* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٨٣ - [٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِين صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَه، وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعشَاءُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسَفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مَنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ". رَوَاهُ أَبُو داوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٣٩٣، ت: ١٤٩].
ــ
الفصل الثاني
٥٨٣ - [٣] (ابن عباس) قوله: (وكانت قدر الشراك) الضمير في (كانت) للشمس، والمراد الظل الذي وقت الزوال لكونه مسببًا عنها، يعني كان فيء الزوال في ذلك اليوم قدر شراك النعل، والظاهر أن المراد عرضه فإنه يختلف باختلاف الأمكنة والأوقات، ولا يكون في مكة الفيء في أطول أيام السنة لكون الشمس في سمت الرأس حينئذ، فكل بلد على الميل الكلي لا يكون فيه الفيء في نقطة السرطان، ثم يختلف باختلاف عرض البلد، وتحقيق ذلك في علم الهيئة، ولمعرفة فيء الزوال طرق مذكورة في الكتب، وباقي الحديث صار مشروحًا بما ذكرنا في حديث عبد اللَّه بن عمرو، غير أن قوله: (هذا وقت الأنبياء من قبلك) يدل بظاهره على أن الصلوات الخمس كانت واجبة على الأنبياء ﵈، والمراد التوزيع بالنسبة إلى غير العشاء، إذ مجموع
стр. 947
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٨٤ - [٤] عَن ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ". . . . .
ــ
هذه الخمس من خصوصياتنا، وأما بالنسبة إليهم فكان ما عدا العشاء متفرقًا فيهم كما جاء في الأخبار، وقيل: المخصوص بنا وجوب صلاة العشاء، ومَن قبلنَا كانوا يصلون العشاء نافلة، واللَّه أعلم.
الفصل الثالث
٥٨٤ - [٤] (ابن شهاب) قوله: (أخر العصر شيئًا) أي: تأخيرًا يسيرًا عن وقت الاختيار، لا أنه أخرها حتى غربت الشمس، و (أما) بالتخفيف حرف التنبيه، و (أمام) ضبط بالكسر والفتح، وعروة بن الزبير من التابعين ابن أسماء بنت أبي بكر، ولد في زمن النبوة، ومقصوده تذكير حديث إمامة جبرئيل الذي يدل على أفضلية أداء الصلوات في أول أوقاتها، وإنما لم يذكر لشهرته في زعمه، وقول عمر: (اعلم ما تقول يا عروة) بلفظ الأمر تغليظ وتنبيه على رعاية مزيد الاحتياط في الرواية.
وقوله: (فقال) أي: عروة جوابًا لعمر ﵁ وإشارة إلى أني في غاية التثبت فيما أقول، لأني سمعت ذلك ممن صحب وسمع صاحب رسول اللَّه ﷺ ، ثم روى حديثًا دالًّا على أداء الصلوات الخمس.
стр. 948
يَحْسُبُ بِأصَابِعِهِ خَمْسَ صَلوَاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢١، م: ٦١٠، ١٦٧].
٥٨٥ - [٥] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةَ، مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ، ثُمَّ كَتَبَ: أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ أَنْ كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَبْلَ مَغِيْبِ الشَّمْسِ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ،
ــ
وقوله: (يحسب) من الحساب بضم السين، ويروى بالياء فالضمير لرسول اللَّه ﷺ ، أي: يقول ذلك حال كونه يحسب تلك المرات بعقد أصابعه، وبالنون على لفظ المتكلم أي: نحن نحسب، وهذا مما يشهد بإيقانه وضبط ما أخبر رسول اللَّه ﷺ ، وفي شرح الشيخ: والأول أظهر لو ساعدته الرواية، وهذا يدل على ضعف تلك الرواية، وضبط في النسخ المصححة بما يدل على تساوي الروايتين، بل في بعض النسخ ما يدل على قوة الأولى، واللَّه أعلم.
٥٨٥ - [٥] (عمر بن الخطاب ﵁) قوله: (إن أهم أموركم عندي) إشارة إلى التهديد والمبالغة لكونهم خائفين من صولته وشوكته.
وقوله: (من حفظها وحافظ) تأكيد وتقرير، أو المراد مِن حِفْظها عدمُ نسيانها وأداؤها في أوقاتها، والمحافظة عليها: أداؤها بشرائطها وآدابها والاهتمام برعاية صفاتها، أو المراد: حِفْظُها لنفسه والأمرُ به للغير، كما قيل في معنى ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وقوله: (أن كان) أن مصدرية، أي: وقت كون الفيء ذراعًا، وهذا في مواضع مخصوصة وفي أزمنة مخصوصة؛ لمَا عرفت أن هذا مختلف في الأقاليم والبلدان والفصول، و (ما) في (ما يسير) مصدرية.
стр. 949
فَمَنْ نَامَ فَلَا نامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، وَالصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٦].
٥٨٦ - [٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَفْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٠٠، ن: ٥٠٣].
* * *
٢ - باب تعجيل الصلاة
ــ
وقوله: (فمن نام) ظاهره مخصوص بالعشاء لكونه وقت النوم، أو المراد بالنوم السهو والغفلة أعمّ من أن يكون بالمنام أو غيره فيشمل الكل.
٥٨٦ - [٦] (ابن مسعود) قوله: (ثلاثة أقدام. . . إلخ) هذا هو الإبراد كما عرفت، وهذا بالنسبة إلى المدينة المطهرة وما هو على سَمْتها.
٢ - باب تعجيل الصلاة
لما ذكر مواقيت أولها وآخرها أراد أن يورد أحاديث تدل على أفضلية أدائها في أوائل أوقاتها، ومذاهب الأئمة فيه مختلفة، فمذهب الشافعي ﵀ أفضلية أول الوقت في الصلوات إلا لشغل أو عذر، وإبراد ظهر الصيف عنده رخصة لمن يسعى إلى المسجد من بعيد، ومن يصلي وحده أو في مسجده فالأصل أن يصلي في أول الوقت، وإن كان شدة الحر، ومذهب مالك نحوه، قال بعض أصحابه: أما في شدة الحر فالأفضل أن يُبْرِد وإن كان يصلي وحده، وكذا المختار من مذهبه، ومذهب أحمد استحباب التأخير، وكذا العصر يُستحب تقديمها عندهم، والمغرب له وقت واحد ويستحب تعجيلها بالإجماع، والعشاء يستحب تأخيرها عند أحمد، وقال مالك: المبادرة، ولا بأس
стр. 950
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٨٧ - [١] عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ. . . . .
ــ
بتأخيرها لاجتماع الناس، وأما عند أبي حنيفة ﵀ فإبراد الظهر وإسفار الفجر وتأخير العشاء مستحب، وستعرف في أثناء البيان تفاصيلها ودلائلها.
ثم الظاهر من كلام بعضهم أنه يكفي كونَها في أول الوقت وقوعُها في النصف الأول.
الفصل الأول
٥٨٧ - [١] (سيار بن سلامة) قوله: (عن سيار) بتقديم السين على الياء بالتشديد (ابن سلامة) بفتح السين وتخفيف اللام، بصري من مشاهير التابعين.
وقوله: (كان يصلي الهجير) في (القاموس) (١): الهجير والهجيرة والهاجرة نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو من زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يَسْتكِنُّونَ في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، أو شدة الحر، والمراد به في الحديث صلاة الظهر، أو المضاف محذوف ولذا أنث صفتها، وتسميتُها بالأولى لكونها أول صلاة صليت مع جبرئيل بالإمامة.
وقوله: و (تدحض) من الدحض وهو الزلة، في (القاموس) (٢): دَحَضَتْ رجلُه: [زَلَقَتْ]، والشمسُ: زالت، وهو أول وقت الظهر، ولابد أن يكون في غير الصيف
стр. 951
وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَن يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ،
ــ
وشدة الحر للأمر بالإبراد فيه مع التأكيد والمبالغة فيكون الإبراد فيه أفضل، وهذا هو مذهب أبي حنيفة.
وقوله: (حية) قال التُّورِبِشْتِي (١): يتأول ذلك على وجهين، أحدهما: أنه أراد بحياتها شدة وهجها [وبقاء حرها]، والآخر: أنه أراد به صفاء لونها عن [التغير و] الاصفرار، وهذا أقرب التأويلين، انتهى.
قيل: ذلك لا يكون بعد مصير الظل مثليه، وذلك محل كلام وتردد.
