ثمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بيدَيْهِ، ثمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٨، م: ٣١٦].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يتَوَضَّأُ. [م: ٣١٦].
ــ
واحد منهما تارة فتارة، ومذهبنا تأخير غسل الرجلين لحديث ميمونة ﵂، وقال في (الهداية) (١): وإنما يؤخر غسل رجليه لأنهما في مستنقع الماء المستعمل، فلا يفيد الغسل، حتى لو كان على لوح لا يؤخر، انتهى.
ومحمل الحديثين يجوز أن يكون هذا، واللَّه أعلم.
ثم ظاهر قوله: (كما يتوضأ للصلاة) أن يمسح رأسه أيضًا، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة ﵁، وفي رواية الحسن بن زياد عنه أنه لا يمسح؛ لأنه لا فائدة في المسح؛ لوجود إسالة الماء بعد، وذلك يعدم معنى المسح، بخلاف غسل سائر أعضاء الوضوء؛ لأن التسييل هو الموجود، فلم يكن التسييل بعده معدمًا له، والصحيح ظاهر الرواية؛ لظاهر الحديث، وفي الحديث الآتي عن ابن عباس لم يقل: توضأ كما يتوضأ للصلاة، بل قال: فمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على رأسه، فليس فيه ذكر المسح لا صريحًا ولا ضمنًا، وتمسك به المالكية في قولهم: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس.
وقوله: (ثلاث غرفات) بفتحات جمع غرفة بالفتح، كذا للكشميهني أحد رواة البخاري، وفي الروايات الأخر (ثلاث غرف) بضم المعجمة وفتح الراء جمع غرفة، وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف، وقال بعض النحاة: إذا كان اللفظ جمع قلة وكثرة
стр. 772
٤٣٦ - [٧] وَعَنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا (١)، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ،
ــ
يضاف الثلاث وأخواتها إلى جمع القلة، والحديث حجة عليهم، وكلتا الروايتين صحيحة، وكذا قوله: بعشر سور، وقوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
وقال الطيبي (٢): إن (فعلى) بضم الفاء وكسرها من صيغ جمع القلة عند الكوفيين، ولا يجري هذا القول في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فتدبر.
٤٣٦ - [٧] (ابن عباس) قوله: (غسلًا) يروى بضم السين وسكونها، وكلاهما بمعنى الماء الذي يغتسل به كما ذكرنا.
وقوله: (فسترته) أي: غطت رأس الماء (٣)، أو ضربت للنبي ﷺ سترًا.
وقوله: (فغسل فرجه) أي: باليد اليسرى.
وقوله: (فضرب بيده) أي: اليسرى على الأرض فمسحها؛ مبالغة في الإنقاء.
وقوله: (وأفاض على جسده) في (القاموس) (٤): الصب: الإراقة، وفاض الماء فيضًا وفيضانًا: كثر حتى سال.
стр. 773
فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ للْبُخَارِيِّ. [خ: ٢٧٦، م: ٣١٧].
٤٣٧ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلْتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ،
ــ
وقوله: (فناولته ثوبًا) أي: قربته إليه للنَّشْف.
وقوله: (فلم يأخذه) أي: لم ينشف به، وفي حديث آخر: (أتي بمنديل فلم ينتفض به)، أي: لم يتمسح به، وفي رواية: (فلم ينفض بها) أي: بالمنديل بتأويل الخرقة، وفي حديث آخر: (جعل ينفض بيده) أي: يمسح به وجهه ويزيل عنه الماء، كذا في (المشارق) (١) للقاضي عياض، وقيل: إنما لم يأخذه لنحو وسخ فيه، واختلف في أنه مكروه أو مندوب أو مستو واختاره النووي (٢)، والأولى أن لا ينشف بذيله وطرف ثوبه ونحوهما، وقد حكي ذلك عن بعض السلف.
وأما قوله: (وهو ينفض يديه) يدل على جواز نفض اليدين، وقيل: المراد بنفض اليدين ههنا تحريكهما في المشي كما هو دأب أهل القوة عند مشيهم، والنفض التحريك، لا أنه ينفض يديه لينفض ما عليها من الطهور، فإنه منهي لما فيه من إماطة أثر العبادة، كذا في بعض الشروح، وقد ورد (إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم).
٤٣٧ - [٨] (عائشة) قوله: (عن غسلها) بضم الغين، (من المحيض) بمعنى الحيض، يقال: حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا ومحاضًا.
стр. 774
فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِل، ثُمَّ قَالَ: "خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ. . . . .
ــ
وقوله: (فأمرها) أي: علّمها، أو قال لها: اغسلي بهذه الكيفية.
وقوله: (خذي فرصة) بكسر الفاء، وقيل: مثلثة، قطعة من صوف أو قطن أو خرقة، يقال: فرصه: قطعه وخرقه، وروي قرصة بقاف، أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين، والإقراص والتقريص: الدلك بأطراف الأصابع.
وقال الشيخ (١): وهم من عزا هذه الرواية للبخاري، وروي بقاف وضاد معجمة، أي: قطعة من القرض بمعنى القطع، قال عياض: وقد صحف هذا اللفظ قديمًا.
وقوله: (من مسك) الأشهر بكسر الميم، وظاهره أن الفرصة منه، وعليه قول الفقهاء، قالوا: يستحب لها أن تأخذ شيئًا من المسك تطيب به، أو المراد فرصة مطيبة به، فإن لم تجد فبطيب آخر لتزيل به ريح النتن، واستبعد هذا بأنهم لم يكونوا أهل وسع يجدون المسك، ويروى (ممسكة) بفتح السين المشددة، وهي أيضًا بمعنى المطيب بالمسك، وقيل: بمعنى مُتحمَّلة، أي: تحملينها معك، أو مُتحمَّلة في القبل، أو خَلَقة أُمسِكَتْ كثيرًا، كأنه أراد لا تستعمل جديدًا من القطن والصوف؛ للارتفاق به في نحو الغزل، أو لأن الخلق أصلح وأوفق، وقيل: هو من التمسك باليد، وبروى (ممسكة) بكسر السين، أي: ذات إمساك.
وفي (مجمع البحار) (٢): أن كل هذا تكلف، وما عليه الفقهاء أنه يستحب لها أن تأخذ شيئًا من المسك تطيب به، أو تطيب الخرقة به، هذا وقد يروى (من مسك) بفتح الميم بمعنى الجلد، وتجعل (ممسكة) أيضًا بهذا المعنى، أي: ذات مسك، أي: جلد، أي: قطعة صوف بجلد؛ لأنه أضبط لها، وبالفتح قيده الأصيلي، ورواه مسلم،
стр. 775
فَتَطَهَّرِي بِهَا! قَالَتْ: كَيفَ أَتَطَهَّرُ؟ فَقَالَ: "تَطَهَّرِي بهَا" قَالَتْ: كَيفَ أَتَطَهَّرُ بَها؟ قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّه تَطَهَّرِي بِهَا" فَاجْتبَذْتُهَا إِلَيّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٤، م: ٣٣٢].
٤٣٨ - [٩] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَانْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَة؟ فَقَالَ: "لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ،
ــ
أي: قطعة جلد، وبالكسر رواية الطبري عن مسلم، وبعض رواة البخاري، وكذا رواها الشافعي ﵀، والفتح أرجح، ورجح النووي الكسر لرواية (ممسكة)، وتعقب بأن الخطابي قال: ممسكة: مأخوذة باليد، يقال: مسكته وأمسكته.
وقوله: (فتطهري بها) وفي رواية: (فتوضئي بها) أي: تنظفي بها، أو تطيبي بها، وقد يرجح به رواية المسك بالفتح، وإلا فالظاهر أن يقال: فتطيبي بها، وسياق الحديث أيضًا يدل على ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (فاجتبذتها) بتقديم الباء على الذال، من الجبذ مقلوب الجذب، وفي بعض النسخ (فاجتذبتها) وقيل: وهذا أصح، واللَّه أعلم.
٤٣٨ - [٩] (أم سلمة) قوله: (أشد ضفر رأس): (ضفر) بفتح ضاد وسكون فاء، هو المشهور من الرواية، وضفر الشعر: نسجه وفتله وإدخال بعضه في بعض، ومنه قيل للحبل: ضفير، أي: أحكم فتل شعري وأعمله ضفائر، وهي الذوائب المضفورة، قيل: هو ضفر بضم الضاد والفاء جمع ضفيرة، ولا يصح رواية.
