١٥٤ - [٢٠] (وعنه) قوله: (أنا حرب) أي: محارب، و (السلم) بالكسر والفتح: الصلح.
٦١٥٥ - [٢١] (جميع بن عمير) قوله: (وعن جميع بن عمير) كلاهما على لفظ التصغير.
وقوله: (قالت: زوجها) انظر إلى إنصاف الصديقة وصدقها على زعم من يزعم من الزائغين خلاف ذلك، ولقد استحيت أن تذكر نفسها وأباها، ولا يبعد أن لو سئلت فاطمة عن ذلك لقالت: عائشة وأبوها، وقد ورد كذلك في رواية عن غير فاطمة ﵂،
стр. 5892
٦١٥٦ - [٢٢] وَعَن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ الْعَبَّاسَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُغْضَبًا وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: "مَا أَغْضَبَكَ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا وَلِقُرَيْشٍ إِذَا تَلَاقَوْا بَينَهُمْ تَلَاقَوْا بِوُجُوهٍ مُبْشَرَةٍ، وَإِذَا لَقُونَا لَقُونَا بِغَيْرِ ذَلِكَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ للَّهِ وَلِرَسُولِهِ"، ثُمَّ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي، فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي "الْمَصَابِيحِ" عَنِ الْمُطَّلِبِ. [ت: ٣٧٨٥].
ــ
ومن هنا يعلم أن الوجوه مختلفة والحيثيات متعددة، وبهذا تنحلُّ الشبهات ويخلص عن الورطات.
٦١٥٦ - [٢٢] (عبد المطلب) قوله: (وعن عبد المطلب بن ربيعة) اعلم أن ربيعة بن الحارث ابن عم رسول اللَّه ﷺ ، والحارث عمه، ولربيعة صحبة، وله ابن يقال له: المطلب بن ربيعة، ويقال: عبد المطلب بن ربيعة، وهو الأكثر، وله أيضًا صحبة.
وقوله: (مغضبًا) بفتح الضاد، أغضبه فلان: حمله على الغضب.
وقوله: (بوجوه مبشرة) بضم الميم وسكون الباء وفتح الشين المعجمة، أي: عليها البشر -بالكسر- وهو الطلاقة، وروي (مسفرة) ببناء اسم الفاعل من الإسفار، أي: مضيئة مشرقة. و (الصنو) بكسر الصاد وبضم وسكون النون، أي: مثله، والنخلتان فما زاد في الأصل الواحد، كل منهما صنو، أو عامٌّ فِي جميع الأشجار، وهما صنوان وصنيان مُثَلَّثَان، كذا في (القاموس) (١).
стр. 5893
٦١٥٧ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعَبَّاسُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٥٩].
٦١٥٨ - [٢٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَلْعَبَّاسِ: "إِذَا كَانَ غَدَاةَ الِاثْنَيْنِ فَأْتِنِي أَنْتَ وَوَلَدُكَ حَتَّى أَدْعُوَ لَكُمْ بِدَعْوَةٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا وَوَلَدَكَ" فَغَدَا وَغَدَوْنَا مَعَهُ وَأَلْبَسَنَا كِسَاءَهُ، ثُمَّ قَالَ: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ مَغْفِرَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً لَا تُغَادِرُ ذَنْبًا، اللهُمَّ احْفَظْهُ فِي وَلَدِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ رَزِينٌ: "وَاجْعَلِ الْخِلَافَةَ بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٦٢].
٦١٥٩ - [٢٥] وَعَنْهُ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ. . . . .
ــ
٦١٥٧ - [٢٣] (ابن عباس) قوله: (العباس مني وأنا منه) رسول اللَّه ﷺ أصل باعتبار الشرف والفضل والنبوة، وعباس أصل من جهة النسب والعمومة، فافهم.
٦١٥٨ - [٢٤] (وعنه) قوله: (وولدك) الظاهر أن المراد جنس الولد لا عبد اللَّه ابن عباس وحده، فافهم.
وقوله: (أدعو لكم) وفي بعض الروايات: (لهم).
وقوله: (وألبسنا كساءه) وفي رواية: (فشملنا بملاءته ثم قال: اللهم هذا عمي وصنو أبي فاستره وولده من النار كستري إياهم بملاءتي هذه).
وقوله: (اللهم احفظه في ولده) أي: أكرمه وراع أمره لئلا يضيع في شأن ولده، يقال: حفظه نفسه: لم يُصيِّعْه ولم يتبذله فيما لا يعنيه، ومنه: (احفظوا أيمانكم).
