← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جميع ذلك؛ لأن ذلك هو الظاهر من قوله: (إنما يكفيك). وأما ما استدل به من اشتراط بلوغ المسح إلى المرفقين من أن ذلك شرط في الوضوء، فجوابه أنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد الاعتبار، وقد عارضه من لم يشترط ذلك بقياس آخر وهو الإطلاق في آية السرقة، ولا حاجة مع وجود هذا النص. فإن قلت: كما ذكر في توجيه المذهب صار مدخولًا فيه فهل عندك شيء؟ فأقول: نعم، -وباللَّه التوفيق- لا شك أن الأحاديث وردت في الباب مختلفة متعارضة جاءت في بعضها ضربتين، وفي بعضها ضربة واحدة، وفي بعضها مطلق الضرب، وفي بعضها كفين، وفي بعضها يدين إلى المرفقين، وفي بعضها يدين مطلقًا، والأخذ بأحاديث ضربتين ومرفقين أخذ بالاحتياط وعمل بأحاديث الطرفين لاشتمال الضربتين على ضربة، ومسح الذراعين إلى المرفقين على مسح الكفين دون العكس، وأيضًا التيمم طهارة ناقصة فلو كان محله أكثر بأن يستوعب إلى المرفقين، وكان للوجه واليدين ضربة على حدة لكان أولى وأحسن، وإلى الاحتياط أقرب وأدنى، لا يقال: إلى الإبط أقرب منه إلى الاحتياط فلتأخذوا به، قلنا: حديث الآباط ليس بصحيح مع أن وقوع ذراعيه في حديث أبي جهيم كما روى في (شرح السنة) وقال: حديث حسن، ويديه وهو الظاهر في الذراعين كما في المتفق عليه يؤيد ذلك. فإن قلت: لِمَ لم يجعلوا الضربة ومسح الكفين فرضًا والزيادة سنة مكملًا له كما جعلوا الغسل مرتين أو ثلاثًا ومسح كل الرأس سنة في الوضوء؟ قلنا: المروي في الوضوء كلا الفعلين تارة فتارة، وجواز كليهما منصوص عليه، فلا جرم جعلوا المتيقن فرضًا والزيادة سنة، وفيما نحن فيه جاءت الأحاديث متعارضة، والسبيل ههنا الترجيح ورعاية الاحتياط صالحة لذلك، والقياس على الوضوء الذي

стр. 877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هو أصل التيمم أيضًا للترجيح لا أنه قياس في مقابلة النص، وهكذا الحال في الدلائل العقلية في مذهبنا يذكر لترجيح بعض الأحاديث على بعضها، والخصوم يزعمون أنها قياسات في مقابلة النص، ولا شك أن القياس على الوضوء أقرب من القياس على حد السرقة. فإن قلت: التعارض على تقدير أن تكون الأحاديث متساوية في المرتبة، والمحدثون حكموا أن أحاديث الضربتين والمرفقين غير مذكورة في الصحاح، قلنا: عدم ذكرها في الصحاح محل بحث كما نقلنا عن الحاكم والدارقطني، على أن عدم صحتها وقوتها في زمن الأئمة الذين استدلوا بها محلُّ مثع، إذ يحتمل أن تطرق الضعف والوهن فيها بعدهم من جهة لين بعض الرواة وضعفهم الذين رووها بعد زمن الأئمة، فالمتأخرون من المحدثين الذين جاؤوا بعدهم أوردوها في السنن دون الصحاح، ولا يلزم من وجود الضعف في الحديث عند المتأخرين وجوده عند المتقدمين، فرب حديث كان صحيحًا عندهم لقوة الرواة الذين كانوا عندهم، ثم تطرق الضعف لضعف بعض الرواة الذين رووه بعدهم، مثلًا رجال الإسناد في زمن أبي حنيفة ﵁ كان واحدًا إن كان ﵁ من التابعين أو اثنين أو ثلاثة إن لم يكن منهم كانوا ثقات من أهل الضبط والإتقان، ثم روى ذلك الحديث من بعده من لم يكن في تلك الدرجة، فصار الحديث عند علماء الحديث مثل البخاري ومسلم والترمذي وأمثالهم ضعيفًا، ولا يضر ذلك في الاستدلال به عند أبي حنيفة ﵁، فتدبر. وهذه نكتة جيدة قد أفيضت بفضل اللَّه على هذا العبد الضعيف سامحه اللَّه في رد من يتكلم في بعض الأحاديث التي تمسك به أئمتنا المتقدمون ﵏ هذا تحقيق المقام، واللَّه أعلم وبيده أزمة المرام.

стр. 878

١١ - باب الغسل المسنون ــ ١١ - باب الغسل المسنون أورد المؤلف في هذا الباب من الغسل المسنون أربعة: غسل الجمعة، وبعد غسل الميت، وبعد الحجامة، وعند الإسلام، ولم يذكر للعيدين مع أنه مسنون أو مندوب عند الأئمة إذ لم يصح عند المحدثين حديث في ذلك، ولم يذكر المؤلف في باب العيدين أيضًا حديثًا في ذلك، وما وجدناه في (جامع الأصول) من الكتب الستة، وما وجدنا في الكتب سوى حديثين حكموا عليهما بالضعف، أحدهما: ما ذكره الشُّمُنِّي من رواية ابن ماجه في (سننه) والطبراني في (معجمه) والبزار في (مسنده) عن الفاكه بن سعد قال (١): كان رسول اللَّه ﷺ يغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة، والفاكه بن سعد ﵁ ثبت صحته، بل بلغ حد الشهرة، ولم يعرف له غير هذا الحديث. وقال الشيخ ابن الهمام (٢): هذا حديث ضعيف كذا ذكره النووي وغيره، وذكر في شرح (كتاب الخرقي) (٣) هذا الحديث وقال: كان الفاكه بن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام، وقال: رواه عبد اللَّه بن أحمد في (زوائد المسند) وابن ماجه. وثانيهما ما ذكر السيوطي في (جمع الجوامع) عن الشعبي عن زياد بن عياض الأشعري أنه قال لقوم: كل فعل رأيته من رسول اللَّه ﷺ وجدتكم تفعلونه إلا أنكم لا تغتسلون يوم العيدين، رواه ابن منده وابن عساكر وقال: صحيح عن عياض،

стр. 879

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: زياد غير محفوظ، انتهى. وقد ذكر في (جامع الأصول) (١) من (الموطأ) أن عبد اللَّه بن عمر ﵄ كان يغتسل، وفي رواية: كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى، وقالوا: شدة مبالغته ﵁ في متابعة السنة تقتضي أنه قد صح الحديث في ذلك، قاله صاحب (سفر السعادة) (٢)، ولم يذكر المؤلف غسل يوم عرفة أيضًا، ولم يذكره أيضًا في الأحاديث الواردة في مناسك الحج مع ذكر الفقهاء إياه، ولم يذكر الغسل للإحرام مع وروده في الأحاديث، فكأنه اكتفى بذكره في موضعه، ولكن غسل الجمعة أيضًا مذكور في بابه، فتدبر. قال في (الهداية) (٣): وسن رسول اللَّه ﷺ الغسل للجمعة والعيدين ويوم عرفة وللإحرام، واللَّه أعلم. ثم إنهم قد اختلفوا في غسل يوم الجمعة، فالأكثر على أنه سنة ومستحب وهو مذهبنا ومذهب الشافعي والمختار في مذهب أحمد وعند مالك ﵏، وفي رواية عن أحمد واجب؛ لأنه قد ورد بصيغة الأمر كما جاء في رواية البخاري ومسلم والترمذي (والموطأ) والنسائي عن ابن عمر ﵄ قال (٤): قال رسول اللَّه ﷺ : (من جاء منكم يوم الجمعة فليغتسل)، وفي (الموطأ) (٥) عن ابن السباق: أن رسول اللَّه ﷺ قال