وقوله: (أن تحثي) بكسر المثلثة وبسكون الياء، أصله: تحثين على صيغة المخاطبة، سقط نونه بـ (أن)، وأصل (تحثين) تحثوين؛ كتضربين أو تنصرين، فحذف حرف العلة بعد نقل حركةٍ أو حذفها، وحذفت النون للنصب.
стр. 776
ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٣٠].
٤٣٩ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠١، م: ٣٢٥].
٤٤٠ - [١١] وَعَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . . .
ــ
وقوله: (ثم تفيضين) بضم التاء مستأنف لا عطف، وإلا سقطت النون، و (ثلاث حثيات) بالفتحات، أي: ثلاث غرفات بيديه، جمع حثية.
وفي الحديث دليل على عدم وجوب نقض الضفائر للمرأة، ومذهبنا أنه يكفي لذات الضفيرة أن تبل أصلها، وهو الأصح.
٤٣٩ - [١٠] (أنس) قوله: (يتوضأ بالمد) هو بالضم رطل وثلث رطل، والصاع أربعة أمداد، وقد جاء في رواية، وهذا الحساب مبهم علينا، وقد بَيَّنَّاه على وفق حساب ديارنا في (شرح سفر السعادة) (١)، فليطلب ثمة، وقد جاء في رواية الوضوء بثلثي المد، وجاء الغسل بثلاثة أمداد، وقالوا: ليس واحد منها تقديرًا بحيث لا يسع أقل وأكثر منها، بل المقصود الإسباغ، فلو فعل بأكثر جاز ما لم يبلغ حد الإسراف، أو بأقل ما لم يخل بحد الإنقاء جاز.
٤٤٠ - [١١] (معاذة) قوله: (كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه ﷺ ) عطف على الضمير المستكن في (أغتسل) لتأكيده بالمنفصل.
فإن قلت: كيف العطف بتكرير العامل، وكيف يستقيم ذلك، إذ لا يقال: اغتسل رسول اللَّه؟ قلت: هو تغليب المتكلم على الغائب كما غُلِّبَ المخاطبُ على الغائب
стр. 777
مِنْ إِناءٍ وَاحِدٍ بَيْني وَبَيْنَهُ، فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي دَعْ لِي، قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [م: ٣٢١].
ــ
في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] كذا قال الطيبي (٢).
وقال المحقق التفتازاني في قول الشاعر (٣):
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
في جواب من قال: كيف يصح إسناد الفعل الغائب إلى ضمير المتكلم: (أنا)؟ لا نسلم أن الفعل غائب؛ لأن غيبة الفعل وتكلمه وخطابه باعتبار المسند إليه، فالفعل في نحو: لا يقوم إلا أنا وأنت لا يكون غائبًا، فعلى هذا القياس يقال ههنا: لا نسلم أن (أغتسل) صيغة متكلم، إنما تكلمه باعتبار إسناده إلى ضمير المتكلم، وأما باعتبار إسناده إلى المعطوف هو صيغة غائب، فتدبر.
وقوله: (من إناء واحد. . . إلخ) وفي (صحيح البخاري): (من إناء واحد من قدح يقال له: الفَرَق)، وفي (القاموس) (٤): الفَرَق: مكيال يسع ثلاثة آصع.
стр. 778
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيه دليل على أن الجنب إذا أدخل يده في الماء لا يؤثر فيه إلا إذا أدخل بنية غسلها.
وقال الشُّمُنِّي عن (المحيط) (١): لو أدخل الجنب يده في الماء لا يضره استحسانًا؛ لأنه ربما لا يمكنه استعمال الماء إلا بالاغتراف منه، فسقط اعتباره دفعًا للضرورة، حتى لو قصد به غسل اليد يفسد الماء؛ لأن الضرورة تندفع إذا لم ينو الغسل، فإن أدخل فيه غير اليد من الأعضاء يفسده؛ لأنه لا ضرورة فيه، انتهى.
والمختار من مذهب أحمد بن حنبل (٢) ﵀ أن غمس المحدث أو الحائض أو الجنب يده في الماء أو غيرها من الأعضاء لا يؤثر فيه شيئًا؛ لطهارة بدنيهما حقيقة، إلا أن يكون لرفع الجنابة، وفي رواية: يفرق بين المحدث والجنب، بأن الأول لا يؤثر، والثاني يؤثر.
هذا، والحديث الآتي في آخر (باب مخالطة الجنب) يقتضي أن يقيد باغترافهما معًا، وإلا يلزم اغتسال كل واحد بفضل ماء الآخر، والحديث صريح في سبقته ﷺ ومبادرته إلى الاغتراف قبل أن تغترف عائشة ﵂، ومع وجود الاغتراف معًا يلزم في المرة الثانية اغتسال كل واحد منهما بفضل ماء الآخر كما لا يخفى، اللهم إلا أن يقيد ذلك الحديث الآتي بأن لا يكون اغترافهما من إناء واحد في زمان واحد، واللَّه أعلم.
وقال محمد ﵀ في (موطئه) (٣): أخبرنا مالك حدثنا نافع عن ابن عمر ﵄: كان الرجال والنساء يتوضؤون جميعًا في زمن رسول اللَّه ﷺ ، قال محمد: لا بأس بأن تتوضأ المرأة وتغتسل مع الرجل من إناء واحد إن بدأت قبله أو بدأ قبلها، وهو قول
стр. 779
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٤١ - [١٢] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا، قَالَ: "يَغْتَسِلُ"، وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجدُ بَلَلًا، قَالَ: "لَا غُسْلَ عَلَيْهِ". قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرَى ذَلِكَ غُسْلٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْله: "لَا غُسْلَ عَلَيْهِ". [ت: ١١٣، د: ٢٣٦، دي: ١/ ١٩٥، جه: ٦١٢].
ــ
أبي حنيفة ﵀، وأجيب عن هذا الإشكال بأن تلك عزيمة وهذه رخصة، وسيأتي له تأويل آخر نذكره ثمة.
الفصل الثاني
٤٤١ - [١٢] (عائشة) قوله: (هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ ) ظاهره أنه سؤال عن وجوب الغسل على امرأة ترى البلل، والمقصود السؤال عن رؤيتها البلل هل يخرج منها بلل في الاحتلام لندرة وقوعه؟ فأجاب ﷺ بأن النساء نظائر الرجال في الخلق والطباع، يظهر ويوجد منهن ما يوجد منهم من الطبيعيات، ويجوز أن يكون معنى قوله: (النساء شقائق الرجال) الاشتراك في أحكام الشرع، واللَّه أعلم.
و(شقائق) جمع شقيقة، وكل ما شق نصفين فكل منهما شقيق الآخر، ولذلك يقال للأخ: شقيق لكونهما مشقوقين من أصل واحد، فالمرأة والرجل شقيقان لكونهما من أصل واحد وهو آدم ﵇، هكذا يفهم من عبارة (القاموس) (١) في معنى الشقيق، وأما قول الطيبي: كأنهن شققن منهم ربما ينظر إلى خلاف ذلك، فافهم.
стр. 780
٤٤٢ - [١٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ". فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاغْتَسَلْنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٠٨، جه: ٦٠٨].
ــ
وقال الترمذي (١): إن وجوب الغسل برؤية البلل من غير احتلام قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وهو قول سفيان وأحمد، وقال بعض أهل العلم: إنما يجب الغسل إذا كانت البلة بلّة نطفة، وهو قول الشافعي وإسحاق رحمهما اللَّه، وإذا رأى احتلامًا ولم ير بلة فلا غسل عليه عند عامة أهل العلم، انتهى.
ومذهب إمام أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه أنه إذا رأى المستيقظ بللا منِيًّا كان أو مذيًّا وجب الغسل، يتذكر الاحتلام أو لم يتذكر، وإذا لم ير بللًا لا يجب الغسل وإن تذكر الاحتلام، وقال الشمني: قال أبو يوسف: لا غسل إذا رأى مذيًّا ولم يتذكر الاحتلام؛ لأن خروج المذي يوجب الوضوء لا الغسل، ومتمسكهما هذا الحديث.