وقوله: (ونسيت ما قال في المغرب) هذا قول الراوي من أبي برزة، وفاعل (قال) أبو برزة، وبدل على أنه كان قد قال فيها أيضًا شيئًا، ولكنه نسي خصوصه، ويحتمل أنه لم يقل فيها شيئًا لعدم اختلاف وتطريق التقديم والتأخير في وقتها، ومقصوده: كان بيان أول الوقت فيما يتساهل الناس فيه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وكان يستحب) بصيغة المعلوم وكذا (يؤخر)، والمراد: التأخير إلى وقت الاختيار وهو الثلث عندنا وسيأتي.
وقوله: (التي تدعونها العتمة) عتم الليل: أظلم، وفي (القاموس) (٢): العتمة محركة: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق أو وقت صلاة العشاء الأخيرة. يريد أولها، وفي قوله: (تدعونها) إيماء إلى كراهة تسميتها بالعتمة في الشرع، وقد ورد النهي عنه، ومع ذلك وقع في بعض الأحاديث إما باعتبار السابق أو بيانًا للجواز، وسيجيء ذلك بالتفصيل (٣).
стр. 952
وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ بِالسِتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٧، م: ٦٤٧].
ــ
وقوله: (وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها) وقد تنقل الرخصة فيهما لعذر أو غلبة، وفي (صحيح البخاري) (١): أن ابن عمر لا يبالي أَقَدَّمَهَا أم أَخَّرَهَا إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها، وقد كان يرقد قبلها، وقد أورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال (٢): أعتمَ رسول اللَّه ﷺ ليلة بالعشاء حتى رقد الناس، واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا، وقد جاء في التكلُّم أيضًا -بعدَ أن لا يكون مما لا يعني- رخصة.
وقوله: (وكان ينفتل) أي: ينصرف، في (القاموس) (٣): فتله: لواه، ووجْهَه عنهم صرفه.
وقوله: (حين يعرف الرجل جليسه) المقصود أنه كان يبديه في الغلس.
وقوله: (ويقرأ بالستين إلى الْمِئَة) أي: كان يقرأ في صلاة الفجر ستين آية وما فوقها منتهيًا إلى المئة.
وقوله: (ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل) أي: كان لا يحافظ على أول وقتها، ولا يبالي ولا يتحرج بتأخيرها إلى ثلث الليل لكونه مستحبًّا عنده، فافهم.
وقوله: (ولا يحب النوم) ظاهره أعمّ من الكراهة أو كناية عنها.
стр. 953
٥٨٨ - [٢] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٥، م: ٦٤٦].
ــ
٥٨٨ - [٢] (محمد بن عمرو) قوله: (والعصر والشمس حية) قد مر في الحديث الأول أنها كانت حية بعد أن يرجع أحدنا إلى رحله، فيفهم منه أن حياة الشمس لا يختص بأول الوقت، فافهم.
وقوله: (إذا وجبت) أي: سقطت، يقال: وجبت الشمس وجبًا ووجوبًا: غابت.
وقوله: (وإذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخر) يدل على أن التأخير كان لقصد تكثير الجماعة، وقد قيل: إن أبا حنيفة وأصحابه إنما لم يلتزموا أول الوقت للصلاة لأجل هذا لا لعدم فضيلته، فتدبر. والجملتان في موضع الحال، أي: صلى العشاء معجلًا حين كثرة الناس ومؤخِّرًا حين قلَّتهم.
وقوله: (والصبح بغلس) في (القاموس) (١): الغلس محركة: ظلمة آخر الليل، وقد جاء في رواية: (وصلى الصبح بغبس) بالباء، وقال القاضي عياض: اختلفت فيه الروايات فرويناه في (الموطأ) عن أبي محمد بن عتاب بالسين المهملة، وكذا رواه ابن وضاح، وعن غيره من شيوخنا بالمعجمة، وكذا يقوله أكثر [رواة الموطأ]، وضبطه الأصيلي في البخاري بالمهملة في حديث يحيى بن موسى، وفسره مالك قال: يعني الغلس، وغبس وغبش وغلس سواء، وأنكر شارح (الموطأ) السين المهملة ولم يقل شيئًا، وقد جاءت حروف كثيرة بالسين والشين معًا مثل شمته وسمته، وسُدْفَة من الليل وشُدْفَة، وسوذق وشوذق، وقال أبو عبيدة: غبس الليلُ وأغبس: إذا أظلم.
стр. 954
٥٨٩ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتَّقَاءَ الْحَرِّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. [خ: ٥٤٢، م: ٦٢٠].
٥٩٠ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ".
٥٩١ - [٥] وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شدَّةَ الْحَرِّ. . . . . .
ــ
وقال الأزهري: هي بقية ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر، قال: والغبش بالمعجمة قبل الغبس، والغلس باللام بعد الغبس، وهي كلّها في آخر الليل، ويجوز الغبش بالمعجمة في أول الليل، انتهى.
ثم لا يخفى أن الحديث لا يدلّ على الدوام؛ لمَا عرفت من أن دلالة (كان) عليه منظور فيه، ولو سلِّم فقد ورد الأمر بالإسفار، والقولُ راجح على الفعل عند أبي حنيفة رحمة اللَّه عليه.
٥٨٩ - [٣] (أنس) قوله: (بالظهائر) جمع ظهيرة وهي الهاجرة، جمعها باعتبار الأيام أو باعتبار الأشخاص.
وقوله: (على ثيابنا) الظاهر: الثياب الملبوسة، فالحديث يدل على جواز السجدة على ثوب المصلي كما ذهب إليه أبو حنيفة رحمة اللَّه عليه، فهو حجة على الشافعي رحمة اللَّه عليه في عدم تجويزه السجود على ثوب هو لابسه، وأوَّلَ الحديث بأن المراد ههنا الثوب الغير الملبوس.
٥٩٠، ٥٩١ - [٤, ٥] (أبو هريرة، وأبو سعيد) قوله: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة) فيه ندب الإبراد بالظهر في شدة الحرّ، لكنهم اختلفوا في المراد بالإبراد، فقال
стр. 955
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعض الناس: المراد بالإبراد بالظهر أداؤها في أول الوقت، وبرد النهار أوله، وهذا التأويل ليس بصواب؛ لأن الإبراد في الأحاديث ذكر لبيان ما اختاره ﷺ من الوقت الأخير في أوان الحر، ويبطله تعليله ﷺ ذلك بقوله: (فإن شدة الحر من فيح جهنم)، وما سبق في باب المواقيت من قول الراوي: (فأنعم) أي: زاد على الإبراد وبالغ فيه، وبهذا يبطل أيضًا ما ذكره الشافعية أن المراد بالإبراد الصلاة وقت الزوال، وأنه ينكسر فيه وهج الحر فهو برد بالإضافة إلى حر الظهيرة، وعن ابن مسعود (١) قال: كان قدر صلاة رسول اللَّه ﷺ الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام، وعن ابن عمر ﵄: كان الفيء ذراعًا ونصفًا إلى ذراعين، وكان الجدران في ذلك الزمان سبعة أذرع، كذا قيل.
وعند مالك ﵀: إلى أن يزيد ظل كل شيء ربعه، وقال أئمة مذهب أحمد: يؤخر حتى ينكسر الحر ولا يؤخر إلى آخر الوقت، وقال بعضهم: يؤخر إلى وقوع الظل الذي يمشي فيه الساعي إلى الجماعة، وقال بعضهم: يؤخر إلى قريب من وسط الوقت.
وفي (صحيح البخاري) (٢): (فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة حتى رأينا فيء التلول)، أي: أبردنا وانتظرنا حتى رأينا الظلال، والتلولُ لكونها منبسطة غير منتصبة لا يظهر فيها عقيب الزوال، بل لا يصير لها في عادة إلا بعد الزوال بكثير، بخلاف الشاخصات المرتفعة كالمنارة مثلًا، وقال أيضًا: الإبراد أن يؤخر بحيث يحصل للحيطان ظل يمشون فيه ويتناقص الحر، وخصه بعضهم بالبلاد الحارة، وخصه بعضهم بالجماعة.
стр. 956
مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: . . . . .
ــ
وقال في (الهداية) (١): أشد الحر في تلك الديار في وقت بلوغ ظل كل شيء مثله كما مر.
