← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14527

الأحكام المترتبة على الحيض والنفاس والاستحاضة

صالح اللاحم

Полный текст (294 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الفرع الثاني: في وقوع الطلاق: أمَّا الإلزام بالطلاق المحرَّم، فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين: القول الأول: أنه يقع، ويلزمه طلاقه. ذهب إليه جمهور أهل العلم، ومنهم: الأئمَّة الأربعة وأصحابهم (١)، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبو ثور (٢). قال ابن المنذر: وكل من نحفظ عنه من أهل العلم إلاَّ ناسًا من أهل البدع (٣). الأدلَّة: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وهذا يعمُّ كلَّ طلاق. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولم يفرِّق. وكذلك قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١]. وهذه مطلَّقة. وهي عمومات لا يجوز تخصيصها إلاَّ بنصٍّ أو إجماع (٤).

стр. 177

ونوقش: بأنَّ الطلاق المحرَّم لا يدخل تحت نصوص الطلاق المطلقة التي رتَّب الشارع عليها أحكام الطلاق. ونسألكم: ما تقولون فيمن ادَّعى دخول أنواع البيع المحرم والنكاح المحرم تحت نصوص البيع والنكاح وقال: شمول الاسم للصحيح من ذلك والفاسد سواء، وكذلك سائر العقود المحرَّمة، وكذلك العبادات المحرَّمة المنهي عنها إذا ادَّعى دخولها تحت الألفاظ الشرعية، وحُكِم لها بالصحة لشمول الاسم لها؟ فإن قلتم: صحيحة، ولا سبيل لكم إلى ذلك، كان قولاً معلوم الفساد بالضرورة من الدين. وإن قلتم دعواه باطلة، تركتم قولكم ورجعتم إلى ما قلناه، وإن قلتم: تُقبل في موضع وتُرَدُّ في موضع، قيل لكم، ففرِّقوا بفرقان صحيح مطَّرد منعكس، معكم به برهان من الله بيَّن ما يدخل من العقود المحرَّمة تحت ألفاظ النصوصن فيثبت له حكم الصحة وبين ما لا يدخل تحتها فيثبت له حُكم البطلان. وإن عجزتم عن ذلك فاعلموا أنه ليس بأيديكم سوى الدعوى التي يُحسن كلُّ أحدٍ مقابلتها بِمثلها، أو الاعتماد على من يحتج لقوله لا بقوله، فقد جعلتم عين محل النزاع مقدمة في الدليل، وذلك عين المصادرة على المطلوب، فهل وقع النزاع إلا في دخول الطلاق المحرم المنهي عنه تحت قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ وتحت قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وأمثال ذلك، وهل سلم لكم منازعوكم قط ذلك حتى تجعلوه مقدمة لدليلكم (١). ٢ - أمَّا ورد في الصحيحين أن ابن عمر ﵄ طلق امرأه وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر ﵁ عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «مُرْه فليُراجعها ثم ليمسكها، حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر، ثم

стр. 178

إن شاء أمسك بعد، وإن شاء يطلق قبل أن يمس، فتلك العدَّة التي أمر الله أن تُطلَّق لها النساء» (١). قالوا: وهذا يدُلُّ على وقوع الطلاق؛ إذ الرجعة لا تكون إلا بعد الطلاق (٢). ب- ومن رواية يونس بن جبير عن ابن عمر قال: قلت لابن عمر: أفتعتدّ عليه، أو تُحسب عليه؟ قال: نعم، أرأيت إن عجز واستحمق (٣). ج- وقول ابن عمر: «فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقتها» (٤). فكيف يظن بابن عمر أنه يخالف رسول الله ﷺ فيحسبها من طلاقها ورسول الله ﷺ لم يَرَها شيئًا (٥). د- وروي عنه: «وما يمنعني أن أعتد بها» (٦). وهذا إنكارٌ منه لعدم الاعتداد بها (٧). وروي عن ابن جريج؛ قال: أرسلنا إلى نافع وهو يترجَّل في دار الندوة ذاهبًا إلى المدينة، ونحن مع عطاء: هل حسبت تطليقة ابن عمر امرأته حائضًا، على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم (٨).

стр. 179

ونوقش: بأن هذا معارض بما صحَّ عن ابن عمر من قوله: «فردَّها عليَّ ولم يرها شيئًا» (١) فهذا النص الصريح الصحيح ليس بأيديكم ما يقاومه بل جميع ما ذكرتموه من ألفاظ هذا الحديث، إما صحيحة غير صريحة وإما صريحة غير صحيحة (٢). وإليكم بيان ذلك: أمَّا ما ورد في الحديث من قوله ﷺ : «مُره فليراجعها» فالمراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على معان: أحدها: ابتداء النكاح كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ولا خلاف بين أحدٍ من أهل العلم بالقرآن أنَّ المطلِّق ههنا هو الزوج الثاني، وأنَّ التراجع بينها وبين الزوج الأول، وذلك نكاح مبتدأ. الثاني: الإمساك كقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] والمراد به الرجعة بعد الطلاق (٣). الثالث: الرد الحسِّي إلى الحالة التي كان عليها أولاً، كقوله لأبي

стр. 180

النعمان بن بشير لما نحل ابنه غلامًا خصَّه به دون ولده: «ردَّه» (١)، فهذا ردُّ ما لم تصحُّ فيه الهبة الجائزة التي سمَّاها رسول الله ﷺ جورًا، وأخبر أنها لا تصلح، وأنها خلاف العدل. ومن هذا قوله لمن فرَّق بين جارية وولدها في البيع فنهاه عن ذلك وردَّ البيع (٢)، وليس هذا الردُّ مستلزمًا لصحة البيع؛ فإنه بيع باطل، بل هو ردُّ شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا، وكذا الأمر بمراجعة ابن عمر امرأته ارتجاع ورد إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض البتَّة. ويؤيدها: أنَّ النبي ﷺ استعمل لفظ: «المراجعة» وهو يقتضي المفاعلة، والرجعة من الطلاق يستقلُّ بها الزوج بمجرَّد كلامه، فلا يكاد يُستعمل في لفظ المراجعة، بخلاف ما إذا ردَّ بدن المرأة إليه فرجعت إليه باختيارها؛ فإنهما قد تراجعا، كما يتراجعان بالعقد باختيارهما بعد أن تنكح زوجًا غيره (٣). ويدل عليه أنَّ النبيَّ لم يأمر ابن عمر بالإشهاد على الرجعة (٤): وأمَّا قوله: «أرأيت إن عجز واستحمق» فلا دلالة فيها على أنَّ