ولو نام رجل وامرأة في فراش واحد فلما استيقظا وجدا في الفراش بللًا لا يعرف من أيهما، قيل: إن كان أصفر فعلى المرأة الغسل، وإن كان أبيض فعلى الرجل، وقيل: إن وقع طولًا فمن الرجل، وإن وقع عرضًا فمن المرأة، والاحتياط أن يغتسلا جميعًا.
٤٤٢ - [١٣] (عائشة) قوله: (إذا جاوز الختان الختان) المراد التقاؤهما ومحاذاتهما كما جاء في حديث آخر عن عائشة ﵂: ومس الختان الختان، ثم هذا باعتبار الغالب، فإنه يجب الغسل فيما إذا لفّ على عضوه خرقة ثم جامع.
стр. 781
٤٤٣ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ الرَّاوِي. . . . .
ــ
والختان من الختن، وهو قطع غرلة (١) الولد، والختان موضعه، وهو من الذكر جلدة حشفة الذكر، ومن المرأة جلدة عالية مشرفة على محل الإيلاج فوق أعلى الفرج كعُرف الديك، هذا (وجاوز) بالزاي المعجمة، وقد وجد في بعض النسخ بخط بعض الأفاضل من متعاطي هذا الكتاب في حاشيته (جاور) بالراء المهملة، وهو أنسب بمعنى الالتقاء، ولكن لم نجد في الشروح روايتها وذكرها، واللَّه أعلم.
٤٤٣ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (تحت كل شعرة) في (القاموس) (٢): الشعر ويحرك: نِبْتَةُ الجسم مما ليس بصوف ولا وبر، والجمع أشعار وشُعور وشِعار، والواحدة شعرة.
وقوله: (فاغسلوا الشعر) أي: استقصوا في غسل الشعر بحيث يصل الماء إلى ما تحته ويتغسل، (وأنقوا) من الإنقاء. و (البشرة) ظاهر جلد الإنسان مما ليس تحت الشعر، أي: أنقوها من الوسخ مبالغة فىِ الغسل، ثم الظاهر أنه عطف على قوله: (فاغسلوا الشعر)، فيفيد بظاهره ترتبه على كون الجنابة تحت كل شعرة، وفيه من الخفاء ما لا يخفى، إلا أن يراد بكون الجنابة تحت كل شعرة إحاطتها وشمولها كل جزء من البدن، فافهم.
وقوله: (والحارث بن وجيه) قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث بن وجيه.
стр. 782
-وَهُوَ شَيْخٌ- لَيْسَ بِذَلِكَ. [د: ٢٤٨، ت: ١٠٦، جه: ٥٩٧].
ــ
وقوله: (وهو شيخ) أي: كبير غلب عليه النسيان والغفلة.
وقوله: (ليس بذلك) (١) أي: ليس بقوي، والإشارة بـ (ذاك) إلى البعيد، وهو نفي الكمال، وقال: وقد روى عنه غير واحد من الأئمة، وقوله: (وجيه) قال في (التقريب) (٢): على وزن عظيم، وقيل: بفتح الواو وسكون الجيم بعدها موحدة، الراسبي أبو محمد البصري، ضعيف، من الثامنة، انتهى. وقد صحح في بعض النسخ: (وجنة) بالنون، وفي بعضها: (وجيه) بصيغة التصغير، واللَّه أعلم.
وفي (الكاشف) (٣) للذهبي: الحارث بن وجيه الراسبي عن مالك بن دينار، وعنه المقدمي ونصر بن علي، ضعفوه، وفي (التهذيب) (٤): قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وضعفه النسائي، وقال البخاري وأبو حاتم: في حديثه بعض المناكير، وقال ابن عدي: لا أعلم له رواية إلا عن مالك بن دينار، يروي عنه أبو داود والترمذي وابن ماجه
стр. 783
٤٤٤ - [١٥] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بهَا كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ". قَالَ عَليٌّ: فَمِنْ ثمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي، فَمن ثمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ثَلَاثًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يُكَرِّرَا: فَمِنْ ثمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي. [د: ٢٤٩، حم: ١/ ٩٤، ١٠١، ١٣٣، دي: ١/ ١٩٢].
٤٤٥ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٥، ت: ١٠٧، ن: ٢٥٢، جه: ٥٧٩].
ــ
حديثًا واحدًا، وهو قوله ﷺ : (تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة).
٤٤٤ - [١٥] (علي) قوله: (لم يغسلها) الظاهر بالنظر إلى المعنى أن يكون الموضع أنثه باعتبار المضاف إليه، وكذا في قوله: (بها)، والباء للسببية، و (كذا وكذا) كناية عن العدد، أي: كذا وكذا عذابًا أو زمانًا، وفي قوله: (عاديت رأسي) مبالغة، والمراد عاديت شعر رأسي، أي: عاملت معه معاملة المعادي من القطع والجزّ، وهو كناية عن دوام الحلق.
وقوله: (إلا أنهما لم يكررا: فمن ثم عاديت رأسي) قد توهم العبارة أن يكون المراد أنهما لم يذكرا (فمن ثم عاديت رأسي) مكررًا، بل قالا: فمن ثم عاديت رأسي ثلاثًا، لكن المراد أنهما لم يرويا تكرار هذا القول أصلًا، ولفظ الدارمي هكذا: من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء، فعل بها كذا وكذا من النار، قال علي: فمن ثم عاديت رأسي، وكان يجز كل شعرة.
٤٤٥ - [١٦] (عائشة) قوله: (لا يتوضأ بعد الغسل) الظاهر بالنظر إلى الأحاديث
стр. 784
٤٤٦ - [١٧] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَهُوَ جُنُبٌ يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ، وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٦].
٤٤٧ - [١٨] وَعَنْ يَعْلَى قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالتَّسَتُّرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلْيَتَوَارَ بِشَيْءٍ". [د: ٤٠١٢، ن: ٤٠٦].
ــ
الناطقة بأنه ﷺ كان يتوضأ قبل الغسل، أن يكون المراد أنه كان يكتفي بوضوء قبل الغسل، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يكتفي بالغسل عن الوضوء ولا يتوضأ على حدة، لأنه إذا ارتفع الحدث الأكبر ارتفع الأصغر، واللَّه أعلم.
٤٤٦ - [١٧] (عائشة) قوله: (بالخطمي) بكسر الخاء: نبت يغسل به الرأس، ويجوز فتح الخاء.
وقوله: (يجتزئ بذلك) أي: يصب الماء الذي يزيل به الخطمي، ولا يصب الماء الآخر بعد إزالته، فافهم.
ولعل ذلك الخطمي لم يغير الماء لقلته، كذا قال الشيخ ابن حجر (١).
٤٤٧ - [١٨] (يعلى) قوله: (يغتسل بالبراز) أي: بالصحراء عريانًا، كذا في شرح الشيخ، والبراز: الفضاء الواسع.
وقوله: (إن اللَّه حيي) على وزن حري، و (ستير) بكسر السين على وزن الصديق
стр. 785
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٤٨ - [١٩] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثمَّ نُهِيَ عَنْهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبوُ دَاوُدَ، والدَّارِمِيُّ. [ت: ١١٠، ١١١، د: ٢١٤، دي: ٢/ ٤١٤].
ــ
بالتشديد، وصحح أيضًا بفتح السين والتخفيف (فعيل) بمعنى (فاعل)، أي: لا يفضح عباده ويستر قبائحهم، فلابد للعباد أن يتخلقوا مهما أمكن بالحياء والستر، فافهم.
الفصل الثالث
٤٤٨ - [١٩] (أبي بن كعب) قوله: (إنما كان الماء من الماء رخصة) أي: كانت أحكام الطهارة مثل تلاوة القرآن ودخول المسجد ونحوهما جائزًا للذي جامع ولم ينزل لعدم وجوب الغسل عليه.
وقوله: (ثم نهي عنها) بإيجاب الغسل، وذكر الزركشي في (شرح كتاب الخرقي) (١) عن رافع بن خديج قال: ناداني رسول اللَّه ﷺ وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت وخرجت، فأخبرته فقال: (لا بأس عليك، إنما الماء من الماء)، قال رافع: ثم أمرنا رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك بالغسل، رواه أحمد (٢)، وقال سهل بن سعد: حدثني أُبَيٌّ أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة، رخصها رسول اللَّه ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعد ذلك، رواه أبو داود، وصرح بذلك جماعه من العلماء.
