← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14527

الأحكام المترتبة على الحيض والنفاس والاستحاضة

صالح اللاحم

Полный текст (294 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والقياس الصحيح ما بيَّن فيه أنَّ المشترك بين الأصل والفرع هو علَّة الحكم أو دليل العلَّة. وأيضًا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة، سواء تعلَّقت بالبيت أو لم تتعلَّق يدلُّ عليه أنهم لَمَّا كانوا يُصلُّون إلى الصخرة كانت الطهارة شرطًا فيها، ولم تكن متعلِّقة بالبيت، وكذلك أيضًا إذا صلَّى إلى غير القبلة، كما يُصلِّي المتطوِّع في السفر، وكصلاة الخوف راكبًا، فإنَّ الطهارة شرط، وليست مُتعلِّقة بالبيت. وأيضًا فالنظر إلى البيت عبادة مُتعلِّقة بالبيت، ولا يُشترط له الطهارة ولا غيرها (١). ٥ - أنَّ الطائف لا بدَّ أن يُصلِّي الركعتين بعد الطواف، والصلاة لا تكون إلاَّ بطهارة (٢). ونوقش: بأنَّ وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع، وإذا قُدِّر وجوبهما لم تجب فيهما الموالاة، وليس اتصالهما بالطواف بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة، ومعلومٌ أنه لو خطب محدثًا ثم توضَّأ وصلَّى الجمعة جاز، فلأن يجوز أن يطوف مُحدِثًا ثم يتوضَّأ ويصلِّي الركعتين بطريق الأَولَى، وهذا كثيرٌ ما يُبتَلَي به الإنسان إذا نَسِيَ الطهارة في الخطبة فإنه يجوز أن يتطهَّر ويصلِّي (٣). ٦ - ولقوله ﷺ لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألاَّ تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٤). فهذا نفيٌ صريحٌ جليٌّ في عدم صحته من الحائض؛ إذ النهي يقتضي الفساد.

стр. 107

القول الثاني: أنه يصحُّ مع الإثم: ذهب إليه الحنفية (١)، وأحمد في رواية عنه (٢)، اختارها ابن تيمية (٣). الاستدلال: احتجَّ الحنفية بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. ووجه الدلالة: أنَّ المأمور بالنص هو الطواف، وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يُحقَّق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة فيه يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس، لأنَّ الركنية لا تثبت إلاَّ بالنص (٤).

стр. 108

ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنَّ الآية عامة، فتخصَّص بما ذكرنا، والتخصيص ليس بنسخ. الوجه الثاني: أنَّ الطواف بغير طهارة مكروه عند أبي حنيفة، ولا يجوز حمل الآية على طواف مكروه؛ لأنَّ الله لا يأمر بالمكروه (١). ٢ - وبما رُوِيَ عن عطاء قال: حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة فأتمَّت بها عائشة سُنة طوافها (٢). ٣ - ولأنَّ الطواف رُكن من أركان الحج فلم تُشترط له الطهارة كسائر الأركان (٣). ونوقش: بأنَّ الطهارة ليست واجبة في غير الطواف من أركان الحج، فلم تكن شرطًا بخلاف الطواف، فإنهم سلَّموا وجوبها فيه (٤). واحتجَّ الحنابلة: بأنَّ الطواف عبادة لا يُشترط فيها الاستقبال، فلم يُشترط فيها الطهارة كالسَّعي (٥). ويمكن أن يناقش: بأنَّ الاستقبال ليس هو سبب الطهارة في الصلاة، بدليل اشتراطها حين كانت الصلاة إلى الصخرة، وكذا بالنسبة للمربوط أو الخائف، أو في النافلة على الراحلة في السفر.

стр. 109

ثم إنَّ الطهارة ليست واجبة في غير الطواف من الأركان، فلم تكن شرطًا بخلاف الطواف، فإنهم كالحنفية قد سلَّموا وجوبها فيه. الترجيح: ولعلَّ الراجح هو القول الأول لقوَّة ما بُنِيَ عليه من استدلال، ومن أهمِّه ما ثبت من نهيه لعائشة عن الطواف حتى تطهر. الفرع الثاني: ما تفعل المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج: إذا حاضت المتمتعة قبل أن تطوف للعمرة، وخشيت فوات الحجِّ فماذا تفعل؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أنها ترفض العمرة وتهل بالحج: ذهب إليه الحنفية (١). الأدلَّة: ١ - حديث عروة عن عائشة أنها قالت: «أهللتُ بعمرة فقدمتُ مكة وأنا حائض ولم أطفْ بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «انقضي رأسك، وامتشطي وأهلِّي بالحج، ودعي العمرة» .. قالت: ففعلتُ، فلمَّا قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه، فقال: «هذه عُمرة مكان عُمرتك» (٢).

стр. 110

قالوا: فهذا يدلُّ على أنها رفضت عمرتها وأحرمت بالحج، وذلك من وجوه: الوجه الأول: قوله: «دَعِي عمرتك» وهذا يدلُّ على رفض العمرة. الوجه الثاني: قوله: «وامتشطي» والامتشاط غير جائز للمحرم (١). ونوقش الاستدلال من أوجه: الوجه الأول: أنَّ قوله: «انقضي رأسك وامتشطي ودعي العمرة» انفرد به عروة، وخالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت، وقد روى ذلك طاوس والقاسم والأسود وعمرة عن عائشة، ولم يذكر أحد منهم هذه اللفظة (٢)، وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة (٣). وقد روى حمَّاد بن زياد، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة حديث حيضها فقال فيه: ... فحدثني غير واحد أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: «دعي العمرة، وانقضي رأسك، وامتشطي» وذكر تمام الحديث. وهذا يدلُّ على أنَّ عُروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة (٤). وهو مع ما ذكر من مخالفته بقية الرواة، يدلُّ على الوهم، مع مخالفتها الكتاب والأصول؛ إذ ليس لنا موضع آخر يجوز رفض العمرة مع إمكان إتمامها (٥). الوجه الثاني: أنَّ معنى «دعي العمرة» أي: دعي أفعال العمرة، فإنها تدخل في أفعال الحج، أو أنَّ المعنى «دعيها بحالها، لا تخرجي منها»، وليس المراد تركها، ويدلُّ عليه وجهان:

стр. 111

أحدهما- قوله: «يسعك طوافك لحجِّك وعُمرتك». الثاني- قوله: «كوني في عُمرتك» وهذا أولَى من حملة على رفضها لسلامته من التناقض (١). وأما قوله: «وامتشطي» فإنه دليلٌ على أنه يجوز للمحرم أن يُمشِّط رأسه، ولا دليل من كتاب أو سُنة أو إجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه. وهذا قول ابن حزم وغيره (٢). أو أنَّ المراد به تسريح شعرها برفق حتى لا يسقط منه شيء، ثم تُضفِّره كما كان (٣). الوجه الثالث من الاستدلال بالحديث: أنه قال للعُمرة التي أتت بها من التنعيم: «هذه مكان عُمرتك»، ولو كانت عمرتها الأولى باقية لم تكن هذه مكانها، بل كانت عُمرةً مستقلَّة؛ إذ لا تكون الثانية مكان الأولى إلاَّ والأولى مفقودة (٤). ونوقش: بأنَّ عائشة أحبَّت أن تأتي بعمرة مُفرَدَة، فأخبرها النبي ﷺ أنَّ طوافها وقع عن حجِّها وعُمرتها، وأنَّ عُمرتها قد دخلت في حجِّها فصارت قارنة، فأبت إلاَّ عمرةً مُفرَدَة كما قصدت أولاً، فلما حصل لها ذلك، قال: «هذه مكان عمرتك» (٥). وقد روى الأثرم في سننه عن الأسود، قلت لعائشة: اعتمرت بعد الحج؟ قالت: والله ما كانت عمرة، ما كانت إلا زيارة زُرت البيت (٦).