وبالجملة المبالغة في إبراد الظهر وارد في الأحاديث الصحيحة، وأما حديث خباب: (شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ حر الرمضاء فلم يُشْكِنا) أي: لم يُزِلْ شكوانا، فمحمول على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد، وقيل: إنهم التمسوا تأخير الصلاة عن الوقت، كذا قال الكرماني (٢)، وقال بعض الشافعية: الإبراد رخصة، وعلى كل تقدير لا يجوز حمل الإبراد على الزوال، وكون وقت الزوال أبردَ من الاستواء محلُّ بحث، بل هو أشد منه لبقاء السبب كما في الإبراد وقت الفجر من نصف الليل، وإن كانت الشمس أقرب، ويرده سياق الحديث في الرخصة.
ونقل عن الشافعي أنه قال: الإبراد لصلاة الظهر لمن ينتابُ من البعد وللمشقة على الناس، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه [فالذي] أُحب له أن لا يؤخر الصلاة في شدة الحر، وهو أيضًا مخالف بظاهر الحديث عن أبي ذر: (كنا مع رسول اللَّه في سفر، فأذن بلال لصلاة الظهر، فقال النبي ﷺ : يا بلال أبرد ثم أبرد)، فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي ﵀ لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنًى؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد، كذا في (جامع الترمذي) (٣)، وقال: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتِّباع.
وقوله: (من فيح جهنم) فاحت القدر تفيح وتفوح: إذا غلت، وفيح جهنم وفوحها
стр. 957
رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ من الزَّمْهَرِيرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ. . . . .
ــ
بالياء والواو وبالحاء المهملة: سطوع حرها وانتشارها، ويجيء بمعنى الوسعة، والفيحاء: الواسعة من الدور، والاشتكاء من النار حقيقةٌ أو مجاز، والظاهر هو الأول، فإن اللَّه تعالى قادر على أن يخلق فيها كلامًا تشتكي به عند ربها، وقال ابن عبد البر: لكلا القولين وجه ونظائر، والأول أرجح، وقال عياض: وهو الأظهر، وقال النووي: هو الصواب.
وقوله: (أكل بعضي بعضًا) كناية عن اختلاط أجزائها وازدحامها كأنه يقصد كلُّ جزء في إفناء الآخر والتمكن في مكانه، والمراد بنفَسها لهبها وخروج ما يبرز منها كالتنفس في الحيوان.
وقوله: (نفس) بالجر والرفع، وكذا قوله: (أشد) يجوز فيه الرفع والجرُّ على البدل. وقال التُّورِبِشْتِي (١): روايتنا بالرفع إما خبرُ محذوفٍ، أي: هو أشد، أو خبره محذوف تقديره: أشدُّ ما تجدون من ذلك النفس، ويؤيده الرواية الأخرى للبخاري ورواية النسائي: (فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم)، ويؤيد الأول رواية الإسماعيلي: (فهو أشد)، كذا قال الشيخ (٢).
والمراد بالزمهرير شدة البرد، فإن قيل: كيف يحصل من نَفَس النار الزمهرير؟
قلت: المراد من النار محلها وهو جهنم، وفيها طبقة زمهريرية. ثم الحكمة في
стр. 958
فَمِنْ سَمُومِهَا، وَأَشَدُّ مَا تَجدُونَ مِنَ الْبَرْدِ فَمِنْ زَمْهَرِيرِهَا". [خ: ٥٣٣، ٥٣٦، ٥٣٧، ٥٣٨، م: ٦١٥، ٦١٧].
٥٩٢ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ،
ــ
المنع من الصلاة في شدة الحر، إما دفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع، وقيل: كونها الحالة التي ينشر فيها العذاب، والأول أظهر؛ لأن الصلاة محل وجود الرحمة ففعلها مظنة لطرد العذاب فكيف أمر بتركها؟ وقد يؤيَّد الثاني بحديث عمرو بن عبسة عند مسلم حيث قال له: (أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس فإنها ساعة تسجَّر فيها جهنم)، فافهم.
وقد يتوهم من قضية التعليل المذكور مشروعية تأخير الصلاة في وقت شدة البرد أيضًا ولم يقل به أحد، لأنها تكون غالبًا في وقت الصبح فلا يزول إلا بطلوع الشمس، فلو أخرت لخرج الوقت.
هذا وقال التُّورِبِشْتِي (١): أشار بقوله: (أشد) إلى أن هذين النفسين ليسا على الإطلاق بموجِبَين للحر والبرد في فصل الشتاء والصيف، فإن اللَّه جعل ذلك مربوطًا بالآثار العلوية، وهذه من مقتضيات حكمة اللَّه البالغة؛ حيث أظهر آثار فيح جهنم في زمان الحر، وآثار الزمهرير في زمان البرد، ولم يجعلهما على العكس، فيتولد منهما وخامة في الأهوية وفساد في الأمزجة.
وقوله: (فمن سمومها) في (القاموس) (٢): السَّموم الريح الحارة تكون غالبًا بالنهار.
٥٩٢ - [٦] (أنس) قوله: (إلى العوالي) جمع عالية، وهي المواضع في جانب
стр. 959
وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٥، م: ٦٢١].
٥٩٣ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ: يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتْ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا. . . . .
ــ
علو المدينة في جانب مسجد قباء ومسجد بني قريظة.
وقوله: (وبعض العوالي. . . إلخ) مدرج من كلام الزهري.
وقوله: (أو نحوه) أي: نحو هذا المقدار ولهذا ذكَّر الضمير، ولا يخفى أنه لا يُدرى أن الذهاب كان راكبًا أو ماشيًا، وعلى تقدير المشي: بالسرعة أو البطؤ، وحال الذاهب في القوة أو الضعف، ولا يظهر أيضًا بأيِّ ناحية من العوالي كان الذهاب، وبالجملة لا يثبت به أن يصلي العصر وقت بقاء ربع النهار كما هو مذهبهم.
٥٩٣ - [٧] (أنس) قوله: (تلك صلاة المنافق) إشارة إلى ما في الذهن، وهي العصر المؤخَّرة عن أول وقتها إلى قبيل الغروب عمدًا بلا عذر.
وقوله: (يجلس. . . إلخ) استئناف لبيان الجملة السابقة، والمنافق إما محمول على حقيقته بأن يكون بيانًا لصلاته، أو يكون تغليظًا، والمراد مَن هو على صفة المنافق.
وقوله: (فنقر أربعا) في (القاموس): نقر الطائر: لقط من ههنا وههنا (١)، شبه به تخفيف السجدة من غير طمأنينة، وإطلاق الأربع باعتبار جعل السجدتين ركنًا واحدًا بإرادة الجنس، أو كان وروده في السفر، أو حين كان صلاة العصر ركعتين قبل الزيادة، أو لمَّا كان لم يفصِل بين السجدتين فكأنهما سجدة واحدة، واللَّه أعلم.
стр. 960
لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٢٢].
٥٩٤ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٢، م: ٦٢٦].
ــ
ثم تخصيص البيان بالعصر إما لكونها في وقت اشتغال الناس بيانًا للباعث على التهاون أو لفضلها مبالغة في التقبيح والتشديد.
وقوله: (لا يذكر اللَّه فيها إلا قليلًا) إشارة إلى التهاون والتقصير في الأركان الظاهرة وخشوع الباطن، وإنما قال: (قليلًا) إذ المنافق والمرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه وهو أقل أحواله، أو لأنه يذكر باللسان دون القلب وهو قليل بالنسبة إليه، وقد وقع في القرآن المجيد في شأن المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] بهذا الاعتبار.
٥٩٤ - [٨] (ابن عمر) قوله: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) في (القاموس) (١): وَتَر الرجلَ: أفزعه وأدركه بمكروه، ووتره مالَه: نقصه إياه، وفي (الصحاح) (٢): وتره حقه، أي: نقصه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] أي: لن ينقصكم، وقال البيضاوي (٣): أي: لن يضيع أعمالكم، من وترتُ الرجلَ: إذا قتلتُ متعلقًا به من قريب أو حميم فأفردته منه، من الوِتر، ويروى بنصب (أهله) ورفعه، فعلى الأول في (وتر) ضمير للذي تفوته، وعلى الثاني لا ضمير فيه، بل الفعل مسند إلى (أهله)، والظاهر على ما ذكر في معناه هو الأول كما لا يخفى.
стр. 961
٥٩٥ - [٩] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٣، ٥٩٤].
