← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطَّهُورِ فَمَا طَهُورُكُمْ؟ " قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَنَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَنَسْتَنْجي بِالْمَاءِ، فَقَالَ: "فَهُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٥٧]. ٣٧٠ - [٣٧] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ يَسْتَهْزِئُ بِهِ: إِنِّي لأَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ حَتَّى الْخِراءَةَ، قُلْتُ: أَجَلْ، أَمَرَنا أَنْ لَا نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَلَا نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا، وَلَا نَكْتَفِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ. . . . . ــ الروايات هكذا، وفي مسجد المدينة كانوا أنصارًا ومهاجرين، فتخصيص الخطاب في قوله ﷺ : (يا معشر الأنصار! إن اللَّه قد أثنى عليكم) لا يخلو عن شيء، إلا أن يقال: في ذلك الزمان كان الأنصار هم الغالبين الأكثرين، فلذلك خص الخطاب بهم، واللَّه أعلم. وقوله: (ونستنجي بالماء) أي: بعد الاستنجاء بالأحجار، ففيه مبالغة في الطهارة وهو التطهير، ففيه بيان فضل الاستنجاء بالماء صمان لم يتلوث، وتمامه في الفقه. وقوله: (فهو ذاك) أي: ثناء اللَّه عليكم بسبب تطهركم البالغ أو تطهركم بسبب ورود الثناء عليكم فالزموه. ٣٧٠ - [٣٧] (سلمان) قوله: (حتى الخراءة) -بالخاء المعجمة والراء المهملة- في (النهاية) (١): هو بالكسر والمد: التخلي والقعود للحاجة، فعلى هذا المضاف محذوف، أي: أدبه وكيفيته، وقال الطيبي (٢): هو أدب الخلاء، وقيل: هيئة الجلوس

стр. 702

لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ وَلَا عَظْمٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ. [م: ٢٦٢، حم: ٥/ ٤٣٧]. ٣٧١ - [٣٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ حَسَنَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ الدَّرَقَةُ فَوَضَعَهَا، ثُمَّ جَلَسَ فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمعهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "وَيْحَكَ! . . . . . ــ في المتوضأ، وقال الخطابي (١): أكثر الرواة يفتحون الخاء ويقصرون، وقال النووي (٢): يكسر ويمد: هيئة الحدث، وأما نفس الحدث فبحذف التاء وبمد مع فتح خاء وكسرها. وفي (القاموس) (٣): الخرء بالضم: العذرة. وقوله: (ليس فيها رجيع ولا عظم) صفة مؤكدة لأحجار لدفع توهم المجاز، والضمير للثلاثة التي يستنجى بها، فافهم. ٣٧١ - ٣٧٢ - [٣٨ - ٣٩] (عبد الرحمن بن حسنة، وأبو موسى) قوله: (ابن حسنة) بفتحات اسم أم عبد الرحمن. وقوله: (الدرقة) بفتحتين وقاف: التوس من جلود بلا خشب ولا عقب، أي: عصب. وقوله: (فوضعها) أي: جعلها حائلًا بينه وبين الناس، (فقال بعضهم) أي: بعض المنافقين. وقوله: (ويحك) ويح كلمة ترحم وتوجع لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم

стр. 703

أَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا إِذا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَنَهَاهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٢، جه: ٣٤٦]. ٣٧٢ - [٣٩] وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ عَن أبي مُوسَى (١). [س: ٣٠]. ــ بها عليه، وويل لمن يستحقها، فويح يقال لمن ينكر عليه في حال الشفقة، وويل لمن ينكر عليه مع غضب، وويس كويح كذا قالوا. ولا يخفى أن هذا المقام يناسبه في الظاهر أن يقال: ويلك؛ لأن ذلك المنافق يستحق الهلكة التي وقع فيها، وليس محل أن يترحم ويشفق عليه، بل يستحق الغضب أشد الغضب، ولكن هذا من كمال حلمه ورحمته وحسن خلقه ﷺ مع الكافرين والمنافقين وأعدائه الطاعنين عليه فكيف بالمؤمنين المحبين له، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وقوله: (قرضوه بالمقاريض) أي: قطعوا موضعًا أصابه البول من ثوب أو جلد كما كان في شريعتهم. وقوله: (فنهاهم فعذب في قبره) شبه ﷺ إنكار هذا المنافق التستر بنهي صاحب بني إسرائيل ما كان مشروعًا عندهم في استحقاق العذاب مع كونه محل أن ينكر وينهى عنه طبعًا، مع قطع النظر عن شرعيته لكونه شديدًا شنيعًا للتضرر في المال والنفس، وكان مظنة أن يعذر ولا يعذب، وأما التستر عند البول فهو أمر محمود يقبله الطبع السليم ويستحسنه، فيقبح إنكاره ويستحق صاحبه التشديد والتعذيب،

стр. 704

٣٧٣ - [٤٠] وَعَنْ مَرْوَان الأَصْفَر قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلْ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْس. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١]. ــ فافهم. ٣٧٣ - [٤٠] (مروان الأصفر) قوله: (فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك) (١) يدل ظاهرًا على أن العلة في جواز الاستقبال والاستدبار في البنيان أن فيها سترًا في ظاهر ما يرى بخلاف الفضاء؛ لأن الصحراء لا يخلو عن مصلٍّ من ملك أو جن أو إنس إلى آخر ما ذكر هنالك، وقد سبقت الإشارة إليه في أول الباب.

стр. 705

٣٧٤ - [٤١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: "الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي". رَوَاهُ ابن مَاجَه. [جه: ٣٠١]. ٣٧٥ - [٤٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ الْجنِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! انْهَ أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لنا فِيهَا رِزْقًا، فَنَهَانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩]. * * * ٣ - باب السواك ــ ٣٧٤ - [٤١] (أنس) قوله: (رواه ابن ماجه) (١) في إسناده ضعف إلا أنه لائق بالحال، كذا في بعض الشروح، وهذا كما قال بعضهم في أدعية الوضوء أنها لم تصح، لكنها مستحسنة مناسبة للحال. ٣٧٥ - [٤٢] (ابن مسعود) قوله: (انه) أمر من النهي على نحو: اخش، (أو حممة) الحممة: الفحم. وقوله: (فإن اللَّه جعل لنا فيها رزقًا) أما العظم فقد علم أنه رزق لهم أنفسهم، والروث لدوابهم، وأما الحمم فيحتمل كلا الاحتمالين. ٣ - باب السواك (٢) في (القاموس) (٣): ساك الشيء: دلكه، وفمه بالعود، وسوكه تسويكًا واستاك

стр. 706

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتسوك، ولا يذكر العود ولا الفم معهما، والعود مسواك وسواك بكسرهما، وفي بعض الشروح: السواك بكسر السين يطلق على الفعل وعلى العود الذي يستاك به، قيل: هو مأخوذ من ساك: إذا دلك، وقيل: يقال: تساوكت الإبل: إذا اضطربت أعناقها من الهزال وتمايلت من ضعفها، وجمع سواك سوك ككتاب وكتب، وقد يهمز الواو. ثم قيل: ورد في السواك أربعون حديثًا، ولا خلاف في كونه سنة خصوصًا عند الوضوء عندنا، وعند الشافعي عند الصلاة أيضًا، ويتأكد قبل الفجر والظهر، وعن أبي حنيفة ﵁ كراهيته عند الصلاة، وإنما محله الوضوء، وقيل: بكراهيته بحضرة الناس، وفي المساجد ومجالس الحفل توهمًا من ظاهر قوله: (إذا دخل بيته بدأ بالسواك)، ولأنه إزالة المستقذرات، ولم يرو ذلك عن النبي ﷺ ، والصواب أنه لا يكره مطلقًا؛ لأنه عبادة، نعم لا يستحسن ذلك في المحافل والمساجد إذا خرج به بصاق وتفل، وقد روي استياكه ﷺ في محافل من الناس، ولا يدل قوله: (إذا دخل بيته بدأ بالسواك) أنه لا يستاك خارج بيته وهو ظاهر. وذكر بعض الشافعية (١) أنه يستحب السواك في كل حال، ويتأكد عند الصلاة والوضوء وقراءة القرآن واصفرار الأسنان وعند تغير الفم بنوم أو سكوت أو ترك أكل أو أكل ذي رائحة كريهة وترك نوم، ويحصل بكل خشن مزيل للقلح وهو صفرة الأسنان ولو خرقة إلا إصبعه الخشنة فإنه لا يجزئ خلافًا للنووي (٢)، وأولاها الأراك فقد ورد فيه أحاديث.

