وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ: "إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ". . . . .
ــ
المفازة لا ماء فيها، أو الصحراء الواسعة.
وقوله: (وما ينوبه) عطف على (الماء)، أي: سئل عن الماء والدواب والسباع المترددة إليه نوبة بعد نوبة، وحاصله، أي: ما حال الماء الذي تنوبه الدواب والسباع، أي: يشرب منه ويبول ويلقي الروث فيه.
وقوله: (إذا كان الماء قلتين) وفي رواية: إذا بلغ الماء قلتين، القلة: بضم القاف وتشديد اللام بمعنى الجرة العظيمة، أي: الكوز الكبير الذي يجعل فيه الماء، وتسميتها بالقلة إما من جهة علوها وارتفاعها، أو لأن الرجل العظيم يرفعها، والقلة اسم لكل مرتفع، ومنه قلة الجبل، وجمع القلة قِلال بكسر القاف، والمراد ههنا قلال هجر بفتحتين كما جاء صريحًا في بعض روايات هذا الحديث، وأيضًا كان هو المعروف في ذلك الزمان، فالظاهر وقوع التحديد به.
وهجر اسم قرية قرب المدينة ينسب إليها القلال، وأيضًا اسم بلد من بلاد اليمن، ويحتمل النسبة إليه، كذا في (القاموس) (١)، والظاهر هو الأول.
ومقدار القلة على المشهور قربتان ونصف، وعند البعض قربتان، وقال ابن جريج: رأيت قلال هجر كان كل قلة منها قربتين أو قربتين وشيئًا، وقال الشافعي ﵀: كان ذلك الشيء مبهمًا فأخذناه نصفًا احتياطًا، فكانت القلتان خمس قرب، والقربة خمسون منًّا من الماء، فكانت القلتان مئتين وخمسين منًّا، وقيل: مقدار القربة مئة رطل عراقي، والرطل العراقي مئة وثمان وعشرون درهمًا.
وقوله: (لم يحمل الخبث) أي: لم يقبله بل يدفعه، وجاء في رواية لأبي داود:
стр. 807
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ: فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ". [حم: ٢/ ٢٧، د: ٦٣، ت: ٦٧، ن: ٥٢، دي: ١/ ١٨٧، جه: ٥١٧، ٥١٨].
ــ
فإنه لا ينجس، وهذه الرواية إن صحت دلت على أن تأويل (لم يحمل خبثًا) بأنه لا يحتمله ولا يطيق حمله لضعفه بل ينجس كما قال بعض أصحابنا الحنفية غير صحيح، قيل: وأيضًا تعليق هذا المعنى بشرط كونه قلتين بعيد، وقد توجه أن البلوغ تارة يعتبر من جانب القلة إلى جاصب الكثرة وأخرى من الكثرة إلى القلة، والمراد ههنا الثاني، فافهم.
ومذهب الشافعي وأحمد: وإذا كان الماء مقدار قلتين لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير لونُه أو طعمُه أو ريحُه، لكن عند أحمد إن كانت النجاسة بولًا أو عذرة مائعة ينجس، إلا أن يكون الماء مثل المصانع التي بطريق مكة وما أشبهها من المياه الكثيرة التي لا يمكن نزحها، فذلك الذي لا ينجسه شيء، كذا في (كتاب الخرقي) (١).
وقد اختلف في صحة هذا الحديث (٢) مع أنه ذكره أئمة الحديث في كتبهم، وليس في "الصحيحين"، وقالوا: هذا الحديث مخالف لإجماع الصحابة كما سنبينه، وخبر
стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الواحد إذا كان مخالفًا للإجماع لم يقبل، وقال علي بن المديني -وهو من أكابر أئمة الحديث، من شيوخ البخاري ومن أقران الإمام أحمد بن حنبل-: لم يثبت هذا الحديث عن رسول اللَّه ﷺ ، وقال: ليس لأحد من الفريقين في تقدير الماء وتحديده حديث صح عنه ﷺ ، وقال الزركشي (١): صححه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ونقل عن الطحاوي خبر القلتين صحيح وإسناده ثابت وإنما تركناه لأنا لا نعلم ما القلتان، وقال الشيخ: إن القلة اسم مشترك يقال على الجرة والقربة ورأس الجبل، واللَّه أعلم.
ولما وقع الكلام في تقدير الماء وتحديده في التنجس وعدم التنجس ناسب أن نفصل الكلام في هذا المقام فنقول وباللَّه التوفيق: اعلم أن مذهب أصحاب الظواهر أن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلًا، سواء كان جاريًا أو راكدًا، كثيرًا أو قليلًا، وسواء تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير، وعامة العلماء على أنه إن كان قليلًا يتنجس وإن كان كثيرًا لا، ثم اختلفوا في حد الفاصل بين القليل والكثير، فقال مالك: فما تغير لونه أو طعمه أو ريحه فهو قليل، وما لم يتغير فكثير، فهو قد جعل التغير وعدمه معيارًا للقلة والكثرة، وقال الشافعي -وهو مذهب أحمد-: إن كان الماء قلتين فهو كثير، ولا يحمل الخبث ولا يتنجس، وإلا فهو قليل يتنجس، وأصحابنا الحنفية ﵏ قالوا: إن كان الماء بحال لا يخلص ولا ينفصل بعضه عن بعض فهو كثير، وإلا فقليل.
واحتج أصحاب الظواهر بحديث بئر بضاعة الآتي من قوله ﷺ : (إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، والجمهور يقولون: إن هذا القول وإن كان مطلقًا في الظاهر لكنه
стр. 809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مقيد بغير المتغير بدلالة الأحاديث الأخر، فقد روى أبو أمامة أن رسول اللَّه ﷺ قال: (الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه ولونه وطعمه)، ورواه ابن ماجه والدارقطني (١) ولفظه: (إلا ما غير لونه أو ريحه أو طعمه)، وهذا هو دليل مالك ﵀، واحتج الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه بحديث القلتين.
والدليل لأصحابنا على تنجس الماء قوله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده)، فإنه يدل على أن الماء يتنجس بوقوع النجاسة، وإلا لم يكن للنهي عن غمس اليد احتياطًا لتوهم النجاسة معنًى، وكذلك الأحاديث مستفيضة مشهورة في الأمر بغسل الظروف من ولوغ الكلب مع أنه لا يغير اللون والطعم والريح، وكذلك حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) كما في الفصل الأول، ولا شك أن الماء الذي يمكن الاغتسال فيه قد يكون أكثر من قلتين ولا يغير البول لونه وطعمه وريحه، فعلم أن مجرد بلوغ الماء قلتين كما هو مذهب الشافعي، وعدم تغير اللون والطعم والريح كما هو مذهب مالك لا يكفي في عدم تنجس الماء، كذا قيل.
وقد ورد عن ابن عباس وابن الزبير ﵃ أنهم أمروا بنزح كل الماء بوقوع الزنجي في بئر زمزم، ولم يظهر أثره في الماء، ولا شبهة في أنه كان أكثر من القلتين، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم يظهر عن أحد منهم الإنكار عليهم، فيكون حديث القلتين مخالفًا للإجماع، فلا يقبل.
ولما لم يثبت عن النبي ﷺ حديث في تقدير الماء وتحديده رجع أصحابنا في
стр. 810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك إلى الدلائل الحسية دون السمعية، وجعلوا معيار القلة والكثرة الخلوص، وقالوا: الغدير العظيم الذي في حكم الجاري هو الذي لا يخلص ولا ينفصل أجزاء بعضه عن بعض.
ثم اختلفوا في تفسير الخلوص، ففي أكثر الروايات يعتبر الخلوص بالتحريك، يعني يكون بحيث لا يتحرك طرفه عند تحريك الآخر، بأن لا ينخفض ويرتفع من ساعته، كذا قال الشُّمُنِّي.
ثم اختلفوا في سبب التحريك، روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما اللَّه: أن المعتبر التحريك بالاغتسال من غير شدة وعنف؛ لأن الحاجة إلى الحياض في الاغتسال أكثر، وروى محمد أنه يعتبر التحريك بالوضوء لأنه وسط، وفي رواية باليد من غير اغتسال ووضوء، وفي هذا توسعة، وظاهر الرواية عن أبي حنيفة: أن المعتبر غلبة الظن، إن غلب على الظن وصول النجاسة إلى الطرف الآخر لم يتوضأ، وإلا توضأ.
وقال شمس الأئمة: المذهب الظاهر التحري والتفويض إلى رأي المبتلى من غير حكم بالتقدير، فإن غلب على الظن وصولها يتنجس، وإن غلب عدم وصولها لم يتنجس، وهذا هو الأصح.