ــ
وقال الشيخ (١): النصب هو المشهور عند الجمهور على أنه مفعول ثان، والمعنى: أصيب بأهله وماله، وقال القرطبي (٢): يروى بالنصب على أن (وُتر) بمعنى سُلب، وهو يتعدى إلى مفعولين، وبالرفع على أن (وُتر) بمعنى أُخذ، انتهى.
والمعنى: أن التقصير في صلاة العصر مصيبة عظيمة في نقص الدين كوتر الأهل والمال في الدنيا، وذلك تنبيه على زيادة فضيلة صلاة العصر، فينبغي أن لا تُترك بحال، وقد يلحق بها سائر الصلوات، والكلام في اشتراك العلة، نعم قد يروى: من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته، ويروى: من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله، فالظاهر العموم وقد خصه الشيخ، وقيل في معناه: أي: بشؤم ترك الصلاة يهلك أهله وماله.
٥٩٥ - [٩] (بريدة) قوله: (من ترك صلاة العصر) وزاد معمر في روايته: (متعمدًا) كذا قال الشيخ (٣).
وقوله: (فقد حبط عمله) في (القاموس) (٤): حبط عمله كسمع وضرب حَبْطًا وحُبوطًا: بطل، وهذا تغليظٌ وتشديد، والمراد المبالغة في نقصان الثواب، وحقيقة الحبط إنما هو بالردة إذا مات على ذلك، واستدل بهذا الحديث من يقول بتكفير العاصي من الخوارج؛ لأنه نظير قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]. وقال الشيخ (٥): قال ابن عبد البر: مفهوم الآية أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله
стр. 962
٥٩٦ - [١٠] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنْصَرِف أَحَدنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٩، م: ٦٣٧].
٥٩٧ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٦٤، م: ٦٣٨].
ــ
فيتعارض مفهومها [ومنطوق الحديث]، انتهى.
والكلام يرجع إلى تحقيق معنى الإيمان وأن العمل داخل فيه أم لا، وقد حقق في موضعه، نعم قد ذهب الإمام أحمد إلى أن تارك الصلاة عامدًا كافر، وقد مر الاختلاف فيه، وقيل: المراد بالعمل عمل الدنيا الذي بسبب الاشتغال به ترك الصلاة، أي: لا يَتمتَّع به، وفي إيراد الحديثين في هذا الباب رمز خفي إلى [أن] التأخير عن الوقت المستحب في حكم التفويت، أو الإشارة إلى أنه لما كانت فضيلتها في هذه الدرجة فينبغي أن تعجل لئلا تفوت لشغل شاغل عنها.
٥٩٦ - [١٠] (رافع بن خديج) قوله: (مواقع نبله) النبل بفتح النون وسكون الموحدة: السهام، كذا في (القاموس) (١)، وفي بعض الشروح: وهي السهام العربية، وفي (الصحاح) (٢): هو مؤنثة ولا واحد لها من لفظها، وقيل: هو واحد وجمعها نبال وأنبال ونبلان، انتهى. أي: ينظر إلى مواضع وقوع سهمه بعد الرمي به لا النبل، والمراد بيان التعجيل لصلاة المغرب وهو مستحب بالاتفاق.
٥٩٧ - [١١] (عائشة ﵂) قوله: (فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل) أي:
стр. 963
٥٩٨ - [١٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٦٧، م: ٦٤٥].
٥٩٩ - [١٣] وَعَنْ قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. . . . .
ــ
كانوا يصلون في أجزاء الوقت الذي بين مغيب الشفق وثلث الليل، فكان مبدؤها مغيب الشفق ومنتهاها ثلث الليل، فافهم.
٥٩٨ - [١٢] (عائشة ﵂) قوله: (متلفعات) أي: ساترات وجوههن وأبدانهن، والتلفع شد اللفاع، وهو بالكسر: الملحفة والكساء أو البرد أو كل ما تتلفع به المرأة، والمرط كساء من خز أو صوف، وعرف معنى الغلس، وقيَّد التلفع بأنه لو كانت الوجوه والأبدان مكشوفة لعرفن بها في ذلك الغلس الذي كان في ذلك الوقت، وقد يعرفن بمشخِّصات أخر، وكان الغلس بحيث لا يعرفن بها، فافهم.
هذا ويحتمل أن يكون المراد: لا يتميزن من الرجال للتلفع والغلس، والأول هو الوجه، قال الشيخ (١): ولا معارضة بين هذا الحديث وحديث أبي برزة أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه؛ لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعة عن بعد، وذلك إخبار عن رؤية الجليس عن قرب.
٥٩٩ - [١٣] (قتادة) قوله: (من سحورهما) ضبط بضم السين وفتحها، وقالوا: هو بالضم اسم للفعل المخصوص، وبالفتح للمأكول وقت السحر.
وقوله: (فصلى) أي: النبي ﷺ ، وفي بعض الروايات: (فصلَّيا)، وهو موافق
стр. 964
قُلْنَا لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٧].
٦٠٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ. . . . .
ــ
لقوله: (ودخولهما)، وفي بعضها: (فصلينا) بلفظ المتكلم كما في حديث زيد بن ثابت: أنهم تسحروا مع رسول اللَّه ثم قاموا إلى الصلاة.
وقوله: (قال: قدر) ضبط بالنصب على أنه خبر كان المقدر، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.
وقوله: (خمسين آية) وفي حديث آخر للبخاري: (خمسين أو ستين)، وهو تخمين يتعسر للعامة الأخذ به، وعلى كل تقدير المراد الآيات المتوسطةُ لا طويلةً ولا قصيرةً، ولا قراءة سريعة ولا بطيئة، ولا يخفى أن التوسط له مقادير ومراتب كثيرة، فيتعسر الأخذ بها، فالأحفظ لهم أن يتعجلوا بمقدار، ولا يدل هذا الحديث على أداء فرض الفجر في الغلس جدًا بالذهاب إلى المسجد وأداء ركعتي السنة، فافهم.
٦٠٠ - [١٤] (أبو ذر) قوله: (كيف أنت) أي: كيف حالك.
وقوله: (إذا كانت عليك الأمراء) أي: مسلطين ومستولين عليك بحيث لا يسعك مخالفتهم، قالوا: المراد أمراء بني أمية، وهم الذين أحدثوا التهاون في أوقات الصلاة ورعاية سننها وواجباتها كالتعديل والطمأنينة، قال في (سفر السعادة) (١): أول من تساهل في القومة والجلسة أمراء بني أمية. واعلم أنه مات أبو ذر سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان ﵁، وكان بالشام في إمارة معاوية من قبل عثمان، فدعاه عثمان ﵁ إلى
стр. 965
أَوْ يُؤَخِّرُونَ عَنْ وَقْتِهَا؟ " قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَك نافِلَةٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٨].
٦٠١ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٩، م: ٦٠٨].
ــ
المدينة وله قصة، فيحمل تحذير أبي ذر عن ذلك على تقدير الفرض والتقدير، أو كان المراد إمارتهم من قِبَلِ الخليفة، واللَّه أعلم.
وقوله: (أو يؤخرونها) (أو) لشك الراوي، ويحتمل أن يكون للتنويع، والمراد تأخيرها عن وقتها المختار.
وقوله: (نافلة) بالرفع، وفي بعض النسخ بالنصب إما خبرُ كان محذوفٍ أو حال من الضمير في الظرف، ثم الحديث يفيد بإطلاقه جواز التنفل بعد الفجر والعصر، وصحة كون النفل ثلاث ركعات، وفيه كلام سيأتي في موضعه، فتقيد بما سوى هذه الثلاثة على أن ارتكاب هذا المكروه أهون من إثارة الفتنة التي تلزم من مخالفتهم.
