مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٤، م: ٢٦٤].
قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀: هَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَأَمَّا فِي الْبُنْيَانِ فَلَا بَأْس لما رُوِيَ.
٣٣٥ - [٢] عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٨، م: ٦٢].
ــ
المشرق، وعلى هذا يكون التغريب الأخذ في ناحية المغرب، والمعنى استقبلوا المشرق حتى يكون الاستدبار إلى المغرب، أو استقبلوا المغرب حتى يكون الاستدبار إلى المشرق، وهذا مخصوص بأهل المدينة المطهرة؛ فإن قبلتها الجنوب؛ فإن المدينة شمالية الكعبة المشرفة.
واعلم أن المسألة مختلف فيها، فعند أبي حنيفة يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء وفي البنيان، وعند الشافعي لا يحرم في البنيان، وذهب إلى كل من القولين جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ونقل الترمذي عن أحمد بن حنبل الرخصة من النبي ﷺ في استدبار القبلة بغائط أو بول، فأما استقبال القبلة فلا يستقبلها، كأنه لم ير في الصحراء ولا في الكنيف أن يستقبل القبلة، ونقل الشُّمُنِّي عدم كراهة الاستدبار عن أبي حنيفة أيضًا الحديث ابن عمر ﵄ الآتي.
حجة الحنفية أن حديث النهي رواه جمع كثير من الصحابة، ولم يذكر أحد منهم في رواية ما يدل على التفريق بين الصحارى والأبنية، وقال الترمذي (١): حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح، انتهى.
стр. 667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا الحديث رواه أصحاب الكتب الستة، وقال أبو أيوب: قدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر اللَّه، وإنما استغفر مع الانحراف عنها؛ لأنه اعتقد أنه منكر فاستغفر من رؤيته، وترك التشدد في تغييره.
وقال التُّورِبِشْتِي (١): والنظر يقتضي التسوية بين الصحارى والأبنية؛ لأنا لم نجد للنهي وجهًا سوى احترام القبلة، ككراهة مواجهة تلك الجهة بالبزاق والنخامة ومد الرجل.
وتمسك الشافعي بحديث ابن عمر ﵄ قال: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام.
وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل النهي، ويحتمل أنه قد انحرف عن سمت القبلة شيئًا يسيرًا بحيث خفي على ابن عمر ﵄ لأنه لم يتعمق في ذلك ولم يكن المقام مقامه.
وقال التُّورِبِشْتِي: وقد جاء في بعض طرق الصحاح أن ابن عمر قال: يقول ناس: إذا قعدت للحاجة فلا تقعد مستقبل القبلة ولا بيت المقدس، ولقد ارتقيت على ظهر بيت حفصة ﵂ فرأيت رسول اللَّه ﷺ مستقبلًا بيت المقدس لحاجته، فليس استدبار القبلة مذكورًا فيه، وإنما أنكر على من قال بالنهي عن استقبال بيت المقدس، انتهى.
فإن قلت: إذا كان مستقبلًا لبيت المقدس فقد يستدبر الكعبة ضرورة لأنهما متسامتان في المدينة؛ لأن المدينة متوسطة بين مكة وبيت المقدس، وكلاهما في ناحية الشمال من مكة كما يرى ذلك في مسجد القبلتين الذي نسخت فيه قبلة بيت المقدس، بني محراب كل منهما مسامتًا للآخر.
стр. 668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قلنا: ليس الأمر كذلك في التحقيق، ولا يقع سمت القبلة بالمدينة على السواء من بيت المقدس، وإن ذكره بعض العلماء بناء على الظاهر فذلك مبني على التقريب، ويعلم ذلك بالحس من النظر في مطالع البروج ومغاربها، وبالحساب بمعرفة طول البلدين وعرضهما؛ فإن طول المدينة خمس وسبعون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها خمس وعشرون درجة، وطول بيت المقدس ست وستون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها أحد وعشرون درجة وأربعون دقيقة، فلا يكون مسامتين على ما ذكره التُّورِبِشْتِي، واللَّه أعلم.
فإن قلت: في حديث جابر أنه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها، وهذا يدل على أن الرخصة كان آخر الأمرين، فلا يجوز القول بنسخه.
قلنا: قال الترمذي: حديث جابر غريب حسن، فلا يقاوم حديث أبي أيوب وهو صحيح، على أنه يحتمل أنه انحرف عنها يسيرًا ولم يشعر به جابر، أو كان في بعض أسفاره بحيث تشتبه القبلة فيه فحسب أنه متوجه إلى جهة الكعبة ولم يكن كذلك، على أنه يحتمل بعد أن الرخصة نسخت ثانيًا؛ لكونه قبل أن يقبض بعام، وهذه الاحتمالات وإن كانت لا تخلو عن بعد لكنها تجمع الأحاديث، وأحاديث النهي كثيرة راجحة، والاحتياط في ذلك.
ثم اعلم أن الوجه في قول الشافعي بالرخصة في البنيان ليس مبنيًّا على أن الستر في ظاهر ما يرى حاصل في البنيان دون الصحراء كما يتبادر إلى الفهم، بل الوجه كما قالوا هو أن الصحراء لا تخلو عن مصلٍّ من ملك أو جني أو إنسي، فإذا قعد مستقبل القبلة أو مستدبرها ربما يقع نظر مصلٍّ على عورته، وهذا المعنى مأمون في البنيان،
стр. 669
٣٣٦ - [٣] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: نَهَانَا -يَعْنِي رَسُولَ اللَّه ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ. . . . .
ــ
كذا قال الطيبي (١)، ولكن ما يجيء في الفصل الثالث من حديث مروان الأصفر من قول ابن عمر ﵄: إنما نهى عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس؛ ينظر إلى ما يتبادر.
٣٣٦ - [٣] (سلمان ﵁) قوله: (وأن نستنجي) وفي بعض النسخ بـ (أو) في المواضع الثلاثة، ونفي أحد الأمور مبهمًا يقتضي العموم، والنجو: ما يخرج عن البطن، يقال: نجى فلان: أحدث، ونجى الحدث: خرج، والسين في الاستنجاء للطلب، أي: طلب النجو ليزيله، والاستنجاء يجيء بمعنى إخراج العذرة من البطن، وبمعنى إزالته عن بدنه بالغسل أو المسح، والأول: من النجو وهو ما ارتفع من الأرض كأنه يطلبها ليجلس تحتها، والثاني: من نجى الشجرة وأنجاها واستنجاها: قطعها، أو من نجى الجلد: كشطه، وذكر الأحجار في الاستنجاء مبني على الأكثر المتعارف في تلك الديار، والمدر والتراب والعود والخرق وكل ما يحصل به النقاء في حكمها ما عدا ما نهي عنه من العظم والروث والرجع؛ لما روى البيهقي وقال: إنه أصح ما في الباب عن مولى عمر قال: كان عمر ﵁ إذا بال قال: ناولني شيئًا أستنجي به فأناوله العود أو الحجر، أو يأتي حائطًا يتمسح به أو يمسه الأرض، كذا ذكر الشُّمُنِّي.
وقوله: (باليمين) وكيفية الاستنجاء بالحجر من البول أن يأخذ الحجر بيمينه والذكر بشماله ويحركه إلى الحجر، ولا يحرك الحجر إليه لئلا يلزم الاستنجاء باليمين، كذا ذكره في (العوارف) (٢)، قال الشيخ: وكذا ذكره إمام الحرمين ومن بعده كالغزالي
стр. 670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في (الوسيط) (١)، والبغوي في (التهذيب) وقال: ومن ادعى أنه في هذه الحالة يكون مستجمرًا بيمنيه فقد غلط، وإنما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره في حال الاستنجاء، وبهذا قد حصل التفصي عما نقل في (فتح الباري) (٢) عن الخطابي في هذا المقام إيرادًا وبالغ في التبجح به، وهو أن المستجمر متى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بيمينه، ومتى أمسكه بيساره استلزم استجماره بيمينه، وكلاهما قد شمله النهي، ولم يحتج في الجواب عنه بتكلفات ارتكبوها هي أنه يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره، فإن لم يجد فليلصق مقعدته بالأرض ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه، ويستجمر بيساره فلا يتصرف في شيء من ذلك بيمينه. قال الشيخ: وهذه هيئة منكرة، بل قد يتعذر فعلها في غالب الأوقات.