٦١٥٩ - [٢٥] (وعنه) قوله: (أنه رأى جبرئيل مرتين) ذكر السيوطي في (جمع
стр. 5894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجوامع) (١): عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: مررت بالنبي ﷺ وقد انصرف من صلاة الظهر وعَلَيَّ ثياب بيض، وهو يناجي دحية الكلبي فيما ظننت، وكان جبريلَ ولا أدري، فقال جبريل للنبي ﷺ : يا رسول اللَّه! هذا ابن عباس، أما إنه لو سلَّم علينا لرددنا عليه، أما إنه شديد وضح الثياب، ولتلبسنَّ ذريته من بعده السواد، فلما عرج جبريل وانصرف النبي ﷺ قال: (ما منعك أن تسلم إذ مررت آنفا؟ ) قلت: يا رسول اللَّه! مررت بك وأنت تناجي دحية الكلبي فكرهت أن أقطع نجواكما بردكما علي السلام، قال: ([لقد أثبتَّ النظر] ذلك جبريل)، الحديث، ورواه ابن عساكر، وذكر الترمذي أنه رأى جبرئيل مرتين، كذا في (جامع الأصول) (٢).
وأقول: كان جبرئيل يأتي النبي ﷺ في صورة دحية، وكان أصحابه يرونه يحسبون أنه دحية، فما وجه تخصيص ابن عباس بذلك؟ فلعله رآه في عالم الملكوت متمثلًا بصورة دحية جالسًا عند النبي ﷺ مناجيًا إياه، ورؤية الصحابة كان في عالم الناسوت، فهذا وجه تخصيص ابن عباس برؤية جبرئيل دون غيره من الصحابة، ويدل عليه ما جاء في رواية ابن النجار عن ابن عباس قال: دخلت أنا وأبي على النبي ﷺ ، فلما خرجنا من عنده قلت لأبي: ما رأيتَ الرجل الذي كان مع النبي ﷺ ؟ ما رأيتُ رجلًا أحسن وجهًا منه، فقال لي: هو كان أحسن وجهًا أم النبي ﷺ ؟ قلت: هو، وما جاء في آخر حديث ميمون بن مهران المذكور أنه قال رسول اللَّه ﷺ : (ذلك جبرئيل، وليس أحد رآه غير نبي إلا ذهب بصره، وبصرك ذاهب، وهو مردود عليك يوم وفاتك)، فلما
стр. 5895
وَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مرَّتَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذيُّ. [ت: ٣٨٢٢].
٦١٦٠ - [٢٦] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: دَعَا لي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤْتيَني اللَّهُ الْحِكْمَةَ مرَّتَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٢٣].
٦١٦١ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ جَعْفَرٌ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ،
ــ
مات ابن عباس وأدرج في أكفانه انقض طائر أبيض فأتى بين أكفانه وطلب فلم يوجد، فقال عكرمة مولى ابن عباس: أحمقى أنتم؟ هذا بصره الذي وعده رسول اللَّه ﷺ أن يرد عليه يوم وفاته، فلما أتوا به القبر ووضع في لحده تُلُقِّيَ بكلمة سمعها من كان على شفير القبر: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ الآية [الفجر: ٢٧ - ٢٨].
وقوله: (دعا له مرتين) أحدهما ما مرّ من حديثه: ضمني النبي ﷺ إلى صدره فقال: (اللهم علمه الحكمة، أو علمه الكتاب)، وثانيهما أيضًا حديثه: أن النبي ﷺ دخل الخلاء فوضعت له وضوءًا، فلما خرج قال: (من وضع هذا الماء؟ ) فأخبره، فقال: (اللهم فقِّهه في الدين)، وكلا الحديثين مرّ في، (الفصل الأول)، ويحتمل أن يكون إحدى المرتين حين بات في بيت ميمونة فقام بالليل، وثانيهما ما دعا له لولد العباس في الحديث المذكور آنفًا، والحديثان السابقان كلاهما يكون مرة واحدة في بيتوتته بتعدد الروايتين، واللَّه أعلم.
٦١٦٠ - [٢٦] (وعنه) قوله: (أن يؤتيني اللَّه الحكمة مرتين) هذا الحديث ظاهر في أن المراد بالدعاء مرتين هو ما ذكر في الحديثين السابقين؛ لأن في دعاء ولد العباس ليس ذكر الحكمة والفقه صريحًا.
٦١٦١ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (يحب المساكين ويجلس إليهم) فيه دلالة
стр. 5896
وَكَانَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَنِّيهِ بِأَبِي الْمَسَاكِينِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٦٦].
٦١٦٢ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأَيْتُ جَعْفَرًا يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٦٣].
٦١٦٣ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجنَّةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٦٨].
ــ
على أن حب الكبراء وأربابِ الشرف المساكينَ وتواضعَهم لهم يزيد في فضلهم، ويعدُّ ذلك من مناقبهم.
٦١٦٢ - [٢٨] (وعنه) قوله: (يطير في الجنة مع الملائكة) ولهذا سمي ﵁ بجعفر الطيار وبذي الجناحين، كما مرّ في (الفصل الأول).
٦١٦٣ - [٢٩] (أبو سعيد) قوله: (سيدا شباب أهل الجنة) هو جمع شاب وهو من بلغ إلى ثلاثين، ولا يجمع فاعل على فَعَال غيره، يجمع على شببة، والشبان أيضًا، قيل: يعني: أفضل ممن مات شابًا في سبيل اللَّه من أصحاب الجنة، كذا نقل الطيبي (٢)، وفيه نظر؛ لأنه لا وجه لتخصيص فضلهما على من مات شابًا بل هما أفضل من كثير ممن مات شيخًا، فالأولى ما قيل: إن المراد: هما سيدا أهل الجنة؛ لأن أهل الجنة كلهم شباب، لكن يخص بما سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين.