٦٠١ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (فقد أدرك الصبح) يعني: إذا صلى ركعة أخرى كملت صلاته؛ لأن من البيّن أنه لا يدرك الصلاة بأداء ركعة واحدة، وقد جاء في رواية البيهقي: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعد ما تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة)، وقد جاء في رواية البخاري: (من أدرك من العصر ركعة فلتيم صلاته)، كذا قال الشيخ (١)، والحديث يدل على أن من طلعت عليه الشمس وهو في
стр. 966
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صلاة الصبح أو غربت وهو في صلاة العصر، لا تبطل صلاته، وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن صلاة الصبح تفسد بطلوع الشمس، وصلاة العصر لا تبطل بغروب الشمس، وفرقوا بينهما بأن وقت الفجر كله كامل فإذا شرع فيها وجبت كاملة، فإذا طرأ النقصان لم يؤد كما وجب، بخلاف العصر فإن آخر وقته ناقص لأنه وقت كراهة، فإذا شرع فيها فقد وجب ناقصة، فإذا طرأ النقصان بالغروب فقد أدى كما وجب، وهذا إذا شرع في الوقت الناقص ظاهر، وأما إن شرع قبله فلأن للإنسان أن يستوعب وقت الصلاة لها فلا يمكن الاحتراز عنه.
وهذا الحديث وارد عليهم، والجواب: أنه قد وقع التعارض بين هذا الحديث وبين الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، فإنها تعم الفرض والنفل، وليست مخصوصة بالنفل كما زعمت الشافعية، وحكم التعارض بين الحديثين الرجوع إلى القياس، والقياس رجح حكم هذا الحديث في صلاة العصر، وحكمَ النهي في صلاة الفجر كما ذكرنا، وليست الأحاديث في النهي عن الثلاثة مخصوصة بالنفل كالنهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر، كما زعمت الشافعية؛ لقوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها) أي: أوله، وبه يوفقون بين هذا الحديث وتلك الأحاديث؛ لأن التخصيص خلاف الظاهر، وظاهر الأحاديث النهي عن الفرائض والنوافل، وأيضًا لو كانت مخصوصة بالنفل لجاز قضاء الفوائت فيها ولا يجوز؛ لأن النبي ﷺ لما فاتته صلاة الفجر ليلة التعريس انتظر في قضائها إلى أن ارتفعت الشمس، فلو جاز قضاء المكتوبة حال طلوع الشمس لما أخر بعد الانتباه، كذا قيل.
وقال السُّغْناقي (١): والآثار المروية في النهي عامة في جنس الصلاة. وقال بعض
стр. 967
٦٠٢ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٦].
ــ
أصحابنا: أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث وكان وروده قبل النهي، ومقتضاه أن يبطل العصر أيضًا لكنا عللناه بما ذكرنا فجوزنا في العصر هذا، وقد روي عن أبي يوسف أن الفجر لا يفسد بطلوع الشمس ولكنه يصبر حتى إذا ارتفعت الشمس أتم صلاته، فكأنه استحسن هذا ليكون مؤديًا بعض الصلاة في الوقت، ولو أفسدها كان مؤديًا جميع الصلاة خارج الوقت، وأداء بعض الصلاة في الوقت أولى من أدائه الكل خارج الوقت، كذا ذكر السغناقي نقلًا عن (المبسوط)، واللَّه أعلم.
ثم قد أخذت الشافعية من الحديث المذكور أنه إذا بلغ الصبي أو طهرت الحائض أو أسلم الكافر وأدرك مقدار ركعة من الوقت وجبت عليه هذه الصلاة، وفي إدراك مقدار تكبيرةٍ قولان من الشافعي كما هو مذهبنا، وخصه الطحاوي من أصحابنا بهذه الصورة، وقال: المراد بإدراك الصبح هذا المعنى نصرةً لمذهب أبي حنيفة وأصحابه، لكن الروايات التي جاءت في أن المراد إتمامها بأداء ركعة أخرى كما ذكرنا يأباه، فتدبر.
٦٠٢ - [١٦] (عنه) قوله: (إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر) الحديث، قال الخطابي: معناه: الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها فسميت بهذا المعنى سجدةً، وحكم [ما] دون الركعة كذلك، والحديث خارج
стр. 968
٦٠٣ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا". وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا كَفَّارَة لَهَا إِلَّا ذَلِك". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٧، م: ٦٨٤].
٦٠٤ - [١٨] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ،
ــ
على الغالب، والصحيح أن الصلاة كلها أداء، وبعض الشافعية على أنه قضاء، وثمرة الخلاف تظهر في مسافر نوى القصر وصلى ركعة في الوقت، فإن قلنا أداء فله قصرها، أو قضاء فعليه إتمامها، كذا ذكره الكرماني (١).
٦٠٣ - [١٧] (أنس) قوله: (فكفارتها) إشارة إلى كون فوات الصلاة خطيئة وإن لم يكن باختياره.
وقوله: (إذا ذكرها) لما كان الاستيقاظ مستسبقًا لذكرها، وإنما الصلاة إذا ذكرها بعد الاستيقاظ، اكتفى بالذكر، وهو في الظاهر مقابل النسيان، ولم يذكر بعده: واستيقظ، فافهم.
وقوله: (وفي رواية) يعني: زيادة على قوله: (فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها) للتأكيد، ومعنى الحصر: عدم شرعية الفداء بالمال كما في الصوم.
٦٠٤ - [١٨] (أبو قتادة) قوله: (ليس في النوم تفريط) وكذا في النسيان ولم يُذكر لأنه في معناه، ولهذا ذكره في التفريع.
وقوله: (إنما التفريط في اليقظة) أي: إنما يوجد التقصير في حال اليقظة بأن يفعل ما يؤدي إلى النوم أو النسيان كالاضطجاع عند غلبة الظن بالنوم، والاشتغال بما
стр. 969
فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " [طه: ١٤]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨١].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٦٠٥ - [١٩] عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَا عَلِيُّ، ثَلَاثٌ لَا تُؤَخِّرْهَا: الصَّلَاةُ إِذَا أَتَتْ،
ــ
يترتب عليه النسيان من المشاغل كلعب الشطرنج ونحوه، فيأثم بذلك، وبالنوم يجب القضاء ولا إثم.
وقوله: (إذا كرها) اكتفى به لِمَا عرفت، أو المعنى أنه وإن عذر في النوم أو النسيان ولم ينسب إليه التفريط، ولكن إذا استيقظ وذكر زال العذر ونسب إليه التفريط فليصلها بعده.
وقوله: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾) أي: لذكرها، فإن مَن ذكرها ذكر اللَّه، وقد قرئ: (للذكرى) واللام للوقت.
الفصل الثاني
٦٠٥ - [١٩] (علي) قوله: (ثلاث لا تؤخرها) ضبط بالرفع والجزم، فعلى الرفع إما خبر لـ (ثلاث)، أو صفة له على المشهور من عدم جواز وقوع النكرة المحضة مبتدأ، وأما على الجزم فيجوز أن يكون خبرًا على ما قال العلامة التفتازاني من ارتباط الطلب من غير تأويل في نحو: زيدٌ اضرِبْه، وأما الصفة فلا يكون إلا بتأويل، وللمرتضى الشريف كلام في الأول أيضًا، والرواية القوية بالجزم، واللَّه أعلم.
وقوله: (أتت) بالتائين من الإتيان، قال التُّورِبِشْتِي (١): وهو الموجود في أكثر النسخ المقروءة على المشهورين من أهل العلم، وقال: وهو تصحيف، وإنما المحفوظ
стр. 970
وَالْجِنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفُؤًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٧١].
٦٠٦ - [٢٠] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْوَقْتُ الأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الآخَرُ عَفْوُ اللَّهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٧٢].
٦٠٧ - [٢١] وَعَنْ أُمِّ فَرْوَةَ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
من ذوي الإتقان: (آتت) على وزن كانت بمعنى: حانت.
وقوله: (والجنازة إذا حضرت) يدل إطلاقه على تعجيل صلاة الجنازة وإن حضرت في وقت مكروه، وللصلاة في الأوقات المكروهة تفصيل مذكور في الفقه، وقال السُّغناقي نقلًا من (تحفة الفقهاء) (١): إن الأفضل في صلاة الجناة أن يؤديها ولا يؤخرها؛ لهذا الحديث.
وقوله: (والأيم) بفتح الهمزة وكسر التحتانية المشددة: من لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، ويسمى الرجل الذي لا زوجة له أيّما أيضًا.
٦٠٦ - [٢٠] (ابن عمر) قوله: (الوقت الأول من الصلاة) أي: الصلاة في أول الوقت، والظاهر أن المراد ما سوى ما استحب فيه التأخير؛ كالتبريد للظهر والأسفارِ للفجر، وما لم يكن في التأخير عنه في الجملة مصلحة دينية مكملة للصلاة ومتممة للثواب كتكثير الجماعة مثلًا.