стр. 786
٤٤٩ - [٢٠] وَعَنْ عَليٍّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ، فَرَأَيْتُ قَدْرَ مَوْضعِ الظُّفُرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ كنْتَ مَسَحْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ أَجْزَأَكَ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٣٨].
٤٥٠ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْب سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا، وَغُسْلُ الْجَنَابَة مرَّةً، وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً. . . . .
ــ
٤٤٩ - [٢٠] (علي) قوله: (لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك) أي: لو أوصلت يدك مع ما فيها من البلل بتلك اللمعة حال اغتسالك أو بعد ذلك بفضل ماء لأجزأك، والمراد غسلها، وإنما عبر بالمسح لأنه متضمن لانغسالها، إذ الغالب أن البدن إذا مرت عليه اليد مبلولة يكفيه في الغسل ههنا، فيلزمه غسل تلك اللمعة، ويلزم إعادة ما صلاه من الفرض قبل غسلها، كذا يفهم من شرح الشيخ.
٤٥٠ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل البول من الثوب سبع مرات) الظاهر أن ذلك ليلة المعراج، والمشهور في أحاديث المعراج في "الصحيحين" وغيرهما هو ذكر الصلوات فقط.
وقوله: (وغسل الثوب من البول مرة) وهذا هو مذهب الشافعي ﵀، وتثليث الغسل مندوب، وعندنا التثليث في نجاسة غير مرئية واجب، وقوله: (وغسل الثوب من البول)، قال أولًا: (غسل البول من الثوب)، وكلا العبارتين صحيحة، والمراد في الأول معنى الإزالة، وفي الثانية معنى التطهير والإنقاء.
стр. 787
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٧].
* * *
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
ــ
وقوله: (رواه أبو داود) برواية أيوب بن جابر، وهو ضعيف على ما ذكره الذهبي وغيره، كذا في بعض الحواشي المعلمة بعلامة (ع)، وفي (الكاشف) (١) للذهبي: أيوب ابن جابر اليمامي ضعيف، وفي (التهذيب) (٢): أيوب بن جابر أبو سليمان الكوفي، أخو محمد بن جابر، قال أحمد ﵀: يشبه حديثه حديث أهل الصدق، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف الحديث، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه، وسائر أحاديثه متقاربة.
٦ - بَابُ مُخَالطَة الْجُنُب وَمَا يُبَاحُ لَهُ
في (المشارق) (٣): الجنابة معلومة، وأصلها البعد؛ لأنه لا يقرب مواضع الصلاة ويجتنبها حتى يتطهر، وقيل: لمجانبة الناس حتى يغتسل، ورجل جُنُبٌ ورجال جنب، وقيل: أجناب، وامرأة جنب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] يقال: أجنب الرجل وجَنُبَ واستجنب، فهو جنب بضمتين، والمخالطة: الممازجة، خلطه: مزجه، وخالطه مخالطة وخِلاطًا: مازجه، والمراد بالمخالطة هي المجالسة والمكالمة والمصافحة والمواكلة والمشاربة، وكل هذه جائز مع الجنب وارد في الأحاديث، وبعض منها وارد في الباب.
стр. 788
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٥١ - [١] عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: "أَيْنَ كنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ "، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلمُسْلِمِ مَعْنَاهُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ،
ــ
الفصل الأول
٤٥١ - [١] (أبوهريرة) قوله: (فانسللت) أي: خرجت من المجلس في خفية، في (القاموس) (١): السل: انتزاعك الشيء وإخراجه في رفق كالاستلال، وسيف سليل: مسلول، وانسل وتسلل: انطلق في استخفاء.
وقوله: (فأتيت الرحل) في (القاموس) (٢): الرحل: مسكنك وما تستصحبه من الأثاث، وفي (المشارق) (٣): الرحال: المنازل والمساكن.
وقوله: (يا أبا هريرة) قال الشيخ (٤): وقع في رواية المستملي والكشمهيني (يا أبا هر) بالترخيم، وفي (القاموس) (٥): الهر بالكسر: السنور، وهي هرة.
وقوله: (لا ينجس) نجس كسمع وكرم.
٤٥٦ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ سَنَذْكُرُهُ فِي (كِتَابِ الأَطْعِمَةِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ. [م: ٣٧٣].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٥٧ - [٧] عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ . . . . .
ــ
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] بوجوبه أن يقول: ولمن يقول كان ذلك برضاهن (١).
٤٥٦ - [٦] (عائشة) قوله: (يذكر اللَّه على كل أحيانه) الظاهر أن المراد بالذكر هو الذكر باللسان سوى ما نهي عنه في حين الجنابة ونحوها، وقد يفهم من كلام الطيبي (٢) أن المراد بالذكر: الذكر القلبي.
هذا، وقد أنكر بعض الفقهاء كون ما هو فعل القلب ذكرًا، وإنما الذكر هو فعل اللسان، وهو خلاف اللغة والشرع، فإن الذكر في اللغة ضد النسيان، وقد ورد في الشرع ما يدل على كون ما في القلب ذكرًا، نعم لا يعتبر ذلك في أحكام تترتب على اللفظ كالطلاق والعتاق، وقد تكلمنا فيه بأكثر من هذا في بعض رسائلنا الفارسية، واللَّه أعلم.
الفصل الثاني
٤٥٧ - [٧] (ابن عباس) قوله: (اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ ) وهي ميمونة خالة ابن عباس ﵃.
стр. 791
فِي جَفْنَةٍ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: "إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ. [ت: ٦٥، د: ٦٨، جه: ٣٧٠، دي: ٢/ ٣٧٠].
٤٥٨ - [٨] وَفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" عَنْهُ عَنْ مَيْمُونَةَ بِلَفْظِ "الْمَصَابِيحِ". [شرح السنة: ٢٥٩].
ــ
وقوله: (في جفنة) (١) أي: من ماء في جفنة، وفي (المصابيح): من جفنة، والجفنة بفتح الجيم وسكون الفاء: القصعة، وقيل: القصعة الكبيرة.
وقوله: (أن يتوضأ منه) أي: مما فضل فيها من الماء.
وقوله: (لا يجنب) بضم الياء وكسر النون على الأشهر، ويجوز فتح الياء وضم النون، والمراد أنه لا يتعدى حكم الجنابة إلى الماء، وإذا غمس فيه الجنب يده لم ينجس بل باق على طهوريته.
٤٥٨ - [٨] (ابن عباس) قوله: (عنه) أي: عن ابن عباس ﵄.
وقوله: (بلفظ المصابيح) وهو هذا (قالت ميمونة ﵂: أجنبت أنا ورسول اللَّه ﷺ فاغتسلت من جفنة، وفضل فيها فضلة، فجاء النبي ﷺ ليغتسل منها، فقلت: إني قد اغتسلت منها، فاغتسل وقال: إن الماء ليس عليه جنابة)، وفي رواية: (إن الماء لا يجنب)، فما في لفظ (المصابيح) يلزم منه اغتسال الرجل من فضل ماء المرأة، وفي حديث الكتاب يلزم وضوءه منه، وقد نهي عنه، كما يأتي في آخر (الفصل الثالث)،
стр. 792
٤٥٩ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يَسْتَدْفِئُ بِي قَبْلَ أَنْ أَغْتَسِلَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ. وَفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" بِلَفْظِ "الْمَصَابِيح". [جه: ٥٨، ت: ١٢٣].
٤٦٠ - [١٠] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ، فَيُقْرِئُنَا الْقُرآنَ، وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ أَوْ يَحْجُزُهُ عَنِ الْقُرآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ. [د: ٢٢٩، ن: ٢٦٥، جه: ٥٩٤].
ــ
والجواب أن النهي نهي تنزيه لا تحريم، فلا منافاة، وسيأتي الكلام فيه.
٤٥٩ - [٩] (عائشة) قوله: (ثم يستدفئ بي) أي: يطلب مني الدفاء بفتحتين والمد، وهي الحرارة، والدِّفْءُ بكسر الدال وسكون فاء وبهمزة: ما يدفأُ به، ومنه قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] يقال: دفح دفاءة مثل كره كراهة، ودفاء مثل ظمئ ظماء، أي: يضع أعضاءه الشريفة بعد الغسل على أعضائي من غير حائل، ويجعلني مكان الثوب الذي يستدفع به، ليجد السخونة من بدنها، ففيه أن بشرة الجنب طاهرة، كذا ذكروا.