وقيل: أراد بالشباب الفتيان من الفتوة بمعنى الكرم، كما يقال: فلان فتى، وإن كان شيخًا مشيرًا إلى فتوته ومروءته، فتدبر.
стр. 5897
٦١٦٤ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ هُمَا رَيْحَانَيَّ مِنَ الدُّنْيَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الأَوَّلِ. [ت: ٣٨١٣].
٦١٦٥ - [٣١] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: طَرَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي بَعْضِ الْحَاجَةِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى شَيْءٍ، وَلَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَاجَتِي قُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَنْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ؟ فَكَشَفَهُ فَإِذَا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى وَرِكَيْهِ. فَقَالَ: "هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا ابْنَتِي، اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٦٩].
ــ
ويجوز أن يكون سماهما شبابًا مع كونهما كهلين تحببًا وتعطفًا كما يسمي الوالد ولده صغيرًا ووليدًا وإن كان شابًّا مسنًّا، واللَّه أعلم.
٦١٦٤ - [٣٠] (ابن عمر) قوله: (وقد سبق في الفصل الأول) كأنه تعريض على صاحب (المصابيح) في ذكره مكررًا من غير أن يكون بينهما اختلاف يعتد به.
٦١٦٥ - [٣١] (أسامة بن زيد) قوله: (طرقت) أي: أتيت، والطرق والطروق: الإتيان بالليل (على وركيه) بالفتح والكسر وككتف: ما فوق الفخذ، كالكتفين فوق العضدين.
وقوله: (ابناي) دل على أن ابن البنت ابن كابن الابن، وفيه ثبوت شرف النسب من جهة الأم ردًّا على من أنكره، والحجة على ذلك قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤].
٦١٧٥ - [٤١] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَبَطْتُ وَهَبَطَ النَّاسُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أُصْمِتَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ يَدَيْهِ عَليَّ وَيَرْفَعُهُمَا، فَأَعْرِفُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨١٧].
٦١٧٦ - [٤٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُنَحِّي مُخَاطَ أُسَامَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: دَعْنِي حَتَّى أَنَا الَّذِي أَفْعَلُ. قَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَحِبِّيهِ فَإِنِّي أُحِبُّهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨١٨].
ــ
٦١٧٥ - [٤١] (أسامة بن زيد) قوله: (هبطت وهبط الناس) وذلك حين جهز جيشه ونزل بالجرف موضع خارج المدينة، وعرض لرسول اللَّه ﷺ الحمى والصداع فتوفي بعد أيام، وإنما قال: هبط لأن الجرف في علو المدينة كعرفات من مكة، والعرب إذا جاؤوا من عرفات بمكة يقولون: هبطنا إلى مكة، وإذا ذهبوا إلى عرفات قالوا: صعدنا إلى عرفات، بل يقولون في المسجد إذا ذهبوا إلى باب السلام: صعدنا إلى باب السلام.
وقوله: (وقد أصمت) بلفظ المجهول من الإصمات، أي: أسكت واعتقل لسانه.
٦١٧٦ - [٤٢] (عائشة) قوله: (أن ينحي مخاط) أي: يزيل ما كان يخرج من أنفه من الماء، والمخاط بضم الميم: ما يسيل من الأنف، وقول عائشة ﵂: (دعني حتى أنا الذي أفعل) كأنها كرهت بتنحيه ﷺ مخاطه.
وقوله: (أنا الذي أفعل) من باب: أنا الذي سمتني أمي.
стр. 5903
٦١٧٧ - [٤٣] وَعَنْ أُسَامَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا إِذْ جَاءَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَسْتَأْذِنَانِ فَقَالَا لأُسَامَةَ: اسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَسْتَأْذِنَانِ. فَقَالَ: "أَتَدْرِي ما جَاءَ بِهِمَا؟ " قُلْتُ: لَا. قَالَ: "لَكِنِّي أَدْرِي ائْذَنْ لَهُمَا" فَدَخَلَا فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ أَيُّ أَهْلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ"، قَالَا: مَا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ أَهْلِكَ، قَالَ: "أَحَبُّ أَهْلِي إِلَيَّ مَنْ قَد أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْهِ، أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ" قَالَا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ"، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَعَلْتَ عَمَّكَ آخِرَهُمْ؟ قَالَ: "إِنَّ عَلِيًّا سَبَقَكَ بِالْهِجْرَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨١٩].
ــ
٦١٧٧ - [٤٣] (أسامة) قوله: (فاطمة بنت محمد) في هذا الوصف تفخيم وتعظيم لها، وبيان لعلة الحكم.
وقوله: (عن أهلك) أي: عن أولادك وأزواجك.
وقوله: (من النساء) ليس في (جامع الترمذي) ولا في (جامع الأصول) ويوجد في نسخ (المصابيح).