стр. 880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في جمعة من الجمع: (يا معشر المسلمين! إن هذا يوم جعله اللَّه عيدًا فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك)، وجاء بصريح لفظ الوجوب أيضًا كما رواه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وفي أخرى: (الغسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم)، وفي أخرى: (على كل محتلم، وأن يستن وأن يمس طيبًا إن وجد)، وقال عمر ﵁: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فاللَّه أعلم أواجب هو أم لا، ولكن هكذا جاء في الحديث، كذا عند البخاري. وجاء عند مسلم في الطيب: (ولو من طيب المرأة)، وفي (الموطأ) (١) عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: غسل الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الجنابة، وغيره من الأحاديث في معنى ما ذكرنا، لكن القائلين باستحباب الغسل يقولون: كما أنه وردت أحاديث ظاهرة في وجوب غسل الجمعة كذلك جاءت أحاديث في الاكتفاء بالوضوء أيضًا كالحديث المذكور في الكتاب عن سمرة بن جندب، كما روى الترمذي وأبو داود والنسائي، وقال في شرح (كتاب الخرقي) (٢): رواه الخمسة إلا ابن ماجه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأنس ﵃، وقال: حديث سمرة حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم اختاروا الغسل يوم الجمعة ورأوا أن يجزئ الوضوء عن الغسل.

стр. 881

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وروى الخمسة (١) إلا النسائي عن ابن عمر وأبي هريرة أن عمر ﵁ بينما هو يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من المهاجرين الأولين، وفي رواية أبي هريرة من رواية الأوزاعي: إذ دخل عثمان بن عفان ﵁، فنادى عمر: آية ساعة هذه؟ فقال: إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأت، فقال عمر ﵁: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر بالغسل، وفي حديث أبي هريرة: ألم تسمعوا أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)؟ . وقال الشافعي ﵀: ومما يدل على أمر النبي ﷺ بالغسل يوم الجمعة كان على الاختيار لا على الوجوب، وحديث عمر حيث قال لعثمان ﵄: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول اللَّه ﷺ أمر بالغسل يوم الجمعة، فلو عَلِمَا أن أمره على الوجوب لا على الاختيار لم يترك عمر عثمان ﵄ حتى كان يرده ويقول له: ارجع واغتسل، ولما خفي على عثمان ﵁ ذلك مع علمه، ولكن دلّ الحديث على أن الغسل يوم الجمعة فيه فضل من غير وجوب يجب على المرء ذلك. وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة)، الحديث، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال محمد ﵀ في (الموطأ) (٢): الغسل أفضل يوم الجمعة [وليس بواجب]، وفي هذا آثار كثيرة، وبهذا تحقق أن صيغة الأمر ولفظ الوجوب في هذا الباب للندب

стр. 882

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٣٧ - [١٢] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٧٧، م: ٨٤٤]. ــ والاستحباب وللتأكيد والمبالغة فيه. وبالجملة للقوم في إثبات سنية غسل الجمعة واستحبابه ثلاث طرق، أحدها: أن الوجوب كان في الابتداء بالدلائل الدالة عليه ثم نسخ، واستحب بما جاء من الدلائل، ولكن ادعاء النسخ بمجرد الاحتمال من غير علم بالتاريخ بعيد، وثانيها: انتهاء الحكم بانتهاء العلة كما يعلم من حديث أبي داود عن عكرمة على ما ذكر في الكتاب، كما ارتفع سهم المؤلفة القلوب من الغنائم، وقد يبقى الحكم مع انتهاء العلة كما في بقاء الرمل في الطواف، وثالثها: حمل الأمر على الندب والوجوب على الثبوت أو على التأكيد جمعًا بين الدلائل، وهذا المسلك أقوى وأقوم كما لا يخفى. الفصل الأول ٥٣٧ - [١] (ابن عمر ﵄) قوله: (إذا جاء أحدكم الجمعة) قال الطيبي (١): الظاهر أن الفاعل (الجمعة) على وتيرة قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ [الأعراف: ١٣١] ونظائره، وقد دلّ كلام الشيخ ابن حجر (٢) على أن الفاعل (أحدكم) لأن الفاء للتعقيب، وظاهره أن الغسل عقب المجيء وليس ذلك بمراد، وإنما المراد إذا أراد أحدكم، وقد جاء مصرّحًا به في رواية أبي الليث عن نافع: (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل)، انتهى. وفي حديث أبي هريرة: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة)، وفي رواية

стр. 883

٥٣٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٧٩، م: ٨٤٦]. ٥٣٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ رَأسَهُ وَجَسَدهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٩٧، م: ٨٤٩]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٤٠ - [٤] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنَعِمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ". . . . . ــ أخرى: (ثم أتى الجمعة)، انتهى. والظاهر أنه إن كان المراد بالجمعة يومها ويكون الغسل لليوم تكريمًا له، فالفاعل هو (الجمعة)، وإن كان المراد صلاتها كما هو المختار أن الغسل للصلاة بأدائها بطهارة كاملة فالفاعل (أحدكم)، فافهم. ٥٣٨ - [٢] (أبي سعيد الخدري) قوله: (على كل محتلم) أي: بالغ؛ لأن الصغير غير مأمور سواء كان الغسل ليوم الجمعة تكريمًا له أو لصلاتها تكميلًا لها. ٥٣٩ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (يومًا) المراد يوم الجمعة؛ لأن ورود الحديث في الترغيب في غسل الجمعة، ولا حاجة إلى حمل المطلق على المقيد، فافهم. وقوله: (يغسل فيه) استئناف لبيان السبب. الفصل الثاني ٥٤٠ - [٤] (سمرة بن جندب) قوله؛ (فبها ونعمت) الباء في (بها) متعلق بمحذوف، والضمير راجع إلى شيء يدل عليه المقام، والتقدير: من توضأ فبالفريضة

стр. 884

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ١٦، ٢٢، د: ٣٥٤، ت: ٤٩٧، ن: ١٣٨، دي: ١/ ٣٦٢]. ٥٤١ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ: "وَمَنْ حَمَلَهُ فَليَتَوَضَّأْ". [جه: ١٤٦٣، حم: ٢/ ٢٧٢، ٤٥٤، ت: ٩٩٣، د: ٣١٦١، ٣١٦٢]. ــ أخذ، وقيل: فبالرخصة أخذ، وقيل: فبهذه الخصلة ينال الفضل، والمتبادر فعليه بتلك الفعلة، أي: لإقامة أصل الفريضة التي لا يجوز تركها، وعلى كل تقدير معنى قوله: ونعمت الخصلة هي، فحذف المخصوص، أي: حسنت في حد ذاتها وإن كانت مفضولة بالنسبة إلى الغسل، وأما تقدير فنعمت السنة التي ترك فبعيد من اللفظ. ٥٤١ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (من غسل مَيِّتًا (فليغتسل) قال الطيبي (١): اختلف في وجوبه، الأكثرون على أنه غير واجب. وقوله: (ومن حمله فليتوضأ) قيل: أي مسه، وقيل: المراد ليكن على الوضوء حالة حمله ليمكنه الصلاة عليه إذا وضعه، ويجوز أن يكون بمجرد الحمل لأنه قربة، كذا في بعض الشروح. وفي (جامع الأصول) (٢) من (الموطأ): أن أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر ﵄ غسلت أبا بكر ﵁ حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة وإن هذا يوم شديد البرد، فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا، وعن