٤٦٠ - [١٠] (علي) قوله: (وكل معنا اللحم) تخصيص اللحم بالذكر اتفاقي؛ ولأن فيه غلظة، وقد يكون معه مرق وكثرة مزج وخلط باليدين، فيستبعد أكله بدون الطهارة، ولم يذكر ههنا الوضوء كما ذكرت عائشة ﵂ في حديث آخر: أنه إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل توضأ، فلعله لم يتوضأ بيانًا للجواز والرخصة، أو كان توضأ ولم يذكره الراوي، واللَّه أعلم.
وقوله: (ليس الجنابة) أي: إلا الجنابة، ويجيء (ليس) بمعنى (إلا) كما ذكر في
стр. 793
٤٦١ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣١].
٤٦٢ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجدِ، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٣٢].
ــ
كتب النحو؛ كقولهم: جاءني في القوم ليس زيد، أي: ليس الجائي زيدًا، وقال التُّورِبِشْتِي (١): وقد زعم بعض المعتبرين من علماء البيان وأهل المعرفة بالحديث أن (ليس) ههنا بمعنى (غير)، وهي تجر ما بعدها كما تجر (غير)، فروى الجنابة مجرورة، ولم نجد لقوله هذا سندًا من كتب علماء العربية، انتهى.
٤٦١ - [١١] (ابن عمر) قوله: (لا تقرأ الحائض) في أكثر النسخ بالرفع على أن (لا) للنفي بمعنى النهي، وفي بعضها بالجزم فـ (لا) للنهي.
٤٦٢ - [١٢] (عائشة) قوله: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد) والمواجهة المقابلة، ولما عدّي بـ (عن) دلّ على معنى الصرف، أي: اصرفوها عنه، يقال: وجه عنه، أي: صرف عنه، ووجه إليه: أقبل، والمراد أنه لا يصح أن تكون المساجد ممر البيوت، فعند أبي حنيفة ﵁ لا يجوز للجنب ولا للحائض الدخول في المسجد لا بالمكث ولا بالمرور، وجوّز الشافعي المرور، وبه قال مالك، وجوز أحمد المكث أيضًا على ما ذكر الطيبي (٢).
стр. 794
٤٦٣ - [١٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٢٧، ن: ٢٦١].
٤٦٤ - [١٤] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا تَقْرَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ: جِيفَةُ الْكَافِرِ، وَالْمُتَضَمِّغُ بِالْخَلُوقِ، وَالْجُنُبُ إِلَّا أَن يتَوَضَّأَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٨٠].
٤٦٥ - [١٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ. . . . .
ــ
٤٦٣ - [١٣] (علي) قوله: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب ولا جنب) سيجيء الكلام في عدم دخول الملائكة بيتًا فيه صورة وكلب في (باب التصاوير)، وأما الجنب فالمراد من يعتاد التكاسل في الغسل من غير ضرورة، ويتخذ ذلك ديدنًا حتى يمرّ عليه وقت صلاة مفروضة، وأما أصل تأخير الاغتسال فغير مكروه عرف ذلك بالسنة، ثم إن الجنب يخرج من هذا الوعيد بالوضوء كما في الحديث الآتي.
٤٦٤ - [١٤] (عمار بن ياسر) قوله: (جيفة الكافر) أي جثته ميتًا، وقيل: ذاته حيًّا أو ميتًا، والأول أظهر وأنسب بمعنى اللفظ.
وقوله: (والمتضمخ بالخلوق) التضمخ: التلطخ والتلوث والإكثار منه، وفي (القاموس) (١): لطخ الجسد بالطيب حتى كأنه يقطر، و (الخلوق) بفتح الخاء طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره، وفيه تشديد في المنع عنه، ولذا قرنه بجيفة الكافر.
٤٦٥ - [١٥] (عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) قوله: (أن
стр. 795
فِي الْكِتَابِ الَّذِي كتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لعَمْرو بْنِ حَزْمٍ: "أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [ط: ٤٦٩، قط: ١/ ١٢١ - ١٢٢].
٤٦٦ - [١٦] وَعَنْ نافِعٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي حَاجَةٍ فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ فِي سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ، فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى إذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى فِي السِّكَّةِ، ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ. . . . .
ــ
لا يمس القرآن إلا طاهر) يحتمل النهي والنفي وهو أبلغ، وقد يؤخذ من هذا الحديث أن الضمير في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] للقرآن، والمراد بالمطهرين الناس المطهرون من الأحداث، وقد يجعل لللوح المحفوظ ويراد بالمطهرين الملائكة، واللَّه أعلم.
٤٦٦ - [١٦] (نافع) قوله: (في سكة) بكسر السين وشدة الكاف، أي: في طريق، والسكة: الطريق المستوي.
وقوله: (خرج من غائط) قال الطيبي (١): أي فرغ؛ لأن الخروج إنما يكون بعد الفراغ، ويمكن أن يكون المعنى خرج من مكان يتغوط فيه أو يبول، والغائط في الأصل اسم لمكان مطمئن منخفض، ثم صار اسمًا للقذرة، فبالنظر إلى المعنى الحقيقي لا احتياج إلى التقدير، وأما بالنظر إلى المعنى المجازي المراد بقرينة قوله: (أو بول) لابد منه، فافهم.
стр. 796
وَقَالَ: "إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣٠].
ــ
وقوله: (وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر) الظاهر بالنظر إلى ما ذكر في الحديث الآتي من قوله: (إني كرهت أن أذكر اللَّه إلا على طهر) أن المانع من ردّ السلام هو اشتماله على لفظ السلام الذي هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، وإن كان المراد به ههنا معنى السلامة، وفيه غاية تعظيم لذكر اللَّه واسمه سبحانه، لكنه يشكل بما صح من ذكره ﷺ عند الخروج من الخلاء من قوله: (الحمد للَّه الذي أخرج عني ما يؤذيني) الحديث، ومن التسمية قبل الوضوء وإن لم يكن على وضوء، وأنه كان يذكر اللَّه على كل أحيانه، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء إلا الجنابة، وأنه كان يخرج من الخلاء فيقرئهم القرآن ونحو ذلك، وحملوه على أن هذا عزيمة، وكل ما ذكرتم من قبيل الرخصة فعلها تعليمًا للجواز وتسهيلًا للأمر عليهم.
وأقول: إنه لا يجري هذا الجواب في التسمية قبل الوضوء، فإنه عزيمة بلا شبهة لا رخصة، بل كل ما رود في موضع معين يستحب ذكره فيه كما لا يخفى، فالظاهر -واللَّه أعلم- أن ذكر اللَّه لا على طهر في غير ما ورد فيه من الشارع الندب إليه جائز، لكن مع الطهارة أفضل وأكمل وأولى.
وقد ورد عليه في ذلك الوقت من عظمة اللَّه وسلطانه ما لم يتركه إلا أن يذكره بدون الطهارة، خصوصًا في مثل رد السلام مما يسع التأخير فيه، ولكنه لم يؤخر إلى الوضوء لئلا يذهب الرجل ويفوت الرد بطول العهد، ولعله كان حضور الماء في ذلك غير قريب فتيمم ورد، أو تعليمًا بأن التيمم يكفي في مثل هذا مع عدم تعذر وجود الماء، فافهم.
стр. 797
٤٦٧ - [١٧] وَعَنِ المُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأ، ثمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: "إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى تَوَضَّأَ، وَقَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ رَدَّ عَلَيْهِ. [د: ١٧، ن: ٣٨].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٦٨ - [١٨] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجْنِبُ، ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَنْتَبِهُ، ثُمَّ يَنَامُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٣٩٨].
ــ
٤٦٧ - [١٧] (مهاجر بن قنفذ) قوله: (ثم اعتذر إليه) قال الطيبي (١): فيه دليل على أن من قصر في جواب السلام لعذر يستحب أن يعتذر إليه حتى لا ينسب إلى الكبر، انتهى. وفي بعض الشروح عن (الأزهار): حاشا أن يكون رسول اللَّه ﷺ مقصّرًا، وإنما أخّر لوجوه مشروعة من الزجر؛ لكون التسليم على البائل مكروهًا منهيًّا عنه، وترك الكلام على قضاء الحاجة؛ فإن التكلم عنده مكروه، وتعظيم ذات اللَّه وصفاته والتعليم والبيان، واللَّه أعلم.