٦٠٧ - [٢١] (أم فروة) قوله: (إلا من حديث عبد اللَّه بن عمر العمري) وهو
стр. 971
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُرْوَى الْحَدِيثُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، وَهُوَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. [حم: ٦/ ٣٧٤ - ٣٧٥، ٤٤٠، ت: ١٧٠، د: ٤٢٦].
٦٠٨ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً لِوَقْتِهَا الآخِرِ مَرَّتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. [ت: ١٧٤].
ــ
عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵃، وهو ممن غلب عليه الزهد، وشغلته العبادة عن حفظ الحديث وضبطه، وذكرناه وأخاه عبيد اللَّه وسائر العمريين في الفصل الثاني من (كتاب العلم) في تعيين عالم المدينة مستوفى، فانظر ثمة.
٦٠٨ - [٢٢] (عائشة) قوله: (مرتين حتى قبضه اللَّه) يعني: أنه ﷺ وإن وقع له أنه صلى بعض الصلوات في آخر وقتها، لكنه لم يقع له ذلك أكثر من مرة إلى أن توفاه اللَّه ، قيل: وتلك المرة هي التي صلاها ﷺ للتعليم حين جاء رجل سائل عن أوقات الصلاة، فكان كل صلاة في آخر وقته، وأما حديث إمامة جبرئيل ﵇ فخارج عن المبحث، ويروى: (إلا مرتين)، والظاهر أن يكون المراد منه حين إمامة جبرئيل، وسؤال الرجل، لكن الظاهر أن يكون المراد غير ما هو للتعلم والتعليم، أو لم يفعل من حين تزوجها، فأخبرت بما أحاط علمها، كذا قيل، وهذا الكلام في الصلاة لآخر الوقت الحقيقي بحيث لا يبقى بعده من الوقت شيء، وأما تأخيره عن أول الوقت فله مواضع كثيرة، منها ما جاء أن الصحابة استعجلوا فقدموا عبد الرحمن بن عوف، وفي حديث آخر: قدموا أبا بكر الصديق ﵁، فجاء رسول اللَّه ﷺ فأرادا أن يتأخرا فأومأ أن على مكانكما، وكذا في حالة مرضه الذي أمر أبا بكر بالصلاة مع الناس، وكذا في ليلة رأى ربه فأخر الخروج لصلاة الغداة وبيّن قصتها، وكذا جاء في أحاديث [أخر] أنه كان إذا حضر القوم عجل بالعشاء وإلا أخر، وغير ذلك، والشافعية يحملون كل ذلك على
стр. 972
٦٠٩ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ أَوْ قَالَ: عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٨].
٦١٠ - [٢٤] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ الْعَبَّاسِ. [دي: ١/ ٢٧٥].
٦١١ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢٥٠، ٤٣٣، ت: ١٦٧، جه: ٦٩١].
ــ
عذر أو ضرورة، واللَّه أعلم، وقد تكلم الترمذي في حديث عائشة هذه، وقال: هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل، واللَّه أعلم.
٦٠٩، ٦١٠ - [٢٣, ٢٤] (أبو أيوب، والعباس) قوله: (إلى أن تشتبك النجوم) في (القاموس) (١): شَبَكت الأمور واشتبكت وتشابكت: اختلطت والتبست، والمراد كثرة النجوم، وربما ينظر هذا الحديث إلى كون الشفق هو البياض، وفضيلة تعجيل المغرب متفق عليه بين العلماء بلا خلاف.
٦١١ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (لأمرتهم أن يؤخروا العشاء) ظاهر هذه العبارة في بيان أفضلية التأخير وتأكُّد استحبابه كما في حديث السواك، فينافي مذهب أفضلية تعجيل العشاء، وقال بعضهم: لا ينافيه؛ لأن (لولا) أفادت عدم الأمر به فبقيت كغيرها من المكتوبات في أن تعجيلها هو السنة، وفيه ما فيه.
وقوله: (أو نصفه) شك من الراوي، وقد يقع كل منهما في الصحاح بلا شك، كذا في بعض الشروح، ولا يذهب عليك أنه يجوز أن يكون للتنويع أيضًا، وربما يَنظر
стр. 973
٦١٢ - [٢٦] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْتِمُوا بِهَذ الصَّلَاةِ فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ، وَلَمْ تُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢١].
٦١٣ - [٢٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ. [د: ٤١٩، دي: ١/ ٢٧٥].
ــ
الإضمار في (نصفه) إلى ذلك إلا أن يكون نقلًا بالمعنى.
٦١٢ - [٢٦] (معاذ بن جبل) قوله: (أعتموا بهذه الصلاة) أعتم، أي: دخل في العتمة، وهي ثلث الليل بعد غيبوبة الشمس، أو مطلق الظلمة بعد غيبوبتها، أي: ادخلوا في هذه الصلاة في العتمة، أو الباء للتعدية، أي: أدخلوها [في] العتمة، وهذا الحديث أيضًا يدل على تأخير العشاء، وحمله على تحقق سقوط الشفق وعدم الاستعجال فيها بعيد، كتأويلهم الإسفار على تحقق الصبح كما سيأتي، والإبراد على الزوال، فإن كون وقتها بعد الشفق قد تحقق، وهذا تنبيه على تأخيرها من أول وقتها تدل عليه الأحاديث الدالة على تأخيرها إلى الثلث خصوصًا إن كان من العتم بمعنى الإبطاء والاحتباس عن فعل شيء، يقال: أعتم الرجل قِرى الضيف: إذا أبطأ به، وأعتمت الحاجة: إذا تأخرت، وأعتم: احتبس عن فعل شيء يريده.
وقوله: (لم تصلها أمة قبلكم) قد سبق الكلام فيه في آخر الفصل من (باب المواقيت) [برقم: ٥٨٣]، ووجه التعليل به: أن في الإعتام والتأخير تكثير الجماعة وشدة المشقة، وفيه اعتناء بها.
٦١٣ - [٢٧] (النعمان بن بشير) قوله: (لسقوط القمر لثالثة) أي: غروبه في ليلة ثالثة، وفي شرح الشيخ: وهو غالبًا يسقط في تلك الليلة قرب غيبوبة الشفق
стр. 974
٦١٤ - [٢٨] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ". . . . .
ــ
الأحمر (١)، وفيه أن الحساب يقتضي أن يغرب في قريب من خمس الليل، ففيه أيضًا تأخير العشاء لكن لا إلى الثلث، وسمي القمر قمرًا لبياضه، كذا في (الصحاح) (٢)، وفي صفة الدَّجَّال: (هِجانٌ أقمر) هو الشديد البياض، والأنثى قمراء، ومنه: (معها أتان قمراء)، كذا في (مجمع البحار) (٣)، وفي (القاموس) (٤): القمرة بالضم: لون إلى الخضرة، أو بياضٌ فيه كدرة، ولون القمر يشتمل على ما ذكره.
ثم المشهور أن قبل الثلاث هلال وبعده القمر، ففي إطلاق القمر ههنا توسع من الراوي، ولكن قال في (القاموس) (٥): القمر يكون في الليلة الثالثة، فلا توسع، وقال القاضي عياض (٦): وإنما سمي القمر قمرًا من أول الليلة الثانية (٧) إلى أن يبدر، فإذا أخذ في النقص قيل له قمير مصغرًا، قاله ابن دريد.
٦١٤ - [٢٨] (رافع بن خديج) قوله: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) أسفر
стр. 975
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَلَيْسَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: "فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ". [ت: ١٤٥، د: ٤٢٤، دي: ١/ ٢٧٧، ن: ٥٤٨].
ــ
الصبح: إذا انكشف وأضاء وتنوّر، وأسفر الرجل: دخل وقت الإسفار، وقد عرفت معناه في قوله: (أعتموا بهذه الصلاة)، ثم الظاهر المتبادر من هذه العبارة أن يبتدؤوا في صلاة الفجر وقت الأسفار، وما قيل في معناه: إن المراد إتمامها، فيه تأويل وتكلف، وحدّ الإسفار والتنوير على ما قال السُّغناقي نقلًا عن شمس الأئمة والقاضي الإمام أبي علي النسفي: أنه يبدأ الصلاة بعد انتشار البياض في وقت لو صلى الفجر بقراءة مسنونة ما بين أربعين آية إلى ستين أو أكثر ويرتل القراءة، فإذا فرغ من الصلاة لو ظهر له سهو في طهارته يمكنه أن يتوضأ ويعيد الصلاة قبل طلوع الشمس، كما فعل أبو بكر وعمر ﵄، كذا في (فتاوى قاضيخان) (١)، انتهى. بل بحيث لو ظهر فساد صلاته أن يعيدها في الوقت بقراءة مستحبة كما قيل.
