وَصُومِي إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
بين الصلاتين، فقال: (وإن قويت على أن تؤخرين الظهر وتعجلين العصر فتغتسلين) يعني غسلًا واحدًا، وتجمعين بين هذين الصلاتين، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بينهما فافعلي، وتغتسلين مع الفجر غسلًا على حدة، فيحصل لك ثلاث اغتسالات في اليوم والليلة، فافعلي وصلي وصومي.
وقوله: (إن قدرت على ذلك) تكرير وإشارة إلى أن فيه مشقة وإن كان الغسل لكل صلاة أشق، ثم تأخير الظهر والمغرب عن وقتهما يحتمل أن يكون المراد به أداءهما في وقت العصر والعشاء كما يكون للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند الشافعية كما نقله الطيبي (١) من الخطابي وهو جمع حقيقي، ويحتمل أن يكون المراد أداء كل منهما في آخر وقته متصلًا بوقت العصر والعشاء، ثم أداء العصر والعشاء في وقتيهما وهو الجمع الظاهري الذي يؤول به أصحابنا جمع المسافر، فتغتسل للظهر وتصليها وتصلي العصر بعدها متصلًا، وكذا المغرب والعشاء، كما صرح به في شرح الشيخ.
فإن قلت: لا يسع للحنفية هذا التأويل إذ عندهم ينقض خروج الوقت وضوء المعذور فينقض غسله أيضًا فلا تبقى طاهرة، فإنها تخالف سائر المعذورين، فقد أوجب عليها الغسل لكل صلاة بعض الصحابة كما سيذكر للعصر والعشاء، فلا يجدي هذا التأويل فيما نحن فيه نفعًا. قلنا: لعله لا ينقض الغسل في حق هذه المستحاضة بحكم هذا الحديث، وأصحابنا يخصون النقض بالوضوء بغير هذه القضية، على أنه يلزم مثل هذا الشيء على الشافعية أيضًا فإنهم يوجبون الوضوء على المعذور لكل صلاة، وفي هذه القضية لا يكون الغسل لكل صلاة، فلا بد من التخصيص، فافهم.
стр. 912
"وَهَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٦/ ٤٣٩، د: ٢٨٧، ت: ١٢٨].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٦٢ - [٦] عَن أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ تُصَلِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سُبْحَانَ اللَّهِ! . . . . .
ــ
وقوله: (وهذا أعجب الأمرين إلي) إشارة إلى الجمع بين صلاتين في الغسل، والأمر الآخر الغسل لكل صلاة، وهو مستفاد من قوله: (وإن قويت على أن تؤخرين الظهر وتؤخرين المغرب)، فإنه يفهم منه ضعفها وعجزها عن الاغتسال لكل صلاة، يعني إن لم تقوي على الاغتسال لكل صلاة فدعيه، وإن قدرت وقويت على الغسل لكل صلاتين فافعلي، كما قررناه في أثناء البيان، قالوا: وقد ذهب إلى إيجاب الغسل على المستحاضة لكل صلاة جمع من الصحابة منهم علي وابن الزبير وابن مسعود ﵃ على خلاف سائر المعذورين، وذهب ابن عباس إلى الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، قال الطيبي (١): مذهب علي أقرب وأليق بالفقه، ومذهب ابن عباس أشبه وأوفق بهذا الحديث، وبما ثبت وتقرر من عادته الشريفة أنه ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وأنه بعث بالحنيفية السهلة السمحة.
الفصل الثالث
٦٥٢ - [٦] (أسماء بنت عميس) قوله: (فلم تصل) ظنًّا سنها أن الاستحاضة يمنع الصلاة.
стр. 913
إِنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، لِتَجْلِسَ فِي مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفَارَةً فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَوَضَّأُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ:
ــ
وقوله: (هذا) أي: الاستحاضة كما مرّ من قوله: (إن هذه ركضة من ركضات الشيطان)، أو تركها الصلاة من غير سؤالها واستفتائها الحكم في ذلك.
وقوله: (لتجلس) بلفظ الأمر، أي: للغسل أو لمعرفة الوقت.
وقوله: (في مركن) أي: عنده، والمركن بكسر الميم وفتح الكاف: إناء كبير معروف يؤخذ فيه الماء للغسل.
وقوله: (فإذا رأت صفارة) بضم الصاد بمعنى الصفرة فوق الماء يعني إذا قرب وقت العصر وطفق ينتهي وقت الظهر، فإن في هذا الوقت يتغير شعاع الشمس بل من ابتداء زوالها فتقرب إلى الصفرة، وهذا غير اصفرار الشمس في آخر وقت العصر قبيل المغرب الذي يكره فيه عصر اليوم، وهذا لمعرفة آخر وقت الظهر حتى تؤخر وتعجل العصر، كما مر في الحديث السابق.
وقوله: (وتوضأ) وأصل توضأ لتتوضأ بتقدير اللام عطفًا على تجلس أو تغتسل، والتاء وهو لفظ الغائبة على وفق لتجلس وفلتغتسل.
وقوله: (فيما بين ذلك) أي: العصر والعشاء يعني إذا اغتسلت للظهر والعصر توضأت مع ذلك للعصر، وإذا اغتسلت للمغرب والعشاء توضأت للعشاء، كذا في شرح الشيخ، وكتب في بعض الحواشي: أن المراد النوافل أي: تتوضأ لها إن شاءت أداءها، واللَّه أعلم.
стр. 914
٥٦٣ - [٧] رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. [د: ٢٩٦].
ــ
٥٦٣ - [٧] (ابن عباس) قوله: (لما اشتد) مفعول قال، أي: يروى أنه قال: لما اشتد (عليها الغسل) أي: لكل صلاة أمرها النبي ﷺ (أن تجمع بين الصلاتين) وهذا هو الأمر الثاني في الحديث الذي سبق، واللَّه أعلم وعلمه أحكم.
تم كتاب الطهارة بعون اللَّه وتوفيقه، والآن نشرع في كتاب الصلاة، ونرجو تمامه بكرمه.
* * *
стр. 915
(٤) كتاب الصلاة
стр. 916
(٤) كتاب الصلاة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٤ - كتاب الصلاة
المشهور أن الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء نقلت إلى العبادة المخصوصة لاشتمالها عليه، وقال في (القاموس) (١): الصلاة: الدعاء والرحمة والاستغفار، ولا يخفى أن المعنيين الأخيرين أيضًا يصلحان للنقل بعلاقة اللزوم، ثم إنه قد يجعل هذا اللفظ من الصلا أحد الصَّلوين بمعنى طرفي الأليتين، ويجعل أصلًا منقولًا عنه للعبادة المخصوصة؛ لأن المصلي يحرك الصلوين في ركوعه وسجوده، وأول ما يشاهد من أحوال الصلاة إنما هو تحريك الصلوين للركوع فإن القيام لا يختص بالصلاة، وقد يستبعد هذا لكون المعنى المنقول إليه أشهر وليس ببعيد، فإن ذلك ليس بقادح في النقل، فإن المعنى المجازي قد يصير أشهر وأكثر استعمالا من الحقيقة، والمنقول مع كونه حقيقة أحرى بذلك، ولا يذهب عليك أنه جاز أن يجعل هذا المعنى أصلًا بمعنى الدعاء أيضًا، فإن الداعي في تخشعه قد يحرك الصلوين، ثم إما أن يقال بنقلها منه إلى العبادة، أو ابتداء من غير وساطة، وأما قول صاحب (الكشاف) بنقله من العبادة المخصوصة إلى الدعاء فبعيد، وقد تكلمنا في وجه بُعده في حاشية البيضاوي.
وقيل: يمكن أن يشتق من صلى الفرسُ بمعنى: تلا السابقَ، وصار رأسُه عند
стр. 917
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٦٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٣].
ــ
صَلَاهُ؛ لأن الصلاة يتلو فيه اللاحقُ -أي: المقتدي- السابقَ، أي: الإمام، هذا وقد جاء صلا اللحمَ بالتخفيف: إذا شواه، وبالتشديد إذا حرقه وألقاه في النار، وصليت العصا بالنار: إذا لينتها وقومتها، وهذه المعاني أيضًا تصلح لأن يجعل منقولًا عنها، والصلاة كأنها تشوي نَفْس المصلي وتحرق ذنوبه بنار المجاهدة والمغفرة، وتقوِّمها من اعوجاج فيها فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وإلى المعنى الأخير أشار الطيبي (١) بنقله عن الشيخ الأجلِّ شهاب الدين السهروردي ﵀ ذكره في (عوارف المعارف)، فتدبر.