وقوله: (أسامة بن زيد) لا شك أن المنصوص عليه بإنعام اللَّه ورسوله هو زيد ابن حارثة أبو أسامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، أي: بالهداية والكرامة، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: بالإعتاق والتبني، ولكن التربية والإنعام على الوالد إنعام على ولده، كما ذكروا في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٤٠]. وبهذا الاعتبار قال: (أسامة بن زيد) كأنه يقول: زيد وابنه أسامة.
стр. 5904
وَذُكِرَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ فِي "كِتَابِ الزَّكَاةِ".
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦١٧٨ - [٤٤] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الْعَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي وَمَعَهُ عَلِيٌّ فَرَأَى الْحَسَنَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ. وَقَالَ: بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ، لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِي، وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٤٢].
٦١٧٩ - [٤٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا، قَالَ أَنَسٌ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مَخْضُوبًا بِالْوَسْمَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٤٨].
ــ
الفصل الثالث
٦١٧٨ - [٤٤] (عقبة بن الحارث) قوله: (بأبي) أي: مفديٌّ بأبي، وليس قَسَمًا، فإن الحلف بغير اللَّه لا يجوز، وقد يقال: عدم الجواز إنما هو على قصد التعظيم، فيكون بطريق يمين اللغو، فتدبر.
٦١٧٩ - [٤٥] (أنس) قوله: (وقال في حسنه شيئًا) قد سبق إلى الذهن أنه طعن ونَقَصَ حسنه مكابرةً وعنادًا، فرد عليه أنس قوله، ولكن يظهر من رواية الترمذي أنه حسَّنه ووصفه بالحسن البالغ، وكان ذلك أيضًا بطريق الاستهزاء والسخرية وتبهجًا وسرورًا حصل له بقتله.
و(الوسمة) بفتح الواو -وأخطأ من ضمها- وسكون المهملة، ويجوز فتحها:
стр. 5905
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ، فَجِيءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِقَضِيبٍ فِي أَنْفِهِ وَيَقُولُ: ما رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا حُسْنًا. فَقُلْتُ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشْبَهِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٧٨].
٦١٨٠ - [٤٦] وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بنتِ الْحَارِثِ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ حُلْمًا مُنْكَرًا اللَّيْلَةَ. قَالَ: "وَمَا هُوَ؟ " قَالَتْ: إِنَّهُ شَدِيدٌ، قَالَ: "وَمَا هُوَ؟ " قَالَتْ: رَأَيْتُ كَأَنَّ قِطْعَةً مِنْ جَسَدِكَ قُطِعَتْ وَوُضِعَتْ فِي حِجْرِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأَيْتِ خَيْرًا تَلِدُ فَاطِمَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غُلَامًا يَكُونُ فِي حِجْرِكِ". فَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ الْحُسَيْنَ فَكَانَ فِي حِجْرِي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ،
ــ
نبت يخضب به يميل إلى السواد، وفي (الحواشي): الوسمة بكسر السين في لغة الحجاز أفصح من السكون، وأنكر الرازي السكون، وقال: كلام العرب بالكسر، وفي (مجمع البحار) (١): بكسر سين، وقد تسكَّن: نبت، وقيل: شجر باليمن يخضب بورقه الشعر، أسودُ، وقيل: بالضم: ورقُ نبتٍ يجعل منه النيل، وفي (القاموس) (٢): الوسمة بالفتح، وقيل بالضم: ورق النيل أو نبات يخضب بورقه.
٦١٨٠ - [٤٦] (أم الفضل بنت الحارث) قوله: (إني رأيت حلمًا) الحلم بضمتين وبضم فسكون: ما يراه النائم، و (الحجر) بفتح الحاء وكسرها: حضن الإنسان
مِنْ نِعَمَةٍ، وَأَحِبُّونِي (١) لِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٨٩].
٦١٨٣ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ آخِذٌ بِبَابِ الْكَعْبَةِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "أَلَا إِنَّ مِثْلَ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ مِثْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [فضائل الصحابة: ١٤٠٢].
* * *
ــ
الغين المعجمة وبالذال المعجمة: ما به نماء الجسم وقوامه، غذاه غذوًا فاغتذى وتغذى.
وقوله: (من نعمة) بالتاء بلفظ المفرد، وفي بعض النسخ: (من نعمه) بهاء الضمير بلفظ الجمع.
٦١٨٣ - [٤٩] (أبو ذر) قوله: (وهو آخذ بباب الكعبة) وزاد في رواية: (وهو -أي: أبو ذر- يقول: من عرفني فأنا من قد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر) أي: المشهور بصدق اللهجة تلميحًا إلى قوله: (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على أصدق لهجة من أبي ذر)، قالوا: علامة السعادة وطريق القرب إلى اللَّه والوصول إلى مرضاته شيئان: تعظيم صحابة الرسول ﷺ ومحبة أهل بيت النبوة سلام اللَّه عليهم بحيث لا يخلُّ أحدهما بالآخر، ولا يجتمعان إلا في قلب مؤمن تقي صحيح الإيمان، رزقنا اللَّه.