стр. 181

رسول الله ﷺ قد حسبها عليها، والأحكام لا تُؤخَذ بمثل هذا. ولو كان رسول الله ﷺ قد حسبها عليه، واعتدَّ عليه بها لم يعدل عن الجواب بفعله وشرعه إلى «أرأيت»، وكان ابن عمر أكره ما إليه «أرأيت»، فكيف يعدل للسائل عن صريح السنة إلى لفظة «أرأيت» الدَّالة على نوع من الرأي سبَّبه عجز المطلق وحُمقه عن إيقاع الطلاق على الوجه الذي أذن الله له فيه، والأظهر فيما هذه صفته أنه لا يعتد به، وأنه ساقط من فعل فاعله، لأنه ليس في دين الله تعالى حُكم نافذ سببه العجز والحمق عن امتثال الأمر، إلاَّ أن يكون فعلاً لا يمكن رده بخلاف العقود المحرمة التي من عقدها على الوجه المحرم، فقد عجز واستحمق. وحينئذ يقال: هذا أدلُّ على الردِّ منه على الصحة واللزوم، فإنه عقد عاجز أحمق، على خلاف أمر الله ورسوله، فيكون مردودًا باطلاً، فهذا الرأي والقياس أدلُّ على بطلان طلاق من عجز واستحمق منه على صحته واعتباره (١). وأما قول ابن عمر: فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقتها وما روي عنه: «وما يمنعني أن أعتدَّ بها». فقد نوقش من أوجه: الوجه الأول: أنه لم يقل فيه إنَّ رسول الله حسبها تطليقة، ولا إنه ﷺ هو الذي قال اعتدّ بها طلقة، وإنما هو إخبار عن نفسه، ولا حجَّة في فعله ولا فعل أحد دون رسول الله ﷺ (٢). الوجه الثاني: أنه صحَّ عن ابن عمر ﵁ بإسناد كالشمس من رواية عبيد الله عن نافع عنه في الرجل يُطلِّق امرأته وهي حائض؟ قال: لا

стр. 182

يعتد بذلك (١). الوجه الثالث: أنَّ الألفاظ قد اضطربت عن ابن عمر في ذلك اضطرابًا شديدًا، وكلَّها صحيحة عنه، وهذا يدل على أنه لم يكن عنده نصٌّ صريحٌ عن رسول الله ﷺ في وقوع تلك الطلقة والاعتداد بها، وإذا تعارضت تلك الألفاظ نظرنا إلى مذهب ابن عمر وفتواه فوجدناه صريحًا في عدم الوقوع، ووجدنا أحد ألفاظ حديثه صريحًا في ذلك، فقد اجتمع صريح روايته وفتواه على عدم الاعتداد، وخالف في ذلك ألفاظًا مُجملة مضطربة (٢). وأمَّا ما روي عن نافع أنَّ تطليقة عبد الله حُسِبت عليه، فهذا غايته أن يكون من كلام نافع، ولا يعرف من الذي حسبها، أهو عبد الله نفسه، أو أبوه عمر، أو رسول الله؟ ولا يجوز أن يشهد على رسول الله بالوهم والحسبان، وكيف يعارض صريح قوله: «ولم يرها شيئًا» بهذا المجمل (٣). ٣ - ما روى حمَّاد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من طلَّق في بدعة ألزمنا بدعته» (٤). ونوقش: بأنَّه حديث باطل، ولم يروِه أحدٌ من الثقات من أصحاب حمَّاد بن زيد، وإنما هو من حديث إسماعيل بن أمية الذراع الكذاب، الذي يذرع ويفصل، ثم الراوي له عنه عبد الباقي بن نافع، وقد ضعَّفه البرقاني وغيره، وكان قد اختلط في آخر عمره، وقال:

стр. 183

الدارقطني: يخطئ كثيرًا ومثل هذا إذا تفرَّد بحديث لم يكن حديثه حجَّة (١). ثم لو صحَّ - ولم يصحّ قط - لكان لا حجة فيه، لأنه كان معنى قوله: «ألزمناه بدعة» أي: إثمها، وليس فيه، أنه يُحكم عليه بإمضاء حكم بدعته (٢). ٤ - أنه رُوي عن زيد وعثمان الفتيا بوقوع الطلاق (٣). ونوقش: بأن هذا لا يصِحُّ عنهما، فإنَّ أثر عثمان فيه كذَّاب عن مجهول لا يعرف عينه ولا حاله، فإنه من رواية ابن سمعان، عن رجل. وأثر زيد: فيه مجهول عن مجهول: قيس بن سعد عن رجل سماه عن زيد، ثم لو صح ما روي عنهما: لكان معارضًا بما صح عن ابن عمر أنه قال لا يعتد بها (٤). ٥ - أن مذهب ابن عمر الاعتداد بالطلاق في الحيض، وهو صاحب القصة، وأعلم الناس بها، وأشدُّهم اتباعًا للسُنن، وتَحرُّجًا من مخالفتها (٥). ونوقش: بأنَّ هذا غير مسلم، إذ الصحيح عنه عدم الاعتداد بهذه الطلقة، ولو فرض صحَّة النقل عنه بالوقوع، لكان معارضًا بما نقل عنه من عدم الاعتداد، ثم على فرض أن هذا رأيه، فالعبرة بما رواه لا بما رآه (٦). ٦ - أنَّ الفروج يحتاط لها، والاحتياط يقتضي وقوع الطلاق،

стр. 184

وتجديد الرجعة والعقد (١). ونوقش: بأنَّ هذا مسلَّم، وهو موجب القول بعدم صحَّة الطلاق، فإنَّ الاحتياط أن يبقى الزوجان على يقين النكاح حتى يأتي ما يزيله بيقين فإذا أخطأنا فخطؤنا في جهة واحدة، وإن أصبنا فصوابنا في جهتَين، وأنتم ترتكبون أمرين: تحريم الفرج على من كان حلالاً له بيقين وإحلاله لغيره، فإن كان خطأً فهو خطأ من جهتين (٢). ٧ - أنَّ النكاح لا يدخل فيه إلاَّ بالتشديد والتأكيد من الإيجاب والقبول والولي والشاهدين، ورضا الزوجة المعتبر رضاها، ويخرج منه بأيسر شيء، فلا يحتاج الخروج منه إلى شيء من ذلك، بل يدخل فيه بالعزيمة، ويخرج منه بالشبهة، فأين أحدهما من الآخر حتى يقاس عليه (٣). ونوقش: بالتسليم بسهولة الخروج منه، ولكن لا يخرج منه إلاَّ بما نصبه الله سببًا يخرج به منه، وأذن فيه، وأما ما ينصبه المؤمن عنده، ويجعله هو سببًا للخروج منه فكلا (٤). ٧ - ولأنه طلاق من مكلَّف في محلِّ الطلاق فوقع، كطلاق الحامل (٥). ويمكن أن يناقش: بالفارق لوجود الإذن في طلاق الحامل بخلاف هذا فقد نُهي عنه. ٨ - ولأنه ليس بقربة فيعتبر لوقوعه موافقة السنة، بل هو إزالة عصمة، وقطع ملك، فإيقاعه في زمن البدعة أولى تغليظًا عليه وعقوبة له (٦).

