. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فنقول وباللَّه التوفيق وعلى فضله التعويل: اعلم أنه قد اختلفت الأمة في غسل الرجلين ومسحهما، فذهب داود بن علي الظاهري إلى أنه يجب المسح، والغسل احتياطًا؛ لأن الكتاب ورد بهما، وروي عن الحسن البصري وعن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري التخيير بينهما، وذهب قوم إلى فرضية مسح ظاهر القدمين ووجوب الابتداء من الأصابع والانتهاء إلى الكعبين عملًا بظاهر أخبار المسح وإن كانت ضعيفة مع قلتها وبظاهر قراءة خفض: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وفي القراءة بالنصب معطوفة على محل رؤوسكم عطفًا على الأقرب، ولأن هذه الواو قد تكون بمعنى مع، وهي تنصب نحو: استوى الماء والخشبة حملًا لما يحتمل وجهين على ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا دفعًا للتعارض، وقالوا: أخبار المسح والغسل في هذا الباب آحاد، فلا تقبل على مخالفة ظاهر الكتاب، والصحيح ما ذهب إليه عامة العلماء، ولهم في إثبات فرضية غسل الرجلين ثلاثة طرق.
الأول: وإليه ذهب من أصحابنا الإمام أبو جعفر الطحاوي: أن السبيل في القراءتين كالسبيل في الآيتين، وقد تعارضتا فوجب المصير إلى السنة.
وقد اشتهرت الأخبار المتواترة معنى المخرجة في الأصول الستة وغيرها برواية عثمان وعلي وعبد اللَّه بن زيد بن عاصم حاكي وضوء رسول اللَّه ﷺ وأنس وجابر وأبي هريرة وعبد اللَّه بن عمر وغيرهم ﵃ أن رسول اللَّه ﷺ غسل قدميه في وضوئه للصلاة إذا كانتا باديتين وأمر بذلك، وأوعد على تركه، وهي علامة الوجوب كذا في (شرح السنة) (١)، وفي تعداد تلك الأخبار تطويل، ولكن علينا أن نذكر بعضها تيمنًا وإلزامًا للحجة، فقد جاء في روايات أبي داود والترمذي والنسائي عن عبد خير وزر بن حبيش
стр. 737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي حية وابن عباس وحسين بن علي ﵃ عن علي ﵁ أنه توضأ ليعلمهم فغسل رجليه، ثم قال: من سرّه أن ينظر إلى وضوء رسول اللَّه فهذا وضوؤه.
وأخرج الطحاوي (١) عن علي ﵁ أنه دخل الرحبة، ثم قال ﵁ لغلامه: ائتني بطهور، فأتاه بماء وطست فتوضأ فغسل رجليه، وقال: هذا طهور رسول اللَّه ﷺ . وفي رواية لأبي داود (٢) عن عبد خير أنه قال: صلى علي ﵁ الغداة، ثم دخل الرحبة فدعا بماء، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست، وفي أخرى لأبي داود (٣): أتانا علي ﵁ وقد صلى فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا إلى أن قال: ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا، ورجله اليسرى ثلاثًا، وفي رواية للنسائي (٤) عن الحسين بن علي ﵄ قال: دعاني أبي علي ﵁ بوضوء فقربته له. . . إلى أن قال: ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين، ثم اليسرى كذلك.
وأخرج الطحاوي (٥) عن عبد الملك بن سليمان أنه قال: قلت لعطاء: أبلغك عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على القدمين؟ فقال: لا، وأما ما روي عن عباد بن تميم عن عمر (٦) ﵁ أن النبي ﷺ توضأ ومسح على القدمين، وما روي عن
стр. 738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
علي (١) ﵁ أنه صلى الظهر، ثم قعد للناس على كرسيه، ثم أتي بماء فمسح بوجهه ويديه، ومسح برأسه ورجليه، وشرب فضله قائمًا ثم قال: إن ناسًا يزعمون أن هذا يكره، وإني رأيت رسول اللَّه ﷺ يصنع مثل ما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث، وسائر ما ورد في ذلك، فقد ذكر عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنهم كانوا يمسحون حتى أمر رسول اللَّه ﷺ بإسباغ الوضوء، فدل ذلك على أن حكم المسح الذي كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه، على أنه ليس في حديث علي ﵁ أن فرض الرجلين هو المسح؛ لأن فيه أنه قد مسح وجهه ويديه، وكان ذلك المسح غسلًا، فكذلك يحتمل أن يكون مسحه لرجليه أيضًا كذلك، يدل على ذلك ما ذكر من الروايات عنه ﵁.
الطريق الثاني: التمسك بالإجماع، قال الإمام علاء الدين العالم رحمة اللَّه عليه في (تحفة الفقهاء) (٢): إن العلماء ﵏ أجمعوا على وجوب غسل الرجلين إذا كانتا باديتين بعد وجوب الاختلاف فيه، والإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم، هذا، وقد قيل في مسائل أصول الفقه: المختار أن الإجماع الذي ندر مخالفته حجة؛ لأنه يدل على وجود راجح أو قاطع، إذ لو قيل: يكون متمسك المخالف النادر راجحًا، وأن الكثيرين لم يطلعوا عليه وخالفوه غلطًا أو عمدًا كان في غاية البُعد، لكن ذلك الإجماع لا يتناول الإجماع المعروف عند الأصوليين الذي يكفّر منكره، وأيضًا المخالف النادر إذا نشأ بعد الاتفاق فلا عبرة لمخالفته أصلًا، ثم إن مدار صحة هذا الطريق على الطريق الأول إذ لا بد للإجماع من سند، والسند ههنا هو السنة، ولا يلزم أن يكون السند قطعيًّا،
стр. 739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بل قد يكون ظنيًا كالقياس وخبر الواحد، ويصير بالإجماع عليهما قطعيًّا، وإن كان السند قطعيًّا كما فيما نحن فيه من السنة المشهورة المتواترة المعنى فهو أقوى وأحكم، والكلام في الإجماع وأقسامه كثير، فليقتصر على هذا المقدار.
الطريق الثالث: التمسك بالكتاب، بيانه أن نصب اللام في ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] قراءة شطر القراء السبعة الذين ثبتت قراءتهم بالتواتر كما حقق في موضعه، وهم نافع وابن عامر والكسائي وحفص راوي عاصم ﵏، والجر أيضًا قراءة شطر القراء السبعة وهم ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر راوي عاصم ﵏، فنصب اللام للعطف على المغسول، وإدخال الممسوح بين المغسولات إشارة إلى انتداب هذه الهيئة أو افتراضها، والعطف على المغسول هو ظاهر تلك القراءة، فلا يجوز ترك هذا الظاهر إلى العطف على محل الممسوح إلا بدليل؛ لأن العطف على المحل بمنزلة المجاز من الحقيقة مع أن العطف على المحل إنما يجوز عند عدم الالتباس، لا تقول: ضربت زيدًا ومررت بعمر وبكرًا، وأنت تريد عطف بكر على عمر محلًا، وخفض اللام للعطف على الممسوح وهو ظاهر تلك القراءة، لكنه يحتمل أن يكون العطف على الممسوح لفظًا فقط للجوار، والمعنى على العطف على المغسول ويسمى هذا جرّ الجوار، وهي كثيرة في لغة العرب وواقعة في القرآن وغيره.
وقد جعل أئمة النحو للعطف على الجوار بابًا وجوّزوا الجرّ للجوار مع العاطف وبدونه، وأخطأ من جعلها لغة رديئة غير فصيحة، ومما يدل على عدم كون الأرجل ممسوحة أن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة، فلما كان ظاهر قراءة النصب وهو العطف على المغسول معينًا للغسل، وظاهر قراءة الخفض محتملًا للغسل وجب الحمل المحتمل على المتعين دفعًا للتعارض، ونقل عن شيخ الإسلام خواهر زاده أنه إذا قيل
стр. 740
٣٩٩ - [٩] وَعَنِ الْمُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ. . . . .
ــ
بالمسح يبقى مقتضى النصب غير معمول به بخلاف العكس، فإن المسح معمول بالغسل؛ لأن المسح بعض الغسل، ففيما ذهبنا إليه عمل بالنص من كل وجه، وفيه خروج عن عهدة الواجب بيقين وتحصيل للطهارة كاملًا، وتمسك بالأصل في باب الوضوء وهو الغسل، إذ هو المطهر حقيقة وحكمًا، ولهذا بدأ اللَّه تعالى به، ثم نقل الحكم إلى المسح في الرأس دفعًا للحرج إذ في غسله من الحرج ما ليس في غسل الوجه واليدين والرجلين إذ كانتا باديتين، ولأن الرجلين أحق بالغسل لوقوعها في مواطئ النجاسة والتلوث من غيرهما من الأعضاء.