стр. 5908
١١ - باب مناقب أزواج النبي ﷺ (١)
ــ
١١ - باب مناقب أزواج النبي ﷺ ورضي اللَّه عنهن
اعلم أن أزواجه ﷺ كانت في وقتٍ تسعًا، وفي وقتٍ آخر إحدى عشر، وفي آخر أكثر منها، وفي آخر أقل، قال في (جامع الأصول): قد اختلف العلماء في عِدَّة أزواج النبي ﷺ وفي ترتيبهن، وعِدَّةِ من مات منهن قبله ومن مات بعده ﷺ ، ومن دخل بها ومن لم يدخل بها، ومن خطبها ولم ينكحها، ومن عرضت نفسها عليه، قال: ونحن نذكر أشهر ما نقل، ثم ذكر أسماءهن وأحوالهن، ونحن نذكر في هذا الباب أسماءهن وتاريخ نكاحهن ووفاتهن، ونذكر إن شاء اللَّه أحوالهن فيما قصدنا من ذكر رجال هذا الكتاب في جزء على حدة.
فأولهن: خديجة بنت خويلد تزوجها ﷺ وهو ابن خمس وعشرين، ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على القول الصحيح.
ثم سودة بنت زمعة ﵂ ماتت سنة أربع وخمسين.
ثم عائشة الصديقة بنت الصديق ﵂ تزوجها بمكة وهي بنت ستة وبنى عليها وهي بنت تسع، وماتت سنة خمس (٢) أو ثمان وخمسين.
ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب تزوجها سنة اثنين أو ثلاث، وماتت سنة خمس وأربعين أو إحدى وأربعين.
ثم زينب بنت خزيمة تزوجها سنة ثلاث، وماتت سنة أربع.
стр. 5909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم أم سلمة هند بنت أمية المخزومية تزوجها سنة أربع أو ثلاث، وماتت سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة اثنين وستين، والأول أصح.
ثم زينب بنت جحش تزوجها سنة خمس، وماتت سنة عشرين أو إحدى وعشرين، وهي أول من ماتت من أزواجه ﷺ بعده.
ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان، واختلف في وقت تزوجها، فقيل: سنة ست، زوجه ﷺ منها النجاشي -وهي بحبشة كانت تحت عبد اللَّه بن جحش فتنصر ومات هناك سنة ست- بأربع مئة درهم، وقيل: بالمدينة، والأول أصح وأشهر. [وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة اثنتين وأربعين].
ثم جويرية بنت الحارث، سباها النبي ﷺ في غزوة مريسيع سنة ست، ثم أعتقها وتزوجها، ماتت سنة ست وخمسين.
ثم ميمونة بنت الحارث تزوجها سنة سبع، ماتت سنة إحدى وستين أو إحدى وخمسين.
ثم صفية بنت حيي بن أخطب تزوجها سنة سبع في غزوة خيبر، سباها ثم أعتقها وتزوجها، وماتت سنة اثنين وخمسين.
ثم ريحانة بنت زيد، كانت يهودية، سباها ثم تزوجها سنة ست، ماتت بعد عوده من حجة الوداع، وقيل: سنة ست عشرة، والأول أصح.
هذه المذكورات تزوجهن رسول اللَّه ﷺ ودخل بهن، وجماعة من النساء عشرون أو أكثر تزوجهن وفارقهن قبل الدخول بهن، ومنهن من خطبهن ولم يتزوجهن، ومنهن من فارقها عند تخيير النساء بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ
стр. 5910
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦١٨٤ - [١] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٣٢، م: ٢٤٣٠].
ــ
الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]، فاختارت الدنيا، وتفاصيلها في (جامع الأصول) (١) فلينظر ثمة.
وأما سراريه فقيل: إنهن أربعٌ؛ أشهرها مارية القبطية بنت شمعون أم إبراهيم ابن رسول اللَّه ﷺ ، ماتت سنة ست عشرة، وريحانة بنت شمعون، وقيل: بنت زيد، وقد تقدم ذكرها في جملة أزواجه، ويقال: إنه لم يعتقها، وإنما وطئها بملك اليمين، وأخرى وهبتها له زينب بنت جحش، وأخرى أصابها في بعض السبي، واللَّه أعلم.
الفصل الأول
٦١٨٤ - [١] (علي) قوله: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة) قال الشيخ (٢): قال القرطبي: الضمير عائد إلى غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة، يعني به الدنيا، وقال الطيبي: الضمير الأول للأمة التي كانت مريم فيها، والثاني إلى هذه الأمة. والذي يظهر لي أن قوله: (خير نسائها) خبر مقدم والضمير لمريم، فكأنه قال: مريم خير نساء زمانها، انتهى كلام الشيخ.
стр. 5911
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.
ــ
لا يخفى أن الوجه الأول -وهو عود الضمير إلى الدنيا- لا يظهر منه وجه وجيه للتكرار، كما في الوجهين الأخيرين.