стр. 185

٩ - ولأنه إزالة مُلك مبني على التغليب والسراية فوجب أن ينفذ في حال الطهر والحيض كالعتق (١). القول الثاني: أنه لا يقع. ذهب إليه جمع من فقهاء السلف منهم: طاوس، وعكرمة وخلاس بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطأة. ويروى عن ابن أبي جعفر الباقر، وجعفر بن محمد الصادق (٢)، وهشام بن عبد الحكم، وابن علية، (٣) وابن حزم (٤). وهو قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة، ومالك وأحمد (٥)، وهو اختيار ابن تيمية (٦)، وابن القيم (٧). الاستدلال: ١ - أنَّ النكاح ثابت بيقين، ولا يزول إلاَّ بيقين مثله من كتاب أو سُنة أو إجماع متيقَّن، ولا سبيل لكم إلى ذلك (٨). ٢ - أنَّ هذا طلاق لم يشرعه الله البتَّة ولا أذن فيه، فليس من شرعه، فكيف يُقال بنفوذه؟ .. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وصحَّ عن النبيِّ المبيِّن عن الله مراده من كلامه أنَّ الطلاق المشروع المأذون فيه هو الطلاق في زمن الطُهر الذي لم يجامع فيه أو بعد استبانة الحمل، وما عداهما فليس طلاقًا

стр. 186

للعدَّة في حقِّ المدخول بها، فلا يكون طلاقًا، فكيف تُحرم المرأة به؟ وقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ومعلوم أنه إنما أراد الطلاق المأذون فيه، وهو الطلاق للعدَّة، فدلَّ على أنَّ ما عداه ليس من الطلاق، فإنه حصر الطلاق المشروع المأذون فيه الذي يملك به الرجعة في مرَّتين، فلا يكون ما عداه طلاقًا (١). ٣ - ما رواه أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر، قال أبو الزبير وأنا أسمع: كيف ترى في رجل طلَّق امرأته حائضًا؟ فقال: طلَّق ابن عمر امرأته حائضًا على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: إنَّ عبد الله بن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردَّها عليَّ ولم يرها شيئًا وقال: «إذا طهرت فليطلِّق أو ليُمسك» .. قال ابن عمر: وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ في قبل عدتهن» (٢). قالوا: وهذا إسناد في غاية الصحَّة؛ فإنَّ أبا الزبير غير مدفوع عن الحفظ والثقة، وإنما يُخشَى من تدليسه، فإذا قال: سمعت، أو حدثني، زال محذور التدليس، وزالت العلَّة المتوهَّمة، وأكثر أهل الحديث يحتجُّون به إذا قال «عن» ولم يصرِّح بالسماع، ومسلم يُصحِّح ذلك من حديثه .. فأمَّا إذا صرَّح بالسماع فقد زال الإشكال وصحَّ الحديث وقامت به الحجة (٣). ونوقش: بأنه خلاف الأحاديث الصحيحة. قال أبو داود: والأحاديث كلُّها على خلاف ما قال أبو الزبير (٤).

стр. 187

وقال الشافعي: ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به (١). وقال الخطابي: حديث يونس بن جبير أثبت من هذا (٢)، يعني قوله: «مُرْه فليراجعها» وقوله: «أرأيت إن عجز واستحمق؟» قال: فمه. وقال ابن عبد البر: وهذا لم ينقله أحد غير أبي الزبير، وقد رواه عنه جماعة أجلاَّء، فلم يقل ذلك أحدٌ منهم، وأبو الزبير ليس بحجَّة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه؟ (٣). وأجيب عن ذلك: بأن ما ذكروه لا يُوجب ردَّ خبر أبي الزبير. أمَّا قول أبي داود: الأحاديث كلُّها على خلافه، فليس بأيديكم سوى تقليد أبي داود، وأنتم لا ترضون ذلك، وتزعمون أنَّ الحجَّة من جانبكم فدعوا التقليد، وأخبرونا أين في الأحاديث الصحيحة ما يخالف حديث أبي الزبير؟ فهل فيها حديث واحد أنَّ رسول الله ﷺ احتسب عليه تلك الطلقة وأمره أن يعتدَّ بها، فإن كان ذلك فنعم، ولا تجدون إلى ذلك سبيلاً، وغاية ما بأيديكم: «مُرْهُ فليُراجعْها» والرجعة تستلزم وقوع الطلاق، وقول ابن عمر وقد سُئل: أتعتدُّ بتلك التطليقة؟ فقال: «أرأيت إن عجز واستحمق؟» وقول نافع أو من دونه: «فحُسِبت من طلاقها». وليس وراء ذلك حرف واحد يدلُّ على وقوعها، والاعتداد بها، ولا ريب في صحَّة هذه الألفاظ، ولا مُطعن فيها، وإنما الشأن كلُّ الشأن في معارضها لقوله: فردَّها عليَّ ولم يرها شيئًا" وتقديمها عليه، ومعارضتها لما نذكر لقولنا من أدلَّة (٤).

стр. 188

وقد بينَّا في مناقشة تلك الأدلَّة معنى كلِّ لفظ وما يعتريه من احتمالات. وأمَّا قول الشافعي: إنَّ نافعًا أثبت في ابن عمر من أبي الزبير وأخصّ، فهذا إنما يحتاج إليه عند التعارض، فكيف ولا تعارض بينهما؟ فإنَّ رواية أبي الزبير صريحة في أنها لم تُحسب عليه، وأمَّا نافع فرواياته ليس فيها شيءٌ صريحٌ قط، أنَّ النبي ﷺ حسبها عليه (١)، وكما يقال في هذا يُقال في قول الخطابين وكذا في قول ابن عبد البر. ٤ - أنَّ هذا طلاق لم يأذن الله فيه، وهو لو وكَّل وكيلاً أن يُطلِّق امرأته طلاقًا جائزًا، فطلَّق طلاقًا محرَّمًا لم يقع؛ لأنه غير مأذون له فيه، فكيف كان إذن المخلوق مُعتبَرًا في صحَّة إيقاع الطلاق دون إذن الشارع؟ (٢). ونوقش: بالفارق؛ لأنَّ غير الزوج لا يملك الطلاق، والزوج يملكه بمحلَّه (٣). ٥ - أنَّ الشارع قد حجر على الزوج أن يُطلِّق في حال الحيض، فلو صحَّ طلاقه لم يكن لحجر الشارع معنى، وكان حجر القاضي على منعه التصرُّف أقوى من حجر الشارع حيث يُبطِل التصرُّف بحجره (٤). ٦ - أنه لو كان الطلاق قد لزم لم يكن في الأمر بالرجعة ليطلِّقها طلقة ثانية فائدة، بل فيه مضرَّة عليهما؛ فإنَّ له أن يُطلقها بعد المراجعة بالنصِّ والإجماع، وحينئذٍ يكون في الطلاق مع الأول تكثير الطلاق وتطويل العدة وتعذيب الزوجين جميعًا، فإنَّ النبي ﷺ لم يوجب عليه

стр. 189

أن يطأها قبل الطلاق؛ بل إذا وطئها لم يحلّ له أن يطلقها حتى يتبيَّن حملها أو تطهر الطهر الثاني (١). ٧ - أنَّ هذا طلاق محرَّمٌ منهيٌّ عنه، فالنهي يقتضي فساد المنهيِّ عنه، فلو صحَّحناه لكان لا فرق بين المنهيِّ عنه والمأذون فيه من جهة الصحَّة والفساد. ٨ - أنَّ الشارع إنما نهى عنه وحرَّمه؛ لأنه يبغضه ولا يحب وقوعه، بل وقوعه مكروهٌ إليه فحُرمه لئلاَّ يقع ما يبغضه ويكرهه، وفي تصحيحه وتنفيذه ضدّ هذا المقصود (٢). ونوقش: بأنَّ تحريمه لا يمنع ترتُّب أثره وحُكمه عليه كالظهار، فإنه مُنكَر من القول وزور، وهو مُحرَّمٌ بلا شك وترتب أثره عليه وهو تحريم الزوجة إلى أن يكفر، فهكذا الطلاق البدعي محرَّم ويترتَّب عليه أثره إلى أن يراجع ولا فرق بينهما. ولو لم يكن معنا في المسألة إلاَّ طلاق الهازل، فإنه يقع مع تحريمه، لأنه لا يحلُّ له الهزل بآيات الله، فإذا وقع طلاق الهازل مع تحريمه فطلاق الجاد أولى أن يقع مع تحريمه. وأيضًا فالإيمان أصل العقود وأجلُّها وأشرفها، يزول بالكلام المحرَّم إذا كان كفرًا، فكيف لا يزول عقد النكاح بالطلاق المحرَّم الذي وضع لإزالته.