стр. 707

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٧٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٨٧، م: ٢٥٢]. ــ وقال الشُّمُنِّي: ينبغي أن يكون السواك من الأشجار المرة في غلظ الخنصر وطول الشبر، وأن يكون الاستياك عرضًا لا طولًا، وأن يكون حالة المضمضة، وإن لم يكن معه سواك أو كان مقلوع الأسنان استاك بإصبع يمينه لما روى البيهقي (١) عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (يُجْزِئُ مِنَ السِّوَاكِ الأَصَابِعُ)، وروي نحو ذلك عن عائشة ﵂ (٢). الفصل الأول ٣٧٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لولا أن أشق على أمتي) في (القاموس) (٣): شق عليه الأمر شقًّا ومشقة: صعب، وشق عليه: أوقعه في المشقة، والمعنى لولا أن أثقل عليهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧]، أي: ما أحملك من الأمر ما يشتد عليك، أي: لولا خوف المشقة أو توقعها (لأمرتهم)، وهذا يدل ظاهرًا على أن الأمر للوجوب، والمندوب ليس بمأمور به، والمراد مادة أمر والاختلاف إنما هو في صيغة أفعل، والصواب أنه يشمل المندوب والواجب؛ لأنه يقال: أمره أمر إيجاب أو أمر ندب، والمراد في الحديث لأمرتهم أمر إيجاب، فتدبر. ويأتي الكلام

стр. 708

٣٧٧ - [٢] وَعَن شُرَيْح بْنِ هَانِئٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٣]. ٣٧٨ - [٣] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ. . . . . ــ في قوله: (عند كل صلاة) في آخر الباب. ٣٧٧ - [٢] (شريح بن هانئ) قوله: (قالت: بالسواك) قالوا: إنما كان يبدأ به حين دخل بيته؛ لأنه ربما تتغير رائحة الفم بمحادثة الناس، فهو من حسن معاشرته بأهله، وفيه تعليم للأمة بحسن المعاشرة مع الأهل، وقول الطيبي (١): لأن الغالب أنه كان لا يتكلم في الطريق، والفم يتغير بالسكوت فيستاك ليزيله، لا يخلو عن شيء؛ لأنه ليس بين مجلسه وبيته طريق يتغير الفم بالسكوت فيها؛ لأن بيته متصل بالمسجد، وغالب جلوسه في المسجد وحواليه، وقيل: كان يبدأ بصلاة النفل فإنه قلما يتنفل في المسجد فيتسوك لها. ٣٧٨ - [٣] (حذيفة) قوله: (إذا قام للتهجد من الليل) وأصل التهجد ترك الهجود وهو النوم، وصيغة التفعل للسلب والإزالة كتأثم وتخرج، وفسر البيضاوي (٢) قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾ [الإسراء: ٧٩] بقوله: بعض الليل فاترك الهجود للصلاة، والتهجد أيضًا يجيء بمعنى النوم كما في (القاموس) (٣)، ويمكن أن تكون إضافة الصلاة إليه بوقوعه في وقت النوم وبعده.

стр. 709

يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٥، ١١٣٦، م: ٢٥٥]. ٣٧٩ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، ــ وقوله: (يشوص) أي يستاك ويغسل، في (القاموس) (١): الشوص: الدلك باليد ومضغ السواك والاستنان به من سفل إلى علو. ٣٧٩ - ٣٨٠ - [٤ - ٥] (عائشة، وعمار بن ياسر) قوله: (عشر) أي خصال عشر (من الفطرة)، الفطر في الأصل بمعنى الشق والابتداع والاختراع، والفطرة الخلقة كقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والخلقة الجبلة التي خلق عليها المولود، وفسر كثير من العلماء الفطرة في هذا الحديث بالسنة، أي: سنة الأنبياء الذين أمرنا بأن نقتدي بهم كما جاء حديث (٢): (أربع من سنن المرسلين)، وإنما يقال لها: سنة إبراهيم لكونه ﵇ أول من أمر بها، وقيل: أي: من السنن القديمة التي اختارها الأنبياء ﵈ واتفقت عليه الشرائع فكأنها أمر جبلي فطروا عليه. وقال التُّورِبِشْتِي (٣): ولو فسرت بالدين لكان أوجه كما في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: دينه الذي اختاره لأول مفطور من البشر، ويكون معنى الحديث: عشر من توابع الدين ولواحقه، والمعدودات من جملته أو مما ركب في العقول التي فطر اللَّه الخلق عليها استحسان ذلك. وقوله: (قص الشارب) قص الشعر والظفر قطع منهما بالمقص، أي: المقراض، والشارب ما سال على الفم من الشعر، أو ما طال من ناحيتي السبلة، والسبلة كلها

стр. 710

وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، ــ شارب، والمختار قصه حتى يبدو طرف الشفة ولا يُحفه من أصله، وذهب بعضهم بظاهر قوله: (أحفوا الشوارب) إلى استئصاله وحلقه وهو قول الكوفيين وأهل الظواهر وكثير من السلف، وخالفهم آخرون وأولوا الإحفاء بالأخذ حتى تبدو أطراف الشفة، وهو المختار، ويرى مالك حلقَه مُثْلةً ويؤدب فاعله، وخيز البعض بينهما، وليس ما ورد نصًّا في الاستئصال، والمشترك بين جميعها التخفيف، وهو أعم من أن يكون الأخذ من طول الشعر أو من مساحته، وظاهر الألفاظ الأخذ من الطول ومساحته حتى يبدو الإطار، وقد اشتهر عن أبي حنيفة أنه ينبغي أن يأخذ من شاربه حتى يصير مثل الحاجب، وندب بعض الحنفية توفير الشارب للغازي في دار الحرب لإرهاب العدو، ولا بأس بترك سبالته وهما طرفا الشارب، نقل ذلك عن عمر وغيره لأنه ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمر الطعام إذ لا يصل إليه. وقوله: (إعفاء اللحية) أي وتوفيرها وتكثيرها، في (القاموس) (١): عفى شَعَرُ البَعِيرِ: كَثُرَ، وطالَ فَغَطَّى دُبُرَهُ، والعافي: الزائد، وأعفى اللحية: وَفَّرها، وناقة عافية اللحم، كثيرته، والمشهور عندنا بقدر القبضة سنة، فإن زاد على قبضة منها يجب قطعه، كذا في السغناقي، ولا بأس إذا طالت لحيته أن يأخذ من أطرافها، فإن كان ما زاد طويلًا تركه، كذا في (الملتقط) و (الحاوي). واختلفوا فيما طال من اللحية، قيل: إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما تحت القبضة فلا بأس به، فعله ابن عمر ﵁ وجماعة من التابعين، واستحسنه الشعبي وابن سيرين، وكرهه الحسن وقتادة، كذا في (الإحياء) و (قوت القلوب) (٢)، وقال النخعي:

стр. 711

وَقَصُّ الأَظْفَارِ، ــ التوسط في كل شيء محمود، وحكى النووي عن بعض السلف أنهم كانوا يتركون اللحية في العام كلها ويأخذون منها قدرًا صالحًا يوم منى، وهل يجوز حلق اللحية كما يفعله الجوالقيون؟ الجواب: لا يجوز، ذكره في جناية (الهداية) وكراهة (التجنيس)، والظاهر من كلامهم حرمة حلق اللحية ونقصانها من القدر المسنون، وما يقال: إنها سنة فمعناه طريقة مسلوكة في الدين، وإن وجوبها ثبت بالسنة. قال التُّورِبِشْتِي (١): قص اللحية كان من صنع الأعاجم، وهو اليوم شعار كثير من المشركين كالإفرنج والهنود ومن لا خلاق له في الدين من الفرقة الموسومة بالقلندرية، طهر اللَّه عنهم حوزة الدين. وقوله: (وقص الأظفار) قال الإمام الغزالي في (إحياء العلوم) (٢): لم أر في الكتب خبرًا مرويًا في ترتيب قلم الأظفار، ولكني سمعت أنه ﷺ بدأ بمسبحة اليمنى وختم بإبهام اليمنى، وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام، وفي اليمنى من المسبحة إلى الخنصر وختم بإبهام اليمنى، وأما أصابع الرجل فالأولى عندي إن لم يثبت فيه نقل أن يبدأ بخنصر اليمنى ويختم بخنصر اليسرى كما في التخليل، وقد ذكر الإمام وجه هذا، ويحتج به كثيرًا، فلينظر ثمة، وقد رأيت لبعض العلماء شعرًا في قص الأظفار قال: قلم الأظفار بالسنة والأدب ... يوم الخميس خواسب أو خسب وهذه الحروف رموز للأصابع والابتداء باليمنى، واللَّه أعلم.