وقوله: (وأشار وكيع إلى السماء والأرض) قيل: أراد بإشارته إلى السماء والأرض أنها خير ممن هو فوق الأرض وتحت السماء لا تفسيرًا للضمير لأنه مفرد، وقيل: أراد تفسير الضمير بتأويل جملة طبقات السماء وأقطار الأرض، أو بتأويل الدنيا، فإنه قد يعبر بالسماء والأرض عن العالم كله، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١]، وقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، فافهم.
ثم إنه قد ظهر من الحديث كون مريم وخديجة خير نساء أمتهما، أما النسبة بينهما بالفضل فلم تعلم، ونقل عن التفسير للنسفي: أن خديجة وعائشة أفضل من مريم ﵅، وهذا إذا قلنا بالأصح أنها ليست بنبية، وقد تقرر أن هذه الأمة أفضل من غيرها، ثم اختلفوا في فضل عائشة على خديجة، وكذا في فضل فاطمة على عائشة أو العكس، ونقل عن مالك أنه قال: فاطمة بضعة من النبي ﷺ ، ولا أفضِّل [أحدًا] على بضعة من رسول اللَّه ﷺ ، وسئل الإمام السبكي (١) عن ذلك فقال: الذي نختاره وندين اللَّه به أن فاطمة أفضل، ثم أمها خديجة ثم عائشة، وقال السيوطي في (الفتاوى) في فاطمة وعائشة أيتهما أفضل؟ : فيه ثلاث مذاهب أصحها: أن فاطمة أفضل، ومال بعضهم إلى الوقف، واللَّه أعلم.
стр. 5912
٦١٨٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدامٌ وَطَعَامٌ، فَإِذَا أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ. . . . .
ــ
٦١٨٥ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (هذه خديجة قد أتت) قيل: أتته من مكة وهو ﷺ بحراء، أتته بطعام يقتات ﷺ في خلوته، ولا يذهب عليك أن المشهور أن خلوة رسول اللَّه ﷺ بحراء كان قبل نزول جبريل، ولعله ﷺ أقام بها بعد نزوله أيضًا مدة، وإتيان خديجة بطعام كان في تلك المدة، واللَّه أعلم.
وقوله: (فاقرأ) بهمزة الوصل من القراءة، وإنما تكون هذه اللفظة بهمزة القطع من الإقراء إذا كان متعديًا بنفسه، نحو: أقرئ فلانًا السلام، وفلان يقرئك السلام، كما يأتي في الحديث الآتي.
وقوله: (من ربها) قيل: فيه فضل خديجة على عائشة لما يأتي فيها من الاكتفاء بسلام جبرئيل.
وقوله: (قصب) محركة: لؤلؤ مجوف واسع كالقصر، والقصب من الجواهر ما استطال منه في تجويف، وقال في (المشارق) (١): قد ذكر ابن وهب في روايته تفسيره في الحديث نفسه، قالت: يا رسول اللَّه! ما بيت من قصب؟ قال: (هو بيت من لؤلؤة مجبَّأة)، قال ابن وهب: أي: مجوفة، ويروى (مجوبة) بمعناه، قالوا: القصب هو اللؤلؤ المجوف الواسع كالقصر المنيف، وقال الخليل: القصب ما كان من الجوهر مستطيلًا أجوف، ويؤيد تفسيرهم قوله في الحديث الآخر: (قباب اللؤلؤ)، وفي الآخر: (قصر من درة مجوفة)، هذا وما قيل: فيه إشارة إلى قصب سبقها في الإسلام، ولهذا
стр. 5913
لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٢٠، م: ٢٤٣٢].
٦١٨٦ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ يُكْثِرُ ذِكرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَم تَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةَ، فَيقُول: "إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨١٨، م: ٢٤٣٥].
ــ
لم يقل: من لؤلؤة، لا يخلو عن خفاء، فافهم.
وقوله: (لا صخب فيه ولا نصب) الصخب بفتحتين: شدة الصوت، وقيل: الصوت المختلط، والنصب التعب، كما يكون في بيوت الدنيا، يكون الصخب في من يسكنها، والتعب في بنائها، أو كلاهما في البناء فإنه لا يتسبَّب إلا لصخب ونصب، وليس ذلك في بيوت الجنة، قيل: وذلك لأنها ﵂ أسلمت أولًا طوعًا بلا رفع صوت ولا منازعة ولا تعب.
٦١٨٦ - [٣] (عائشة) قوله: (ما غرت) بكسر الغين من غار يغار غيرة وغيرًا، و (ما) نافية، وفي قوله: (ما غرت) مصدرية، أي: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ مثل غيرتي على خديجة.
وقوله: (ثم يقطعها) بالتشديد، و (صدائق) جمع صديقة.
وقوله: (كانت وكانت) المراد عدّ فضائلها وخصالها وتكريرها.
وقوله: (وكان لي ولد) أي: أولاد، وكل أولاده ﷺ من خديجة إلا إبراهيم من مارية، وأيّ ولد مثل فاطمة سيدة نساء العالمين أم الحسن والحسين سلام اللَّه عليهم أجمعين.
стр. 5914
٦١٨٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَائِشُ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ". قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. قَالَتْ: وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٦٨، م: ٢٤٣٨].