الفصل الأول
٥٦٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (الصلوات الخمس) الظاهر بملاحظة قرينه أن يكون المعنى: الصلوات الخمس إلى الصلوات الخمس، فيكون التكفير لما وقع بين اليومين، ويحتمل أن يكون المعنى: من صلاة إلى صلاة، فيكون التكفير لما وقع في كل صلاتين، والثاني هو المراد؛ للأحاديث المصرِّحة بذلك.
وقوله: (والجمعة إلى الجمعة) أي: صلاتها، (ورمضان إلى رمضان) أي: صومه.
وقوله: (لما بينهن) أي: من الصغائر.
ثم ظاهر الحديث أن التكفير مشروط باجتناب الكبائر، فإن لم تُجتنب الكبائر لم تُكفَّر الصغائر، وكذا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ
стр. 918
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، لكن علماءنا حملوا على معنى الاستثناء بدلالة ما ثبت عندهم أن المكفَّر هي الصغائر دون الكبائر.
وفي (مجمع البحار) (١) من النووي في شرح مسلم في حديث: (كانت كفارة لما قبلها ما لم يؤت كبيرة) أي: مكفرة للذنوب كلها غير الكبائر، ولا يريد اشتراط الغفران باجتنابها، وفي تعليقه للترمذي: لا بد في حقوق الناس من القصاص ولو صغيرةً، وفي الكبائر من التوبة، ثم ورد وعد المغفرة في الصلوات الخمس والجمعة ورمضان فإذا تكرر يُغفر بأولها الصغائر وبالبواقي يُخفف عن الكبائر، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة يرفع بها الدرجات، انتهى.
وبما ذكر ينحل ما يقال: إنه إذ كفّر ما بين الصلاتين فماذا يبقى للجمعة، وإذا كفر بين الجمعات فماذا يبقى لرمضان؟ تأمل، والمشهور في توجيهه أن المراد إثبات صلاحية التكفير لكل من الأمور، فإذا اجتمعت فهو نور على نور؛ كالسرج المجتمعة في البيت، وكحمل جماعة الحجر الذي يستقل به كل منهم، وذكر في بعض الشروح أن الخمس مكفرة في حق المحافظ عليها، والجمعة في حق من لم يحافظ عليها، ورمضان في حق من لم يحافظ عليهما، ومعناه أن المجموع مكفِّر.
فإن قلت: فيلزم من هذا التكفيرُ بدون اجتناب الكبائر إذ ترك الصلوات الخمس والجمعة كبيرة كما ذكر بعض العلماء، قلنا: قد عرفت أن معنى الشرط غير مراد بل المراد معنى الاستثناء، هذا والظاهر أن المراد بالمحافظة رعاية الآداب والسنن والمستحبات كما فسروا بها في الأحاديث، فافهم.
стр. 919
٥٦٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنهِ شَيْءٌ؟ " قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنهِ شَيْءٌ. قَالَ: "فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٨، م: ٦٦٧].
ــ
ثم المفهوم من الحديث اشتراط اجتماع الصلاتين أو الجمعتين أو رمضانين، فلو كانت أول صلاة أو جمعة أو رمضان لم يكفَّر ما قبلها، والظاهر أنها تكفر لما قبلها، وورود الحديث باعتبار الغالب، واللَّه أعلم.
٥٦٥ - [٢] (عنه) قوله: (لو أن نهرًا بباب أحدكم) أي: لو ثبت أن نهرًا جارٍ أو يجري بباب أحدكم أو كائن فيه لما بقي الدرن؟ فوضع الاستفهام موضعه تقريرًا وتأكيدًا، ولهذا زيدت (من) الاستغرقية، والنهر بفتح الهاء وسكونها: ما بين جنبتي الوادي من مجرى الماء، ثم سمي بذلك الماء لسعته، والنهر محركة: السعة، أنهره: وسَّعه، ولذلك سمي النهار لسعة ضوئه.
وقوله: (لا يبقى) بفتح أوله، و (شيء) بالرفع في السؤال والجواب، وفي رواية البخاري مكان: هل يبقى من درنه شيء): (ما تقول ذلك يُبْقي من درنه) بالخطاب العام، وفي رواية له: (ما تقولون) بلفظ الجمع، و (ذلك) إشارة إلى الاغتسال.
وقال الشيخ (١): فيه شاهد على إجراء فعل القول مجرى فعل الظن، وشرطه أن يكون مضارعًا مسندًا إلى المخاطب، متصلًا باستفهام، و (يبقي) بضم الياء من الإبقاء، وفيه تصريح بتأثير الصلاة في رفع الذنوب، ولم يذكر في روايته لفظ (شيء) وكذا في الجواب، وما ذكر في الكتاب لفظ مسلم، ويُعْلِم ذلك أن المؤلف قد ينسب الحديث
стр. 920
٥٦٦ - [٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ. . . . .
ــ
إلى الشيخين ويحكم بكونه متفقًا عليه مع اختلاف في لفظيهما، وقد يصرح بالاختلاف ولعل ذلك فيما يفحش التفاوت والاختلاف، فتدبر.
٥٦٦ - [٣] (ابن مسعود) قوله: (إن رجلا) قيل: هو أبو اليسر بفتح الياء التحتانية وفتح السين المهملة، الأنصاري، كان يبيع التمر، فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: إن في البيت أجود من هذا التمر فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه فقبلها، فقالت له: اتق اللَّه فتركها وندم فأتى النبي ﷺ ، وقيل: غيره.
وقوله: (أصاب من امرأة قبلة) وفي رواية غير الشيخين: فغمزها وقبّلها ثم فرغ، فخرج فلقي أمير المؤمنين خليفة رسول اللَّه ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ فأخبره، فقال: تب ولا تعد، ثم أتى النبي ﷺ ، ثم قال الشيخ: لم أقف على اسم المرأة، لكن قد جاء في بعض الأحاديث أنها من الأنصار.
وقوله: (فأخبره) أي: فسكت النبي ﷺ وصلى الرجل، دل عليه الجزء الآتي، وجاء في رواية: فقال: أنتظر أمر ربي، فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: أصليت؟ فقال: نعم، فقال: اذهب فإنها كفارة لما عملت (١).
وقوله: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾) قالوا: المراد بطرفي النهار صلاة الفجر والظهر إذ هما في الطرف الأول من اليوم، والعصر والمغرب إذ هما في الطرف الثاني منه، وجَعْلُ المغرب فيه تغليب أو من مجاز المجاورة، وفسر صاحب (الكشاف) وتبعه
стр. 921
وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذَا؟ قَالَ: "لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ". . . . .
ــ
البيضاوي (١) (طرفي النهار) بالغدوة والعشية، وفسّرا صلاة الغدوة بصلاة الصبح، وصلاة الزلف بالمغرب والعشاء، ولكن البيضاوي خص صلاة العشية بالعصر، وصاحب (الكشاف) فسرها بالظهر والعصر؛ لأن ما بعد الزوال عشي، وعلى قول البيضاوي لا تشمل الآية الصلوات الخمس، ولا بأس به.
(﴿وَزُلَفًا﴾) بضم الزاي وفتح اللام جمع زلفة بسكون اللام كالظلم في ظلمة، من أزلفه: إذا قربه، والمراد بها الساعات؛ لأنها تقرب بعضها مع بعض، ولأنها تقرب من النهار، ودلّ الحديث السابق من أبي هريرة ﵁ أن المراد بالسيئات الصغائر، قال الشيخ: واحتج المرجئة بظاهر الآية على أن أفعال الخير مكفِّرة للكبائر والصغائر، وحمله جمهور أهل السنة على الصغائر، انتهى.
وجوز صاحب (الكشاف) (٢) حملها على معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وهو يخالف سبب النزول كما لا يخفى.
وقوله: (ألي) بفتح الهمزة استفهامًا والياء مفتوحة أو ساكنة، والظاهر أن صاحب القضية هو السائل عن ذلك، وجاء في رواية: (فقال إنسان: أله خاصة؟ ) وفي أخرى: (فقال معاذ: أله وحده أم للناس كافة؟ ) ويحمل على تعدد القضية.