стр. 885

٥٤٢ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَة، وَمِنَ الْحَجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٤٨، ٣١٦٠]. ــ (الموطأ) أيضًا أن ابن عمر حنط ابنًا لسعيد بن زيد وحمله، ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ، وعن أبي داود والنسائي: أن رسول اللَّه ﷺ أمر عليًّا ﵁ بعد مواراة أبي طالب بالاغتسال ودعا له. وقال الترمذي (١): وفي الباب عن علي وعائشة ﵂، وحديث أبي هريرة حسن، وقد روي عن أبي هريرة موقوفًا، واختلف أهل العلم في الذي يُغَسّل الميت، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: إذا غسل ميتًا فعليه الغسل، وقال بعضهم: عليه الوضوء. وقال مالك بن أنس ﵁: أستحب الغسل من غسل الميت، ولا أرى ذلك واجبًا، وهكذا قال الشافعي ﵁، وقال [أحمد]: من غسّل ميتًا أرجو أن لا يجب عليه الغسل، وأما الوضوء فاقل ما [قيل] فيه، وقال إسحاق: لا بد من الوضوء، وقد روي عن عبد اللَّه بن المبارك أنه قال: لا يغتسل ولا يتوضأ مَنْ غَسّل الميتَ، انتهى. قال العبد الضعيف: وهكذا مذهب علمائنا، ولم يتعرضوا له في الكتب المشهورة لعدم الاعتناء به، ولم يذكره الترمذي؛ لأن عادته أن لا يذكر مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵏ في كتابه تعصبًا، تجاوز اللَّه عنه. ٥٤٢ - [٦] (عائشة) قوله: (من الجنابة ومن الحجامة) لإماطة الأذى، (ومن غسل الميت) لرشاش لا يؤمن، فالغسل لأجلها مستحب، وأما الغسل في يوم الجمعة

стр. 886

٥٤٣ - [٧] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٦٠٥، د: ٣٥٥، ن: ١٨٨]. ــ فلما كان لكرامته لم يظهر فيه معنى الغلبة فلم يصرح بمن، وقد ينصب يوم الجمعة على الظرفية، ثم قيل: إنه يفهم من هذا الحديث أنه ﷺ كان يغسل الميت ويغتسل منه، وقيل: معناه أنه ﷺ كان يرى الاغتسال ويأمر به فالإسناد مجازي، فإنه ﷺ ما غسّل ميتًا قطّ، وقال صاحب (الأزهار): الأول أقرب إلى اللفظ، ويتأيد بما ذكر صاحب (الحاوي) حكاية عن الشافعي أنه قال: إنما كان غسل الميت سنة مع ضعف هذا الحديث؛ لأنه ﷺ فعله، وكذلك أصحابه، كذا في بعض الشروح، واللَّه أعلم. ٥٤٣ - [٧] (قيس بن عاصم) قوله: (أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر) هذا لفظ الترمذي والنسائي، وظاهره أنه أمره بالغسل بعد الإسلام، ولفظ أبي داود: وقال قيس بن عاصم: أتيت رسول اللَّه ﷺ أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل، وهو ظاهر في تقديم الغسل، والأصح أن يؤمر أولًا بالشهادتين، ثم يغسل، واختلف في أنه واجب أو مستحب، والثاني أصح، وقيل: إن كان جنبًا وجب وإن لم يكن ندب، واستعمال السدر مع الماء متسحب إجماعًا مبالغة في التنظيف، قالوا: يستحب أن يغتسل ويغسل ثيابه ويحلق ويختتن، وفي (جامع الأصول) (١): لأبي داود: عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده أنه جاء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: قد أسلمت، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (ألق عنك شعر الكفر) -يقول: احلق-، [قال: وأخبرني آخر: أن النبي ﷺ ] قال لآخر معه: (ألق عنك شعر الكفر، واختتن).

стр. 887

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٤٤ - [٨] عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِنَّ ناسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاؤوا فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ. وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدْءُ الْغُسْلِ: كانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ، إِنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ، حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ، آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الرِّيَاحَ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا، ــ الفصل الثالث ٥٤٤ - [٨] (عكرمة) قوله: (أترى) من الرأي. وقوله: (ولكنه أطهر) الظاهر أن المقصود أنه أشد تطهيرًا، ولكن اسم التفضيل لا يشتق من المزيد، وقد قيل: قد يجيء اسم التفضيل من المزيد المضاعف إلا أن يحمل على الإسناد المجازي. وقوله: (كان الناس مجهودين) يقال: جهد الرجل فهو مجهود إذا وجد مشقة. وقوله: (كيف بدء الغسل) بالإضافة. وقوله: (إنما هو عريش) في (القاموس) (١): العرش والعريش: البيت الذي يستظل به. وقوله: (إذا كان هذا اليوم) أي: يوم الجمعة مطلقًا، فالسبب وإن كان مخصوصًا

стр. 888

وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَفْضَلَ مَا يجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ وَكُفُوا الْعَمَلَ، وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمُ، وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعَرَقِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٣]. * * * ١٢ - باب الحيض ــ باليوم الحار لكنه استحب عامًا كما هو المعتاد في قواعد الشرع، فهو أتم وأشمل وأضبط. وقوله: (وكفوا العمل) بالتخفيف على صيغة المجهول من كفاه مؤنة يكفيه كفاية. وقوله: (ووسع مسجدهم) هذا كلام ابن عباس ﵄ بعد زمان رسول اللَّه ﷺ زمن الصحابة وإلا فالتوسع في المسجد لم يحصل في زمنه ﷺ ، فتدبر. وقوله: (كان يؤذي) أي: بسببه. ١٢ - باب الحيض الحيض في اللغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال، ومنه الحوض لأن الماء يسيل إليه، وفي الشرع: دم ينفضه رحم امرأة بالغة من غير علة أو نفاس، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا فهي حائض وحائضة في لغة، وقيل: الحائض للدوام، والحائضة للحدوث، والحيضة بالفتح المرة، وبالكسر الاسم من الحيض، والحال التي تلزمها الحائض من التجنب، وقد يجيء بمعنى خرقة الحيض كما مرّ في (باب أحكام المياه).

стр. 889

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قالوا: والحكمة في إيجاده تربية الولد، فعند الحمل ينصرف ذلك الدم بإذن اللَّه تعالى إلى تغذية الولد، ولذلك لا تحيض الحامل، وعند الوضع يخرج ما فضل عن غذاء الولد من ذلك الدم، ثم يحيله اللَّه تعالى لبنًا يتغذى به الولد، ولذلك قلّ ما تحيض المرضع، فإذا خلت من حمل أو رضاع بقي ذلك الدم لا مصرف له في محله، ثم يخرج غالبًا في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام، وقد يكثر ويقل ويطول ويقصر على حسب ما ركبه اللَّه في الطباع. وأما بدء الحيض فقد قال النبي ﷺ : (هذا شيء كتبه اللَّه على بنات آدم)، وقال بعضهم: كان أول ما أرسل الحيض على نساء بني إسرائيل، وأخرج عبد الرزاق (١) عن ابن مسعود بإسناد صحيح قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، وكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى اللَّه عليهن الحيض ومنعهن المساجد. وقال البخاري: وحديث النبي ﷺ أكثر، أي: أشمل؛ لأنه عام، فيتناول الإسرائيليات ومن قبلهن، وقال الداودى: ليس بينهما مخالفة بصحة حمل بنات آدم في الحديث على الإسرائيليات فما بعدهن. وقال الشيخ (٢): يمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتعميم بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكئه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده، وهذا يناسب السبب الذي ذكره الشيخ من منعهن من المساجد، وقال: وقد روى الطبراني وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصة إبراهيم ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] أي:

