٥٠٤ - [١٥] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ: إِنِّي امْرَأةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي،
ــ
وقد ذكر التُّورِبِشْتِي (١) تأويلًا آخر للحديث وهو أن يقال: معنى قوله: (فإن التراب له طهور) هو أن المتنعل إذا وطئ القذر ثم زال أثرها بالتراب، فله أن يطأ بها أرض المسجد، ويمسحها بيده، ويصيبها بثوبه، ويكون استعمال الطهور فيها على سبيل الاتساع والمجاز والتعارف بين الناس، انتهى. يعني ليس المراد الطهارة في حق جواز الصلاة وتحقق شرطها بل المراد الطهارة في حق دخول المسجد ووطء أرضه فإن الطهارة يستحب له، وهذا التأويل بعيد خلاف الظاهر، واللَّه أعلم.
٥٠٤ - [١٥] (أم سلمة) قوله: (إني أطيل ذيلي) لا بدّ من حمله على أن السؤال إنما صدر فيما جرّ الذيل على ما كان يابسًا من القذر مما تشبث منه؛ لأن الإجماع منعقد على أن الثوب إذا أصابته نجاسة لا يطهر إلا بالغسل بخلاف النعلين والخفين، فإن جماعة من التابعين ذهبوا إلى أن ذلك يطهره وإن كانت النجاسة رطبة، كما ذكرنا في قول أبي يوسف، مع أن حديث أم سلمة مطعون؛ لأن من ترويه أم ولد لإبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف، وهي مجهولة (٢) كما قال التُّورِبِشْتِي (٣).
стр. 842
وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَا: الْمَرْأَةُ أُمُّ وَلَدٍ لإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. [ط: ٤٢، حم: ٦/ ٢٩٠، ت: ١٤٣، د: ٣٨٣، دي: ٢/ ٣٨٥].
٥٠٥ - [١٦] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤١٣١، ن: ٤٢٥٥].
٥٠٦ - [١٧] وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ: أَنْ تُفْتَرَشَ. [حم: ٥/ ٧٤ - ٧٥، د: ٤١٣٢، ن: ٤٢٥٣، ت: ١٧٧، دي: ٤/ ٣٤٧].
ــ
٥٠٥ - [١٦] (مقدام بن معدي كرب) قوله: (نهى رسول اللَّه ﷺ عن لبس جلود السباع) مثل الأسد والنمر ونحوهما كما هو العادة (والركوب عليها) أي: الجلوس والافتراش كما جاء في حديث أبي المليح، أو المراد إلقاؤها على السرج مثلًا عند الركوب، وإنما نهى عنه لأن ذلك من سير الجبابرة ودأب المتكبرين والمترفين، فالنهي للتنزيه، وأما من يذهب إلى نجاسة شعور الميتة وأن الشعر لا يطهر بالدباغ أو يذهب إلى أن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ فالنهي عنده للتحريم.
٥٠٦ - [١٧] (أبو المليح بن أسامة) قوله: (عن أبي المليح) بفتح الميم وكسر اللام.
وقوله: (نهى عن جلود السباع) أي: عن لبسها وافتراشها، وعلى رواية الترمذي
стр. 843
٥٠٧ - [١٨] وَعَنْ أَبِي الْمَلِيح: أَنَّهُ كَرِهَ ثَمَنَ جُلُودِ السِّبَاعِ. رَوَاهُ [التِّرْمِذِيُّ فِي اللِّبَاسِ مِنْ جَامِعِهِ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ]. [ت: ١٧٧].
٥٠٨ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٧٢٩، د: ٤١٢٧، ٤١٢٨، ن: ٤٢٣٩، جه: ٣٦١٣].
ــ
والدارمي خص الافتراش، والوجه ما ذكروا، وذكر سيدي الشيخ الإمام علي المتقي في بعض رسائله في الآداب أن افتراشه يورث الوحشة والتفرقة، واللَّه أعلم.
٥٠٧ - [١٨] (أبو المليح بن أسامة) قوله: (أنه) أي: أبا المليح (كره ثمن جلود السباع) وهذا مذهب لأبي المليح لكون استعمالها منهيًا عنه كما في بيع آلات الملاهي، وفي نسخة الأصل ههنا بياض، وكتب في الحاشية: في بعض النسخ: رواه الترمذي في (كتاب اللباس) وسنده جيد، وفي بعضها: رواه الترمذي بلفظ: كره جلود السباع.
٥٠٨ - [١٩] (عبد اللَّه بن عكيم) قوله: (ابن عكيم) بالمهملة والتحتانية بلفظ التصغير.
وقوله: (أتانا كتاب رسول اللَّه ﷺ : أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) وهذا هو المتمسك لبعض العلماء من أصحاب الحديث في القول بنجاسة جلد الميتة دبغ أو لم يدبغ، كما ذكرنا من مختار بعض الأئمة من مذهب أحمد ﵀ قالوا: قال عبد اللَّه بن عكيم: أتانا كتاب رسول اللَّه ﷺ : أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، وفي رواية أبي داود: قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا، وفي رواية للترمذي: بشهرين، رواه الخمسة وحسنه الترمذي، كذا في شرح (كتاب الخرقي) (١).
стр. 844
٥٠٩ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ١٠٦٤، د: ٤١٢٤].
٥١٠ - [٢١] وَعَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
وقال التُّورِبِشْتِي (١): الجمهور من العلماء على خلاف ذلك لا يرون القول بحديث ابن عكيم؛ لأنه لا يقاوم الأحاديث التي وردت في هذا الباب صحةً واشتهارًا، قالوا: كان أحمد بن حنبل ﵀ يقول بحديث ابن عكيم لما ذكر قبل وفاته بشهرين ويقول: هذا آخر الأمر من رسول اللَّه ﷺ ، ثم تركه للاضطراب في إسناده، حيث روى بعضهم عن عبد اللَّه بن عكيم عن أشياخ من جهته، وقال الشُّمُنِّي: إن النووي أعلّه في (الخلاصة) بثلاثة أمور، الأول: اضطراب سنده، والثاني: اضطراب متنه، روي قبل موته بثلاثة أيام، وروي بشهرين، وروي بأربعين يومًا، والثالث: بالاختلاف في صحبته، قال البيهقي وغيره: لا صحبة له، انتهى. وقال الشيخ في (التقريب) (٢): عبد اللَّه بن عكيم بالتصغير الجهني أبو معبد الكوفي، مخضرم، من الثالثة، وقد سمع كتاب رسول اللَّه ﷺ إلى جهينة، فظهر أنه تابعي مخضرم وهو من أدرك زمن الجاهلية والإسلام.
٥٠٩ - [٢٠] (عائشة ﵂) قوله: (أمر أن يستمتع بجلود الميتة) الظاهر أن الأمر ههنا للإباحة بمعنى أذن وأباح، ويحتمل أن يكون للندب حذرًا عن الضياع والإسراف.
٥١٠ - [٢١] (ميمونة) قوله: (شاة لهم مثل الحمار) لكونها ميتة منتفخة،
стр. 845
"لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا" قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦/ ٣٣٤، د: ٤١٢٦].
٥١١ - [٢٢] وَعَنْ سَلمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ فِي غَزْوَة تبوكَ عَلَى بَيْتٍ، فَإِذَا قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَسَأَلَ الْمَاءَ، فَقَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: "دِبَاغُهَا طَهُورُهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٣/ ٤٧٦، ٥/ ٦، د: ٤١٢٥].
ــ
ويحتمل أن يكون الشبه في العظم والسمن.
وقوله: (لو أخذتم إهابها) كلمة (لو) إما للتمني أو للشرط والجواب محذوف، أي: لكان حسنًا، وذكر الوجهين في (لو) شائع ذائع.
وقوله: (يطهرهما الماء والقرظ) المراد الماء المخلوط مع القرظ في الدباغة لا أنه يطهره بالماء وحده، والقرظ بفتحتين.