стр. 190

وكذلك القذف محرَّم، ويترتَّب عليه أثره من الحدِّ، ورد الشهادة وغيرهما (١). وأجيب عن المناقشة: أمَّا القياس على الظهار، فأجيب عنه بأنه قياس يدفعه ما ذكرنا من النصِّ، وسائر تلك الأدلَّة التي هي أرجح منه. ثم يقال: هذا معارَض بمثله، سواء معارضة القلب بأن يقال: تحريمه يمنع ترتب أثره عليه كالنكاح. ويقال ثالثًا: ليس للظهار جهتان: جهة حلٍّ، وجهة حُرمة، بل كلُّه حرام، فإنه مُنكر من القول وزور، فلا يمكن أن ينقسم إلى حلال جائز وحرام باطل، بل هو بمنزلة القذف من الأجنبي والردَّة، فإذا وجد لم يوجد إلاَّ مع مفسدته، فلا يُتصوَّر أن يُقال منه حلال صحيح وحرام باطل بخلاف النكاح والطلاق والبيع، فالظهار نظير الأفعال المحرمة التي إذا وقعت قارَنَتْهَا مفاسدها فترتبت عليه أحكامها، وإلحاق الطلاق بالنكاح، والبيع والإجارة، والعقود المنقسمة إلى حلال وحرام وصحيح وباطل أولى (٢). وأمَّا القياس على وقوع الطلاق من الهازل مع تحريمه، فهو قياس مع الفارق؛ لأنَّ طلاق الهازل إنما وقع لأنه صادف محلاًّ، وهو طُهر لم يجامع فيه فنُفِّذ، وكونه هزل به إرادة منه ألاَّ يترتَّب أثره عليه، وذلك ليس إليه بل إلى الشارع، فهو قد أتى بالسبب التام، وأراد ألاَّ يكون سببه فلم ينفعه ذلك، بخلاف من طلَّق في غير زمن الطلاق، فإنه لم يأتِ السبب الذي نصبه الله سبحانه مفضيًا إلى وقوع الطلاق، وإنما أتى بسببٍ من عنده وجعله هو مفضيًا إلى حُكمه، وذلك ليس إليه. وأمَّا قياسه على زوال الإيمان بالكلام المحرم إذا كان كفرًا، فمع

стр. 191

الفارق، وهو ما ذكرناه في الظهار من أنه ليس لها جهتان: جهة حلٍّ وجهة حُرمة، بل كلُّه حرام، فإذا وُجِد لم يوجد إلاَّ مع مفسدته. ويقال في القياس على القذف ما قيل في هذا من انعدام الجهتين؛ إذ ليس للقذف إلاَّ جهة واحدة محرَّمة (١). ٩ - أنه إذا كان النكاح المنهيُّ عنه لا يصحُّ لأجل النهي فما الفرق بينه وبين الطلاق؟ وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح وصحَّحتم ما حرَّمه ونهى عنه من الطلاق، والنهي يقتضي البطلان في الموضعين (٢). ونوقش: بأن هذا قياس مع الفارق، والفرق بين النكاح المحرَّم والطلاق المحرَّم أنَّ النكاح عقد يتضمَّن حلَّ الزوجة وملك بضعها، فلا يكون إلاَّ على الوجه المأذون فيه شرعًا، فإنَّ الأبضاع في الأصل على التحريم، ولا يباح منها إلاَّ ما أباحه الشارع، بخلاف الطلاق، فإنه إسقاط لحقِّه وإزالة لملكه، وذلك لا يتوقَّف على كون السبب المزيل مأذونًا فيه شرعًا كما يزول ملكه عن العين بالإتلاف المحرَّم وبالإقرار الكاذب وبالتبرُّع المحرَّم. وفرق آخر بين النكاح المحرَّم والطلاق المحرَّم، أنَّ النكاح نعمة فلا تُستباح بالمحرَّمات، وإزالته وخروج البضع عن ملكه نقمة فيجوز أن يكون سببها محرَّمًا. وأيضًا أنَّ الفروج يُحتاط لها، والاحتياط يقتضي وقوع الطلاق وتجديد الرجعة والعقد. وأيضًا أنَّ النكاح لا يُدخَل فيه إلاَّ بالتشديد والتأكيد من الإيجاب والقبول والولي والشاهدين ورضا الزوجة المعتبَر رضاها، ويخرج منه بأيسر شيء فلا يحتاج الخروج منه إلى شيءٍ من ذلك، بل يُدخَل فيه

стр. 192

بالعزيمة ويُخرَج منه بالشبهة، فأين أحدهما من الآخر حتى يقاس عليه؟ (١). وأجيب عن هذه المناقشة بما يلي: أمَّا ما ذكرتموه من الفارق بين العَقدين، وأنَّ النكاح عقد يملك به البضع والطلاق عقد يخرج به فنعم، من أين لكم برهان من الله ورسوله بالفرق بين العقدين في اعتبار حُكم أحدهما والإلزام به وتنفيذه وإلغاء الآخر وإبطاله؟ أما عن قولكم: إنَّ النكاح نعمة فلا يكون سببه إلاَّ طاعة بخلاف الطلاق؛ فإنه من باب إزالة النعم فيجوز أن يكون سببه معصية. فيقال: قد يكون الطلاق من أكبر النعم التي يَفكُّ بها المطلِّق الغلَّ من عنقه والقيد من رجله؛ فليس كلُّ طلاقٍ نقمة، بل من تمام نعمه على عباده أن مكَّنهم من المفارقة بالطلاق إذا أراد أحدهم استبدال زوج مكان زوج، والتخلَّص ممَّن لا يحبها ولا يلائمها، فلم يرَ للمتحابين مثل النكاح، ولا للمتباغضين مثل الطلاق. وأما قولكم: إنَّ الفروج يُحتاط لها فنعم، وهكذا قلنا سواء، فإنا احتطنا وأبقينا الزوجين على يقين النكاح حتى يأتي ما يزيله بيقين، فإذا أخطأنا فخطؤنا في جهةٍ واحدة، وإن أصبنا فصوابنا من جهتين، جهة الزوج الأول وجهة الثاني، وأنتم ترتكبون أمرَين: تحريم الفرج على من كان حلالاً له بيقين وإحلاله لغيره، فإن كان خطأً فهو خطأٌ من جهتين، فتبيَّن أنَّا أولى بالاحتياط منكم. أما قولكم: إنَّ النكاح يدخل فيه بالتشديد والاحتياط، ويخرج منه بأدنى شيء، فيقال: نعم، هذا مسلَّم، ولكن لا يخرج منه إلاَّ بما نصبه الله سببًا يخرج به منه، وأذن فيه، وأما ما ينصبه المؤمن عنده، ويجعله هو