стр. 112

الوجه الرابع من الاستدلال: قول عائشة ﵂: «ترجع صواحبي بحجٍّ وعُمرة، وأرجع أنا بالحج». وهذا صريحٌ في رفض العمرة؛ إذ لو أَدخلت الحج على العمرة لكانت هي وغيرها سواء، ولَمَا احتاجت إلى عُمرةٍ أخرى بعد العمرة والحج اللذين فعلتهما (١). ويمكن أن يُناقش: بأنَّ عائشة إنما قالت ذلك بعد أن قال لها النبي ﷺ : «يسعك طوافك لحجِّك وعمرتك»، وكان قصدها أن تأتي بعمرة مفردة كما قصدت أولاً، وأن ترجع بمثل ما يرجع به أزواجه، فلمَّا حصل لها ذلك قال لها: «هذه مكان عمرتك» (٢). الوجه الخامس من الاستدلال: أنها شكت إلى النبي ﷺ وأظهرت الجزع لفوات العمرة، ولم يخبرها النبي ﷺ أنَّ القارن لا يحتاج إلى الاعتمار مستقلاًّ (٣). ونوقش: بأن هذا تَحكُّم، وكيف يُقال هذا والنبي ﷺ قد قال لها: «يسعك طوافك لحجِّك وعمرتك». الوجه السادس: أنَّ عائشة اضطربت لأمرٍ لم يفعله النبيُّ ﷺ ، وإنما كان هذا محلُّ افتخار وابتهاجٍ أنها وافقت النبي ﷺ في الأفعال، فإن لم يكن النبي ﷺ طاف لهما طوافَين، ولم يسعَ سعيَين، فعلى أيِّ أمرٍ تتحسَّر؟ أعلى أمرٍ لم يفعله النبي ﷺ ؟! فدلَّ على أنها كانت ترى الناس فائزين بالطوافين، كما نطقت به أيضًا، حيث قالت: "يرجع الناس بحج وعمرة ... إلخ، ونفسها خائبة عن إدراك طواف العمرة، فحسرت لذلك، ولأجل ذلك أمرها النبي ﷺ بعد الحج أن تعتمر من التنعيم

стр. 113

تلافيًا لما فاتها، وجبرًا لانكسارها، ولو كان المقصود منه تطييب خاطرها فقط لَما احتاج إلى هذا التطويل، واكتفى بتعليمه المسألة إياها فقط، أو بإخبارها عن نفسه أنه لم يؤدِّ أفعالها مستقلَّة أيضًا، ولو أخبرها أنه لم يَطُفْ للعمرة أيضًا كما لم تَطُفْ لها لطابت نفسهَا ولآثرت موافقتها إياه في الأفعال على ألف عمرة، ولم ترفع إليها رأسًا أصلاً، فهذه قرائن أو دلائل على أنها كانت مُفرِدة قطعًا ولم تكن قارنة (١). ويمكن أن يناقش: بأنَّ عائشة فهمت من قوله ﷺ : «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» أنَّ عمرتها دخلت في حجِّها، وأنها تُجزَى عنها، ولكنها كانت تُريد عمرة مفردة كبقية أزواجه ﷺ ، فأمر عبد الرحمن أن يعمرها. وأما القول بأنَّ الأمر لو كان كما ذكرنا لاكتفى بتعليمها فهذا عجب، وأيُّ تعليمٍ أصرح من قوله ﷺ : «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»؟! الوجه السابع: أنها لو كانت قارنة لقال لها رسول الله ﷺ : «إنك قضيتِ حجِّك وعُمرتك، وكان الطواف الواحد لهما جميعًا»، ولكنه لم يقل ذلك ولم يرَها اعتمرت، فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يُخرِجَها إلى التنعيم ليُعمرها فترجع بعمرة وحجَّة كما رجع غيرها من أزواج النبي ﷺ ، وهذا آخر فعله ﵇ في حجِّة الوداع، ولم نعلم شيئًا نسخه (٢). ونوقش: بأنَّ النبي ﷺ قال لها: «يسعك طوافك لحجِّك وعمرتك» وهذا اللفظ كافٍ، وقد فهمته عائشة، وأما تحديد لفظة معينة فهذا تحكُّم. الوجه الثامن: أنها لو كانت قارنة لَما أُمِرَت بالوقوف بعرفة قبل

стр. 114

العمرة؟ إنما السُنة أن يُبدأ بالعمرة قبل العمل بالحج (١). ونُوقش: بأنَّ طواف القدوم إنما يلزم - أو يُسن - لِمن أحرم بهما من ميقاتهما، وهذه التي أردفت الحج بمكة لا يلزمها ذلك، لأنها أحرمت بالحجِّ من الحرم، ولا يلزمها للحج طواف الورود، والمعتمر لا يلزمه ذلك أيضًا، وإنما يطوف عند ورود طواف عمرته (٢). الوجه التاسع: أنها لو كانت قارنة لوجب عليها هدي القرآن، ولَمَّا لم يُنقل ذلك دلَّ على أنها كانت مُفرِدة (٣). ونوقش: بأنَّ عدم النقل ليس نَقلاً للعدم، لاسيَّما وأنَّ الأصل وجوب الهدي على القارن، فانقلوا لنا أنتم بأنها لم تهدِ. الوجه العاشر: أنكم تزعمون بأنَّ الطواف يُجزِئ لهما جميعًا، وهم يأمرونها بالتقصير إذا رمت وذبحت، ويحلُّ لها كلُّ شيءٍ إلاَّ الجماع والطيب، ولم تطُفْ لعُمرتها بعد، فأنتم تأمرونها أن تقصر لعمرتها قبل أن تطوف، وتسعى وتكون حلالاً ما يحل منه المعتمر غير الجماع والطيب، ولم تطُف بالبيت، ولم تسعَ بين الصفا والمروة لعمرتها (٤). فإن قلتم: إنَّ هذا التقصير إنما هو للحجِّ خاصة، فلا بدَّ أن تقولوا: إذا طافت وسعت قصرت تقصيرًا آخر للعمرة، ولا ينبغي أن يحلَّ منها شيء حتى تقصر التقصير الثاني، وينبغي لكم أن تجعلوا عليها الهدي في التقصير الأول؛ لأنها قصرت للحج وهي محرمة (٥). ويمكن أن يُجاب عنه: بأنها بإدخالها حجِّها على عمرتها أصبحت

стр. 115

قارنة، وعمل القارن كعمل المفرد، وقد قال النبي ﷺ : «إذا رميتم وحلقتم فقد حلَّ لكم الطيب والثياب، وكلُّ شيءٍ إلاَّ النساء» (١). القول الثاني: أنها تحرم بالحج مع عمرتها، وتصير قارنة: ذهب إليه جمهور أهل العلم ومنهم المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥)، وهو قول الأوزاعي وأكثر أهل العلم (٦). الأدلَّة: ١ - حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: أقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كانت بسِرف (٧) عركت (٨)، ثم دخل رسول الله ﷺ فوجدها تبكي، فقال: «ما شأنك؟» قالت: شأني أني قد حِضتُ، وقد حلَّ الناس ولم أحلّ، ولم أطُفْ بالبيت، والناس يذهبون إلى الحجِّ الآن، فقال: «إنَّ هذا أمرٌ قد كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلِّي بالحج»، ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة، ثم قال: «فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم» (٩). ٢ - وروى طاوس، عن عائشة أنها قالت: أهللت بعمرة، فقدمت