٥١١ - [٢٢] (سلمة بن المحبق) قوله: (سلمة) وقيل: سلمة بن ربيعة (بن المحبق) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة مكسورة ومفتوحة والفتح أشيع عند المحدثين، وفي (القاموس) (١): سلمة بن المحبق بكسر الباء كمحدث صحابي، و (تبوك) بفتح التاء اسم موضع مشهور على أربعة عشر مرحلة من المدينة بين الشام ووادي القرى، يصرف ولا يصرف، وكانت غزوة تبوك في التاسع من الهجرة، وهي آخر غزواته ﷺ .
وقوله: (إنها ميتة) أي: القربة من جلد ميتة دبغ.
وقوله: (دباغها طهورها) بفتح الطاء، أي: مطهرها، ويجوز الضم أي:
стр. 846
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥١٢ - [٢٣] وَعَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِد مُنْتِنَةً، فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذا مُطِرْنَا؟ قَالَتْ: فَقَالَ: "أَلَيْسَ بعْدهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟ "، قُلْتُ: بلَى، قَالَ: "فَهَذِهِ بِهَذِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٤].
ــ
سبب طهارتها.
الفصل الثالث
٥١٢ - [٢٣] (امرأة من بني عبد الأشهل) قوله: (منتنة) نتن وأنتن بمعنى، أي: صار ذا نتن، وتأويل هذا الحديث كتأويل حديث أم سلمة كما سبق، قالوا: المراد أن يطأ الأرض الرطبة القذرة ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة، فأما النجاسة مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو الجسد فذلك لا يطهره إلا الغسل، وهذا إجماع الأمة، هذا ولكن قولها: (إذا مطرنا) قد يوهم بخلاف ما قالوا، فافهم، وفي إسناد هذا الحديث أيضًا مقال كما في حديث أم سلمة، فإن امرأة من بني عبد الأشهل مجهولة لا يعرف حالها (١) كأم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف في حديث أم سلمة.
стр. 847
٥١٣ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَتَوَضَّأُ مِنَ المَوْطِئِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٣].
٥١٤ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٧٤].
٥١٥ - [٢٦] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا بَأْسَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ".
٥١٦ - [٢٧] وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ قَالَ: . . . . .
ــ
٥١٣ - [٢٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ولا نتوضأ) أي: لا نغتسل، فالمراد الوضوء اللغوي، كذا قال الشيخ ابن حجر، والمراد من الموطئ اليابس كما عرفت.
٥١٤ - [٢٥] (ابن عمر) قوله: (كانت الكلاب تقبل وتدبر) هذا كان في أول الإسلام في ابتداء الأمر على الإباحة الأصلية، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها حتى إنه قد وقع الأمر بقتل الكلاب إلى حين.
وقوله: (فلم يكونوا يرشون) هذا إذا لم تكن الكلاب رطبة ولم تنفصل عنها نجاسة تقع في المسجد، يعني أنه لم يكونوا يرشون الماء على تلك المواضع لمجرد إقبال الكلاب وإدبارها.
٥١٥ - ٥١٦ - [٢٦ - ٢٧] (البراء، وجابر) قوله: (لا بأس ببول ما يؤكل لحمه) تمسك به من قال بطهارته كمالك وأحمد ومحمد الإصطخري من الشافعية، وهو عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏ نجس نجاسة خفيفة لتعارض الآثار، ولعل تأويل هذا الحديث عندهما أن المراد لا بأس عظيم، وقد تعارف استعمال هذه الكلمة
стр. 848
"مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَلَا بَأْسَ بِبَوْلهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ١/ ١٢٨].
* * *
٩ - باب المسح على الخفين
ــ
فيما إذا كان جانب نقيض الحكم أولى وأحرى.
٩ - باب المسح على الخفين
اعلم أن المسح على الخفين جائز بالسنة، والأخبار فيه مستفيضة حتى قيل: إن من لم يره حقًا كان مبتدعًا، كذا في (الهداية) (٢)، وقد صرح جمع من الحفاظ بأن حديث المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوز الثمانين، منهم العشرة المبشرة، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره، كذا في (المواهب اللدنية) (٣).
ونقل الشُّمُنِّي عن ابن عبد البر أنه قال: روى المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة، وروي عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: ما قلت بالمسح على الخفين حتى جاءني فيه آثار مثل ضوء الشمس، وقال أبو يوسف: خبر المسح يجوز به نسخ الكتاب لشهرته، وقال الكرخي: أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين، لأن الآثار التي جاءت به في حيز التواتر، وقال الحسن البصري: أدركت سبعين نفرًا من الصحابة ﵃ كلهم يرون المسح على الخفين.
وروى الجماعة من حديث جرير أنه قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ بال ثم توضأ
стр. 849
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومسح على خفيه، قال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم هذا؛ لأن جريرًا كان إسلامه بعد نزول سورة المائدة، وقال النسائي: وكان أصحاب عبد اللَّه يعجبهم قول جرير: قبل موت النبي ﷺ بيسير، وقد أمر رسول اللَّه ﷺ المسح على الخفين في غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها وهو آخر فعله.
وقال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين عندنا خلاف أنه جائز، وإن الرجل ليسألني عن المسح فأرتاب به أن يكون صاحب هوى مع أن بعض العلماء تأول قراءة الجر في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] على ذلك، وقراءة النصب على الغسل، لئلا تخلو إحدى القراءتين عن فائدة.
ثم إن المسح على الخفين رخصة، والعزيمة هو الغسل، قال في (الهداية) (١): من لم ير المسح حقًّا كان مبتدعًا، ولكن من رآه ولم يمسح أخذًا بالعزيمة كان مأجورًا.
وقال في (المواهب) (٢): قال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل، المسح على الخفين أو نزعهما وغسل الرجلين؛ والذي أختاره أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، وقال النووي: مذهب أصحابنا أن الغسل أفضل لكونه الأصل لكن بشرط أن لا يترك المسح.
وقال في (شرح كتاب الخرقي) (٣) في مذهب الإمام أحمد: ولقد بالغ إمامنا في كتاب السنة كما هو دأبه، فجعل المسح أفضل من الغسل في رواية، وإليها ميل
стр. 850
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشيخين أخذًا بالرخصة ومخالفةً لشعار أهل البدع المانعين من ذلك، وسوّى بينهما في أخرى لورود الشريعة بهما.
وقال صاحب (سفر السعادة) (١): لم يكن لرسول اللَّه ﷺ تكلف في المسح ولا في الغسل، فإن كان في حال قصد الوضوء مكشوف الرجلين غسلهما ولم يلبس الخف للمسح، وإن كانت رجلاه في خفين مسح ولم ينزعهما للغسل، وللعلماء فيهما أقوال، وأحسن الأقوال ما وافق السنة، واللَّه أعلم.
ثم إنه قد نقل عن مالك إنكار المسح مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وقد أشار الشافعي في (الأم) إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف عندهم الآن قولان: الجواز مطلقًا، وثانيهما للمسافر دون المقيم، وهذا الثاني مقتضى ما في (المدونة)، وبه جزم ابن الحاجب كذا في (المواهب اللدنية) (٢).
وقال محمد في (موطئه) (٣): قال مالك بن أنس: لا يمسح المقيم على الخفين، وعامة هذه الآثار التي روى مالك في المسح إنما هي في المقيم، ثم قال: لا يمسح المقيم.
وقال في (فتح الباري) (٤): الروايات الصحيحة عن مالك مصرحة بجوازه مطلقًا، وقيل: كان توقف مالك في المسح حال الإقامة في خاصة نفسه، وكان فتواه على الجواز، ومثل هذا يروى عن أبي أيوب الصحابي رضي اللَّه تعالى عنه، انتهى.
стр. 851
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥١٧ - [١] عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنِ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٦].