وقوله: (لجميع أمتي كلهم) قال الشيخ (٣): سقط (كلهم) من رواية المستملي.
стр. 922
وَفِي رِوَايَةٍ: "لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦٨٧، م: ٢٧٦٣].
٥٦٧ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَليَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ، قَامَ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: "أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ أَو حَدَّكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٢٣، م: ٢٧٦٤].
ــ
وقوله: (وفي رواية: لمن عمل بها) وهي أيضًا عامة؛ لأن (من) الموصولة بالفعل من صيغ العموم.
٥٦٧ - [٤] (أنس) قوله: (إني أصبت حدًا) أي: موجِبه، ظاهره أنه ارتكب كبيرة، وقد حكم ﷺ بغفرانه بواسطة صلاته معه، إلا أن يقال: زعم الرجل أنه يوجب الحد، أو أراد بالحد ما يشمل التعزير، وأيضا الظاهر من عدم سؤاله ﷺ وتنقيرهِ أنه فعل صغيرة أو كبيرة أن المغفرة تعمهما، إلا أن يقال: إنه علم ﷺ بالقرينة أو الوحي أنه لم يصب حدًا فلذلك لم يسأله، ولذلك أيضًا قال الرجل ثانيًا.
وقوله: (فأقم فيّ كتاب اللَّه) أي: أقم بما يكون من شأني حدًّا كان أو غيره، فافهم. وأقول وباللَّه العصمة والتوفيق: لعل هذا من خصوصيات الصلاة معه ﷺ ولذلك قال: (أليس قد صليت معنا؟ )، والحديث السابق في الصلاة مع غيره، وقد روى صاحب (الكشاف) هنالك أنه ﷺ أمر الرجل بأن يتوضأ ويصلي ركعتين، واللَّه أعلم.
وقوله: (فأقم فيّ) قال أولًا: (فأقم الحد علي)، وههنا قال: (فأقم فيّ) تفننًا، ويمكن أن يجعل (فيّ) متعلقًا بكتاب اللَّه، أي: النازل في شأن هذا الحكم، قدِّم عليه
стр. 923
٥٦٨ - [٥] وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا" قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: . . . . .
ــ
للاهتمام، ووجهه الطيبي (١) بما حاصله: أن للحد استعلاءً على العبد ولحكم اللَّه استقرارًا فيه، ولا يخفى ما فيه من الخفاء.
٥٦٨ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (أي الأعمال أحب إلى اللَّه تعالى؟ ) وفي رواية: أي العمل أفضل؟
وقوله: (الصلاة لوقتها) وفي لفظ البخاري: (على وقتها)، قال الشيخ (٢): اتفق أصحاب شعبة على لفظ (على وقتها)، وخالفهم علي بن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم، فقال: (الصلاة في أول وقتها)، أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي من طريقه، قال الدارقطني: ما أحسبه حفظه لأنه كبر وتغير حفظه، وقد أطلق النووي في (شرح المهذب) أن رواية: (في أول وقتها) ضعيفة، لكن لها طريق أخرى أخرجها ابن خزيمة والحاكم وغيرهما، وكل من رواها كذلك ظن أن المعنى واحد، ويمكن أن يكون أخذه من لفظه على؛ لأنها يقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فتعين أوله، وقال: اللام في لوقتها للاستقبال مثل قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: مستقبلاتِ عدتهن، وقيل: للابتداء كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقيل: بمعنى (في) أي: في وقتها، وقيل في رواية: (على وقتها): على بمعنى اللام ففيه ما تقدم، وقيل: لإرادة الاستعلاء على الوقت، وفائدته تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه.
وقوله: (ثم أي؟ ) قيل: إنه غير منون لأنه موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه فتنوينه ووصلُه بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة،
стр. 924
"بِرُّ الْوَالِدَيْنِ" قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٧، م: ٨٥].
ــ
ثم يؤتى بما بعده، وجزم بعضهم بتنوينه لأنه معربٌ غير مضاف، وتعقِّب بأنه مضاف تقديرًا، والتقدير: ثم أيّ العمل أحب؟ فيوقف عليه بلا تنوين، كذا ذكر الشيخ.
وقوله: (بر الوالدين) كذا للأكثر، وللمستملي (ثم بر الوالدين) بزيادة (ثم).
وقوله: (حدثني بهن) هو مقول عبد اللَّه بن مسعود، وفيه تقرير وتأكيد بسماعه.
وقوله: (ولو استزدته) والظاهر أن المراد: من هذا النوع، وهي مراتب أفضل الأعمال، قال الشيخ (١): ويحتمل أن يريد من مطلق المسائل المحتاج إليها، وفي رواية الترمذي (٢): (فسكت عني رسول اللَّه ﷺ ولو استزدته لزادني)، فكأنه استشعر منه مشقة، وفي رواية مسلم: (فما تركت أستزيده إلا إرعاء عليه) أي: شفقة عليه لئلا يسأم، كذا قال الشيخ، وبمكن أن يكون عدم الاستزادة رعاية للأدب، وترك السؤال عن مسائل شتى في وقت واحد.
واعلم أنه قد اختلفت الأحاديث في بيان أفضل الأعمال كما ورد أن خير أعمال الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام، وأن أفضل الأعمال أن يسلم المسلمون من يده ولسانه، وأن أحب الأعمال إلى اللَّه أدومها، وأن الذكر خير الأعمال، وأن أفضل الأعمال جهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة، وقد ورد: أحسن العمل وأجمله حج مبرور، وأمثال ذلك، ومحصل ما قال العلماء في تطبيقها: إن اختلاف الجواب لاختلاف السائلين، بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات، فالجهاد في ابتداء الإسلام أفضل
стр. 925
٥٦٩ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٢].
ــ
الأعمال، وقد تظاهرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن المراد بأفعل التفضيل الفضل المطلق أو المراد: من أفضل الأعمال، فحذفت من وهي مرادة، وإذا أريد بالأعمال البدنية فالإيمان خارج من المبحث. وقد ورد: أفضل الأعمال إيمان باللَّه، وينبغي أن يكون المراد بالجهاد ما ليس بفرض عين، فإنه يتوقف على إذن الوالدين فيكون برهما مقدمًا عليه.
والأحسن أن يقال: إن المراد أحب وأفضل في بابه، فالصلاة بالليل أفضل في باب العبادة البدنية، والصدقة في باب الجود والمواساة، وإفشاء السلام في باب التواضع، والجهاد في باب إعلاء الدين، وعلى هذا القياس، وقد قيل مثل هذا في تسمية قصة يوسف أحسن القصص ونحو ذلك.
٥٦٩ - [٦] (جابر) قوله: (بين العبد والكفر ترك الصلاة) ظاهر اللفظ أن يكون التقدير: الفارق بين العبد والكفر ترك الصلاة، وهو مشكل فإن الفارق بينهما الصلاة دون تركها، واضطربوا في توجيهه، وذكروا فيه ثلاث وجوه:
أحدها: أن فعل الصلاة هو الحاجز، ولما لم يكن بين المنزلتين منزلة، والتهاون بحفظ حد الشرع كاد يفضي بصاحبه إلى حد الكفر، عبّر عنه بارتفاع البينونة.
وثانيها: أن يؤوَّل ترك الصلاة بالحد الواقع بينهما، فمن تركها دخل الحد وحام حول الكفر ودنا منه، فالمراد أن حد الإسلام إلى ترك الصلاة، فإذا وصل العبد إليه خرج عن الإسلام لانتهاء حده.
وثالثها: أن التقدير: ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر (١)، كذا قالوا.
стр. 926
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٧٠ - [٧] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ،
ــ
والوجه الأول أخفى الوجوه لا يكاد يفهم المقصود منه، ولا يستقر الذهن في فهمه، وحاصله: أن الصلاة كانت حاجزة من وصوله إلى الكفر كالجدار بين الرجلين، فلما تركت ارتفع الحاجز فوصل إليه، فافهم. والوجه الثاني فيه من الظهور ما يقربه إلى الفهم، وأما الثالث فاظهر في المقصود وإن كان خلاف المتبادر من اللفظ.