стр. 116

ولم أطُفْ حتى حضتُ، ونسكتُ المناسك كلَّها، وقد أهللتُ بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» (١). فهذه نصوص صريحة، أنها كانت في حج وعمرة، لا في حج مفرد، وصريحة في أنها لم ترفض إحرام العمرة، بل بقيت في إحرامها كما هي لم تحلّ منه (٢)، وفي بعض ألفاظ الحديث: «كوني في عمرتك، فعسى الله أن يرزقكيها» (٣). ٢ - ولأنَّ النبي ﷺ أمر من كان معه هديٌ في حجَّة الوداع أن يهلَّ بالحج مع العمرة (٤)، ومع إمكان الحج مع بقاء العمرة لا يجوز رفضها (٥) لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ٣ - ولأنَّ إدخال الحج على العمرة جائزٌ بالإجماع من غير خشية الفوات، فمع خشيته أولى (٦). ٤ - ولأنها متمكنة من إتمام عمرتها بلا ضررٍ فلم يجز كغير الحائض (٧). الترجيح: والراجح ما ذهب إليه الجمهور لقوَّة ما بُني عليه من استدلال، في مقابل ضعف ما أورده الفريق الأول، من أوجه للاستدلال، بحديث عائشة.

стр. 117

المسألة الثانية: في الطواف حال الضرورة (١). وفيه فرعان: الفرع الأول: في حُكمه من حيث الحلِّ والحرمة . الفرع الثاني: في حُكمه من حيث الصحَّة وعدمها. الفرع الأول: في حُكمه من حيث الحلِّ والحرمة: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يحرم على المرأة الطواف حال الحيض، ولم يفرِّقوا في ذلك بين حال ضرورة أو غيرها. وقد عدَّ كثيرٌ من أهل العلم هذه من مسائل الإجماع (٢). قال النووي: وقد أجمع العلماء على تحريم الطواف على الحائض والنفساء (٣). وقال ابن حزم: أما امتناع الصلاة، والصوم، والطواف، والوطء في الفرج حال الحيض؛ فإجماع مقطوع به، لا خلاف فيه بين أحد من أهل الإسلام (٤). أدلَّة الجمهور: وإذا كان الجمهور قد اتفقوا على تحريم الطواف على الحائض،

стр. 118

فإنهم لم يتفقوا على سبب التحريم، فنذكر الدليل، ومن قال به، ونذكر ما أورد عليه من مناقشة. الدليل الأول: ١ - أنَّ الحائض منهيَّة عن دخول المسجد (١). بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] إذ هي في معنى الجنب، بل حدثها أغلظ (٢). وبما روي من قوله ﷺ : «لا أُحِلُّ المسجد لحائض ولا جنب» (٣). ونوقش الاستدلال من أوجه: الوجه الأول: عدم صلاحيته للاستدلال. أما الآية فلأنَّ المسجد لم يذكر في أول الآية، فيكون آخرها عائدًا عليه، وإنما ذكرت الصلاة، والصلاة لا تجوز للجنب، إلاَّ ألاَّ يجد ماءً فيتيمَّم صعيدًا طيبًا (٤). وأمَّا الحديث: فإنه ضعيف، ولا يجوز الاحتجاج بمثله (٥). الوجه الثاني: أنَّ الاستدلال معارض بما هو أقوى منه. ومنه قوله ﷺ : «إنَّ المؤمن ليس بنجس» (٦). فإذا ثبت أنَّ النبي ﷺ قال هذا، وكان تأويل الآية ما قد سبق، وضعف ما ورد من قوله ﷺ : «لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب» وجب ألاَّ يُمنع من ليس بنجس من المسجد إلاَّ بحجَّة (٧).

стр. 119

وأيضًا: فالاستدلال معارَض بما صحَّ عن عائشة أنَّ النبي ﷺ قال لها: «ناوليني الخُمرة من المسجد» فقلت: إني حائض، قال: «إنَّ حيضتك ليست في يدك» (١). وعن ميمونة قالت: «كان النبي ﷺ يضع رأسه في حجر إحدانا يتلو القرآن وهي حائض، وتقوم إحدانا بخمرته إلى المسجد فتبسطها وهي حائض» (٢). الوجه الثالث: على فرض التسليم بأنها ممنوعة من دخول المسجد، فإنَّ هذا لا يحرم عليها عند الضرورة، فإنَّ لبثها في المسجد لضرورة جائز، كما لو خافت مَن يقتلها إذا لم تدخل المسجد، أو كان البرد شديدًا أو ليس لها مأوى إلاَّ المسجد (٣). فإذا احتاجت إلى الفعل استباحت المحظور، مع قيام سبب الحظر لأجل الضرورة، كما يُباح سائر المحرمات مع الضرورة من الدَّم والميتة ولحم الخنزير .. وكذلك الصلاة إلى غير القبلة مع كشف العورة، ومع النجاسة في البدن والثوب وهي محرمة أغلظ من غيرها وتُباح، بل تجب عند الحاجة (٤). وإذا كانت إنما منعت من الطواف لأجل المسجد، فمعلوم أن إباحة ذلك للعذر أولى من إباحة مسِّ المصحف للعذر، ولو كان لها مصحف، ولم يمكنها حفظه إلاَّ بمسه، مثل أن يريد أن يأخذه لصٌّ أو كافر، أو ينهبه أحد، ولم يمكنها منعه إلاَّ بمسِّه، لكان ذلك جائزًا لها، مع أنَّ المحدِث لا يمسُّ المصحف، ويجوز له الدخول في المسجد، فعُلِم أنَّ حُرمة المصحف أعظم من حرمة المسجد، وإذا أبيح لها مسُّ المصحف

стр. 120

للحاجة فالمسجد الذي حُرمته دون حرمة المصحف أولى بالإباحة (١). الدليل الثاني: ولأنَّ الطواف من شرطه (أو تجب له) الطهارة، ولا تصحُّ منها، فيحرم عليها (٢). الدليل الثالث: ١ - حديث عائشة أنَّ النبي ﷺ قال لها لَمَّا حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألاَّ تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٣). ٢ - وحديث عائشة أنَّ النبي ﷺ قال، وقد أخبر عن حيض صفية: «أحابستنا هي؟» قيل له: إنها قد أفاضت، قال: «فلتنفر إذن» (٤). فالحديثان دليلٌ على أنَّ الطواف يحرم مع الحيض، كما يحرم على الحائض الصلاة والصيام بالنص والإجماع (٥). ونُوقش من أوجه: الوجه الأول: أنَّ سبب منعها من الطواف، لكونها ممنوعة من دخول المسجد (٦)، وقد بينَّا فيما سبق جواز لبثها عند الضرورة، وهذا منها.