стр. 193

سببًا للخروج منه فكلاَّ (١). ١٠ - أنه لو كان الطلاق المحرَّم قد لزم لكان حصل الفساد الذي كرهه الله ورسوله، وذلك الفساد لا يرتفع برجعة يُباح له الطلاق بعدها، والأمر برجعة لا فائدة فيها مما تنزَّه عنه الله ورسوله، فإنه إن كان راغبًا في المرأة فله أن يُرجعها، وإن كان راغبًا عنها فليس له أن يرتجعها، فليس في أمره برجعتها مع لزوم الطلاق له مصلحة شرعية، بل زيادة مفسدة، ويجب تنزيه الرسول ﷺ عن الأمر بما يستلزم زيادة الفساد، والله ورسوله إنما نهيا عن الطلاق البدعي لمنع الفساد، فكيف يأمران بما يستلزم الفساد؟! (٢). ١١ - إنَّ الشارع يُحرِّم الشيء لَما فيه من المفسدة الخالصة أو الراجحة، ومقصوده بالتحريم المنع من الفساد وجعله معدومًا، فلو كان يترتَّب عليه مع التحريم من الأحكام ما يترتب على الحلال فيجعله لازمًا نافذًا كالحلال لكان ذلك إلزامًا منه بالفساد الذي قصد عدمه، فيلزم أن يكون ذلك الفساد قد أراد عدمه مع أنه ألزم الناس به، وهذا تناقض يُنزَّه عنه الشارع ﷺ (٣). ١٢ - ولأنه لو كان الطلاق نافذًا في الحيض لكان الأمر بالمراجعة والتطليق بعده تكثيرًا من الطلاق البغيض إلى الله، وتقليلاً لما بقي من عدده الذي يتمكن من المراجعة معه، ومعلوم أنه لا مصلحة في ذلك (٤). ١٣ - أنَّ مفسدة الطلاق الواقع في الحيض، لو كان واقعًا لا يرتفع بالرجعة والطلاق بعدها، بل إنما يرتفع بالرجعة المستمرة التي تلمُّ شعث النكاح وترفع خرقه، فأمَّا رجعة يعقبها طلاق، فلا تزيل مفسدة

стр. 194

الطلاق الأول لو كان واقعًا (١). ١٤ - أنَّ الشارع إنما حرمه ونهى عنه لأجل المفسدة التي تنشأ من وقوعه، فإنَّ ما نهى عنه الشرع وحرَّمه لا يكون قط إلاَّ مشتملاً على مفسدة خالصة أو راجحة، فنهى عنه قصدًا لإعدام تلك المفسدة، فلو حُكم بصحته ونفوذه لكان تحصيلاً للمفسدة التي قصد الشارع إعدامها وإثباتًا لها (٢). ١٥ - أنَّ لله تعالى في الطلاق المباح حُكمين: أحدهما إباحته والإذن فيه، والثاني: جعله سببًا للتخلص من الزوجة، فإذا لم يكن الطلاق مأذونًا فيه انتفى الحكم الأول، وهو الإباحة، فما الموجب لبقاء الحكم الثاني وقد ارتفع سببه؟ ومعلومٌ أنَّ بقاء الحكم بدون سببه ممتنع (٣). ١٦ - أنَّ الشارع أباح للمكلَّف من الطلاق قدرًا معلومًا في زمنٍ مخصوص، ولم يُملِّكه أن يتعدَّى القدر الذي حُدَّ له، ولا الزمن الذي عُيِّنَ له، فإذا تعدَّى ما حُدَّ له من العدد كان لغوًا باطلاً، فكذلك إذا تعدَّى ما حُدَّ له من الزمان يكون لغوًا باطلاً، فكيف يكون عدوانه في الوقت صحيحًا ومعتبرًا لازمًا وعدوانه في العدد لغوًا باطلاً؟ وهذا كما أنَّ الشارع حَدَّ له عددًا من النساء مُعيَّنًا في وقتٍ معيَّن، فلو تعدَّى ما حُدَّ له من العدد كان لغوًا وباطلاً، وكذا لو تعدَّى ما حُدَّ له من الوقت، بأن ينكحها قبل انقضاء العدَّة مثلاً أو في وقت الإحرام، فإنه يكون لغوًا باطلاً؛ فقد شمل البطلان نوعي التعدي عددًا أو وقتًا (٤).

стр. 195

١٧ - وأيضًا فالصحَّة إما أن تُفسَّر بموافقة أمر الشارع أو أن تُفسَّر بترتُّب أثر الفعل عليه، فإن فُسِّرت بالأول لم يكن تصحيح هذا الطلاق ممكنًا، وإن فُسِّرت بالثاني وجب أيضًا ألاَّ يكون العقد المحرَّم صحيحًا؛ لأنَّ ترتُّب الثمرة على العقد إنما هو بجعل الشارع العقد كذلك، ومعلوم أنه لم يُعتبَر العقد المحرَّم، ولم يجعله مُثمرًا لمقصوده كما مر (١). ١٨ - وأيضًا فوصف العقد المحرَّم بالصحَّة مع كونه مُنشِئًا للمفسدة ومشتملاً على الوصف المقتضي لتحريمه وفساده، جمع بين النقيضين، فإنَّ الصحَّة إنما تنشأ عن المصلحة، والعقد المحرَّم لا مصلحة فيه؛ بل هو منشأ لمفسدة خالصة أو راجحة، فكيف تنشأ الصحة من شيء هو منشأ المفسدة (٢). ١٩ - وأيضًا فوصف العقد المحرَّم بالصحة إمَّا أن يُعلَم بنصٍّ من الشارع أو من قياسه أو من توارد عرفه في محال حُكمِه بالصحَّة، أو من إجماع الأمَّة، ولا يمكن إثبات شيءٍ من ذلك في محلِّ النزاع، بل نصوص الشرع تقتضي ردَّه وبطلانه كما تقدم، وكذلك قياس الشريعة كما ذكرناه، وكذلك استقراء موارد عرف الشرع في مجال الحكم بالصحَّة إنما يقتضي البطلان في العقد المحرَّم لا الصحَّة، وكذلك الإجماع؛ فإنَّ الأمَّة لم تجمع قد - ولله الحمد - على صحَّة شيءٍ حرَّمه الله ورسوله، لا في هذه المسألة، ولا في غيرها، فالحكم يستند إلى أيِّ دليل (٣). ٢٠ - ما صح من قوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وفي رواية: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» (٤).