وقال الطيبي (٣): النهي عن الاستنجاء باليمين مختص بالدبر، والنهي عن المس مختص بالذكر فبطل الإيراد من أصله، قال الشيخ: ما ادعاه من تخصيص الاستنجاء باليمين بالدبر مردود، والمس وإن كان مخصوصًا بالذكر لكن يلحق به الدبر قياسًا، والتخصيص على الذكر لا مفهوم له بل فرج المرأة كذلك، وإنما خص الذكر بالذكر لكون الرجال هم المخاطبين، والنساء شقائق الرجال في الأحكام، انتهى.
وأقول: لا حاجة إلى شيء مما ذكروا، والأمر في ذلك سهل؛ فإنه إذا أخذ الحجر بشماله ومع ذلك أخذ الذكر به حصل الاستنجاء، كما يفعل من يتواخذ ويتخطا (٤)
стр. 671
أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ،
ــ
للاستنجاء، وذلك متعارف بلا مشقة كما لا يخفى.
وقوله: (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) الاستنجاء بثلاثة أحجار واجب عند الأئمة الثلاثة بشرط النقاء بأن يخرج آخرهن نقيًّا لا شيء عليه، وإن أنقى بدون الثلاثة أتى ببقيتها تحصيلًا بشرط العدد، وعندنا الشرط هو حصول النقاء وإن حصل بأقل منها، وتمسكهم بهذا الحديث إن كان النهي للتحريم، وبحديث عائشة (١) أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إذا ذهب أحدكم لحاجته فليستطب بثلاثة أحجار) إن كان الأمر للإيجاب.
ولنا ما روى البخاري (٢) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد الثالث، فأتيته بروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: (هذا ركس)، وأيضًا حديث أبي هريرة الآتي: (من استجمر فليؤتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج) دليل على عدم الاشتراط.
قال في (الهداية) (٣): وما رواه الشافعي متروك الظاهر، فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع، قال ابن الهمام (٤): فعلم أن المراد عدد المسَحَات غير أنه قدر بالثلاث؛ لأن غالب الظن يحصل عنده كما قدره في حديث المستيقظ، ولكن هذا إذا كان الاستجمار خاصًا في الاستنجاء، لكنه مشترك بينه وبين استعمال الجمر في البخور كما في قولهم: تجمر الأكفان في الجنائز، واستجمر فلان: أي تبخّر، فيكون
стр. 672
أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢].
٣٣٧ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٢، م: ٢٨٣].
٣٣٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ،
ــ
لفظ الحديث لبيان تثليث الإيتار في البخور والتطيب.
وقوله: (أو أن نستنجي برجيع أو بعظم) المراد بالرجيع: الروث، وعلة النهي عن الاستنجاء بالروث والعظم كونهما زاد الجن ودوابهم كما نطقت به الأحاديث.
٣٣٧ - [٤] (أنس) قوله: (من الخبث والخبائث) (الخبث) يروى بضم الباء وسكونها، فبالضم جمع خبيث، و (الخبائث) جمع خبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم، وبالسكون يحتمل أن يكون مصدر خبث الشيء خبثًا، ويحتمل أن يكون مخفف جمع الخبيث، وقد جاء التخفيف في هذا الوزن كما في كتب وسبل ورسل، وعلى تقدير كونه على لفظ المصدر المراد الشيء المكروه مطلقًا، وقيل: الشر، وقيل: الكفر، ثم قال الشيخ (١): من يكره ذكر اللَّه في تلك الحالة يفصِّل، أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقوله قبيل دخولها، وأما في غيرها فيقول في أوان الشروع كتشمير ثيابه مثلًا، وهذا مذهب الجمهور، وقال: من [نسي] يستعيذ بقلبه لا بلسانه، ومن يجيز مطلقًا كما نقل عن مالك لا يحتاج إلى التفصيل.
٣٣٨ - [٥] (ابن عباس) قوله: (وما يعذبان في كبير) أي: في زعمهما، أو في
стр. 673
أَمَّا أَحدهمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ -وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ- وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ"،
ــ
أمر يشق ويكبر عليهما الاحتراز عنه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] أي: شاقة، وزاد في رواية للبخاري: ثم قال: (بلى)، أي: بلى يعذبان في كبير، وفي للتعليل.
وقوله: (أما أحدهما فكان لا يستتر من البول) روي هذا اللفظ بوجوه، أحدها (لا يستتر) من الاستتار، وظاهر معناه لا يبالي بانكشاف العورة، وهذا لا يناسب الباب، وقد يقال: معناه لا يجعل بينه وبين بوله سترة حتى يتحفظ منه، والموافق لما رواه مسلم: (لا يستنزه) -بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء- من التنزه وهو الإبعاد، وهذا اللفظ موافق لما جاء في حديث آخر: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه)، وقد يروى: (لا يستبرئ) بموحدة ساكنة من الاستبراء، أي: لا يتبرأ من البول ولا يتباعد منه، وهو قريب من الوجه الثاني، وقد جاء: (يستنتر) بالنون بين التائين من النتر، قال في (النهاية) (١): وهو جذب فيه قوة وجفوة، وقد جاء في الحديث: (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا)، وفي رواية: (ثلاث نترات)، وقال: ومنه حديث عذاب القبر أنه لم يكن يستنتر عند بوله، وهو أيضًا قريب من (يستبرئ) و (يستنزه)، وقال الطيبي (٢): وذكر في (شرح السنة) هذا الحديث في باب الاستتار عند قضاء الحاجة.
وقوله: (بالنميمة) النم والنميمة: رفع الحديث إشاعة له وإفسادًا، نم ينم بكسر النون وضمها، وقال النووي: نقل كلام الغير لقصد الإضرار وهي من أقبح القبائح، انتهى. وعرفها بعضهم أنها المقالة التي ترفع عن قائلها ليضر بها قائلها في دينه أو نفسه
стр. 674
ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّه لِمْ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: "لَعَلَّهُ أَن يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٦، ١٣٦١، ٦٠٥٢، م: ٢٩٢].
ــ
أو ماله، وهذا التعريف أشمل لدخول إفشاء الشر فيه، ثم قوله: يرفع عن قائلها يعم كل ما يحصل به الرفع ولو بكتابة أو رمز ونحو ذلك، انتهى.
وفي (شرح كتاب الخرقي) (١) في مذهب الإمام أحمد بن حنبل قال: وهي كبيرة عندنا على الأشهر، وكيف لا، وقد جعلها اللَّه تعالى صفة لمن اعتدى وكذب ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١١]، وأخبر نبيه ﷺ : (إن اللَّه لا ينظر إلى ذي وجهين)، وفي الصحيحين (٢): (لا يدخل الجنة قتات)، أي: نمام، وقد قال عمر ابن الخطاب لكعب الأحبار ﵄: أي شيء في التوراة أعظم إثمًا، قال: النميمة، فقال عمر ﵁: هي أقبح من القتل، فقال: وهل يولد القتل وسائر الشرور إلا النميمة، ومصداق ذلك في الكتاب العزيز ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١].
وقوله: (ثم أخذ جريدة) أي: غصن نخل، في (القاموس) (٣): جرده: قشره، والجريدة سعفة طويلة رطبة أو يابسة أو التي تقشر من خُوصها.
وقوله: (فشقها بنصفين) قال الطيبي (٤): هو حال بزيادة الباء، ويحتمل أن يكون مفعولًا مطلقًا، أي: شقها شقًا ملتبسًا بنصفين.
وقوله: (لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا) زيادة (أن) لتشبيه لعل بعسى، والضمير
стр. 675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في (يخفف) للعذاب، ويروى: (عنها)، والضميران للميت، والتذكير باعتبار الشخص، والتأنيث باعتبار النفس، والأول للشأن، وتفسيره بأن وصلتها لكونها جملة حكمًا، أو مبهم يفسره ما بعده، وعلى رواية (عنهما) بالتثنية الضمير للقبرين، وقد يروى (عنه) بتأويل الشخص، و (ييبسا) يروى بالفوقية والتحتية فعلى الأول للكبيرتين، وعلى الثاني للعودين أو للنصفين، وقالوا: لعله ﷺ شفع فاستجيب بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا، وقيل: لكونهما يسبّحان ما داما رطبتين، المراد (من شيء) في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ﴾ [الإسراء: ٤٤]: شيء حي، وحياة الخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع، وهذا التسبيح خاص به، والذي يعمّ الأشياء كلّها فهو بمعنى الدلالة على الصانع وكماله، وقد أنكر الخطابي ما يفعله الناس على القبور من الأخواص ونحوها متعلقين بهذا الحديث، وقال: لا أصل له ولا وجه.