стр. 121

الوجه الثاني: على فرض التسليم بأنَّ التحريم لذات الحيض فإنَّا نقول: إنها إذا احتاجت إلى الفعل استباحت المحظور مع قيام سبب الحظر، لأجل الضرورة، كما يُباح سائر المحرَّمات مع الضرورة من الدم والميتة ولحم الخنزير، وكذلك الصلاة إلى غير القبلة مع كشف العورة، ومع النجاسة في البدن والثوب، هي محرمة أغلظ من غيرها، وتُباح بل تجب مع الحاج. ولا يمكن قياس مسألتنا على الصوم والصلاة؛ فإنَّ الحائض ليست محتاجة إلى الصوم في الحيض، فإنه يمكنها أن تصوم شهرًا آخر غير رمضان، فإذا كان المسافر والمريض مع إمكان صومهما جعل لهما أن يصوما شهرًا آخر، فالحائض الممنوعة من ذلك أولى أن تصوم شهرًا آخر، وإذا أُمِرت بقضاء الصوم لم تؤمر إلاَّ بشهرٍ واحد، فلم يجب عليها إلاَّ ما يجب على غيرها، ولهذا لو استحاضت فإنها تصوم مع الاستحاضة فإنَّ ذلك لا يمكن الاحتراز عنه، إذ قد تستحيض وقت القضاء. وأمَّا الصَّلاة، فإنها تتكرَّر في كلِّ يومٍ وليلة خمس مرَّات، والحيض ممَّا يمنع الصلاة، فلو قيل: إنها تصلِّي مع الحيض لأجل الحاجة لم يكن الحيض مانعًا من الصلاة بحال، وكان يكون الصوم والطواف بالبيت أعظم حرمة من الصلاة، وليس الأمر كذلك بل كان من حرمة الصلاة أنها لا تصلِّي وقت الحيض، إذ كان لها في الصلاة أوقات الطهر غنية عن الصلاة وقت الحيض (١). الدليل الرابع: أنه لو كان طوافها مع الحيض ممكنًا لأُمِرت بطواف القدوم، وطواف الوداع، والنبي ﷺ أسقط طواف الوداع عن الحائض، وأمر

стр. 122

عائشة لَمَّا قدمت وهي مُتمتِّعة فحاضت أن تدع أفعال العمرة، وتحرم بالحج، فعلم أنه لا يمكنها الطواف (١). ونُوقش: بأنَّ الطواف مع الحيض محظورٌ لحرمة المسجد أو للطواف أو لهما، والمحظورات لا تُباح إلاَّ حال الضرورة، ولا ضرورة بها إلى طواف الوداع، فإنَّ ذلك ليس من الحجِّ، ولهذا لا يودِّع المقيم بمكة، وإنما يودِّع المسافر عنها فيكون آخر عهده بالبيت، وكذلك طواف القدوم ليست مضطرَّة إليه، بل لو قدم الحاج وقد ضاق الوقت عليه بدأ بعرفة، ولم يطُف للقدوم، فهو إن أمر بهما القادر عليهما، إما أمر إيجاب فيهما، أو في أحدهما، أو استحباب، فإنَّ للعلماء أقوالاً، وليس واحد منهما رُكنًا يجب على كلِّ حاج بالسُنة الثابتة باتفاق العلماء، بخلاف طواف الفرض، فإنها مضطرَّة إليه؛ لأنه لا حجَّ إلاَّ به، وهذا كما يُباح لها دخول المسجد للضرورة، ولا تدخله لصلاة ولا اعتكاف، وإن كان منذورًا، بل المعتكفة إذا حاضت خرجت من المسجد، ونُصِبت لها قُبَّة في فنائه (٢). القول الثاني- إنه لا يحرم عليها: ذهب إليه ابن تيمية (٣)، وتلميذه ابن القيم (٤)، ونفيا وجود الإجماع على تحريم الطواف، أو عدم صحَّته من المضطرَّة (٥). وقد ذكر ابن تيمية أنَّ الإجماع على التحريم إنما هو في غير المضطرَّة، فقال بعد كلام: .. وأمَّا الذي لا أعلم فيه نزاعًا أنه ليس

стр. 123

لها أن تطوف مع الحيض إذا كانت قادرة على الطواف على الطهر، فما أعلم منازعًا أنَّ ذلك يحرم عليها وتأثم به (١). وقد أطال ابن تيمية في الاستدلال لهذا القول الذي مال إليه، وقد ذكرنا جُملة منه في مناقشته لِما استدلَّ به الجمهور، ونعيد جملة منه على سبيل الاختصار: فإنه قال: إنَّ نهي النبي ﷺ للحائض عن الطواف بالبيت إمَّا أن يكون لأجل المسجد، لكونها منهية عن اللبث فيه، وفي الطواف لبث .. وإمَّا أن يكون لكون الطواف نفسه يحرم مع الحيض، كما يحرم على الحائض الصلاة والصوم (٢). فإن كان تحريمه للأول: لم يحرم عليها عند الضرورة، فإنَّ لبثها في المسجد أو كان البرد شديدًا، أو ليس لها مأوى إلاَّ المسجد (٣). فإذا احتاجت إلى الفعل استباحت المحظور، مع قيام سبب الحظر لأجل الضرورة، كما يباح سائر المحرمات مع الضرورة، من الدم والميتة ولحم الخنزير (٤). وإن كان المنع من الطواف لمعنى في نفس الطواف، كما منع من غيره، أو كان لذلك وللمسجد: كل منهما علَّة مستقلة. فنقول: إذا اضطرت إلى ذلك بحيث لم يمكنها الحج بدون طوافها وهي حائض لتعذُّر المقام عليها إلى أن تطهر، فهذا الأمر دائر بين أن تطوف مع الحيض، وبين الضرر الذي ينافي الشريعة، فإنَّ إلزامها بالمقام إذا كان فيه خوف على نفسها ومالها، وفيه عجزها عن الرجوع إلى أهلها، وإلزامها المقام بمكة مع عجزها عن ذلك، وتضررها به، لا تأتي

стр. 124

به الشريعة، فإنَّ مذهب عامة العلماء أنَّ من أمكنه الحج، ولم يمكنه الرجوع إلى أهله لم يجب عليه الحج، أمَّا مع الضرر الذي يُخَاف منه على النفس، أو مع العجز عن الكسب فلا يوجب أحد عليه المقام، فهذه لا يجب عليها حجٌّ يحتاج معه إلى سكنى مكة. وكثيرٌ من النساء إذا لم ترجع مع من حجَّت معه لم يمكنها بعد ذلك الرجوع، ولو قُدِّر أنه يمكنها بعد ذلك الرجوع، فلا يجب عليها أن يبقى وطؤها مُحرَّمًا مع رجوعها إلى أهلها، ولا تزال كذلك إلى أن تعود، فهذا من أعظم الحرج الذي لا يوجب الله مثله؛ إذ هو أعظم من إيجاب حجَّتين، والله تعالى لم يُوجِب إلاَّ حجَّةً واحدة (١). وإذا قيل في هذه المرأة: بل تتحلَّل كما يتحلَّل المحصر، فهذا لا يفيد سقوط الفرض عنها، فتحتاج مع ذلك إلى حجَّة ثانية، ثم هي في الثانية تخاف ما خافته في الأولى. وإذا قيل: إنَّ الحج يسقط عن مثل هذه، كما يسقط عمَّن لا تحجُّ إلاَّ مع من يفجر بها، لكون الطواف مع الحيض يحرم كالفجور. قيل: هذا مخالف لأصول الشرع؛ لأنَّ الشرع مبناه على قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وعلى قول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢) ومعلومٌ أنَّ المرأة إذ لم يمكنها فعل شيءٍ من فرائض الصلاة أو الصيام أو غيرهما، إلاَّ مع الفجور، لم يكن لها أن تفعل ذلك، فإنَّ الله تعالى لم يأمر عباده بأمر لا يمكن إلاَّ مع الفجور، فإنَّ الزنا لا يُباح بالضرورة، كما يُباح أكل الميتة عند الضرورة.