ومذهب الشافعي رحمة اللَّه عليه التغليس، وأوَّلَ أصحابه الحديث بأن المراد: أخروا صلاة الفجر إلى أن يتحقق طلوع الفجر، ولا تبادروا عند ظن طلوعه، فإن ذلك أعظم لأجوركم، إذ الصلاة بعد تيقن دخول الوقت أفضل منها عند ظنه، وفيه بعدٌ؛ لأن الظاهر المتبادر من قوله: (فإنه أعظم للأجر) أن يكون ذلك لخصوصيته في الإسفار، لا لأجل تحقق الوقت فإنه عام لوقت كل صلاة، فإنه لما لم يتبين الوقت لا يحكم بجواز الصلاة، فالظاهر على تقدير هذا التعليل أن يقال: فإنه لا تصح الصلاة بدونه، وهذا أظهر من أن يخفى، وقد يقال: يحتمل أنهم حين أمرهم بتغليس الفجر كانوا يصلونها عند الفجر الأول حرصًا عليه فقال: أسفروا، أي: أخِّروها إلى الفجر الثاني.
стр. 976
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: الأمر بالإسفار خاص في الليالي المقمرة احتياطًا لعدم تبين الفجر.
وقال الطحاوي من أصحابنا (١): يبدأ بالتغليس ويختم بالإسفار، ويجمع بينهما وهو أن يطول القراءة، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وهو أقوى التأويلين؛ لأنه يوفق بين الأحاديث التي وردت في التغليس والأسفار، وقال السُّغناقي: الأفضل في صلاة الفجر عندنا الإسفار بها، يبدأ بالإسفار ويختم بالإسفار في ظاهر الرواية، ولا ينبغي أن يؤخر تأخيرًا يقع له الشك في طلوع الشمس؛ لأن في ذلك خوف فساد صلاته.
وقال الشافعي: يستحب التعجيل في كل صلاة، والمراد من التعجيل هو أن يكون الأداء في النصف الأول، كذا في (الأسرار)، قال: لأن في هذا إظهار المسارعة في أداء العبادة وهو مندوب إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، واستدل على تغليس الفجر بحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ الذي مر في الفصل الأول من قوله: (فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس).
ولنا هذا الحديث الذي ورد فيه الأمر بالإسفار؛ ولأن في الإسفار تكثير الجماعة وفي التغليس تقليلها، وما يؤدي إلى تكثير الجماعة كان أفضل، ولأن المكث في مكان الصلاة حتى تطلع الشمس مندوب إليه كما نطقت به الأحاديث، وإحراز هذه الفضيلة متيسر في الإسفار، وفي التغليس قلما يتمكن منه، والذي ثبت في الروايات من فعل رسول اللَّه ﷺ هو الإسفار، فإن ثبت التغليس في وقت كان لعذر كالخروج إلى سفر ونحوه، ولهذا لما صلى ليلة المزدلفة بغلس ورد أنه صلى في غير وقته المعتاد، أو كان
стр. 977
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التغليس كما وقع في حديث عائشة ﵂ حين تحضر النساء للصلاة بالجماعة، ثم انتسخ ذلك حين أمرن بالقرار في البيوت.
وأما الجواب عن تعلقهم بالآية فقلنا: المسارعة إلى مغفرة اللَّه إنما يكون في المسارعة إلى الشيء الذي هو أفضل عند اللَّه، وذلك في تكثير الجماعة لا في تقليلها، وذلك لا يكون إلا في التنوير، والمعنى الفقهي فيه: أن تأخير الفجر إلى آخر الوقت مباح بالإجماع لا كراهة فيه، وتقليل الجماعة أمر مكروه، وكذلك إيقاع الناس في الحرج، والتغليس بالفجر يؤدي إلى أحد الأمرين، ألا ترى أن رسول اللَّه ﷺ نهى معاذًا عن تطويل القراءة، وعلل ذلك بتنفير الناس عن الجماعة، وتطويل القراءة في الصلاة في الأصل سنة فوق تعجيل الصلاة في أول الوقت، كذا في (الأسرار)، هذا حاصل ما قال السغناقي مع شيء من الاختصار والزيادة، فتدبر.
وقال القاضي عياض المالكي في شرح حديث: (أسفروا في الفجر): أي: صلوها بعد تبين وقتها وسطوع ضوء الفجر، ولا تبادروا بها أول مبادئ الفجر قبل تبينه، وهذا مذهب الحجازيين في تقديم وقتها وأنه أفضل، والعراقيون يذهبون إلى صلاتها عند الإسفار البيّن آخر وقتها وأنه أفضل، انتهى.
وفي شرح (كتاب الخرقي) (١) في مذهب أحمد بن حنبل ﵀: أما الصبح فالأفضل تقديمها مطلقًا على إحدى الروايات، واختيارِ الخرقي وأبي محمد وطائفة من أصحابنا، والثانية: الإسفار بها أفضل، والثالثة: الاعتبار بحال أكثر المأمومين، فإن غلَّسوا غلس، وإن أسفروا أسفر، توفيرًا للجمع فهو أحب إلى اللَّه تعالى كما ورد في
стр. 978
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦١٥ - [٢٩] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ،
ــ
الحديث، وعن معاذ بن جبل قال: (بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن فقال: يا معاذ! إذا كان في الشتاء فغلِّس بالفجر، وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملّهم، وإذا كان في الصيف فأسفر بالفجر، فإن الليل قصير والناس ينامون، فأمهلهم حتى يدركوا)، رواه أبو الحسين بن مسعود الفراء في (سننه) (١).
واعلم أن كلا الروايتين فيما إذا كان الأرفق على المأمومين في الإسفار مع حضورهم أو حضور بعضهم، أما لو تأخر الجيران جميعهم فالأولى التأخير بلا خلاف على مقتضى ما ذكره القاضي وقال: نص عليه في رواية الجماعة، انتهى الكلام في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، واللَّه أعلم.
الفصل الثالث
٦١٥ - [٢٩] (رافع بن خديج) قوله: (ثم تنحر الجزور) الجزور: البعير ذكرًا كان أو أنثى، إلا أن اللفظ مؤنث وإن أريد به الذكر، كذا في (صحاح) الجوهري (٢).
وفي (القاموس) (٣): الجزور: البعير، أو خاص بالناقة المجزورة، وما يذبح من الشاء، واحدتها جَزْرة، ويعلم منه أن الجزور جاء بمعنى الشاة أيضًا، والظاهر أن المراد في الحديث هو البعير يتم به المبالغة في تعجيل العصر، واللَّه أعلم.
стр. 979
فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ، ثُمَّ تُطْبَخُ، فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٩، م: ٦٣٧].
ــ
وقوله: (فتقسم) بالتاء والياء لكون التأنيث غير حقيقي، وكذا (ثم تطبخ) كذا قيل، و (قسم) بكسر القاف وفتح السين جمع قِسْم بالسكون، وفي إيراد (ثم) في الموضعين مبالغة في بيان الامتداد، وهذا الحديث إن سلم دلالته على أداء صلاة العصر يومئذ عند بلوغ الظل المثل فلعله كان يصلي في بعض الأحيان كذلك تعليمًا وتقريرًا، ودلالةُ (كان) على الدوام والاستمرار منظور فيه، واللَّه أعلم.
وروى الشيخ ابن الهمام أحاديث في تأخير العصر وقال (١): وعندي أنه لا تعارض بينها وبين ما روي في تعجيله من رافع بن خديج من نحر الجزور وتقسيمه عشر قسم، الحديثَ، فإنه إذا صلى العصر قبل تغير الشمس أمكن في الباقي إلى الغروب مثل هذا العمل، ومن يشاهد المَهَرة من الطباخين في الإسفار مع الرؤساء لم يستبعد ذلك، انتهى.