وقال بعض العلماء -منهم الشافعي رحمة اللَّه عليه- في تأويل القراءتين: بالنصب أريد به قوم، والجر أريد به آخرون يعنون من يجب عليه الغسل ومن يجوز له المسح، قال شيخ الإسلام خواهر زاده: فعلى هذا في قراءة الجر ذكر الرجل وأريد به الخف للاتصال جوارًا، وقد أشار اللَّه إلى الغسل والمسح بنصب اللام وخفضها بلاغةً وإيجازًا، انتهى. وصحة هذا الطريق الثالث أيضًا مبني على الطريق الأول، إذ فصل الخطاب أن تقييد ظاهر الكتاب وتعيين بعض محتملاته على سبيل القطع لا يجوز إلا بمثل ما ذكر من السنة المشهورة المتواترة معنى.
نعم يجوز أن يحصل لظاهر الكتاب قطعية الدلالة باعتبار لحوق القرائن كما قال الأصوليون في إفادة خبر الواحد إذا احتفت به القرائن، وهذا قول من قال من المشايخ: البيان ملتحق بالمبين، واللَّه أعلم وعلمه أحكم.
٣٩٩ - [٩] (المغيرة بن شعبة) قوله: (فمسح بناصيته وعلى العمامة) لمسح بقية الرأس إتمامًا لوظيفة مسح الفريضة كما هو مذهب مالك رحمة اللَّه عليه، أو
стр. 741
وَعَلَى الْخُفَّيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤].
٤٠٠ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ: . . . . .
ــ
لاستيعاب الرأس كما هو السنة بعد ما مسح أدنى ما يطلق عليه اسم المسح عند الشافعي رحمة اللَّه عليه، أو ربع الرأس عند أبي حنيفة رحمة اللَّه عليه تكميلًا للطهارة في الجملة وهو أمر مستحسن، وأما مسح العمامة مستقلًا بدون مسح الرأس كما على الخف فمنعه أبو حنيفة ومالك ﵄ مطلقًا، وجوز أحمد الاقتصار عليه بشرط الاعتمام على طهر، وأن تكون العمامة تحت الحنك، أو تكون [لها] ذؤابة وكونها ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين وشبههما من جوانب الرأس، كذا في بعض الشروح، وربما ينظر قوله: (وعلى الخفين) إلى هذا المعنى.
وقال التُّورِبِشْتِي (١): قد جوز المسح على العمامة جمع من فقهاء أصحاب الحديث، وأكثر ما يدور [عليهم] علم الفتيا في بلاد الإسلام على خلاف ذلك، ومنهم من يقول: إن النبي ﷺ رخص لهم بعد مسح الواجب أن يقصروا من الاستيعاب على مسح العمائم، هذا، ثم يحتمل أنه مسح بناصيته فسوّى عمامته بيديه، فحسب الراوي أنه مسح عليها.
٤٠٠ - [١٠] (عائشة) قوله: (يحب التيمن) أي: الابتداء باليمين.
وقوله: (ما استطاع) إشارة إلى شدة المحافظة عليه.
وقوله: (في شأنه) أي: في أفعاله، أي: كان يؤثر اليمين في الأفعال باليد اليمنى والرجل اليمنى والجانب الأيمن.
стр. 742
فِي طُهُورِهِ وَترَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٢٦، م: ٢٦٧].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٠١ - [١١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ. . . . .
ــ
وقوله: (في طهوره) صححوه بضم الطاء وفتحها، أي: البداية بالشق الأيمن في غسل الأعضاء وباليمنى من اليدين والرجلين، وأما الكفان والخدان والأذنان فيطهران معًا.
وقوله: في (ترجله) أي: البداية بالشق الأيمن في تسريح لحيته ورأسه.
وقوله: وفي (تنعله) أي: الابتداء بلبس النعل اليمنى، والظاهر أن قوله: (في طهوره) مع أخويه بدل بعض من (شأنه كله)، وحيث ذكر الثلاثة على طريق التمثيل، والمراد هذه وأمثالها كان في المعنى بدل الكل من الكل.
وقال الطيبي (١): استغنى بذكر الطهور عن ذكر الطاعات لأنه مفتاحها، والترجل يتعلق بالرأس، والتنعل بالرجل، ففيه إشعار بجميع البدن فيكون بدل الكل عن الكل، فتدبر، وقد وقع في بعض الروايات بتأخير قوله: وفي شأنه كله، من الثلاثة فهو تعميم بعد تخصيص، ويروى بحذف واو العطف لقرينة، أو هو بدل من الثلاثة بدل اشتمال كذا قيل، ثم المراد بالشأن الذي يستحب التيمن فيه ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بخلافه فيبدأ فيه بالأيسر، علم ذلك بدليل الأحاديث والآثار، وقد عده الطيبي، وله نظائر أخرى.
الفصل الثاني
٤٠١ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (إذا لبستم وإذا توضأتم) تخصيص ببعض
стр. 743
فَابْدَؤُوا بِأَيَامِنِكُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٣٥٤، د: ٤١٤١].
٤٠٢ - [١٢] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٥، جه: ٣٩٨].
٤٠٣ - [١٣] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [حم: ٢/ ٤١٨، د: ١٠١].
ــ
الشؤون الفاضلة الشائعة الوقوع اهتمامًا بشأنها، ويحتمل أن يكون المقام قد اقتضى تخصيصها بالذكر، واللَّه أعلم.
وقوله: (فابدؤا بأيامنكم) وفي رواية: (بميامنكم)، والأول جمع أيمن، والثاني جمع ميمن، وكلاهما بمعنى.
٤٠٢ - ٤٠٣ - [١٢ - ١٣] (سعيد بن زيد، أبو هريرة) قوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللَّه عليه) ظاهره نفي الصحة، وإليه ذهب أحمد (١) رحمة اللَّه عليه على المختار من مذهبه عند جماعة من أصحابه أن التسمية شرط لصحة الوضوء، وقال إسحاق: إن من ترك التسمية عامدًا أعاد الوضوء، وإن كان ناسيًا أو متأولًا أجزأ، وعند الأئمة الثلاثة هو لنفي الكمال، وعندنا التسمية سنة أو مستحب لما روى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة والدارقطني (٢) عن أبي هريرة وابن مسعود وابن عمر ﵃ أنه ﷺ قال: (من توضأ فذكر اسم اللَّه كان طهورًا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم اللَّه كان طهورًا لأعضاء وضوئه)، فإن سياق هذا الحديث في إثبات الكمال بالتسمية، وهذا أمارة السنية أو الاستحباب مع أن الأحاديث الواردة في التسمية قد ضعفها الأكثرون،
стр. 744
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولهذا الأصح عندنا أنها مستحبة لا سنة، وأيضًا قد أخرج أصحاب السنن الأربعة (١) أن رسول اللَّه ﷺ قال في تعليم الوضوء: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك اللَّه)، وأمر اللَّه بالوضوء إنما هو بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية، وليس فيه ذكر التسمية.
واستدل بعضهم على نفي وجوب التسمية بحديث عدم رد السلام على من سلم عليه ﷺ بعد بول أو غائط معللًا بعدم كونه على الطهارة، وهو حديث له طرق متعددة من الصحاح والحسان، وجاء في رواية (٢): أنه ﷺ كان يتوضأ فسلم عليه أحد فلم يردّ عليه، فلما فرغ من الوضوء اعتذر، فهذه الأحاديث تدل على أنه كان لم يذكر اسم اللَّه من غير وضوء، فدلت على عدم التسمية قبل الوضوء، فكيف تكون واجبة بل سنة أيضًا، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن في دلالتها على كراهية ذكر عهد في الشرع في الموضع محل بحث، وقد ثبتت التسمية قبل الوضوء بأحاديث متعددة.
قال البخاري: أحسن الأحاديث في هذا الباب حديث سعيد بن زيد، وقال إسحاق: أصح الأحاديث حديثه، والظاهر -واللَّه أعلم- أن امتناعه ﷺ في الحالة المذكورة عن خصوص رد السلام فإن في تأخيره وتوقفه مجالًا، ولا ضرورة في التبادر به مع عدم الطهارة لا من مطلق الذكر؛ لأنه قد جاء في الصحاح أنه كان لا يمنعه من ذكر اللَّه شيء من الحدث، بل الجنابة أيضًا إلا القرآن، وقد جاء في الحديث (٣) أنه كان
стр. 745
٤٠٤ - [١٤] والدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عَن أَبِيهِ، وَزَادُوا فِي أَوَّلِهِ: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ". [دي: ١/ ١٧٦].
٤٠٥ - [١٥] وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ قَالَ: . . . . .