стр. 125

قال: وأمَّا إذا أمكن العبد أن يفعل بعض الواجبات دون بعض فإنه يُؤمَر بما يقدر عليه، وما عجز عنه يبقى ساقطًا، كما يؤمر بالصلاة عريانًا ومع النجاسة وإلى غير القبلة، إذا لم يُطق إلاَّ ذلك، وكما يجوز الطواف راكبًا، ومحمولاً للعذر بالنص، واتفاق العلماء، وبدون ذلك فيه نزاع، وكما يجوز أداء الفرض للمريض قاعدًا أو راكبًا، ولا يجوز ذلك في الفرض بدون العذر، مع أنَّ الصلاة إلى غير القبلة والصلاة عريانًا وبدون الاستنجاء، وفي الثوب النجس: حرام في الفرض والنفل، ومع هذا فلأن يصلي الفرض مع هذا المحظورات خير من تركها، وكذلك صلاة الخوف مع العمل الكثير، ومع استدبار القبلة مع مفارقة الإمام في أثناء الصلاة، ومع قضاء ما فاته قبل السلام، وغير ذلك مما لا يجوز في غير العذر. فإن قيل: الطواف مع الحيض كالصلاة مع الحيض، والصوم مع الحيض وذلك لا يباح بحال. قيل: الصوم مع الحيض لا يُحتاج إليه بحال؛ فإنَّ الواجب عليها شهر، وغير رمضان يقوم مقامه، وإذا لم يكن لها أن تؤدِّي الفرض مع الحيض فالنفل بطريق الأولى؛ لأن لها مندوحة عن ذلك بالصيام في وقت الطهر. وأما الصلاة: فإنها لو أبيحت مع الحيض، لم يكن الحيض مانعًا من الصلاة بحال، فإن الحيض مما يعتاد النساء كما قال النبي ﷺ لعائشة: «إنَّ هذه شيء كتبه الله على بنات آدم» (١) فلو أذن لهنَّ النبي ﷺ أن يصلين بالحيض، صارت الصلاة مع الحيض كالصلاة مع الطهر (٢).

стр. 126

الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو القول الثاني؛ لقوَّة ما بني عليه من استدلال، مع سلامة وصحَّة ما أورده على أدلَّة القائلين بالحرمة. الفرع الثاني: في حكمه من حيث الصحة وعدمها: وقد اختلف أهل العلم في حُكم طوافها، لو طافت وهي حائض، هل يصحُّ ذلك منها ويقبل أم لا على قولين: القول الأول- أنه لا يصح: ذهب إليه جمهور أهل العلم، ومنهم المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة في المذهب (٣)، والظاهرية (٤). واستدلُّوا: بما استدلُّوا به فيما سبق في مسألة الطواف حال الاختيار. القول الثاني- أنه يصحُّ: ذهب إليه الحنفية (٥)، وأحمد في رواية عنه (٦)، اختارها ابن تيمية (٧)، وبعض المالكية (٨)، وروي عن عطاء (٩).

стр. 127

واستدلَّ هؤلاء: بما أسلفناه لهم من الاستدلال في مسألة الطواف حال عدم الضرورة، وزاد عليها ابن تيمية في هذا الموضع، وأتى بما لم يسبق إليه. وقد مثل ابن تيمية للعُذر الذي تسقط به الحرمة في طواف الحائض، وكذا اشتراط الطهارة على القول به، وبالمرأة تحرم بالحج، ثم تحيض قبل طواف الإفاضة، ولا يمكنها الاحتباس بعد الوفد، والوفد ينفر بعد التشريق بيوم أو يومين أو ثلاثة ولا يمكنها البقاء بمكة حتى تطهر، إمَّا لعدم النفقة، أو لعدم الرفقة التي تقيم معها وترجع معها، ولا يمكنها المقام بمكة لعدم هذا أو هذا أو خوف الضرر على نفسها، وما لها في المقام وفي الرجوع بعد الوفد. والرفقة التي معها تارة لا يمكنهم الاحتباس لأجلها، إمَّا لعدم القدرة على المقام والرجوع وحدهم، وإما لخوف الضرر على أنفسهم وأموالهم، وتارة يمكنهم ذلك لكن لا يفعلونه، فتبقى هذه معذورة (١). قال: لكن هل يُباح لها الطواف مع العذر؟ هذا محل النظر، وكذلك قول من يجعلها شرطًا، هل يسقط هذا الشرط للعجز عنه ويصح الطواف؟ هذا هو الذي يحتاج الناس إلى معرفته (٢). فيتوجَّه أن يقال إنما تفعل ما تقدر عليه من الواجبات، ويسقط عنها ما تعجز عنه، فتطوف، وينبغي أن تغتسل كما تغتسل للإحرام وأولى، وتستثفر كما تستثفر المستحاضة وأولى (٣)، وذلك لوجوه:

стр. 128

أحدها: أنَّ هذه لا يمكن فيها إلاَّ أحد أمور خمسة: إما أن يقال: تقيم حتى تطهر وتطوف، وإن لم يكن لها نفقة، ولا مكان تأوي إليه بمكَّة، وإن لم يمكنها الرجوع إلى بلدها، وإن حصل لها بالمقام بمكة من يستكرهها على الفاحشة فيأخذ مالها إن كان معها مال. وإمَّا أن يقال: بل ترجع غير طائفة بالبيت وتقيم على ما بقي من إحرامها إلى أن يمكنها الرجوع، وإن لم يمكنها بقيت مُحرِمة إلى أن تموت. وإما أن يقال: بل تتحلَّل كما يتحلَّل المحصر، ويبقى تمام الحج فرضًا عليها تعود كالمحصر عن البيت مطلقًا لعذر، فإنه يتحلَّل من إحرامه، ولكن لم يسقط الفرض عنه، بل هو باقٍ في ذمَّته باتفاق العلماء .. ولو كان قد أحرم بتطوُّعٍ من حجٍّ أو عمرة فأحصر، فهل عليه قضاؤه على قولَين مشهورين. وإما أن يقال: من تخاف أن تحيض فلا يمكنها الطواف طاهرًا لا تؤمر بالحج، لا إيجابًا ولا استحبابًا، ونصف النساء أو قريب من النصف يحضن إمَّا في العاشر وإما قبله بأيام، ويستمر حيضهنَّ إلى ما بعد التشريق بيوم أو يومين أو ثلاثة، فهؤلاء في هذه الأزمنة (١)، في كثير من الأعوام، أو أكثرها لا يمكنهنَّ طواف الإفاضة مع الطهر، فلا يحججن ثم إذا قدر أنَّ الواحدة حجَّت فلا بدَّ لها من أحد الأمور الثلاثة المتقدمة، إلاَّ أن يسوَّغ لها الطواف مع الحيض (٢). قال: ومن المعلوم أن الوجه الأول لا يجوز أن تؤمر به، فإن في ذلك من الفساد في دينها ودنياها ما يعلم بالاضطرار أن الله ينهى عنه، فضلاً عن أن يأمر به.