واعتبر أبو سليمان الجوزجاني الكثرة بالمساحة، واختاره المتأخرون، فقوم اعتبروا ثمانية في ثمانية، وقوم خمسة عشر في خمسة عشر، ونقل عن محمد حين سئل عن الكثير أنه قال: إن كان مثل مسجدي هذا فكثير، فقيس حين قام وكان اثني عشر في مثلها في رواية، وثمانية في ثمان في أخرى، وصرحوا بأن محمدًا رجع عن هذا، وقال أبو عصمة: كان محمد بن الحسن يوقت في ذلك عشرة في عشرة، ثم رجع إلى
стр. 811
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قول أبي حنيفة ﵁، وقال: لا أوقت شيئًا، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١)، والأكثرون بعشر في عشر.
وروي أن عبد اللَّه بن المبارك كان أولًا يقدر بعشر في عشر، ثم رجع إلى خمسة عشر في خمسة عشر، وذهب إليه أبو مطيع وقال: إن اعتبر بخمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يكون جائزًا، وإن كان بعشرين في عشرين لا يبقى شبهة وخلجان في القلب، وعامة المشايخ على عشر في عشر؛ لأن العشر أدنى شيء ينتهي إليه نوع الأعداد، وقال أبو الليث: وعليه الفتوى، والمعتبر ذراع الكرباس توسعة على الناس، وهو سبع مُشِتَّات فوق كل مُشِتَّةٍ أصبع قائمة، وفي (المحيط) (٢): الأصح أن يعتبر في كل مكان وزمان ذراعه، كذا قال الشُّمُنِّي.
واستنبط شارح (الوقاية) التقدير بعشر في عشر من حديث: (من حفر بئرًا فله حريمها أربعون ذراعًا)، وفيه كلام ذكر في حواشيه، وقال الشيخ ابن الهمام: إن ترجيح الأول أخذًا من حريم البئر غير منقول عن الأئمة الثلاث، وقال الشُّمُنِّي: كون حريم البئر عشرة أذرع من كل جانب قول البعض، والصحيح أنه أربعون، ثم اعتبار عشر في عشر في المربع ظاهر، وأما في المدور فقيل: يعتبر ثمانية وأربعون مساحة دوره، وقيل: أربع وأربعون، وقيل: ستة وثلاثون، والأول أحفظ، وقالوا: القول الأخير أوفق بقواعد الحساب، وقد بينه مولانا علي البرجندي في (شرح مختصر الوقاية) بتحقيق وتفصيل فليراجع ثمة، وفروع المسائل في هذا الباب كثيرة مذكورة في كتب الفقه، تركناها مخافة التطويل، واللَّه أعلم، وهو يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل.
стр. 812
٤٧٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ؟ . . . . .
ــ
٤٧٨ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من بئر بضاعة) بضم الباء الموحدة على المشهور وحكي كسرها وبالضاد المعجمة، وقيل: بالمهملة في آخرها عين مهملة، كذا في (تاريخ المدينة)، وفي (القاموس) (١): بئر بضاعة بالضم، وقد يكسر لكنه ذكره في الضاد المعجمة، وهكذا في (الصحاح) (٢): بئر على قرب الدرب الشامي على يمين سالك طريق مشهد سيدنا حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء ﵁، وجاء في الخبر أن رسول اللَّه ﷺ جاء على بئر بضاعة وأخذ دلوًا فنزع الماء وتوضأ، وألقى بقية الماء مع بصاقه في البئر، وكانوا في زمانه ﷺ يغسلون بمائه المرضى ويستشفون به فيشفون، وعن ابن أسيد وهو صاحب بئر بضاعة أنه قال: كنا بعد أن يبصق رسول اللَّه ﷺ فيها نشرب من مائها ونتبرك به، وجاء في شأنه أخبار وأحاديث.
و(الحيض) بكسر الحاء وفتح الياء جمع الحيضة بكسر الحاء خرقة الحيض، وهي التي تستنفر بها، ويقال أيضًا: المحيضة، وجمعها المحائض، وقد يروى في الحديث: (يلقى فيها المحائض)، وقيل: هو جمع المحيض وهو مصدر حاض، فلما سمي به جمع، ويقع المحيض على المصدر والزمان والمكان والدم، وقد جاء الحيضة بالكسر اسمًا من الحيض، والحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كالجلسة، ومنه (إن حيضتك ليست في يدك).
وقوله: (والنتن) بالفتح والسكون: الرائحة الكريهة، والمراد ههنا الشيء المنتن،
стр. 813
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٣/ ٣١، ٨٦، ت: ٦٦، د: ٦٦، ن: ٣٢٦].
٤٧٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ . . . . .
ــ
وفي (القاموس) (١): النتن ضد الفوح، نتن ككرم وضرب وأنتن فهو منتن، انتهى. ونتن وأنتن بمعنى، فإن قلت: كيف جاز إلقاء هذه الأشياء فيها لاسيما إذا كان بعد ما ذكر من وضوئه ﷺ من مائها وإلقاء البصاق فيها؟ قلنا: لعل البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التي يحل بها أهل البادية فيلقي ما في منازلهم فيكسحها السيل، كذا قال الطيبي (٢).
وقوله: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) قد مر الكلام فيه، وقالوا: كانت هذه البئر في ذلك الزمان جارية، وقال الطحاوي: إن بئر بضاعة كانت طريقًا إلى البساتين فهو كالنهر وإن لم يكن ماؤه يبلغ حد عدم الانفصال ولم يكن عشرًا في عشر، وبعض الروايات عن أصحابنا حكم البئر المَعِينة حكم الماء الجاري، فافهم.
٤٧٩ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (سأل رجل) هو عبد المدلجي، وقيل: عبد العزى، وقيل: اسمه العركي بفتح العين والراء بعدهما كاف ثم ياء، كذا في (الحاشية).
وقوله: (أفنتوضأ بماء البحر) وكان استبعادهم طهارة ماء البحر نشأ من فهم التخصيص من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] مع مخالفته لماء
стр. 814
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ". رَوَاهُ مَالكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [ط: ٤١، ت: ٦٩، ن: ٥٩، جه: ٣٨٦، دي: ١/ ١٨٥ - ١٨٦].
٤٨٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ . . . . .
ــ
السماء في الأوصاف، واللَّه أعلم.
وقوله: (هو الطهور ماؤه) الطهور بمعنى المطهِّر، وقد ذكرنا في أول (كتاب الطهارة) اشتقاقه من الطهارة مع كونه لازمًا. (والحل) بالكسر بمعنى الحلال، والميتة بفتح الميم: ما لم تلحقه الذكاة، والمراد بالميتة السمك سماه ميتة لكونه لم يذبح، وكما في حديث: (أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال)، رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني (١)، وليس المراد الذي مات في البحر وهو حرام عندنا، وعند مالك والشافعي وأحمد لا بأس به، ومتمسكهم هذان الحديثان، ولنا ما روى جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ما ألقاه البحر وجزر عنه الماء فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوا)، رواه أبو داود وابن ماجه (٢)، وسيجيء في (باب ما يحل أكله وما يحرم)، وقد روي من مذهب علي وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ﵃ مثل مذهبنا، وإنما لم يقل في الجواب: بلى أو نعم؛ لأنهم كانوا سألوه عن الضرورة، فلو قال: بلى أو نعم لم يستفيدوا منه حال الرفاهية، فأخبر أنه طهور في كل حال فأتى بجملة مستقلة.
٤٨٠ - [٧] (أبو زيد) قوله: (وعن أبي زيد عن عبد اللَّه بن مسعود) الحديث،
стр. 815
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكلام في هذا الحديث طويل نذكر منه ما تيسر بتوفيق اللَّه ولا نخاف التطويل، فاعلم أن نبيذ التمر هو أن ينبذ التمر في الماء ويترك أيامًا حتى يخرج حلاوته وقد يحدث فيه شيء من الحدة، وسيجيء الكلام فيه وفي أحكامه في (باب الأشربة).
واختلف في التوضؤ به فعند أبي حنيفة وسفيان رحمهما اللَّه جاز الوضوء به إذا لم يوجد ماء خالص، ومع وجوده لا يجوز التيمم، وقيل: النية شرط عند أبي حنيفة ﵁ في الوضوء بالنبيذ كأنه بدل من الماء مثل التراب، وعند الشافعي وأحمد لا يجوز ويجب التيمم، وهو قول أبي يوسف ورواية عن أبي حنيفة، ويحكى رجوعه إلى هذا القول، وعند محمد يتوضأ ثم يتيمم كما في الماء المشكوك كسؤر الحمار.
ويروى عن الطحاوي أنه قال: إن قدر على الماء المكروه ونبيذ التمر توضأ بالماء المكروه إجماعًا.