стр. 196

قال ابن القيم: فهذا عام لا تخصيص له بردِّ ما خالف أمره وإبطاله وإلغاءه، فكيف يقال: بأنَّ هذا الطلاق المنهيَّ عنه والمحرَّم صحيحٌ لازمٌ نافذ (١). وقال الشوكاني: وهو حديثٌ صحيحٌ شاملٌ لكلِّ مسألةٍ مخالفةٍ لِما عليه أمر رسول الله ﷺ ومسألة النزاع من هذا القبيل، فإنَّ الله لم يُشرع هذا الطلاق ولا أذن فيه فليس من شرعه وأمره (٢). الترجيح: والراجح هو القول الثاني لقوَّة أدلته وكثرتها وتظافرها في الدلالة على عدم وقوع الطلاق البدعي. الفرع الثالث: في الرجعة في الطلاق في الحيض: وفيه جانبان: الجانب الأول: في حُكم الرجعة. الجانب الثاني: في الإجبار على الرَّجعة. الجانب الأول: في حُكم الرجعة في الطلاق البدعي: هذا وقد اختلف القائلون بوقوع الطلاق في حكم الرجعة في ذلك الطلاق على قولين: القول الأول: أنها غير واجبة وإنما ذلك مستحب: ذهب إليه الحنفية في قول (٣)، والشافعية (٤)، وأحمد في رواية عنه،

стр. 197

وهي المذهب (١)، والأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى (٢). أدلَّة هذا القول: ١ - لأمر النبي ﷺ بمراجعتها، وأقل أحوال الأمر الاستحباب (٣). ٢ - ولأنَّ النبي ﷺ لم يأمره، وإنما أمر أباه أن يأمره، والآمر بالأمر بالشيء ليس آمرًا بذلك الشيء (٤). ونوقش: بأنَّ النبي قال: «فليراجعها» وهذا أمر منه. وأجيب: بأنَّ المراد فليراجعها لأجل أمرك، فيكون الوجوب لأجل أمر الوالد (٥). ٣ - ولأنَّ ابتداء النكاح إذا لم يكن واجبًا فاستدامته كذلك (٦). ونوقش: بعدم صحَّة هذا القياس؛ لأنَّ الاستدامة واجبة هنا لأجل الوقت، فإنه لا يجوز فيه الطلاق (٧). ٤ - ولأنه بالرجعة يزيل المعنى الذي حرَّم الطلاق (٨). ٥ - ولأنَّ المعصية وقعت فتعذَّر ارتفاعها (٩). ونوقش: بأن تعذُّر ارتفاع المعصية لا يصلح صارفًا للصيغة عن الوجوب لجواز رفع أثرها وهو العدَّة وتطويلها؛ إذ بقاء الشيء بقاء ما هو أثره من وجهٍ فلا تُترك الحقيقة (١٠). ثم قد يناقش: بأنه الرجعة يرتفع عنه الإثم، وهو قول جمع من أهل العلم (١١).

стр. 198

٦ - ولأنه طلاق لا يرتفع بالرجعة فلم تَجِب عليه الرجعة فيه، كالطلاق في طُهرٍ مسَّها فيه (١). القول الثاني: وجوب الرجعة: ذهب إليه الحنفية في قول (٢)، ومالك (٣)، وأحمد في رواية عنه (٤)، وداود الظاهري (٥). أدلَّة هذا القول: ١ - لأمر النبي ﷺ بها، وظاهر الأمر الوجوب (٦). ٢ - ولقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٧) وطلاقها حال الحيض إضرارٌ بها؛ لأنه يُطوِّل عليها العدَّة، فيجب إزالته، ولا طريق إلى ذلك إلاَّ بالارتجاع (٨). ٣ - ولأنَّ الرجعة تجري مجرى استبقاء النكاح، واستبقاؤه ههنا واجب بدليل تحريم الطلاق (٩). ٤ - ولأن الرجعة إمساك للزوجة بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] فالإمساك مراجعتها في العدَّة والتسريح تركها حتى تنقضي عدتها. وإذا كانت الرجعة إمساكًا فلا ريب في وجوب إمساكها في زمن الحيض وتحريم طلاقها فتكون واجبة (١٠).

стр. 199

٥ - لأنَّ الرجعة إذا تعلَّقت بضررٍ كانت تابعةً له في الثبوت والانتفاء .. ألا ترى أنَّ المعسر بالنفقة إذا طلَّق عليه فارتجع فإنَّ مراجعتها معتبَرة بيُسره، فإذا دام إعساره لم تصحَّ؛ فإنَّ إثباتها إضرار بها؟ .. كذلك المولى، فإذا ثبت ذلك وجب في هذا الموضع إذا كان في منع الرجعة خوف ضرر بها أن يُزال بارتجاعها لزوال الضرر عنها (١). الجانب الثاني: في الإجبار على الرجعة: وإذا قيل بوجوب الرجعة، فهل يُجبَر على رجعتها أو لا؟ أطلق الأكثرون القول بوجوب الرجعة، ولم يتعرَّضوا للإجبار، في حين ذهب مالك (٢)، وداود (٣)، إلى القول بالإجبار. وقد ذهب المالكية إلى إجباره على الرجعة إذا كان الطلاق رجعيًّا، ويستمرُّ الجبر إلى آخر العدَّة، فإن خرجت من العدة بانت. وقال أشهب: يُجبَر ما لم تطهر من الحيضة الثانية، لأنه ﵊ أباح في هذه الحالة طلاقها، فلا معنى لإجباره في هذه الحالة (٤). والأمر بارتجاعها حق لله تعالى فيجبره الحاكم، وإن لم تقُم المرأة بحقِّها في الرجعة، فإنْ أبَى من الرجعة هُدِّد بالسجن، ثم إن أبى سُجِن بالفعل، ثُم إن أبى هُدِّد بالضرب، ثم إن أبى ضرب بالفعل، يفعل ذلك كلَّه بمجلسٍ واحد، فإن أبى الارتجاع ارتجع الحاكم بأن يقول: ارتجعتها لك.

стр. 200

وجاز به، أي: بارتجاع الحاكم الوطء والتوارث، وإن لم ينوِها الزوج، لأنَّ نية الحاكم قائمة مقام نيته (١). المطلب الثاني وطء الزوج الثاني للمرأة حال حيضها هل يحلها للزوج الأول اختلف أهل العلم في المطلقة البائن يطأها الزوج الثاني، وهي حائض هل يحصل بذلك الإحلال على قولين: القول الأول: أنها لا تحلُّ له بذلك: ذهب إليه المالكية (٢)، والحنابلة (٣). ١ - لأنه وطء حرام لحقِّ الله تعالى، فلم يحصل به الإحلال، كوطء المرتدَّة (٤). ونُوقش: بالفارق؛ لأنَّ المرتدَّة ليست في العصمة بخلاف هذه. القول الثاني: أنها تحلُّ بذلك: ذهب إليه الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، واختاره ابن قدامة من الحنابلة (٧). ١ - لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].

стр. 201

وهذه قد نكحت زوجًا غيره (١). ٢ - وقول النبي ﷺ : «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (٢) وهذا قد وجد (٣). ٣ - ولأنه وطء في نكاح صحيح في محلِّ الوطء، على سبيل التمام فأحلَّها كالوطء الحلال، وكما لو وطئها وقد ضاق وقت الصلاة، أو وطئها مريضة يضرُّها الوطء (٤). الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لقوَّة دليله في مقابل ضعف ما ذكره الأوَّلون، بعدم صحَّة ما استدلُّوا به من القياس.

стр. 202

المبحث الثامن في الخلع في الحيض وإذا كان أهل العلم قد اتَّفقوا على تحريم الطلاق زمن الحيض، فقد اختلفوا في الخلع فيه على قولين: القول الأول: أنه لا يجوز: ذهب إليه المالكية (١)، وهو قول جمع من فقهاء السلف (٢). الاستدلال: ١ - لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وهذا مطلَق. ٢ - ولأنَّ النبي ﷺ لما أنكر الطلاق في الحيض لم يستفصل. القول الثاني: أنه يجوز: ذهب إليه الحنفية (٣)، والحنابلة (٤)، والشافعية (٥)، وقال ابن تيمية إنه قول أكثر أهل العلم (٦). الاستدلال: ١ - قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وهذا مطلق (٧).