ويمكن أن يكون المراد بالعبد المؤمن وبالكفر الكافر، والمعنى: أن الفارق بين المؤمن والكافر ترك الصلاة، وهو صحيح لوجوده في الكافر دون المؤمن، فإن من حق ما به الفرق أن يوجد في أحد الطرفين دون الآخر، فالصلاة أيضًا فارقة بينهما بوجودها في المؤمن دون الكافر، فكذا ترك الصلاة فارق لوجوده في الكافر دون المؤمن، وهذا معنًى صحيح واضح، غير ما فيه من التكلف في إرادة المؤمن والكافر من العبد والكفر وإرادة الإسلام والكفر منهما، واللَّه أعلم.
وعلى كل تقدير هذا تغليظ وتشديد على ترك الصلاة؛ فإن المؤمن لا يكفر بترك الصلاة عندنا ما لم يستحلّ أو يستخفّ، وقد يروى عن بعض الصحابة ما ظاهره التكفير، وذهب بعضهم إلى قتل تاركها وهو مذهب الشافعي ومالك -رحمهما اللَّه- وإن كان مؤمنًا، وعند الحنفية يسجن ويضرب حتى يصلي.
الفصل الثاني
٥٧٠ - [٧] (عبادة بن الصامت) قوله: (وأتم ركوعهن وخشوعهن) يحتمل أن يراد بالخشوع السجود، ووجه تخصيص الركوع والسجود بالذكر لزيادة الاهتمام بهما
стр. 927
كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [حم: ٥/ ٣١٧، د: ٤٢٥، ط: ٢٦٨، ن: ٤٦١].
ــ
وتهاون الناس فيهما غالبًا.
وقوله: (كان له على اللَّه عهد) أي: كان [على] اللَّه تعالى له وعد، عبّر به عن ثبوت الوعد للعبد عليه تعالى لعدم خُلفه، قال التُّورِبِشْتِي (١): العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، ومنه سمي الموثق الذي يلزم العبادَ مراعاتُه عهدًا، وعهد اللَّه ما أوصاهم بحفظه فلا يسعهم إضاعته، ثم سمي ما كان من اللَّه تعالى على طريق المجازاة لعباده عهدًا على نهج الاتّساع؛ لأنه وجد في مقابلة عهده على العباد؛ لأن اللَّه تعالى وعد القائمين بحفظ عهدهم أن لا يعذبهم، وهو بإنجاز وعده ضمين، فسمي وعده عهدًا؛ لأنه أوثق من كل عهد.
وفي (مجمع البحار) (٢): العهد يكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفاظ ورعاية الحرمة والوصية، وقال: ولا تخرج الأحاديث عن أحدها، وزاد في (القاموس) (٣): المَوْثِقُ والالتقاء والمعرفة، ومنه: عهدي بموضع كذا، والزمان والوفاء وتوحيد اللَّه تعالى، ومنه: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]، والضمان.
وفي الحديث دليل على أن تارك الصلاة ليس بكافر، وأن مرتكب الكبيرة لا يجب تعذيبه وتخليده فيه كما هو مذهب أهل السنة.
стр. 928
٥٧١ - [٨] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٥/ ٢٥١، ٢٦٢، ت: ٦١٦].
٥٧٢ - [٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مُرُوا أَوْلَادَكمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَكَذَا رَوَاهُ فِي "شرح السّنة" عَنْهُ. [د: ٤٩٥، شرح السنة: ١/ ١٣١].
٥٧٣ - [١٠] وَفِي "المصابيح" عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ.
ــ
٥٧١ - [٨] (أبو أمامة) قوله: (صلوا خمسكم) الحديث، ولعل الحج لم يفرض إذ ذاك، والإضافة للتنبيه على كمال اختصاصهم بطاعة ربهم كاختصاصهم به سبحانه.
٥٧٢ - [٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (مروا أولادكم بالصلاة) وفي رواية: (صبيانكم)، ومُرْ أمرٌ من تَأْمُر حذفت همزته في الابتداء تخفيفًا، كما في خذ وسل، وتثبت في الوصل، وفي سل قد يثبت في الابتداء أيضًا.
وقوله: (وهم) فيه تغليب الذكور على الإناث، وتعيين السبع؛ لأنه أول وقت تحدث فيه القوة في بدن الآدمي، وفي كل سبع يحدث من القوة ما ليس قبله كما ذكر في موضعه، وبعد تمام السبع الثاني يحصل البلوغ، والعشر أول العقود فيتأكد الأمر حتى يصل إلى الضرب، وتحدث فيه قوة قريبة من حد البلوغ ولذا يفرق في المضاجع، والمراد التفريق بين الأخ والأخت، وفي غيرهما بطريق الأولى.
٥٧٣ - [١٠] (سبرة بن معبد) قوله: (عن سبرة) بفتح السين المهملة وإسكان الموحدة، (ابن معبد) بفتح اليم وسكون العين، الجهني، له صحبة.
فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا، فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ. فَقَالَ عُمَرَ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: وَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ، فَاتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا فَدَعَاهُ، وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هَذَا لَهُ خَاصَّة؟ قَالَ: "بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٦٣].
٥٧٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ زَمَنَ الشِّتَاءِ وَالْوَرَقُ يَتَهَافَتُ،
ــ
عالجه: زاوله، أي: داعبتها ولاعبتها، وقد جاء في بعض الطرق: أنه قبّلها وغمزها، وهذه هي قصة أبي اليسر أو غيرها وهو الظاهر؛ لأن السائل هناك كان هو نفسه، وههنا رجل من القوم، قيل: هو عمر بن الخطاب أو معاذ بن جبل ﵄، وأيضًا كان الآمر بستره هناك أبو بكر وههنا عمر ﵄، واللَّه أعلم.
وقوله: (فأنا هذا) أي: حاضر بين يديك فـ (لم يرد النبي ﷺ عليه (١)) أي: على عمر ﵁؛ لأن قوله كان حقًّا، ويحتمل أن يكون المراد: لم يردّ على الرجل، أي: لم يجبه بشيء كما جاء في رواية أخرى: (فسكت).
٥٧٦ - [١٣] (أبو ذر) قوله: (يتهافت) في (القاموس) (٢): التهافت: التساقط
стр. 931
فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ، قَالَ: فَجَعَلَ ذَلِكَ الْوَرَقُ يَتَهَافَتُ، قَالَ: فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ" قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "إِنَّ العَبْدَ الْمُسْلِمَ لِيُصَلِّ الصَّلَاة يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ فَتَهَافَتُ عَنْهُ ذنُوبُهُ كَمَا تَهَافَتَ هَذَا الْوَرَقُ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٧٩].
٥٧٧ - [١٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ لَا يَسْهُو فِيهِمَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٩٤].
٥٧٨ - [١٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ. . . . .
ــ
والتتابع.
وقوله: (فجعل ذلك الورق) جعل من الأفعال الناقصة، أي: طفقت الأوراق تتهافت، أي: أكثر وأسرع مما كانت تتهافت.
وقوله: (فتهافت) بالرفع أصله: تتهافت.
وقوله: (كما تهافت) على صيغة الماضي باعتبار لفظ (هذا الورق) لكونه اسم جنس، وقد ضبط بالرفع أيضًا، وفي نسخة: (يتهافت) بالتحتانية.
٥٧٧ - [١٤] (زيد بن خالد الجهني) قوله: (من صلى سجدتين) أي: ركعتين، وقد غلب التعبير بالركعة والسجدة عن الصلاة، والأول أغلب؛ لأن الركوع أولُ أفعالٍ يختص بالصلاة ويمتاز بها.
وقوله: (لا يسهو فيهما) أي: يكون حاضر القلب مع اللَّه سبحانه.
٥٧٨ - [١٥] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (ذكر الصلاة) أي: فضَّلها
стр. 932
يَوْمًا فَقَالَ: "مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا بُرْهَانًا وَلَا نَجَاةً، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٢/ ١٦٩، دي: ٢/ ٣٠١، هب: ٣/ ٤٦].
٥٧٩ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٢٤].
٥٨٠ - [١٧] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي أَنْ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا. . . . .
ــ
وشرَّفها، والمراد بالمحافظة عليها: إدامتها ورعاية أفعالها؛ فرائضِها وواجباتها وسننها وآدابها.
وقوله: (وبرهانًا) أي: حجة واضحة على إيمانه.