٥١٨ - [٢] وَعَنِ الْمُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ. قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوتٍ، ذَهَبَ يَحْسِرُ عَن ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ،
ــ
الفصل الأول
٥١٧ - [١] (شريح بن هانئ) قوله: (ثلاثة أيام ولياليهن) أي: ليالي ثلاثة أيام، وهي قد يكون ليلتين بأن يبتدئ من النهار، أو ثلاث ليال إن كان الابتداء من الليلة، وأما ليلة ويوم فظاهر.
٥١٨ - [٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: (فتبرز) أي: خرج إلى البراز وهو الصحراء يكنى به عن التغوط، والمراد به معناه الأصلي بقرينة ذكر قوله: (قبل الغائط) أي: إلى جهته ونحوه، و (الإداوة) بالكسر إناء صغير من جلد، وقد سبق (١) معناه في (باب الوضوء).
وقوله: (أهريق على يديه) فيه جواز الاستعانة بغيره في الوضوء.
وقوله: (وعليه جبة) وهو الثوب الذي قطع وخيط من صوف، وهي التي وقع
стр. 852
وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ، ثُمَّ أَهْويتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ رَكِبَ وَرَكبْتُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ، وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً،
ــ
في الأحاديث ذكره: وعليه جبة رومية ضيقة الكمين وكان يلبسه في السفر.
وقوله: (ثم مسح بناصيته وعلى العمامة) أي: تكميلًا وتتميمًا لسنة المسح، وقد سبق شرحه في (باب الوضوء)، فتذكر.
وقوله: (ثم أهويت) في (القاموس) (١): هوى الشيء: سقط، كأهوى وانهوى، وهوت يدي له: امتدت وارتفعت.
وقوله: (أدخلتهما) أي: الرجلين بقرينة السياق، وإرجاعه إلى الخفين تكلف، قال الطيبي (٢): فيه دليل على أن المسح إنما يجوز إذا لبسهما على كمال الطهارة، وأنه إذا غسل إحدى رجليه ثم لبس الخف ثم غسل الأخرى فلبس الآخر لا يجوز المسح عليهما، وذلك أنه ﷺ جعل طهارة القدمين معًا قبل لبس الخفين شرطًا لجواز المسح عليهما، والحكم المعلق بشرط لا يصح إلا بوجود شرطه، انتهى. وفيه تأمل.
اعلم أنهم اختلفوا في أنه هل يشترط في جواز المسح كون الخفين ملبوسين على طهر تام؟ فعند مالك والشافعي وأشهر الروايتين عن أحمد: يشترط الطهر التام عند اللبس، وعندنا، وفي رواية أخرى لأحمد: إنما يشترط تمام الطهر عند الحدث، واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ للمغيرة بن شعبة: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)،
стр. 853
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأشار الطيبي إلى ذلك.
وقال الشُّمُنِّي: لا دلالة لهم في هذا القول لأن معناه أدخلت كل واحدة منهما وهي طاهرة كما يقال: دخلنا البلد ركبانًا، فإن معناه دخل كل منا وهو راكب لا أن جميعنا راكب عند دخول كل منا، ولهذا جعل بعض أصحاب أحمد القائلين بعدم اشتراط كمال الطهارة وقت اللبس هذا القول دليلًا عليه، إذ كونهما طاهرتين أعم من أن يوجد ذلك معًا أو واحدة بعد الأخرى كما ذكر الشُّمُنِّي، وهذا الكلام من الشُّمُنِّي بعد تسليم دلالة القول المذكور على الاشتراط محلُّ منع إذ ليس ذلك نصًّا فيه، فيمكن أنه ﷺ أخبر بما كان حاله في الواقع، ويكون الواقع لبسهما معًا على طهارة كاملة فمسح، ولا يدل قطعًا على أنه مسح لأجل ذلك حتى لو لم يكن كذلك لما مسح، ويجوز أن يكون المسح جائزًا في غير هذه الصورة أيضًا وفيها أتم وأكمل، فافهم.
نعم الأحاديث الأخر كحديث أبي بكرة الآتي وحديث صفوان بن عسال كما ذكر في شرح (كتاب الخرقي) (١) قال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا، الحديث، لا كما ذكر المؤلف، تدل على الاشتراط بحمل الطهارة على الكامل منها للإطلاق، ولأن ما اشترطت له الطهارة اشترط كمالها كمس المصحف ولكنها ليست نصًّا في الدلالة على كمالها عند اللبس، بل يجوز أن يكون كمالها عند الحدث كما هو مذهبنا؛ لأن الخف جعل مانعًا لحلول الحدث بالقدم فيراعى كمال الطهارة وقت المنع، حتى لو كانت ناقصة عند ذلك كان الخف رافعًا، كذا في (الهداية) (٢)، فتأمل.
стр. 854
فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ذَهَبَ يتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ مَعَهُ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥١٩ - [٣] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا. رَوَاهُ الأَثْرَمُ فِي "سُنَنِهِ" وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، هَكَذَا فِي "الْمُنْتَقَى". [صحيح ابن خزيمة: ١٩٢، قط: ١/ ٢٠٤].
ــ
وقوله: (فأومأ) مهموز، يقال: أومأ وومأ: أشار، ذكروه في باب الهمزة.
وقوله: (سبقتنا) بلفظ الغائبة للمؤنث والضمير المستكن للركعة.
الفصل الثاني
٥١٩ - [٣] (أبو بكرة) قوله: (أن يمسح) قال الطيبي (١): هو مفعول (رخَّص)، و (ثلاثة أيام) ظرف له، وفي بعض الشروح: أن الضمير في قول الطيبي: (له) إن كان راجعًا إلى (رخص) يلزم أن تكون الرخصة ثلاثة أيام، وإن كان راجعًا إلى (يمسح) يلزم أن يعمل ما في خبر (أنْ) المصدرية فيما قبلها، انتهى. وأقول: يمكن اختيار الأول، ولزوم كونه ظرفًا للرخصة ممنوعٌ باعتبار ما يتبادر أن المقصود ظرف المرخص، ويمكن اختيار الثاني لتقدم رتبة المفعول به على سائر المفاعيل، فكأنه مقدم على قوله: (ثلاثة أيام)، والظاهر هو الأول، فافهم.
стр. 855
٥٢٠ - [٤] وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٩٦، ن: ١٢٧].
ــ
٥٢٠ - [٤] (صفوان بن عسال) قوله: (إذا كلنا سفرًا) جمع سافر، ولا يستعمل فعله بل من باب المفاعلة، لأنه أكثر ما يقع من الجماعة.
وقوله: (ولكن من غائط وبول ونوم) قال التُّورِبِشْتِي: هذا نظم فيه خبط، وكذلك رواه أكثر المحدثين، ورواه أبو جعفر الطحاوي في كتابه (لا من جنابة)، وهو الأشبه بالصواب، فلعل بعض الرواة سها في كتابته فكتب (إلا) مكان (لا)، ويحتمل أن الصحابي قد قال: كان رسول اللَّه ﷺ يأمرنا أن لا ننزع خفافنا من غائط وبول ونوم لكن من جنابة، فرواه بعضهم مقلوبًا، ثم قال: ومذهب أهل النقل أن الحديث إذا ثبت فليس لأحد أن يسلك فيه مسلك التقدير والاحتمال، وعلى هذا فالسبيل فيه أن نقول: لما كان قوله: (إلا من جنابة) واقعًا موقع إثبات النزع عن الجنابة استدركه بالأحداث التي لم ينزع فيها، انتهى.
لا يخفى أن الخبط في هذا النظم من وجهين، أحدهما: عدم وقوع (لكن) في محله؛ لأن حقها أن يخالف ما بعدها لما قبلها نفيًا وإثباتًا، وتوجيهه أن قوله: (إلا من جنابة) واقع موقع الإثبات، والمعنى أمرنا أن ننزع خفافنا في الجنابة، لكن لا ننزع من بول وغائط ونوم، وثانيهما: لزوم تكرار قوله: ولكن من غائط وبول؛ لأنه قد فهم مما قبله من الكلام، وتوجيهه أنه لتوكيد نفي النزع كما يقول: ما جاءني إلا زيد لكن لم يجئ عمرو ليؤكد نفي مجيئه وإن اندرج تحت النفي السابق، ونقل عن زين العرب أنه قال: عدم النظم في (لا من جنابة) أكثر منه في (إلا من جنابة)؛ لأن لا من
стр. 856
٥٢١ - [٥] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَكَذَا ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٥، ت: ٩٧، جه: ٥٥٠].