الفصل الثالث
٤٦٨ - [١٨] (أم سلمة) قوله: (يجنب) على الوجهين في بنائه.
وقوله: (ثم ينام) أي: بعد الوضوء لما مرّ من حديث عائشة وابن عمر ﵄ في الفصل الأول، ونوم النبي ﷺ ليس بناقض للوضوء، ولعل الوضوء أول مرة يكفي في الليلة لغيره ﷺ أيضًا، فافهم.
стр. 798
٤٦٩ - [١٩] وَعَنْ شُعْبَةَ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يُفْرِغُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى سَبْعَ مِرَارٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ، فَنَسِيَ مَرَّةً كَمْ أَفْرَغَ فَسَأَلنِي، فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ، وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِيَ؟ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ يَقُولُ: . . . . .
ــ
٤٦٩ - [١٩] (شعبة) قوله: (يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار) الذي ورد في الأحاديث من غسله ﷺ اليدين قبل غسل الفرج إنما هو مطلقًا أو مرتين أو ثلاث مرات، وقد سبق في الفصل الأول من (باب الغسل) من حديث ابن عباس ﵄: ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه، فما وقع في هذا الحديث من إفراغه ﵁ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار كان في صورة مخصوصة منه مبالغة في الإنقاء كما جاء ذلك في غسل الأواني، وقال الشيخ ابن حجر ﵀ (١): لعله لنجاسة كانت فيها، يعني في اليد اليسرى، وهذا الوجه لا يفيد وجه عدد السبع، وإن فرض أنه كان اتفاقيًّا لقصد الإنقاء ونحوه كما ذكرنا فسؤاله ﵁ عنه شعبة عند النسيان وتوبيخه على عدم درايته ربما ينافي ذلك؛ لأنه ينظر إلى وجوب رعاية العدد، واللَّه أعلم.
وقوله: (لا أمّ لك) ذم وسب بأنه لقيط لا يعرف له أم، وأما قولهم: (لا أبا لك) فأكثر ما يذكر للمدح، أي: لا كافي لك غير نفسك، وأنت مستقل في أمرك، وقد يذكر في معرض الذم كما في (لا أمّ لك)، وأما ذكر (لا أم لك) مدحًا لمعنى التعجب فبعيد، كذا في بعض الشروح، وأما في هذا الحديث فالمناسب الحمل على الذم كما يقتضيه السياق، والواو في (وما يمنعك) للعطف على جملة (لا أم لك)، وهي إن كانت دعائية فكلاهما إنشائيتان، وإن كانت خبرية فمن قبيل عطف القصة على القصة، ويمكن أن
стр. 799
هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يتَطَهَّرُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٦].
٤٧٠ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ، يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ، وَعِنْدَ هَذِهِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا آخِرًا؟ قَالَ: "هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦/ ٩، د: ٢١٩].
٤٧١ - [٢١] وَعَنِ الْحَكَم بْنِ عَمْرٍو قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ. . . . .
ــ
تقدر جملة استفهامية قبلها؛ نحو ما تقول؟ أو ما تفعل؟ فافهم.
وقوله: (هكذا) الظاهر أنه إشارة إلى مجموع ما ذكر شاملا للإفراغ سبع مرار، ولعله فعل ﷺ ذلك في بعض الأحيان، واللَّه أعلم، ثم لا يخفى أن المناسب ذكر هذا الحديث في باب الغسل إذ ليس فيه مخالطة الجنب وذكر ما يباح له، وفي بعض الحواشي أنه لبيان إباحة الكلام للجنب.
٤٧٠ - [٢٠] (أبو رافع) قوله: (ألا تجعله) صحح (ألا) بالتخفيف والتشديد.
وقوله: (هذا أزكى) أي: أنمى وأكثر ثوابًا، (وأطيب) أي: أقرب إلى طيب النفس واستلذاذها، (وأطهر) أي: أنظف وأنقى، والظاهر -واللَّه أعلم- أن الثلاثة بمعنى واحد أو قريب في المعنى كرر تأكيدًا ومبالغة.
وقال الطيبي (١): التطهير مناسب للظاهر، والتزكية والتطيب للباطن، فالأولى يعني التزكية لإزالة الأخلاق الذميمة، والأخرى يعني التطيب للتحلي بالشيم الحميدة.
٤٧١ - [٢١] (الحكم بن عمرو) قوله: (نهى رسول اللَّه ﷺ أن يتوضأ الرجل
стр. 800
بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [د: ٨٢، جه: ٣٧٣، ت: ٦٣، ٦٤].
٤٧٢ - [٢٢] وَعَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ. زَادَ مُسَدَّدٌ: وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَاد أَحْمَدُ فِي أَوَّلِهِ: نهى أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلٍ. [د: ٨١، ن: ٢٣٨، حم: ٤/ ١١١].
ــ
بفضل طهور المرأة) في هذا الحديث وقع النهي عن الوضوء بفضل طهور المرأة، وفي حديث حميد عن الاغتسال، وأيضًا في هذا الحديث النهي عن أحد الجانبين فقط، وفي ذلك عن الجانبين.
وقوله: (وزاد) أي: الترمذي، (أو قال: بسؤرها) أي: بسؤر المرأة مكان (بفضل طهور المرأة)، شكًّا من الراوي.
والسؤر بالضم وسكون الهمزة: البقية والفضلة، وفي شرح الشيخ: والمراد به فضل طهورها، وإنما وفع الشك من الراوي في اللفظ الذي نطق به النبي ﷺ .
وقوله: (هذا حديث حسن صحيح) وفي شرح الشيخ: وقال البيهقي وغيره: إنه ضعيف، ولو فرض تسليم الأول فالمراد بفضل وضوئها ما سال من أعضائها؛ لأنه كما تعين حمل الخبر الذي بعد هذا على ما سقط من أعضائها إذ لا خلاف في أن لها الوضوء والاغتسال بفضله كذلك يحمل هذا على ذلك، لكن قوله الآتي:
٤٧٢ - ٤٧٣ - [٢٢ - ٢٣] (حميد الحميري، وعبد اللَّه بن سرجس)، (وليغترفا جميعًا) يضعف هذا التأويل، إلا أن أحدًا لم يقل بظاهره، ومحال أن يصح وتعمل الأمة كلّها بخلافه، انتهى.
стр. 801
٤٧٣ - [٢٣] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ. [جه: ٣٧٤].
* * *
٧ - باب أحكام المياه
ــ
وفي بعض الشروح عن الخطابي أنه قال: أهل الحديث لم يرتضوا طرق أسانيد: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولو ثبت فهو منسوخ.
هذا، وتأويل الشيخ أن المراد بفضل وضوئها ما سال من أعضائها ليس بشيء، إذ هو منهي عنه في الكل، ولا يحتمله لفظ الحديث من قوله: (وليغترفا) كما اغترف به نفسه، ثم قوله: (إن أحدًا لم يقل بظاهره) محلُّ بحث؛ إذ قد قال به الإمام أحمد ابن حنبل ﵀ مع ما فيه من التفصيل، والخلاف في مشايخ مذهبه، فجماعة منهم قالوا به تعبدًا وتوقيفًا مع كونه مخالفًا للقياس، وطائفة لم يقولوا، ومنهم من جعل الوضوء والغسل في حكم واحد، وقوم خصوا بالأول، وبعضهم فرقوا بين أن يكون الفضل كثيرًا فجوزوا، أو قليلًا فمنعوا، وبعضهم لم يفرقوا، وكل ذلك مذكور بوجوهه ودلائله بالتفصيل في شرح كتاب (الخرقي) (١) في مذهب أحمد، ما ذكرتُه مخافةَ التطويل، فالحق ما في بعض الشروح أنه قال الخطابي: إنها لم تثبت، ولو ثبتت فهي منسوخة، واللَّه أعلم.
٧ - بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
المياه جمع ماء، والماء أصله موه أبدلت الواو ألفًا على القياس والهاء همزة بغير القياس بدليل جمعه على مياه وأمواه، وتصغيره على مويه، وإنما جمعه إشارة إلى
стр. 802
* الْفَصْلُ الأَوَّلَ:
٤٧٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٩، م: ٢٨٢].