وقوله: (مع قارون وفرعون. . . إلخ) كناية عن دخوله النار، أي: كان معهم، وإن اختلفت المحالُّ وكيفية العذاب، كذا في شرح الشيخ، وفيه تغليظ شديد، وقيل في وجه تقديم قارون على فرعون: لأنه كان يغوي الناس مع قطعه رحم موسى ﵇.
(أبي بن خلف) بفتح اللام اللعين المقتول بيده ﷺ يوم أحد، أشقى الناس؛ لأن قتله كان حقًّا بلا شبهة، وقد كان واعده ﷺ بذلك، وكان لا يخرج إلى المحاربة لجزمه بقتله، ولكنه خرج خوفًا من تعيير الناس إياه.
٥٧٩ - [١٦] (عبد اللَّه بن شقيق) قوله: (لا يرون) من الرأي و (شيئًا) مفعوله الأول و (تركه كفر) الجملة مفعول ثان، و (غير) بمعنى إلا، فتدبر.
٥٨٠ - [١٧] (أبو الدرداء) قوله: (أوصاني خليلي) الخلة: الصداقة المختصة
стр. 933
وَإِنْ قُطعْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَلَا تَشْرَبِ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٤١٤].
* * *
١ - باب المواقيت
ــ
الخالصة الكاملة، قيل: هو أعلى من الحب كأنه دخل في خلال القلب.
وقوله: (وإن قطعت) بالتشديد والتخفيف، والأول أشهر وأظهر وأبلغ، (وحرقت) صحِّح بالتشديد لا غير.
وقوله: (فقد برئت منه الذمة) أي: ذمة اللَّه، والذمة بالكسر: العهد والكفالة.
١ - باب المواقيت
أي: بيان أوقات الصلاة، جمع ميقات، والوقت: الزمان المفروض لأمر، وهو أخص من المدة؛ لأنه مطلق امتداد حركة الفلك من المبدأ إلى المنتهى، والزمان أخص من المدة؛ لأنه الامتداد المقسوم، والوقت سبب لوجوب الصلاة، وفي الحقيقة السبب هو خطاب اللَّه كما بيِّن في أصول الفقه، والحكمة في تعيين الأوقات الخمس، أما في الفجر فلأنه لما كان في الليل نائمًا غافلًا عن شكر نعم اللَّه من السكون والأمن والعافية، وكان معطَّلًا من تحصيل أسباب معاشه في حكم الميت، أوجب اللَّه سبحانه الصلاة بظهور النهار الذي هو سبب لتحصيل أسباب المعيشة، وشكرًا عليه لما أحياه اللَّه بوجود النهار، وتلافيًا لما مضى من التقصيرات، ثم لِمَا حصل في النهار من تحصيل الأسباب وابتغاء فضل اللَّه وحصول الرزق من المطاعم والمشارب وغيرهما فَرضَ صلاة الظهر
стр. 934
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٨١ - [١] عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ،
ــ
أداءً لشكر هذه النعم، ثم لمَّا كان من عادة البشر النوم والاستراحة في نصف النهار وجب صلاة العصر تلافيًا للتقصير والغفلة عن ذكر اللَّه في ذلك الوقت مع توارد النعم في كل آن، والعادة جارية بحضور الأسواق بعد العصر والبيع والشراء وحصول الغفلة فيها مع تمام نعم النهار فَرَض صلاة المغرب، ثم فرض صلاة العشاء إتمامًا للشكر وتحسينًا للخاتمة كالموت على الإيمان والطاعة، واللَّه أعلم.
الفصل الأول
٥٨١ - [١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وقت الظهر) مشتقٌّ من الظهور لأنها ظاهرة وسط النهار، وتسمى الهجيرة لفعلها في وقت الهاجرة أو قريبًا منها، وإنما ابتدأ بالظهر؛ لأنه أول صلاة أديت بالجماعة، ولما جاء جبرئيل ﵇ رسولَ اللَّه ﷺ لتعليم أوقات الصلاة صلى معه صلاة الظهر أولًا، وبهذا الاعتبار يقال لها: الأولى.
وقوله: (إذا زالت الشمس) وزوال الشمس: ميلها عن كبد السماء إلى جهة المغرب، ويعرف ذلك بظل الشمس، فما دام يتناقص فالشمس لم تَزُلْ فإذا وقف نقصُه فهو استواء، فإذا زاد الظل أدنى زيادةٍ فهو الزوال، والظلُّ الذي يكون في هذا الوقت يسمى فيء الزوال.
وقوله: (وكان ظل الرجل كطوله) أي: صار ظل الشيء مثله سوى فيء الظل.
وقوله: (ما لم يحضر العصر) اعلم أنه لا خلاف في أن أول وقت الظهر هو وقت
стр. 935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزوال، وأما آخر وقته فقد دل حديث إمامة جبرئيل ﵇ أنه وقت بلوغ ظل الشيء مثله، حيث قال: (فلما كان الغد صلى بني الظهر حين كان ظله مثله).
والظاهر منه أنه ابتدأ فيه من هذا الحين وهو أول وقت العصر، وأن يكون ابتداؤه أيضًا منه حيث قال: (صلى بني العصر) يعني: في اليوم الأول (حين صار ظلُّ كل شيء مثله)، فيكون هذا الوقت مشتركًا بين الظهر والعصر، ولهذا ذهب مالك ﵀: إذا صار [ظلُّ] كل شيء مثله كان بقدر أربع ركعات من ذلك الوقت مشتركًا بينهما، فأولَه الشافعي ﵀ بأن المراد أنه أتم صلاة الظهر في هذا الحين، وابتدأ بصلاة العصر فيه فلا اشتراك، بل يكون منتهى الظهر مبتدأ العصر؛ لأن ظاهر لفظ الحديث أنه صلاهما في حين بلوغ الظل، ولا يمكن ذلك لأنه آنٌ لا يسع الصلاة فلا بد من تأويل، إما بأن يعتبر الابتداء لهما منه ونقول بالاشتراك، أو بأن نعتبره منتهًى للظهر ومبتدأً للعصر كما قلنا وهو أولى؛ لأن الاشتراك خلاف الوضع، ولأنه وقع في الحديث: (ما لم يحضر العصر) أي: يدخل وقتها، وهو صريح في عدم الاشتراك بين الوقتين، والتأويل الآخر أن يراد بقوله في اليوم الأول: (صلى بني العصر حين صار ظل كل شيء مثله) بعد ظل الزوال، وبقوله في اليوم الثاني: (صلى بني الظهر حين كان ظله مثله) مع ظل الزوال، فلا يكونان في وقت واحد، إذ يكون آخر وقت الظهر حينئذ أسبق من أول وقت العصر، ولا يخفى بعدُه، فتأمل.
ثم اعلم أنه يتعين أن المراد بقوله في اليوم الأول: (صلى بني العصر حين صار ظل كل شيء مثله) أنه ابتدأه منه، فإن كان المراد بقوله في اليوم الثاني: (صلى بي العصر حين كان ظله مثليه) أنه أتمه، وفيه يلزم أن يكون وقت العصر ما بين مثله ومثليه، ويكون ما بعد مثليه خارجًا عن وقت العصر، وإن كان المراد أنه ابتدأ منه كان ما بقي بعد إتمام
стр. 936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصلاة من الزمان مهملًا، والظاهر أن المراد هو الثاني، ولكنه لم يذكر منتهى وقت العصر في حديث إمامة جبرئيل وهو وقت اصفرار الشمس للاختيار وغروبها للجواز، ويثبت ذلك بهذا الحديث المذكور في الفصل الأول.
هذا وقد ذهب أئمة مذهب الإمام أحمد ﵀ إلى الاحتمالين المذكورين، فكثير منهم ذهبوا إلى الاحتمال الأول متمسكًا بظاهر حديث جبرئيل ﵇، فقالوا: إذا صار ظل كل شيء مثله فهو آخر وقت الظهر، فإذا زاد شيء وجبت صلاة العصر، فإذا صار ظل كل شيء مثليه خرج وقت العصر، أي: وقت الاختيار؛ لأنه هو المراد كما في تحديد آخر وقت العشاء أيضًا إلى نصف الليل أو ثلثه؛ لأنه قد ثبت الجواز في العصر إلى الغروب بحديث أبي هريرة الآتي في الفصل الأول من باب تعجيل الصلاة: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس)، وفي العشاء إلى طلوع الفجر بعموم قوله ﷺ : (إنما التفريط [في اليقظة] أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى (١)) وإن خص منه في الفجر، وأيضًا أجمعوا على [أن] الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر يجب عليها قضاء العشاء، فدل على أن وقت العشاء إلى طلوع الفجر.