ــ
جنابة ولكن من كذا يوهم أنه لا يجب من الجنابة بل من غائط وأخويه وهو عكس المراد، وإنما يصح المراد منه بتقدير شيء مثل أن يقول: لا من جنابة فإنه يجب النزع فيها، انتهى. يريد أن ما يفهم من ظاهر قوله: (لا من جنابة لكن من غائط وبول) لا ينزع من جنابة ولكن ينزع من غائط وبول، والمراد ليس نفي النزع من جنابة بل من غائط وبول، فافهم.
٥٢١ - [٥] (المغيرة بن شعبة) قوله: (وضأت النبي ﷺ ) أي: سكبت ماء الوضوء على أعضائه.
وقوله: (هذا حديث معلول (١)) وهو ما فيه أسباب قادحة في الصحة، وقول صاحب (المصابيح): إنه مرسل، فالمراد به المنقطع، فإن المرسل قد يطلق عليه كما مرّ في المقدمة، فإنه لم يثبت اتصاله بالمغيرة بل بالوراد كاتبه ومولاه، وقال الطيبي (٢): يرويه ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة، وثور لم يسمع هذا من رجاء.
стр. 857
٥٢٢ - [٦] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَهِرِهِمَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٩٨، د: ١٦١].
٥٢٣ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ والْنَّعْلَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٢٥٢، ت: ٩٩، د: ١٥٩، جه: ٥٥٩].
ــ
٥٢٢ - [٦] (المغيرة بن شعبة) قوله: (علي ظاهرهما) أي: على أعلاهما، اعلم أنه قد وقع في أكثر طرق المغيرة (يمسح على الخفين) مطلقًا من غير ذكر الأعلى أو الأسفل، وقد جاء في هذا الحديث أنه مسح على ظاهرهما، وقد أورد الشُّمُنِّي على ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة قال: (رأيت رسول اللَّه ﷺ بال، ثم توضأ ومسح على خفيه، ووضع يده اليمني علي خفه الأيمن ويده اليسري علي خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى أنظر إلى أصابع رسول اللَّه ﷺ على الخفين)، فالحديث مضطرب.
٥٢٣ - [٧] (المغيرة بن شعبة) قوله: (ومسح علي الجوربين والنعلين) الجوراب خف يلبس على الخف إلى الكعب للبرد أو لصيانة الخف الأسفل من الدرن والغسالة، ويقال له: الجرموق والموق أيضًا، وقال في شرح (كتاب الخرقي) (١): الجرموق خف واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة، وقال الجوهري والمطرزي: الموق خف قصير يلبس فوق الخف، كذا في شرح ابن الهمام (٢)، وقد روي أحمد عن بلال ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ توضأ ومسح على العمامة والموقين، وروى أبو داود عن عمر بن
стр. 858
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٢٤ - [٨] عَنِ الْمُغيرَةِ قَالَ: مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَسِيتَ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ،
ــ
الخطاب وعلي وابن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس وغيرهم -رضوان اللَّه عليهم أجمعين- أنهم مسحوا على الجورب، والمسح على الجورب إذا لبس الخف الأسفل والأعلى كليهما على طهارة جائز عند محمد وأبي يوسف مطلقًا، وعند أبي حنيفة ﵀ إذا كان ثخينًا ومنعلًا ومجلدًا بأن يمكن معه المشي ويقومان على الساق من غير شده وإلا فلم يجز إلا أن يكون رقيقًا بأن يصل رطوبة ماء المسح بالخف الداخل فكأنه مسح عليه، وجائز أيضًا على مذهب أحمد، ولا يجوز المسح على الجورب عند الشافعي وإن كان منعلًا، والحديث المذكور والآثار حجة عليه، وفي شرح الشيخ: معنى الحديث أن يكون قد لبس النعلين فوق الجوربين كما قال الخطابي (١)، وقال: لم تقتصر على مسحهما بل ضم إليهما مسح النعلين، فعلى مدعي جواز الاقتصار على مسحهما الدليل فتدبر، انتهى. وأما المسح على النعلين فمنسوخ، كذا في (سنن الدارمي) (٢).
الفصل الثالث
٥٢٤ - [٨] (المغيرة) قوله: (بل أنت نسيت) قال الطيبي (٣): يحتمل حمله على الحقيقة أي: نسيت أني شارع، فنسبت النسيان إلي، أو يكون بمعنى أخطأت،
стр. 859
بِهَذَا أَمرنِي رَبِّي . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٢٥٣، د: ١٥٦].
٥٢٥ - [٩] وَعَنْ عَليٍّ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْي لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والدَّارِمِيُّ مَعْنَاهُ. [د: ١٦٢، دي: ٢/ ٣٣٧].
١٠ - باب التيمم
ــ
فجاء بالنسيان إلى المشاكلة، انتهى. لا يخفى أن نسيان كونه شارعًا بعيد غاية البعد، وقد يشعر هذا الوجه بأنه لا يجوز النسيان على الشارع، أو المراد نسبت النسيان إلي جزمًا من غير احتمال، فالظاهر هو الوجه الثاني.
وقوله: (بهذا أمرني ربي) التقديم للاهتمام.
٥٢٥ - [٩] (علي ﵁) قوله: (لكان أسفل الخف أولى بالمسح) لأنه محل التنجس والتلوث فتطهيره أولى وأهم.
وقوله: (وللدارمي معناه) فإنه ذكر في (سننه) عن عبد خير قال: رأيت عليًا ﵁ توضأ ومسح على النعلين فوسع، ثم قال: لولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما.
١٠ - باب التيمم
التيمم في اللغة: القصد تَفَعُّل مِنْ أمّه: قصده، وأصله التأمُّم، وقال تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أي: قاصدين، وفي الشرع: عبارة عن قصد التراب للتطهر به عن مسح الوجه واليدين به، والتيمم جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وقصة
стр. 860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابتداء شرعية التيمم ما جاء في (صحيح البخاري) (١) عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عِقْدٌ لي، فأقام رسول اللَّه ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول اللَّه ﷺ والناس، وليسوا علي ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ﵁ ورسول اللَّه ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول اللَّه ﷺ والناسَ، وليسوا علي ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة ﵂: فعاتبني أبو بكر ﵁ وقال ما شاء اللَّه أن يقول، وجعل يطعني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكانُ رسول اللَّه ﷺ على فخذي، فقام رسول اللَّه ﷺ حين أصبح علي غير ماء، فأنزل اللَّه آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد ابن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته.
وجاء في حديث آخر (٢): أن عائشة ﵂ استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول اللَّه ﷺ رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلّوا فشكوا ذلك إى رسول اللَّه ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة ﵂: جزاكِ اللَّه خيرًا، فواللَّه ما نزل بكِ أمر تكرهينه إلا جعل اللَّه تعالى ذلكِ لكِ وللمسلمين فيه خيرًا.
ثم إنهم اختلفوا في أن التيمم ضربة أو ضربتان، وإذا كان الكلام فيه مبسوطًا رأينا ذكره في آخر الباب بعد شرح الأحاديث أولى.
стр. 861
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٢٦ - [١] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا،
ــ
الفصل الأول
٥٢٦ - [١] (حذيفة) قوله: (فضلنا على الناس) أي: السابقين، وأما اللاحقون فأتباعه وأمته المفضلون.
وقوله: (جعلت صفوفنا) قيل: في المعركة، وقيل: في الصلاة كناية عن الجماعة كصفوف الملائكة، والمراد به إتمام الصف الأول، وقيل: في القربة والدنو، وقيل: في التعظيم والتكريم بأن أقسم اللَّه بهم فقال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١]، فالمراد بالصافات الملائكة والمصلون.