وفي (مجمع البحار) (١) عن الكرماني: وليس في الجريدة معنى يخصه، وإنما ذاك ببركة يده ﷺ ، ولهذا أنكر الخطابي وضع الناس الجريدة ونحوه على القبر، وقيل: الرطب يسبح فيتخفف ببركته فيطّرد في كل الرياحين والبقول.
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وجه هذا التحديد أن يقال: إنه سأل التخفيف عنهما مدة بقاء النداوة فيهما، وقول من قال: وجه ذلك أن الغصن الرطب يسبح للَّه ما دام فيه النداوة فيكون مجيرًا عن عذاب القبر، قول لا طائل تحته ولا عبرة به عند أهل العلم، وقيل: علم ذلك موكول إلى النبي ﷺ ، واللَّه أعلم.
стр. 676
٣٣٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ" قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّه؟ . قَالَ: "الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاس أَو فِي ظِلِّهِمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩].
٣٤٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِذا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإْنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ. . . . .
ــ
٣٣٩ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (اتقوا اللاعنين) هذا من قبيل الإسناد إلى السبب الحامل وحذف المضاف من قوله: (الذي يتخلى) أي: تخلى الذي يتخلى أو عبّر عن الفعل بفاعله، وقيل: اللاعن بمعنى الملعون كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ [هود: ٤٣] أي: اتقوا فعلهما، واستفدنا من إضافة الظل إلى الناس اختصاص النهي بظل يجتمعون ويقيلون فيه، ففي هذا النوع من الظل ورد النهي دون سائر الظلال، فقد ثبت أن النبي ﷺ قعد تحت حائش (١) من النخل لحاجته، وهو المجتمع من الشجر نخلًا كان أو غيره، ولا بد أن يكون للحائش ظل، كذا ذكره التُّورِبِشْتِي (٢)، ومواضع الشمس في الشتاء كالظل في الصيف، كذا في بعض الشروح، والمراد بالتخلي: التفرد لقضاء الحاجة غائطًا أو بولًا؛ فإن التنجس والاستقذار موجود فيهما فلا يصح تفسير النووي بالتغوط، ولو سلم فالبول يلحق به قياسًا، والمراد بالطريق: الطريق المسلوك لا المهجور الذي لا يسلك إلا نادرًا، وكذا طريق الكفار ليس بمراد، كذا في (مجمع البحار) (٣).
٣٤٠ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (فلا يتنفس) بالجزم، و (لا) ناهية في الثلاثة،
стр. 677
وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٣، م: ٢٦٧].
٣٤١ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦١، م: ٢٣٧].
ــ
ويروى بالرفع فيها على أن (لا) نافية، كذا في بعض الشروح نقلًا عن الشيخ، ويجوز الجزم أيضًا على تقدير كون (لا) نافية لجواز الوجهين عند كون الشرط ماضيًا، والمراد التنفس داخل الإناء من غير أن يُبِينَهُ عن الفم حذرًا من سقوط شيء من الأنف أو الفم فيه (١)، وقيل: إنه منع من جهة الطب، وقد ورد في حديث آخر: أنه كان يتنفس في الإناء ثلاثًا، أي: في الشرب منه بإبانة الإناء عن الفم، وقد جاء في رواية في الشراب، ويتم الكلام في ذلك في (باب الأشربة) إن شاء اللَّه.
وقوله: (ولا يتمسح بيمينه) أي: لا يستنج بها؛ لما في رواية البخاري: (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره ولا يستنجِ بيمينه)، كذا في الشروح، وقد ذكرنا كيفية الاستنجاء بالحجر في البول بحيث لا يلزم منه مس الذكر باليمين ولا الاستنجاء بها، وأما في الغائط فظاهر.
٣٤١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فليستنثر) أي: يستنشق، قد سبق شرحه في الحديث الخامس من الفصل الأول من (كتاب الطهارة)، (ومن استجمر) الاستجمار: استعمال الجمار وهو الأحجار الصغار، والمراد الاستنجاء، وظاهر الإيتار يشمل الواحد أيضًا، وحمل الشافعية على ثلاث أو خمس، والاستجمار: التبخر أيضًا من جمرة النار، وقد يحمل الحديث عليه، فإيتاره أن يأخذ من البخور ثلاث قطع أو ثلاث مرات، فلا يناسب الباب ولا يناسب أيضًا سياق الحديث، ويجيء الكلام فيه في الفصل الأول
стр. 678
٣٤٢ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٠، ٥٠٠، م: ٢٧١].
ــ
من (باب الترجل) من (كتاب اللباس).
٣٤٢ - [٩] (أنس) قوله: (يدخل الخلاء) وفي بعض الشروح: قال الشيخ (١): المراد بالخلاء ههنا الفضاء؛ لما في رواية أخرى: كان إذا خرج لحاجته، ولقرينة حمل العنزة مع الماء، وأيضًا الأخلية التي في البيوت كانت خدمته فيها متعلقة بأهله، والمراد بالغلام هو ابن مسعود (٢)، لأنه كان صاحب الإداوة والنعلين والسواك يحملها، و (الإداوة) بالكسر: إناء صغير من جلد يتخذ للماء ليتطهر بها، و (العنزة) بفتحات: قدر نصف الرمح أو أكبر شيئًا فيها سنان كسنان الرمح، والعنزة قريب منها، وكان يحمل معه ﷺ لسترته في الصلاة، وقيل: لدفع الضرر لو احتاج، ولنبش الأرض الصلبة لئلا يرتد البول، وقيل: لركزها بجنبه ليكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه.
وقوله: (ويستنجي بالماء) أي: بعد التنقية بالحجارة، وذلك مستحب (٣) عندنا كما يأتي في الفصل الثالث من حديث أبي أيوب ﵁، وقيل: هو سنة في زماننا لما روى البيهقي في (سننه) وابن أبي شيبة في (مصنفه) (٤) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: من قبلكم كانوا يبعرون بعرًا وأنتم تثلطون ثلطًا فأتبعوا الحجارة الماء.
стр. 679
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٤٣ - [١٠] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ (١). وَفِيَ رِوَايَتِهِ: وَضَعَ بَدَلَ نَزَعَ. [د: ١٩، س: ٥٢١٣، ت: ١٧٤٦].
٣٤٤ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ. . . . .
ــ
الفصل الثاني
٣٤٣ - [١٠] (أنس) قوله: (إذا دخل الخلاء) أي: أراد دخوله، (نزع خاتمه) لكون نقشه (محمد رسول اللَّه)، ففيه تننحية الداخل في الخلاء ما عليه اسم اللَّه ورسوله والقرآن، وفي بعض الشروح: ولا يختص ذلك برسولنا بل يعم الرسل كلهم صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين، هذا، وقد يختلج أنه لو كان اسم اللَّه ورسوله داخل العلم نحو عبد اللَّه، ورحمة اللَّه، وأبو محمد، وأبو أحمد، هل يكره؟ وهذا منظور فيه، ولم نجد له تصريحًا، واللَّه أعلم.
٣٤٤ - [١١] (جابر) قوله: (إذا أراد البراز) برز بروزًا: خرج إلى البراز، أي: الفضاء، كنُّوا به عن حاجة الإنسان كالغائط، وهو اسم للمكان الغور، كما هو المتعارف في الكناية عن ما يكره التصريح به، والبراز بالفتح وخطأ الخطابي الكسر، لأنه مبارزة في الحرب، وخالفه الجوهري فجعله مشتركًا بينهما، كذا في (مجمع البحار) (٢)، وقال
стр. 680
انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢].
٣٤٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ جِدَارٍ فَبَال،
ــ
في (القاموس) (١): البراز كسحاب اسم، وككتاب الغائط.
وقوله: (حتى لا يراه أحد) يحتمل أن يكون المراد: لا يراه أحد ذاهبًا، أو لا يراه بعد قعوده، والظاهر هو الأول، وذلك لغاية استحيائه وتستره ﷺ .