ــ
يقول عند الخروج من البراز: (الحمد للَّه الذي أخرج عني ما يؤذيني) الحديث، وقد تمسك بعض الناس بأنه لم يقع في حديث علي وعثمان ﵄ وغيرهما من الذين وصفوا وضوءه ﷺ ذكر التسمية، ولو كان واجبًا لذكروا ثمة، وأجيب بأن مقصودهم حكاية الأفعال التي هي داخلة في الوضوء، والتسمية من الأقوال وهي خارجة منه، أو يقال: لعل الراوي اختصر الحديث، وذكر طرفًا منه بناء على شهرة الابتداء بالتسمية في كل أمر ذي بال، ولا يخفى ما فيه.
٤٠٤ - [١٤] قوله: (والدارمي عن أبي سعيد الخدري) هكذا وقع في نسخ (المشكاة) وهو سهو؛ لأن أبا سعيد هو مالك بن سنان ﵄، وليس هذا الحديث منه، والصواب: والدارمي عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه، فإنه في (سنن الدارمي) (١) هكذا: أخبرنا عبد اللَّه بن سعيد قال: أخبرنا أبو عامر العقدي قال: أخبرنا كثير بن زيد قال: حدثني رُبَيْح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللَّه عليه)، وقال الشيخ ابن الهمام (٢): وأعل هذا الإسناد بأن ربيحًا ليس بمعروف، ونوزع بأن أبا زرعة قال: ربيح شيخ، وقال ابن عمار: ثقة.
٤٠٥ - [١٥] (لقيط بن صبرة) قوله: (لقيط) بفتح اللام وكسر القاف، و (صبرة)
стр. 746
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ. قَالَ: "أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ. . . . .
ــ
بفتح الصاد وكسر الباء، كذا في (جامع الأصول) (١)، وفي بعض الشروح: ويجوز سكون الباء مع فتح الصاد وكسرها.
وقوله: (أخبرني عن الوضوء) كان سأله عن حسنه وكماله وآدابه؛ لأن أصل الوضوء كان معروفًا عندهم فأجاب ﷺ بما أجاب، والمراد بـ (الأصابع) أصابع الرجل واليد، وهو سنة عند أبي حنيفة وعند الشافعي ﵄، وعند أحمد ﵁ تخليل أصابع الرجل سنة بلا خلاف، وفي أصابع اليدين عنه روايتان: الأشهر أنه سنة، وفي رواية: لا؛ لأن تفريجها مغن عن التخليل، وعند مالك ﵁ التخليل مخصوص بأصابع الرجل، وقال: وإن ترك لا بأس، التخليل أطيب للنفس، فإن قلت: قد ورد الوعيد على ترك التخليل في حديث رواه الدارقطني (٢) كما ذكر في (الهداية) وذلك ناظر في الوجوب.
قلثا: الحديث ضعيف بيحيى بن ميمون التمار، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام (٣)، وقيل: السنة في صورة انفراج الأصابع، وفي صورة التصاق الأصابع بعضها مع بعض بحيث لا يصل الماء بينها بدون التخليل واجب، والوعيد محمول عليها.
وقوله: (وبالغ في الاستنشاق) وفي رواية: (بالغ في المضمضة والاستنشاق)، ولعل وجه التخصيص على رواية الأولى لكون الخيشوم مبيت الشيطان، قال الشُّمُنِّي عن (الخلاصة): حد المضمضة استيعاب جميع الفم، والمبالغة فيها أن يصل الماء إلى رأس الحلق، وحد الاستنشاق أن يصل الماء إلى المارن، والمبالغة أن يجاوز المارن،
стр. 747
إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ إِلَى قَوْله: بَيْنَ الأَصَابع. [د: ١٤٢، ت: ٧٨٨، ن: ٨٧، جه: ٤٠٧، ٤٤٨، دي: ٢/ ٣٣١].
٤٠٦ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيب. [ت: ٣٩، جه: ٤٤٧].
٤٠٧ - [١٧] وَعَن الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يَدْلُكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ. . . . .
ــ
وقيل: المبالغة في الاستنشاق اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف ولا يصيره سعوطًا، وفي المضمضة إدارة الماء في أقاصي الفم ولا يصيره وجورًا.
وقوله: (إلا أن يكون صائمًا) خوفًا من فساد الصوم بوصول الماء إلى الدماغ، والخيشوم محل الشيطان، فينجذب الماء حتى يفسد صومه.
٤٠٦ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (فخلل بين أصابع يديك ورجليك) وكيفية تخليل أصابع الرجل أن يخلل بخنصر اليد اليسرى، يبتدئ بخنصر الرجل اليمنى ويختم بخنصر الرجل اليسرى رعاية للتيامن، وتخليل أصابم اليدين بإدخال بعضها في بعض، وفي (القنية): كذا ورد، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١)، وقال: ومثله فيما يظهر أمر اتفاق لا سنة مقصودة.
٤٠٧ - [١٧] (المستورد بن شداد) قوله: (يدلك) دلكه: مرسه ودعكه، بالفارسية ماليدن بدست من نصر ينصر.
стр. 748
بِخِنْصَرِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٤٠، د: ١٤٨، جه: ٤٤٦].
٤٠٨ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ، فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ، فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ. وَقَالَ: "هَكَذَا أَمرنِي رَبِّي". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٥].
٤٠٩ - [١٩] وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ. . . . .
ــ
وقوله: (بخنصره) بكسر الخاء وكسر الصاد ويفتح: الأصبع الصغرى، وقيل في وجهه لأنه أصغر، والخدمة بالصغار أجدر، والدخول في الخلال أيسر، ودلك أصابع الرجل يستلزم التخليل، وفي بعض الشروح: الدلك ههنا بمعنى التخليل.
٤٠٨ - [١٨] (أنس) قوله: (تحت حنكه) هو بفتح المهملة والنون باطن الفم من داخل، والأسفل من طرف مقدم اللحيين، وتحت الحنك الذقن أي يدخل كفًّا من ماء تحت لحيته من جانب حلقه، فخلل به لحيته ليصل الماء إليها من كل جانب، وكان عند غسل الوجه لأنه من تمامه لا بعد فراغه كما توهم، كذا في بعض الشروح.
وقوله: (هكذا أمرني ربي) ولهذا ذهب المزني وأحمد في ما اختاره بعض الأئمة من مذهبه إلى أن تخليل اللحية واجب، كذا في الحواشي.
٤٠٩ - [١٩] (عثمان ﵁) قوله: (كان يخلل لحيته) قال صاحب (سفر السعادة) (١): قد ورد في تخليل اللحية حديث فقبله بعض أهل الحديث، وردّه بعض، وأخرج الترمذي (٢) عن حسان بن بلال قال: رأيت عمار بن ياسر توضأ وخلل لحيته،
стр. 749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقيل له: -أو قال: فقلت له: - أتخلل لحيتك؟ قال: وما يمنعني، ولقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يخلل لحيته، وقال الترمذي: وفي الباب عن عائشة وأم سلمة وأنس وابن أبي أوفى وأبي أيوب، وقد تكلم سفيان بن عيينة في حديث حسان بن بلال وقال: لم يسمع عبد الكريم من حسان بن بلال. وقال محمد بن إسماعيل: أصح شيء في هذا الباب حديث عامر بن شقيق عن أبي وائل عن عثمان، وقال بهذا أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم: رأوا تخليل اللحية، وبه يقول الشافعي، وقال أحمد: إن سها عن التخليل فهو جائز، وقال إسحاق: إن تركه ناسيًا أو متأوّلًا أجزأه، وإن تركه عامدًا أعاد، انتهى كلام الترمذي.
وقال الشُّمُنِّي: تخليل اللحية سنة عند أبي يوسف وفضيلة عندهما، وقال شمس (١) الأئمة السرخسي بعد ما نقل عن (شرح الآثار): أن قول أبي حنيفة ومحمد جواز التخليل: والأصح قول أبي يوسف ﵏، وكيفية التخليل أن يدخل أصابعه من أسفل لحيته إلى فوقها، وفي (الظهيرية): والتخليل إنما يكون بعد التثليث، انتهى كلام الشُّمُنِّي، وأورد الشيخ ابن الهمام (٢) أحاديث كثيرة في فعله ﷺ تخليل اللحية بطرق كثيرة عن أكثر من عشرة من الصحابة ﵃، في بعضها: بهذا أمرني ربي، وقال: جاء في كثير من الكتب رواية أنه سنة عند أبي يوسف مستحب عندهما، وظاهر الحديث أن يكون بماء جديد، وقيل: بماء الوجه، وفي (رسالة ابن أبي زيد) في مذهب مالك رحمة اللَّه أنه ليس عليه تخليلها في الوضوء ويجري عليها يديه إلى آخرها ويحركها، وهذا يحتمل
стр. 750
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٢، دي: ١/ ١٧٨ - ١٧٩].