стр. 890

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٤٥ - [١] عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآيَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اصنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ"، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ، ــ حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب، وروى الحاكم وغيره عن ابن عباس ﵄ أن ابتداء الحيض كان على حواء ﵍ بعد أن أهبطت من الجنة. الفصل الأول ٥٤٥ - [١] (أنس) قوله: (فيهم) وفي بعض الروايات: منهم. وقوله: (ولم يجامعوهن في البيوت) أي: لم يداخلوهن ويجالسوهن، لما كان المؤاكلة بالمرأة غالبًا مخصوصًا بالزوجة أو الأم مثلًا وحّد ضميرها، أما مداخلة البيوت والمجالسة فيكون مع الجماعة فجمعه، فافهم. وقوله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) وفي رواية النسائي: (إلا الجماع)، تفسير للآية وبيان لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بأن المراد من الاعتزال المجانبة من الوطء لا ما يشمل ترك المؤاكلة والمصاحبة، والنكاح في أصل اللغة الضم، ثم استعمل في الوطء لوجود الضم فيه، ثم استعمل في العقد، وكلاهما بعلاقة السببية واللزوم، الأول من إطلاق لفظ السبب الملزوم على المسبب اللازم، والثاني بالعكس، كذا في بعض شروح (الوقاية)، قال في (القاموس) (١): النكاح: الوطء والعقد له،

стр. 891

فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، أَفَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ فتغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، ــ وبالجملة ليس إطلاق النكاح على الوطء فرعًا لإطلاقه على العقد، كما قال الطيبي (١): إن المراد بالنكاح الجماع إطلاقًا لاسم السبب على المسبب؛ لأن عقد النكاح سبب للجماع، بل الأمر بالعكس أو مشترك فيهما، فتدبر. وهذا الحديث يدل على أنه يحل الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج، وهو مذهب أحمد وأبي يوسف ومحمد وبعض أصحاب الشافعي، وعند أبي حنيفة والشافعي ومالك ﵃: يحرم ملامسة الحائض فيما بين السرة والركبة، والأحاديث الآتية دالّة عليه، فكأنه رخص بعده واتسع الأمر. وقوله: (فجاء أسيد بن حضير) كلاهما بلفظ التصغير، (وعباد) على صيغة المبالغة، (ابن بشر) بكسر الباء. وقوله: (كذا وكذا) كناية عما ذكروه من وجوه الضرر في مجامعة الحائضات من العلل والأسقام. وقوله: (أفلا نجامعهن؟ ) أي: في البيوت، وهذا اللفظ في بعض النسخ بلفظ الخطاب للواحد خطابًا لرسول اللَّه ﷺ ، وذلك لغاية حرصهم على سلامته ﷺ من الضرر والآفة، وفي بعضها: فلا نجامعهن بلفظ المتكلم، وفي بعضها: أفلا، وفي بعضها: ألا، وهذا أصح، وزاد في رواية: في الحيض، وهذا الحديث رواه الجماعة إلا البخاري، وفي (المصابيح) أورده مختصرًا. وقوله: (وجد عليهما) أي: غضب على أسيد وعباد لقولهما: إن اليهود تقول

стр. 892

فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٢]. ٥٤٦ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَكِلَانَا جُنُبٌ، وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، ــ كذا وكذا، لما فيه من إساءة الأدب وتوجيه كلام اليهود، وجد عليه يجد وجدًا وجِدة ومَوْجدة بمعنى غضب. وقوله: (فاستقبلتهما هدية) أي: شخص معه هدية، والضمير في (أرسل) للنبي ﷺ أي: أرسل أحدًا أن يردهما إلى حضرته. وقوله: (فعرفا أنه لم يجد عليهما) أي: لم يغضب غضبًا شديدًا باقيًا. ٥٤٦ - [٢] (عائشة) قوله: (كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ ) بالرفع والنصب مثل جئت أنا وزيدًا، وقد سبق شرحه في (باب مخالطة الجنب). وقوله: (فأتزر) وقع في الأصول بالإدغام، قال التُّورِبِشْتِي (١): صوابه بهمزتين فإن إدغام الهمزة في التاء غير جائز، ولما كانت أم المؤمنين عائشة ﵂ من البلاغة بمكان لا يخفى على ذوي المعرفة بأساليب الكلام علمنا أنه نشأ من الرواة، وكذا أورده أبو موسى في كتمابه فقال: هو من تحريف الرواة، انتهى. وقال صاحب (القاموس) (٢): ائتزر، ولا يقال: اتزر، وقد جاء في الأحاديث ولعله من تحريف الرواة. وقال في (فتح الباري) (٣): كذا في روايتنا، وغيرها بتشديد التاء المثناة بعد

стр. 893

فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ، ــ الهمزة، وأصله فأءتزر بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة ثم المثناة بوزن أَفَتعِلُ، وأنكر أكثر النحاة الإدغام حتى قال صاحب (المفصل): إنه خطأ، لكن نقل غيره أنه مذهب الكوفيين، وحكاه الصغاني في (مجمع البحرين)، وقال ابن مالك: إنه مقصور على السماع، ومنه قراءة ابن محيصن ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بالتشديد، انتهى. وقال الكرماني (١): لا يجوز الإدغام فيه عند التصريف، وقال صاحب (المفصل): وقول من قال: اتزر خطأ، قلت: قول عائشة وهي من فصحاء العرب حجة في جوازه، فالمخطِّئ مخطئ، أو بأنه وقع من الرواة عنها، انتهى. قال العبد الضعيف -أصلح اللَّه حاله-: قد وقع في بعض الأحاديث ألفاظ على خلاف ما قرره اللغويون من القاعدة مثل هذه اللفظة، وكاستعمال قطّ في المستقبل وغيرهما فيحكمون بخطئها، وهذا لا يخلو عن شيء، لم لا يحكمون على القاعدة بالخطأ وعدم كلّيتها حتى يستثنوا منها هذه الصور؟ فلعلهم لم يحيطوا بها علمًا، وقد فعل بعض النحاة من أهل الإنصاف ذلك حتى ابن مالك جوز وقوع قطّ في المستقبل، وسيجيء ذلك في (باب الشفاعة). وقوله: (فيباشرني) أي: تواصل بشرته بشرتي، قال في (الفتح) (٢): وحد الفقهاء شد الإزار على وسطها بما بين السرة والركبة عملًا بالعرف الغالب، انتهى. وهذا دليل لأبي حنيفة ومن معه في حرمة الاستمتاع بما تحت الإزار، قال الكرماني (٣): مباشرة

стр. 894

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحائض أقسام: أحدها: أن يباشرها بالجماع، وهذا حرام بالإجماع، ولو اعتقد مسلم حله صار كافرًا، ولو فعله غير معتقد حفه فإن كان ناسيًا أو جاهلًا بوجود المحيض أو جاهلًا بتحريمه أو مكرهًا فلا إثم عليه ولا كفارة، وإن كان عامدًا عالمًا بالحيض وبالتحريم مختارًا فقد ارتكب معصية، نص الشافعي على أنها كبيرة، وتجب عليه التوبة، وفي وجوب الكفارة قولان، أصحهما وهو قول الأئمة الثلاثة أنه لا كفارة عليه. ثم اختلفوا في الكفارة فقيل: عتق رقبة، وقيل: دينار أو نصف دينار على اختلاف منهم، كل الدينار في أول الدم ونصفه في آخره، أو الدينار في زمن الدم ونصفه بعد انقطاعه. وثانيها: المباشرة فيما فوق السرة والركبة بالذكر أو باللمس أو بغير ذلك، وهو حلال بالاتفاق. وثالثها: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، فيه ثلاثة أوجه لأصحابنا أصحها: أنه حرام، وثانيها: مكروه كراهة تنزيه وهو المختار، وثالثها: إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج ويثق من نفسه بالاجتناب عنه، إما لضعف شهوته وإما لشدة ورعه جاز وإلا فلا. ثم اختلفوا فقال أبو حنيفة ﵁: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض حل وطؤها في الحال. وقال الجمهور: لا يحل إلا بعد الغسل محتجين بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] انتهى. ونحن نقول: في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ قراءتان بالتخفيف والتشديد، فحمل أبو حنيفة ﵀ قراءة التخفيف على الطهارة بانقطاع الدم، وقراءة التشديد على