وفي الاغتسال بنبيذ التمر قولان عن أبي حنيفة، والاختلاف في نبيذ يكون حلوًا رقيقًا يسيل على الأعضاء كالماء وإن اشتد وصار حديدًا، فإن كان من غير نار فهو حرام لا يجوز الوضوء به، وإن غيرته النار إن كان حلوًا جاز عند أبي حنيفة ﵁ لكون شربه حلالًا عنده، وعند محمد لا يجوز لحرمته عنده، ولا يجوز الوضوء بسائر الأنبذة كنبيذ الزبيب ونحوه كما هو مقتضى القياس؛ لأن الوضوء لا يجوز إلا بماء مطلق لم يتقيد باسم آخر، ولهذا لا يجوز بماء الورد والخل مثلًا، وإذا لم يوجد الماء المطلق وجب التيمم لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا هو دليل الأئمة القائلين بعدم جواز الوضوء بالنبيذ، ومتمسك الإمام أبي حنيفة في تجويزه هذا الحديث عن أبي زيد عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن، وهي الليلة التي جاءت الجن رسول اللَّه ﷺ وبايعوه، وسمعوا منه القرآن، وأخبروا به قومهم.
стр. 816
قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ: "مَا فِي إِدَاوَتك؟ " قَالَ: قُلْتُ: نَبِيذٌ. قَالَ: "تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ: فتوَضَّأَ مِنْهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُو زَيْدٍ مَجْهُولٌ. [د: ٨٤، حم: ١/ ٤٥٠، ت: ٨٨].
ــ
وقوله: (ما في إداوتك؟ ) أي: مطهرتك، (قال) ابن مسعود: (قلت نبيذ، قال) رسول اللَّه ﷺ : (تمرة طيبة وماء طهور) أي: ما النبيذ إلا تمرة وهي طيبة ليس فيها ما يمنع التوضؤ وماء مطهر، (فتوضأ منه) رسول اللَّه ﷺ ، وهذه الزيادة لأحمد والترمذي في هذا الحديث، ولم يزدها أبو داود، ويكفي في الدلالة على جوازه قوله: (تمرة طيبة وماء طهور)، ورواه السيوطي في (جمع الجوامع) (١) عن عبد الرزاق والبيهقي، وأورده الشيخ ابن الهمام (٢) عن ابن أبي شيبة بلفظ: قال ابن مسعود: سألني رسول اللَّه ﷺ : (هل معك ماء يتوضأ به؟ ) قلت: لا، قال: (فما في إداوتك؟ ) قلت: النبيذ، قال: (تمرة حلوة وماء طيب)، ثم توضأ به وأقام الصلاة، والترمذي ضعف هذا الحديث وقال: إنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن ابن مسعود، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا تعرف له رواية غير هذا الحديث، وقال في (ميزان الاعتدال) (٣): أبو زيد مولى ابن حريث عن ابن مسعود، وعنه أبو فزارة، لا يصح حديثه، ذكره البخاري في الضعفاء، وقال الحاكم: رجل مجهول ما له سوى حديث واحد، وفي (التقريب) (٤): أبو زيد المخزومي مولى عمرو بن حريث، وقيل: أبو زائد،
стр. 817
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مجهول، من الثالثة، وقال (١): أبو فزارة راوي الحديث عن أبي زيد أيضًا مجهول (٢).
فقال الشافعي وأبو يوسف: هذا حال هذا الحديث، ولو صح أيضًا فآية القرآن أقوى منه، فتعين العمل بها على أن الحديث منسوخ بالآية، فإن الآية مدنية، وقضية ليلة الجن كانت بمكة.
وقال محمد: لما كان في الحديث اضطراب، وفي التاريخ جهالة وجب الجمع بينهما احتياطًا، وقالوا من جانب أبي حنيفة ﵀: إن ليلة الجن متعددة وكانت بالمدينة كما كانت بمكة، ولعل هذه القضية كانت في التي كانت في المدينة، وقد عمل بهذا الحديث جماعة من الصحابة، فعن علي ﵁ أنه قال: الوضوء بنبيذ التمر وضوء من لم يجد الماء، وعن ابن عباس: توضؤوا بنبيذ التمر، ولا توضؤوا باللبن، وروي عن ابن مسعود جوازه عند عدم الماء، كذا في بعض شروح (الهداية)، وأورد السيوطي في (جمع الجوامع) عن الدارقطني أنه روي عن ابن عباس مثل قول علي ﵁.
وقال التُّورِبِشْتِي (٣): حديث التوضؤ بنبيذ التمر روي عن ابن مسعود بوجوه متعددة، وفي سائر أسانيدها مقال، لكن الحديث إذا روي من طرق شتى غلب على ظن المجتهد حقيته، هذا وقال الشيخ ابن الهمام (٤): قال القاضي أبو بكر بن العربي في (شرح جامع الترمذي): أبو زيد مولى عمرو بن حريث، روى عنه راشد بن كيسان
стр. 818
٤٨١ - [٨] وَصَحَّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٠].
ــ
العنسي الكوفي وأبو روق، وهذا يخرجه من الجهالة، وقال الشيخ تقي الدين السبكي: في تجهيل أبي فزارة أيضًا نظر؛ لأنه قد روى هذا الحديث من أبي فزارة جماعة من أهل العلم مثل سفيان وشريك وجراح بن مليح وقيس بن الربيع، وقال ابن عدي: أبو فزارة راوي هذا الحديث مشهور واسمه راشد بن كيسان، وكذا قال الدارقطني. وفي (الكاشف) (١): راشد بن كيسان العنسي الكوفي عن أنس وابن أبي ليلى، وعنه سفيان وحماد بن زيد ثقة. وقد ضعف هذا الحديث بأنه صح:
٤٨١ - [٨] (علقمة) قوله: (عن علقمة عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول اللَّه ﷺ . رواه مسلم) قال التُّورِبِشْتِي: هذا صحيح ولكنه يحتمل أنه لم يكن مع رسول اللَّه ﷺ عند مفاوضة الجن ودعائهم إلى الإسلام، وكان قد خرج معه فأقعده بمدرجته على ما ذكر في الحديث عن ابن مسعود: فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد، فخطّ لي خطًّا وأجلسني فيه، وقال: لا تخرج من هذا، فبت فيه حتى أتاني مع السحر، ويحتمل أن ابن مسعود لم يكن مع رسول اللَّه ﷺ وقت الخروج، ثم لحقه في آخر الليل بعد أن فرغ من دعوة الجن، فكونه مع رسول اللَّه ﷺ وعدم كونه معه ليلة الجن كلاهما صحيح، وهذا الوجه أوثق لما في بعض طرق حديث علقمة عن عبد اللَّه الذي استدل به المؤلف أن علقمة قال: قلت لعبد اللَّه بن مسعود: هل صحب رسولَ اللَّه ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد، قال: ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح أو قال: في السحر إذا نحن به يجيء من قبل حراء، ثم ساق الحديث، وهذا حديث صحيح
стр. 819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخرجه مسلم في كتابه، ولا تنافي بينه وبين قوله: في ليلة الجن؛ لأن سحر تلك اليلة كان من ليلة الجن، انتهى كلام التُّورِبِشْتِي (١).
والحق أنه قد ثبت بطرق كثيرة أن ابن مسعود كان معه ﷺ في ليلة الجن وخطّ رسول اللَّه ﷺ حوله وقال: لا تخرج منه، وهذه القصة طويلة ذكرت في كتب السير والأحاديث، وذكرها أبو نعيم في (الحلية) (٢)، فالمراد بعدم كونه معه عدم حضوره في وقت المفاوضة والمكالمة مع الجن، واللَّه أعلم.
وقال الشيخ ابن الهمام (٣): وأما ما روي أنه سئل ابن مسعود عن ليلة الجن فقال: لم يحضر منا أحد فمعارض ما روى ابن أبي شيبة أن ابن مسعود كان معه، وبما روى حفص بن شاهين عن ابن مسعود أنه قال: كنت معه ليلة الجن، وأيضًا روي أن ابن مسعود رأى قوما من زط فقال: ما أشبههم بالذين رأينا من الجن ليلة الجن، والإثبات مقدم على النفي، وإن جمعنا بينهما قلنا: المراد بقوله: لم يكن منا أحد أنه لم يكن أحد من الصحابة غيري، فالمقصود نفي المشاركة وإثبات اختصاص نفسه بالحضور.
وقال صاحب (آكام المرجان في أحكام الجان) (٤): ظاهر الأحاديث الواردة في وفادة الجن أنها كانت ست مرات، واحد منها كانت في بقيع الغرقد حضرها ابن مسعود، ومرتين منها حضر بمكة، ومرة رابعة كانت خارج المدينة حضرها الزبير بن
стр. 820
٤٨٢ - [٩] وَعَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: . . . . .