٤١٠ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي حَيَّةَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا، ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً، ثمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ، فَشَرِبَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيفَ كَانَ طُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٤٨، ن: ٩٦].
٢١١ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: نَحْنُ جُلُوسٌ نَنْظُرُ إِلَى عَلِيٍّ حِينَ تَوَضَّأَ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَمَلأَ فَمَهُ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، فَعَلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى طُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَذَا طُهُورُهُ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ١٧٨].
ــ
نفي الوجوب ونفي السنة، والظاهر الاحتمال الثاني بقرينة المقام، واللَّه أعلم بحقيقة المرام.
وقوله: (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث حسن، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وحسنه البخاري وأبو داود.
٤١٠ - [٢٠] (أبو حية) قوله: (فشربه وهو قائم) سيجيء في (باب الأشربة) الكلام فيه وبيان الاختلاف في ذلك.
٤١١ - [٢١] (عبد خير) قوله: (فملأ فمه فمضمض) أي: حرك الماء في الفم، والمضمضة في اللغة: تحريك الماء في الفم، ويطلق على مجموع إدخال الماء في الفم وتحريكه فيه.
стр. 751
٤١٢ - [٢٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١١٨، ت: ٢٨].
٤١٣ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنيهِ: بَاطِنَهُمَا بِالسَّبَّاحَتَيْنِ، وَظَاهِرَهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٠٢].
٤١٤ - [٢٤] وَعَن الرُّبَيعِّ بِنْتِ مُعَوَّذٍ: أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ قَالَتْ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ،
ــ
٤١٢ - [٢٢] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (مضمض واستنشق من كف واحد) يحتمل بعض الصور الخمسة التي ذكرناها في حديث أبي هريرة ﵁ في الفصل الأول، فافهم.
٤١٣ - [٢٣] (ابن عباس) قوله: (باطنها) بالجر بدل من (أذنيه)، وقد يصحح بالنصب بتقدير فعل، أي: مسح باطنها، أو بدل حمل على المحل.
وقوله: (بالسباحتين) يعني المسبحتين، والمسبحة أصبع يلي الإبهام، سميت لها لأنها تشار بها عند التسبيح إشارة إلى أحدية الحق سبحانه، وهذه تسمية إسلامية كراهة للسبابة التي هي تسمية جاهلية لأنهم كانوا يسبون الناس ويشيرون بها إليهم للسب، وقد تستعمل السبابة أيضًا، وقد يوجد ههنا أيضًا في بعض النسخ: بالسبابتين، والصحيح بالسباحتين.
٤١٤ - [٢٤] (الربيع بنت معوذ) قوله: (عن الربيع) بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء.
وقوله: (بنت معوذ) على وزن اسم فاعل من التعويذ.
стр. 752
وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِيب جُحْرَيْ أُذُنَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الرِّوَايَةَ الأُولَى وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ الثَّانِيَةَ. [د: ١٢٩، ت: ٣٤، حم: ٦/ ٣٥٩، جه: ٤٤١].
٤١٥ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
ــ
وقوله: (وصدغيه) في (القاموس) (١): الصدغ ما بين الأذن والعين والشعر المتدلي على هذا الموضع، ومسح الأذنين معًا؛ لأن تقديم اليمنى على اليسرى إنما هو في كل عضوين يعسر غسلهما دفعة واحدة كاليدين والرجلين، كذا في بعض الشروح، و (جحري) بتقديم الجيم على الحاء.
٤١٥ - [٢٥] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه) أي: أخذ له ماء جديدًا ولم يقتصر على البلل الذي بيده.
اعلم أن أصحابنا الحنفية ذكروا في كتبهم: إن مسح ببلل باق في اليد بعد غسل عضو من المغسولات يكفي، ولا يكفي البلل الباقي بعد مسح عضو من الممسوحات، وذكروا في ذلك حديثًا عن ابن مسعود ﵁ أنه لو كان في كفه بلل فمسح رأسه أجزأ إلا أنهم خصوا ذلك البلل بما لم يكن مستعملًا، وذلك ظاهر في المأخوذ من الإناء دون ما بقي في الكف بعد غسل الأعضاء أو المسح، فلذلك قال الحاكم الشهيد (٢): هذا إذا لم يستعمل في عضو من أعضائه بأن يدخل يده في الإناء حتى ابتل، فأما إذا استعمله
стр. 753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في بعض أعضائه وبقي على كفه بلل لا يجوز، ولكن أكثرهم قالوا: إن ما قال الحاكم الشهيد خطأ.
والصحيح أنه إذا غسل عضوًا من أعضائه وبقي البلل في كفه جاز بناء على ما ذكر محمد ﵀ في مسح الخف أنه إذا توضأ ثم مسح على الخف ببلة بقيت على كفه بعد الغسل جاز، ولو مسح برأسه ثم على خفه ببلة بقيت في يده لم يجز، وأيضًا قال محمد ﵀ في ما بقي على كفه من غسل العضو: هذا بمنزلة ما لو أخذ الماء من الإناء، وحمل البلل على الأعم من الباقي من غسل العضو أو المأخوذ من الإناء، هو الظاهر في حديث ابن مسعود ﵁ دون ما يخص بالمأخوذ من الإناء وإلا لم يكن في هذا القول فائدة، ووجهه أن البلل على كفه غير مستعمل، لأنه لم تقم به قربة؛ لأن الغسل يتأدى بالماء دون البلل، والفرق بين الباقي بعد المسح والباقي بعد الغسل أن الماء بمجرد ملاقاة العضو المغسول لا يصير مستعملًا ما لم يسل؛ لأنه لا يرتفع الحدث عنه إلا بالسيلان. وأما في المسح فالماء بمجرد ملاقاة بشرة الرأس يصير مستعملًا؛ لأن فرض المسح الملاقاة.
ثم اعلم أن الترمذي روى الحديث عن عمرو بن الحارث عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد اللَّه بن زيد أن رسول اللَّه ﷺ توضأ وأنه مسح بماء غير فضل يديه كما أورده المؤلف، ثم قال (١): وروى ابن لهيعة عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد اللَّه بن زيد بماء غبر من فضل يديه بالباء الموحدة، أي: بقي على يديه من الماء الذي غسل به عضوًا، وهذا يوافق ما ذكر أصحابنا من جواز المسح ببلل باق على اليد بعد غسل عضو، ولكن قال: رواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح؛ لأنه قد روي من غير وجه هذا الحديثُ
стр. 754
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ زَوَائِدَ. [ت: ٣٥، م: ٢٣٦].
ــ
عن عبد اللَّه بن زيد وغيره: أن النبي ﷺ أخذ لرأسه ماء جديدًا، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديدًا.
وقوله: (رواه مسلم مع زوائد) وهو أنه رأى رسول اللَّه ﷺ توضأ فمضمض ثم استنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويده اليمنى ثلاثًا، والأخرى ثلاثًا، ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه حتى أنقاهما، وقد حمل التُّورِبِشْتِي (١) هذا القول على اعتراضه على صاحب (المصابيح) حيث قال: عبد اللَّه بن زيد بن عاصم هذا مخرج في كتاب مسلم، ولا شك أن المؤلف لم يشعر بأنه في كتاب مسلم، ونقله عن كتاب الترمذي، فجعله من جملة الحسان.
وقال الطيبي (٢): لا عليه إن ورد الحديث في الكتابين، وذكره في قسم الحسان ولم يذكره في الصحاح، وغايته أنه ترك الأولى يعني أن المؤلف لم يخرج عن قاعدته التي قررها في هذا الكتاب بذكر حديث الشيخين أو أحدهما في الفصل الأول وذكر حديث غيرهما في الثاني، وهذا الحديث حيث وجد في (جامع الترمذي) صح ذكره في الفصل الثاني، وإن وجد في كتاب مسلم صح به ذكره في الأول، لكن من الأولى أن يذكره في الفصل الأول إذ مع وجود صحته لا يناسب ذكره في الحسان، وأقول: يرجح ذكره في الحسان لكونه بهذا الاختصار مذكور في (جامع الترمذي) لا في (صحيح مسلم)، وأما في كتاب مسلم فمذكور مع زوائد، وقد ذكر تلك الزوائد في الأحاديث الأخر فلم يروه عنه، فكان قول المؤلف هذا اعتذار عن ذكره في الحسان دون الصحاح، فافهم.
стр. 755
٤١٦ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي أُمَامَة ذَكَرَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَكَانَ يَمْسَحُ الْمَاقَيْنِ، وَقَالَ: الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَا: قَالَ حَمَّادٌ: لَا أَدْرِي: الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ أَمْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [جه: ٤٤٤، د: ٣٤، ت: ٣٧].