ــ
أنواعه من ماء السماء والأرض مما ينبع منها أو لا كالبحر، والراكد والجاري، والقليل والكثير، والمستعمل وغيره، وسؤر الحيوانات وغيره، وماء الحياض والشمس وغيرها مما ذكر في الباب، والضابط في جواز الوضوء أن يكون ماءً مطلقًا طاهرًا غير متغير أوصافه، والمراد بالمطلق ما لا يضاف إلى شيء غيره، كماء الباقلاء وماء الحمص وماء الورد مما لا يفارق اسمه الإضافة في وقت، واحترز بذلك عن إضافة مفارقة كماء النهر وماء البحر، فوجود هذه الإضافة كعدمها، والفرق بين الإضافتين أن الأولى لا يصح فيها نفي الماء، وفي الثانية يصح نفيه، أي: بالإطلاق، فتدبر. واللَّه أعلم.
الفصل الأول
٤٧٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) الماء الدائم: الساكن الراكد، من دام الشيء: إذا سكن ومكث، فقوله: (الذي لا يجري) صفة كاشفة تؤكد الأولى، وقيل: احترز عن الدائم الذي يجري بعضه في البرك، فكأنه أراد الذي لا يجري بكله، وفي بعض الشروح: قال ابن الأنباري: الدائم من الأضداد يقال للساكن وللدائر، ومنها أصاب الإنسان دُوَام، أي: دُوار، فهو لتخصيص أحد معنيي المشترك، ولا يخلو عن تكلف.
وقوله: (ثم يغتسل فيه) الرواية المشهورة في (يغتسل) الرفع، أي: لا يبل ثم هو يغتسل فيه، أي: يبعد عن العاقل أن يبول في الماء وهو يغتسل فيه، فهو عطف على جملة (لا يبولن)، وقد يروى بالجزم على (يبولن)، فيفهم على التقديرين تنجس الماء
стр. 803
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ. . . . .
ــ
بالبول، ولهذا يقيد بالماء القليل، والكثير في حكم الجاري، وقيل: ولو كان كثيرًا أيضًا، فإنه وإن لم يتنجس لكن لعله يتغير بسبب تعاقب الناس عليه بالبول تأسيًا به، فيكره البول فيه نهي كراهة، وستعرف معنى القليل والكثير، والماء وإن كان كثيرًا لا يجوز الوضوء إذا تغير لونه أو ريحه أو طعمه، وقد جوز النصب بإضمار (أن) وإعطاء (ثم) حكم (١) واو الجمع في مثل: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وتعقب بأنه يقتضي أن يكون المنهي عنه هو الجمع بين البول والاغتسال دون إفراد البول، وليس كذلك، بل البول منهي عنه سواء أريد الاغتسال فيه أم لا، كما يدل عليه حديث جابر، وقد قال بعض الشافعية في الماء الجاري أيضًا إذا كان قليلًا بالكراهة، ثم تخصيص الاغتسال بالذكر اتفاقي، وحكم الوضوء أيضًا كذلك، وكذلك تخصيص البول، والتغوط كذلك.
هذا، وقد أغرب شيخ شيوخنا في الحديث الشيخ ابن حجر المكي وقال: هذا التفصيل كله في غير الليل، أما فيه فيكره قضاء الحاجة في الماء مطلقًا؛ خشية أن يؤذيه الجن، لما قيل: إن الماء بالليل مأوى لهم.
وقوله: (وفي رواية لمسلم) لا يظهر وجه ذكر هذا الحديث بهذه العبارة، وليس هذا رواية في الحديث الأول، بل هو حديث برأسه، وإن كان بيانًا لحكم الماء الراكد، فالظاهر أن يقول: وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يغتسل أحدكم. . .) الحديث، وبهذا النسق ذكر في (المصابيح)، وحديث جابر الآتي أولى بأن يذكره بهذه العبارة.
وقوله: (لا يغتسل) يروى بالرفع والجزم، والمراد ههنا أيضًا القليل، فإن الكثير
стр. 804
وَهُوَ جُنُبٌ". قَالُوا: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا. [م: ٢٨٣].
٤٧٥ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١].
٤٧٦ - [٣] وَعَن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَدَعَا لي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ،
ــ
في حكم الجاري كما عرفت.
وقوله: (يتناوله تناولًا) أي: يغترف منه بيده مثلًا ثم يغتسل به خارجه، وفيه دليل على أن الجنب إذا أدخل يده فيه ليتناول الماء لا يتغير به حكم الماء، وإن أدخل فيه ليغسلها من الجنابة يتغير حكمه، إما إلى النجاسة أو إلى عدم الطهورية.
٤٧٥ - [٢] (جابر) قوله: (نهى رسول اللَّه ﷺ أن يبال في الماء الراكد) يدل بظاهره على كون البول فيه منهيًّا عنه، وإن لم يجتمع مع الاغتسال، والمراد بالراكد الدائم، فركود الماء ودوامه وسكونه واحد، وعلى ما نقل في بعض الشروح من الفرق بين الدائم والراكد بأن الأول ما ينبع، والثاني ما لم ينبع يمكن أن يوجه التقييد بالراكد بأن الساكن الذي ينبع في حكم الجاري كما جاء في بعض الروايات الفقهية، فلا ينجس بالبول فيه ما لم يتغير، واللَّه أعلم.
٤٧٦ - [٣] (السائب بن يزيد) قوله: (ذهبت بي خالتي) لم تسم كذا في مقدمة الشيخ (١).
وقوله: (وجع) الوجع محركة: المرض، والوجع بكسر الجيم: المريض كخجل،
стр. 805
فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٥، م: ٢٣٤٥].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٧٧ - [٤] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ مِنَ الأَرْضِ. . . . .
ــ
كذا في (القاموس) (١)، وفي بعض الشروح: وَجِع، أي: متألم، وقيل: مريض.
وقوله: (فشربت من وضوئه) بالفتح، والمراد بقية الماء الذي توضأ منه، وعليه الأكثرون في حديث: كانوا يقاتلون -أي: يزاحمون ويختصمون- على وضوء رسول اللَّه ﷺ ، وذهب كثيرون إلى أن المراد من انفصل من أعضاء وضوئه، وقال بعض الشافعية: ففيه حجة على من حكم بنجاسة الماء المستعمل، وله أن يحمله على التداوي، وهو جائز كصرف النجاسة، كذا قالوا، والأولى أن يحمله على خصائصه ﷺ ليشمل مقاتلة الصحابة على وضوئه ﷺ ، ولعل هذا هو الحق، وكيف يحكم بنجاسة ما صادف ببشرته الشريفة، ومن ثم اختار كثير من العلماء طهارة فضلاته ﷺ .
وقوله: (مثل زر الحجلة): (زر) واحد الأزرار، و (الحجلة) بالحاء والجيم المفتوحتين: بيت كالقبة لها أزرار كبار، وما قيل: إنها الطائر المعروف وإن زرَّها بيضُها قد أنكره بعض العلماء، فإن الزر بمعنى البيضة لم يوجد في كلام العرب، وجاء في رواية كبيضة الحمام، ويتم الكلام فيه إن شاء اللَّه تعالى في موضعه من (باب فضائل سيد المرسلين ﷺ ).
الفصل الثاني
٤٧٧ - [٤] (ابن عمر) قوله: (في الفلاة من الأرض) في (القاموس) (٢): الفلاة:
стр. 806
وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ: "إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ". . . . .
ــ
المفازة لا ماء فيها، أو الصحراء الواسعة.
وقوله: (وما ينوبه) عطف على (الماء)، أي: سئل عن الماء والدواب والسباع المترددة إليه نوبة بعد نوبة، وحاصله، أي: ما حال الماء الذي تنوبه الدواب والسباع، أي: يشرب منه ويبول ويلقي الروث فيه.
وقوله: (إذا كان الماء قلتين) وفي رواية: إذا بلغ الماء قلتين، القلة: بضم القاف وتشديد اللام بمعنى الجرة العظيمة، أي: الكوز الكبير الذي يجعل فيه الماء، وتسميتها بالقلة إما من جهة علوها وارتفاعها، أو لأن الرجل العظيم يرفعها، والقلة اسم لكل مرتفع، ومنه قلة الجبل، وجمع القلة قِلال بكسر القاف، والمراد ههنا قلال هجر بفتحتين كما جاء صريحًا في بعض روايات هذا الحديث، وأيضًا كان هو المعروف في ذلك الزمان، فالظاهر وقوع التحديد به.