стр. 712

وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، ــ ويقال: يستحب قلمها يوم الجمعة، ويروى فيه أثر، وقيل: يدفن قلامة أظفاره وشعره لئلا يلعب به السحرة، وإن رمى فلا بأس، وإن ألقى في الكنيف أو المغتسل يكره، وقيل: يورث الداء والبلاء، ولا يقلم الأظفار بالسن فإنه يورث البرص، واللَّه أعلم. وقوله: (وغسل البراجم) جمع برجمة بالضم: المفصل الظاهر، أو الباطن من الأصابع، أو هي مفاصل الأصابع كلّها، وفي بعض الشروح: البراجم هي العقد التي على ظهر مفاصل الأصابع، والتي في بواطنها رواجب بالجيم والموحدة، كذا قاله ابن العراقي، وقال التُّورِبِشْتِي (١): البراجم مفاصل الأصابع اللاتي بين الأشاجع والرواجب، والرواجب المفاصل اللاتي تلين الأنامل وبعدها البراجم وبعدها الأشاجع، وإنما خص البراجم بالحث على غسلها لأن مكاسر (٢) الجلد عليها أكثر وأغلظ، فكان مساس الحاجة إلى غسلها أشد لا سيما لمن كان شثن الأصابع خشن الجلد بعمل، انتهى. وبالجملة يلتحق بما ذكر جميع معاطف البدن التي هي محل الأوساخ. وقوله: (نتف الإبط) الإبط -بسكون الباء وكسرها- باطن المنكب، ويقال بالفارسية: بغل، وقياسها لكونها من الأعضاء المتكررة التأنيث وقد يذكر، قال الطيبي (٣): نتف الإبط سنة ويحصل أيضًا بالحلق والنورة، وفي (مجمع البحار) (٤): وهل يكفي الحلق أو التنوير؟ ويمكن أن يخص الإبط بالنتف، لأنه محل الرائحة

стр. 713

وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ". يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ، ــ الكريهة باحتباس الأبخرة عند المسام، فالنتف يضعف أصول الشعر والحلق يقويها، ثم ظاهر الحديث حصول السنة بنتفه بنفسه وتنف غيره له، وقيل: هو أقرب إلى الكراهة من قص الأظفار لقرب ستره عن الأعين من حفظ المروءة، وسوى النووي بين الإبط والعانة في التولي بنفسه لما فيه من هتك المروءة بخلاف الشارب، وهو مسلم في النتف دون الحلق بنفسه، وذكر أنه لم يكن في إبطه ﷺ شعر، واعترض بأنه لم يثبت في المعتمدات، وحديث: (حتى يرى بياض إبطيه) لا يدل عليه كما زعم؛ فإنه بعد النتف يبقى بياضًا، نعم لم يكن فيه رائحة كريهة، بل طيب الرائحة نظيفًا، وأبلغ منه أنه كان توجد الرائحة الطيبة عند قضاء حاجته، وكانت الأرض تبتلعه بل تبتلع ما يخرج من جميع الأنبياء، ذكر جميع ذلك في (مجمع البحار)، وذكر أيضًا أن نتف الإبط أفضل من حلقه، وكان الشافعي يحلق المزَيِّن إبطه ويقول: السنة النتف لكني لا أقدر عليه، وهو أفضل أيضًا من النورة. وقوله: (وحلق العانة) وهو الشعر على الفرج أو منبته، قيل: يستحب حلق ما على القبل والدبر وما حولهما، ويكفي القص والنتف والنورة، روي أنه ﷺ كان ينور على عانته بيده، وقيل: يستحب للمرأة النتف. وقوله: (انتقاص الماء) بالقاف والصاد المهملة وهو الأشهر رواية (يعني الاستنجاء) وهذا التفسير من وكيع قول بعض الرواة، وقد يفسر بانتقاص البول باستعمال الماء في المذاكير ليرتد البول؛ لأنه إذا لم يغسل نزل منه الشيء بعد الشيء، و (الماء) مفعول الانتقاص إذا أريد به البول، وفاعله إذا أريد به ماء يغسل به، كذا قيل، والانتقاص يجيء متعديًا أيضًا وإن كان اللزوم أكثر كالازدياد، ونقص أيضًا لازم ومتعد كزاده، وكذلك انتقص كازداد، هذا وقد يروى: (انتفاص) بالفاء، وقد صوبه بعضهم، وأراد

стр. 714

قَالَ الرَّاوِي: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ الْمَضْمَضَةُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦١]. وَفِي رِوَايَةٍ: "الْخِتَانُ" بَدَلَ "إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ" لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ. وَلَكِنْ ذَكَرَهَا صَاحِبُ "الْجَامِعِ" وَكَذَا الْخطابِيُّ فِي "مَعَالِم السُّنَنِ". ٣٨٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي دَاوُدَ بِرِوَايَة عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ. [د: ٥٤]. ــ نضحه على الذكر، والنفصة: نضح الدم القليل، قال في (القاموس) (١): النفصة بالضم: دفعة من الدم، والانتفاص: رش الماء من خلل الأصابع على الذكر. وقوله: (قال الراوي) قيل: هو مصعب، وقيل: الراوي منه. وقوله: (ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) تقديره: ولا أظنه أن يكون شيئًا من الأشياء إلا أن يكون المضمضة، (ونسيت) بلفظ المعلوم مخففًا أو المجهول مشددًا. وقوله: (وفي رواية: الختان بدل إعفاء اللحية) هذا لفظ صاحب (المصابيح)، واعترض عليه المؤلف بقوله: و (لم أجد. . . إلخ)، والختان بكسر الخاء يجيء بمعنى المصدر وموضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية كما جاء في الحديث (٢): (إذا التقى الختانان وجب الغسل منه)، قد يطلق على الوليمة المتخذة له، والختان سنة عندنا، وعند مالك وأحمد وأكثر العلماء وبعض الشافعية، وواجب عند الشافعية وبعض المالكية وجماعة من العلماء للرجال والنساء، والواجب قطع جميع الجلدة التي تغطي

стр. 715

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٨١ - [٦] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" بِلَا إِسْنَادٍ. [مسند الشافعي: ٤١، حم: ٦/ ٤٧، ٦٢، ١٢٤، دي: ١/ ١٧٤، ن: ٥، خ: الصوم، باب: ٢٧]. ــ الحشفة، وقطع أدنى جزء من جلدة أعلى الفرج، ويتفرع على القول بوجوبها وسنيتها فعلها للبالغ وتركها له، وسائر أحكامه مذكورة في موضعه، وقد ذكرنا طرفًا منه في (شرح سفر السعادة) (١): فلينظر ثمة. الفصل الثاني ٣٨١ - [٦] (عائشة) قوله: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) مصدران ميميان، ويجوز أن يكونا بمعنى الفاعل، أي: مطهر ومحصل للرضا، وأن يكونا اسمي مكان، أي: مظنة الطهارة والرضا كما في قوله: (الولد مبخلة مجبنة) (٢)، والثاني يحتمل أن يكون بمعنى المفعول أيضًا، أي: مَرضِيٌّ للرب، وقيل: هما باقيتان على مصدريتهما، والمعنى: سبب للطهارة والرضا، وقيل: هما للكثرة كالمأسدة والمأذبة (٣)، وفي (مجمع البحار) (٤): هو بكسر الميم وفتحها بمعنى المطهر أو الآلة، وهو سبب الرضا لإتيانه بما هو مقدمة مناجاته. وقوله: (ورواه البخاري في صحيحه بلا إسناد) أي: في التراجم تعليقًا.