ــ
٤١٦ - [٢٦] (أبو أمامة) قوله: (وكان يمسح الماقين) فيه لغات متعددة ذكرت في (القاموس) (١) أشهرها الماق والموق مهموز أو غير مهموز، هو طرف العين مما يلي الأنف وهو مجرى الدمع، وقال الجوهري (٢): الذي يلي الأنف والأذن، ولفظ الحديث يحتمل المعنيين، فعلى القول الأول التثنية باعتبار العينين، وعلى الثاني باعتبار كل عين، وغسلهما من باب الإسباغ والتنقية، وغسل الماقين معًا أدخل في ذلك.
وقوله: (وقال: الأذنان من الرأس) يحتمل أن يكون عطفًا على (قال)، وأن يكون على (كان)، ومن هذا الاحتمال نشأ تردد حماد أحد رواة هذا الحديث في أن قوله: (الأذنان) من كلام الراوي أو كلام الرسول ﷺ ، وأورد الشيخ ابن الهمام (٣) طرقًا من الحديث تدل على أنه من قول الرسول، ونقل تضعيفها من القوم ثم أثبت قوتها كما هو عادته، وأورد حديثًا دالًا على فعله ﷺ مسح الأذنين بماء الرأس، وقال: بوب النسائي (باب مسح الأذنين مع الرأس)، ثم يؤخذ من قوله: (الأذنان من الرأس) حكمان: مسحهما مع الرأس وبمائه لا بماء جديد، والأئمة الأربعة متفقون في الحكم الأول، ويحكى عن الزهري: هما من الوجه يمسح بهما معه.
стр. 756
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال بعض العلماء: ظاهرهما وهو ما أدبر منهما من الرأس، وباطنهما وهو ما أقبل منهما من الوجه يمسح معه، وعن بعضهم أنه يغسل ظاهرهما وباطنهما معه، وأما الحكم الثاني أعني مسحهما بماء الرأس فهو مذهبنا ومذهب أحمد عند جماعة من مشايخ مذهبه؛ لأن غالب من وصف وضوء النبي ﷺ ذكر أنه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد، كذا في شرح كتاب (الخرقي) (١) في مذهب الإمام أحمد، ولحديث ابن عباس رواه ابن حبان وابن خزيمة (٢) وابن منده والحاكم أنه قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول اللَّه ﷺ ) وفيه: (ثم غرف غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه)، ولحديث عبد اللَّه الصنابحي الذي مضى في الفصل الثالث (٣) من (كتاب الطهارة) من قوله: (فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى يخرج من أذنيه)، فإنه يدل على أن الأذنين يمسحان بماء الرأس وهما جزآن منه كالأظفار من اليدين والرجلين.
وعند الشافعي وأحمد في ما اختاره أصحابه الآخرون ومالك على ما نقل الشُّمُنِّي يمسح الأذنان بماء جديد لما روى الحاكم (٤) عن حبان بن واسع أن أباه حدثه أنه سمع عبد اللَّه بن زيد يذكر أنه رأى رسول اللَّه ﷺ يتوضأ فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه، ورواه البيهقي (٥) في (سننه) وقال: إسناده صحيح، ويحتمل أنه مسح في غالب الأحوال بماء رأسه وأحيانًا بماء جديد لما لم يبق بلل وجفت كفه، أو بيانًا للجواز.
стр. 757
٤١٧ - [٢٧] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ. [ن: ١٤٠، جه: ٤٢٢، د: ١٣٥].
٤١٨ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّل أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: . . . . .
ــ
وقال ابن الهمام (١): وأما ما روي أنه ﷺ أخذ لأذنيه ماء جديدًا؛ فيجب حمله على أنه لفناء البلة قبل الاستيعاب؛ توفيقًا بينه وبين ما ذكرنا، وإذا انعدمت البلة لم يكن بد من الأخذ؛ كما لو انعدمت في بعض عضو واحد، ولو رجحنا كان ما رويناه أكثر وأشهر، فقد روي من حديث أبي أمامة وابن عباس، وعبد اللَّه بن زيد وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة وأنس، وابن عمر وعائشة ﵃ أجمعين بطرق كثيرة، انتهى.
٤١٧ - [٢٧] (عمرو بن شعيب) قوله: (يسأله عن الوضوء) أي عن كماله.
وقوله: (فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) وفي رواية: (فمن نقص أو زاد)، والصحيح عدم ذكر النقصان، وقد ذكرناه في الفصل الأول، فتدبر.
٤١٨ - [٢٨] قوله: (عبد اللَّه بن المغفل) بالغين المعجمة والفاء المفتوحة المشددة وبالألف واللام وبدونهما، وقد يجعل بالعين المهملة والقاف وهو تصحيف، وليس في الصحابة من اسمه ذلك، وإنما هو في التابعين، هو عبد اللَّه بن معقل بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف المزني الكوفي أخو عبد الرحمن بن معقل، في الطبقة الثانية
стр. 758
"إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٨٧، ٥/ ٥٥، د: ٩٦، جه: ٣٨٦٤].
٤١٩ - [٢٩] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: الْوَلَهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ. . . . .
ــ
من تابعي الكوفة، سمع ابن مسعود ﵁.
وقوله: (يعتدون في الطهور والدعاء) أما الاعتداء في الطهور فبالزيادة على الثلاثة، وإسراف الماء، وبالمبالغة في الغسل إلى حد الوسواس، وأما في الدعاء فبالانبساط، وتعيين المطلب، وطلب ما يستحيل عادة، ونحو ذلك (١).
٤١٩ - [٢٩] (أبي بن كعب) قوله: (يقال له: الولهان) الوله محركة: الحزن، أو ذهاب العقل حزنًا، والحيرة، والولهان: شيطان يعتري بكثرة صب الماء في الوضوء،
стр. 759
أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ خَارِجَةَ، وَهُوَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. [حم: ٥٧، جه: ٢٢١].
٤٢٠ - [٣٠] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ مسح وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٤].
ــ
فهو إما صفة ذلك الشيطان حقيقة لتحيره بشدة حرصه في طلب الوسوسة وإيقاع الناس فيه، أو صفته مجازًا، وفي الحقيقة هو صفة الإنسان الذي وقع في التحير لوسوسته.
وقوله: (وهو ليس بقوي عند أصحابنا) في (التقريب) (١): خارجة بن مصعب أبو الحجاج السرخسي متروك، وكان يدلس عن الكذابين، من الثامنة، مات سنة ثمان وستين ومئة، انتهى. وفي (ميزان الاعتدال) (٢): وهاه أحمد، وقال ابن معين: ليس بثقة، و [قال أيضًا: ] كذاب، وقال البخاري: تركه وكيع وابن المبارك ﵏، وقال الدارقطني وغيره: ضعيف، وفي (التهذيب) (٣) قال أحمد: لا يكتب حديثه، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة، قال مسلم: وسمعت يحيى بن يحيى وسئل عن خارجة بن مصعب فقال: خارجة عندنا مستقيم الحديث، ولم ينكر من حديثه إلا ما يدلس عن عتاب، وقال الحاكم: متروك، وبالجملة هو مختلف فيه.
٤٢٠ - [٣٠] (معاذ بن جبل) قوله: (إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه، رواه الترمذي) وحكم بضعفه، وقال: رشدين (٤) -بكسر الراء- بن سعد وعبد الرحمن بن
стр. 760
٤٢١ - [٣١] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا أَعْضَاءَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَائِمِ، وَأَبُو مُعَاذٍ الرَّاوِي ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. [ت: ٥٣].
ــ
زياد الإفريقي يضعفان في الحديث، قال في (التقريب) (١): رشدين بن سعد ضعيف، كان صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين فغلط في الحديث، مات سنة ثمان وثمانين ومئة، وعبد الرحمن بن زياد قاضي إفريقية ضعيف في حفظه، جاوز المئة، وكان رجلًا صالحًا، مات سنة ست وخمسين ومئة.
٤٢١ - [٣١] (عائشة) قوله: (كانت لرسول اللَّه ﷺ خرقة ينشف بها أعضاءه بعد الوضوء) نشف الماء تنشيفًا: أخذه بخرقة أو ثوب.
وقوله: (رواه الترمذي) وضعفه بان أبا معاذ الراوي ضعيف عند أهل الحديث، قال ابن حبان: أبو معاذ سليمان بن أرقم كان يقلب الأخبار، ويروي عن الثقات الموضوعات، كذا في بعض الشروح، فالترمذي ضعف الحديثين، وقال: لا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم في المنديل بعد الوضوء، ومن كرهه من قبل أن الوضوء يوزن، نقل ذلك عن سعيد بن المسيب والزهري، انتهى.