٣٤٥ - [١٢] (أبو موسى) قوله: (فأتى دمثًا) بفتح الدال المهملة وكسر الميم، وفي (القاموس) (٢): دمث المكان وغيره كفرح: سهل ولان، وفي بعض الشروح: صفة لمحذوف، أي: مكانًا دمثًا، انتهى. كأنه يريد أنه ليس من الصفات الغالبة على المكان بل هو بمعنى السهل اللين مكانًا كان أو غيره كما يظهر من عبارة (القاموس) أيضًا، ومما جاء في رواية: (مال إلى دمث من الأرض فبال)، وفي (النهاية) (٣): في حديث صفته ﷺ : دمث ليس بالجافي، قال: أراد أنه كان لين الخلق في سهولة من الدمث، هي الأرض السهلة الرخوة، والرمل الذي ليس بمتلبد، من دمث المكان دَمَثًا: إذا لان وسهل فهو دَمِثٌ ودَمْثٌ، وفي حديث صفة الغيث: فلبدت الدماث، أي: صيرتها لا تسوخ فيها الأرجل وهي جمع دمث، والحكمة في إتيان الدمث للبول لئلا يرتد عليه رشاش البول.
وقوله: (في أصل جدار) أي: قريبًا منه بحيث لا يضره، أو عرف رضا صاحبه، أو لم يكن مملوكًا لأحد، واللَّه أعلم.
стр. 681
ثُمَّ قَالَ: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدِ لِبَوْلِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣].
٣٤٦ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْض. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ. [ت: ١٤، د: ١٤، دي: ١/ ١٧١].
٣٤٧ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، أُعَلِّمُكُمْ: إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا"، وَأَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَنَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ. . . . .
ــ
وقوله: (فليرتد لبوله) أي: يطلب مكانًا مناسبًا، ولا يستعجل ولا يجلس حيث شاء، ويكون ذلك مثل هذا المكان، فافهم.
٣٤٦ - [١٣] (أنس) قوله: (حتى يدنو من الأرض) المراد دنوه من الأرض للقعود للحاجة، لا قربه من مكان يقعد فيه.
وقوله: (رواه الترمذي) من حديث الأعمش عن أنس وابن عمر، وقال: كلا الحديثين مرسل، ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك ولا من أحد من أصحاب النبي ﷺ ، وقد نظر إلى أنس قال: رأيته يصلي، فذكر عنه حكاية في الصلاة، وفي (التهذيب) (١): الصحيح أنه رأى أنسًا ولم يسمع منه شيئًا.
٣٤٧ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (والرمة) بالكسر: العظام البالية يقال: رمّ العظم وأرم: بلي فهو رميم، وفي بعض الشروح: سمي بذلك لأن الإبل ترمها، أي: تأكلها، انتهى. من قولهم: رمّ الشيء: أكله، و (يستطيب) من الاستطابة بمعنى الاستنجاء؛
стр. 682
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [جه: ٣١٣، دي: ١/ ١٧٢ - ١٧٣].
٣٤٨ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسَرى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذَى. رَوَاهُ أَبُو داوَدَ. [د: ٣٣].
٣٤٩ - [١٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُم إِلى الْغائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ،
ــ
لأنه يطيب الجسد بإزالة الخبث عنه.
٣٤٨ - [١٥] (عائشة) قوله: (لطهوره) قد عرف أنه بالضم والفتح، وبالضم بمعنى المصدر، وبالفتح بمعناه وما يطهر به، وههنا يتعين معنى المصدر، والرواية بالضم.
وقوله: (لخلائه) أي: ما يتعلق به من الاستنجاء ونحوه، و (الأذى) ما يستكرهه النفس ويتألم به سواء كان حسًا أو طبعًا أو عقلًا مثل البول والقذرة والدم والنجاسات، وكما في حديث العقيقة: (أميطوا عنه الأذى)، أي الشعر والنجاسة وما يخرج من الصبي حين يولد، ومنه تسمية الحيض أذى، وكما في حديث شعب الإيمان: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) (١) كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها، وكما في حديث الذكر بعد الصلاة في مكانه: (ما لم يؤذ فيه) أي: لم يؤذ الملائكة ينتن الحدث، ومنه إيذاء الناس بما يكرههم، والمراد في هذا الحديث القسمان الأولان مما يستعمل فيه اليد، وحمل الطيبي الطهور على ما يقابله ليكون أشمل، وحيئنذٍ يكون الأول من التخصيص بعد التعميم، والثاني على العكس، فافهم.
٣٤٩ - [١٦] (عائشة) قوله: (يستطيب بهن) صفة (أحجار)، أو مستأنفة.
стр. 683
فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٦/ ١٠٨، ١٣٣، د: ٤٠، س: ٤٤، دي: ١/ ١٧١ - ١٧٢].
٣٥٠ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا تَسْتَتْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "زَادُ إخْوَانكُمْ من الْجِنّ" [ت: ١٨، س: ٢٩].
ــ
وقوله: (فإنها تجزئ عنه) يعني وإن بقي أثر النجاسة بعد ما زالت عين النجاسة وذلك رخصة، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، رأوا أن الاستنجاء بالحجارة تجزئ وإن لم يستنج بالماء إذا أنقى أثر الغائط والبول، والضمير في (عنه) للاستطابة والاستنجاء، وقد يجعل للمستنجي، أي: عن فعله الزائد عليه، أو عن بمعنى اللام أو للماء المفهوم من المقام، وهو الأظهر معنى، وإن كان بعيدًا لفظًا، وإليه يشير كلام الطيبي (١)، وبه يستدل بعض الشافعية على وجوب التثليث؛ لأن الإجزاء يستعمل غالبًا في الواجب، فتدبر.
٣٥٠ - [١٧] (ابن مسعود) قوله: (فإنه) كذا في أكثر الأصول، ونسخ (جامع الترمذي) و (المصابيح) فالضمير للمذكور، وفي بعض النسخ: (فإنها)، (زاد أخوانكم) قد جاء في الروايات أن العظم لهم والروث لدوابهم، ويجوز إضافته إليهم لأن دوابهم تابع لهم، وروى الطيبي عن الحاكم (٢) في (دلائل النبوة): أنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أخذ، ولا روثة إلا وجدوا منها حبها الذي كان فيها يوم أكلت.
وقوله: (رواه الترمذي والنسائي) الموجود في بعض النسخ ههنا البياض، وهذه
стр. 684
٣٥١ - [١٨] وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّه ﷺ : "يَا رُوَيْفِعُ! لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَو عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا مِنْهُ بَرِيءٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦].
ــ
العبارة مكتوبة في الحاشية.
٣٥١ - [١٨] (رويفع بن ثابت) قوله: (رويفع) بضم الراء وفتح الواو وسكون الياء.
وقوله: (من عقد لحيته) الأكثرون على أن المراد تجعيد اللحية بالمعالجة (١)، وإنما كره ذلك لأنه فعل من ليس من أهل الدين وتشبه بهم، وقيل: كانوا يعقدون في الحروب في زمن الجاهلية تكبرًا وتعجبًا فأمروا بإرسالها، وذلك من فعل الأعاجم، وقيل: عقد لحيته وغطى وجهه حتى لا يعرفه الناس ليقطع الطريق، قال التُّورِبِشْتِي: يفتلونها، وقيل: كان من عادة العرب أن من له زوجة واحدة عقد في لحيته عقدة صغيرة، ومن كان له زوجتان عقد عقدتين، وقيل: صوابه من عقد لحاء، مِنْ لحوت الشجرة إذا قشرته، وكانوا يعقدون لحاء الحرام فيقلدونه أعناقهم فيأمنون به، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢] كذا في (مجمع البحار) (٢) والأول هو الوجه.
وقوله: (أو تقلد وترًا) قيل: إنهم كانوا يعقدون في أعناق الخيل أوتار القسي لئلا تصيبها العين، فنهى عن ذلك؛ تنبيهًا على أنها لا ترد شيئًا، وهذا تأويل مالك ﵀، وقيل: إنه نهى عن ذلك حذرًا عن اختناق الخيل عند شدة الركض، أو لأنها
стр. 685
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تختنق بها مهما رعت وعلقت بغصن، وهذا تأويل محمد بن الحسن ﵀، وقيل: إنهم يعقدون عليها الأجراس، ويدل على هذا تبويب البخاري (١).