стр. 716

٣٨٢ - [٧] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ -وَيُرْوَى الْخِتَانُ- وَالتَّعَطُّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكِّاحُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٠٨٠]. ٣٨٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نهارٍ فَيَسْتَيْقِظُ. . . . . ــ ٣٨٢ - [٧] (أبو أيوب) قوله: (الحياء) أي: ما يقتضيه الحياء من الأفعال كالتستر والانقباض عما يفحش ذكره وهتك المروءات ونحو ذلك، وإلا فالحياء أمر جبلي لا اختيار فيه للعبد، وليست من الأفعال والاكتساب حتى يعد من السنن، كما مر مثل ذلك في عد الحياء من شعب الإيمان. وقوله: (ويروى: الختان) بالخاء المعجمة والفوقية وهو أشبه اللفظ بهذا المقام وأنسبها كما مر في حديث: (عشر من الفطرة)، والختان لم يزل مشروعًا من لدن إبراهيم ﵇ إلى زمن نبينا ﷺ ، وقد يروى (الحناء) بالحاء المهملة والنون المشددة قالوا: هو تصحيف، وقد بالغوا في تخطئتها دراية ورواية، والظاهر على تقدير صحتها أن يكون المراد به خضاب الشعر، وقالوا: ما هو إلا من شعار هذه الأمة، ولم يثبت من أحد من الرسل قبل نبينا ﷺ أنه كان يخضب، فكيف يعدّ من سنن المرسلين، وقد تمسك به بعض الجهال في تحنية الأيدي والأرجل متشبهين في ذلك بالنساء، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، واللَّه أعلم. ٣٨٣ - [٨] (عائشة) قوله: (فيستيقظ) يروى على العطف بالرفع، والنصب بتقدير (أن).

стр. 717

إِلَّا يَتَسَوَّكُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦/ ١٦٠، د: ٥٧]. ٣٨٤ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَاكُ فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ لأَغْسِلَهُ، فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٨٥ - [١٠] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٣، م: ٣٠٠٢]. ــ وقوله: (إلا يتسوك قبل أن يتوضأ) فيه إشارة إلى كون السواك من سنن الوضوء، وإن كان الباعث الاستيقاظ وتغير الفم من النوم وتطييبه، فافهم. ٣٨٤ - [٩] (عائشة) قوله: (فأبدأ به فأستاك) تبركًا ومحبةً للنبي ﷺ ، وفيه التبرك بآثار الصالحين والتلذذ بها. الفصل الثالث ٣٨٥ - [١٠] (ابن عمر) قوله: (أراني) الرواية المشهورة بفتح الهمزة والرؤية الحلمية مثل العلمية في جواز اتحاد ضميري الفاعل والمفعول، وقد يروى بضم الهمزة فيكون بمعنى أظن، فيكون من أفعال القلوب، و (أتسوك) مرفوع بحذف (أن). وقوله: (بسواك) صرح به اهتمامًا بشأنه كما يدل عليه سياق الحديث. وقوله: (فناولت) أي: أعطيت، أناله: أعطاه، فتناوله: أخذه، و (الأصغر) مفعول ثان لناولت. وقوله: (كبر) أي: أعط الأكبر، وفيه بيان فضيلة السواك وتقديم الأكبر في حكمه

стр. 718

٣٨٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ إِلَّا أَمَرَني بِالسِّوَاكِ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُحْفِيَ مُقَدِّمَ فِيَّ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٦٣]. ٣٨٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٨٤٨]. ٣٨٨ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ أَنْ كَبِّرْ، ــ في مناولة السواك والطيب ونحوه، ثم قد يروى هذا الحديث بدون قصة المنام، أخرجه أحمد والبيهقي (١) بلفظ: رأيت رسول اللَّه ﷺ فأعطاه أكبر القوم ثم قال: (إن جبرئيل ﵇ أمرني أن أكبر)، ويشهد له حديث عائشة ﵂ الآتي إلا أن يحمل الأمر والوحي في المنام. ٣٨٦ - [١١] (أبو أمامة) قوله: (أن أحفي) أي: أستأصل. ٣٨٧ - [١٢] (أنس) قوله: (لقد أكثرت عليكم) أي: أطلت الكلام عليكم في شأن السواك ولأجله، وفي بعض الشروح عن الكرماني (٢): أكثرت بصيغة الماضي المجهول، أي: بولغت من عند اللَّه. ٣٨٨ - [١٣] (عائشة) قوله: (يستن) أي: يستاك، في (القاموس) (٣): استن:

стр. 719

أَعْطِ السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠]. ٣٨٩ - [١٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَفْضُلُ الصَّلَاةُ الَّتِي يُسْتَاكُ لَهَا عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يُسْتَاكُ لَهَا سَبْعِينَ ضِعْفًا". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٣/ ٢٦، ح: ٢٧٧٤]. ٣٩٠ - [١٥] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ" قَالَ: فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضعَ الْقَلَم مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا اسْتَنَّ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ. . . . . ــ استاك، فقيل: هو مأخوذ من السن بكسر السين، أي: يمرّه عليها، وقيل: من السن بفتحها، يقال: سننت الحديد، أي: حككته على الحجر حتى يتحدد، والمسن بكسر الميم: الحجر الذي يمر عليه السكين ليتحدد، كذا في بعض الشروح. وقوله: (أعط السواك) الظاهر أنه تفسير من الراوي. ٣٨٩ - [١٤] (عائشة) قوله: (سبعين ضعفًا) الضعف: المثل، وفيه مبالغة لا تخفى، والعلم بحقيقة العدد موكول إلى النبي ﷺ ، والحديث رواه البيهقي (١) وأحمد والبزار وأبو يعلى وابن خزيمة والحاكم، وفيه شيء من الكلام، كذا في بعض الشروح. ٣٩٠ - [١٥] (أبو سلمة) قوله: (عند كل صلاة) وعند الحنفية المراد وقت كل

стр. 720

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "وَلأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٣، د: ٤٧]. * * * ٤ - باب سنن الوضوء ــ صلاة، فإن قلت: لا حاجة إلى التأويل بقرينة لولا، فإنه لانتفاء الثاني بوجود الأول، فالأمر بالسواك منتف عند كل صلاة لوجود خوف المشقة، قلت: المنتفي هو الإيجاب فيبقى الاستحباب، فلا بد للحنفية من الحمل على الوقت، فافهم. ٤ - باب سنن الوضوء المشهور في معنى السنة ما واظب عليه ﷺ مع الترك أحيانًا، وقد يراد فعله على سبيل العبادة ليخرج عاداته ﷺ المعدودة في المندوبات والمستحبات على ما قالوا، ويقسم إلى سنن الهدى وسنن الزوائد، وسنن الزوائد في درجة المندوبات فمقابلتها إنما يكون بسنن الهدى، فتدبر، وفي بعض شروح (الهداية): أن المواظبة إذا أطلقت أريد بها مع الترك أحيانًا كما هو معنى السنة، وحيث يقيد بعدم الترك فهو أمارة الوجوب، وإذا قيد بالترك فهو ظاهر، وفي (مجمع البحار) (١): السنة في الأصل الطريقة والسيرة، وفي الشرع يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه وندب إليه قولًا وفعلًا مما لم يأت به الكتاب العزيز، وقد يراد به المتسحب سواء دلّ عليه كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، ومنه سنن الصلاة، وقد يراد ما واظب عليه النبي ﷺ مما ليس بواجب، فهي ثلاث اصطلاحات، انتهى.

стр. 721

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٩١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٢، م: ٢٧٨]. ٣٩٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٩٥، م: ٢٣٨]. ــ ثم المراد بالسنن ههنا أفعال النبي ﷺ وأقواله من الفرائض والسنن، يقال: جاء في السنة، أي: في الحديث، كذا قال الطيبي (١). الفصل الأول ٣٩١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (فلا يغمس يده) روي بنون التأكيد وبدونه. وقوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده) قالوا: كان أهل الحجاز أكثرهم يومئذ يستنجون بالأحجار لقلة الماء بأرضهم، فإذا نام عرق محل الاستنجاء، وربما أصابت يده ذلك الموضع، فأمروا بأن لا يغمسوها في الإناء حتى يغسلوها ثلاثًا لاحتمال ورود النجاسة عليها غالبًا، وهو أمر ندب واستحباب احتياطًا في أمر العبادات وليس بواجب، لأنه مبني على أمر موهوم أو مظنون، وأصل الماء واليد على الطهارة عند الأكثرين غير أن أحمد بن حنبل حكم بإيجاب الغسل ونجاسة الماء. ٣٩٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (فليستنثر) في (القاموس) (٢): نثر الشيء ينثره