وبعضهم ذهبوا -وهي الرواية المشهورة في مذهبه- إلى أن آخر وقت الاختيار اصفرار الشمس متمسكين بحديث مسلم المذكور في هذا الفصل، وقالوا: هذا قول يتضمن زيادة فيقدم، وبحديث أحمد وأبي داود ومسلم والنسائي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال (٢): (أتى النبيَّ ﷺ سائل سأله عن مواقيت الصلاة. . .) الحديث
стр. 937
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى أن قال: (ثم آخر العصر) يعني: في اليوم الثاني (فانصرف منها، والقائل يقول: احمرت الشمس)، وحديث أبي موسى أيضًا متضمنٌ لزيادةٍ ومتأخرٌ، إذ حديث جبرئيل كان بمكة وهذا بالمدينة، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (١) في مذهب أحمد.
ثم اعلم أن هذا -أعني كون آخر وقت الظهر حين بلوغ الظل مثله- مذهب الأئمة الثلاثة وأبي يوسف ومحمد وزفر، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمة اللَّه عليهم أجمعين، وفي بعض حواشي (الهداية) وعليه الفتوى، وظاهر مذهب أبي حنيفة: أنه إلى بلوغ الظل مثليه، وقد قال بعض مشايخ الحنفية: إن الاحتياط أن لا يؤخر الظهر عن مثله، ولا يصلى العصر حتى يكون مثليه، حتى تكون الصلاتان في وقتيهما بالإجماع.
وجاء في رواية أسد بن عمرو أنه إذا صار ظل كل شيء مثله خرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر حتى يصير مثليه، فبين الصلاتين وقت مهمل ليس وقت أحد منهما كما بين الفجر والظهر، وذكر في (الهداية) (٢) دليلًا لأبي حينفة ﵀ قوله ﵇: (أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)، وأشد الحر في ديارهم في هذا الوقت، يعني: إذا صار ظل كل شيء مثله، وإذا تعارضت الآثار لا ينقضي الوقت بالشك.
وَيرِدُ على ظاهره أن هذا يدل على أن لا يكون آخر وقت الظهر عند بلوغ الظل مثل الشيء، وأما كون آخره بلوغ الظل مثليه فلا، إلا أن يقال: إنه قد انحصر الوقت في هذين القسمين ولا قائل بالفصل، فلما لم يكن المثلَ كان المثلين.
وقال الشيخ ابن الهمام (٣): الظاهر اعتبار كل حديث روي مخالفًا لحديث جبرئيل
стр. 938
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ناسخًا لِمَا خالفه فيه؛ لتحقق تقدم إمامة جبرئيل على كل حديث روي في الأوقات؛ لأنه أول ما علَّمه إياها. بقي أن يقال: هذا البحث إنما يفيد عدم خروج وقت الظهر ودخولَ وقت العصر بصيرورة الظل مثلًا [غير فيء الزوال]، ونفيُ خروج الظهر بصيرورته مثلًا لا يقتضي أن أول وقت العصر إذا صار مثلين حتى إن ما قبله وقتُ الظهر وهو المدَّعَى فلا بدّ له من دليل، وغاية ما ظهر أن يقال: ثبت بقاء وقت الظهر عند صيرورته مثلًا ناسخًا لإمامة جبرئيل ﵇ فيه في العصر بحديث الإبراد، وإمامتُه في اليوم الثاني عند صيرورته مثلين يفيد أنه وقته، ولم يُنسخ هذا، فيستمر على ما علم ثبوته من بقاء وقت الظهر إلى أن يدخل هذا الوقت المعلوم كونه وقتًا للعصر.
واحتج على المذهب المشهور لأبي حنيفة ﵀ بحديث (صحيح البخاري) ونحوه في (صحيح مسلم) أن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال (١): سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراةَ فعملوا، حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيلَ فعملوا، إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين: أَيْ ربَّنا! أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنا أكثر عملًا، قال اللَّه تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي [أوتيه من أشاء]).
وإنما يصح هذا إذا كان وقت العصر عند بلوغ ظل كل شيء مثليه ليكون أقصر
стр. 939
وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ،
ــ
من الظهر إلى العصر، هذا وعلى تقدير كونه معتبرًا من بلوغ الظل إلى مثله يكون مساويًا لوقت الظهر، وقد تكلف شراح البخاري في الجواب عن ذلك فلينظر ثمة.
وقد يستدل بالدلائل العقلية وهي في الحقيقة لترجيح العمل بالحديث الذي دل على كون وقت العصر حين بلوغ ظل الشيء مثليه، وهي أن حاجة الظهر إلى توسيع الوقت أكثر؛ لأن قبلها أربع موقتة وبعدها ركعتان، وليس ما بعد صلاة العصر ولا قبلها سنة موقتة، ولهذا كان العشاء أمدَّ من وقت المغرب لأن العشاء أربع وبعدها الوتر.
وقال العبد الضعيف سامحه اللَّه: إن قول اللَّه سبحانه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] قد يشير إلى كون وقت العصر مثل وقت الفجر، وإنما يكونان مثلين على مذهبنا، واللَّه أعلم.
وقوله: (ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق) اختلفوا في الشفق، فعند مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد ﵏: هو الحمرة، وعند أبي حنيفة وأحمد والمزني ﵏ وطائفة من الفقهاء: هو البياض الذي يعقب الحمرة، ويروى عن أبي حنيفة ﵀ أنه الحمرة، قال الشُّمُنِّي: وبه يفتى، وعليه جمهور الفقهاء وأهل اللغة، ومنهم الأصمعي والخليل بن أحمد، ويستدل على ذلك بحديث مسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال (١): (وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق)، وهو بالمثلثة: حمرة الشفق النائرة فيه، كذا في (القاموس) (٢)، ورواه أبو داود: (فور الشفق) بالفاء، وهو فورانه وسطوعه، وثوره: ثوران حمرته، وقد ورد صريحًا قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة)، رواه الدارقطني، كذا في (شرح كتاب
стр. 940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخرقي) (١)، وقال أيضًا: وهو قول أكثر الصحابة، وحكى بعضهم الإجماع عليه في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦]، وذكر الشُّمُنِّي عن البيهقي أول قال: روي هذا عن عمر وعلي وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأبي هريرة ﵃، يعني: موقوفًا عليهم، ولا يصح عن النبي ﷺ فيه شيء.
وقد يستدل على ذلك بأن الغوارب ثلاث: الشمس والشفقان الحمرة والبياض، كالطوالع التي هي من آثار الشمس ثلاث: الفجران والشمس، ثم ما تعلق بالطوالع من خروج الوقت ودخوله تعلق بأوساط الطوالع وهو الفجر الصادق، فما تعلق وجوبه بالغوارب من دخول الوقت وخروجه، وجب أن يتعلق بأوساطه، وأوسطُ الغوارب الحمرةُ.
ومما يستدل على أنه البياض ما روي عن النعمان بن بشير قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة -يعني العشاء- كان رسول اللَّه ﷺ يصليها بسقوط القمر لثالثة، رواه أحمد والنسائي والترمذي، وقد حكي إطلاقه على البياض عن المبرد وأحمد بن يحيى.
وقال في (النهاية): احتج أبو حنيفة ﵀ على أنه البياض بظاهر قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، جاء في التفسير عن ابن عباس ﵄ أن الدلوك هو غروب الشمس، فاللَّه تعالى مد وقت المغرب إلى غسق الليل، والغسق عبارة عن اجتماع الظلمة، والظلمة لا تجتمع إلا بعد ذهاب البياض، انتهى.
ولا يذهب عليك أنه قد اختلف في تفسير دلوك الشمس؛ فقيل: هو الغروب
стр. 941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو قول ابن عباس ﵄، وقيل: هو الزوال، واستدلال أبي حنيفة ﵀ إنما هو بقول ابن عباس ويكفي به حجة، وليس الاستدلال بالآية حتى يقال: إنها محتمِلة، والمحتمِل لا يصح حجة، فافهم.