стр. 895

وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٩، م: ٢٩٧]. ٥٤٧ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَع فَاهُ عَلَى مَوضع فِيَّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٠]. ٥٤٨ - [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي. . . . . ــ الاغتسال، واعتبر في انقطاع الدم لأكثر المدة للوطء أصل الطهارة الحاصلة بالانقطاع، وفي الانقطاع لأقلِّها الطهارة الكاملة الحاصلة بالغسل؛ لأنه ليس فيه مظنة الدم؛ لأن الحيض لا مزيد له على عشرة أيام، قال في (الهداية) (١): إلا أنه لا يستحب له الوطء قبل الاغتسال للنهي في القراءة بالتشديد. وقوله: (وكان يخرج رأسه إلي) فيه جواز إخراج المعتكف بعض أعضائه من المسجد. وقوله: (فاغسله) فيه جواز المباشرة مع الحائض. ٥٤٧ - [٣] (وعنها) قوله: (وأتعرق العرق) بالفتح والسكون عرق العظمَ عرقًا ومعرقًا كمقعد: أكل ما عليه من اللحم، كتعرَّقَه، والعَرْقُ، وكغراب: العَظْمُ أُكُلَ لَحْمُهُ، أو العرق: العظم بلحمه، فإذا أُكُلَ لحمه فعُراق، أو كلاهما لكليهما، كذا في (القاموس) (٢)، فقوله: أتعرق العرق إما على حقيقته أو من قبيل قتل قتيلًا. ٥٤٨ - [٤] (وعنها) قوله: (في حجري) بفتح الحاء وكسرها.

стр. 896

وَأَنَا حَائِضٌ، ثمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٧، م: ٣٠١]. ٥٤٩ - [٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "نَاوِلينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجدِ". فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: "إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٨]. ــ وقوله: (ثم يقرأ القرآن) يحتمل التراخي في الزمان وفي الرتبة، وهذا أظهر. ٥٤٩ - [٥] (وعنها) قوله: (ناوليني الخمرة) الخمرة بالضم وسكون الميم هي السجادة من حصير أو خوص بقدر ما يضع الساجد وجهه، وفي (القاموس) (١): حصيرة صغيرة من السعف والورس، انتهى. واشتقاقه من الخمر بمعنى التعلقة والتغطية. وقوله: (من المسجد) متعلق بـ (ناوليني) وهو الظاهر، والمراد مدي يدك وأنت خارجة فتناوليها منه ثم ناوليني إياها، أو ادخلي المسجد فخذيها من غير مكث، وهذا جائز عند الشافعية، يدل على ذلك كلام الشيخ ابن حجر، أو متعلق بـ (قال) لكنه بعيد، وفي بعض الشروح أن السابق إلى الفهم من العبارة أن يتعلق بـ (ناوليني)، ولكن الصواب أن يتعلق بـ (قال لي النبي ﷺ ) لما روى أبو هريرة: بينما النبي ﷺ في المسجد فقال: (يا عائشة! ناوليني الثوب)، فقالت: إني حائض، فقال: (إن حيضتك ليست في يدك)، رواه مسلم (٢). وأقول: لعل هذه قضية أخرى فلا شاهد فيه، ومما يدل على تعلقه بـ (ناوليني) ترجمة الترمذي إياه بـ (باب الحائض تتناول الشيء من المسجد)، وإيراده هذا الحديث ثم قوله: لا نعلم بين العلماء اختلافًا في أنه لا بأس أن تتناول الحائض شيئًا من المسجد.

стр. 897

٥٥٠ - [٦] وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي مِرْطٍ، بَعْضُهُ عَلَيَّ وَبَعْضُهُ عَلَيْهِ وَأَنا حَائِضٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٩، م: ٥١٣]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٥١ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ". . . . . ــ ٥٥٠ - [٦] (ميمونة) قوله: (يصلي في مرط) المرط بكسر الميم: كساء من صوف أو خز. الفصل الثاني ٥٥١ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (من أتى حائضًا) أي: مستحلًا وهو عالم بكونها حائضًا وبحرمة الوطء حالة الحيض وعامد ومختار كما بيّنًا، والإتيان بمعنى المجيء، والمجيء للمرأة يكون للجماع، وللكاهن للسؤال، فليس الإتيان ههنا مستعملًا بالاشتراك في الجماع والمجيء كما قيل، فافهم. ثم إن كان المراد الإتيان باستحلال وتصديق فالكفر محمول على ظاهره، وإن كان بدونهما فهو محمول على كفران النعمة، وفيه تغليظ وتشديد لا يخفى. هذا وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي في شرحه: الكفر ههنا بالنسبة إلى الحليلة، أو لأنه محمول على كفر النعمة بشهرة الخلاف في ذلك، فلم يوجد إجماع على تحريمه فضلًا عن علمه بالضرورة، وما كان كذلك لا يقول أحد بأن استحلاله كفر على أن الحديث ضعيف كما يأتي، انتهى. وعلى هذا فإتيان الأجنبية في دبرها يكون أشد شناعة ونكيرًا، وأما إتيان الذكران فأشد وأشد. وقوله: (بما أنزل على محمد) وهو القرآن لتحريمه الوطء حالة الحيض والإتيان

стр. 898

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَفِي رِوَايَتِهِمَا: "فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ حَكِيمِ الأَثْرَمِ عَنْ أَبِي تَمِيْمةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [ت: ١٣٥، جه: ٦٣٩، دي: ١/ ٢٥٩]. ــ في الدبر، ولتكذيبه الكهان. وقوله: (قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حكيم الأثرم عن أبي تميمة عن أبي هريرة)، وقال الترمذي بعد هذا الكلام: وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ، وقد روي عن النبي ﷺ قال: (من أتى حائضًا فليتصدق بدينار)، فلو كان إتيان الحائض كفرًا لم يؤمر فيه بالكفارة، وقال: وضعف محمد هذا الحديث من قبل إسناده، وأبو تميمة الهجيمي اسمه طريف بن مجالد، انتهى. وقال في (التقريب) (١): حكيم الأثرم البصري فيه لين، من السادسة، ونقل في الحاشية من (ميزان الاعتدال) (٢) أنه قال النسائي: ليس به بأس، وروي عن علي بن المديني أنه ثقة عندنا، وقال البخاري: لم يتابع على حديثه، قال في (الكاشف) (٣): طريف بن مجالد وثق، مات سنة سبع وتسعين، وفي (التهذيب) (٤): قال يحيى: ثقة، وقال العجلي: إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 899

٥٥٢ - [٨] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَحِلُّ لِي مِنِ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: "مَا فَوْقَ الإِزَارِ، وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ". رَوَاهُ رَزِينٌ. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ. [أخرجه د: ١٨٣]. ٥٥٣ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وَقَعَ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٣٦، د: ٢٦٦، ن: ٢٨٩، دي: ١/ ٢٥٤ - ٢٥٥، جه: ٦٤٠]. ٥٥٤ - [١٠] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ دَمًا أَحْمَرَ، فَدِينَارٌ وَإِذَا كَانَ دَمًا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣٧]. ــ ٥٥٢ - [٨] (معاذ بن جبل) قوله: (قال: ما فوق الإزار) يؤيد مذهب أبي حنيفة ﵁ بدلالة المقام، ومع ذلك قال: التعفف عن ذلك أفضل؛ لأنه ربما يؤدي إلى الوطء، وأما هو ﷺ فمأمون كما في تقبيل المرأة صائمًا ونحوه، فلا يتجه قول الطيبي (١) في الحكم بتضعيف الحديث، لو كان التعفف أفضل لكان رسول اللَّه ﷺ به أولى. ٥٥٣ - [٩] (ابن عباس) قوله: (إذا وقع الرجل بأهله) من الوِقاع بمعنى الجِماع. وقوله: (فليتصدق بنصف دينار) قد سبق بيانه فيما نقلنا من التفصيل من الكرماني. ٥٥٤ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (قال: إذا كان دمًا أحمر فدينار. . .) الحديث،