وفي بعض كتب الحنفية أنه إن كان على طريق التنزه والتكبر يكره، وإن كان على قصد التنظيف لم يكره، وفي بعض الشروح: قال العلماء: يستحب ترك التنشيف؛ لأن النبي ﷺ كان لا ينشف، ولو نشف لم يكره على الأصح، وقيل: يكره لأنه إزالة لأثر العبادة كالسواك للصائم، وقيل: لأن الماء يسبح ما دام على أعضاء الوضوء.
стр. 761
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٢٢ - [٣٢] عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ -هُوَ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ- حَدَّثَكَ جَابِرٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٤٥، جه: ٤١٠].
٤٢٣ - [٣٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: "هُوَ نُورٌ عَلَى نُورٍ". [خ مختصرًا: ١٥٨، حم: ٤/ ٤١].
٤٢٤ - [٣٤] وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: "هَذَا وُضُؤئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَوُضُوءُ إِبْرَاهِيمَ". رَوَاهُمَا رَزِينٌ، وَالنَّوَوِيُّ ضَعَّفَ الثَّانِي فِي "شرح مُسْلِم". [أخرجه مسلم مختصرًا، لكن لم يخرج القطعة الأخيرة، أي: هذا وضوئي. . . إلخ، ٢٣٠].
ــ
الفصل الثالث
٤٢٢ - [٣٢] (ثابت بن أبي صفية) قوله: (هو محمد الباقر) بن الإمام زين العابدين بن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، سمع الحديث من جابر بن عبد اللَّه هو وأبوه.
٤٢٣ - [٣٣] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (هو نور على نور) أي: طهارة على طهارة، أو سنة على فرض، وفيه تلميح إلى قصة التحجيل.
٤٢٤ - [٣٤] (عثمان) قوله: (ووضوء إبراهيم) ﵇، تخصيص بعد التعميم؛ لاختصاصه بمزيد التنظيف والتطهير من أحكام الفطرة كما سبق (١).
стр. 762
٤٢٥ - [٣٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَكانَ أَحَدُنَا يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. رَوَاهُ الدِّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٩٨].
٤٢٦ - [٣٦] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّان قَالَ: قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ وُضُوءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، عَمَّنْ أَخَذَهُ؟ فَقَالَ: حَدَّثَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ زيدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ ابْنِ أبي عَامِرِ. . . . .
ــ
٤٢٥ - [٣٥] (أنس) قوله: (وكان أحدنا يكفيه الوضوء ما لم يحدث) قال الطيبي (١): فيه إشعار بأن تجديد الوضوء كان واجبًا عليه ﷺ ، ثم نسخ بشهادة الحديث الآتي، انتهى. وقيل: كان واجبًا على كل أحد بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] ثم نسخ، لكن النسخ منهم كان متأخرًا من النسخ منه ﷺ ، واللَّه أعلم، بقي الكلام في نسخ أحكام سورة المائدة وقد سبق (٢).
٤٢٦ - [٣٦] قوله: (محمد بن يحيى بن حبان) هذا بفتح الحاء وتشديد الموحدة، وآخر ابن حبان بكسر الحاء، وأبو حيان بمفتوحة وشدة المثناة تحت، وعينوا كل واحد في موضعه، وتفصيله في (كتاب المغني) (٣) للشيخ محمد بن طاهر ﵀.
وقوله: (عمن أخذه) أي: أخبرني عمن أخذه، أمن رسول اللَّه ﷺ بلا واسطة، أو بعضٌ من أصحابه أخبره بذلك؟ .
وقوله: (فقال) الضمير لعبيد اللَّه بن عبد اللَّه، وفي (حدثته) لعبد اللَّه بن عمر،
стр. 763
ابْنِ الْغَسِيلِ حَدَّثَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ،
ــ
وزيد هو أخو عمر بن الخطاب ﵃، وكان أسن منه، و (حدثها) نقل بالمعنى، والظاهر حدثني، ويجوز في مثل قولك: قال زيد: إني قائم أن يقول: إنه قائم.
وقوله: (الغسيل) صفة لحنظلة، وهو ابن أبي عامر الرؤاسي الأنصاري، غسيل الملائكة، من سادات الصحابة، استشهد بأحد، وقال فيه رسول اللَّه ﷺ : (غسلته الملائكة)، وقصته مشهورة، وابنه عبد اللَّه بن حنظلة راوي هذا الحديث أيضًا صحابي، استشهد يوم الحرة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وكان أمير الأنصار.
وفي (جامع الأصول) (١): عبد اللَّه بن حنظلة ولد على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وتوفي النبي ﷺ وله سبع سنين، وقد رآه وروى عنه، وكان خيّرًا فاضلًا مقدّمًا في الأنصار، وهو الذي تابعه أهل المدينة على خلع بيعة يزيد بن معاوية، وقتل يوم الحرة، روى عنه ابن أبي مليكة، وعبد اللَّه بن يزيد الخطمي، وأسماء بنت زيد بن الخطاب، وقيس ابن سعد بن عبادة ﵃.
وأبو حنظلة أبو عامر الراهب كان كافرًا، قال له رسول اللَّه ﷺ : بعثت بالحنفية السمحة، فقال أبو عامر: كذبت، بل تخلطها بغيرها، فقال ﷺ : بل جئت بها بيضاء نقية، فقال أبو عامر: كذبت، فقال ﷺ : الكاذب منا يموت غريبًا طريدًا وحيدًا، فمات غريبًا طريدًا بأرض الروم كافرًا، [وكان هذا اللعين في أول أمر يذكر مناقب رسول اللَّه ﷺ ويخبر عن أحواله من الكتب السماوية، وأنه نبي آخر الزمان، ثم كفر أشد كفرًا] (٢) لما ظهرت نبوته.
стр. 764
فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كلِّ صَلَاةٍ، وَوُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ، قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ، فَفَعَلَهُ حَتَّى مَاتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٢٥].
٤٢٧ - [٣٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: "مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ ". قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢٢١، جه: ٤٢٥].
ــ
وقوله: (أمر بالسواك) فيه تأييد لمذهبنا أن السواك سنة لوقت كل صلاة، لا لكل صلاة كما هو مذهب الشافعي ﵁؛ لأنه بدل الوضوء الذي كان واجبًا لكل وقت، فافهم.
وقوله: (فكان عبد اللَّه يرى أن به قوة على ذلك) أي: على الوضوء لكل صلاة (ففعله) وألزم نفسه على ذلك، كأنه ﵁ ذهب في هذا مذهب التعليل، وأنه إنما وضع عن رسول اللَّه لأجل المشقة، وأنه إنما وضع الوجوب، والأفضلية باقية، وقد روي عنه مثل ذلك في صوم الدهر، وذلك لغاية حرصه على العبادة ما استطاع.
٤٢٧ - [٣٧] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (أفي الوضوء سرف؟ ) وفي رواية: (هل في الماء إسراف؟ ) وهذه الرواية بظاهرها تقتضي أن يكون الوضوء بالفتح، وصحت الرواية بالضم، والمعنى صحيح، أي: هل في الوضوء بإكثار الماء إسراف.
وقوله: (وإن كنت على نهر جار) مبالغة، وقيل: المراد بالإسراف الإثم، يعني: بالتجاوز عن تقدير الشرع، والاشتغال بما لا يعني، والوقوع في ورطة الوسواس، ويقرب منه ما قال بعض المشايخ: إن في النهر الجاري إن لم يكن إسراف الماء، ولكن إسراف العمر وتضييع الوقت باق، أعاذنا اللَّه.
стр. 765
٤٢٨ - [٣٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ جَسَدَهُ كُلَّهُ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يُطَهِّرْ إِلَّا مَوضِعَ الْوُضُوءِ".
٤٢٩ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ حَرَّكَ خَاتَمَهُ فِي أُصْبُعِهِ. رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الأَخِيرَ. [قط: ١/ ٧٤، جه: ٤٤٩].
* * *
٥ - باب الغسل
ــ
٤٢٨ - [٣٨] (أبو هريرة) قوله: (فإنه يطهر جسده كله) صحح بلفظ المعلوم والمجهول من التطهير، وفي بعض النسخ: يطهر بصيغة المعلوم من الطهارة.
٤٢٩ - [٣٩] (أبو رافع) قوله: (إذا توضأ وضوء الصلاة) كانه احتراز عما إذا توضأ لمس المصحف أو دخول المسجد أو سجدة التلاوة، فكان لم يبالغ فيه، ويحتمل أن يكون احترازًا عن وضوء الطعام، واللَّه أعلم.