стр. 129

والوجه الثاني- كذلك لثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ الله لا يأمر أحدًا أن يبقى محرمًا إلى أن يموت، فالمحصر بعدوٍّ له أن يَحلل باتفاق العلماء، والمحصر بمرض أو فقر فيه نزاع مشهور، فمن جوَّز له التحلُّل فلا كلام فيه، ومن منعه التحلُّل قال: إنَّ ضرر المرض والفقر لا يزول بالتحلل، بخلاف حبس العدو؛ فإنه يستفيد بالتحلل الرجوع إلى بلده، وأباحوا له أن يفعل ما يحتاج إليه من المحظورات، ثم إذا فاته الحج تحلَّل بعمرة الفوات، فإذا صحَّ المريض ذهب، والفقير حاجته في إتمام سفر الحج كحاجته في الرجوع إلى وطنه، فهذا مأخذهم في أنه لا يتحلل، قالوا: لأنه لا يستفيد بالتحلُّل شيئًا، فإن كان هذا المأخذ صحيحًا، وإلاَّ كان الصحيح هو القول الأوَّل، وهذا المأخذ يقتضي اتفاق الأئمَّة على أنه متى كان دوام الإحرام يحصل به ضرر يزول بالتحلُّل فله التحلُّل. ومعلومٌ أنَّ هذه المرأة إذا دام إحرامها تبقى ممنوعة من الوطء دائمًا، بل وممنوعة في أحد قوليهم من مقدمات الوطء، بل من النكاح ومن الطيب وشريعتنا لا تأتي بهذا. الثاني: أنَّ هذه إذا أمكنها العود فعادت أصابها في المرة الثانية نظير ما أصابها في الأولى، إذا كان لا يمكنها العود إلا مع الوفد، والحيض قد يصيبها مدَّة مقامهم بمكة. الثالث: أنَّ هذا إيجاب سَفَرين كاملين على الإنسان للحجِّ من غير تفريطٍ منه ولا عدوان، وهذا خلاف الأصول، فإنَّ الله لم يوجب على الناس الحجَّ إلاَّ مرَّةً واحدة، وإذا أوجب القضاء على المفسد فذلك بسبب جنايته على إحرامه، وإذا أوجبه على من فاته الحج فذلك بسبب تفريطه؛ لأنَّ الوقوف له وقتٌ محدد، يمكن في العادة ألاَّ يتأخَّر عنه، فتأخُّره يكون لجهله بالطريق أو بما بقي من الوقت أو لترك السير

стр. 130

المعتاد، وكلُّ ذلك تفريط، بخلاف الحائض، فإنها لم تفرِّط، ولهذا أسقط النبي ﷺ عنها طواف الوداع وطواف القدوم، كما في حديث عائشة وصفية. وأما التقدير الثالث: وهو أن يقال: تتحلَّل كما يتحلَّل المحصر، فهذا أقوى، كما قال ذلك طائفةٌ من العلماء، فإن خوَّفها منعها من المقام حتى تطوف، كما لو كان بمكة عدُّو منعها من نفس الطواف دون المقام على القول بذلك، لكنَّ هذا القدر لا يُسقط عنها فرض الإسلام، ولا يؤمر المسلم بحجٍّ يحصر فيه، فمن اعتقد أنه إذا حج أحصر عن البيت، لم يكن عليه الحج، بل خلو الطريق وأمنه , وسعة الوقت شرط في لزوم السفر باتفاق المسلمين. وإنما تنازعوا: هل هو شرطٌ في الوجوب، بمعنى: أنَّ من ملك الزاد والراحلة مع خوف الطريق أو ضيق الوقت، هل يجب عليه فيحجُّ عنه إذا مات؟ أو لا يجب عليه بحال؟ على قولَين معروفين: فعلى قول من لم يجعل لها رخصة إلاَّ رخصة الحصر يلزمه القول الرابع، وهو أنها لا تُؤمَر بالحج، بل ولا يَجب ولا يُستَحَب، فعلى هذا التقدير يبقى الحجُّ غير مشروعٍ لكثيرٍ من النساء، أو أكثرهنَّ في أكثر هذه الأوقات، مع إمكان أفعالها كلَّها لكونهنَّ يعجزن عن بعض الفروض في الطواف. ومعلوم أنَّ هذا خلاف أصول الشريعة، فإنَّ العبادات المشروعة إيجابًا أو استحبابًا، إذا عجز عن بعض ما يجب فيها لم يسقط عنه المقدور لأجل المعجوز، بل قد قال النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (١). وذلك مطابق لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ومعلومٌ أنَّ الصلاة وغيرها من العبادات التي هي أعظم من

стр. 131

الطواف لا تسقط بالعجز عن بعض شروطها وأركانها، فكيف يسقط الحج بعجزه عن بعض شروط الطواف وأركانه؟! رابعًا- قال: ومثل هذا القول أن يقال يسقط عنها طواف الإفاضة، فإنَّ هذا خلاف الأصول؛ إذ الحجُّ عبارة عن الوقوف، والطواف أفضل الرُّكنَين وأجلهما، ولهذا يشرع في الحج، ويشرع في العمرة، ويشرع منفردًا، ويُشترط له من الشروط ما لا يُشتَرَط للوقوف، فكيف يمكن أن يصحَّ الحج بوقوف بلا طواف؟! ولكن أقرب من ذلك أن يقال: يجزئها طواف الإفاضة قبل الوقوف، فيقال: إنها إذا أمكنها الطواف قبل التعريف، وإلا طافت قبله؛ لكن هذا لا نعلم أن أحدًا من الأئمَّة قال به في صورة من الصور ولا قال بإجزائه (١). قال: فإذا تبيَّن فساد هذه أقسام الأربعة بقي الخامس وهو أنها تفعل ما تقدر عليه، ويسقط عنها ما تعجز عنه. وهذا هو الذي تدلُّ عليه النصوص المتناولة لذلك والأصول المشابهة له، وليس في ذلك مخالفة للأصول والنصوص التي تدل على وجوب الطهارة كقوله ﷺ : «تقضي الحائض المناسك كلَّها إلاَّ الطواف بالبيت» (٢) إنما تدل على الوجوب مطلقًا، كقوله: «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يتوضَّأ» (٣)، وقوله: «لا يقبل الله صلاة حائض إلاَّ بخمار» (٤).

стр. 132

وقوله: «حُتِّيه ثم اقرصيه ثم صلي فيه» (١)، وقوله: «لا يطوف بالبيت عريان» (٢)، وأمثال ذلك من النصوص. وقد عُلِم أنَّ جميع ذلك مشروطٌ بالقدرة كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (٣) وهذا تقسيم حاصر. إذا تبيَّن أنه لا يمكن أن تُؤمَر بالمقام مع العجز والضرر على نفسها ودينها ومالها، ولا تؤمر بدوام الإحرام، وبالعود مع العجز، وتكرير السفر، وبقاء الضرر، من غير تفريط منها، ولا يكفي التحلُّل ولا يسقط به الفرض. وكذلك سائر الشروط، كالستارة واجتناب النجاسة، وهي في الصلاة أوكد، فإنَّ غاية الطواف أن يُشبه بالصلاة، وليس في الطواف نصٌّ ينفي قبول الطواف مع عدم الطهارة، والستارة، كما في الصلاة، ولكن فيه ما يقتضي وجوب ذلك. ولهذا تنازع العلماء: هل ذلك شرط؟ أو واجب ليس بشرط؟ ولم يتنازعوا أنَّ ذلك شرط في صحة الصلاة، وأنه يستلزم أن تؤمر بترك الحج، ولا تؤمر بترك الحج بغير ما ذكرناه، وهو المطلوب (٤). الدليل الثاني: أن يقال: غاية ما في الطهارة أنها شرط في الطواف، ومعلومٌ أنَّ كونها شرط في الصلاة أوكد منها في الطواف، ومعلومٌ أنَّ الطهارة كالستارة واجتناب النجاسة، بل الستارة في الطواف أوكد من الطواف؛ لأنَّ ستر العورة يجب في الطواف وخارج الطواف،