وقيل: المراد الخرزات تعقد في رقبة الولدان لدفع العين وهو من شعار الجاهلية، وقيل: أراد بالوتر الذحل بالذال المعجمة والحاء المهملة محركة: الثأر أو طلب مكافأة بجناية جنيت عليك من قتل أو جرح أو هو العداوة والحقد، أي: لا تطلبوا الأوتار وهي الذحول التي وترتم بها في الجاهلية، هكذا قال التُّورِبِشْتِي (٢) وغيره، ولكن لا يخفى أن الرواية في هذا الحديث (وترًا) بفتحتين حتى حملوه على وتر القوس، والوتر بمعنى الذحل بسكون التاء وكسر الواو وفتحها على الخلاف كما هو الذي بمعنى العدد الفرد، فإن أهل الحجاز يقولونه بالفتح في الفرد وفي الذحل بالكسر، وتميم وقيس وبكر يقولونها بالكسر، وأهل العالية بالكسر في الفرد وفي الذحل بالفتح، وقد قرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣].
نعم هذا المعنى يصح الحمل عليه في الحديث الذي جاء فيه (الأوتار) بلفظ الجمع، كما نقل عياض في (المشارق) (٣): (قلدوا الخيل ولا تقلدوها الأوتار)، وكما في (مجمع البحار) (٤) عن (النهاية): أمر أن يقطع الأوتار عن أعناق الخيل كانوا يقلدونها بها، فإن (الأوتار) يجيء جمع كل من اللفظين، اللهم إلا أن يروى الذي فسره بمعنى الذحل بسكون التاء، واللَّه أعلم.
стр. 686
٣٥٢ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، وَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حرج، وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ، وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ،
ــ
٣٥٢ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (من اكتحل فليوتر) في إيتار الاكتحال قولان: أحدهما وهو الأصح: أن يجعل في كل عين ثلاثة أميال، وثانيهما: أن يكتحل في اليمنى ثلاثة، وفي اليسرى ثنتين، ويبدئ ويختم باليمنى بأن يجعل في اليمنى اثنين وفي اليسرى اثنتين ثم يجعل في اليمنى واحدة، وقد رجحه بعضهم تفضيلًا لليمنى، والأول هو الأشهر، ويجيء الكلام فيه في الفصل الثاني من (باب الترجل) من (كتاب اللباس).
وقوله: (ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج)، ظاهره يؤيد مذهب الحنفية في عدم وجوب التثليث، وقد يقال: التخيير في الاستجمار وهو الاستنجاء بالحجر وهو أحسن، وإن تركه إلى غيره جاز؛ لأن المقصد الاستنقاء ما لم يكن بما نهي عنه، وهذا المعنى خلاف المتبادر من العبارة كما لا يخفى.
وقوله: (فما تخلل) أي: ما أخرجه من الأسنان بالخلال (فليلفظ)؛ لأنه ربما يخرج به دم، وما أخرجه بلسانه فليبتلع، لأن الظاهر عدم خروج الدم، وإن تيقن بعدم خروج الدم في الأول لم يحرم، وإن تيقن بخروجه في الثاني حرم، ولوجود الاحتمال فيهما خير، وقد يجعل العلة فيهما الاستعداد، فهو في الأول بالابتلاع، وفي الثاني باللفظ، وقد يقال: إنه يحصل في الأسنان تغير ما، واللوك إدارة اللقمة ومضغها، كذا
стр. 687
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [د: ٣٥، جه: ٣٣٧، ٣٣٨، دي: ١/ ١٦٩ - ١٧٠].
٣٥٣ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ،
ــ
قال الطيبي (١).
وفي (القاموس) (٢): اللوك: أهون المضغ، أو مضغ صلب، أو علك الشيء، وقد لاك الفرس اللجام. وهو يلوك، وفيه: أن التخلل من السنة، وأصله إدخال شيء في خلال شيء، أي: في وسطه، وفي الحديث (٣): (رحم اللَّه المتخللين من أمتي في الوضوء والطعام).
وقوله: (إلا أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره) أي: فليجمعه ثم يستدبره، أي: يجعله خلفه لئلا يراه أحد، وآثر الاستدبار لأن القبل يسهل ستره بالذيل غالبًا، والمراد بلعب الشيطان: هتك سترهم، وكشف عورتهم، ورد الرشاش إليهم، والإنسان إذا لم يستتر تمكن الشيطان من وسوسة الغير من النظر إلى عورته.
٣٥٣ - [٢٠] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (لا يبولن أحدكم في مستحمه) المستحم -بضم الميم وفتح الحاء-: الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء: استحمام، وإنما نهى عنه إذا لم يكن له مسلك يسلك فيه، أي:
стр. 688
ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ، أَوْ يَتَوَضَّأُ فِيهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا: "ثمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ أَوْ يَتَوَضَّأُ فِيهِ". [د: ٢٧، ت: ٢١، س: ٣٦].
ــ
يذهب فيه البول أو كان المكان صلبًا، والنهي فيه للتنزيه والكراهة، كذا في بعض الشروح.
وقوله: (ثم يغتسل) (ثم) استبعادية، أي: يستبعد من العاقل أن يفعل ذلك، و (يغتسل) إما مجزوم عطفًا على الفعل المنهي وهو الأظهر، أو مرفوع، أي: هو يغتسل، أو منصوب بتقدير (أن) كما في: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، لكنه يلزم منه أن يكون النهي من الجمع، والبول منهي عنه سواء كان معه اغتسال أو لا، اللهم إلا أن يحمل على الواقع، أو لأن المقصود الاحتراز عن الوقوع في الوسواس، وهو إنما يحصل في صورة الجمع.
وقوله: (فإن عامة الوسواس) أي: جميعه أو معظمه، والأول لسيبويه والثاني للفراء، كذا في (مجمع البحار) (١)، ولعل المقصود على الأول المبالغة وإلا ليس حدوث الوسواس منحصرًا فيه، وسبب حدوث الوسواس أنه يصير الموضع نجسًا فيوسوس قلبه بأنه أصابه من رشاشه، فيحصل منه الوسواس، وقيل: هو اسم الشيطان بمعنى أن عامة فعل الشيطان منه؛ لما روي عن أنس ﵁ قال (٢): إنما يكوه البول في المغتسل مخافة اللمم، وهو طرف من الجنون وهو مناسب؛ لأن المغتسل محل حضور الشيطان؛ لما فيه من كشف العورة، ومنه: ولا تؤذيك الوسواس، أي: الشيطان، كذا في (مجمع البحار) (٣)، والوجه الأول أظهر وأشهر.
стр. 689
٣٥٤ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ سَرْجِسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي جُحْرٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٩، س: ٣٤].
ــ
٣٥٤ - [٢١] قوله: (عبد اللَّه بن سرجس) في (التقريب) (١) سرجس -بفتح مهملة وسكون راء وكسر جيم بعدها مهملة-، وفي (التهذيب) (٢): بفتح السين وكسر جيم، وفي (جامع الأصول) (٣): سرجس -بالسينين المهملتين وبينهما جيم- بوزن نرجس، وهكذا صححه الشيخ ابن حجر، وفي (المغني) (٤): سرجس -بمفتوحة وسكون راء وكسر جيم- وهكذا ذكروه، ولم يصرح أحد منهم بحركة آخره، ولم يتعرض لصرفه وعدمه، فيظن أن الظاهر أنهم اعتمدوا على كون الصرف هو الأصل، واللَّه أعلم.
وقد صحح في النسخ المصححة المتداولة الآن بفتح السين الثانية وبتنوينها، ولكن القاضي عياض ضبطه في (مشارق الأنوار) (٥) بقوله: سرجس بسينين مهملتين مفتوحتين وراء ساكنة وجيم مكسورة من غير بيان اختلاف ووهم، كما هو عادته في ذلك الكتاب، ولعل السبب في منع صرفه العجمة والعلمية، واللَّه أعلم.
وقوله: (في جحر) بالضم: كل شيء يحتفره الهوام والسباع لأنفسها، كذا في (القاموس) (٦)، وفي (الصراح) (٧): جحر -بالضم- سوراخ، وسبب النهي أن الجحر
стр. 690
٣٥٥ - [٢٢] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ. [د: ٢٦، جه: ٣٢٨].
٣٥٦ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَخْرُجِ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ. . . . .