стр. 900

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٥٥ - [١١] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي وَهِىَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَشُدُّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا ثُمَّ شَأْنُكَ بِأَعْلَاهَا". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا. [ط: ١٥٩، دي: ٣/ ٢٣٩]. ٥٥٦ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ إِذَا حِضْتُ نزَلْتُ عَن الْمِثَالِ عَلَى الْحَصِيرِ، فَلَمْ نَقْرُبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . . . . . ــ قال الترمذي: حديث الكفارة في إتيان الحائض قد روي عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا أيضًا، وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال ابن المبارك: يستغفر ربه ولا كفارة عليه، وقد روي نحو قول ابن المبارك عن بعض التابعين، منهم سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ﵏. الفصل الثالث ٥٥٥ - [١١] (زيد بن أسلم) قوله: (ثم شأنك بأعلاها) مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي: مباحٌ، أو منصوب بإضمار فعل، أي: الزم، كذا قالوا، وأقول: أو يكون الخبر (بأعلاها) أي: متلبس به. ٥٥٦ - [١٢] (عائشة) قوله: (عن المثال) في (القاموس) (١): المثال: الفراش، والجمع أَمْثِلَةٌ ومُثُلٌ. وقوله: (فلم نقرب) على صيغة المتكلم مع الغير شاملًا لأمهات المؤمنين كلهن، أخبرت أولًا عن حالها ثم عممت، وفيه تفنن قريب من الالتفات، وفي بعض

стр. 901

وَلَمْ نَدْنُ مِنْهُ حَتَّى نَطْهُرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧١]. * * * ١٣ - باب المستحاضة ــ النسخ صحح بالياء بلفظ الغائب وفاعله رسول اللَّه ﷺ ، وكتب في الحاشية أن في أصول أبي داود كلّها بالنون، وهو الأظهر الأوفق بقوله: (ولم ندن منه حتى نطهر). ثم ظاهره ينافي ما سبق من الأحاديث من حل المباشرة والاستمتاع بغير الجماع أو بما فوق الإزار، فقيل: هذا منسوخ، أو المراد بالقرب الغشيان أو التمتع لما تحت الإزار. والأحسن ما قيل من أن المراد أن هذا كان شأنهن معه ﷺ حتى يدعوهن ويؤويهن إلى معاشرته، وهذا المعنى -أعني كون القرب ضد البعد- أقرب وأظهر إذا كان (نقرب) بلفظ المتكلم، والمعنى الأول -أعني كونه بمعنى الغشيان- إن كان بالياء، فافهم، واللَّه أعلم. ١٣ - باب المستحاضة المستحاضة من يسيل دمها لا من حيض بل ذلك من عرق يسمى العاذل، والاستحاضة يستعمل مشتقاته على لفظ المجهول، وكم من كلمات لا يستعمل إلا كذلك مثل: جن واستجن من الجنون، وأغمي عليه من الإغماء، فإن كان ذلك مبنيًا على أنها أفعال غير اختبارية وعوارض سماوية كما قيل، فهو غير مطَّرد، وكفى في نقضه الحائض من الحيض فإنه مثل المستحاضة من الاستحاضة غير اختياري، فالظاهر أنه سماعي غبر مطرد، فتدبر.

стр. 902

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٥٧ - [١] عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: "لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، ــ الفصل الأول ٥٥٧ - [١] (عائشة) قوله: (إني امرأة أستحاض) على لفظ المجهول، أي: دائم الاستحاضة، والقياس على ما قال أهل العربية أن يقال: تستحاض، لكنه قد ينظر إلى المعنى عرف ذلك في: أنا الذي سمتني أمي حيدره وقوله: (إنما ذلك عرق) أي: دم عرق، ويناسبه قوله: (وليس بحيض)، أو المراد المحل الذي يخرج منه الدم عرق لا رحم، قال الفقهاء: ما نقص عن أقل الحيض أو زاد على أكثره أو أكثر النفاس أو على عادة وجاوز الأكثر، أو استمر دمها، أو ما رأته حامل فهو استحاضة، فإن كانت مبتدأة فحيضها أكثر المدة، وإن كانت معتادة فعادتها، وما زاد فهو استحاضة، وهذا معنى قوله ﷺ : (فإذا أقبلت حيضتك) بكسر الحاء وفتحها، أي: أيام عادتك إن كانت معتادة، والظاهر أن هذه المرأة السائلة كانت معتادة، أو أيام أكثر الحيض إن كانت مبتدأة، هذا عندنا، وعند الباقين يعمل بالتمييز في المبتدأة إن كان دمًا أسود يحكم بأنه من الحيض كما جاء في الحديث الآتي عن عروة: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف)، الحديث، وعندنا لا يعمل بالتمييز لخفائه، وإن تعارضت العادة والتمييز فعند جمهور الشافعية يعتبر التمييز،

стр. 903

وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثمَّ صَلِّي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٨، ٣٠٦، م: ٣٣٣]. ــ ولم تعتبر العادة، وعند أحمد روايتان، وأكثر الأحاديث وردت في المعتادة، واللَّه أعلم. وقوله: (وإذا أدبرت) أي: الحيضة، أي: زمنها (فاغسلي عنك الدم) أي: واغتسلي. وقوله: (ثم صلي) أي: بعد هذا الاغتسال، وبعد ذلك تتوضأ لوقت كل صلاة عندنا، ولكل صلاة عند الشافعي لقوله ﷺ : (المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)، فاللام عندنا بمعنى الوقت كقولك: آتيك لصلاة الظهر، أي: وقتها، ولأن الوقت أقيم مقام الأداء تيسيرًا، فيدار الحكم عليه، وقد ورد في بعض الروايات: (المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة)، فيحمل عليه، كذا في (الهداية) (١). وقال الشيخ ابن الهمام (٢): ذكر سبط ابن الجوزي أن الإمام أبا حنيفة ﵁ رواه، وفي (شرح مختصر الطحاوي): روى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: (توضئي لوقت كل صلاة)، ولا شك أن هذا محكم بالنسبة إلى (لكل صلاة)؛ لأنه لا يحتمل غيره بخلاف الأول، فإن لفظ الصلاة شاع استعمالها في الشرع والعرف في وقتها فوجب حمله على المحكم، وقد رجح أيضًا أنه متروك الظاهر بالإجماع للإجماع على أنه لم يرد حقيقة كل صلاة لجواز النوافل مع الفرض بوضوء واحد، كذا قال الشيخ ابن الهمام.