وهجر اسم قرية قرب المدينة ينسب إليها القلال، وأيضًا اسم بلد من بلاد اليمن، ويحتمل النسبة إليه، كذا في (القاموس) (١)، والظاهر هو الأول.
ومقدار القلة على المشهور قربتان ونصف، وعند البعض قربتان، وقال ابن جريج: رأيت قلال هجر كان كل قلة منها قربتين أو قربتين وشيئًا، وقال الشافعي ﵀: كان ذلك الشيء مبهمًا فأخذناه نصفًا احتياطًا، فكانت القلتان خمس قرب، والقربة خمسون منًّا من الماء، فكانت القلتان مئتين وخمسين منًّا، وقيل: مقدار القربة مئة رطل عراقي، والرطل العراقي مئة وثمان وعشرون درهمًا.
وقوله: (لم يحمل الخبث) أي: لم يقبله بل يدفعه، وجاء في رواية لأبي داود:
стр. 807
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ: فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ". [حم: ٢/ ٢٧، د: ٦٣، ت: ٦٧، ن: ٥٢، دي: ١/ ١٨٧، جه: ٥١٧، ٥١٨].
ــ
فإنه لا ينجس، وهذه الرواية إن صحت دلت على أن تأويل (لم يحمل خبثًا) بأنه لا يحتمله ولا يطيق حمله لضعفه بل ينجس كما قال بعض أصحابنا الحنفية غير صحيح، قيل: وأيضًا تعليق هذا المعنى بشرط كونه قلتين بعيد، وقد توجه أن البلوغ تارة يعتبر من جانب القلة إلى جاصب الكثرة وأخرى من الكثرة إلى القلة، والمراد ههنا الثاني، فافهم.
ومذهب الشافعي وأحمد: وإذا كان الماء مقدار قلتين لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير لونُه أو طعمُه أو ريحُه، لكن عند أحمد إن كانت النجاسة بولًا أو عذرة مائعة ينجس، إلا أن يكون الماء مثل المصانع التي بطريق مكة وما أشبهها من المياه الكثيرة التي لا يمكن نزحها، فذلك الذي لا ينجسه شيء، كذا في (كتاب الخرقي) (١).
وقد اختلف في صحة هذا الحديث (٢) مع أنه ذكره أئمة الحديث في كتبهم، وليس في "الصحيحين"، وقالوا: هذا الحديث مخالف لإجماع الصحابة كما سنبينه، وخبر
стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الواحد إذا كان مخالفًا للإجماع لم يقبل، وقال علي بن المديني -وهو من أكابر أئمة الحديث، من شيوخ البخاري ومن أقران الإمام أحمد بن حنبل-: لم يثبت هذا الحديث عن رسول اللَّه ﷺ ، وقال: ليس لأحد من الفريقين في تقدير الماء وتحديده حديث صح عنه ﷺ ، وقال الزركشي (١): صححه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ونقل عن الطحاوي خبر القلتين صحيح وإسناده ثابت وإنما تركناه لأنا لا نعلم ما القلتان، وقال الشيخ: إن القلة اسم مشترك يقال على الجرة والقربة ورأس الجبل، واللَّه أعلم.
ولما وقع الكلام في تقدير الماء وتحديده في التنجس وعدم التنجس ناسب أن نفصل الكلام في هذا المقام فنقول وباللَّه التوفيق: اعلم أن مذهب أصحاب الظواهر أن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلًا، سواء كان جاريًا أو راكدًا، كثيرًا أو قليلًا، وسواء تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير، وعامة العلماء على أنه إن كان قليلًا يتنجس وإن كان كثيرًا لا، ثم اختلفوا في حد الفاصل بين القليل والكثير، فقال مالك: فما تغير لونه أو طعمه أو ريحه فهو قليل، وما لم يتغير فكثير، فهو قد جعل التغير وعدمه معيارًا للقلة والكثرة، وقال الشافعي -وهو مذهب أحمد-: إن كان الماء قلتين فهو كثير، ولا يحمل الخبث ولا يتنجس، وإلا فهو قليل يتنجس، وأصحابنا الحنفية ﵏ قالوا: إن كان الماء بحال لا يخلص ولا ينفصل بعضه عن بعض فهو كثير، وإلا فقليل.
واحتج أصحاب الظواهر بحديث بئر بضاعة الآتي من قوله ﷺ : (إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، والجمهور يقولون: إن هذا القول وإن كان مطلقًا في الظاهر لكنه
стр. 809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مقيد بغير المتغير بدلالة الأحاديث الأخر، فقد روى أبو أمامة أن رسول اللَّه ﷺ قال: (الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه ولونه وطعمه)، ورواه ابن ماجه والدارقطني (١) ولفظه: (إلا ما غير لونه أو ريحه أو طعمه)، وهذا هو دليل مالك ﵀، واحتج الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه بحديث القلتين.
والدليل لأصحابنا على تنجس الماء قوله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده)، فإنه يدل على أن الماء يتنجس بوقوع النجاسة، وإلا لم يكن للنهي عن غمس اليد احتياطًا لتوهم النجاسة معنًى، وكذلك الأحاديث مستفيضة مشهورة في الأمر بغسل الظروف من ولوغ الكلب مع أنه لا يغير اللون والطعم والريح، وكذلك حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) كما في الفصل الأول، ولا شك أن الماء الذي يمكن الاغتسال فيه قد يكون أكثر من قلتين ولا يغير البول لونه وطعمه وريحه، فعلم أن مجرد بلوغ الماء قلتين كما هو مذهب الشافعي، وعدم تغير اللون والطعم والريح كما هو مذهب مالك لا يكفي في عدم تنجس الماء، كذا قيل.
وقد ورد عن ابن عباس وابن الزبير ﵃ أنهم أمروا بنزح كل الماء بوقوع الزنجي في بئر زمزم، ولم يظهر أثره في الماء، ولا شبهة في أنه كان أكثر من القلتين، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم يظهر عن أحد منهم الإنكار عليهم، فيكون حديث القلتين مخالفًا للإجماع، فلا يقبل.
ولما لم يثبت عن النبي ﷺ حديث في تقدير الماء وتحديده رجع أصحابنا في
стр. 810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك إلى الدلائل الحسية دون السمعية، وجعلوا معيار القلة والكثرة الخلوص، وقالوا: الغدير العظيم الذي في حكم الجاري هو الذي لا يخلص ولا ينفصل أجزاء بعضه عن بعض.
ثم اختلفوا في تفسير الخلوص، ففي أكثر الروايات يعتبر الخلوص بالتحريك، يعني يكون بحيث لا يتحرك طرفه عند تحريك الآخر، بأن لا ينخفض ويرتفع من ساعته، كذا قال الشُّمُنِّي.
ثم اختلفوا في سبب التحريك، روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما اللَّه: أن المعتبر التحريك بالاغتسال من غير شدة وعنف؛ لأن الحاجة إلى الحياض في الاغتسال أكثر، وروى محمد أنه يعتبر التحريك بالوضوء لأنه وسط، وفي رواية باليد من غير اغتسال ووضوء، وفي هذا توسعة، وظاهر الرواية عن أبي حنيفة: أن المعتبر غلبة الظن، إن غلب على الظن وصول النجاسة إلى الطرف الآخر لم يتوضأ، وإلا توضأ.
وقال شمس الأئمة: المذهب الظاهر التحري والتفويض إلى رأي المبتلى من غير حكم بالتقدير، فإن غلب على الظن وصولها يتنجس، وإن غلب عدم وصولها لم يتنجس، وهذا هو الأصح.
واعتبر أبو سليمان الجوزجاني الكثرة بالمساحة، واختاره المتأخرون، فقوم اعتبروا ثمانية في ثمانية، وقوم خمسة عشر في خمسة عشر، ونقل عن محمد حين سئل عن الكثير أنه قال: إن كان مثل مسجدي هذا فكثير، فقيس حين قام وكان اثني عشر في مثلها في رواية، وثمانية في ثمان في أخرى، وصرحوا بأن محمدًا رجع عن هذا، وقال أبو عصمة: كان محمد بن الحسن يوقت في ذلك عشرة في عشرة، ثم رجع إلى