وقوله: (جعلت لنا الأرض كلها مسجدًا) أي: موضع سجود، أي: لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويجوز أن يكون مجازًا عن المكان المبني كأنه لما جازت الصلاة في جميعها صار مسجدًا، وتخصيص هذه الخصلة بهذه الأمة بأنه إنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبِيَع والصوامع والكنائس، وقيل: إنما أبيحت لهم في موضع يتيقنون طهارته بخلاف هذه الأمة فأبيح لها في جميع الأرض إلا فيما يتيقنون النجاسة، ونقض هذا بعيسى ﵇ فإنه كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة، ويمكن أن يقال: إن المراد لعموم الأمة لا للنبي فقط، أو يقال: لعله كان يسيح في البلاد ويصلي في مواضع معينة فيها للصلاة، ولا منافاة، واللَّه أعلم.
وجعل بعضهم لذلك جعل الأرض مسجدًا وطهورًا خصلة واحدة، وجعلت
стр. 862
وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نجِدِ الْمَاءَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٢٢].
ــ
لغيرنا مسجدًا ولم يجعل طهورًا، وقال: وأما الثالثة فمحذوفة ههنا ذكرها النسائي من رواية أبي مالك وهي خواتم البقرة، كذا في (شرح مسلم) (١).
وقوله: (جعلت تربتها لنا طهورًا) قال الطيبي (٢): خص التراب لكونه طهورًا، وهو مذهب الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه في أقوى الروايتين منه، وبه قال أبو يوسف، وفي رواية عنه وعن أحمد وبالرمل أيضًا، وجوز أبو حنيفة ومالك ومحمد، وأحمد في رواية: بكل ما هو جنس الأرض، وهو ما لا يلين وينطبع أو يحرق فيصير رمادًا، ولهم حديث جابر في (صحيح البخاري) (٣): (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)، وهي تشتمل التراب وغيره، والعمل بهذا الحديث أولى وأحوط؛ لأن فيه العمل بحديث حذيفة أيضًا، والعمل بحديث حذيفة بتخصيصه بالتراب يفوت العمل بهذا، وبهذا سقط ما قال الطيبي: حديث حذيفة مفسَّر، والمفسر من الحديث يقضي على المجمل، قلنا: بل مطلق لا مجمل، منع بعضهم الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية التيمم بالتراب بأنه قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره، وأجيب بأنه قد ورد في الحديث المذكور بلفظ التراب، أخرجه ابن خزيمة وغيره في حديث علي ﵁: (وجعل التراب لي طهورًا) كذا في (الفتح) (٤).
وروى أحمد والبيهقي وإسحاق بن راهويه والطبراني في (الأوسط) (٥) عن أبي
стр. 863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هريرة: أن أناسًا من أهل البادية أتوا رسول اللَّه ﷺ فقالوا: إنا نكون بالرمال الأشهر الثلاثة والأربعة، ويكون فينا الجنب والحائض والنفساء ولا نجد الماء، فقال ﷺ : (عليكم بالأرض)، ففهم منه جوازه بالرمل وغيره.
واعلم أن الخصائل التي فضل بها نبينا وأمته ﷺ على الناس وردت الأخبار بها في الحديث كثيرة، الثلاثة التي ذكرت في هذا الحديث، وذكر في الأحاديث الأخر، وسيجيء في (باب فضائل سيد المرسلين): (نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وبعثت إلى الناس عامة)، وإنما جعل الغاية شهرًا؛ لأنه لم يكن بين بلدة وبين أحد من أعدائه كثر منه، وذكر في (الفتح) (١) برواية عمرو بن شعيب بلفظ: (ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر)، ويفهم منه عدم تخصيصه بمسيرة شهر، وكان من تقدم من النبيين على ضربين: منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم يكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فاحترقته.
(وأعطيت الشفاعة)، والمراد الشفاعة العظمى لإراحة الناس من هول الموقف، وقيل: الشفاعة لخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وإخراج من ليس له عمل إلا التوحيد، (وبعثت إلى الناس عامة)، واعترض بأن نوحًا كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان؛ لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنًا وقد كان مرسلًا إليهم، لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي [وقع] وهو انحصار الخلق في
стр. 864
٥٢٧ - [٢] وَعَنْ عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ . . . . .
ــ
الموحدين بعد هلاك سائر الناس، وأما دعوته (١) على جميع من في الأرض بعد إهلاكهم بالغرق فجوابه أن دعوته قومه إلى التوحيد بلغ سائر الناس لطول مدته فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب، ذكره ابن عطية.
وقد قال ابن دقيق العيد: يجوز أن يكون التوحيد عامًّا في بعض الأنبياء، وإلزام فروع شريعته ليس عامًّا؛ لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، كذا ذكر في بعض الشروح.
(وأعطيت جوامع الكلم، وختم بني النبيون، وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأعطيت الكوثر، وأعطيت يوم القيامة لواء تحته آدم فمن دونه، كان شيطاني كافرًا فأعانني اللَّه عليه فأسلم).
وقال في (فتح الباري) (٢): ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع، قال: وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في (كتاب شرف المصطفى) أن عدد ما اختص به نبينا ﷺ على الأنبياء ستون خصلة، انتهى. والحق أن فضائله المختصة به أكثر من أن تحصى، ولكن الذي أخبر به وأحصاه العلماء هذه، ونعم ما قال:
فإن فضل رسول اللَّه ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم
ﷺ بعدد أسمائه الحسنى وعدد كل معلوم له.
٥٢٧ - [٢] (عمران) قوله: (كنا في سفر) كان ذلك في صبيحة ليلة التعريس حين قضوا الصلاة التي ناموا عنها.
стр. 865
فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكَ يَا فلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ " قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٤، م: ٦٨٢].
ــ
وقوله: (فلما انفتل) أي: انصرف عن الصلاة، في (القاموس) (١): فتله: لواه، وفتل وجهه عنهم: صرفه.
وقوله: (عليك بالصعيد) الظاهر منه أن الرجل كان عالمًا بشرعية التيمم للوضوء لا للجنابة، ولهذا لم يبين له كيفيته.
وفي (مشارق الأنوار) (٢): صعيد وجه الأرض، ومنه ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي: طاهرًا، وهو معنى قول مالك في (الموطأ) (٣): فكل ما كان صعيدًا فهو مما يتيمم به سباخًا أو غيره، أي ما يسمى صعيدًا مما على وجه الأرض، والصعيد التراب أيضًا، انتهى. وفي (القاموس) (٤): الصعيد: التراب أو وجه الأرض، فليس فيه دليل لأحد الطرفين وإن كان الغالب استعماله في وجه الأرض، قال صاحب (الكشاف) (٥): الصعيد. وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، وفي (الصحاح) (٦): الصعيد: وجه الأرض.
стр. 866
٥٢٨ - [٣] وَعَنْ عَمَّارٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ؟ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا" فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثمَّ مَسَحَ بِهَمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ،
ــ
٥٢٨ - [٣] (عمار) قوله: (فقال عمار لعمر) هذه رواية اقتصر فيها جواب عمر ﵁، وقد جاء في بعض الطرق أنه قال عمر: لا تصل، وهذا مذهب مشهور عن عمر، ووافقه عليه عبد اللَّه بن مسعود، وقد جرت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن مسعود، ورجع ابن مسعود عن ذلك، وحاصل المناظرة يرجع إلى أن أبا موسى حمل اللمس على الجماع، وابن مسعود على اللمس باليد، وتمامه في البخاري وشروحه.
وقوله: (أنا وأنت) تأكيد للضمير في (أنَّا)، (فتمعكت) في (القاموس) (١): تمعك: تمرغ، وفي (الصراح) (٢): مرغ غلطيدن ستور در علف تمريغ در خاك غلطانيدن تمرغ لازم منه.