стр. 133

ولأنَّ ذلك من أفعال المشركين التي نهى الله ورسوله ﷺ عنها نهيًا عامًا. ولأنَّ المستحاضة ومن به سلس البول ونحوهما يطوف ويصلِّي باتفاق المسلمين، والحدث في حقِّهم من جنس الحدث في حقِّ غيرهم، ولم يفرِّق بينهما إلاَّ العُذر، وإذا كان كذلك وشروط الصلاة تسقط بالعجز، فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى. والمصلِّى يصلِّي عُريانًا، ومع الحدث، والنجاسة في صورة المستحاضة وغيرها، ويصلي مع الجنابة، وحدث الحيض مع التيمم وبدون التيمم عند الأكثرين إذا عجز عن الماء والتراب (١). الدليل الثالث: أن يُقال: هذا نوعٌ من أنواع الطهارة، فسقط بالعجز كغيره من أنواع الطهارة، فإنها لو كانت مستحاضة ولم يمكنها أن تطوف إلاَّ مع الحدث الدائم طافت باتفاق العلماء، وفي وجوب الوضوء عليها خلاف مشهور بين العلماء، وفي هذا صلاة مع الحدث، مع حمل النجاسة، وكذلك لو عجز الجنب أو المحدث عن الماء والتراب صلَّى وطاف في أظهر قولي العلماء. الدليل الرابع: أن يُقال شرط من شرائط الطواف، فسقط بالعجز كغيره من الشرائط، فإنه لو لم يمكنه أن يطوف إلاَّ عُريانًا لكان طوافه عُريانًا أهون من صلاته عريانًا، وهذا واجب بالاتفاق، فالطواف مع العري إذا لم يمكن إلاَّ ذلك أولى وأحرى. وإنما قلَّ تكلُّم العلماء في ذلك لأنَّ هذا نادر، فلا يكاد بمكة يعجز عن سترة يطوف بها، لكن لو قُدِّر أنه سُلِب ثيابه، والقافلة خارجون لا يمكنه أن يتخلَّف عنهم، كان الواجب عليه فعل ما يقدر عليه من الطواف مع العري، كما تطوف المستحاضة ومن به سلس البول، مع أنَّ النهي عن الطواف عُريانًا أظهر وأشهر في الكتاب والسنة من طواف الحائض (٢).

стр. 134

قال ابن تيمية: وهذا الذي ذكرته هو مقتضى الأصول المنصوصة العامة المتناولة لهذه الصورة لفظًا ومعنى، ومقتضى الاعتبار والقياس على الأصول التي تشابهها. والمعارض لها لم يجد للعلماء المتبوعين كلامًا في هذه الحادثة المعينة، كما لم يجد لهم كلامًا فيما إذا لم يمكنه الطواف إلا عريانًا. وذلك لأنَّ الصور التي لم تقع في أزمنتهم لا يجب أن تخطر بقلوبهم ليجب أن يتكلَّموا فيها، ووقوع هذا، وهذا في أزمنتهم إمَّا معدومٌ وإمَّا نادرٌ جدًا، وكلامهم في هذا الباب مُطلَق عام، وذلك يُفيد العموم، لو لم تختصّ الصورة المعينة بمعانٍ توجب الفرق والاختصاص، وهذه الصورة قد لا يستحضرها المتكلِّم باللفظ العام من الأئمَّة لعدم وجودها في زمنهم، والمقلِّدون لهم ذكروا ما وجدوا من كلامهم (١). قال: هذا الذي توجَّه عندي في هذه المسألة، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلي العظيم، ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها علمًا وعملاً لما تجشمت الكلام، حيث لم أجد فيها كلامًا لغيري، فإنَّ الاجتهاد عند الضرورة مما أمرنا الله به (٢). الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو القول الثاني من صحَّة طوافها حال الضرورة لصحة ما أورده ابن تيمية على قول الجمهور وسلامة ما ذكره من استدلال، ولأنه هو الذي يتمشَّى مع ما بُنِيَت عليه هذه الشريعة من دفع العنت ورفع التشطط.

стр. 135

المطلب الثالث حبس الحائض لمن معها وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في حبس المحرم . المسألة الثانية: في حبس الرفقة. المسألة الثالثة: في حبس الكري. المسألة الأولى: في حبس المحرم. ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ المحرم يلزمه البقاء مع من جاءت معه من النسوة إذا حضن حتى يطهرن ويطفن بالبيت (١). واستدلُّوا: ١ - بحديث عائشة ﵂ قالت: حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله، إنها حائض، قال: «أحابستنا هي؟.» قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: «اخرجوا» (٢). قال في الفتح: واستدلَّ به على أنَّ أمير الحاج يلزمه أن يؤخِّر الرحيل لأجل من تحيض ممَّن لم تطف للإفاضة (٣). ٢ - ولقول أبي هريرة ﵁: أمير وليس بأمير: امرأة مع قوم

стр. 136

حاضت قبل طواف الإفاضة، فيحتسبون لأجلها حتى تطهر وتطوف (١). ٣ - ويمكن أن يُستدلَّ له بحديث أبي هريرة مرفوعًا: «أميران، وليسا بأميرين؛ من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تُدفَن أو يأذن أهلها، والمرأة تحجُّ أو تعتمر مع قومٍ فتحيض قبل طواف الركن، فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن لهم» (٢). ونوقش: بأنَّ الحديث ضعيف لضعف إسناده، ولو صحَّ فلا دلالة فيه على الوجوب (٣). وإذا قيل: بوجوب انتظار المحرم للحائض حتى تطهر وتطوف، فهل يجب ذلك مطلقًا، أو أن ذلك مقيَّد بظرف؟ أطلق ابن حزم (٤)، وكذا الباجي القول بوجوب ذلك (٥)، وقيَّده بعض المالكية بحالة أمن الطريق حال الرجوع، وإلاَّ لم يلزمه (٦)، وقيَّده ابن تيمية بما إذا أمكنه ذلك، ولم يستفصل (٧). المسألة الثانية: في حبس الرفقة: وكما يُحبَس المحرم، تُحبس الرفقة انتظارًا لطهر رفيقتهم في السفر. وقد ذهب إلى هذا جميع من أسلفنا عنهم القول بحبس المحرم (٨).

стр. 137

إلا أنَّ مالكًا ﵀ فرَّق بين مدَّة الانتظار في حقِّ المحرم، والانتظار من الرفقة، فقال باحتباس ذي المحرم حتى يمكنها السفر. وأما الرفقة والأصحاب فقال: إن كان مقامها اليوم واليومين وإلاَّ فلا. ووجه الدلالة: أنَّ الرفقة تلحقهم المشقَّة بطول الحبس، وليس بينهم وبينها عقد، ولا لها عليهم حقٌّ يُحبسون به إلاَّ مقدار ما لا تلحقهم به مضرَّة لمعنى المرافقة والاصطحاب في الطريق، وهي تجد العوض منهم بعد مدَّة، فإنَّ الطريق المأمونة لا تنقطع (١). المسألة الثالثة: في حبس الكري: وأما الكري: كصاحب الجمل، أو صاحب السيارة، فهل يلزمه انتظارها حتى تطهر وتطوف، أو أنه لا يلزمه ذلك؟ اختلف أهل العلم في ذلك. القول الأول- أنه لا يلزمه ذلك: ذهب إليه الشافعية (٢)، وابن المنذر (٣). قال النووي .. قال أصحابنا: إذا حاضت الحاجَّة قبل طواف الإفاضة ونفر الحجاج بعد قضاء مناسكهم وقبل طهرها، وأرادت أن تقيم إلى أن تطهر، وكانت مستأجرة جملاً؛ لم يلزم الجمال انتظارها، بل له النفر مع الناس (٤). واستدلُّوا: ١ - بما رُوِيَ من قوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٥).

стр. 138

وفي حبسه إضرار به، وهو مدفوع شرعًا (١). ويمكن أن يناقش: بأنَّ الإضرار في تركه لها لا في حبسه. ٢ - القياس على ما لو مرضت، فإنه لا يلزمه انتظارها بالإجماع، فكذا هنا (٢). ويمكن أن يناقَش: بأنَّ المرض لا تُعلَم مدَّته بخلاف الحيض.