стр. 722

٣٩٣ - [٣] وَقِيْلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهَ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ــ نثرًا ونثارًا: رماه متفرقًا، والنثرة: الخيشوم وما والاه، أو الفرجة بين الشاربين حيال وترة الأنف، واستممر: استنشق الماء، ثم استخرج ذلك بنفس الأنف كانتثر، والخيشوم من الأنف ما فوق نخرته من القصبة وما تحتها، وقد ذكر في الأحاديث الاستنشاق وحده، وهو إدخال الماء في أنفه بأن جذبه بريح أنفه، والاستنثار وحده وهو إخراجه منه بريحه بإعانة يده أو بغيرها بعد إخراج الأذى، ويستلزم ذلك ذكر الاستنشاق لكونه تابعًا له، وقد يذكر كلاهما وهو ظاهر، وبيتوتة الشيطان على الخيشوم محمول على الحقيقة، وموكول علمه ومعرفته إلى علم الشارع؛ فإن اللَّه خص نبيه ﵊ بأسرار تقصر عن دركها العقول والأفهام، وقد يأول بما يجتمع فيه من الأخلاط والمخاط والغبار والأقذار في أقصى الأنف القريب بمقدم التجويف الأول من الدماغ الموجب لانسداد طريق الإدراك وتطرق الفكرة والكسل المانع من أداء حق التلاوة والخضوع والخشوع وفوات رعاية آداب الصلاة، وهي مرضاة للشيطان، فنسب إليه كما قيل نحو ذلك في أكل الشيطان مع من ترك التسمية، وإدراكه المبيت في بيت لم يذكر اسم اللَّه فيه، وأمثال هذا كثيرة في الأحاديث، والأول هو الطريق الأقوم، واللَّه أعلم. ٣٩٣ - [٣] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (ثم مضمض واستنثر) أي: استنشق، هذا يحتمل كونهما بغرفة واحدة، وكون كل منهما بغرفة على حدة سيجيء الكلام فيه تفصيلًا.

стр. 723

بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى يرجع إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ، وَلأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ "الْجَامِعِ". [ط: ٢/ ٢٤، ح: ٤٥، ن: ٩٧، د: ١١٨]. ٣٩٤ - [٤] وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدِ بْنِ عَاصِمٍ: تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَأَكْفَأَ مِنْهُ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَضْمَضَ وَاستَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ــ وقوله: (بمقدم رأسه. . . إلخ)، تفسير لقوله: (فأقبل بهما وأدبر)، فالمراد بالإقبال الإذهاب من جانب القدام إلى الخلف، وبالأدبار عكسه. وقوله: (رواه مالك والنسائي، ولأبي داود نحوه) اعتراض على صاحب (المصابيح) بذكره في الصحاح، فإن ما ذكره ليس إلا في (الموطأ) و (سنن النسائي) ولأبي داود نحوه، والذي في الصحيحين إنما هو بلفظ ذكره المؤلف بقوله: (وفي المتفق عليه) إلى قوله: (وفي رواية: فأقبل بهما وأدبر) ومن هذا القول إلى قوله: (ثم غسل رجليه)، وهذه رواية من المتفق عليه بدل: (فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر)، وصاحب (المصابيح) ذكرها فيما حكم عليه المؤلف أنها رواية مالك والنسائي، وما ذكر المؤلف من الروايات سوى هذه الرواية مذكورة في (المصابيح) موجودة في الصحيحين، فافهم، فإنه لا يخلو عن قلق، وقد ذكر الطيبي (١) اعتذار المؤلف عن ذلك. ٣٩٤ - [٤] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (فمضمض واستنشق من كفة واحدة) قال

стр. 724

ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [خ: ١٨٥، ١٨٦، ١٩١، ١٩٢، ١٩٩، م: ٢٣٥]. وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رجلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاث غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ. وَفِي أُخْرَى: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَفِي أُخْرَى لَهُ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ. ــ الشيخ (١): كذا في رواية أبي ذر، وفي نسخة: من غرفة واحدة، وللأكثر: من كف بغير هاء، ثم قال: قال ابن بطال: المراد بالكفة الغرفة، ولا يعرف في كلام العرب إلحاق هاء التأنيث بالكف، ثم قال: والمراد بكفة فعله لا أنها تأنيث الكف، وقال صاحب (المشارق) (٢) قوله: من كفة هي بالضم والفتح كغرفة وغرفة، أي: ملأ كفه. واعلم أنه ﷺ غسل في بعض الأحيان مرة مرة اقتصارًا على مقدار الفرض الذي لا يصح الوضوء بدونه، وفي بعضها: مرتين مرتين مبالغة في تطهير، وسماه نور على نور، وجعله سببًا لمزيد الثواب ومضاعفة الأجر، وفي بعضها: ثلاثًا ثلاثًا، وهذا غاية

стр. 725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مرتبة التطهير والمبالغة، وهو أحد معاني إسباغ الوضوء الذي وقع في الأحاديث الأمر به، والترغيب فيه، والزيادة على الثلاث تعدي وإسراف وظلم منهي عنه كما جاء في الحديث، ولكنها لا تبطل الوضوء، وفي بعضها: (غسل بعض الأعضاء ثلاثًا)، وبعضها: مرتين، وبعضها: مرة، وفيها صور شتى، ثم إنه قد ورد في الأرجل المرات، وقد ورد الغسل مطلقًا من غير ذكر المرات، ولكن بقيد التنقية والتنظيف، ولذا لم يقل بعضهم بتثليث الغسل في القدمين، كذا في شرح ابن الهمام (١). وقد وقع في بعض الروايات غسل الأعضاء كلها مطلقًا بلا ذكر عدد، وظاهره في المرة الواحدة، أو كان مقصود الراوي في ذلك المقام بيان أصل الغسل فسكت عن بيان العدد، والكل لبيان الجواز وتوسيع الأمر، والغالب التثليث، ونقل الشُّمُنِّي من (الفتاوى الظهيرية) أن من اكتفى بالمرة أثم عند البعض لتركه السنة المشهورة، ولم يأثم عند آخرين لإتيانه بالمأمور به وصحة الحديث الوارد فيها، وقال محمد في (موطئه) (٢): الغسل ثلاثًا أفضل، والاكتفاء بمرتين كفاية، والغسل مرة إن كان بالإسباغ والإكمال أيضًا يكفي، وقال: هذا مذهب أبي حنيفة ﵁، انتهى. ونقل عن الشافعي ﵁ أنه قال (٣): لا أحب الزيادة على الثلاث، وإن زاد لا أقول: إنه حرام، والصحيح من مذهبه كراهة الزيادة على الثلاث كراهة تنزيه، وذهب قوم إلى أن الزيادة مبطلة للوضوء كما في الصلاة من زيادة ركعة مثلًا، وهذا القياس فاسد، وقد ورد بعد ما توضأ ثلاثًا ثلاثًا أنه قال: هكذا الوضوء، فمن زاد أو

стр. 726

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نقص أساء وظلم وتعدى، ولم يذكر في بعض الروايات النقصان وهذا أصح، وأخرج ابن خزيمة هذا الحديث في (صحيحه) وتكلم في ذكر النقصان، وخطأ راويه؛ لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاث وليس الأمر كذلك، وقال بعضهم: الإساءة يتعلق بالنقصان، والظلم بالزيادة. بقي الكلام في المضمضة والاستنشاق، قال في (المواهب اللدنية) (١): قال النووي: وفي كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه، الأصح أن يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق، والثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثًا ثم يستنشق منها ثلاثًا، والثالث: يجمع أيضًا بغرفة لكن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق، والرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من إحداهما ثلاثًا ثم يستنشق من الأخرى ثلاثًا، والخامس: يفصل بست غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات ثم يستنشق بثلاث، قال: والصحيح الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة، انتهى. هذا وقد وجدنا ألفاظ الحديث فيها مختلفة، وقع في أكثرها: فغسل كفيه ثم مضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثم يديه، فظاهره يدل على وصل المضمضة والاستنشاق وإن لم يكن قطعيًّا، وفي بعضها: غسل يديه ثم مضمض ثم استنشق ثم غسل الوجه، وهو ظاهر في الفصل، والذي ذكر المؤلف من رواية: (فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء) فمحتمل للوجهين فصلًا ووصلًا، ولكن وقع في بعض الأحاديث صريحًا أنه مضمض واستنشق بغرفة واحدة أو كفة واحدة.