وفي رواية عن أحمد أن الشفق في السفر الحمرة، وفي الحضر البياض، جمعًا بين الأحاديث على اختلاف حالين نظرًا إلى أن في الحضر قد تنزل الحمرة فتواريها الجدر فيُظن أنها قد غابت، فإذا غاب البياض فقد تيقن، فالشفق عنده هو الحمرة، ولكنه اعتبر غيبة البياض لدلالته على مغيب الحمرة، واللَّه أعلم.
وبالجملة اعتبار قول الأئمة أحوط في حق المغرب، وفي حق العشاء الأحوط قول أبي حنيفة ﵀ ليقعا في الوقت بيقين، ثم هذا الحديث حجة على الشافعي ﵀ في قوله الجديد بأن وقت المغرب قدر وضوء وستر [عورة] وأذان وإقامة وخمس ركعات، والاعتبار في جميع ذلك بالوسط المعتدل، وقال الرافعي من أئمة الشافعي: ويحتمل أيضًا أكل لقم يكسر بها شدة الجوع، فإذا مضى هذا القدر انقضى الوقت؛ لأن جبرئيل ﵇ صلاها في اليومين في وقت واحد، ولو كان لها وقتان لبين كما في سائر الصلوات، وأما في قوله القديم فيمتد وقتها إلى غيبوبة الشفق.
قال النووي (١): الأحاديث الصحيحة مصرحة بالقديم وهو الصواب، وقال: ومن اختاره من أصحابنا ابن جرير والخطابي والبيهقي والغزالي في (الإحياء) (٢) والبغوي في (التهذيب) وغيرهم، وعلى الجديد لو شرع في المغرب في وقتها المضبوط جاز له
стр. 942
وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ،
ــ
مدها إلى غروب الشفق على الصحيح وإن لم يجز تأخير غيرها من الصلوات إلى خروج بعضها عن الوقت، لما روي أنه ﷺ قرأ الأعراف في المغرب، كذا في شرح (الحاوي) (١).
وقوله: (ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط) قيل: (الأوسط) صفة (الليل) أي: ليل متوسط لا طويل ولا قصير، فنصف الليل الأوسط يكون بالنسبة إلى ليل قصير أكثر من نصفه وبالنسبة إلى ليل طويل أقل من نصفه، وقيل: هو صفة للنصف، أي: نصف عدل من الليل من غير زيادة ونقصان عمومًا، أي من كل ليلة نصفها، وبه قطع الفقهاء قاطبة، والقول الأول يقتضي التأخير إلى ست ساعات في أقصر الليالي وهي ثلثا الليل، وإلى ست ساعات في أطول الليالي وهي ثلث الليل، والعكس أحرى وأليق، كذا في بعض الشروح، وفيه مسامحة، فتدبر.
ثم يجيء في الحديث الآتي التأخير إلى ثلث الليل وكلاهما وقت الاختيار، ووقت الجواز يمتد إلى طلوع الفجر كما عرفت، وعندنا الثلث وقت الاختيار والنصف وقت الجواز بلا كراهة، وإلى طلوع الفجر مع كراهة.
وقيل: النصف وقت الجواز بكراهة من غير إثم وبعده مع الإثم.
وقوله: (ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس) ظاهره يدل على أن جميع وقتها وقت اختيار، وقيل: وقت الاختيار إلى الإسفار، ووقت الضرورة والجواز إلى طلوع الشمس.
стр. 943
فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاة فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ". رَوَاهُ مُسلِمٌ. [م: ٦١٢].
٥٨٢ - [٢] وَعَن بُرَيْدَة قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ: "صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ" يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ،
ــ
وقوله: (بين قرني الشيطان) قد ذكر في معنى قرني الشيطان وجوه أقربها وأصوبها الذي يوافق الأحاديث الأخر الواردة في هذا الباب: أن المراد بقرنيه ناحيتا رأسه فإنه ينتصب قائمًا في وجه الشمس ويدني رأسه إليها في وقت الطلوع والغروب، فيكون في مقابلة من يعبد الشمس فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، ويخيِّل لنفسه ولأعوانه أنهم يسجدون له، فنهى النبي ﷺ أمته عن الصلاة في هذين الوقتين؛ لكون صلاة من عَبَدَ اللَّه في غير وقت عبادة من يعبد الشيطان، وقد جاء في الحديث أن الشيطان يقارن الشمس إذا طلعت فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا غربت قارنها، ثم إنه قد روي: (بين قرني شيطان) بالتنكير أيضًا، فالتعريفُ محمول على أن الشيطان ينتصب نفسه، والتنكير على أنه يولِّي كل شيطان من أعوانه على حسب اختلاف المطالع في البلدان.
٥٨٢ - [٢] (عن بريدة) قوله: (أمر بلالًا فأذن) أي: أمره بالتأذين فأذن، ومثل هذه العبارة كثير في الأحاديث يكون المأمور به ما بعد الفاء، وقد نبهنا على ذلك في غير موضع.
وقوله: (والشمس مرتفعة بيضاء نقية) أي: لم تختلطها صفرة، وليس في هذا الحديث تعيين مثله ولا مثليه لأول وقت العصر وآخره، ولا شك أن بياض الشمس
стр. 944
ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ "فَأَبْرِدْ بِالظُّهْرِ" فَأَبْرَدَ بِهَا، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ،
ــ
يكون بعد المثلين أيضًا، فافهم.
وقوله: (فلما أن كان) أن زائدة تجيء بعد (لما) كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ [العنكبوت: ٣٣]، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]، و (كان) تامة.
وقوله: (أمره فأبرد) على صيغة الأمر بيان للأمر، أي: أمره بالإبراد فقال: أبرِدْ بالظهر، ذكره تأكيدًا وتصريحًا واهتمامًا بذكره، وإلا كان يكفي: فأمره فأبرد بها، بصيغة الماضي كما هو المتعارف في مثل هذه العبارة.
وقوله: (فأنعم) أي: زاد وبالغ في الإبراد حتى انكسر وهج الحر بالكلية، يقال: أحسنت وأنعمت، أي: زدت في الإحسان وبالغت، ولا يخفى أن سياق الحديث يقتضي أن هذا الإبراد كان لأجل التأخير عن أول الوقت تعليمًا لآخر الوقت، والاتقاءُ عن شدة الحر لكونه من فيح جهنم كما سيأتي سببٌ آخر للإبراد، ولعله كان حين سؤال الرجل صيف، ويأتي شرحه في (باب تعجيل الصلاة)، فافهم.
وقوله: (فوق الذي كان) أي: فوق الوقت الذي وجد في اليوم الأول، أي: زاد في التأخير، وهذا أيضًا ساكت عن وقوعها حين صيرورة ظل الشيء مثله، والشافعية يحملونه عليه بقرينة الروايات الأخر.
وقوله: (قبل أن يغيب الشفق) يشير إلى تأخير صلاة المغرب أيضًا في اليوم الثاني، أي: لم يصلِّ متصلًا بغيبة الشمس كما في اليوم الأول، فلم يدل هذا الحديث على أن
стр. 945
وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ "، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "وَقْتُ صَلَاتكُمْ بَينَ مَا رَأَيْتُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦١٣].
ــ
للمغرب وقتًا واحدًا كما قال الشافعي ﵀ في الجديد، نعم يعلم من حديث إمامة جبرئيل أنه صلاها في اليومين في وقت واحد.
وقوله: (فأسفر بها) في (القاموس) (١): سَفَر الصبحُ يَسْفِر: أضاء وأشرق كأسفر.
وفي (الصراح) (٢): سفر إسفار روشن شدن صبح، فمعنى أسفر بها: دخل في السَّفَر، كما أن معنى أبرد بالظهر دخل في البرد، أي: صلى سفرًا.
والظاهر من سياق الحديث أنه ابتدأ في وقت الإسفار فلا يصح تأويله بأنه طوَّلها إلى الإسفار، وسيجيء تمام الكلام فيه في حديث: (أسفروا بالفجر) في آخر الفصل الثاني من (باب تعجيل الصلاة).
وقوله: (فقال الرجل: أنا) أي: أنا ههنا، أو يقدر في الأول: أين السائل، ومَن هو؟ ليطابق الجوابُ السؤال.