وقوله: (وإنما كان يكفيك) هذا دل على شرعية التيمم للجناية، وعلى أنه تكفي فيه ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين والعلماء من الفقهاء والمحدثين، وذهب الأكثرون إلى أنه لا بد من ضربتين لحديث عمار، وسنبينه مفصلًا.
وقوله: (ونفخ فيهما) وذلك ليخفف الغبار عنهما لئلا تسوء به الخلقة، ويستفاد
стр. 867
وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ وَفِيهِ: قَالَ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ، ثمَّ تَنْفُخَ، ثمَّ تَمْسَحَ بِهَمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ". [خ: ٣٣٨، م: ٣٦٨].
٥٢٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ، فَحَتَّهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ. . . . .
ــ
من حديث عمار وقوع الاجتهاد من الصحابة في زمن النبي ﷺ ، وأن المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه وإن لم يصب الحق، وأنه إذا عمل بالاجتهاد لا يجب عليه الإعادة، وفي تركه أمر عمر ﵁ أيضًا بقضائها تمسك لمن قال: إن فاقد الطهورين لا يصلي ولا قضاء عليه، كذا في (فتح الباري) (١).
٥٢٩ - [٤] (أبو جهيم بن الحارث بن الصمة) قوله: (وعن أبي الجهيم) بلفظ التصغير (ابن الحارث بن الصمة) بكسر الصاد وتشديد الميم المفتوحة.
وقوله: (فحته بعصًا) أي: خدشه وفركه وقشره، وفي (مختصر النهاية) (٢): الحت والحك والقشر سواء، وفي الحديث الآخر: وتحات الورق: سقطت، ومنه رأى نخامة فحتها، فسره في رواية الحموي فحكها.
قال الطيبي (٣): فيه أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار، وعند أبي حنيفة ﵁ يجوز على حجر أملس ولو بلا نقع، أو حائط لا غبار عليه، أو على أرض ندية لم تلزق بيديه منه شيء، وقال محمد: لا يجوز بلا نقع لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ
стр. 868
فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ. وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَلَا فِي "كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ"، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [أخرجه د: ٣٢٩، ابن خزيمة: ٣/ ٨٠٥].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٣٠ - [٥] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ الْمُسْلِم وَإِنْ لَمْ يَجدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ،
ــ
وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وكلمة (مِن) للتبعيض، ولأبي حنيفة وهو رواية عن محمد أن المعتبر هو الإمساس بدليل أنه ينفضهما حتى يتناثر ما عليهما من التراب، ولهذا نفخ رسول اللَّه ﷺ فيهما كما مر، وخدشه الجدار لا يدل على وجوبه، غايته الندب والأولوية، وكلمة (مِن) ابتدائية.
وقوله: (فمسح وجهه وذراعيه) إن كان بضربتين فهو ما ذهب إليه الجمهور، وإن كان بضربة وهذا شق ثالث وراء المذهبين.
وقوله: (ولا في كتاب الحميدي) الأولى أن يقول: ولا في (جامع الأصول).
الفصل الثاني
٥٣٠ - [٥] (أبو ذر) قوله: (إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) في رواية: (ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء)، والوضوء بفتح الواو ماء يتوضأ به، والمراد أنه طهوره بالفتح، أي: مطهره، وفي الحديث مبالغة في طهوريته وإشارة إلى أنه خلف مطلق للماء، وأنه يرفع الحدث حقيقة، فالشارع جعل تطهير المسلم بشيئين بالوضوء عند وجود الماء، وبالتيمم إذا لم يوجد الماء، فهو يرفع الحدث إلى أن يوجد الماء كما هو مذهبنا، ويتفرع عليه أنه يصلي به ما شاء من
стр. 869
فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ: عَشْرَ سِنِينَ. [حم: ٥/ ١٥٥، ١٨٠، ت: ١٢٤، د: ٣٣٢، ن: ٣٢٢].
٥٣١ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ فَاحْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ هَل تَجدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّم؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ،
ــ
فرض ونفل ويصلي به فرائض متعددة، ولا ينتقض بخروج الوقت، ويتيمم قبل الوقت، وعند الثلاث هو خلف ضروري للوضوء بأن يبيح الصلاة كوضوء المعذور ولا يرفع الحدث، فلا يجوز التيمم عندهم قبل الوقت، ولا يجمع بين فرضين فصاعدًا بتيمم واحد.
وقال أحمد ﵀: إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها والفوائت والتطوع إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى، وظاهر النصوص وإطلاقها يؤيد مذهبنا كما لا يخفى.
وقوله: (فليمسه) بضم الياء وكسر الميم من أمَسَّ بمعنى مسح، والبشر كالبشرة ظاهر الجلد، وهو كناية عن الوضوء، وإطلاق (خير) ههنا كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآية [الفرقان: ٢٤].
٥٣١، ٥٣٢ - [٦، ٧] (جابر، وابن عباس) قوله: (فشجه) شج رأسه: كسره، والضمير المرفوع للحجر، أي: أوقع الشجة في رأسه.
وقوله: (وأنت تقدر على الماء) فهموا من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] أن وجود الماء والقدرة عليه مانع من جواز التيمم، ولم يعرفوا تأويله أن المراد القدرة على استعماله وعدم التضرر به.
стр. 870
قَالَ: "قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَّا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَن يَتَيَمَّمَ وَيُعَصِّبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِر جَسَدِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣٦].
٥٣٢ - [٧] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَن ابْن عَبَّاسٍ. [جه: ٥٧٢]
٥٣٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فتيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ بِوُضُوءٍ وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِك لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: "أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ"، وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: "لَكَ. . . . .
ــ
وقوله: (قال: قتلوه) يدل على جواز الإسناد إلى التسبب والتكلم به في مثل هذا المقام من أهل المعرفة، كيف وسيد العارفين نطق بذلك، ولكن ينبغي أن يكون اعتقاد قلبه على الحقيقة.
وقوله: (ألا) بتشديد اللام للتنديم، و (المعنى) بكسر العين العجز وعدم الاهتداء للمراد والحصر في المنطق والمراد ههنا الجهل، والشفاء استعارة مصرِّحة للإزالة، أو المعنى استعارة مكنية عن المرض، والشفاء تخييلية.
وقوله: (ويعصب على جرحه) أي: يشد عليها خرقة ويجعلها عصابة.
وقوله: (ويغسل سائر جسده) فيه الجمع بين التيمم وغسل سائر البدن بالماء، وفي الحديث التعيير والتعييب في الإفتاء بغير علم دون الضمان.
٥٣٣، ٥٣٤ - [٨، ٩] (أبو سعيد الخدري، وعطاء بن يسار) قوله: (لك
стр. 871
الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [د: ٣٣٨، دي: ٢/ ٢٨٨، ن: ٢٣٢].
٥٣٤ - [٩] وَقَدْ رَوَى هُوَ وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا. [ن: ٢٣٢، د: ٣٣٩].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٣٥ - [١٠] عَنْ أَبِي الْجُهَيْم بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْو بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَار،
ــ
الأجر مرتين) مرة بأداء الفرض بالتيمم للعذر، ومرة بصلاة النفل بالوضوء عند زوال العذر، أو على ظن أن القدرة على الماء في الوقت توجب الإعادة، فإن الفرض قد سقط، والقدرة على الماء بعد أداء الصلاة لا يوجب الإعادة، ويحتمل أن يكون الحكم إذ ذاك كذلك، واللَّه أعلم. وأما عند الشافعي ﵀ فيجوز تكرار الفرض على معنى أن ينوي الفرض في المرتين وإن كان المؤدى فرضًا هو الأول، هكذا مذهبهم.
الفصل الثالث
٥٣٥ - [١٠] (أبو جهيم بن الحارث بن الصمة) قوله: (من نحو بئر جمل) أي: من جانب الموضع الذي يعرف به بئر جمل بالإضافة بفتح الجيم والميم موضع معروف بالمدينة.