ــ
العوام، وبهذا لم يقطع بالنسخ، انتهى كلام الشيخ ابن الهمام، وبهذا ظهر أن الحق مع أبي حنيفة، واللَّه أعلم.
٤٨٢ - [٩] (كبشة بنت كعب بن مالك) قوله: (وعن كبشة) بفتح الكاف وسكون الباء الموحدة وبالشين المعجمة.
وقوله: (فسكبت) أي: في ظرف، والسكب: الصب، و (سكبت) يحتمل أن يكون بصيغة المتكلم، وأن يكون بصيغة الغائبة.
وقوله: (فأصغى) أي: أمال (لها) أي: للهرة (الإناء) حتى يسهل عليها الشرب، يدل على أن سؤر الهرة ليس بمكروه كما هو مذهب أبي يوسف، كذا قال الشُّمُنِّي، ولكن قال أبو حنيفة ﵀ بالكراهة؛ لأنه قد جاء الحديث أنها سبع، رواه الحاكم في (المستدرك) (١) عن أبي هريرة ﵁، وقال: صحيح الإسناد، وهو يقتضي نجاسة سؤرها كسؤر سائر سباع البهائم، لكنها سقطت إلى الكراهة لقوله ﷺ : (إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم)، فتدبر.
وقوله: (يا ابنة أخي) المراد أخوة الإسلام، ومن عادة العرب أن يدعوا بيا ابن أخي ولا ابن عمي.
стр. 821
"إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمُ أَوِ الطَّوَّافَاتِ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ط: ٤٢، حم: ٥/ ٣٠٣، ت: ٩٢، د: ٨٥، ن: ٦٨، جه: ٣٦٧، دي: ١/ ١٨٧ - ١٨٨].
٤٨٣ - [١٠] وَعَن دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّ مَوْلَاتَهَا. . . . .
ــ
وقوله: (إنها ليست بنجس) هكذا وقع بلفظ التذكير في نسخ (المشكاة) و (المصابيح)، ولكنها في الشروح والكتب (إنها ليست بنجسة) بلفظ التأنيث، ووقع في نسخة (جامع الترمذي) قديمة صحيحة بخط المغرب، وكذا (كتاب الخرقي) أيضًا بالتذكير، فغير بعد ذلك بالتاء، ويظهر بذلك أن أصل لفظ الحديث بالتذكير، وكذلك في الحديث الآتي، ونقل في الحاشية من بعض الشروح أنه بكسر الجيم وهو القياس، وإنما لم تلحق التاء لأنه في معنى السنور، وقال بعض الأئمة: إنه بالفتح بمعنى النجاسة فالتقدير إنها ليست بذات النجس.
وقوله: (من الطوافين عليكم أو الطوافات) بصيغة فَعَّال للمبالغة، وليست (أو) هذه للشك لوروده بالواو في رواية أخرى، والمراد أنها من الذكور أو الإناث، فشبه ذكور الهرة بالطوافين وإناثها بالطوافات، كذا في الحاشية من (الأزهار)، وقيل: للشك من الراوي، والمعنى أنها تطوف عليكم في منازلكم، فلو حكمت بنجاسة سؤرها لشق عليكم، وقيل: المراد من يطوف للحاجة على الأبواب ويسأل، شبه الهرائر بهم يعني أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساتهم، كذا في بعض الشروح، ويناسب هذا المعنى حمل الطائف على معنى الخادم يخدم برفق وعناية على ما في (القاموس) (١).
٤٨٣ - [١٠] (داود بن صالح) قوله: (أن مولاتها) أي: معتقة أمه وكانت أمه
стр. 822
أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهَا تُصَلِّي فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَةُ مِنْ صَلَاتِهَا أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتِ الْهِرَّةُ، فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّها مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ". وَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأ بِفَضْلِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٧٦].
ــ
مولاة لبعض نساء الأنصار، والمولى اسم مشترك بين المعتق والمعتق بالكسر والفتح، والمراد ههنا بالكسر، والضمير المرفوع في (أرسلتها) للمولاة والمنصوب لأمه.
وقوله: (بهريسة) هو الطعام المعروف، والهرس الأكل الشديد والدق العنيف، ومنه الهريس والهريسة، وقد يروى في فضل الهريسة حديث وهو موضوع، ففي (تنزيه الشريعة) (١) عن معاذ قال: قلت: يا رسول اللَّه! أتيت من الجنة بطعام، قال: نعم، أتيت بالهريسة فأكلتها فزادت في قوتي قوة أربعين، وفي نكاحي نكاح أربعين، رواه العقيلي، وفيه محمد بن الحجاج وهو وضعه، وغالب طرقه يدور عليه، وله طرق كلها باطلة أو مختلف فيها والأغلب البطلان.
وقوله: (فأشارت إلي أن ضعيها) أن مفسرة لما في الإشارة من معنى القول، ولهذا استثنى الرمز من التكلم في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وفيه دليل على أن مثل هذه الإشارة جائزة في الصلاة، وقد وقعت في غيره من الأحاديث في الإشارة للسلام باليد والرأس، وجاء في بعض الروايات أن الإشارة المفهمة مفسدة للصلاة، وهذا الحديث يدل على خلاف ذلك.
وقوله: (إنها ليست بنجس) الرواية المشهورة المقروءة بكسر الجيم، وقد يفتح،
стр. 823
٤٨٤ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [١/ ٧٧].
٤٨٥ - [١٢] وَعَنْ أُمِّ هَانِئ قَالَتْ: اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ وَمَيْمُونَةُ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ٢٤٠، جه: ٣٧٨].
ــ
وقد سبق بيانه.
٤٨٤ - [١١] (جابر ﵁) قوله: (بما أفضلت) أي: أبقته من فضله، وكلمة (ما) في الموضعين موصولة وقد يمد، قال التُّورِبِشْتِي (١): ولا أراه إلا تصحيفًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وبما أفضلت السباع كلها) يدل على أن سؤر السباع طاهر كما هو مذهب الشافعي رحمة اللَّه عليه، وعندنا هو نجس؛ لأن لعابه متولد من لحمه النجس فيكون نجسًا، وهو مذهب أحمد رحمة اللَّه عليه مع ما فيه من اختلاف في روايات عند أصحابه، والأحاديث التي تدل على طهارتها متكلم فيها، ولو سلم فالمراد به الغُدْرَان العظام، وأيضًا هو يقتضي طهارة سؤر الكلب وهو لا يقول به، كذا قال الشُّمُنِّي، ونقل عن (المحيط) (٢) عن (نوازل أبي الليث): إذا أخذ الكلب عضو إنسان أو ثيابه إن كان في حال الغضب لا يجب غسله، وإن كان حال المزاح يجب لأنه حال الغضب يأخذ بالأسنان لا غير ولا رطوبة فيها، وحال المزاح يأخذ بالشفتين وهما رطبتان.
٤٨٥ - [١٢] (أم هانئ) قوله: (فيها أثر العجين) لعله لم يكن مغيرًا للماء عن
стр. 824
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٨٦ - [١٣] عَن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ خَرَجَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حَتَّى وَرَدُوا حَوْضًا، فَقَالَ عَمْرٌو: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ هَلْ تَرِدُ حَوْضَكَ السِّبَاعُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٤٣].
٤٨٧ - [١٤] وَزَاد رزين قَالَ: زَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي قَوْلِ عُمَرَ: وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَهَا مَا أَخَذَتْ فِي بُطُونِهَا، وَمَا بَقِي فَهُوَ لَنَا طَهُورٌ وَشَرَابٌ".
٤٨٨ - [١٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْحُمُرُ عَنِ الطُّهْرِ مِنْهَا،
ــ
طبعه كذا قال الطيبي (١)، وعندنا إن غير شيء طاهر أحد أوصاف الماء جاز إلا أن يخرجه عن طبعه من السيلان.
الفصل الثالث
٤٨٦ - ٤٨٧ - [١٣ - ١٤] (يحيى بن عبد الرحمن، رزين) قوله: (لا تخبرنا) قال الطيبي (٢): معناه إخبارك وعدمه سواء عندنا وحمل على ذلك بدلالة فوله: (فإنا نرد على السباع وترد علينا) يعني لا بأس به، وقد ينبادر إلى الذهن من قوله: (لا تخبرنا) إنا نقع في الشك بإخبارك فلا تخبر لنعمل على ظاهر الحال من عدم وجود النجاسة فيه، فافهم.
٤٨٨ - [١٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عن الطهر منها) بدل اشتمال عن
стр. 825
فَقَالَ: "لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٥١٩].
٤٨٩ - [١٦] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ فَإِنَّهُ يُورِثُ البَرْصَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ١/ ٣٩].
* * *
ــ
الحياض أي: عن حصول الطهر منها، وقال الطيبي (١): المراد بالطهر التطهير.