وقوله: (وقت صلاتكم بين ما رأيتم) المراد: أن أوله ما صلَّيتُ فيه في اليوم الأول، وآخره ما صليت فيه في اليوم الثاني، فليس الأول والآخِر خارجين عن الوقت، فلا يتوجه أن ظاهر قوله: (وقت صلاتكم بين ما رأيتم) يدل على أن الأول والآخِر ليس وقتًا، على أنه قد وجد البيان في حقهما بالفعل، فإنه ﷺ صلى في أول الوقت وآخره، على أن الأحاديث الأُخر ناطقة بكونهما داخلين في الوقت.
стр. 946
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٨٣ - [٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِين صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَه، وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعشَاءُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسَفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مَنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ". رَوَاهُ أَبُو داوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٣٩٣، ت: ١٤٩].
ــ
الفصل الثاني
٥٨٣ - [٣] (ابن عباس) قوله: (وكانت قدر الشراك) الضمير في (كانت) للشمس، والمراد الظل الذي وقت الزوال لكونه مسببًا عنها، يعني كان فيء الزوال في ذلك اليوم قدر شراك النعل، والظاهر أن المراد عرضه فإنه يختلف باختلاف الأمكنة والأوقات، ولا يكون في مكة الفيء في أطول أيام السنة لكون الشمس في سمت الرأس حينئذ، فكل بلد على الميل الكلي لا يكون فيه الفيء في نقطة السرطان، ثم يختلف باختلاف عرض البلد، وتحقيق ذلك في علم الهيئة، ولمعرفة فيء الزوال طرق مذكورة في الكتب، وباقي الحديث صار مشروحًا بما ذكرنا في حديث عبد اللَّه بن عمرو، غير أن قوله: (هذا وقت الأنبياء من قبلك) يدل بظاهره على أن الصلوات الخمس كانت واجبة على الأنبياء ﵈، والمراد التوزيع بالنسبة إلى غير العشاء، إذ مجموع
стр. 947
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٨٤ - [٤] عَن ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ". . . . .
ــ
هذه الخمس من خصوصياتنا، وأما بالنسبة إليهم فكان ما عدا العشاء متفرقًا فيهم كما جاء في الأخبار، وقيل: المخصوص بنا وجوب صلاة العشاء، ومَن قبلنَا كانوا يصلون العشاء نافلة، واللَّه أعلم.
الفصل الثالث
٥٨٤ - [٤] (ابن شهاب) قوله: (أخر العصر شيئًا) أي: تأخيرًا يسيرًا عن وقت الاختيار، لا أنه أخرها حتى غربت الشمس، و (أما) بالتخفيف حرف التنبيه، و (أمام) ضبط بالكسر والفتح، وعروة بن الزبير من التابعين ابن أسماء بنت أبي بكر، ولد في زمن النبوة، ومقصوده تذكير حديث إمامة جبرئيل الذي يدل على أفضلية أداء الصلوات في أول أوقاتها، وإنما لم يذكر لشهرته في زعمه، وقول عمر: (اعلم ما تقول يا عروة) بلفظ الأمر تغليظ وتنبيه على رعاية مزيد الاحتياط في الرواية.
وقوله: (فقال) أي: عروة جوابًا لعمر ﵁ وإشارة إلى أني في غاية التثبت فيما أقول، لأني سمعت ذلك ممن صحب وسمع صاحب رسول اللَّه ﷺ ، ثم روى حديثًا دالًّا على أداء الصلوات الخمس.
стр. 948
يَحْسُبُ بِأصَابِعِهِ خَمْسَ صَلوَاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢١، م: ٦١٠، ١٦٧].
٥٨٥ - [٥] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةَ، مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ، ثُمَّ كَتَبَ: أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ أَنْ كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَبْلَ مَغِيْبِ الشَّمْسِ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ،
ــ
وقوله: (يحسب) من الحساب بضم السين، ويروى بالياء فالضمير لرسول اللَّه ﷺ ، أي: يقول ذلك حال كونه يحسب تلك المرات بعقد أصابعه، وبالنون على لفظ المتكلم أي: نحن نحسب، وهذا مما يشهد بإيقانه وضبط ما أخبر رسول اللَّه ﷺ ، وفي شرح الشيخ: والأول أظهر لو ساعدته الرواية، وهذا يدل على ضعف تلك الرواية، وضبط في النسخ المصححة بما يدل على تساوي الروايتين، بل في بعض النسخ ما يدل على قوة الأولى، واللَّه أعلم.
٥٨٥ - [٥] (عمر بن الخطاب ﵁) قوله: (إن أهم أموركم عندي) إشارة إلى التهديد والمبالغة لكونهم خائفين من صولته وشوكته.
وقوله: (من حفظها وحافظ) تأكيد وتقرير، أو المراد مِن حِفْظها عدمُ نسيانها وأداؤها في أوقاتها، والمحافظة عليها: أداؤها بشرائطها وآدابها والاهتمام برعاية صفاتها، أو المراد: حِفْظُها لنفسه والأمرُ به للغير، كما قيل في معنى ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وقوله: (أن كان) أن مصدرية، أي: وقت كون الفيء ذراعًا، وهذا في مواضع مخصوصة وفي أزمنة مخصوصة؛ لمَا عرفت أن هذا مختلف في الأقاليم والبلدان والفصول، و (ما) في (ما يسير) مصدرية.
стр. 949
فَمَنْ نَامَ فَلَا نامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، وَالصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٦].
٥٨٦ - [٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَفْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٠٠، ن: ٥٠٣].
* * *
٢ - باب تعجيل الصلاة
ــ
وقوله: (فمن نام) ظاهره مخصوص بالعشاء لكونه وقت النوم، أو المراد بالنوم السهو والغفلة أعمّ من أن يكون بالمنام أو غيره فيشمل الكل.
٥٨٦ - [٦] (ابن مسعود) قوله: (ثلاثة أقدام. . . إلخ) هذا هو الإبراد كما عرفت، وهذا بالنسبة إلى المدينة المطهرة وما هو على سَمْتها.
٢ - باب تعجيل الصلاة
لما ذكر مواقيت أولها وآخرها أراد أن يورد أحاديث تدل على أفضلية أدائها في أوائل أوقاتها، ومذاهب الأئمة فيه مختلفة، فمذهب الشافعي ﵀ أفضلية أول الوقت في الصلوات إلا لشغل أو عذر، وإبراد ظهر الصيف عنده رخصة لمن يسعى إلى المسجد من بعيد، ومن يصلي وحده أو في مسجده فالأصل أن يصلي في أول الوقت، وإن كان شدة الحر، ومذهب مالك نحوه، قال بعض أصحابه: أما في شدة الحر فالأفضل أن يُبْرِد وإن كان يصلي وحده، وكذا المختار من مذهبه، ومذهب أحمد استحباب التأخير، وكذا العصر يُستحب تقديمها عندهم، والمغرب له وقت واحد ويستحب تعجيلها بالإجماع، والعشاء يستحب تأخيرها عند أحمد، وقال مالك: المبادرة، ولا بأس
стр. 950
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٨٧ - [١] عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ. . . . .
ــ
بتأخيرها لاجتماع الناس، وأما عند أبي حنيفة ﵀ فإبراد الظهر وإسفار الفجر وتأخير العشاء مستحب، وستعرف في أثناء البيان تفاصيلها ودلائلها.
ثم الظاهر من كلام بعضهم أنه يكفي كونَها في أول الوقت وقوعُها في النصف الأول.
الفصل الأول
٥٨٧ - [١] (سيار بن سلامة) قوله: (عن سيار) بتقديم السين على الياء بالتشديد (ابن سلامة) بفتح السين وتخفيف اللام، بصري من مشاهير التابعين.
وقوله: (كان يصلي الهجير) في (القاموس) (١): الهجير والهجيرة والهاجرة نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو من زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يَسْتكِنُّونَ في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، أو شدة الحر، والمراد به في الحديث صلاة الظهر، أو المضاف محذوف ولذا أنث صفتها، وتسميتُها بالأولى لكونها أول صلاة صليت مع جبرئيل بالإمامة.
وقوله: و (تدحض) من الدحض وهو الزلة، في (القاموس) (٢): دَحَضَتْ رجلُه: [زَلَقَتْ]، والشمسُ: زالت، وهو أول وقت الظهر، ولابد أن يكون في غير الصيف