وحكي عن أحمد بن حنبل ﵀ أن الأفضل مع الصحو التأخير إلى الوقت المختار، وعندنا تأخير العصر مستحب إذا لم تتغير الشمس، والدليل عليه حديث ابن مسعود ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يصلي العصر والشمس بيضاء نقية)، وهذا منه بيان تأخير العصر إلى عدم تغير الشمس، وقيل: سميت العصر لأنها تعصر، أي تؤخَّر، أو لأن الوقت يُعصر، وفي (القاموس) (٢): العصر العشي إلى احمرار الشمس، وقالوا: ولأن في تأخير العصر تكثير النوافل لكراهتها بعد العصر، ولهذا كان التعجيل في المغرب أفضل، لأن أداء النافلة قبلها مكروه، وتكثير النوافل أفضل من المبادرة إلى الأداء لأول الوقت، كذا قال السغناقي عن المبسوطين، ثم المعتبر هو تغير القرص، وهو أن يصير
стр. 980
٦١٦ - [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: "إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرونِ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ،
ــ
بحال لا تحار فيه الأعين، هو الصحيح، وقيل: إذا قامت الشمس للغروب قدر رمح أو رمحين لم تتغير، وإذا صارت أقل فقد تغيرت.
وقيل: لو وضع طست ماء وينظر فيه، فإن كان القرص يبدو للناظر فقد تغيرت، والمختار عند صاحب (الهداية) الأول وصححه، وعند سفيان وإبراهيم النخعي المعتبر تغير الضوء الذي يقع على الجدران، والقول باعتبار تغير القرص قول الشعبي، قال شمس الأئمة: لأن تغير الضوء يحصل بعد الزوال وبه كان يقول مشايخ بلخ والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل، وفيه أن تغير الضوء بعد الزوال غير مدرك، والذي عند قرب الغروب شيء آخر واضح، وقد مر في (باب الاستحاضة) [برقم: ٥٦٢]، واللَّه أعلم.
٦١٦ - [٣٠] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (صلاة العشاء) ظرف لـ (ننتظر) أي: في هذا الوقت، أو منصوب بنزع الخافض، أي: لصلاة العشاء.
وقوله: (الآخرة) قيد بها لأنه قد يسمى المغرب أيضًا عشاء ولو تغليبًا، وقد كانوا يسمون المغرب عشاء وإن نهوا عن ذلك بعد ذلك بقوله ﷺ : (لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب) كما جاء في (صحيح البخاري) (١)، فافهم.
وقوله: (ما ينتظرها أهل دين غيركم) لأنه لم يكن العشاء فرضًا على غير هذه
стр. 981
وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ" ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٣٩].
٦١٧ - [٣١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا، وَكَانَ يُخفِّفُ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٤٣].
ــ
الأمة من أهل الملة كما سبق (١).
وقوله: (لصليت بهم هذه الساعة) أي: لدُمت عليها في هذه الساعة، وهذه العبارة تدل عند الإنصاف على فضلها في هذه الساعة، وقد عرف في الفصل الأول (٢) في حديث أبي هريرة، ولكنه كان يصلي في بعض الأحيان لأول الوقت إذا حضروا كلهم أو أكثرهم كما جاء في حديث آخر وهو مذهب أحمد ﵀، ولم يثبت الالتزام منه على الدوام على الصلاة لأول الوقت، وفي كلا الصورتين شفقة ورحمة منه ﷺ ، وجزاه عن الأمة خيرًا.
٦١٧ - [٣١] (جابر بن سمرة) قوله: (نحوًا من صلاتكم) أي: في الأوقات.
وقوله: (وكان يؤخر العتمة) وهذا الحديث ونحوه حجة على الشافعي ﵀ في التزامه أول الوقت في كل الصلوات، وهم يقولون: إن كل ما جاء من هذا القبيل فهو مبني على عذر، ولكنه لا يخفى أن الحديث السابق يدل على فضله.
وقوله: (وكان يخفف الصلاة) أي: إذا كان إمامًا، وهذا باعتبار الأغلب إذ يأتي أنه قرأ الأعراف في صلاة المغرب، ويجيء تحقيقه في (باب ما على الإمام)، قال الترمذي: وتأخير العشاء الآخرة هو الذي اختاره أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ
стр. 982
٦١٨ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: "خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ" فَأَخَذْنَا مَقَاعِدَنَا، فَقَالَ: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُّوا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ، وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ لأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ". . . . .
ــ
والتابعين، وبه يقول أحمد وإسحاق رحمهما اللَّه.
٦١٨ - [٣٢] (أبو سعيد) قوله: (فلم يخرج) من عطف التفصيل على الإجمال، أو المراد: صلينا ليالي فلم يخرج في ليلة، فافهم.
وقوله: (نحو من شطر الليل) في (القاموس) (١): الشطر نصف الشيء وجزؤه، ومنه حديث الإسراء: فوضع شطرها، أي: بعضها، والمراد في الحديث معنى النصف كما لا يخفى.
وقوله: (خذوا مقاعدكم) أي: اصطفوا للصلاة كما في قوله سبحانه: ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١].
وقوله: (إن الناس) أي: بقية أهل الأرض كما في خبر آخر: ما ينتظرها أهل دين غيركم؛ لكونها غير واجبة على غير هذه الأمة، فالمراد بالصلاة المغرب، كذا في شرح الشيخ، وقد يقال: المراد ممن عداهم من هذه البلدة من أهل المحلات الذين لم يكونوا حاضرين في المسجد النبوي ﷺ ، وهذا المعنى أنسب بالمقام وبقوله: (ما انتظرتم الصلاة)، ولكن قد صرحوا أن المراد هو الأول، واللَّه أعلم.
وقوله: (في صلاة) بالتنوين، كأنه للتنويع فإن انتظار الصلاة نوع من الصلاة غير
"يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ مِنْ بَعْدِي يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ فَهِيَ لَكُمْ وَهِيَ عَلَيْهِمْ، فَصَلُّوا مَعَهُمْ مَا صَلَّوُا الْقِبْلَةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٤].
٦٢٣ - [٣٧] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ، وَنَتَحَرَّجُ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٣].
* * *
ــ
في (التقريب) (١).
وقوله: (فهي لكم) أي: ثوابها في أول وقتها لكم إن صليتموها أولًا، ثم معهم، وكذا إن أخرتموها إلى الصلاة معهم؛ لأنكم لم تؤخروها إلا لخوف الفتنة.
٦٢٣ - [٣٧] (عبيد اللَّه بن عدي بن الخيار) قوله: (إنك إمام عامة) يريد الإمامة الكبرى وهي الخلافة، والمراد في قوله بـ (إمام فتنة): رئيس أهل الفتنة والبغي وهو كنانة بن بشر.
وقوله: (ونتحرج) الحرج لغة: الضيق على الإثم والحرام، وقيل: الحرج أضيق الضيق، والتحرج التأثم، أي: نتحرج من الإثم ونجتنبه، تحرج فلان: إذا فعل فعلًا يخرج به من الإثم والضيق، ومنه حديث: (يتحرج أن يطوف) كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة خروجًا من الحرج والإثم، ومنه: (فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا) أي: تجنبًا من الإثم وخروجًا، فالمراد: لا نصلي مع إمام الفتنة خروجًا من الإثم والحرام، وفي
стр. 985
٣ - باب فضائل الصلاة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٢٤ - [١] عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا". يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٣٤].
ــ
الحديث دليل على جواز الصلاة خلف الفئة الباغية كما ورد: (صلُّوا خلف كلِّ بر وفاجر).
٣ - باب
هكذا في أكثر النسخ من غير ذكر عنوان، وهو في توابع ومتممات لما سبق من فضائل الصلاة وأوقاتها، ومن عادة المؤلف أن يذكر في مواضع هكذا بابًا مطلقًا في توابع ومتممات لما سبق من غير أن يقيده بشيء.
الفصل الأول
٦٢٤ - [١] (عمارة) قوله: (عن عمارة) بضم العين المهملة مخففًا، (ابن رويبة) براء مهملة وموحدة مصغرًا.
وقوله: (لن يلج) الولوج: الدخول، والمراد: الدخول للتعذيب كما يكون للعصاة، وأما الورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فليس كذلك، ولهذا يعم الكل من الأنبياء والمرسلين سوى سيد المرسلين صلى اللَّه عليه وعليهم أجمعين ففيه اختلاف.
وقوله: (يعني الفجر والعصر) وذلك لغاية فضلهما، وظاهر الحديث يدل على أن مصليها لا يدخل النار لا لأجل ترك الصلوات الأخر ولا لأجل ارتكاب الذنوب