٦١٨٨ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُريتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي: . . . . .
ــ
٦١٨٧ - [٤] (أبو سلمة) قوله: (يا عائش) ترخيم عائشة بفتح الشين وضمها، و (يقرئك) بضم الياء من الإقراء، كما قلنا، ووجهه أن المسلِّم يجعل المسلَّم عليه قارئًا للسلام ومتكلمًا به برده.
وقوله: (قالت) أي: عائشة: (وهو) أي: النبي ﷺ (يرى ما لا أرى) وهو جبرئيل.
٦١٨٨ - [٥] (عائشة) قوله: (في سرقة) بفتحات، أي: قطعة من جيِّد الحرير، جمعها سَرَقٌ بدون التاء، وفي (القاموس) (١): السرق محركة: شُقَقُ الحرير الأبيض، أو الحريرُ عامة، الواحدة بهاء، وفي (مختصر النهاية) (٢) للسيوطي: قال أبو عبيد: إنها الشقق إلا أنها البيض خاصة، وهي فارسية أصلها سَرَه، وهو الجيِّد.
وفي (المشارق) (٣): قال أبو عبيد: وأحسب الكلمة فارسية، قال ابن دريد: أصله سره، أي: جيد. قال الشيخ (٤): والجمع بينه وبين قولها: نزل جبرئيل بصورتي
стр. 5915
هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٩٥، م: ٢٤٣٨].
ــ
في راحته حين أمر رسول اللَّه ﷺ أن يتزوجني، بأن المراد أن صورتها كانت في الخرقة، والخرقة في راحته، ويحتمل أن يكون نزل بالكيفيتين، لقولها في نفس الخبر: نزل مرتين، انتهى.
قلت: قد وقع في هذا الحديث (ثلاث ليال)، فلا بد من وجه الجمع، أو حمل مرتين على معنى التكرار، واللَّه أعلم.
ثم الظاهر أنها كانت في السرقة، والتصاوير إنما حرمت بعد النبوة بل بعد القدوم بالمدينة، وأيضًا حرمتُها إنما كانت في هذا العالم لا في ذلك العالم، كما ورد في حديث شقِّ قلبه ﷺ وغسله في طست من ذهب.
وقوله: (فكشفت عن وجهك الثوب) يحمل على معنيين: أحدهما: عن وجه صورتك التي في السرقة فإذا أنت الآن تلك الصورة، وثانيهما: عن وجهك عند مشاهدتك فإذا أنت مثل الصورة التي رأيتها في المنام، وهذا تشبيه حذفت أداته للمبالغة.
وقوله: (إن يكن هذا من عند اللَّه يمضه) قيل: هذا الشرط لتقرير الوقوع بقوله المتحقق بثبوت الأمر وصحته، كقول السلطان لمن تحت يده: إن أكن سلطانًا انتقمت منك، ونقل الطيبي (١) عن القاضي عياض: إن كانت هذه الرؤيا قبل النبوة فلا إشكال في الشك، وإن كان بعدها فالشك في أن: هل هذه الرؤيا محمولة على ظاهرها أو لها تعبيرٌ يصرفها عن ظاهرها؟ والمراد زوجته في الدنيا أو في الآخرة؟ أو ما ذكره من
стр. 5916
٦١٨٩ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَتْ: إِنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ حِزْبَيْنِ: فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ، وَالْحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَة فَقُلْنَ لَهَا: كلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّم النَّاسَ فَيَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيُهْدِهِ إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ. فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَ لَهَا: "لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ. . . . .
ــ
المعنى، انتهى ملخصًا.
والظاهر أن هذه الرؤية بعد موت خديجة فيكون في أيام النبوة، واللَّه أعلم. فإن قلت: مجيء الملك بها هل يقطع احتمال كونه قبل النبوة؟ قلت: لا، إذ ملاقاة الملك لا يتوقف على النبوة نومًا أو يقظة، كذا في (مجمع البحار) (١).
قلت: يريد أنه يمكن أن يكون ذلك في مبادئ النبوة أو قبلها مطلقًا، وهو الظاهر، فإن رؤية الملك لا تختص بالنبي، وإنما المخصوص به إتيان الملك بالوحي من اللَّه سبحانه.
٦١٨٩ - [٦] (وعنها) قوله: (يتحرون) أي: يقصدون، والتحري: القصد والاجتهاد في الطلب، ومنه: تحري القبلة، وتحري ليلة القدر، وفي (القاموس) (٢): تحراه: تعمَّده وطلب ما هو أحرى بالاستعمال.
وقوله: (يكلم الناس) بالجزم جوابًا للأمر وكسرت الميم لالتقاء الساكنين،
стр. 5917
إِلَّا عَائِشَةَ". قَالَتْ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فَاطِمَةَ فَأَرْسَلْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَ: "يَا بُنَيَّةُ، أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ " قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: "فَأَحِبِّي هَذِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٨١، م: ٢٤٤١].
وَذُكِرَ حَدِيثُ أَنَسٍ فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ" فِي "بَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ" بِرِوَايَةِ أَبِي مُوسَى.