ــ
مأوى الهوام ذوات السموم ومسكن الجن، فلا يؤمن من أن يصيب مضرة.
٣٥٥ - [٢٢] (معاذ) قوله: (اتقوا الملاعن الثلاثة) هي جمع ملعن مصدر ميمي، أو اسم مكان من لعن: إذا شتم، وقيل: جمع ملعنة كأنه مظنة اللعن، كما يقال: ترك العشاء مهرمة، وأرض مأسدة، وإنما جعل هذه الأفعال ملاعن لأن المارة تلعن صاحبها، أو لأنه ظلم والظالم ملعون.
و(الموارد) جمع مورد، وهو موضع ورود الناس ووصولهم إليه كالنادي، وقيل: هو موضع ورود الماء من عين أو نهر.
وقوله: (وقارعة الطريقَ) أي: الطريق التي يقرعها الناس بأرجلهم، أي: يدقونها ويمرون عليها، هكذا قال الطيبي (١)، ويظهر من هذا أن لفظ الفاعل بمعنى المفعول، أو هي صيغة النسبة، وفي حديث آخر: نهى عن الصلاة على قارعة الطريق، وهي وسطه، وقيل: أعلاه، وأراد ههنا نفس الطريق ووجهه.
٣٥٦ - [٢٣] (أبو سعيد) قوله: (لا يخرج) بجزم الجيم على النهي، ويروى برفعها، وفي رواية: لا يذهب.
وقوله: (يضربان) أي: يأتيان ويقصدان، والمراد بـ (الغائط) المطمئن على ما هو
стр. 691
كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللَّه يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٣/ ٢٦، د: ١٥، جه: ٣٤٢].
٣٥٧ - [٢٤] وَعَن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ هَذِهَ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٦، جه: ٢٩٦].
٣٥٨ - [٢٥] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الْخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ: بِسْم اللَّه". . . . .
ــ
حقيقته، أو لأجل الغائط فهو منصوب على نزع الخافض، و (كاشفين) حال مقدرة، ويحتمل أن يكون حالًا من ضمير (يتحدثان)، و (وعورتهما) بلفظ المفرد لعدم الالتباس، والظاهر أن حكم المرأتين هكذا.
٣٥٧ - [٢٤] (زيد بن أرقم) قوله: (إن هذه الحشوش) جمع حش، وهو في الأصل بمعنى البستان وجماعة النخل، كانوا يقضون فيها الحاجة قبل أن تتخذ الكُنُفُ في البيوت، ثم أطلق على الكنيف ومواضع قضاء الحاجة مطلقًا، وأكثر ما وجدناهم يطلقونه على موضع الحاجة من الصحراء الذي يلقون فيه القذر دون ما يبنى في البيوت، قال في (القاموس) (١): الكنيف كأمير: المرحاض، والمرحاض مطرح العذرة، والظاهر أن المراد في الحديث أعم من ذلك.
وقوله: (محتضرة) أي: محل حضور الجن والشيطان.
٣٥٨ - [٢٥] (علي) قوله: (إذا دخل أحدهم) في بعض النسخ: (أحدكم) بالخطاب و (يقول) بدون (أن)، والصواب (أحدهم) بلفظ الغيبة ومع (أن)، ودخل
стр. 692
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ. [ت: ٦٥٦].
٣٥٩ - [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: "غُفْرَانَكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [ت: ٧، جه: ٣٠٠، دي: ١/ ١٧٤].
ــ
بمعنى أراد أن يدخل.
وقوله: (وإسناده ليس بقوي (١)) وفيه محمد بن حميد الرازي، وقد اختلف فيه.
٣٥٩ - [٢٦] (عائشة) قوله: (قال: غفرانك) أي: أسأل غفرانك، أي: من فوات الذكر باللسان في هذه الحالة، أو من التقصير عن الوفاء بشكر ما أنعمت من تسويغ الطعام وإبقاء ما ينفع وإخراج ما يؤذي كما سيجيء في الفصل الثالث من حديث أنس: أنه ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: (الحمد للَّه الذي أذهب عني الأذى وعافاني) (٢).
وقوله: (رواه الترمذي) (٣) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من إسرائيل بن
стр. 693
٣٦٠ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي تَوْرٍ أَوْ كْوَةٍ فَاسْتَنْجَى،
ــ
يونس، انتهى. وفي (الكاشف) (١) للذهبي: قال أحمد: هو ثقة وتعجب من حفظه، وقال أبو حاتم: هو من أتقن أصحاب أبي إسحاق، وضعفه ابن المديني، توفي سنة اثنين وستين ومئة، وفي (التقريب) (٢): ثقة تكلم فيه بلا حجة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة، وقيل: بعدها.
٣٦٠ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (في تور أو ركوة) التور بفتح المثناة وسكون الواو، في (القاموس) (٣): إناء يشرب فيه، وفي بعض الشروح: وهو إناء صغير من صُفر أو حجارة يشرب منه، وقد يتوضأ منه، ويؤكل فيه الطعام، ويستأنس بهذا المعنى لما جاء في حديث أم سلمة: أنها صنعت حيسًا في تور، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٤).
وقوله: (أو ركوة) في (القاموس) (٥): مثلثة زورق صغير، وفي بعض الشروح بفتح الراء وسكون الكاف: إناء من جلد يشرب منه، وفي (مجمع البحار) (٦): ظرف من جلد يتوضأ منه، وفي شرح (جامع الأصول) (٧): دلو صغير من جلد، وكثيرًا ما يستصحبه الصوفية، وفي (النهاية) (٨): إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء، والجمع
стр. 694
ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ آخَرَ فَتَوَضَّأَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الدَّارمِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ. [د: ٤٥، دي: ١/ ١٧٣، س: ٥٠].
٣٦١ - [٢٨] وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا بَالَ تَوَضَّأَ وَنَضَحَ فَرْجَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٦، س: ١٣٥].
ــ
ركاء، و (أو) في قوله: (أو ركوة) للشك من راوي أبي هريرة، أو أن أبا هريرة يأتيه تارة بذا وتارة بذا.
وقوله: (ثم مسح يده على الأرض) في (الأزهار): يستحب مسح اليد على الأرض ودلكها ثم غسلها بهذا إلحديث دفعًا للنجاسة وأثرها، كذا في بعض الشروح.
وقوله: (ثم أتيته بإناء آخر) وفي الحواشي: ليس معنى هذا أنه لا يجوز التوضئ بالماء الباقي من الاستنجاء، أو بالإناء الذي يستنجى به، وإنما أتى بإناء آخر؛ لأنه لم يبق من الأول شيء أو بقي قليل، والإتيان بالإناء الآخر اتفاقي كان في الماء فأتى به، وقال الشيخ ابن حجر: قد يؤخذ من هذا الحديث إنه يندب أن يكون إناء الاستنجاء غير إناء الوضوء.
٣٦١ - [٢٨] قوله: (عن الحكم بن سفيان) وقيل: سفيان بن الحكم الثقفي، نه صحبة، روى عنه مجاهد، وحديثه مضطرب، كذا في (الكاشف) (١)، وقيل: عن أبي الحكم، وقيل: ابن أبي سفيان، وله حديث في نضح الفرج.
وقوله: (ونضح فرجه) قيل: المراد بالنضح الغسل، فالمعنى إذا بال غسل فرجه وتوضأ، يعني أن الواو للجمع مطلقًا لا يفهم منه الترتيب، وعلى هذا فالمراد به الاستنجاء. والصحيح أن المراد به رش الماء على المذاكير، وقيل: على موضعه من
стр. 695
٣٦٢ - [٢٩] وَعَنْ أُمَيْمَة بِنْتِ رُقَيْقَةَ قَالَتْ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٤، س: ٣٢].
ــ
الإزار، وقد ورد من السنن العشر: الانتضاح بالماء، وهو أن يأخذ قليلًا من الماء فيرش به مذاكيره بعد الوضوء لنفي الوسواس، لأنه إذا وجد بللًا يحيله إلى الماء، وكان هذا منه تعليمًا للأمة إذ هو ﷺ معصوم عنه، وقيل: ذلك لدفع نزول البول شيئًا فشيئًا؛ لأن الماء يقبض البول خصوصًا البارد منه، وقيل: المراد به إسالة الماء بالنثر والتنحنح، وقد جاء في رواية: (توضأ ثم أخذ من ماء جفنة)، وفي رواية: (كان إذا توضأ وفرغ أخذ كفًّا من ماء فنضح فرجه)، وفي (القاموس) (١): نضح البيت: رَشّه، واستنضح: نضح ماء على فرجه بعد الوضوء.