стр. 904

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٥٨ - [٢] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فتوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٨٦، ن: ٢١٥]. ٥٥٩ - [٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . . . . . ــ الفصل الثاني ٥٥٨ - [٢] (عروة بن الزبير) قوله: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود) لا شك أنه باعتبار الأغلب، فإنه قد يكون دم الحيض غير أسود فيعسر اعتباره. وقوله: (يعرف) أي: تعرفه النساء باعتبار لونه وثخانته كما تعرفه باعتبار عادته، قيل: تعرف بالفوقانية على الخطاب، والصواب أنه بالتحتانية إذ لو كان كذلك لقال: تعرفين على خطاب المؤنث، وقيل: هو من العرف بالفتح والسكون وهو الرائحة، وفيه أن العرف هو الرائحة الطيبة لا المنتنة، بل الصواب أنه من المعرفة، كذا في بعض الشروح. ٥٥٩ - [٣] (أم سلمة) قوله: (إن امرأة كانت تهراق الدم) بضم التاء الفوقانية وفتح الهاء (١) على صيغة المجهول، أي: تَصُبُّ، والدم إما مرفوع لكونه مسندًا إليه، والألف واللام بدل من الإضافة، والتقدير يهراق دمها، أو لكونه بدلًا من الضمير في تهراق، وإما منصوب على أنه مفعول به لمقدر كأنه قيل: ما تهراق؟ فقيل: تهريق الدم،

стр. 905

فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ". رَوَاهُ مَالكٌ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ. [ط: ١٣٦، د: ٢٧٤، دي: ١/ ١٩٩ - ٢٠٠، ن: ٢٠٨]. ــ وقال زين العرب: منصوب على التشبيه بالمفعول كما في الصفة المشبهة، أو على التمييز وإن كانت معرفةً؛ لأن له نظائر فيكون اللام زائدة، وقيل: ذلك جائز على مذهب الكوفيين. وقال صاحب (الأزهار): على أنه مفعول به بأن يكون تهراق في الأصل تهريق على المعلوم، أبدلت كسرة الراء فتحة وانقلب الياء ألفًا على لغة من قال في ناصية: ناصاة، قال بعض الشارحين: هذا التوجيه عار عن التكلف المذكور في تصحيح النصب، قال الرافعي وغيره: ولكن العرب تعدل بالكلمة إلى ما هو في معناها، وهي في معنى تستحاض وهو على وزن ما لم يسم فاعله، ولم يجئ بالبناء للفاعل، هذا ما ذكره الشارحون في تصحيح هذه الكلمة، وقد سبق بيانه في آخر الفصل الثالث من (كتاب الإيمان) [رقم: ٤٦]، فلينظر ثمة. وقوله: (فاستفتت لها أم سلمة) هذا قول الراوي عن أم سلمة أو التفات منها. وقوله: (قبل أن يصيبها الذي أصابها) أي: الاستحاضة بدوام خروج الدم. وقوله: (فإذا خلفت ذلك) أي: تركت خلفها قدر زمن الحيض، أي: مضى ذلك الزمان. وقوله: (ثم لتستثفر) أي: تشدّ ثوبًا بين فخذيها، تحتجز به على موضع الدم ليمنع سيلانه، والاستثفار أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويًّا، وإدخال الكلب ذنبه بين

стр. 906

٥٦٠ - [٤] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ -قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: جَدُّ عَدِيٍّ اسْمُهُ دِينَارٌ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: ــ فخذيه حتى يلزقه ببطنه، والثفر بالتحريك: السير في مؤخر السرج، وقد يسكن، كذا في (القاموس) (١). ٥٦٠ - [٤] (عدي بن ثابت) قوله: (قال يحيى بن معين) في بيان اسم جده (٢): (جد عدي اسمه دينار) وبهذا يظهر أن ضمير جده راجع إلى عدي لا إلى ثابت، وهكذا يكون في أسانيد آخر بعبارة عن أبيه عن جده، وهو الظاهر من اللفظ الموافق لعود ضمير عن أبيه إليه، يقول الشراح في إسناد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إن الضمير في جده، إما أن يرجع إلى عمرو بن شعيب أو إلى أبيه، ويكون الحديث على الأول مرسلًا، وعلى الثاني منقطعًا (٣) مجرد احتمال ذكروه لبيان هذه الفائدة

стр. 907

"تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتَصُومُ، وَتُصَلِّي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٢٦، ١٢٧، د: ٢٩٧]. ٥٦١ - [٥] وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حِيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا؟ قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ. قَالَ: "أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ. . . . . ــ النفيسة، ولعلي قد بينته سابقًا أو سأبينه في موضعه، فتدبر. وقوله: (أيام أقرائها) جمع الأقراء باعتبار الأيام أو الأشهر. وقوله: (ثم تغتسل) وتصلي به (وتتوضأ) بعد ذلك (عند كل صلاة)، وفي رواية: (لكل صلاة)، وقال في (الهداية) (١): وقد جاء (لوقت كل صلاة)، كما ذكرنا، أي: تتوضأ وتصلي وإن انصب الدم كما هو حكم صاحب العذر كسلس البول ونحوه. ٥٦١ - [٥] (حمنة بنت جحش) قوله: (عن حمنة) بفتح الحاء وسكون الميم أخت زينب بن جحش أم المؤمنين. وقوله: (أستفتيه وأخبره) يدل على أن الواو لمطلق الجمع. وقوله: (أنعت لك الكرسف) أي: أصف لك القطن لتحشي به فرجك، والكرسف بضم الكاف والسين: القطن.

стр. 908

فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ". قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَتَلَجَّمِي"، قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَاتَّخِذِي ثَوْبًا" قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ، أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجَزَأَ عَنْكِ مِنَ الآخَرِ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ" فَقَالَ لَهَا: "إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ، ــ وقوله: (فإنه يذهب الدم) من الإذهاب، أي: يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج. وقوله: (فتلجمي) أي: شدي اللجام، في (القاموس) (١): اللجام ككتاب للدابة، فارسي معرب، وما تشده الحائض، والمراد مع وجود الكرسف أو بدونه، والظاهر الأول، واللَّه أعلم. وقوله: (فاتخذي ثوبًا) أي: تحت اللجام، و (الثج) سيلان الماء كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤]، وسيلان دم الهدي، ومنه: أفضل الحج العج والثج، ومطر ثجاج إذا انصب، ويقال: ثججت الماء إذا سكبته، وعلى هذا المفعول محذوف، أي: أثجّ الدم ثجًّا، وعلى الأول فيه مبالغة لا تخفى، كأنها جعلت نفسها دمًا فسالت مثل قولهم: فاضت عيني. وقوله: (أيهما) صحح بالنصب والرفع. وقوله: (وإن قويت عليهما) أي: على الأمرين بأن تقدر على أن تفعل أيهما شاءت. وقوله: (فأنت أعلم) أي: بما تختارينه منهما فاختاري أيهما شئت. وقوله: (هذه ركضة) أي: هذه العلة التي وقعت فيها إفساد وإضرار من الشيطان

стр. 909

فتحَيِّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أو سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلم اللَّهِ، ــ بالتلبيس عليك في أمر دينك وطهرك وصلاتك كما وقع في الحديث: (الرعاف من الشيطان) (١)، أو المراد أن الحالة التي ابتليت بها من الخبط والتحير ركضة من ركضات الشيطان، وأصل الركض الدفع والحركة وتحريك الرِّجل والضرب بها واستحثاث الفرس للعَدْوِ. وقوله: (فتحيضي) أي: التزمي أحكام الحيض وعدّي نفسك حائضًا، يقال: تحيضت المرأة إذا قعدت أيام حيضها عن صلاة، و (أو) في قوله: (أو سبعة أيام) ليس للشك ولا للتخيير، بل المراد اعتبري ما وافقك من عادات النساء المماثلة لك المشاركة لك في السن والقرابة والمسكن فكأنها كانت مبتدأة، فأمرها باعتبار غالب عادات النساء، كذا اختار الطيبي (٢) في توجيهه، ومنهم من ذهب إلى أن (أو) للشك من بعض الرواة، وإنما يكون النبي ﷺ قد ذكر أحد العددين اعتبارًا بالغالب من حال نساء قومها. وقال التُّورِبِشْتِي (٣): ويحتمل أنها أخبرته بعادتها قبل أن يصيبها ما أصابها، ومنهم من قال: إن ذلك من قول النبي ﷺ ، وقد خيرها بين كل واحد من العددين؛ لأنه العرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النساء، وقيل: أمرها ببناء الأمر على ما تبين لها من أحد العددين على سبيل التحري والاجتهاد. وقوله: (في علم اللَّه) أي: رجوعك إلى تلك العادة مندرج فيما أعلمك اللَّه على لساني أو في جملة ما علم اللَّه وشرعه للناس، ومن قال: إن (أو) للشك فله أن يقول: معناه: اللَّه أعلم بما قال النبي ﷺ .