стр. 203

٢ - ولأنَّ ضرر تطويل العدَّة عليها، والخلع يحصل بسؤالها، فيكون رضًا منها به، ودليلاً على رجحان مصلحتها فيه (١). ٣ - ولأنَّ المنع من الطلاق في الحيض للضرر الذي يلحقها بتطويل العدة، والخلع جعل للضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والتقصير في حقِّ الزوج والضرر بذلك أعظم من الضرر بتطويل العدَّة، فجاز دفع أعظم الضَّررين بأخفهما (٢). ٣ - واستدلَّ ابن تيمية لهذا القول: ١ - بأنَّ الخلع ليس بطلاق، بل فرقة بائنة، وهو في أحد قولي العلماء تُستبرأ فيه بحيضة فلا عدَّة عليها (٣). ٢ - ولأنها تملك نفسها بالاختلاع فلهما فائدة في تعجيل الإبانة لرفع الشرع الذي بينهما بخلاف الطلاق الرجعي، فإنه لا فائدة في تعجيله قبل وقته، بل ذلك شرٌّ بلا خير (٤). الترجيح: والراجح هو القول الثاني لقوَّة أدلَّته وتظافرها، وأقواها ولا شكَّ ما ذكره ابن تيمية من أنه لا عدَّة عليها وإنما هو استبراء بحيضة واحدة (٥).

стр. 204

المبحث التاسع في الأحكام المتعلقة بالإيلاء وفيه مطلبان: المطلب الأول: في احتساب أيام الحيض من أجل المولى. المطلب الثاني: في حصول الفيئة من المولي بالوطء حال الحيض. المطلب الأول عدم احتساب وقت الحيض من مدة الإيلاء إذا آلى (١) الرجل من امرأته ضُربت له المدَّة التي حَكم بها بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]. فإن قام بالزوجة مانع من الوطء لم يحتسب على الزوج من المدَّة، وقد استثنى من ذلك الحيض فإنه يحتسب عليه، ولا يمنع ضرب المدَّة إذا كان موجودًا وقت الإيلاء (٢) لأنه لو مُنع لم يمكن ضرب المدَّة، لأنَّ الحيض في الغالب لا يخلو منه شهر، فيؤدِّي ذلك إلى إسقاط حُكم الإيلاء (٣).

стр. 205

المطلب الثاني حصول الفيئة من الْمُولِي بالوطء حال الحيض . إذا آلى الزوج من زوجته ثم وطئها قبل انتهاء المدَّة وهي حائض، فهل يخرج من الإيلاء بذلك؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أنه يحنث: فيخرج من حُكم الإيلاء بذلك: ذهب إليه الشافعية (١)، والحنابلة (٢). لأنَّ يمينه انحلَّت، ولم يبقَ مُمتنعًا من الوطء بحكم اليمين، فلم يبقَ الإيلاء كما لو كفر عن يمينه أو كما لو وطئها مريضة (٣). القول الثاني: أنه لا يخرج من الإيلاء. اختاره أبو بكر من الحنابلة، وذكر أنه قياس المذهب (٤). لأنه وطء لا يؤمر به في الفيئة فلم يخرج به من الإيلاء، كالوطء في الدبر. ونوقش: بالفارق؛ لأنَّ الوطء في الدبر لا يُحنث به، وليس بمحلاً للوطء بخلاف مسألتنا (٥). الترجيح: والراجح هو القول الأول، لقوَّة دليله.

стр. 206

المبحث العاشر في الأحكام المتعلِّقة بالعدَّة (١) وفيه مطلبان: المطلب الأول: فيما اتفق عليه من أمر المعتدة التي تحيض. المطلب الثاني: ما وقع فيه الخلاف من أمر العدة. المطلب الأول ما وقع فيه الاتفاق ١ - اتفق أهل العلم على وجوب العدَّة على المطلقة إذا كانت مدخولاً بها، وأنها تُعتد بالأقراء إذا كانت من أهل الأقراء، أي: ممَّن تحيض (٢). وذلك لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ب- كما أجمع أهل العلم على أنَّ الصَّبية، أو البالغ المطلقة التي لم تحض إن حاضت قبل انقضاء الشهور الثلاثة بيوم، أو أقل من يوم، أنَّ عليها استئناف العدَّة بالحيض (٣).

стр. 207

ج- هذا وقد ذهب عامة القائلين بوقوع الطلاق في الحيض إلى أنَّ الحيضة التي تُطلَّق فيها لا تُحتسب من عدَّتها (١)، وذلك: ١ - لأنَّ الله تعالى أمر بثلاثة قروء، فتناول ثلاثة كاملة، والتي طلَّق فيها لم يبقَ منها ما تتم به مع اثنتين ثلاثة كاملة، فلا يُعتدُّ بها. ٢ - ولأنَّ الطلاق إنما حرم في الحيض لِما فيه من تطويل العدَّة عليها، فلو احتسبت بتلك الحيضة قرءًا، كان أقصر لعدتها، وأنفع لها، فلم يكن مُحرَّمًا (٢). المطلب الثاني ما وقع فيه الخلاف وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في المراد بـ «الأقراء» . المسألة الثانية: في عدَّة الأمَّة ذات الأقراء. المسألة الثالثة: في عدَّة المختلعة. المسألة الأولى في المراد بـ «الأقراء»: اختلف أهل العلم في المراد بالأقراء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] على قولين: القول الأول: أنها الحيض: ذهب إليه الحنفية (٣)، وأحمد في رواية عنه، وهي المذهب (٤).

стр. 208

وهو قول جمع من فقهاء السلف منهم: علقمة والأسود، وإبراهيم النخعي، وشريح، والشعبي، والحسن، وقتادة وسعيد بن جبير، وطاوس، وسعيد بن المسيب، وإسحاق، وأبو عبيد، والثوري، والعنبري، والأوزاعي، والحسن بن حي، وابن شبرمة وربيعة، ومجاهد، ومقاتل والضحاك وعكرمة والسدي وإسحاق (١). وروي عن جمع من فقهاء الصحابة منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل، ومعبد الجهني، وعبد الله بن قيس (٢). الأدلَّة (٣): ١ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فظاهر الآية وجوب التربُّص ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الأطهار لم يوجب ثلاثة؛ لأنه يكتفي بطُهرَين وبعض الثالث، فيخالف ظاهر النصِّ، ومن جعله الحيض أوجب ثلاثة كاملة، فيوافق ظاهر النصِّ، فيكون أولى من مخالفته (٤). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].

стр. 209

وجه الاستدلال: أنَّ الله نقلهنَّ عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر، فدلَّ ذلك على أنَّ الأصل الحيض (١) كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦]. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهذا هو الحمل والحيض عند عامة المفسرين، والمخلوق في الرحم إنما هو الحيض الوجودي. ولهذا قال السلف والخلف، هو الحمل والحيض، وقال بعضهم: الحمل، ولم يقل أحد قط: إنه الطهر (٢). ٤ - ولأنَّ لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلاَّ للحيض (٣)، ولم يجئ عنه في موضع واحد استعماله للطهر، فحمله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى، بل متعين (٤). ٥ - ما جاء في حديث ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﷺ : «خير بريرة، فاختارت نفسها، وأمرها أن تعتدَّ عدَّة الحرَّة فكانت عدَّة الحرَّة هي الثلاث الحيض» (٥). ومن حديث عائشة: «أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض» (٦).