وقوله: (حرك خاتمه في أصبعه) وهو عندنا من السنن والمستحبات، وقال ابن الهمام في (زاد الفقير): إن تحريك الخاتم إن كان واسعًا سنة، وإن كان ضيقًا بحيث لم يسل الماء تحته واجب.
٥ - باب الغسل
الغسل بضم الغين وسكون السين اسم للاغتسال، وهو غسل جميع البدن والشعر، وبفتح الغين مصدر غسل الشيء غسلًا، وقيل: يجوز فيه الضم والفتح، والغسل بالضمتين الماء الذي يغتسل به، وقد يجيء بسكون السين بمعناه كما يجيء بالضمتين
стр. 766
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٣٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا،
ــ
بمعنى الاسم، والغسل بكسر الغين ما يجعل مع الماء ويغسل به الرأس؛ كالأشنان والخطمي، وقد تزاد التاء في آخره، والغسول بالفتح مخففًا ومشددًا: الماء الذي يغتسل به والخطمي، وغسالة الشيء: ماؤه الذي يغسل به، وما يخرج منه بالغسل، والتغسيل: المبالغة في غسل الأعضاء.
الفصل الأول
٤٣٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إذا جلس أحدكم) في بعض النسخ لم يوجد (أحدكم)، فالضمير في (جلس) و (جهد) و (لم ينزل) للرجل، ترك ذكره لدلالة المقام، كالضمير في (شعبها) و (جهدها) للمرأة كذلك.
وقوله: (بين شعبها الأربع) الشعب جمع شعبة بضم الشين، وهي القطعة من الشيء، وطرف الغصن، واختلف في تفسير الشعب الأربع، فقيل: المراد بها اليدان والرجلان، والأقرب أن المراد بها فخذاها وناحيتا فرجها، أو ساقاها وفخذاها، أو نواحي فرجها الأربع، وإنما عدل إلى الكناية للاجتناب عن التصريح كما هو عادة أهل الحياء، وبهذا يرجح القولان الأخيران على الأولين، وقد يرجح الأولان بعدم تناولهما هيئات المباشرة كلها، إلا أن يكون باعتبار الأغلب، فتدبر.
وقوله: (ثم جهدهما) أي: أتعبها وبلغ جهدًا منها، والجهد: الطاقة والمشقة، وجهد دابته: بلغ جهدها، كأجهدها، وهو كناية عن وطئها، وقال الخطابي: الجهد بالفتح من أسماء النكاح، والمراد به التقاء الختانين، والختان: موضع القطع من الذكر
стр. 767
فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩١، م: ٣٤٨].
٤٣١ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٤٣].
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀: هَذَا مَنْسُوخٌ.
٤٣٢ - [٣] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ فِي الاحْتِلَامِ. . . . .
ــ
والأنئى، وهو داخل فرج المرأة، ويحصل الالتقاء بغيبة الحشفة في الفرج، وقد جاء في حديث آخر عن عائشة (١) ﵂: إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان، ويأتي تتمة الكلام فيه في الفصل الثاني.
وقوله: (وجب الغسل وإن لم ينزل) هذا مذهب الأئمة الأربعة وأكثر أصحاب النبي ﷺ ، منهم الخلفاء الأربعة، وعائشة، والفقهاء من التابعين ﵃، وغيرهم.
وقوله: (متفق عليه) وفي بعض الشروح: إلا أن قوله: (وإن لم ينزل) ليس في البخاري، واللَّه أعلم.
٤٣١ - ٤٣٢ - [٢ - ٣] (أبو سعيد، وابن عباس) قوله: (هذا منسوخ) وفي حديث الترمذي (٢) عن أبي بن كعب ﵁ قال: إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهي عنها، وقال الترمذي: وهكذا روى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ، منهم أبي بن كعب ورافع بن خديج، وأخرج عن عكرمة عن ابن عباس قال: (إنما الماء من الماء في الاحتلام)، وقال: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول: لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك عن ابن الجحاف، انتهى.
стр. 768
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [ت: ١٢].
ــ
وقال التُّورِبِشْتِي (١): قول ابن عباس: (الماء من الماء في الاحتلام) قول منه، قاله من طريق التأويل والاحتمال، ولو انتهى الحديث بطوله إليه؛ لم يكن ليأوله هذا التأويل، وذلك أن أبا سعيد الخدري قال: (خرجت مع رسول اللَّه ﷺ يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول اللَّه ﷺ على باب عتبان، فصرخ به فخرج يجرّ إزاره، فقال رسول اللَّه ﷺ : (أعجلنا الرجل)، فقال عتبان: يا رسول اللَّه! أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه؟ قال رسول اللَّه ﷺ : (إنما الماء من الماء)، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه (٢)، انتهى كلام التُّورِبِشْتِي.
وهذا كلام منه على ابن عباس ﵁ بأنه إنما يجري تأويله بحسب الظاهر على مجرد قوله: (الماء من الماء)، وهذا جزء من الحديث، وتمام الحديث يأبى عن هذا التأويل، ويمكن أن يقال: إن قول ابن عباس هذا ليس تأويلًا للحديث وإخراجًا له بهذا التأويل عن كونه منسوخًا، بل غرضه بيان حكم المسألة بعد العلم بكونه منسوخًا، وحاصله أن عمومه منسوخ، فيبقى حكمه في الاحتلام، وأورده محيي السنة لتأييد القول بالنسخ في الجملة، فافهم.
وأما قول المؤلف (رواه) أي: قول ابن عباس أنه في الاحتلام (الترمذي ولم أجده في الصحيحين) فلا يتم اعتراضًا على صاحب (المصابيح)؛ لأنه يمكن أن يكون ذكره هذا القول دفعًا للتعارض لا على أنه حديث من الصحاح ذكره في الباب.
стр. 769
٤٣٣ - [٤] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ" فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: "نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكِ،
ــ
٤٣٣ - [٤] (أم سلمة) قوله: (إن اللَّه لا يستحيي من الحق) أي لا يأمر بالحياء في الحق، كذا في بعض الشروح.
أقول: بل المعنى أنه تعالى نهى عن أن يستحيوا، وهذه توطئة للسؤال عما يستحيا من السؤال عنه، و (من) في قوله: (من غسل) زائدة كما تزاد بعد النفي.
وقوله: (فغطت أم سلمة وجهها) يحتمل أن يكون من كلام زينب بنت أم سلمة الراوية منها، ويحتمل أن يكون قول أم سلمة على سبيل الالتفات، والأول أظهر.
وقوله: (أو تحتلم المرأة؟ ) (١) المراد أو ترى المرأة الماء في الاحتلام؟ .
وقوله: (تربت يمينك) يقال: ترب الرجل: إذا افتقر، أي: لصق بالتراب، وأترب: إذا استغنى، وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، كقولهم: قاتله اللَّه، وقيل: أراد به المثل ليرى المأمور به الجد، وأنه إن خالفه فقد أساء، وقيل: هو دعاء على الحقيقة، فإنه رأى الحاجة خيرًا لها، والأول هو الوجه، ويراد به إنكار شيء، أو استعظامه، أو استحسانه، أو التعجب، أو المدح، أو الذم بحسب المقام، كذا في (مجمع البحار) (٢)، ثم المشهور فيه (تربت يداك)، وفي
стр. 770
فَبِمَ يُشْبِهُهُا وَلَدُهَا؟ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٠، م: ٣١٣].
٤٣٤ - [٥] وَزَادَ مُسْلِمٌ بِرِوَايَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ: "إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ". [م: ٣١١].
٤٣٥ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ،
ــ
هذا الحديث أسند إلى اليمين.
وقوله: (فبم يشبهها ولدها؟ ) أي: المرأة ولدها أحيانًا، والظاهر أنه ليس هذا القول منه ﷺ استدلالًا، بل الواقع معلوم له من عند اللَّه، وهذا تنبيه وتفهيم لها بصورة الاستدلال، واللَّه أعلم.
٤٣٤ - [٥] (أم سليم) قوله: (إن ماء الرجل غليظ أبيض) لعله لكثرة غذائه وقوة هضمه.
وقوله: (فمن أيهما) قال الطيبي (١): (من) زائدة، والمعنى: أي الماءين علا أو سبق يكون منه الشبه، انتهى. ويمكن أن يجعل الضمير للرجل والمرأة، فتكون (من) ابتدائية.
وقوله: (علا) أي: غلب وفاق.
وقوله: (الشبه) بفتحتين، هكذا الرواية.
٤٣٥ - [٦] (عائشة) قوله: (كما يتوضأ للصلاة) ظاهر في تقديم غسل الرجلين على إفاضة الماء على جلده كله، والحديث الآتي يدل على تأخيره منه، ولعله كان كل
стр. 771
ثمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بيدَيْهِ، ثمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٨، م: ٣١٦].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يتَوَضَّأُ. [م: ٣١٦].