стр. 910

ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَيتِ فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِك يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، وَإنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِينَ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِينَ الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ: الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ، وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِي، ــ وقوله: (حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت) أي: بالغت في التنقية، أي: مضت الأيام المذكورة وصرت طاهرة في حكم الشرع، ووقع في النسخ: استنقأت بالهمزة وهو خطأ، والصواب استنقيت لأنه ناقص لا مهموز، هكذا يعلم من كتب اللغة، واللَّه أعلم. وقوله: (فصلي) أي: بالوضوء عند كل صلاة. وقوله: (فإنه يجزئك) أي: يكفيك، أجزأني الشيء، أي: كفاني، ويروى بالياء، كذا في (النهاية) (١)، وقد جاء جزى أيضًا بمعنى كفى، وفي (القاموس) (٢): جزى الشيء يجزي: كفى، وعنه: قضى، وقال في (باب الهمزة): جَزَأَ وجَزّأ: اكتفى كاجتزأ. فهذا أول الأمرين المأمور بهما، وهو أن تتوضأ وتصلي في ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين ليلة وأيامها، وثاني الأمرين أن تغتسل فيها إما عند كل صلاة فرادى، وإما بالجمع بين صلاتي الظهر والعصر وصلاتي المغرب والعشاء، ولما كان الأول من هذين الصورتين -أعني الاغتسال عند كل صلاة- أشق وأصعب نزل ﷺ إلى الثاني أعني الجمع

стр. 911

وَصُومِي إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . ــ بين الصلاتين، فقال: (وإن قويت على أن تؤخرين الظهر وتعجلين العصر فتغتسلين) يعني غسلًا واحدًا، وتجمعين بين هذين الصلاتين، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بينهما فافعلي، وتغتسلين مع الفجر غسلًا على حدة، فيحصل لك ثلاث اغتسالات في اليوم والليلة، فافعلي وصلي وصومي. وقوله: (إن قدرت على ذلك) تكرير وإشارة إلى أن فيه مشقة وإن كان الغسل لكل صلاة أشق، ثم تأخير الظهر والمغرب عن وقتهما يحتمل أن يكون المراد به أداءهما في وقت العصر والعشاء كما يكون للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند الشافعية كما نقله الطيبي (١) من الخطابي وهو جمع حقيقي، ويحتمل أن يكون المراد أداء كل منهما في آخر وقته متصلًا بوقت العصر والعشاء، ثم أداء العصر والعشاء في وقتيهما وهو الجمع الظاهري الذي يؤول به أصحابنا جمع المسافر، فتغتسل للظهر وتصليها وتصلي العصر بعدها متصلًا، وكذا المغرب والعشاء، كما صرح به في شرح الشيخ. فإن قلت: لا يسع للحنفية هذا التأويل إذ عندهم ينقض خروج الوقت وضوء المعذور فينقض غسله أيضًا فلا تبقى طاهرة، فإنها تخالف سائر المعذورين، فقد أوجب عليها الغسل لكل صلاة بعض الصحابة كما سيذكر للعصر والعشاء، فلا يجدي هذا التأويل فيما نحن فيه نفعًا. قلنا: لعله لا ينقض الغسل في حق هذه المستحاضة بحكم هذا الحديث، وأصحابنا يخصون النقض بالوضوء بغير هذه القضية، على أنه يلزم مثل هذا الشيء على الشافعية أيضًا فإنهم يوجبون الوضوء على المعذور لكل صلاة، وفي هذه القضية لا يكون الغسل لكل صلاة، فلا بد من التخصيص، فافهم.

стр. 912

"وَهَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٦/ ٤٣٩، د: ٢٨٧، ت: ١٢٨]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٦٢ - [٦] عَن أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ تُصَلِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سُبْحَانَ اللَّهِ! . . . . . ــ وقوله: (وهذا أعجب الأمرين إلي) إشارة إلى الجمع بين صلاتين في الغسل، والأمر الآخر الغسل لكل صلاة، وهو مستفاد من قوله: (وإن قويت على أن تؤخرين الظهر وتؤخرين المغرب)، فإنه يفهم منه ضعفها وعجزها عن الاغتسال لكل صلاة، يعني إن لم تقوي على الاغتسال لكل صلاة فدعيه، وإن قدرت وقويت على الغسل لكل صلاتين فافعلي، كما قررناه في أثناء البيان، قالوا: وقد ذهب إلى إيجاب الغسل على المستحاضة لكل صلاة جمع من الصحابة منهم علي وابن الزبير وابن مسعود ﵃ على خلاف سائر المعذورين، وذهب ابن عباس إلى الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، قال الطيبي (١): مذهب علي أقرب وأليق بالفقه، ومذهب ابن عباس أشبه وأوفق بهذا الحديث، وبما ثبت وتقرر من عادته الشريفة أنه ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وأنه بعث بالحنيفية السهلة السمحة. الفصل الثالث ٦٥٢ - [٦] (أسماء بنت عميس) قوله: (فلم تصل) ظنًّا سنها أن الاستحاضة يمنع الصلاة.

стр. 913

إِنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، لِتَجْلِسَ فِي مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفَارَةً فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَوَضَّأُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: ــ وقوله: (هذا) أي: الاستحاضة كما مرّ من قوله: (إن هذه ركضة من ركضات الشيطان)، أو تركها الصلاة من غير سؤالها واستفتائها الحكم في ذلك. وقوله: (لتجلس) بلفظ الأمر، أي: للغسل أو لمعرفة الوقت. وقوله: (في مركن) أي: عنده، والمركن بكسر الميم وفتح الكاف: إناء كبير معروف يؤخذ فيه الماء للغسل. وقوله: (فإذا رأت صفارة) بضم الصاد بمعنى الصفرة فوق الماء يعني إذا قرب وقت العصر وطفق ينتهي وقت الظهر، فإن في هذا الوقت يتغير شعاع الشمس بل من ابتداء زوالها فتقرب إلى الصفرة، وهذا غير اصفرار الشمس في آخر وقت العصر قبيل المغرب الذي يكره فيه عصر اليوم، وهذا لمعرفة آخر وقت الظهر حتى تؤخر وتعجل العصر، كما مر في الحديث السابق. وقوله: (وتوضأ) وأصل توضأ لتتوضأ بتقدير اللام عطفًا على تجلس أو تغتسل، والتاء وهو لفظ الغائبة على وفق لتجلس وفلتغتسل. وقوله: (فيما بين ذلك) أي: العصر والعشاء يعني إذا اغتسلت للظهر والعصر توضأت مع ذلك للعصر، وإذا اغتسلت للمغرب والعشاء توضأت للعشاء، كذا في شرح الشيخ، وكتب في بعض الحواشي: أن المراد النوافل أي: تتوضأ لها إن شاءت أداءها، واللَّه أعلم.

стр. 914

٥٦٣ - [٧] رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. [د: ٢٩٦]. ــ ٥٦٣ - [٧] (ابن عباس) قوله: (لما اشتد) مفعول قال، أي: يروى أنه قال: لما اشتد (عليها الغسل) أي: لكل صلاة أمرها النبي ﷺ (أن تجمع بين الصلاتين) وهذا هو الأمر الثاني في الحديث الذي سبق، واللَّه أعلم وعلمه أحكم. تم كتاب الطهارة بعون اللَّه وتوفيقه، والآن نشرع في كتاب الصلاة، ونرجو تمامه بكرمه. * * *

стр. 915

(٤) كتاب الصلاة
следующие страницы →