стр. 727

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمشهور من مذهب الشافعي ﵁ الوجه الأول من الوجوه الخمسة، والمشهور من مذهب إمامنا الأعظم أبي حنيفة ﵁ الفصل بين المضمضة والاستنشاق على الوجه الخامس، ومتمسكه حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده رواه أبو داود (١) قال: دخلت على رسول اللَّه ﷺ وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وقد جاء عنه أيضًا قال: إن رسول اللَّه ﷺ توضأ فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا من كف واحد، رواه ابن ماجه (٢)، لكن رجحنا الرواية الأولى عنه؛ لأن الفم والأنف عضوان فلا يجمع بينهما بماء كسائر الأعضاء، وقد ثبت في أصول الفقه أن الحديث الذي يوافق القياس يقدم على ما يخالفه، وقد تكلموا في حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده بأن جد طلحة مجهول، ولم يثبت صحبته مع رسول اللَّه ﷺ ، وذكر في (جامع الأصول) (٣): طلحة بن مصرف من أعلام التابعين وأثباتهم، وجده كعب بن عمرو، وقيل: عمرو بن كعب، وقال الشُّمُنِّي في شرح (النقاية): وقال البيهقي في (كتاب المعرفة): كان عبد الرحمن بن مهدي يقول: جده عمرو بن كعب له صحبة، وقال في (سننه) عن يحيى بن معين أنه قال: المحدثون يقولون: إنه رأى رسول اللَّه ﷺ ، وأهله يقولون: لا صحبة له، انتهى. قال الشيخ ابن الهمام (٤): وذلك غير قادح بعد ما اعترف به أهل الشأن، وعبد الرحمن بن مهدي من كبار أئمة المحدثين في درجة الإمام أحمد بن حنبل

стр. 728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﵏، وكذلك يحيى بن معين من كبار الأئمة، ولما قالوا بصحبته ثبت المدعى، وعدم وقوف أهل بيته لا يقدح في ذلك، وأخرج ابن سعد حديثًا من جد طلحة في (باب المسح) بلفظ: رأيت رسول اللَّه ﷺ يمسح هكذا، فثبت أن له صحبة، كذا قال الشيخ ابن الهمام. وبالجملة قد علم أن فعله ﷺ في غسل أعضاء الوضوء كان مختلفًا على ما هو عادته الشريفة المستمرة في السنن والمستحبات، وأيضًا كان عمله ﷺ في المضمضمة والاستنشاق وكيفيتهما أيضًا مختلفًا، ولهذا لم يذهب أحد من الأئمة بوجوب أحد الوجوه، وعند الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ يجوز وصل المضمضة والاستنشاق وبغرفة واحدة كما نقل الشُّمُنِّي من (الفتاوى الظهيرية)، وكذا يجوز عند الشافعي الفصل بينهما بمياه جديدة. وروى الترمذي (١) عن الشافعي ﵁ أنه قال: جمع المضمضة والاستنشاق بكف واحد جائز، وفصلهما بمياه جديدة أحبّ إلي، فارتفع الاختلاف، واللَّه أعلم. ولقد وقع شيء من الإطناب في الكلام في هذا المقام تحصيلًا للمقصود وتحقيقًا للمرام، ونتممه بذكر مسح الرأس والاختلاف فيه ليتم شرح الباب فنقول معتصمًا بتوفيق الملك الوهاب: اعلم أن أكثر الأحاديث في المسح جاءت مطلقة بلا تقييد بعدد، وجاءت مقيدة بمرة واحدة أيضًا، وهذه الأحاديث صحيحة، ووقع في رواية النسائي والترمذي وأبي داود مرتين أيضًا وسموها بالضعف، وأما تثليث المسح فلم يجئ في حديث صحيح سوى ما جاء في الحديث أنه توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثًا ثلاثًا، والوضوء شامل للغسل والمسح.

стр. 729

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الشافعي ﵀ بتثليث المسح بهذا الحديث وبقياس المسح على الغسل، وجوابه أن قوله: توضأ ثلاثًا ثلاثًا محتمل، والأحاديث الصحيحة التي جاءت في عدم تكرار المسح عين المراد به، وبين أن التثليث باعتبار الغالب من الأعضاء ومخصوص بالأعضاء المغسولة، وبناء المسح على التخفيف، فقياسه على الغسل وبناؤه على الإكمال والإسباغ قياس مع الفارق، وأيضًا تثليث المسح بماء جديد قد يفضي إلى الغسل الذي حقيقته جريان الماء، وهو خلاف وضع المسح، وأيضًا قد وقع في الحديث الذي ذكر فيه المسح مرة أن من زاد أو نقص أساء وتعدّى وظلم، فلا تكون الزيادة على مرة واحدة سنة. وقال في (فتح الباري) (١): لم يجئ في طريق من الصحيحين ذكر عدد المسح، وعليه أكثر العلماء إلا الشافعي ﵁ يقول: بأن تثليث المسح مستحب، وقال أبو داود: أحاديث أمير المؤمنين عثمان ﵁ وهي صحاح الباب كلّها دالة على أن مسح الرأس مرة واحدة، وقد بالغ أبو عبيد وقال: لا أعلم أحدًا من السلف ذهب إلى استحباب التثليث في المسح إلا إبراهيم التيمي، ولكن في هذا القول نظر، لأن ابن أبي شيبة وابن المنذر حكاه عن أنس وعطاء وغيرهما، وصحح ابن خزيمة وغيره التثليث في حديث عثمان ﵁، وزيادة الثقة مقبولة، انتهى. وأورد في (جامع الأصول) (٢) من حديث عثمان ﵁ رواية ذكر فيها مسح الرأس ثلاثًا، ونقل الشيخ ابن الهمام (٣) عن البيهقي أنه قال: روي بوجوه غريبة تكرار المسح

стр. 730

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في حديث عثمان، ولكنها لمخالفتها الأحاديث الصحيحة ليست بحجة عند أهل العلم، انتهى. وأخرج الترمذي (١) عن وائل بن حجر: ثم مسح على رأسه ثلاثًا ومسح أذنيه ثلاثًا، وكل ما جاء من هذا القبيل إن صح فهو محمول على التكرار بماء واحد لا بماء جديد كما هو مذهب الشافعي ﵁، وذكر الشُّمُنِّي من (الفتاوى الظهيرية) أن تثليث المسح بماء جديد بدعة، وقد جاء في رواية غرسه عن أبي حنيفة ﵁ تثليث المسح بماء واحد، فقال في (الهداية) (٢): إنه مشروع ومروي عن أبي حنيفة، وفي بعض شروح (الهداية) أنه روى الحسن عن أبي حنيفة ﵁ أنه لو مسح ثلاثًا بماء واحد كان مسنونًا، هذا الكلام في سنة المسح، وأما فرضه فقد ذهب مالك ﵁ أن مسح كل الرأس فرض، وعند أبي حنيفة فرضه مسح ربع الرأس، وفي رواية: قدر ثلاث أصابع باعتبار أن الواجب إلصاق اليد بالرأس، والأصابع أصل اليد، ولهذا تجب بقطعها دية اليد، والثلاث أكثرها، وللأكثر حكم الكل، وعند الشافعي ﵁ أدنى ما يطلق عليه اسم المسح وإن كان ثلاث شعرات بل شعرة واحدة، ومذهب أحمد ﵁ عند عامة أصحابه كمذهب مالك ﵁، وفي رواية كمذهب الشافعي، وفي أخرى كمذهب أبي حنيفة ﵁، وفي رواية: مسح أكثر الرأس، وفي رواية: للنساء مسح البعض، وللرجال مسح كله، ودلائل الكل ذكرتها في (شرح سفر السعادة) (٣).