وقوله: (فلقيه رجل) وهو أبو الجهيم الراوي بيّنه الشافعي في رواية هذا الحديث من طريق الأعرج، كذا في بعض الشروح، والحديث المذكور في الفصل الأول من روايته قال فيه: مررت على النبي ﷺ وهو يبول فسلمت عليه، الحديث، والظاهر أن
стр. 872
فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٧، م: ٣٦٩]
٥٣٦ - [١١] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّعِيدِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ، ثُمَّ مَسَحُوا بِوُجُوهِهِمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى، فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٠].
* * *
ــ
الواقعة متعددة أو مبني على اختلاف الرواية، واللَّه أعلم.
وقوله: (فمسح بوجهه ويديه) وفي الحديث السابق من أبي الجهيم كان وجهه وذراعيه، وفي هذا الحديث أيضًا جاء للدارقطني من طريق أبي، وكذا للشافعي: فمسح بوجهه وذراعيه، وأما الضربة والضربتين فمحتمل فيهما.
٥٣٦ - [١١] (عمار بن ياسر) قوله: (ثم عادوا فضربوا) هذا صريح في أن التيمم ضربتان، والحديث المذكور في الفصل الأول يدل بظاهره على أنه ضربة واحدة، وكلا الحديثين عن عمار، وستنكشف جليَّة الحال فيما ندكره من المقال.
وقوله: (إلى المناكب والآباط) في (القاموس) (١): المنكب: مجمع رأس الكتف والعضد مذكر، والإبط: باطن المنكب بكسر الكاف وقد تؤنث، انتهى. فذكرهما إشارة إلى ظاهر اليد وباطنها، وكأنهم نظروا إلى عدم تقييد اليد بالغاية في التيمم كما في الوضوء، ولم ينظروا إلى فرعية التيمم للوضوء.
اعلم أنهم اختلفوا في كيفية التيمم، فالأكثرون على أنه ضربتان: ضربة للوجه،
стр. 873
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وضربة لليدين إلى المرفقين، وهذا مذهب أبي حنيفة وصاحبيه ومالك ﵏، والمحفوظ والمختار من مذهب الشافعي وبعض أصحاب أحمد وقول علي وابن عمر والحسن البصري والشعبي وسالم بن عبد اللَّه بن عمر وسفيان الثوري، وروى الطبراني والدارقطني والحاكم عن جابر ﵁ (١) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين)، ورواه الطبراني عن ابن عمر وأبي أمامة، والحاكم عن ابن عمر، وأحمد عن عمار بن ياسر ﵁ أيضًا، وروى أبو داود عن عمار ابن ياسر أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهو مع رسول اللَّه ﷺ بالضربتين كما في الحديث المذكور في الكتاب غير أنه ذكر فيه المناكب والآباط، وقد عرفت تأويله.
وذهب بعضهم إلى أن التيمم ضربة واحدة ومسح للوجه والكفين، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد والقول القديم للشافعي، والمنقول من عطاء الخراساني ومكحول الشامي والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن خزيمة من المحدثين، ونقل عن مالك وآخرين من أصحاب الحديث، ودليلهم الحديث المتفق عليه من عمار بن ياسر المذكور في (الفصل الأول)، وفيه فقال رسول اللَّه ﷺ : (إنما يكفيك هكذا)، فضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه، هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: (إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تمسح بهما وجهك وكفيك)، ووقع في بعض الروايات بالواو بتقديم وجهه على كفيه وبالعكس، وفي بعضها بـ (ثم) بتقديم كفيه على وجهه.
стр. 874
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الشيخ (١): ومن ههنا يعلم أن الترتيب ليس بشرط في التيمم، وأجاب النووي بأن مقصوده ﷺ ههنا بيان صورة الضرب لتعليم عمار وإراءته أن يضرب اليد على الأرض هكذا، ولا ينبغي أن يتمعك في الأرض كما فعله ﵁، لا بيان كيفية التيمم، وجميع ما يحصل به فروى عمار تعليمه ﷺ إياه بالضرب، ولهذا جاء في الروايات الأخر عن عمار في (سنن أبي داود) وغيره ما هو نص في كون التيمم ضربتين، وليس في بعض طرق هذا الحديث ضربة واحدة صريحًا بل قال: ضرب بكفيه الأرض ونفخ، ثم مسح وجهه وكفيه، وهذا بإطلاقه يحتمل الضربتين أيضًا.
وقال الكرماني: قال النووي: المحفوظ ضربتين لا ضربة واحدة، ووقع في حديث البخاري: ومسح وجهه وكفيه واحدة، وحملوه على مسحة واحدة لا على ضربة واحدة كما جاء في حديث آخر عن عمار الذي فيه مسح إلى المناكب والآباط، وأن مذهب البخاري هو الثاني، وهذا جواب ضربة دون ضربتين، وأما ذكر الكفين ومسحهما فهو أيضًا لعدم كون المقصود بيان التيمم بتمامه، فاقتصر عليه لكفايته في تعليم الضربة بدليل ذكر الذراعين إلى المرفقين في الأحاديث الأخر حيث كان المقصود ذكر التيمم بتمامه، وقد يقال: أراد بالكفين ههنا اليدين كما أريد باليد الكف في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لوجود العلاقة من الجانبين، انتهى.
قال العبد الضعيف -أصلح اللَّه شأنه وصانه عما شانه-: لقد بالغ بعض المحدثين في تأييد المذهب الأخير حتى قال المجد اللغوي في (سفر السعادة) (٢): لم يرو في
стр. 875
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحديث الصحيح أنه ﷺ ضرب يديه على الأرض مرتين، ولا أنه مسح إلى المرفقين، بل الذي صح هو أنه ﷺ ضرب ضربة واحدة فمسح وجهه وكفيه، والأحاديث الواردة على خلافه كلها ضعيفة.
وقال الشيخ ابن الهمام (١): إن الحاكم صحح حديث الضربتين، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، والشيخ أيضًا رجح المذهب الثاني في (شرح البخاري)، وقال: إتيان البخاري الترجمة بلفظ الجزم حيث قال: (باب التيمم للوجه والكفين) مع شهرة الخلاف لقوة دليله؛ لأن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وحديث عمار، أما حديث أبي جهيم فورد بلفظ اليدين مجملًا، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية: إلى نصف الذراع، وفي رواية: إلى الآباط، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال.
وأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: وإن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره، فالحجة فيما أمر به، ومما يقوي رواية (الصحيحين) في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار يفتي بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره لاسيما الصحابي المجتهد، وكذلك في رواية (الصحيحين) ضربة، وفي غيرهما ضربتين.
وقال الشيخ: وأما قول النووي: المراد بيان صورة الضرب للتعليم وليس المراد به بيان جميع ما يحصل به التيمم، فتعقب بأن سياق القصر يدل على أن المراد بيان
стр. 876
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جميع ذلك؛ لأن ذلك هو الظاهر من قوله: (إنما يكفيك).
وأما ما استدل به من اشتراط بلوغ المسح إلى المرفقين من أن ذلك شرط في الوضوء، فجوابه أنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد الاعتبار، وقد عارضه من لم يشترط ذلك بقياس آخر وهو الإطلاق في آية السرقة، ولا حاجة مع وجود هذا النص.
فإن قلت: كما ذكر في توجيه المذهب صار مدخولًا فيه فهل عندك شيء؟
فأقول: نعم، -وباللَّه التوفيق- لا شك أن الأحاديث وردت في الباب مختلفة متعارضة جاءت في بعضها ضربتين، وفي بعضها ضربة واحدة، وفي بعضها مطلق الضرب، وفي بعضها كفين، وفي بعضها يدين إلى المرفقين، وفي بعضها يدين مطلقًا، والأخذ بأحاديث ضربتين ومرفقين أخذ بالاحتياط وعمل بأحاديث الطرفين لاشتمال الضربتين على ضربة، ومسح الذراعين إلى المرفقين على مسح الكفين دون العكس، وأيضًا التيمم طهارة ناقصة فلو كان محله أكثر بأن يستوعب إلى المرفقين، وكان للوجه واليدين ضربة على حدة لكان أولى وأحسن، وإلى الاحتياط أقرب وأدنى، لا يقال: إلى الإبط أقرب منه إلى الاحتياط فلتأخذوا به، قلنا: حديث الآباط ليس بصحيح مع أن وقوع ذراعيه في حديث أبي جهيم كما روى في (شرح السنة) وقال: حديث حسن، ويديه وهو الظاهر في الذراعين كما في المتفق عليه يؤيد ذلك.