وقوله: (ولنا ما غبر) أي: بقي، في (القاموس (٢)) غبر: مكث وذهب ضدٌّ.
٤٨٩ - [١٦] (عمر بن الخطاب) قوله: (لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص) لعل المراد الاعتياد على ذلك أو عند عدم ما يعارضه أو يمنعه كما في بعض الأطعمة التي منع منه الأطباء وحذروا منه، ثم قالوا: لم يصخ عن النبي ﷺ في ذلك شيء، وقال في (تنزيه الشريعة) (٣): حديث عائشة ﵂: أسخنت لرسول اللَّه ﷺ ماء في الشمس فقال: (لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص)، رواه أبو نعيم في (الطب)، وفيه خالد، والدارقطني في (الأفراد) وفيه الهيثم، وفي (السنن) وفيه عمرو، وابن حبان وفيه وهب بن وهب، وجاء من حديث أنس ﵁: (لا تغتسلوا بالماء الذي يسخن بالشمس فإن يعدي من البرص)، رواه العقيلي من طريق سوادة (٤)، وقال: مجهول حديثه غير محفوظ، وليس في الماء المشمس شيء يصحّ سندًا، إنما يروى فيه شيء
стр. 826
٨ - باب تطهير النجاسات
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٩٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٢، م: ٢٧٩].
ــ
من قول عمر ﵁، وتعقب بأن الحديث وإن كان واهيًا من جميع طرقه فقول عمر شاهد له، وقد أخرج الشافعي قول عمر بسند رجاله ثقات إلا إبراهيم فإنه مختلف فيه، وشيخه صدقة ضعيف، وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى حسنها المنذري وغيره، واللَّه أعلم.
ثم قد وقع فيما أورد المؤلف التخصيص بالاغتسال، ذلك إما بطريق العادة أو لخاصيَّة له في ذلك، ولكن قال صاحب (سفر السعادة): إن في استعمال الماء المشمس لم يصحّ شيء من النبي ﷺ ، وهذه العبارة مما يشتمل الغسل والوضوء أو غيرهما، واللَّه أعلم.
٨ - باب تطهير النجاسات
النجاسة ضد الطهارة، وجاء نجس ينجس من باب سمع وكرم، وقال في (القاموس) (١): النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك وككتف وعضد ضد الطاهر انتهى. وفي اصطلاح الفقهاء: النجس بفتح الجيم يقع بمعنى عين النجاسة، وبكسرها بمعنى ما لا يكون طاهرًا أعم من أن يكون عين النجاسة أو شيئًا اتصل به النجاسة، وإنما أورد المؤلف بلفظ الجمع إرادة لأنواعها المختلف حكمها.
الفصل الأول
٤٩٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إذا ولغ الكلب) ولغ الكلب يلَغ بفتح اللام
стр. 827
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيهما، وحكى ابن الأعرابي كسرها في الماضي إذا شرب ما في الإناء بطرف لسانه، وفي (القاموس) (١): ولغ الكلب في الإناء وفي الشراب، ومنه، وبه، يَلَغُ كَيَهَبُ وكوَرِث، وَلْغًا ويُضَمّ، ووُلُوغًا ووَلَغَانًا محركة: شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحرّكه، خاصٌّ بالسِّباع، ومن الطير بالذباب.
اعلم أن غسل الإناء سبعًا إذا ولغ الكلب فيه مذهب أكثر المحدثين ومذهب الأئمة الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة ﵁، لكن عند مالك الغسل عند الولوغ تعبدي؛ لأن الكلب طاهر عنده، وقد يحكى عنه أربعة أقوال: طهارته، ونجاسته، وطهارة سؤر المأذون اتخاذه، والفرق بين البدوي والحضري، وهذا الحديث دليل على نجاسته؛ لأن الطهور إنما يكون عن خبث أو حدث ولا حدث، وحجته ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ولا يؤمر بغسل ما أصاب فمه، وجوابه أنه ساكت، ودل الحديث على الغسل فيجمع، ولو سلم فعفي ذا للمشقة في الصيد، واحتج بالأمر بالسبع ولو كان نجسًا لاكتفى بالواحد.
والطاهر يغتسل تعبدًا متكررًا كالوضوء، واعترض بأنه لو كان طاهرًا لم يجب التكرار كالوضوء، ثم إنه قد ذكر التتريب والتعفير مع الغسل فجاء في رواية مسلم: أولاهن بالتراب، وفي رواية أبي داود: والسابعة، وفي الترمذي: أولاهن أو أخراهن، وفي رواية عند البزار: إحداهن، وعن أحمد رحمة اللَّه عليه يجب الغسل ثمانيًا لما روى عبد اللَّه بن مغفل قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب)، رواه مسلم (٢) وغيره.
стр. 828
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ".
٤٩١ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ. . . . .
ــ
ثم المذكور في الحديث ولوغ الكلب في الإناء فجعل الخنزير في حكمه بطريق الأولى، وقيس عليه البول وغيره من النجاسات، وغير الإناء من الثياب والفرش والأرض على الإناء، والأشنان ونحوه على التراب، وقيل: بالاقتصار على مورد النص تعبدًا، وحكم في غيره، إما بتثليث الغسل لحديث (١): (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا)، أو بالغسل من غير اعتبار عدد؛ لأن النبي ﷺ أمر أسماء بغسل دم الحيض ولم يأمرها بعدد، وأمر أن يصب على بول الأعرابي ذنوب من ماء ولم يأمر بعدد، والكل مروي عن الإمام أحمد بن حنبل رحمة اللَّه عليه، ولا أدري ماذا قال أصحابنا عن أبي حنيفة ﵁ في ترك العمل بالحديث المذكور، أما أنا فنقول: كان ذلك احتياطًا لا وجوبًا، والدلائل دالة على خلاف ذلك، فيكون حكمه كحكم سائر النجاسات، أو كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ، واللَّه أعلم.
٤٩١ - [٢] (عنه) قوله: (قام أعرابي) العرب خلاف العجم وكلاهما بضم وسكون وبفتحتين، في (القاموس) (٢): وهم سكان الأمصار أو عام، والأعراب منهم سكان البادية لا واحد له، انتهى. والنسبة إلى الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له، وليس الأعراب جمعًا للعرب، وفي بعض الشروح نقلًا عن الشيخ قال: الأعراب جمع
стр. 829
فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ. . . . .
ــ
الأعرابي وهو من سكن البادية عربًا كانوا أو عجمًا، هذا وظاهر عبارة (القاموس) تدل على أنهم مخصوصون بالعرب.
ثم اختلف في اسم ذلك الأعرابي فقيل: اسمه ذو الخويصرة اليمامي، وكان رجلًا جافيًا، وفي الترمذي أنه صلى ثم قال: اللهم ارحمني وارحم محمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له النبي ﷺ : (لقد تحجرت واسعًا) فلم يلبث أن بال في المسجد، وقيل: الأقرع بن حابس التميمي.
وقوله: (فتناوله الناس) أي: بألسنتهم لا بأيديهم، كذا في (مجمع البحار) (١)، وقد وقع عند البيهقي والنسائي بلفظ: فصاح الناس، كذا في بعض الشروح، وكما يأتي في الحديث الآتي قالوا: مه مه، وللبخاري في (الأدب): فسار إليه الناس، وله في رواية عن أنس: فقاموا إليه، وفي رواية: فزجره الناس، وللإسماعيلي: فأراد أصحابه أن يمنعوه، ومنه حديث: كأن معاذًا تناول منه، أي قال: إنه منافق.
وقوله: (وهريقوا) أصله أريقوا فأبدلت الهمزة هاء، وقد سبق (٢) تحقيقه في آخر الفصل الثالث من (كتاب الإيمان).
وقوله: (سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء) في (القاموس) (٣): السجل -بفتح السين-: الدلو العظيمة مملوءة مذكر، وملء الدلو، والذنوب -بالفتح-: الدلو أو فيها ماء أو الملء أو دون الملء، وإنما قال: (من ماء) مع أن السجل والذنوب من
стр. 830
فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٠].
ــ
شأنها ذلك؛ لأنه اسم مشترك بينه وبين الفرس الطويل وغيرهما، كذا قال الشيخ، وقال الكرماني (١): لفظة (من) زيادة وردت تأكيدًا، وفي (الأزهار): للتبيين ليخرج عنه غيره من المائعات، وهذا هو الصحيح، كذا في بعض الشروح، وفي الوجه الأول من هذه الوجوه نظر؛ لأن المقام يكفي قرينة على عدم إرادة معنى الفرس وغيره، كما لا يخفى، وكلمة (أو) على الترادف للشك من الراوي، وعلى الفرق يحتمل التخيير.