ــ
واحد منهما تارة فتارة، ومذهبنا تأخير غسل الرجلين لحديث ميمونة ﵂، وقال في (الهداية) (١): وإنما يؤخر غسل رجليه لأنهما في مستنقع الماء المستعمل، فلا يفيد الغسل، حتى لو كان على لوح لا يؤخر، انتهى.
ومحمل الحديثين يجوز أن يكون هذا، واللَّه أعلم.
ثم ظاهر قوله: (كما يتوضأ للصلاة) أن يمسح رأسه أيضًا، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة ﵁، وفي رواية الحسن بن زياد عنه أنه لا يمسح؛ لأنه لا فائدة في المسح؛ لوجود إسالة الماء بعد، وذلك يعدم معنى المسح، بخلاف غسل سائر أعضاء الوضوء؛ لأن التسييل هو الموجود، فلم يكن التسييل بعده معدمًا له، والصحيح ظاهر الرواية؛ لظاهر الحديث، وفي الحديث الآتي عن ابن عباس لم يقل: توضأ كما يتوضأ للصلاة، بل قال: فمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على رأسه، فليس فيه ذكر المسح لا صريحًا ولا ضمنًا، وتمسك به المالكية في قولهم: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس.
وقوله: (ثلاث غرفات) بفتحات جمع غرفة بالفتح، كذا للكشميهني أحد رواة البخاري، وفي الروايات الأخر (ثلاث غرف) بضم المعجمة وفتح الراء جمع غرفة، وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف، وقال بعض النحاة: إذا كان اللفظ جمع قلة وكثرة
стр. 772
٤٣٦ - [٧] وَعَنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا (١)، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ،
ــ
يضاف الثلاث وأخواتها إلى جمع القلة، والحديث حجة عليهم، وكلتا الروايتين صحيحة، وكذا قوله: بعشر سور، وقوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
وقال الطيبي (٢): إن (فعلى) بضم الفاء وكسرها من صيغ جمع القلة عند الكوفيين، ولا يجري هذا القول في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فتدبر.
٤٣٦ - [٧] (ابن عباس) قوله: (غسلًا) يروى بضم السين وسكونها، وكلاهما بمعنى الماء الذي يغتسل به كما ذكرنا.
وقوله: (فسترته) أي: غطت رأس الماء (٣)، أو ضربت للنبي ﷺ سترًا.
وقوله: (فغسل فرجه) أي: باليد اليسرى.
وقوله: (فضرب بيده) أي: اليسرى على الأرض فمسحها؛ مبالغة في الإنقاء.
وقوله: (وأفاض على جسده) في (القاموس) (٤): الصب: الإراقة، وفاض الماء فيضًا وفيضانًا: كثر حتى سال.
стр. 773
فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ للْبُخَارِيِّ. [خ: ٢٧٦، م: ٣١٧].
٤٣٧ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلْتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ،
ــ
وقوله: (فناولته ثوبًا) أي: قربته إليه للنَّشْف.
وقوله: (فلم يأخذه) أي: لم ينشف به، وفي حديث آخر: (أتي بمنديل فلم ينتفض به)، أي: لم يتمسح به، وفي رواية: (فلم ينفض بها) أي: بالمنديل بتأويل الخرقة، وفي حديث آخر: (جعل ينفض بيده) أي: يمسح به وجهه ويزيل عنه الماء، كذا في (المشارق) (١) للقاضي عياض، وقيل: إنما لم يأخذه لنحو وسخ فيه، واختلف في أنه مكروه أو مندوب أو مستو واختاره النووي (٢)، والأولى أن لا ينشف بذيله وطرف ثوبه ونحوهما، وقد حكي ذلك عن بعض السلف.
وأما قوله: (وهو ينفض يديه) يدل على جواز نفض اليدين، وقيل: المراد بنفض اليدين ههنا تحريكهما في المشي كما هو دأب أهل القوة عند مشيهم، والنفض التحريك، لا أنه ينفض يديه لينفض ما عليها من الطهور، فإنه منهي لما فيه من إماطة أثر العبادة، كذا في بعض الشروح، وقد ورد (إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم).
٤٣٧ - [٨] (عائشة) قوله: (عن غسلها) بضم الغين، (من المحيض) بمعنى الحيض، يقال: حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا ومحاضًا.
стр. 774
فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِل، ثُمَّ قَالَ: "خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ. . . . .
ــ
وقوله: (فأمرها) أي: علّمها، أو قال لها: اغسلي بهذه الكيفية.
وقوله: (خذي فرصة) بكسر الفاء، وقيل: مثلثة، قطعة من صوف أو قطن أو خرقة، يقال: فرصه: قطعه وخرقه، وروي قرصة بقاف، أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين، والإقراص والتقريص: الدلك بأطراف الأصابع.
وقال الشيخ (١): وهم من عزا هذه الرواية للبخاري، وروي بقاف وضاد معجمة، أي: قطعة من القرض بمعنى القطع، قال عياض: وقد صحف هذا اللفظ قديمًا.
وقوله: (من مسك) الأشهر بكسر الميم، وظاهره أن الفرصة منه، وعليه قول الفقهاء، قالوا: يستحب لها أن تأخذ شيئًا من المسك تطيب به، أو المراد فرصة مطيبة به، فإن لم تجد فبطيب آخر لتزيل به ريح النتن، واستبعد هذا بأنهم لم يكونوا أهل وسع يجدون المسك، ويروى (ممسكة) بفتح السين المشددة، وهي أيضًا بمعنى المطيب بالمسك، وقيل: بمعنى مُتحمَّلة، أي: تحملينها معك، أو مُتحمَّلة في القبل، أو خَلَقة أُمسِكَتْ كثيرًا، كأنه أراد لا تستعمل جديدًا من القطن والصوف؛ للارتفاق به في نحو الغزل، أو لأن الخلق أصلح وأوفق، وقيل: هو من التمسك باليد، وبروى (ممسكة) بكسر السين، أي: ذات إمساك.
وفي (مجمع البحار) (٢): أن كل هذا تكلف، وما عليه الفقهاء أنه يستحب لها أن تأخذ شيئًا من المسك تطيب به، أو تطيب الخرقة به، هذا وقد يروى (من مسك) بفتح الميم بمعنى الجلد، وتجعل (ممسكة) أيضًا بهذا المعنى، أي: ذات مسك، أي: جلد، أي: قطعة صوف بجلد؛ لأنه أضبط لها، وبالفتح قيده الأصيلي، ورواه مسلم،
стр. 775
فَتَطَهَّرِي بِهَا! قَالَتْ: كَيفَ أَتَطَهَّرُ؟ فَقَالَ: "تَطَهَّرِي بهَا" قَالَتْ: كَيفَ أَتَطَهَّرُ بَها؟ قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّه تَطَهَّرِي بِهَا" فَاجْتبَذْتُهَا إِلَيّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٤، م: ٣٣٢].
٤٣٨ - [٩] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَانْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَة؟ فَقَالَ: "لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ،
ــ
أي: قطعة جلد، وبالكسر رواية الطبري عن مسلم، وبعض رواة البخاري، وكذا رواها الشافعي ﵀، والفتح أرجح، ورجح النووي الكسر لرواية (ممسكة)، وتعقب بأن الخطابي قال: ممسكة: مأخوذة باليد، يقال: مسكته وأمسكته.
وقوله: (فتطهري بها) وفي رواية: (فتوضئي بها) أي: تنظفي بها، أو تطيبي بها، وقد يرجح به رواية المسك بالفتح، وإلا فالظاهر أن يقال: فتطيبي بها، وسياق الحديث أيضًا يدل على ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (فاجتبذتها) بتقديم الباء على الذال، من الجبذ مقلوب الجذب، وفي بعض النسخ (فاجتذبتها) وقيل: وهذا أصح، واللَّه أعلم.
٤٣٨ - [٩] (أم سلمة) قوله: (أشد ضفر رأس): (ضفر) بفتح ضاد وسكون فاء، هو المشهور من الرواية، وضفر الشعر: نسجه وفتله وإدخال بعضه في بعض، ومنه قيل للحبل: ضفير، أي: أحكم فتل شعري وأعمله ضفائر، وهي الذوائب المضفورة، قيل: هو ضفر بضم الضاد والفاء جمع ضفيرة، ولا يصح رواية.
وقوله: (أن تحثي) بكسر المثلثة وبسكون الياء، أصله: تحثين على صيغة المخاطبة، سقط نونه بـ (أن)، وأصل (تحثين) تحثوين؛ كتضربين أو تنصرين، فحذف حرف العلة بعد نقل حركةٍ أو حذفها، وحذفت النون للنصب.