стр. 731

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسمعت شيخي علي بن جار اللَّه مفتي بلد اللَّه الحرام ينقل عن بعض مشايخه أنه قال: الإنصاف في مسألة المسح مع مالك ﵀، وأقوى ما يرده حديث مسح الناصية، وقالوا: هو محمول على أن ذلك مع العمامة كما جاء مفسرًا في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة: وكان ﷺ إذا مسح على ناصيته أتمه بالمسح على العمامة، وسيجيء ذلك. ثم اعلم أن كيفية مسح كل الرأس الذي هو سنة أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه ويمدّها إلى قفاه على وجه يستوعب الرأس، ثم يمسح بإصبعيه أذنيه، ولا يكون الماء مستعملًا بهذا؛ لأن الاستيعاب بماء واحد كما هو مذهبنا لا يكون إلا بهذا الطريق، ولأنه لا يحتاج إلى تجديد الماء لكل جزء من أجزاء الرأس، فالأذن أولى لكونه تبعًا له، وفي (المحيط) (١): والمستحب في الاستيعاب أن يضع من كل واحد من اليدين ثلاث أصابع على مقدم رأسه، ولا يضع الإبهام والسبابة، ويجافي كفيه ويمدها إلى القفاء، ثم يضع كفيه على مؤخر رأسه ويمدهما إلى مقدمه، ثم يمسح ظاهر كل أذنيه بإبهام، ومسح باطنهما بمسبحة، ذكر كلا من هذين الطريقين الشُّمُنِّي، ونقل الأول عن (شرح الكنز) والثاني عن (المحيط)، فتدبر. وقال الشيخ ابن الهمام (٢): وأما مجافاة السبابتين مطلقًا ليمسح بهما الأذنين والكفين في الإدبار ليرجع بهما على الفودين (٣) فلا أصل له في السنة؛ لأن الاستعمال لا يثبت قبل الانفصال، والأذنان من الرأس حتى جاز اتحاد بلتهما، ولأن أحدًا ممن

стр. 732

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حكى وضوء رسول اللَّه ﷺ لم يؤثر عنه ذلك، فلو كان ذلك من الكيفيات المسنونة وهي غير متبادرة لَنَصُّوا عليها. ثم اعلم أنه لم يرو في الكتاب حديث في مسح الرقبة، وقال صاحب (سفر السعادة) (١): لم يثبت في مسح الرقبة حديث، وهو مستحب عند أبي حنيفة ﵁، وهو مختار بعض الشافعية أيضًا، ويروون في ذلك حديثًا (٢): (من مسح قفاه مع رأسه وقي من الغل يوم القيامة)، وروي هذا الحديث موقوفًا ومرفوعًا، لكن سنده ضعيف، وأورد الشيخ ابن الهمام حديث الترمذي في ذلك عن وائل بن حجر: ثم مسح على رأسه ومسح أذنيه وظاهر رقبته، وحديثًا من أبي داود: أنه ﷺ مسح الرقبة مع مسح الرأس (٣)، وقال: عند البعض هو بدعة، ولم يذكره في (الهداية) من السنن والمستحبات، وقال الشُّمُنِّي: مسح الحلقوم بدعة.

стр. 733

٣٩٥ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٧]. ٣٩٦ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٥٨]. ٣٩٧ - [٧] وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ فَقَالَ: أَلَا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٠]. ــ ٣٩٥ - [٥] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (مرة مرة) في (القاموس) (١): المرة: الفعلة الواحدة ولا يستعمل إلا ظرفًا، وفي (الصراح) (٢): مرة: يكبار، مرارًا موات: بارها، وقال الكرماني (٣): قوله: (مرة) منصوب على الظرف، أي: توضأ في زمان واحد، ولو كان ثمة غسلتان أو غسلات لكل عضو من أعضاء الوضوء لكان التوضؤ في زمانين أو أزمنة، إذ لا بد لكل غسلة من زمان غير زمان الغسلة الأخرى، أو منصوب على المصدر، أي: توضأ مرة من التوضؤ، أي: غسل الأعضاء غسلة واحدة، وكذا حكم المسح. ٣٩٦ - [٦] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (مرتين مرتين) قد علم وجه إعرابه في شرح قوله: مرة مرة. ٣٩٧ - [٧] (عثمان ﵁) قوله: (أنه توضأ بالمقاعد) أي: مواضع قعود الناس بالسوق أو غيره، وفي الحواشي: هي صُفَّة بناها أمير المؤمنين عمر ﵁ خارج المسجد

стр. 734

٣٩٨ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْر فَتَوَضَّؤُوا وَهُمْ عُجَّالٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . ــ ليقعد الناس ويتكلموا ويتناشدون الشعر فيه، ويقال له: رحبة، وفي شرح الشيخ: اسم موضع بالمدينة يقعد فيه الناس. ٣٩٨ - [٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (حتى إذا كنا بماء بالطريق) أي: كنا نازلين بموضع فيه ماء كنهر أو حوض أو بئر، كان الناس يسكنون عنده، كائن في طريق مكة. وقوله: (تعجل قوم عند العصر) أي: توضؤوا مستعجلين خوفًا من فوات العصر ومضي وقته. وقوله: (وهم عجال) صححوه بكسر العين وتخفيف الجيم، وبضم العين وتشديد الجيم، جمع عاجل كقيام جمع قائم، وحفاظ جمع حافظ. وقوله: (وأعقابهم تلوح) أي: يبدو يبوستها. وقوله: (لم يمسها الماء) بيان له، وكان القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام من سُكّان البوادي فتجوّزوا في غسل أرجلهم لجهلهم بأحكام الشرع الشريف، فزجرهم النبي ﷺ بهذا الوعيد عن ترك الواجب. وقوله: (فقال رسول اللَّه ﷺ ) وفي رواية البخاري ومسلم (١): فنادى بأعلى صوته.

стр. 735

"وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤١]. ــ وقوله: (ويل للأعقاب من النار) ويل كلمة يقولها كل مكروب، وأصلها الهلاك والعذاب، وقيل: شدة العذاب، وقيل: وادٍ في جهنم، ورواه ابن حبان (١) من حديث أبي سعيد، والأعقاب جمع عقب بفتح العين وكسر القاف: مؤخر القدم، يقال بالفارسية لها: باشنة، أي: لأصحاب الأعقاب اللائحة، واللام للعهد، وقيل: العقب يختص بالعذاب إذا قصر في غسلها، فلعلهم يعذبون في الأعقاب خاصة لأجل هذا التقصير. وقوله: (أسبغوا الوضوء) أي: أكملوه وأتمّوه، ولا تتركوا جزءًا من أجزاء الأعضاء غير مغسول. وقال بعض العلماء: المراد بالإسباغ ههنا إكمال الوضوء وإبلاغ الماء كل ظاهر أعضائه، وهذا فرض، والإسباغ الذي هو التثليث سنة، والإسباغ الذي هو التسييل هو شرط، والإسباغ الذي هو إكثار الماء من غير إسراف فضيلة، وبكل هذا يفسر الإسباغ باختلاف المقامات، ثم في هذا الحديث وأمثاله دليل على وجوب غسل الرجلين، وأن المسح لا يجزئ، وعليه جمهور الفقهاء في الأعصار والأمصار، وأنه لا يجب المسح مع الغسل كما هو مذهب الظاهرية، ولم يثبت خلاف هذا من أحد ممن يعتدّ به في الإجماع، والذين وصفوا وضوء رسول اللَّه ﷺ في مواطن مختلفة وعلى صفات متعددة متفقون على غسله الرجلين، وقوله ﷺ : (ويل للأعقاب من النار) وعيد وتهديد عظيم لمن ينكر الغسل، فهو دليل الوجوب، وهذا الوعيد وقع في أحاديث كثيرة لا تحصى، كذا قال النووي (٢). والكلام ههنا كثير نتحاشى من ذكره مخافة التطويل، لكن المقام جدير بذكره،

стр. 736

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فنقول وباللَّه التوفيق وعلى فضله التعويل: اعلم أنه قد اختلفت الأمة في غسل الرجلين ومسحهما، فذهب داود بن علي الظاهري إلى أنه يجب المسح، والغسل احتياطًا؛ لأن الكتاب ورد بهما، وروي عن الحسن البصري وعن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري التخيير بينهما، وذهب قوم إلى فرضية مسح ظاهر القدمين ووجوب الابتداء من الأصابع والانتهاء إلى الكعبين عملًا بظاهر أخبار المسح وإن كانت ضعيفة مع قلتها وبظاهر قراءة خفض: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وفي القراءة بالنصب معطوفة على محل رؤوسكم عطفًا على الأقرب، ولأن هذه الواو قد تكون بمعنى مع، وهي تنصب نحو: استوى الماء والخشبة حملًا لما يحتمل وجهين على ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا دفعًا للتعارض، وقالوا: أخبار المسح والغسل في هذا الباب آحاد، فلا تقبل على مخالفة ظاهر الكتاب، والصحيح ما ذهب إليه عامة العلماء، ولهم في إثبات فرضية غسل الرجلين ثلاثة طرق. الأول: وإليه ذهب من أصحابنا الإمام أبو جعفر الطحاوي: أن السبيل في القراءتين كالسبيل في الآيتين، وقد تعارضتا فوجب المصير إلى السنة. وقد اشتهرت الأخبار المتواترة معنى المخرجة في الأصول الستة وغيرها برواية عثمان وعلي وعبد اللَّه بن زيد بن عاصم حاكي وضوء رسول اللَّه ﷺ وأنس وجابر وأبي هريرة وعبد اللَّه بن عمر وغيرهم ﵃ أن رسول اللَّه ﷺ غسل قدميه في وضوئه للصلاة إذا كانتا باديتين وأمر بذلك، وأوعد على تركه، وهي علامة الوجوب كذا في (شرح السنة) (١)، وفي تعداد تلك الأخبار تطويل، ولكن علينا أن نذكر بعضها تيمنًا وإلزامًا للحجة، فقد جاء في روايات أبي داود والترمذي والنسائي عن عبد خير وزر بن حبيش