٣٦٢ - [٢٩] (أميمة بنت رقيقة) قوله: (قدح من عيدان) يظهر من كلام الشراح أنه بكسر العين جمع عود بضم العين بمعنى الخشب، وقال الطيبي (٢): إنما جمعه اعتبارًا للأجزاء، ويحتمل أن يكون جمعه -واللَّه أعلم- من أجل أنه كان مركبًا من قطعات متعددة، أو من أنواع من خشب، وأن يكون هذا هو مراد الطيبي، وفي بعض الشروح: أنه يمكن أن يكون المراد عود من العيدان لا أنه كان مركبًا من عيدان، ولكن قال في (القاموس) (٣): العيدان: بالفتح الطوال من النخل، واحدتها بهاء، وقال: ومنها كان قدح يبول فيه النبي ﷺ ، وقال السيوطي: العيدان على وزن سكران: النخل الطوال المجرد، واحدته عيدانة، وقيل: هو فيعال.
стр. 696
٣٦٣ - [٣٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا فَقَالَ: "يَا عُمَرُ لَا تَبُلْ قَائِمًا" فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ الشَّيْخُ الإمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀: قَدْ صَحَّ. [ت: ١٢، جه: ٣٠٨].
٣٦٤ - [٣١] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. قِيلَ: كَانَ ذَلِك لِعُذْرٍ. [خ: ٢٢٤، م: ٢٧٣].
ــ
وفي (مجمع البحار) (١) ذكر من بعض الشروح بعد ما نقل من الطيبي: أنه جمع عودانة بفتح مهملة: النخلة الطوال المتجردة من السعف من أعلاه إلى أسفله، جمع عيدانة، فعلم من هذا (عيدان) في الحديث بكسر العين وفتحها، وكذلك ضبطناه في نسختنا التي قرأناها على مشايخ مكة المعظمة، ويعلم من (القاموس) أنها بالفتح فقط، وفي بعض الحواشي: عيدان اسم شجر معين فيكون غير منصرف، واللَّه أعلم.
٣٦٣ - ٣٦٤ - [٣٠ - ٣١] (عمر، وحذيفة) قوله: (لا تبل قائمًا) (٢) اتفقوا على أن البول قائمًا (٣) مكروه كراهة تحريم أو تنزيه لما يلزم منه بدو العورة وتنجس البدن والثوب، ولهذا قالوا: من أراد أن يبول قائمًا يفرّج بين قدميه لئلا يتنجس، وهذا كان
стр. 697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من عادة أهل الجاهلية فنهي عنه في الإسلام تعليمًا لمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال التي بعث رسول اللَّه ﷺ لتتميمها.
وأما ما روي من حذيفة أنه ﷺ : (أتى سباطة قوم فبال قائمًا) فقد قيل: كان ذلك لعذر، والمراد بالعذر إما ما قيل: إنه كان لوجع في صلبه ﷺ بحيث كان لا يستطيع القعود، أو ما قيل: إن البول قائمًا استشفاء من وجع الصلب، وعليه جرى الشافعي فقال (١): كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا، وقد ورد فيما أخرجه الحاكم (٢) من حديث ابن عمر بلفظ: (بال قائمًا لوجع كان بمأبضه) أي: باطن ركبته، كذا قال الشيخ ابن حجر (٣).
وقيل: لأنه لم يجد للقعود مكانًا فاضطر إلى القيام؛ لأن السباطة لا تمكن الشخص من القعود إلا إذا جعل الطرف المرتفع منها وراء ظهره، وحينئذٍ يبدو للمار عورته، وإن استقبلها بوجهه خيف عليه أن يقع على ظهره، والسباطة غالبًا لينة سهلة مرتفعة فهي غير صالحة لذلك.
وأما بول عمر ﵁ قائمًا فقد روي عنه أنه قال: البول قائمًا أحسن للدبر، فيحتمل أنه عرض له في ذلك الوقت ما يخشى به خروج شيء من السبيل الآخر، وأما في فعله ﷺ فحاشا أن يتوهم مثل ذلك أو ينطلق به اللسان، وقيل: لم يكن له غرض هناك إلا بيان الجواز سيما إن فرض تأخر هذا عن حديث النهي عنه فإنه يوهم التحريم، فاحتيج لبيان عدمه سيما إن اقترن به عذر آخر، وهو ﷺ أرسل رحمة واسعة للعالمين وتيسيرًا
стр. 698
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٦٥ - [٣٢] عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُول إِلَّا قَاعِدًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٦/ ١٩٢، ت: ١٢، س: ٢٩].
٣٣٦ - [٣٣] وَعَن زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءَ أَخَذَ غُرْفَةً مِنَ الْمَاءِ فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَارَقُطْنِيُّ. [حم: ٤/ ١٦١، قط: ١/ ١١١].
ــ
للخلائق أجمعين، واللَّه أعلم.
الفصل الثالث
٣٦٥ - [٣٢] (عائشة) قوله: (من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه) وجه التوفيق بين هذا الحديث وبين حديث حذيفة أن حديث عائشة ﵂ مستند إلى علمها، فيحمل على ما وقع منه ﷺ في البيوت كما قيل في نفيها صلاة الضحى عنه ﷺ ، ولمن يقول يإفادة كلمة (كان) الاستمرار أن يقول: إن مقصود عائشة ﵂ نفي كون البول قائمًا عادة له ﷺ ، وحديث حذيفة إنما أفاد كونه مرة، والحق أن كلمة (كان) لا يفيد الاستمرار، وأنه لم يقع ذلك منه إلا مرة إن صحّ ذلك، وذلك أيضًا لعذر اضطره إليه، فلا اعتبار به.
٣٦٦ - [٣٣] (زيد بن حارثة) قوله: (فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة) بالفتح مصدر للمرة، وبالضم المعروف، أي: ملأ الكف، كاللقمة اسم لما يلتقم، وهذا المعنى أظهر، لكن الرواية بالفتح أشهر، ثم ظاهر إلعبارة أن الضمائر لجبرئيل؛ لأنه كان متمثلًا
стр. 699
٣٦٧ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَضِحْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا -يَعْنِي الْبُخَارِيَّ- يَقُولُ: الْحَسَنُ بْنُ عَليٍّ الْهَاشِمِيُّ الرَّاوِي مُنْكَرُ الحَدِيثِ. [ت: ٥٠].
ــ
بصورة البشر ومعلمًا له ﷺ الوضوء والصلاة بفعله، ويحتمل أن يكون للنبي ﷺ ، ويكون تقدير الكلام هكذا: فتوضأ النبي ﷺ بعد التعلم فلما فرغ من الوضوء، ويؤيده الحديث الآتي لأبي هريرة؛ لأنه يدل على أن تعليم جبرئيل كان بالقول، فتدبر.
وأما جعل الضمير في (فرغ) للنبي ﷺ وفي (أخذ) لجبرئيل ﵇ فأيضًا محتمل لكنه بعيد، وأما ما ذكر صاحب (سفر السعادة) من أنه توضأ جبرئيل ثم قال للنبي ﷺ : بأن يتوضأ مثله، ثم أخذ جبرئيل غرفة ماء وضرب بها وجهه ﷺ فذلك شيء آخر غير هذا النضح، فعله تكميلًا وتتميمًا للتطهير والتنظيف، أو لسر آخر يكون في ضمنه، واللَّه أعلم.
٣٦٧ - [٣٤] (أبو هريرة) قوله: (إذا توضأت فانتضح) (١) أي: فرجك، ولعله فهم ذلك في ذلك المقام، أو الراوي اختصر ههنا اكتفاء.
وقوله: (الحسن بن علي الهاشمي الراوي منكر الحديث) (٢) هو الحسن بن علي ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ضعفه أحمد والنسائي وأبو حاتم والدارقطني، وقال البخاري: وهو منكر الحديث، يروي عن أبي الزناد عن الأعرج بأحاديث موضوعة، وروى عنه وكيع وغيره، وقد روى عن الأعرج أيضًا (٣).