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٦١٩٠ - [٧] عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ. . . . . .
ــ
ويجوز فيه الرفع، كذا قال الشيخ (١)، قلت: يؤيد الرفع قوله: (فيقول) وضبط في بعض النسخ المصححة بالرفع لا غير.
وقوله: (إلا عائشة) أي: غيرها، صفة (امرأة).
وقوله: (ألا تحبين ما أحب) بإرادة الصفة، أي: شيئًا أحب، يفيد التعميم.
وقوله: (هذه) أي: عائشة، وفي التعبير بلفظ الإشارة من المبالغة والاعتناء ما لا يخفى.
الفصل الثاني
٦١٩٠ - [٧] (أنس) قوله: (حسبك) مبتدأ، و (من نساء) متعلق به، و (مريم) خبره، أي: كافيك معرفتك فضلهن وذكرك محاسنهن ومناقبهن من معرفة سائر النساء
стр. 5918
بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُويلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ محمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْن". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٧٨].
٦١٩١ - [٨] وَعَن عَائِشَةَ: أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ بِصُورَتِهَا فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٨٠].
٦١٩٢ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ: بِنْتُ يَهُودِيٍّ، فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ؟ " فَقَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ: إِنِّي ابْنَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّكِ ابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ،
ــ
وذكر محاسنها، والخطاب عام أو خاص بأنسٍ.
وقوله: (مريم بنت عمران) إلى آخرها يدل بظاهره على تساويهن في الفضل، وعلى التوقف في القول بتفضيل بعضها على بعض، ولم يذكر عائشة فيهن اكتفاءً بذكر فضلها وامتيازها في أحاديث أخر خصوصًا: (فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، واللَّه أعلم.
٦١٩١ - [٨] (عائشة) قوله: (في خرقة حرير خضراء) يدل -بناء على ما قالوا: إن السرقة تكون من حرير أبيض- أن القضية متعددة، أو يكون من اشتباه الراوي، واللَّه أعلم. وفي قوله: (والآخرة) بشارة لها ﵂ بالجنة وكل نساء النبي من أهل الجنة وليست البشارة مخصوصة بالعشرة من الأصحاب، كما بينا.
٦١٩٢ - [٩] (أنس) قوله: (إنك لابنة نبي) وكانت صفية بن حيي بن أخطب اليهودي من سبط هارون وعمها موسى ﵉.
стр. 5919
فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟ " ثُمَّ قَالَ: "اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣٨٩٤، ن في الكبرى: ٨٨٧٠].
٦١٩٣ - [١٠] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا فَاطِمَةَ عَامَ الْفَتْحِ فَنَاجَاهَا فَبَكَتْ، ثُمَّ حَدَّثَهَا فَضَحِكَتْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُهَا عَنْ بُكَائِهَا وَضَحِكِهَا. قَالَتْ (١): أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَمُوتُ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ فَضَحِكْتُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٧٣].
ــ
وقوله: (ففيم تفخر؟ ) بفتح الخاء من باب منع، والفخر والافتخار: التمدح بالخصال والتفضل بها على الغير.
فإن قلت: أليست حفصة ابنة بني إسماعيل لأنها قرشية، وعمُّها نبي وهو إسحاق، وتحت نبي، وهو النبي ﷺ ؟ قلت: المراد هذه الصفات مشتركة بين نسائه ﷺ اللاتي من قريش، وصفية أيضًا مشاركة لهن فيها؛ لأن موسى وهارون من أولاد يعقوب بن إسحاق ﵈، أو المقصود دفع المنقصة عن صفية بأنها أيضًا تجمع صفات الفضل والكرم.
٦١٩٣ - [١٠] (أم سلمة) قوله: (أنه يموت) أي: في هذا العام، أو عن قريب.
وقوله: (إلا مريم بنت عمران) الاستثناء يحتمل التساوي، ويحتمل العكس في الفضل، وقيل: لعله ورد قبل أن يوحى إليه ﷺ بفضل فاطمة على نساء العالمين،
стр. 5920
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦١٩٤ - [١١] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: مَا اسْتَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨٨٣].
٦١٩٥ - [١٢] وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْصَحَ مِنْ عَائِشَةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨٨٤].
* * *
ــ
واللَّه أعلم، فبعد هذا الوحي ظهر أن ما ورد في فضل مريم كان مخصوصًا بغير فاطمة قيد به، وذكر هذا الحديث في هذا الباب استطرادًا، وقيل: ذكره لبيان فضل مريم لأنها زوجة نبينا ﷺ في الجنة.
الفصل الثالث
٦١٩٤ - [١١] (أبو موسى) قوله: (ما استشكل) وفي بعض النسخ: (ما أشكل).
وقوله: (أصحاب رسول اللَّه) بالنصب بتقدير أعني.
٦١٩٥ - [١٢] (موسى بن طلحة) قوله: (ما رأيت أحدًا أفصح من عائشة) وكيف لا يكون كذلك، وهي جليسته وحبيبته ﷺ ، وقد ابتلع لسانها (١)، وكفى به