فإن قلت: لِمَ لم يجعلوا الضربة ومسح الكفين فرضًا والزيادة سنة مكملًا له كما جعلوا الغسل مرتين أو ثلاثًا ومسح كل الرأس سنة في الوضوء؟
قلنا: المروي في الوضوء كلا الفعلين تارة فتارة، وجواز كليهما منصوص عليه، فلا جرم جعلوا المتيقن فرضًا والزيادة سنة، وفيما نحن فيه جاءت الأحاديث متعارضة، والسبيل ههنا الترجيح ورعاية الاحتياط صالحة لذلك، والقياس على الوضوء الذي
стр. 877
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هو أصل التيمم أيضًا للترجيح لا أنه قياس في مقابلة النص، وهكذا الحال في الدلائل العقلية في مذهبنا يذكر لترجيح بعض الأحاديث على بعضها، والخصوم يزعمون أنها قياسات في مقابلة النص، ولا شك أن القياس على الوضوء أقرب من القياس على حد السرقة.
فإن قلت: التعارض على تقدير أن تكون الأحاديث متساوية في المرتبة، والمحدثون حكموا أن أحاديث الضربتين والمرفقين غير مذكورة في الصحاح، قلنا: عدم ذكرها في الصحاح محل بحث كما نقلنا عن الحاكم والدارقطني، على أن عدم صحتها وقوتها في زمن الأئمة الذين استدلوا بها محلُّ مثع، إذ يحتمل أن تطرق الضعف والوهن فيها بعدهم من جهة لين بعض الرواة وضعفهم الذين رووها بعد زمن الأئمة، فالمتأخرون من المحدثين الذين جاؤوا بعدهم أوردوها في السنن دون الصحاح، ولا يلزم من وجود الضعف في الحديث عند المتأخرين وجوده عند المتقدمين، فرب حديث كان صحيحًا عندهم لقوة الرواة الذين كانوا عندهم، ثم تطرق الضعف لضعف بعض الرواة الذين رووه بعدهم، مثلًا رجال الإسناد في زمن أبي حنيفة ﵁ كان واحدًا إن كان ﵁ من التابعين أو اثنين أو ثلاثة إن لم يكن منهم كانوا ثقات من أهل الضبط والإتقان، ثم روى ذلك الحديث من بعده من لم يكن في تلك الدرجة، فصار الحديث عند علماء الحديث مثل البخاري ومسلم والترمذي وأمثالهم ضعيفًا، ولا يضر ذلك في الاستدلال به عند أبي حنيفة ﵁، فتدبر.
وهذه نكتة جيدة قد أفيضت بفضل اللَّه على هذا العبد الضعيف سامحه اللَّه في رد من يتكلم في بعض الأحاديث التي تمسك به أئمتنا المتقدمون ﵏ هذا تحقيق المقام، واللَّه أعلم وبيده أزمة المرام.
стр. 878
١١ - باب الغسل المسنون
ــ
١١ - باب الغسل المسنون
أورد المؤلف في هذا الباب من الغسل المسنون أربعة: غسل الجمعة، وبعد غسل الميت، وبعد الحجامة، وعند الإسلام، ولم يذكر للعيدين مع أنه مسنون أو مندوب عند الأئمة إذ لم يصح عند المحدثين حديث في ذلك، ولم يذكر المؤلف في باب العيدين أيضًا حديثًا في ذلك، وما وجدناه في (جامع الأصول) من الكتب الستة، وما وجدنا في الكتب سوى حديثين حكموا عليهما بالضعف، أحدهما: ما ذكره الشُّمُنِّي من رواية ابن ماجه في (سننه) والطبراني في (معجمه) والبزار في (مسنده) عن الفاكه بن سعد قال (١): كان رسول اللَّه ﷺ يغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة، والفاكه بن سعد ﵁ ثبت صحته، بل بلغ حد الشهرة، ولم يعرف له غير هذا الحديث.
وقال الشيخ ابن الهمام (٢): هذا حديث ضعيف كذا ذكره النووي وغيره، وذكر في شرح (كتاب الخرقي) (٣) هذا الحديث وقال: كان الفاكه بن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام، وقال: رواه عبد اللَّه بن أحمد في (زوائد المسند) وابن ماجه.
وثانيهما ما ذكر السيوطي في (جمع الجوامع) عن الشعبي عن زياد بن عياض الأشعري أنه قال لقوم: كل فعل رأيته من رسول اللَّه ﷺ وجدتكم تفعلونه إلا أنكم لا تغتسلون يوم العيدين، رواه ابن منده وابن عساكر وقال: صحيح عن عياض،
стр. 879
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: زياد غير محفوظ، انتهى.
وقد ذكر في (جامع الأصول) (١) من (الموطأ) أن عبد اللَّه بن عمر ﵄ كان يغتسل، وفي رواية: كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى، وقالوا: شدة مبالغته ﵁ في متابعة السنة تقتضي أنه قد صح الحديث في ذلك، قاله صاحب (سفر السعادة) (٢)، ولم يذكر المؤلف غسل يوم عرفة أيضًا، ولم يذكره أيضًا في الأحاديث الواردة في مناسك الحج مع ذكر الفقهاء إياه، ولم يذكر الغسل للإحرام مع وروده في الأحاديث، فكأنه اكتفى بذكره في موضعه، ولكن غسل الجمعة أيضًا مذكور في بابه، فتدبر.
قال في (الهداية) (٣): وسن رسول اللَّه ﷺ الغسل للجمعة والعيدين ويوم عرفة وللإحرام، واللَّه أعلم.
ثم إنهم قد اختلفوا في غسل يوم الجمعة، فالأكثر على أنه سنة ومستحب وهو مذهبنا ومذهب الشافعي والمختار في مذهب أحمد وعند مالك ﵏، وفي رواية عن أحمد واجب؛ لأنه قد ورد بصيغة الأمر كما جاء في رواية البخاري ومسلم والترمذي (والموطأ) والنسائي عن ابن عمر ﵄ قال (٤): قال رسول اللَّه ﷺ : (من جاء منكم يوم الجمعة فليغتسل)، وفي (الموطأ) (٥) عن ابن السباق: أن رسول اللَّه ﷺ قال
стр. 880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في جمعة من الجمع: (يا معشر المسلمين! إن هذا يوم جعله اللَّه عيدًا فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك)، وجاء بصريح لفظ الوجوب أيضًا كما رواه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وفي أخرى: (الغسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم)، وفي أخرى: (على كل محتلم، وأن يستن وأن يمس طيبًا إن وجد)، وقال عمر ﵁: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فاللَّه أعلم أواجب هو أم لا، ولكن هكذا جاء في الحديث، كذا عند البخاري.
وجاء عند مسلم في الطيب: (ولو من طيب المرأة)، وفي (الموطأ) (١) عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: غسل الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الجنابة، وغيره من الأحاديث في معنى ما ذكرنا، لكن القائلين باستحباب الغسل يقولون: كما أنه وردت أحاديث ظاهرة في وجوب غسل الجمعة كذلك جاءت أحاديث في الاكتفاء بالوضوء أيضًا كالحديث المذكور في الكتاب عن سمرة بن جندب، كما روى الترمذي وأبو داود والنسائي، وقال في شرح (كتاب الخرقي) (٢): رواه الخمسة إلا ابن ماجه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأنس ﵃، وقال: حديث سمرة حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم اختاروا الغسل يوم الجمعة ورأوا أن يجزئ الوضوء عن الغسل.