стр. 700
٣٦٨ - [٣٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: بَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ عُمَرُ خَلْفَهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا عُمَرُ؟ " قَالَ: مَاءٌ تَتَوَضَّأُ بِهِ. قَالَ: "مَا أُمِرْتُ كُلَّمَا بُلْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٢، جه: ٣١٥].
٣٦٩ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ: أَن هَذِه الآيَة نَزَلَتْ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! . . . . .
ــ
٣٦٨ - [٣٥] (عائشة) قوله: (ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ) فيه أنه ﷺ كان قد يترك ما هو أولى وأفضل تخفيفًا على الأمة ورحمةً عليهم، ويستأنس بهذا فيما مر في حديث البول قائمًا كما قيل: إنه فعله تعليمًا للأمة وتيسيرًا عليهم.
وقوله: (ولو فعلت لكانت سنة) أي: لو لازمت ودوامت عليه لكانت سنة مؤكدة في حكم الواجب، ووقعوا في الحرج، وهو مع ذلك سنة بعد، بمعنى ما واظب عليه النبي ﷺ مع الترك أحيانًا.
٣٦٩ - [٣٦] (أبو أيوب) قوله: (فيه رجال) الضمير في (فيه) راجع إلى مسجد قباء، وقيل: إلى مسجد المدينة، ورجح الأول بأنه أول مسجد أُسِّسَ؛ لأنه ﷺ بناه أول ما هاجر، وبناء المسجد الشريف بعد ذلك، وأجيب بأن قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] صادق على مسجد المدينة أيضًا؛ لأن المعنى أسس على التقوى من أول يوم أسس وهو كذلك، فافهم. هذا، ولكن لا يخفى أن ساكني مسجد قباء كانوا هم الأنصار وهم (١) بنو عمرو بن عوف، وقد جاء في بعض
стр. 701
إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطَّهُورِ فَمَا طَهُورُكُمْ؟ " قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَنَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَنَسْتَنْجي بِالْمَاءِ، فَقَالَ: "فَهُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٥٧].
٣٧٠ - [٣٧] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ يَسْتَهْزِئُ بِهِ: إِنِّي لأَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ حَتَّى الْخِراءَةَ، قُلْتُ: أَجَلْ، أَمَرَنا أَنْ لَا نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَلَا نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا، وَلَا نَكْتَفِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ. . . . .
ــ
الروايات هكذا، وفي مسجد المدينة كانوا أنصارًا ومهاجرين، فتخصيص الخطاب في قوله ﷺ : (يا معشر الأنصار! إن اللَّه قد أثنى عليكم) لا يخلو عن شيء، إلا أن يقال: في ذلك الزمان كان الأنصار هم الغالبين الأكثرين، فلذلك خص الخطاب بهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (ونستنجي بالماء) أي: بعد الاستنجاء بالأحجار، ففيه مبالغة في الطهارة وهو التطهير، ففيه بيان فضل الاستنجاء بالماء صمان لم يتلوث، وتمامه في الفقه.
وقوله: (فهو ذاك) أي: ثناء اللَّه عليكم بسبب تطهركم البالغ أو تطهركم بسبب ورود الثناء عليكم فالزموه.
٣٧٠ - [٣٧] (سلمان) قوله: (حتى الخراءة) -بالخاء المعجمة والراء المهملة- في (النهاية) (١): هو بالكسر والمد: التخلي والقعود للحاجة، فعلى هذا المضاف محذوف، أي: أدبه وكيفيته، وقال الطيبي (٢): هو أدب الخلاء، وقيل: هيئة الجلوس
стр. 702
لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ وَلَا عَظْمٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ. [م: ٢٦٢، حم: ٥/ ٤٣٧].
٣٧١ - [٣٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ حَسَنَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ الدَّرَقَةُ فَوَضَعَهَا، ثُمَّ جَلَسَ فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمعهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "وَيْحَكَ! . . . . .
ــ
في المتوضأ، وقال الخطابي (١): أكثر الرواة يفتحون الخاء ويقصرون، وقال النووي (٢): يكسر ويمد: هيئة الحدث، وأما نفس الحدث فبحذف التاء وبمد مع فتح خاء وكسرها. وفي (القاموس) (٣): الخرء بالضم: العذرة.
وقوله: (ليس فيها رجيع ولا عظم) صفة مؤكدة لأحجار لدفع توهم المجاز، والضمير للثلاثة التي يستنجى بها، فافهم.
٣٧١ - ٣٧٢ - [٣٨ - ٣٩] (عبد الرحمن بن حسنة، وأبو موسى) قوله: (ابن حسنة) بفتحات اسم أم عبد الرحمن.
وقوله: (الدرقة) بفتحتين وقاف: التوس من جلود بلا خشب ولا عقب، أي: عصب.
وقوله: (فوضعها) أي: جعلها حائلًا بينه وبين الناس، (فقال بعضهم) أي: بعض المنافقين.
وقوله: (ويحك) ويح كلمة ترحم وتوجع لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم
стр. 703
أَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا إِذا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَنَهَاهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٢، جه: ٣٤٦].
٣٧٢ - [٣٩] وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ عَن أبي مُوسَى (١). [س: ٣٠].
ــ
بها عليه، وويل لمن يستحقها، فويح يقال لمن ينكر عليه في حال الشفقة، وويل لمن ينكر عليه مع غضب، وويس كويح كذا قالوا.
ولا يخفى أن هذا المقام يناسبه في الظاهر أن يقال: ويلك؛ لأن ذلك المنافق يستحق الهلكة التي وقع فيها، وليس محل أن يترحم ويشفق عليه، بل يستحق الغضب أشد الغضب، ولكن هذا من كمال حلمه ورحمته وحسن خلقه ﷺ مع الكافرين والمنافقين وأعدائه الطاعنين عليه فكيف بالمؤمنين المحبين له، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
وقوله: (قرضوه بالمقاريض) أي: قطعوا موضعًا أصابه البول من ثوب أو جلد كما كان في شريعتهم.
وقوله: (فنهاهم فعذب في قبره) شبه ﷺ إنكار هذا المنافق التستر بنهي صاحب بني إسرائيل ما كان مشروعًا عندهم في استحقاق العذاب مع كونه محل أن ينكر وينهى عنه طبعًا، مع قطع النظر عن شرعيته لكونه شديدًا شنيعًا للتضرر في المال والنفس، وكان مظنة أن يعذر ولا يعذب، وأما التستر عند البول فهو أمر محمود يقبله الطبع السليم ويستحسنه، فيقبح إنكاره ويستحق صاحبه التشديد والتعذيب،
стр. 704
٣٧٣ - [٤٠] وَعَنْ مَرْوَان الأَصْفَر قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلْ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْس. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١].
ــ
فافهم.
٣٧٣ - [٤٠] (مروان الأصفر) قوله: (فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك) (١) يدل ظاهرًا على أن العلة في جواز الاستقبال والاستدبار في البنيان أن فيها سترًا في ظاهر ما يرى بخلاف الفضاء؛ لأن الصحراء لا يخلو عن مصلٍّ من ملك أو جن أو إنس إلى آخر ما ذكر هنالك، وقد سبقت الإشارة إليه في أول الباب.
стр. 705
٣٧٤ - [٤١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: "الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي". رَوَاهُ ابن مَاجَه. [جه: ٣٠١].
٣٧٥ - [٤٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ الْجنِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! انْهَ أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لنا فِيهَا رِزْقًا، فَنَهَانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩].
* * *
٣ - باب السواك
ــ
٣٧٤ - [٤١] (أنس) قوله: (رواه ابن ماجه) (١) في إسناده ضعف إلا أنه لائق بالحال، كذا في بعض الشروح، وهذا كما قال بعضهم في أدعية الوضوء أنها لم تصح، لكنها مستحسنة مناسبة للحال.
٣٧٥ - [٤٢] (ابن مسعود) قوله: (انه) أمر من النهي على نحو: اخش، (أو حممة) الحممة: الفحم.
وقوله: (فإن اللَّه جعل لنا فيها رزقًا) أما العظم فقد علم أنه رزق لهم أنفسهم، والروث لدوابهم، وأما الحمم فيحتمل كلا الاحتمالين.
٣ - باب السواك (٢)
في (القاموس) (٣): ساك الشيء: دلكه، وفمه بالعود، وسوكه تسويكًا واستاك