стр. 737

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي حية وابن عباس وحسين بن علي ﵃ عن علي ﵁ أنه توضأ ليعلمهم فغسل رجليه، ثم قال: من سرّه أن ينظر إلى وضوء رسول اللَّه فهذا وضوؤه. وأخرج الطحاوي (١) عن علي ﵁ أنه دخل الرحبة، ثم قال ﵁ لغلامه: ائتني بطهور، فأتاه بماء وطست فتوضأ فغسل رجليه، وقال: هذا طهور رسول اللَّه ﷺ . وفي رواية لأبي داود (٢) عن عبد خير أنه قال: صلى علي ﵁ الغداة، ثم دخل الرحبة فدعا بماء، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست، وفي أخرى لأبي داود (٣): أتانا علي ﵁ وقد صلى فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا إلى أن قال: ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا، ورجله اليسرى ثلاثًا، وفي رواية للنسائي (٤) عن الحسين بن علي ﵄ قال: دعاني أبي علي ﵁ بوضوء فقربته له. . . إلى أن قال: ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين، ثم اليسرى كذلك. وأخرج الطحاوي (٥) عن عبد الملك بن سليمان أنه قال: قلت لعطاء: أبلغك عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على القدمين؟ فقال: لا، وأما ما روي عن عباد بن تميم عن عمر (٦) ﵁ أن النبي ﷺ توضأ ومسح على القدمين، وما روي عن

стр. 738

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ علي (١) ﵁ أنه صلى الظهر، ثم قعد للناس على كرسيه، ثم أتي بماء فمسح بوجهه ويديه، ومسح برأسه ورجليه، وشرب فضله قائمًا ثم قال: إن ناسًا يزعمون أن هذا يكره، وإني رأيت رسول اللَّه ﷺ يصنع مثل ما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث، وسائر ما ورد في ذلك، فقد ذكر عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنهم كانوا يمسحون حتى أمر رسول اللَّه ﷺ بإسباغ الوضوء، فدل ذلك على أن حكم المسح الذي كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه، على أنه ليس في حديث علي ﵁ أن فرض الرجلين هو المسح؛ لأن فيه أنه قد مسح وجهه ويديه، وكان ذلك المسح غسلًا، فكذلك يحتمل أن يكون مسحه لرجليه أيضًا كذلك، يدل على ذلك ما ذكر من الروايات عنه ﵁. الطريق الثاني: التمسك بالإجماع، قال الإمام علاء الدين العالم رحمة اللَّه عليه في (تحفة الفقهاء) (٢): إن العلماء ﵏ أجمعوا على وجوب غسل الرجلين إذا كانتا باديتين بعد وجوب الاختلاف فيه، والإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم، هذا، وقد قيل في مسائل أصول الفقه: المختار أن الإجماع الذي ندر مخالفته حجة؛ لأنه يدل على وجود راجح أو قاطع، إذ لو قيل: يكون متمسك المخالف النادر راجحًا، وأن الكثيرين لم يطلعوا عليه وخالفوه غلطًا أو عمدًا كان في غاية البُعد، لكن ذلك الإجماع لا يتناول الإجماع المعروف عند الأصوليين الذي يكفّر منكره، وأيضًا المخالف النادر إذا نشأ بعد الاتفاق فلا عبرة لمخالفته أصلًا، ثم إن مدار صحة هذا الطريق على الطريق الأول إذ لا بد للإجماع من سند، والسند ههنا هو السنة، ولا يلزم أن يكون السند قطعيًّا،

стр. 739

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بل قد يكون ظنيًا كالقياس وخبر الواحد، ويصير بالإجماع عليهما قطعيًّا، وإن كان السند قطعيًّا كما فيما نحن فيه من السنة المشهورة المتواترة المعنى فهو أقوى وأحكم، والكلام في الإجماع وأقسامه كثير، فليقتصر على هذا المقدار. الطريق الثالث: التمسك بالكتاب، بيانه أن نصب اللام في ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] قراءة شطر القراء السبعة الذين ثبتت قراءتهم بالتواتر كما حقق في موضعه، وهم نافع وابن عامر والكسائي وحفص راوي عاصم ﵏، والجر أيضًا قراءة شطر القراء السبعة وهم ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر راوي عاصم ﵏، فنصب اللام للعطف على المغسول، وإدخال الممسوح بين المغسولات إشارة إلى انتداب هذه الهيئة أو افتراضها، والعطف على المغسول هو ظاهر تلك القراءة، فلا يجوز ترك هذا الظاهر إلى العطف على محل الممسوح إلا بدليل؛ لأن العطف على المحل بمنزلة المجاز من الحقيقة مع أن العطف على المحل إنما يجوز عند عدم الالتباس، لا تقول: ضربت زيدًا ومررت بعمر وبكرًا، وأنت تريد عطف بكر على عمر محلًا، وخفض اللام للعطف على الممسوح وهو ظاهر تلك القراءة، لكنه يحتمل أن يكون العطف على الممسوح لفظًا فقط للجوار، والمعنى على العطف على المغسول ويسمى هذا جرّ الجوار، وهي كثيرة في لغة العرب وواقعة في القرآن وغيره. وقد جعل أئمة النحو للعطف على الجوار بابًا وجوّزوا الجرّ للجوار مع العاطف وبدونه، وأخطأ من جعلها لغة رديئة غير فصيحة، ومما يدل على عدم كون الأرجل ممسوحة أن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة، فلما كان ظاهر قراءة النصب وهو العطف على المغسول معينًا للغسل، وظاهر قراءة الخفض محتملًا للغسل وجب الحمل المحتمل على المتعين دفعًا للتعارض، ونقل عن شيخ الإسلام خواهر زاده أنه إذا قيل

стр. 740

٣٩٩ - [٩] وَعَنِ الْمُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ. . . . . ــ بالمسح يبقى مقتضى النصب غير معمول به بخلاف العكس، فإن المسح معمول بالغسل؛ لأن المسح بعض الغسل، ففيما ذهبنا إليه عمل بالنص من كل وجه، وفيه خروج عن عهدة الواجب بيقين وتحصيل للطهارة كاملًا، وتمسك بالأصل في باب الوضوء وهو الغسل، إذ هو المطهر حقيقة وحكمًا، ولهذا بدأ اللَّه تعالى به، ثم نقل الحكم إلى المسح في الرأس دفعًا للحرج إذ في غسله من الحرج ما ليس في غسل الوجه واليدين والرجلين إذ كانتا باديتين، ولأن الرجلين أحق بالغسل لوقوعها في مواطئ النجاسة والتلوث من غيرهما من الأعضاء. وقال بعض العلماء -منهم الشافعي رحمة اللَّه عليه- في تأويل القراءتين: بالنصب أريد به قوم، والجر أريد به آخرون يعنون من يجب عليه الغسل ومن يجوز له المسح، قال شيخ الإسلام خواهر زاده: فعلى هذا في قراءة الجر ذكر الرجل وأريد به الخف للاتصال جوارًا، وقد أشار اللَّه إلى الغسل والمسح بنصب اللام وخفضها بلاغةً وإيجازًا، انتهى. وصحة هذا الطريق الثالث أيضًا مبني على الطريق الأول، إذ فصل الخطاب أن تقييد ظاهر الكتاب وتعيين بعض محتملاته على سبيل القطع لا يجوز إلا بمثل ما ذكر من السنة المشهورة المتواترة معنى. نعم يجوز أن يحصل لظاهر الكتاب قطعية الدلالة باعتبار لحوق القرائن كما قال الأصوليون في إفادة خبر الواحد إذا احتفت به القرائن، وهذا قول من قال من المشايخ: البيان ملتحق بالمبين، واللَّه أعلم وعلمه أحكم. ٣٩٩ - [٩] (المغيرة بن شعبة) قوله: (فمسح بناصيته وعلى العمامة) لمسح بقية الرأس إتمامًا لوظيفة مسح الفريضة كما هو مذهب مالك رحمة اللَّه عليه، أو
следующие страницы →