стр. 210

ووجه الاستدلال: ظاهر. ٦ - أمره ﷺ للمختلعة أن تعتدَّ بحيضة. أ- فأخرج النسائي من حديث الربيع بنت معوذ أنَّ النبي ﷺ أمر امرأة ثابت بن قيس بن شماس لَمَّا اختلعت من زوجها أن تتربَّص حيضة واحدة وتلحق بأهلها (١). ب- وفي سُنن أبي داود والترمذي عن ابن عباس ﵄: «أنَّ امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي أن تعتد بحيضة» (٢). ج- وفي الترمذي: «أنَّ الربيع بنت معوذ اختلعت على عهد رسول الله من زوجها فأمرها النبي - أو أمرت - أن تعتد بحيضة» (٣). ٧ - ويدل له حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «طلاق الأمَّة تطليقتان، وعدتها حيضتان» (٤). ومن حديث ابن عمر ﵄: «طلاق الأمة اثنتان، وعدتها حيضتان» (٥).

стр. 211

٨ - أنَّ الاستبراء عدَّة مختصرة، فكان النصُّ على الحيض فيه معنويًّا لكون عدة الحرائر بالحيض لا بالطهر (١). وقد ثبت عن أبي سعيد الخدري أنَّ النبي ﷺ قال في سبايا أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» (٢). ٩ - ولأنَّ العدةَّ استبراء فكانت بالحيض، كاستبراء الأمة، وذلك لأنَّ الاستبراء لمعرفة براءة الرحم من الحمل والذي يدلُّ عليه الحيض فوجب أن يكون الاستبراء به (٣). ١٠ - ولأنَّ العدَّة تتعلَّق بخروج خارج من الرحم، فوجب أن تتعلَّق بالطهر كوضع الحمل، يُحقِّقه أنَّ العدَّة مقصودها معرفة براءة المرأة من الحمل فتارة تحصل بوضعه، وتارة بما ينافيه، وهو الحيض الذي لا يتصوَّر وجوده معه (٤). ١١ - أنَّ الأدلَّة والعلامات، والحدود والغايات، إنما تحصل بالأمور الظاهرة المتميِّزة عن غيرها، والطهور هو الأمر الأصلي، ولهذا متى كان مستمرًا مُستصحبًا لم يكن له حُكم يفرد به في الشريعة، وإنما الأمر المتميِّز هو الحيض، فإنَّ المرأة إذا حاضت تغيَّرت أحكامها من بلوغها وتحريم العبادات عليها من الصلاة، والصوم، والطواف، وغير ذلك.

стр. 212

ثم إذا انقطع الدم واغتسلت فلم تتغيَّر أحكامها بتجدُّد الطهر، لكن لزوال المغير الذي هو الحيض، فإنها تعود بعد الطهر إلى ما كانت عليه قبل الحيض من غير أن يجدَّد لها الطهر حُكمًا، و «القرء» أمر يُغير أحكام المرأة، وهذا التغير إنما يحصل بالحيض دون الطهر (١). القول الثاني: أنها الأطهار: ذهب إليه المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وأحمد في رواية عنه (٤)، والظاهرية (٥). وهو قول جمع من فقهاء السلف منهم: الفقهاء السبعة، وأبان بن عثمان، والزهرين وعمر بن عبد العزيز، وأبو ثور (٦). وروي عن زيد بن ثابت، وعائشة، وعبد الله بن عمر (٧). الأدلَّة: ١ - قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. أي: في عدَّتهنَّ، كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. أي: في يوم القيامة.

стр. 213

وإنما أمر بالطلاق في الطهر لا في الحيض (١)، ويدلُّ عليه قول النبي ﷺ في حديث ابن عمر: «مُره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء طلَّق، وإن شاء أمسك، فتلك العدَّة التي أمر الله تعالى أن تُطلق لها النساء» (٢). فبين النبي ﷺ أنَّ العدَّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي الطهر الذي بعد الحيضة، ولو كان القرء هو الحيض، كان طلقها قبل العدَّة لا في العدَّة (٣). ٢ - أنَّ اللسان يدلُّ على ما ذهبنا إليه ومن ذلك. أ- أنَّ «القرء» اسم وُضِع لمعنى، فلمَّا كان الحيض دمًا يرخيه الرحم فيخرج، والطهر دم يُحتبس فلا يخرج، وكان معروفًا من لسان العرب، أنَّ القرء: الحبس. تقول العرب: «هو يقري الماء في حوضه»، وفي سقائه، وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بـ «القرء» الطهر (٤). ب- أن هذا الجمع خاص بالقرء الذي هو الطهر، وذلك أنَّ القرء الذي هو الحيض يُجمع على «أقراء» لا على «قروء» (٥). ج- أنَّ الحيضة مؤنثة، والطهر مذكَّر، فلو كان القرء الذي يُراد به الحيض لَما ثبت في جمعه الهاء؛ لأنَّ الهاء لا تثبت في جمع المؤنَّث فيما دُون العشرة (٦).

стр. 214

٣ - من المعقول: أ- أنها عدَّة عن طلاقٍ مجرَّد مباح، فوجب أن يُعتبر عُقَيب الطلاق، كعدَّة الآيسة والصغيرة (١). ب- ولأنه زمانٌ يجوز إيقاع الطلاق فيه فوجب أن يكون مُعتدَّا فيه، أصله الحمل (٢). الترجيح: والراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أنَّ المراد بها الحيض؛ لقوَّة ما بُنِي عليه من استدلال، ومن أهمها ولا شكّ توارد كلمات الشارع على استعمالها في الحيض. وكذا اتفاق كلمة هذا الجمع الكبير من فقهاء الصحابة. مسائل مترتبة على كلِّ قول: أولاً- عند القائلين بأنها الحيض. وعلى القول بأنَّ المراد بها «الحيض» لا تنقضي العدة حتى تنقضي الحيضة الثالثة، وهل تنقضي بمجرَّد الطهر؟ اختلف هؤلاء على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها تنقضي عدَّتها بمجرَّد طهرها من الحيضة الثالثة. ذهب إليه الشافعي في القديم (٣)، وأحمد في رواية عنه (٤). والأزواعي وسعيد بن جبير (٥).

стр. 215

الأدلَّة: ١ - لأنَّ الله تعالى قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد كملت القروء بدليل وجوب الغسل عليها ووجوب الصلاة وفعل الصيام وصحته منها (١). ٢ - ولأنه لم يبقَ في حُكم العدَّة في الميراث، ووقوع الطلاق بها، واللعان، والنفقة فكذلك فيما نحن فيه (٢). القول الثاني: إنها لا تنقضي عدَّتها حتى تغتسل. ذهب إليه أبو حنيفة فيما إذا انقطع الدم لأكثر الحيض (٣)، وأحمد في الرواية الثانية عنه (٤)، وسعيد بن المسيب، وشريك، وإسحاق (٥)، وهو المشهور عن أكابر الصحابة؛ منهم: عمر وعلي وابن مسعود وأبو بكر وعثمان وأبو موسى وعبادة وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل وابن عباس (٦). الأدلَّة: ١ - لأنه قول الأكابر من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم فكان إجماعًا (٧). ٢ - ولأنها ممنوعة من الصلاة بحكم حدث الحيض فأشبهت الحائض (٨).
следующие страницы →