وقوله: (فإنما بعثتم ميسرين) على صيغة اسم الفاعل وكذلك (لم تبعثوا معسرين)، ومعنى (بعثتم) أخرجتم من قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أو وصفوا بوصف متبوعهم وهو الرسول ﷺ ، أو هذه العبارة كناية عن وصفه ﷺ نفسه بهذا الوصف، كما يقول المتبوع لأتباعه: أنتم كذا وأنتم كذا يصفهم بأوصافه ومراده وصف نفسه بها، فافهم.
واعلم أن الحديث يدل بظاهره على أن الأرض تطهر بصب الماء إذا ورد على النجاسة على سبيل المكاثرة والغلبة، وعلى أن غسالة النجاسة طاهرة، وإن اندفعت إلى موضع آخر من أرض أو بدن أو ثوب أو خرجت من الحصير إلى الأرض، واختلف فيه على أقوال، ثالثها: إن انفصلت وقد طهر المحل فطاهرة وإلا فنجسة، وإن انفصلت متغيرًا لونها أو ريحها يتنجس إجماعًا، كذا في (مجمع البحار) (٢).
وقال الطيبي (٣): فيه دلالة على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة لا تطهر بالجفاف، ولا يجب حفر الأرض ولا نقل التراب إذا صب عليه الماء، والحفر والنقل واجب عند
стр. 831
٤٩٢ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَهْ مَهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ" فترَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: "إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَالقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ" أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ،
ــ
أبي حنيفة ﵁، وأن الشمس إذا جفتها طهرت عنده، انتهى.
وما فزت في هذا الحديث من كلام أصحابنا جوابا عن هذا الكلام، وأقول -وباللَّه التوفيق-: إنه لم يدل الحديث على أنهم صلوا في ذلك المكان قبل الجفاف، فلعله إنما أمر بصب الماء تقليلًا لتغليظ النجاسة ورائحة البول ولونه بمبالغة الماء ولم يكتف في التطهير به، بل هو حصل بالجفاف، والحديث عن ذلك ساكت، واللَّه أعلم.
٤٩٢ - [٣] (أنس) قوله: (لا تزرموه) بتقديم الزاي على الراء من باب الإفعال، يقال: زرم دمعه وكلامه وبوله: انقطع، وأزرمه قطع عليه بوله، ومنه حديث: (بال الحسن فأخذ من حجره ﷺ فقال: لا تزرموا ابني)، والحكمة في النهي عن إزرام الأعرابي أنه يتضرر، والمسجد قد يتنجس ويتنجس ثيابه ومواضع كثيرة من المسجد، وفيه غاية الشفقة والرحمة والحلم والكرم منه ﷺ ، ولهذا منعه ونصحه بما فيه غاية اللين والشفقة، واسم الإشارة في (هذه المساجد) لكمال التميز والتعظيم، وفي (هذا البول) للتحقير.
وقوله: (أو كما قال رسول اللَّه ﷺ ) هذا كلمة تقال عند الشك في لفظه والنقل بالمعنى ﷺ ، أي قال هذا القول أو قولًا يشابهه.
стр. 832
قَالَ: وَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَسَنَّهُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٢٥، م: ٢٨٥].
٤٩٣ - [٤] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: سَأَلَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ،
ــ
وقوله: (قال: وأمر) أي: قال الراوي: وأمر رسول اللَّه ﷺ (رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فسنّه عليه) أي: أمر رجلًا أن يجيء بدلو من ماء ويسنّه على البول، فجاء بدلو فسنّه، فاختصر في العبارة، ومثله كثير في الأحاديث، ويكون المأمور به هو مدخول الفاء، والسن: الصب، في (القاموس) (١): سن الماء: صبه، ذكره في فصل السين المهملة، وكذا في الشين المعجمة شن الماء على التراب: فرقه، انتهى. فالسن بالمهملة الصب مطلقًا أو الصب بدون التفريق، وبالمعجمة مع التفريق.
٤٩٣ - [٤] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (من الحيضة) بالكسر للحالة وبالفتح للمرة، وقد سبق (٢) في حديث بئر بضاعة.
وقوله: (فلتقرصه) بضم الراء من نصر، والقرص بالصاد المهملة أخذك لحم إنسان بأصبعيك حتى تؤلمه، والقطع، كذا في (القاموس) (٣)، والمراد ههنا دلك الدم بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه، وهو أبلغ من غسله بجميع اليد، كذا
стр. 833
ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٧، م: ٢٩١].
٤٩٤ - [٥] وَعَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِيه ثَوْبِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [خ: ٢٣، م: ٢٨٩].
ــ
في (النهاية) (١)، وقد جاء قرِّصيه بالتشديد بمعنى قَطِّعيه، يقال: قرصت الدم من الثوب بالماء كأنها تقصد إليه من سائر الثوب فتغسله فكأنه قطع، والرواية في الحديث من القرص دون التقريص كذا قيل، وقال في (المشارق) (٢): روينا بالتثقيل وبالتخفيف.
وقوله: (ثم لتنصحه) ضبطوه بكسر الضاد وفتحها، وجعله في (الصراح) (٣) من ضرب يضرب، والنضح الرش، ويراد به الغسل في كثير من الدم، وفي رواية البخاري: (فتغسله وتنصح على سائره)، يعنى تغسل موضع الدم وتنضح سائره، فالمراد منه الرش، قالوا: إنما تفعل ذلك لتطيب نفسها ودفعًا للوسوسة.
وقوله: (ثم لتصل فيه) أي: إن شاء صلّت في ذلك الثوب قبل أن ييبس كما فى الحديث الآتي: (فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه).
٤٩٤ - [٥] (سليمان بن يسار) قوله: (فقالت: أغسله) فيه دليل أن المني نجس كما هو مذهبنا ومذهب مالك، ورواية من أحمد، وعند الشافعي والمشهور من مذهب أحمد أنه طاهر، ودليلهم أنه أصل أولياء اللَّه تعالى فكيف نقول: إنه
стр. 834
٤٩٥ - [٦] وَعَنِ الأَسْوَدِ وَهَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٨].
٤٩٦ - [٧] وَبِرِوَايَةِ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ وَفِيهِ: ثمَّ يُصَلِّي فِيهِ. [م: ٢٨٨].
ــ
نجس؟ ، وما روى الدارقطني والطبراني (١) عن ابن عباس ﵄ ما قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب، فقال: (إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة).
ولنا أحاديث وردت في غسله رطبًا أو فركه يابسًا، وضمه مع الأشياء النجسة في قوله ﷺ : (إنما يغسل الثوب من خمس: البول والغائط والدم والمني والقيء) على ما رواه في (الهداية) (٢)، وأجيب عن قولهم بأنه أصل أولياء اللَّه بأنه لا استبعاد في تكون الطاهر من النجس كاللبن من الدم، وأيضًا خلقوا من العلقة، والدم نجس بالاتفاق، وما ذكروه معارض بأنه أصل أعداء اللَّه فينبغي أن يكون نجسًا كذا ذكروا.
٤٩٥ - ٤٩٦ - [٦ - ٧] (الأسود، وهمام، وعلقمة) قوله: (كنت أفرك) فرك الثوب يَفْرُكُه: دلكه، من نصر، وذلك لشدة البلوى، فلا يدل على الطهارة لأحاديث وردت في الغسل، لا يقال: لعل ذلك للنظافة لا للنجاسة، قلنا: بل الظاهر خلاف ذلك، ويدل على ذلك ضمه مع الأشياء النجسة كما ذكرنا، والمراد اليابس من المني، وعن أبي حنيفة ﵁: أن البدن لا يطهر من المني بالفرك، لأن البدن لا يمكن فركه، وعن الفضلي (٣): أن مني المرأة لا يطهر بالفرك لرقته، كذا قال الشُّمُنِّي.
стр. 835
٤٩٧ - [٨] وَعَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ: أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٣، م: ٢٨٧].
ــ
٤٩٧ - [٨] (أم قيس بنت محصن) قوله: (فنضحه ولم يغسله) ظاهره أنه اكتفى برش الماء من غير أن يغسله، وقال الطيبي (١): المراد بالنضح رش الماء بحيث يصل إلى جميع موارد البول من غير جري، وفي (مجمع البحار) (٢) عن النووي: حقيقة النضح بإهمال حاء: أن يغمر بحيث لو عصر لا يعصر، وقيل: أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتقاطره، والمشهور أنه يكفي في بوله لا في بولها، وقيل: يكفي فيهما، وقيل: لا فيهما، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما اللَّه، وعن الكرماني عند مالك والحنفية النضح بمعنى الغسل كثير معروف، انتهى. فإذا أريد بالنضح ههنا الغسل فالمراد بقوله: لم يغسله، أي: لم يبالغ في غسله.