стр. 139

القول الثاني- أنه يلزمه الانتظار، أكثر ما يحبس النساء الدم: ذهب إليه المالكية (١)، والظاهرية (٢). قال الباجي: والذي يُحبَس عليها الكري وذو المحرم والرفقة (٣). وقال ابن حزم: فإن حاضت قبل طواف الإفاضة فلا بدَّ لها أن تنتظر حتى تطهر، وتطوف وتحبس عليها الكري والرفقة (٤). واستدلُّوا: ١ - بأنَّ لها عليها حقُّ ثبت بعقد، فليس له أن يتركها ويذهب بحقِّها، وهو حقٌّ مُعتاد قد عرفه ودخل عليه فلزمه المقام (٥). ٢ - ولأنَّ حقَّها قد تعيَّن عنده، وتعلَّق به دون غيره، فليس له نقله إلى غيره (٦). الترجيح: ولعلَّ الراجح هو القول الثاني، لقوَّة دليله، وسلامته من المناقشة، في مقابل ضَعف ما ذكر للأول من استدلال، على أن يقيِّد ذلك بحالة أمن الطريق إذا رجع وحده أو مع الركب القليل. قال القاضي عياض المالكي: موضع الخلاف بين الشافعي ومالك في هذه المسألة، إذا كان الطريق آمنًا ومعها محرم، فإن لم يكن آمنًا، أو لم يكن معها محرم، لم ينتظر بالاتفاق، لأنه لا يمكنه السير بها وحده (٧).

стр. 140

وقال أبو بكر بن محمد المالكي: وقد قيل: إنما يحبس عليها كريها إذا كان الأمن، وأما في هذا الوقت حيث لا يأمن في طريقه، فهي ضرورة ويفسخ الكراء (١). المطلب الرابع في السعي بين الصفا والمروة من الحائض ذهب عامة أهل العلم إلى عدم اشتراط الطهارة للسعي، وممَّن قال بذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، الحنابلة (٥)، والظاهرية (٦)، وهو قول عطاء وأبي ثور (٧). دليل هذا القول: ١ - قوله ﷺ لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألاَّ تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٨). إذا لم تُنهَ إلاَّ عن الطواف بالبيت (٩). ٢ - ما رُوي عن عائشة وأم سلمة أنهما قالتا: إذا طافت المرأة بالبيت وصلَّت ركعتين، ثم حاضت فلتطُف بالصفا والمروة (١٠). ٣ - ولأنَّ ذلك عبادة لا تتعلَّق بالبيت فلم يكن من شرطها الطهارة؛ أشبهت الوقوف (١١).

стр. 141

وقد رُوي عن الحسن البصري القول باشتراط الطهارة (١). قال ابن رشد: فإنه شبَّهه بالطواف (٢). الترجيح: وما ذهب إليه الجمهور أرجح، للحديث الصحيح في الإذن لها في فعل كافة المناسك سوى الطواف: المطلب الخامس طواف الوداع للحائض وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكم طواف الوداع للحائض: ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ الحائض لا وداع عليها (٣). واستدلُّوا: ١ - بحديث عائشة ﵄: أنَّ صفية بنت حُيَي زوج النبي ﷺ حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «أحابستنا هي؟» قالوا إنها قد أفاضت قال: «فلا إذن» (٤). وفي رواية «فلتنفر إذن» (٥) ولم يأمرها بفدية ولا غيرها (٦). ٢ - ولحديث ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم

стр. 142

بالبيت، إلاَّ أنه خفّف عن المرأة الحائض (١). ٣ - وأخرج مالك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أنَّ أم سليم بنت ملحان استفتت رسول الله ﷺ وقد حاضت، أو ولدت بعدما أفاضت يوم النحر، فأذن لها رسول الله ﷺ ، فخرجت (٢). القول الثاني: أنها لا تنفر حتى تودِّع: رُوِيَ هذا عن عمر وابنه عبد الله وزيد بن ثابت (٣). وقد رُوي عنهم الرجوع عن ذلك. أمَّا زيد: فقد أخرج مسلم عن طاوس قال: كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت: تُفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكن آخر عهدها بالبيت؟ فقال ابن عباس: إمَّا لا فاسأل فلانة الأنصارية، هل أمرها رسول الله ﷺ بذلك؟ فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلاَّ قد صدقت (٤). وأمَّا ابن عمر: فقد أخرج البخاري عن طاوس قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول بعد: إنَّ النبي ﷺ رخَّص لهنَّ (٥). وأمَّا عمر: فقد أخرج عبد الرزاق عن نافع قال: ردَّ عمر بن الخطاب نساء كُنَّ

стр. 143

أفضن يوم النحر، ثم حِضن فنفرن، فردَّهن حتى يطهرن ويطفن بالبيت، ثم بلغ عمر ذلك حديث غير ما صنع فترك صنعه الأول (١). الترجيح: والراجح ما ذهب إليه الجمهور للأحاديث الصحيحة في ذلك، وما رُوي عن هؤلاء الصحابة روي عنهم خلافه، وعلى فرض أنه لم يصحّ؛ فالأحاديث الصحيحة حجَّة في ردِّ ذلك. المسألة الثانية: طُهر الحائض بعد مفارقة البنيان: وإذا نفرت الحائض فطهرت قبل مفارقة بنيان مكة لزمها العود والاغتسال والوداع. وقد نصَّ على هذا فقهاء الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وإنما يلزمها الرجوع لأنها في حكم الإقامة، بدليل أنها لا تستبيح الرُّخَص (٤). فإن طهرت بعد مسافة القصر لم يلزمها العود بلا خلاف (٥). وإن طهرت بعد مفارقة البنيان وقبل بلوغ مسافة القصر؛ ففي رجوعها قولان: القول الأول: أنه لا يلزمها الرجوع: ذهب إليه الحنابلة (٦)، والشافعية في قول (٧)، لأنها خرجت عن حكم الحاضر (٨).

стр. 144

القول الثاني: يلزمها الرجوع: ذهب إليه الشافعية في قوله (١) قياسًا على الخارج من غير عُذر (٢). ونوقش: بالفرق؛ لأنَّ غير المعذور قد ترك واجبًا، فلم يسقط بخروجه حتى يصير إلى مسافة القصر، لأنه في حكم إنشاء سفر طويل غير الأول، وههنا لم يكن واجبًا، ولا يثبت وجوبه ابتداءً إلاَّ في حقِّ من كان مقيمًا (٣). الراجح: والرَّاجح هو القول الأول، لِما ذكروه من الدليل، في مقابل ضعف ما ذكر للقول الثاني من استدلال.

стр. 145

المبحث السادس في الأحكام المتعلقة بالنكاح وفيه مطلب واحد: وهو: الاستمتاع بالحائض. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الاستمتاع فيما فوق السرة ودون الركبة . المسألة الثانية: في الاستمتاع فيما دون السرة وفوق الركبة . المسألة الأولى: في الاستمتاع فيما فوق السرة ودون الركبة: أجمع أهل العلم على جواز الاستمتاع بالمرأة فيما فوق السرة وتحت الركبة، فقال ابن قدامة: وجملته أنَّ الاستمتاع من الحائض فيما فوق السرة ودون الركبة جائز بالنصِّ والإجماع (١). وقال النووي: وأما ما سواه - أي: سوى ما بين السرة والركبة - فمباشرتها فيه حلالٌ بإجماع المسلمين (٢). المسألة الثانية: في الاستمتاع فيما دون السرة وفوق الركبة: وفيه فرعان: الفرع الأول: في الوطء في الفرج. الفرع الثاني: فيما عدا الفرج.
следующие страницы →