قال التُّورِبِشْتِي (٣): لم يرد أنه لم يغسل وإنما أراد به التفريق بين الغسلين ألبتة على أنه غسل دون غسل، فعبر عن أحدهما بالغسل وعن الآخر بالنضح، واعلم أن المشهور من مذهب الشافعي وأحمد أنه يكفي في بول الطفل الذي لا يطعم ولا يشرب إلا اللبن الرشُّ بالماء، ويتعين في بول الصبية الغسل لورود النضح في بول الصبي دون الصبية، وليس ذلك لأجل أن بول الصبي ليس بنجس، ولكنه من أجل التخفيف، قال الطيبي (٤): وهو الصواب، وقال: الفرق أن بول الصبية بسبب استيلاء الرطوبة
стр. 836
٤٩٨ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٦٦].
ــ
والبرودة على مزاجها يكون أغلظ وأنتن، فتفتقر إزالتها إلى مزيد مبالغة بخلاف الصبي، وقيل: لأن بول الغلام يكون في موضع واحد مخرجه، وبول الجارية متفوق في مواضع لسعة مخرجها، ولا يخفى ما في هذه الوجوه من خفاء.
والأوجه ما قيل: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقة، ونقل الشُّمُنِّي عن الطحاوي أنه قال: النضح الوارد في بول الصبي المراد به الصب، لما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: أتي رسول اللَّه ﷺ بصبي فبال عليه، فقال: (صُبّوا عليه الماء صبًّا)، قال: من أن حكم بول الغلام الغسل إلا أنه يجزئ فيه الصب، وحكم بول الجارية أيضًا الغسل إلا أنه لا يكفي فيه الصب، ويفهم من هذا الكلام أن الصب غير النضح وهو كذلك، فإن النضح إيصال الماء في مواضع البول من غير جريان الماء عليه، وفي الصب جريان، كذا في (المفاتيح) (١).
٤٩٨ - [٩] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) الإهاب الجلد أو ما لم يدبغ، كذا في (القاموس) (٢)، وقال الشُّمُنِّي: الإهاب الجلد قبل الدباغ، وأما بعده فيسمى أديمًا، واشتقاقه من الأهبة بالضم بمعنى العدة، والدبغ والدباغ إصلاح الجلد بما يمنع النتن والفساد كالقرظ والعفص والتشميس والإبقاء في الحر لا بمجرد التجفيف، دبغ الإهاب كنصر ومنع وضرب ودبغًا ودباغة بكسرهما
стр. 837
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فاندبغ، والدباغ والدبغ والدبغة مكسورات: ما يدبغ به، والدباغة حرفته، ومسك دبيغ ومدبوغ، والمدبغة موضعه ويضم باؤه.
وطهارة الجلد بالدبغ وإن كان جلد ميتة أو غير مأكول متفق عليها في مذاهب الأئمة الأربعة غير أن لأئمة مذهب أحمد ﵀ كلامًا في طهارة جلد الميتة، فبعضهم تكلموا في صحة الأحاديث الواردة في هذا الباب، وبعضهم التزموا صحتها، ومنعوا تخصيص عام القرآن بالسنة، وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] والجلد جزء منها، والمقصود تحريم الفعل المقصود من كل جزء منها، والمقصود من الجلد الانتفاع به، كما أن المقصود من اللحم الأكل، وأوردوا أحاديث دالة على النهي عن الانتفاع بالميتة بإهاب ولا عصب، منه حديث عبد اللَّه بن حكيم قال: (أتانا كتاب رسول اللَّه: أن لا تنتفعوا بإهاب ولا عصب)، وسيجيء هذا الحديث في الكتاب [برقم: ٥٠٨] برواية الترمذي والنسائي وابن ماجه، ومنعوا تخصيص الإهاب اسمًا للجلد قبل الدباغ، ويحكى عن صالح بن أحمد أنه قال: ليس عندي في الدباغ حديث صحيح، ورووا حديثًا للدارقطني أنه قال: (كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)، وهو مشعر بنهي بعد رخصة، وأن ما كان من الرخصة كان أولًا، هذا والحق أن أحاديث الدباغ صحيحة مشهورة تجوز بمثلها الزيادة على الكتاب، أو أن الكتاب مجمل لا عام فبينته السنة، ولهذا ذهب المحققون من الحنابلة بالطهارة، وأحاديث المخالفين ضعيفة.
ثم قد استثني من الإهاب جلد الخنزير لكونه حرامًا لعينه، وجلد الآدمي لكرامته، وفي الكلب اختلاف ذكر في الفقه، وعثد محمد الفيل كالخنزير، وعندهما ينتفع به، وقد نقل عن ناس من السلف أنهم كانوا يمتشطون بعظم الموتى نحو الفيل
стр. 838
٤٩٩ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ " فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: "إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٩٢، م: ٣٦٣].
٥٠٠ - [١١] وَعَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا،
ــ
وغيره ويدهنون بها، لا يرون به بأسًا، ذكره البخاري في ترجمة باب عن الزهري، وقالوا: لا بأس بتجارة العاج، وروى البيهقي (١) من حديث أنس: أن النبي ﷺ كان يمتشط بمشط من عاج، وروي أنه اشترى لفاطمة ﵂ سوارين من عاج، والمشهور أن العاج هو أنياب الفيل، ولا يسمى غير الأنياب عاجًا، وقد قال بعض المحدثين: إن العاج هو الذبل وهو عظم السلحفاة البحرية أو حيوان آخر بحري وليس أنياب الفيل، واللَّه أعلم.
٤٩٩ - [١٠] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (إنما حرم) من الحرمة أو التحريم، وهذا بيان لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إن كان مجملًا أو تخصيص له إن كان عامًّا.
٥٠٠ - [١١] (سودة) قوله: (ماتت لنا شاة) الظاهر بحسب المعنى أن (لنا) حال من (شاة) قدم عليه لكونه نكرة، ويجوز أن يتعلق بـ (ماتت)، والإتيان باللام لانتفاعهم بموته بدبغ مسكها والانتباذ فيه، فافهم.
وقوله: (فدبغنا مسكها) المسك بالفتح الجلد أو خاص بالسخلة، كذا
стр. 839
ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٨٦].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٠١ - [١٢] عَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَال عَلَى ثَوْبِهِ، فَقُلْتُ: الْبَسْ ثَوْبًا، وَأَعْطِنِي إِزَارَكَ حَتَّى أَغْسِلَهُ، قَالَ: "إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأُنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٦/ ٣٣٩، ٣٤٠، د: ٣٧٥، جه: ٥٢٢].
٥٠٢ - [١٣] وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي السَّمْحِ قَالَ: "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ". [د: ٣٧٦، ن: ٣٠٤].
ــ
في (القاموس) (١).
وقوله: (ننبذ فيه) أي: نعمل نبيذًا في سقاء عملناه من مسكه.
وقوله: (حتى صار شنًا) بفتح الشين المعجمة أي: خلقًا باليًا، والشن والشنة: القربة البالية، وفي (القاموس) (٢): القربة الخلقة الصغيرة.
الفصل الثاني
٥٠١ - ٥٠٢ - [١٢ - ١٣] (لبابة بنت الحارث وأبو السمح) قوله: (قال: إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر) قد مرّ الكلام فيه، و (أبي السمح) بفتح السين وسكون الميم مولى رسول اللَّه ﷺ ، له حديث واحد، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.
стр. 840
٥٠٣ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الأَذَى فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ. [د: ٣٨٥، جه: ٥٣٢].
ــ
٥٠٣ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى) في (القاموس) (١): أذي به بالكسر أذًى وتأذّى، والاسم الأذِيَّةُ والأذاةُ: وهي المَكْرُوهُ اليسيرُ، والأَذِيُّ: الشديدُ التَّأَذِّي، انتهى. وقال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]: أي الحيض شيء مستقذر مؤذ من يقربه نفرة منه (٢).
وقوله: (فإن التراب له طهور) اختلف في تأويله، فحمله بعضهم على نجاسة يابسة تشبث شيء منها بالنعل فدلكه بالأرض، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه اللَّه تعالى، فإن الرطب لا يزول بالدلك فيشترط الجفاف، وبعضهم حملوه على مطلق النجاسة رطبة كانت أو يابسة وقالوا: جاء الأمر على اليسر ورفع الحرج، وذلك قول أبي يوسف والشافعي في القديم وعليه الأكثر، وفي (النهاية) (٣) شرح (الهداية): وعليه الفتوى، وكذا قال الشُّمُنِّي، وقال محمد: لا يطهر الخف من غير المني الجاف إلا بالغسل، والكل في نجس ذي جرم سواء كان جرمه منه كالدم والعذرة أو من غيره كالبول المخلوط بالتراب، وأما غير ذي جرم فالغسل واجب، لأن أجزاء النجاسة تتشرب في الخف، فلا تخرج منه إلا بالغسل، بخلاف ذي الجرم فإنه يجذب ما في الخف من الأجزاء النجسة بجرمه إذا جف.
стр. 841
٥٠٤ - [١٥] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ: إِنِّي امْرَأةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي،
ــ
وقد ذكر التُّورِبِشْتِي (١) تأويلًا آخر للحديث وهو أن يقال: معنى قوله: (فإن التراب له طهور) هو أن المتنعل إذا وطئ القذر ثم زال أثرها بالتراب، فله أن يطأ بها أرض المسجد، ويمسحها بيده، ويصيبها بثوبه، ويكون استعمال الطهور فيها على سبيل الاتساع والمجاز والتعارف بين الناس، انتهى. يعني ليس المراد الطهارة في حق جواز الصلاة وتحقق شرطها بل المراد الطهارة في حق دخول المسجد ووطء أرضه فإن الطهارة يستحب له، وهذا التأويل بعيد خلاف الظاهر، واللَّه أعلم.
٥٠٤ - [١٥] (أم سلمة) قوله: (إني أطيل ذيلي) لا بدّ من حمله على أن السؤال إنما صدر فيما جرّ الذيل على ما كان يابسًا من القذر مما تشبث منه؛ لأن الإجماع منعقد على أن الثوب إذا أصابته نجاسة لا يطهر إلا بالغسل بخلاف النعلين والخفين، فإن جماعة من التابعين ذهبوا إلى أن ذلك يطهره وإن كانت النجاسة رطبة، كما ذكرنا في قول أبي يوسف، مع أن حديث أم سلمة مطعون؛ لأن من ترويه أم ولد لإبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف، وهي مجهولة (٢) كما قال التُّورِبِشْتِي (٣).
стр. 842
وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَا: الْمَرْأَةُ أُمُّ وَلَدٍ لإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. [ط: ٤٢، حم: ٦/ ٢٩٠، ت: ١٤٣، د: ٣٨٣، دي: ٢/ ٣٨٥].
٥٠٥ - [١٦] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤١٣١، ن: ٤٢٥٥].
٥٠٦ - [١٧] وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ: أَنْ تُفْتَرَشَ. [حم: ٥/ ٧٤ - ٧٥، د: ٤١٣٢، ن: ٤٢٥٣، ت: ١٧٧، دي: ٤/ ٣٤٧].
ــ
٥٠٥ - [١٦] (مقدام بن معدي كرب) قوله: (نهى رسول اللَّه ﷺ عن لبس جلود السباع) مثل الأسد والنمر ونحوهما كما هو العادة (والركوب عليها) أي: الجلوس والافتراش كما جاء في حديث أبي المليح، أو المراد إلقاؤها على السرج مثلًا عند الركوب، وإنما نهى عنه لأن ذلك من سير الجبابرة ودأب المتكبرين والمترفين، فالنهي للتنزيه، وأما من يذهب إلى نجاسة شعور الميتة وأن الشعر لا يطهر بالدباغ أو يذهب إلى أن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ فالنهي عنده للتحريم.
٥٠٦ - [١٧] (أبو المليح بن أسامة) قوله: (عن أبي المليح) بفتح الميم وكسر اللام.
وقوله: (نهى عن جلود السباع) أي: عن لبسها وافتراشها، وعلى رواية الترمذي
стр. 843
٥٠٧ - [١٨] وَعَنْ أَبِي الْمَلِيح: أَنَّهُ كَرِهَ ثَمَنَ جُلُودِ السِّبَاعِ. رَوَاهُ [التِّرْمِذِيُّ فِي اللِّبَاسِ مِنْ جَامِعِهِ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ]. [ت: ١٧٧].
٥٠٨ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٧٢٩، د: ٤١٢٧، ٤١٢٨، ن: ٤٢٣٩، جه: ٣٦١٣].
ــ
والدارمي خص الافتراش، والوجه ما ذكروا، وذكر سيدي الشيخ الإمام علي المتقي في بعض رسائله في الآداب أن افتراشه يورث الوحشة والتفرقة، واللَّه أعلم.
٥٠٧ - [١٨] (أبو المليح بن أسامة) قوله: (أنه) أي: أبا المليح (كره ثمن جلود السباع) وهذا مذهب لأبي المليح لكون استعمالها منهيًا عنه كما في بيع آلات الملاهي، وفي نسخة الأصل ههنا بياض، وكتب في الحاشية: في بعض النسخ: رواه الترمذي في (كتاب اللباس) وسنده جيد، وفي بعضها: رواه الترمذي بلفظ: كره جلود السباع.
٥٠٨ - [١٩] (عبد اللَّه بن عكيم) قوله: (ابن عكيم) بالمهملة والتحتانية بلفظ التصغير.
وقوله: (أتانا كتاب رسول اللَّه ﷺ : أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) وهذا هو المتمسك لبعض العلماء من أصحاب الحديث في القول بنجاسة جلد الميتة دبغ أو لم يدبغ، كما ذكرنا من مختار بعض الأئمة من مذهب أحمد ﵀ قالوا: قال عبد اللَّه بن عكيم: أتانا كتاب رسول اللَّه ﷺ : أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، وفي رواية أبي داود: قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا، وفي رواية للترمذي: بشهرين، رواه الخمسة وحسنه الترمذي، كذا في شرح (كتاب الخرقي) (١).
стр. 844
٥٠٩ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ١٠٦٤، د: ٤١٢٤].
٥١٠ - [٢١] وَعَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
وقال التُّورِبِشْتِي (١): الجمهور من العلماء على خلاف ذلك لا يرون القول بحديث ابن عكيم؛ لأنه لا يقاوم الأحاديث التي وردت في هذا الباب صحةً واشتهارًا، قالوا: كان أحمد بن حنبل ﵀ يقول بحديث ابن عكيم لما ذكر قبل وفاته بشهرين ويقول: هذا آخر الأمر من رسول اللَّه ﷺ ، ثم تركه للاضطراب في إسناده، حيث روى بعضهم عن عبد اللَّه بن عكيم عن أشياخ من جهته، وقال الشُّمُنِّي: إن النووي أعلّه في (الخلاصة) بثلاثة أمور، الأول: اضطراب سنده، والثاني: اضطراب متنه، روي قبل موته بثلاثة أيام، وروي بشهرين، وروي بأربعين يومًا، والثالث: بالاختلاف في صحبته، قال البيهقي وغيره: لا صحبة له، انتهى. وقال الشيخ في (التقريب) (٢): عبد اللَّه بن عكيم بالتصغير الجهني أبو معبد الكوفي، مخضرم، من الثالثة، وقد سمع كتاب رسول اللَّه ﷺ إلى جهينة، فظهر أنه تابعي مخضرم وهو من أدرك زمن الجاهلية والإسلام.
٥٠٩ - [٢٠] (عائشة ﵂) قوله: (أمر أن يستمتع بجلود الميتة) الظاهر أن الأمر ههنا للإباحة بمعنى أذن وأباح، ويحتمل أن يكون للندب حذرًا عن الضياع والإسراف.
٥١٠ - [٢١] (ميمونة) قوله: (شاة لهم مثل الحمار) لكونها ميتة منتفخة،
стр. 845
"لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا" قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦/ ٣٣٤، د: ٤١٢٦].
٥١١ - [٢٢] وَعَنْ سَلمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ فِي غَزْوَة تبوكَ عَلَى بَيْتٍ، فَإِذَا قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَسَأَلَ الْمَاءَ، فَقَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: "دِبَاغُهَا طَهُورُهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٣/ ٤٧٦، ٥/ ٦، د: ٤١٢٥].
ــ
ويحتمل أن يكون الشبه في العظم والسمن.
وقوله: (لو أخذتم إهابها) كلمة (لو) إما للتمني أو للشرط والجواب محذوف، أي: لكان حسنًا، وذكر الوجهين في (لو) شائع ذائع.
وقوله: (يطهرهما الماء والقرظ) المراد الماء المخلوط مع القرظ في الدباغة لا أنه يطهره بالماء وحده، والقرظ بفتحتين.
٥١١ - [٢٢] (سلمة بن المحبق) قوله: (سلمة) وقيل: سلمة بن ربيعة (بن المحبق) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة مكسورة ومفتوحة والفتح أشيع عند المحدثين، وفي (القاموس) (١): سلمة بن المحبق بكسر الباء كمحدث صحابي، و (تبوك) بفتح التاء اسم موضع مشهور على أربعة عشر مرحلة من المدينة بين الشام ووادي القرى، يصرف ولا يصرف، وكانت غزوة تبوك في التاسع من الهجرة، وهي آخر غزواته ﷺ .
وقوله: (إنها ميتة) أي: القربة من جلد ميتة دبغ.
وقوله: (دباغها طهورها) بفتح الطاء، أي: مطهرها، ويجوز الضم أي: