← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14527

الأحكام المترتبة على الحيض والنفاس والاستحاضة

صالح اللاحم

Полный текст (294 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٨ - أنَّ الاستبراء عدَّة مختصرة، فكان النصُّ على الحيض فيه معنويًّا لكون عدة الحرائر بالحيض لا بالطهر (١). وقد ثبت عن أبي سعيد الخدري أنَّ النبي ﷺ قال في سبايا أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» (٢). ٩ - ولأنَّ العدةَّ استبراء فكانت بالحيض، كاستبراء الأمة، وذلك لأنَّ الاستبراء لمعرفة براءة الرحم من الحمل والذي يدلُّ عليه الحيض فوجب أن يكون الاستبراء به (٣). ١٠ - ولأنَّ العدَّة تتعلَّق بخروج خارج من الرحم، فوجب أن تتعلَّق بالطهر كوضع الحمل، يُحقِّقه أنَّ العدَّة مقصودها معرفة براءة المرأة من الحمل فتارة تحصل بوضعه، وتارة بما ينافيه، وهو الحيض الذي لا يتصوَّر وجوده معه (٤). ١١ - أنَّ الأدلَّة والعلامات، والحدود والغايات، إنما تحصل بالأمور الظاهرة المتميِّزة عن غيرها، والطهور هو الأمر الأصلي، ولهذا متى كان مستمرًا مُستصحبًا لم يكن له حُكم يفرد به في الشريعة، وإنما الأمر المتميِّز هو الحيض، فإنَّ المرأة إذا حاضت تغيَّرت أحكامها من بلوغها وتحريم العبادات عليها من الصلاة، والصوم، والطواف، وغير ذلك.

стр. 212

ثم إذا انقطع الدم واغتسلت فلم تتغيَّر أحكامها بتجدُّد الطهر، لكن لزوال المغير الذي هو الحيض، فإنها تعود بعد الطهر إلى ما كانت عليه قبل الحيض من غير أن يجدَّد لها الطهر حُكمًا، و «القرء» أمر يُغير أحكام المرأة، وهذا التغير إنما يحصل بالحيض دون الطهر (١). القول الثاني: أنها الأطهار: ذهب إليه المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وأحمد في رواية عنه (٤)، والظاهرية (٥). وهو قول جمع من فقهاء السلف منهم: الفقهاء السبعة، وأبان بن عثمان، والزهرين وعمر بن عبد العزيز، وأبو ثور (٦). وروي عن زيد بن ثابت، وعائشة، وعبد الله بن عمر (٧). الأدلَّة: ١ - قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. أي: في عدَّتهنَّ، كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. أي: في يوم القيامة.

стр. 213

وإنما أمر بالطلاق في الطهر لا في الحيض (١)، ويدلُّ عليه قول النبي ﷺ في حديث ابن عمر: «مُره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء طلَّق، وإن شاء أمسك، فتلك العدَّة التي أمر الله تعالى أن تُطلق لها النساء» (٢). فبين النبي ﷺ أنَّ العدَّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي الطهر الذي بعد الحيضة، ولو كان القرء هو الحيض، كان طلقها قبل العدَّة لا في العدَّة (٣). ٢ - أنَّ اللسان يدلُّ على ما ذهبنا إليه ومن ذلك. أ- أنَّ «القرء» اسم وُضِع لمعنى، فلمَّا كان الحيض دمًا يرخيه الرحم فيخرج، والطهر دم يُحتبس فلا يخرج، وكان معروفًا من لسان العرب، أنَّ القرء: الحبس. تقول العرب: «هو يقري الماء في حوضه»، وفي سقائه، وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بـ «القرء» الطهر (٤). ب- أن هذا الجمع خاص بالقرء الذي هو الطهر، وذلك أنَّ القرء الذي هو الحيض يُجمع على «أقراء» لا على «قروء» (٥). ج- أنَّ الحيضة مؤنثة، والطهر مذكَّر، فلو كان القرء الذي يُراد به الحيض لَما ثبت في جمعه الهاء؛ لأنَّ الهاء لا تثبت في جمع المؤنَّث فيما دُون العشرة (٦).

стр. 214

٣ - من المعقول: أ- أنها عدَّة عن طلاقٍ مجرَّد مباح، فوجب أن يُعتبر عُقَيب الطلاق، كعدَّة الآيسة والصغيرة (١). ب- ولأنه زمانٌ يجوز إيقاع الطلاق فيه فوجب أن يكون مُعتدَّا فيه، أصله الحمل (٢). الترجيح: والراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أنَّ المراد بها الحيض؛ لقوَّة ما بُنِي عليه من استدلال، ومن أهمها ولا شكّ توارد كلمات الشارع على استعمالها في الحيض. وكذا اتفاق كلمة هذا الجمع الكبير من فقهاء الصحابة. مسائل مترتبة على كلِّ قول: أولاً- عند القائلين بأنها الحيض. وعلى القول بأنَّ المراد بها «الحيض» لا تنقضي العدة حتى تنقضي الحيضة الثالثة، وهل تنقضي بمجرَّد الطهر؟ اختلف هؤلاء على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها تنقضي عدَّتها بمجرَّد طهرها من الحيضة الثالثة. ذهب إليه الشافعي في القديم (٣)، وأحمد في رواية عنه (٤). والأزواعي وسعيد بن جبير (٥).

стр. 215

الأدلَّة: ١ - لأنَّ الله تعالى قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد كملت القروء بدليل وجوب الغسل عليها ووجوب الصلاة وفعل الصيام وصحته منها (١). ٢ - ولأنه لم يبقَ في حُكم العدَّة في الميراث، ووقوع الطلاق بها، واللعان، والنفقة فكذلك فيما نحن فيه (٢). القول الثاني: إنها لا تنقضي عدَّتها حتى تغتسل. ذهب إليه أبو حنيفة فيما إذا انقطع الدم لأكثر الحيض (٣)، وأحمد في الرواية الثانية عنه (٤)، وسعيد بن المسيب، وشريك، وإسحاق (٥)، وهو المشهور عن أكابر الصحابة؛ منهم: عمر وعلي وابن مسعود وأبو بكر وعثمان وأبو موسى وعبادة وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل وابن عباس (٦). الأدلَّة: ١ - لأنه قول الأكابر من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم فكان إجماعًا (٧). ٢ - ولأنها ممنوعة من الصلاة بحكم حدث الحيض فأشبهت الحائض (٨).

стр. 216

واحتجَّ للحنفية: بأنّ الحيض عندهم لا يزيد على عشرة أيام، فبمجرَّد الانقطاع خرجت من الحيض فانقطعت العدَّة وانقطعت الرجعة (١). القول الثالث: أنها في عدَّتها، ولزوجها رجعتها حتى يمضي وقت الصلاة التي طهرت في وقتها. ذهب إليه أحمد في رواية عنه (٢)، والثوري (٣)،، وهو قول أبي حنيفة، لكن إذا انقطع الدم لأقل الحيض (٤). دليل هذا القول: لم أجد لِما ذهب إليه أحمد في هذه الرواية من دليل، ولعلَّه نظر إلى أنها قد تتعمَّد إطالة العدَّة بترك الاغتسال، ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلاَّ تركها صلاة وقت. أما الحنفية فقالوا: إنها فيما دون العشر يُحتمل عوده الدم، فلا بدَّ أن يُعتضد الانقطاع بحقيقة الاغتسال، أو بلزوم حُكم من أحكام الطاهرات بمضيِّ وقت الصلاة (٥). الترجيح: ولعلَّ الراجح هو القول الثاني من أنها لا تنقضي عدَّتها حتى تغتسل، بلا فرق بين أن ينقطع دمها لأقل مدَّة أو أكثرها، لقوَّة ما بُنِيَ عليه من استدلال، خاصة اتفاق كلمة أكابر فقهاء الصحابة على ذلك، ولأنها ما تزال في حكم الحيض في منعها من الصلاة ومنع الجماع والطواف وغير ذلك، إلاَّ أنه ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يعرف منها قصد إطالة العدة.

стр. 217

ثانيًا- ما يترتَّب على القول بأنها الأطهار. وعلى القول بأنها الأطهار إذا طلقها وهي طاهر انقضت عدتها برؤية الدم من الحيضة الثالثة (١). وإن طلَّقها حائضًا - وقيل بوقوعه - فقد اختلف هؤلاء في وقت انتهاء العدَّة على قولين: القول الأول: أنها تنقضي برؤية الدم من الحيضة الرابعة. ذهب إليه مالك (٢)، والشافعي في ظاهر مذهبه (٣)، والحنابلة (٤)، وإليه ذهب القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبان بن عثمان، وأبو ثور (٥). الأدلَّة: ١ - لأنَّ الله جعل العدة ثلاثة قروء، فالزيادة عليها مخالفة للنصِّ، فلا يُعوّل عليه (٦). ٢ - ولأنَّ الظاهر أنه حيض (٧). ٣ - ولأنه قول جمع من الصحابة منهم: زيد، وابن عمر، وعائشة (٨).

стр. 218

القول الثاني: أنها لا تنقضي حتى يمضي من الدم يوم وليلة. ذهب إليه الشافعي في القول الآخر (١)، وحكاه القاضي احتمالاً في مذهب الحنابلة (٢). الأدلَّة: ١ - لجواز أن يكون الدم دم فساد فلا نحكم بانقضاء العدَّة حتى يزول الاحتمال (٣). ونوقش: بأنه قد حُكِم بكونه حيضًا في ترك الصلاة، وتحريمها على الزوج، وسائر أحكام الحيض فكذلك في انقضاء العدَّة (٤). القول الثالث: أنها إن حاضت للعادة انقضت العدة بالطعن في الحيضة، وإن حاضت لغير العادة بأن كانت عادتها ترى الدم في عاشر الشهر فرأته في أوله لم تنقضِ حتى يمضي عليها يوم وليلة. ذهب إليه الشافعية في وجه (٥). هذا وقد اختلف القائلون بأنَّ القرء: الطهر، في احتساب القرء الذي طلقها فيه قرءًا على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها تحتسب به. ذهب إليه عامة القائلين بأنها الطهر (٦).

стр. 219

١ - لأنَّ الطلاق إنما حرم في الحيض دفعًا لضرر تطويل العدة عليها، فلو لم يحتسب ببقية الطهر قرءًا، كان الطلاق في الطهر أضرَّ بها وأطول عليها (١). ٢ - ولأنَّ بعض الطُّهر وإن قلَّ يصدق عليه اسم «قرء»، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وإنما هو شهران وبعض الثالث (٢). القول الثاني: أنها لا تحتسب به، فتعتدُّ بثلاثة قروء سوى الطهر الذي طلَّقها فيه. ذهب إليه الزهري (٣). كما لا تُحتسب ببقية الحيضة عند من يقول: «القرء» الحيض (٤). القول الثالث: أنه إن كان جامعها في ذلك الطهر، لم تحتسب ببقيته وإلاَّ احتسبت. ذهب إليه أبو عبيد (٥). لأنه زمن حُرم فيه الطلاق، فلم يحتسب به من العدَّة، كزمن الحيض (٦). ونوقش: بأنه لا يصح؛ لأنَّ تحريم الطلاق في الحيض لكونها لا تحتسب ببقيته فلا يجوز أن تجعل العلَّة في عدم الاحتساب تحريم الطلاق، فتصير العلَّة معلولاً وإنما تحريم الطلاق في الطُهر الَّذي أصابها فيه، لكونها مرتابة ولكونه لا يأمن الندم بظهور حملها (٧).

стр. 220

المسألة الثانية: اختلافهم في عدة الأمة إذا كانت ممن تحيض: فقد اختلف أهل العلم في قدر عدَّتها على قولين: القول الأول: أنها قراءة على اختلافهم في فهم القرء: ذهب إليه جمهور أهل العلم (١). الأدلَّة: ١ - ما رُوي من قوله ﷺ : «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» (٢). ونوقش: بأنَّ الحديث ضعيف لضعف إسناده، فلا يصلح للاحتجاج (٣). ٢ - ولأنه قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعًا (٤). ونوقش: بأنَّ دعوى الإجماع تخالف ما صحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁: «أنَّ عدَّة الأمَة التي لم تبلغ ثلاثة أشهر» (٥). وصحَّ ذلك عن عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والحسن، وربيعة، والليث والزهري، ومالك وأصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي في قول. ومعلوم أنَّ الأشهر في حقَّ الآيسة والصغيرة بدل عن الأقراء الثلاثة،

стр. 221

فدلَّ على أن بدلها في حقِّها ثلاثة (١). وأجيب: بأنَّ القائلين بهذا هم بأنفسهم القائلون: إنَّ عدَّتها حيضتان، وقد أفتوا بهذا وهذا، ولهم في الاعتداد بالأشهر ثلاثة أقوال: أحدها: أنها شهران. ذهب إليه الشافعي في قول (٢)، وأحمد في رواية عنه (٣)، وروي عن عمر، وهو قول عطاء، والزهري، وإسحاق (٤). وحجَّة هذا القول: أنَّ عدتها بالأقراء حيضتان، فجعل كلّ شهر مكان حيضة (٥). والقول الثاني: أنَّ عدّتها شهر ونصف: ذهب إليه أبو حنيفة (٦)، والشافعي في قول (٧)، وأحمد في رواية عنه، وسعيد بن المسيب (٨)، وهو قول علي وابن عمر (٩). وحجة هذا القول: ١ - أنَّ التصنيف في الأشهر ممكن، فتنصفت بخلاف القروء. ونظير هذا: أنَّ المحرم إذا وجب عليه في جزاء الصيد نصف مُدٍّ

стр. 222

أخرجه، فإن أراد الصيام مكانه لم يجزه إلاَّ صوم يومٍ كامل (١). ٢ - ولأنها معتدَّة بالشهور فكانت على النصف من عدَّة الحرة كالمتوفِّي عنها (٢). والقول الثالث: أنَّ عدَّتها ثلاثة أشهر كوامل: ذهب إليه مالك (٣)، والشافعي في قول (٤)، وأحمد في رواية عنه (٥)، ورُوِي عن عمر، وجمع من فقهاء السلف؛ منهم: الحسن، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، والنخعي، ويحيى الأنصاري، وربيعة (٦). ١ - لعموم (٧) قوله تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]. والفرق عند هؤلاء بين اعتدادها بالأقراء، وبين اعتدادها بالشهور، أنَّ الاعتبار بالشهور للعلم ببراءة رحمها، وهو لا يحصل بدون ثلاثة أشهر في حقِّ الحرَّة والأمَة جميعًا، لأنَّ الحمل يكون نُطفة أربعين يومًا، ثم علَّقة أربعين يومًا، ثم مضغة أربعين وهو الطور الثالث الذي يمكن أن يظهر فيه الحمل، وهو بالنسبة إلى الحرَّة والأمَة سواء بخلاف الأقراء، فإنَّ الحيضة الواحدة علم ظاهر على الاستبراء، ولهذا اكتفى بها في حقِّ المملوكة، فإذا زوِّجت فقد أخذت شُبهًا من الحرائر، وصارت أشرف من ملك اليمين، فجعلت عدَّتها بين العدتين (٨).

стр. 223

الدليل الثالث: من أدلة الجمهور: ٣ - ولأنه معنى ذو عدد، يُبنى على التفاضل، فلا تساوي فيه الأمة الحرَّة كالحدِّ (١). وقد روى هذا المعنى عن ابن مسعود من قوله: يكون عليها نصف العذاب، ولا يكون لها نصف الرخصة (٢). ونُوقش من أوجه: الوجه الأول: أن الأثر لا يصحُّ، لأنه منقطع؛ إذ هو عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، ولم يسمع إبراهيم من عبد الله (٣). وأجيب بعدم التسليم بالانقطاع: لقول إبراهيم: إذا قلت "قال عبد الله"، فقد حدَّثني غير واحد عنه، وإذا قلت: "قال فلان عنه"، فهو عمَّن سمَّيت. ومن المعلوم أنَّ بين إبراهيم وعبد الله أئمَّة ثقات، لم يُسمِّ قط متهمًا ولا مجروحًا ولا مجهولاً، فشيوخه الذين أخذ عنهم عن عبد الله أئمَّة أجلاَّء نبلاء، وكل من له ذوق في الحديث إذا قال إبراهيم: قال عبد الله، لم يتوقَّف في ثبوته عنه (٤). الوجه الثاني: لو سلم بصحته فإنه يقال لقائل هذا القول ومصوبه، ما نحن جعلنا عليها نصف العذاب، ولا نحن نجعل لها نصف الرخصة، بل الله تعالى جعل عليها نصف العذاب، ولم يجعل لها نصف الرخصة. ثم هبك لو جعلنا نحن عليها نصف العذاب وكان ذلك مباحًا لنا أن نجعله، فمن أين لنا أن نجعل لها نصف الرخصة؟ (٥)

стр. 224

الوجه الثالث: أنَّ قياس هذه العدَّة على حدِّ الزنا فاسد؛ لأنه لا شبه بين الزنا الموجب للحدِّ وبين طلاق الزوج، والقياس عند القائل به لا يصح إلاَّ على شبهٍ بين المقيس والمقيس عليه، فكيف بمن لا يرى القياس أصلاً؟ ثم فساد آخر .. وهو أنكم أوجبتم القياس على نصف الحدِّ في الأمَة، وأنتم لا تختلفون في أنَّ حدَّ الأمة في قطع السرقة كحدِّ الحرة، فمن أين وجب أن تُقاس العدّة عندهم على حد الزنا دون أن يقيسوه على حدِّ السرقة؟ ثم هلا قاسوا عدَّة الأمَة من الطلاق على ما لا يختلفون فيه من أنَّ عدَّتها «إن كانت حاملاً» كعدَّة الحرة، وهذا القياس أولى من قياس العدَّة على حد الزنا. ثم يلزمهم إذا قاسوا عدَّة الأمة على حدِّها ألاَّ يُوجِبوا عليها إلاَّ نصف الطهارة ونصف الصلاة ونصف الصيام، قياسًا على حدِّها (١). القول الثاني: أنَّ عدَّتها عدَّة الحرة؛ أي: ثلاثة قروء: ذهب إليه الظاهرية (٢)، وعلَّق ابن سيرين القول به على عدم مُضيِّ سنة (٣)، ورُوِي عن مكحول والأصم (٤). الأدلَّة: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

стр. 225

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. قال ابن حزم: وقد علم الله إذا أباح لنا زواج الإماء أنه يكون عليهنَّ العِدَد المذكورات، فما فرَّق سبحانه بين حرَّةٍ ولا أمَة في ذلك ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] (١). ونوقش الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: بأنَّ هذه الآيات لا تتناول الإماء، وإنما تتناول الحرائر، فإنه سبحانه قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلى أن قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَاخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وهذا في حقِّ الحرائر دون الإماء، فإنَّ افتداء الأمَة إلى سيدها لا إليها، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فجعل ذلك إليهما، والتراجع المذكور في حقِّ الأمَة، وهو العقد إنما هو إلى سيدها، لا إليها، بخلاف الحرَّة، فإنه إليها بإذن وليها. وكذلك قوله تعالى في عدَّة الوفاء: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤].

стр. 226

فإنَّ هذا في حقِّ الحرة، وأما الأمة فلا فعل لها في نفسها البتَّة؛ فهذا في العدّة الأصلية، وأمَّا عدة الأشهر ففرع وبدل. وأما عدَّة وضع الحمل فيستويان فيها، كما ذهب إليه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون، وعمل به المسلمون، وهو محض الفقه (١). الوجه الثاني: أنه يخالف ما عليه فقهاء الصحابة؛ ومنهم: عمر، وابنه، وابن مسعود، وزيد وعلي وهم أعلم بكتاب الله وسُنة رسوله، ويخالف عمل المسلمين، لا إلى قول صاحب البتَّة، ولا إلى حديث صحيح ولا حسن، بل هو عموم أمره ظاهر عند جميع الأمَّة، ليس هو مما تخفى دلالته ولا موضعه، حتى يظفر به الواحد والاثنان دون سائر الناس، هذا من أبين المحال (٢). الترجيح: والرَّاجح ما ذهب إليه الجمهور، وهو ما اشتُهِر عن كبار فقهاء الصحابة، واستمرَّ عليه عمل المسلمين. المسألة الثالثة: في عدة المختلعة التي تحيض . اختلف أهل العلم في عدَّة المختلعة إذا كانت من ذوات الأقراء على قولين. القول الأول: أنَّ عدتها عدة المطلَّقة: ذهب إليه جمهور أهل العلم، منهم: أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥)، وأحمد في رواية عنه وهي المذهب (٦)، وسعيد بن

стр. 227

المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن، والشعبي، وسالم بن عبد الله، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والنخعي، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وقتادة وخلاس بن عمرو، والليث والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبو عبيد (١). الأدلَّة: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنَّ الآية عامة في المطلَّقات، خصَّ منها المختلعة بالسُنة كما سيأتي. الوجه الثاني: أنَّ الآية في الرجعية أما المختلعة فلما لم يكن عليها رجعة، لم يكن عليها عدَّة، بل استبراءٌ بحيضة؛ لأنها لما افتدت منه وبانت ملكت نفسها، فلم يكن أحقَّ بإمساكها، فلا معنى لتطويل العدَّة عليها بل المقصود العلم ببراءة رحمها، فيكفي مجرد الاستبراء (٢). ونوقش: بأنَّ الأمر ليس معلَّقًا بحقِّ الزوج في الرَّجعة، لوجوب الثلاثة قروء في حقِّ البائن. وأجيب: بأنَّ هذا منعَ منه الإجماع، على أنَّ من أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يلزم البائن سوى قرء واحد (٣). ٢ - أنه رُوِي عن عليِّ بن أبي طالب (٤). ٣ - ولأنها فرقة بعد الدخول في الحياة، فكانت ثلاثة قروء، كغير الخلع (٥).

стр. 228

ويمكن أن يناقش: بعدم التسليم بأنَّ كلَّ فرقةٍ في الحياة تلزم فيها الثلاث، والخلاف موجود حتى في المطلَّقة البائن. القول الثاني: أنَّ عدَّتها حيضة: ذهب إليه أحمد في روايةٍ عنه اختارها ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (١)، وإسحاق بن راهوية، وأبان بن عثمان (٢)، وابن المنذر (٣)، وحكاه أبو جعفر النحاس إجماع الصحابة (٤). واستدلُّوا بما يلي: ١ - لِما رواه النسائي: "أنَّ ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي، فجاء أخوها يشتكيه إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابت فقال: «خذ الذي لها عليك، وخلِّ سبيلها» فقال: نعم، فأمرها رسول الله ﷺ أن تتربَّص حيضة واحدة وتلحق بأهلها" (٥). ٢ - ورُوِي عن الربيع بنت معوذ قالت: اختلعتُ من زوجي، ثم جئتُ عثمان، فسألت ماذا عليَّ من العدَّة؟ قال: لا عدَّة عليك، إلاَّ أن يكون حديث عهدٍ بك فتمكثين حتى تحيضي حيضة، قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله في مريم المغالية، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه (٦). ٣ - أنَّ ذلك قول عثمان وابن عباس وابن عمر (٧). ونوقش: بأن ما رُوي عنهما مُعارِض بما رُوِي عن عمر، وعلي،

стр. 229

وقولهما أولى (١). وأما ابن عمر: فقد روى مالك بن نافع أنه قال: عدَّة المختلعة عدَّة المطلقة (٢)، وهذا أصح عنه (٣). ٣ - أن ذلك مقتضى القياس، فإنه استبراءٌ لمجرَّد العلم ببراءة الرحم، فكفَّت فيه حيضة، كالمسبيَّة، والأمَة المستبرأة، والحرة المهاجرة (٤). والشارع إنما جعل عدَّة الرجعية ثلاثة قروء لمصلحة المطلِّق والمرأة ليطول زمان الرجعة، وهذه الحكمة منتفية هنا (٥). الترجيح: والراجح هو القول الثاني لقوَّة ما بُني عليه من استدلال، ومنه الحديث الصحيح، وكذا ما ذكروه من القياس على من كانت في معناها.

стр. 230

المبحث الحادي عشر في الاستبراء (١) من ملك أمة بسبب من أسباب الملك كالبيع والهبة والإرث، أو كانت من نصيبه من السبي، وكانت الجارية غير حامل (٢). فلا يخلو حالها من أن تكون من ذوات الأقراء أي: ممَّن تحيض أو لا (٣). والذي يعنينا هنا ما إذا كانت من ذوات الأقراء: وفي ذلك مطلبان: المطلب الأول: في استبراء الثيب . المطلب الثاني: في استبراء البكر. المطلب الأول في استبراء الثيب وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ألاَّ يعلم براءتها من الحمل. المسألة الثانية: أن تعلم براءتها منه.

стр. 231

المسألة الأولى: ألاَّ يعلم براءتها من الحمل: فقد ذهب عامة أهل العلم إلى وجوب الاستبراء (١)، ومما يدلُّ على الوجوب ما يلي: ١ - ما روى أبو سعيد أنَّ النبي ﷺ نهى عام أوطاس أن تُوطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حملٍ حتى تحيض (٢). ٢ - وما روي عن رويفع بن ثابت، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يحلُّ لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يقع على امرأةٍ من السبي حتى يستبرئها بحيضة» (٣). ٣ - وفي لفظ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأتينَّ ثيبًا من السبي حتى يستبرئها بحيضة» (٤). المسألة الثانية: أن يعلم براءتها من الحمل: وذلك كما لو حاضت عند البائع، أو كانت عند امرأة وهي مصونة فانتقلت عنها إلى رجل، أو من باعها مجبوب أو ذو محرم. وقد اختلف أهل العلم في وجوب استبرائها على قولين: القول الأول: وجوب الاستبراء: ذهب إليه الجمهور؛ ومنهم: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)،

стр. 232

والشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وعطاء، والحسن، والنخعي، وهشام بن حسان، والأوزاعي (٣). واستدلُّوا بما يلي: ١ - حديث أبي سعيد ﵁: «نهى النبي ﷺ عام أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض» (٤). والشاهد منه: نهيه عن وطء غير ذات الحمل حتى تحيض، وهذا عام (٥). ونوقش: بأنَّ المراد منه من يجوز أن تكون حاملاً وألاَّ تكون، فيمسك عن وطئها مخافة الحمل؛ لأنه لا علم له بما اشتمل عليه رحمها، وهذا قاله في المسبيَّات لعدم علم السابئ بحالهنَّ (٦). قال ابن القيم: وعلى هذا فكلُّ من ملك أمَة لا يعلم حالها قبل الملك، هل اشتمل رحمها على حملٍ أم لا؟ لم يطأها حتى يستبرئها بحيضة، هذا أمرٌ معقول، وليس بتعبُّدٍ محض لا معنى له، فلا معنى لاستبراء العذراء، والصغيرة التي لا تحمل مثلها، والتي اشتراها من امرأته وهي في بيته لا تخرج أصلاً، ونحوها مما يُعلَم براءة رحمها (٧). ٢ - أنَّ الاستبراء يجب للتعبُّد أو له وللعلم ببراءة الرحم، وإذا كان كذلك وجب لا فرق بين من علم ببراءتها ومن لم يعلم (٨). ونوقش: بأنَّ هذا أمر معقول، وليس بتعبُّد محض لا معنى له (٩).

стр. 233

٣ - ما روي عن عطاء قال: تداول ثلاثة من التجار جارية، فولدت فدعا عمر بن الخطاب ﵁ القافة، فألحقوا ولدها بأحدهم، ثم قال عمر: من ابتاع جارية قد بلغت المحيض فليتربَّص بها حتى تحيض، فإن كانت لم تحض، فليتربَّص بها خمسًا وأربعين ليلة (١). ٤ - أنَّ الاستبراء عدَّة الأمة، فيجب على هذه كما يجب على الحرة التي تعرف براءة رحمها من الحمل (٢). القول الثاني: أنه غير واجب: ذهب إليه جماعة من أهل الحديث (٣)، واختاره ابن القيم (٤)، ونسبه ابن القيم لمالك نقلاً عن بعض المالكية (٥). واحتجوا بما يلي: ١ - أنَّ الاستبراء إنما شرع للعلم ببراءة الرحم من الولد، وعلى هذا فكلُّ من مَلك جارية يعلم أنها لم تُوطأ بعد ما حاضت في ملك سيدها إلى أن ملكها فلا استبراء عليه. وفي نهي النبي ﷺ أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره (٦)، دليل على أنَّ النهي إنما وقع على الوطء لعلَّة الحمل (٧). وكذلك قوله: «ولا يأتينَّ ثيبًا من السبي حتى يستبرئها» (٨) دليلٌ

стр. 234

على ذلك؛ لأنه لَمَّا نصَّ على الثيب لأنها قد وطئت ولم يجعل على البكر استبراء (١). قال ابن المنذر: واحتجَّ بعض من هذا مذهبه بأنَّ الله تعالى أباح وطء ما ملكت اليمين عامًا مُطلقًا، ولا يجوز أن يمنع المالك من وطء أمته إلاَّ بِحجَّة، ولا نعلم حجة تمنع من وطء من يعلم ألاَّ حمل بها (٢). الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو القول الثاني لقوَّة أدلته، ولزوال المعنى الذي شرع الاستبراء لأجله. المطلب الثاني في استبراء البكر وقد اختلف أهل العلم في وجوب استبرائها على قولين: القول الأول: وجوب استبرائها: ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ ومنهم الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). واستدلُّوا بما يلي: ١ - حديث أبي سعيد السابق وما فيه من نهي النبي ﷺ من وطأ غير ذات الحمل حتى تحيض. ٢ - ومثله ما جاء في حديث رويفع (٧).

стр. 235

فعمومه يقتضي تحريم وطء أبكارهنَّ قبل الاستبراء، كما يمتنع وطء الثيب (١). ونوقش: بأنَّ غايته أنه عموم أو إطلاق ظهر القصد منه، فيخصُّ أو يقيِّد عند انتفاء موجب الاستبراء. ويخص أيضًا بمفهوم قوله ﷺ في حديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح ثيبًا من السبايا حتى تحيض». ويخص أيضًا بمذهب الصحابي، وهو ما صحَّ عن ابن عمر، ولا يُعلم له مخالف من الصحابة (٢). ٣ - ولأنه ملك جارية محرَّمة عليه، فلم تحلّ له قبل استبرائها، كالثيب التي تحمل (٣). ونوقش: بالفارق، للاحتمال في الثيب بخلاف البكر. ٤ - ولأنه سبب موجب للاستبراء، فلم يفترق الحال فيه بين البكر والثيِّب والتي تحمل والتي لا تحمل كالعدَّة (٤). القول الثاني: أنه لا يجب استبراؤها: ذهب إليه الظاهرية (٥)، وابن سريج من الشافعية (٦)، وابن تيمية وابن القيم (٧)، وروي عن ابن عمر (٨). واحتجُّوا بما يلي: ١ - أنَّ الغرض من الاستبراء معرفة براءتها من الحمل، وهذا

стр. 236

معلومٌ في البكر (١). ونوقش: بأنَّ هذا غير مسلَّم؛ إذ العذراء قد تحمل (٢). وأجيب: بأن هذا نادر فلا يُلتَفت إليه. ٢ - أنه ليس عن النبي ﷺ عام في وجوب استبراء كلِّ من تجدَّد له عليها ملك على أية حالة كانت، وإنما نهى عن وطء السبايا حتى تضع حواملهن وتحيض حوائلهن (٣). وقوله ﷺ : «ولا غير ذات حمل حتى تحيض» يراد به من يجوز أن تكون حاملاً وأن لا تكون، فيمسك عن وطئها مخافة الحمل، لأنه لا علم بما اشتمل عليه رحمها (٤). ٣ - ما جاء في صحيح البخاري من حديث بريدة، قال: بعث رسول الله ﷺ عليًّا ﵁ إلى خالد - يعني باليمن - ليقبض الخُمس، فاصطفى عليُّ منه سبيَّة، فأصبح وقد اغتسل، فقلت لخالد: أما ترى إلى هذا؟ قال بريدة: فلمَّا قدمنا إلى النبي ﷺ ذكرت ذلك له فقال: «يا بريدة، أتبغض عليًّا؟» قلت: نعم، قال: «لا تبغضه؛ فإنَّ له في الخمس أكثر من ذلك» (٥). قال ابن القيم: فهذه الجارية إما أن تكون بكرًا فلم يرَ عليُّ وجوب استبرائها، وإما أن تكون في آخر حيضها فاكتفى بالحيضة قبل تملُّكه لها وبكلِّ حال، فلا بدَّ أن يكون تحقُّق براءة رحمها بحيث أغناه عن الاستبراء (٦).

стр. 237

٢ - ما رُوي عن ابن عمر ﵄ قال: «إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت، أو أعتقت فلتُستبرأ بحيضة، ولا تُستبرَأ العذراء» (١). الترجيح: والذي يظهر لي أنَّ الاستبراء إنما شُرِّع للعلم ببراءة الرحم من الحمل، وقد رجَّحت فيما سبق عدم وجوب استبراء من علم براءة رحمها من الحمل ولو كانت ثيبًا، والعلم ببراءة الرحم من الحمل ليست متوقِّفة على الحيض (٢)، وإنما هو أحد الوسائل، فإذا كان وجود البكارة مانع من الحمل فلا تحتاج إلى استبراء، وإلاَّ فلا بدَّ منه.

стр. 238

المبحث الثاني عشر وجوب نفقة الزوجة بالتسليم حال الحيض إذا سلَّمت الزوجة نفسها لزوجها حال الحيض فهل تجب نفقتها؟ اختلف أهل العلم في ذلك. القول الأول: وجوب النفقة. ذهب إليه عامة أهل العلم؛ لأنَّ الاستمتاع ممكن، ولا تفريط من جهتها (١). القول الثاني: أنها لا تجب: ذهب إليه بعض أهل العلم (٢). ١ - قياسًا على الصغيرة إذا سلَّمت إليه، فإنها لا تجب لها النفقة. ونوقش: بالفارق؛ لأنَّ للصغيرة حالا يتمكَّن من الاستمتاع بها فيها استمتاعًا تامًا، والظاهر أنه تزوجها انتظارًا لتلك الحال، بخلاف هذه، ولذلك لو طلب تسليم الحائض وجب تسليمها، ولو طلب تسليم الصغيرة لم يُجَب. وأجيب: بأنَّ الصحيحة لو بذلت الاستمتاع بما دون الوطء لم تجب لها النفقة، فكذلك هذه.

стр. 239

وردت الإجابة: بأن تلك منعت ممَّا يجب عليها، وهذه لا يجب عليها التمكين ممَّا فيه ضرر (١). الترجيح: والراجح هو الأول لقوَّة دليله وضعف دليل القول الآخر.

стр. 240

المبحث الثالث عشر تذكية الحائض ذهب عامة أهل العلم إلى جواز التذكية من المرأة، ولم يفرِّقوا بين حائضٍ وطاهر. فقال ابن المنذر: وأجمعوا على إباحة ذبيحة الصبي والمرأة، إذا أطاقا الذبح، وأتيا على ما يجب أن يؤتى عليه (١). وقال ابن تيمية: وتذبح المرأة وإن كانت حائضًا .. وذكاة المرأة جائزة باتفاق المسلمين (٢). واستدلُّوا: ١ - بما أخرجه البخاري أنَّ جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنمًا بسلع، فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكَّتها بحجر، فسُئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: «كُلُوهَا» (٣). وقال ابن قدامة: وفيه فوائد: الثالثة: إباحة ذبيحة الحائض؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يستفصل (٤). ٢ - ولأنَّ حيضتها ليست في يدها (٥). وقد حكى ابن حزم في الْمُحلَّى وجود الخلاف في ذبيحة الحائض، ولم يُسَمِّ من قال بهذا ولم يذكر دليله (٦).

стр. 241

ولعلَّه يحتج بما رُوي عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «ولا يَذبح ضحاياكم إلاَّ طاهر» (١). وهو مناقش: بأنه إن صحَّ فهو في الكافر، لِما ثبت عنه ﷺ : «إنَّ المؤمن لا ينجس» (٢).

стр. 242

المبحث الرابع عشر في أنه علامة على البلوغ إذا حاضت الجارية كان ذلك علامة على بلوغها، ذهب إليه كافة أهل العلم (١). وقد دلَّ عليه قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائضٍ إلاَّ بخمار» (٢). فأوجب عليها أن تستتر لأجل الحيض، فدلَّ على أنَّ التكليف حصل به (٣).

стр. 243

الفصل الثاني في الأحكام المترتبة على النفاس

стр. 244

في الأحكام المترتبة على النفاس قال أهل العلم: وحُكم دم النفاس حُكم دم الحيض، فيما يجب به ويحرم وما يسقط به عنها (١). قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافًا (٢)، وقال الشربيني بالإجماع (٣)، لأنه دم الحيض، وإنما احتبس لأجل الحمل (٤). وقد استثنى أهل العلم من ذلك ما يلي: الحكم الأول: أنَّ الحيض يوجب البلوغ والنفاس لا يوجبه لثبوته قبله بالإنزال الذي حبلت منه. الحكم الثاني: الاعتداد؛ لأنَّ الاعتداد بالقروء، والنفاس ليس بقروء، ولأنَّ العدة تنقضي بوضع الحمل (٥). الحكم الثالث: أنَّ النفاس لا يحتسب به على المولي، لأنه ليس بمعتاد بخلاف الحيض؛ فإنه يحتسب عليه بمدَّته، ولا يمنع ضرب المدة إذا كان موجودًا وقت الإيلاء.

стр. 245

لأنه لو منع لم يمكن ضرب المدة؛ لأنَّ الحيض في الغالب لا يخلو منه شهر فيؤدِّي ذلك إلى إسقاط حُكم الإيلاء (١). ذهب إلى هذا الشافعية في الأصح (٢)، والحنابلة في أحد الوجهين؛ وهو المذهب (٣). والقول الثاني: أنه كالحيض: وذهب إليه الشافعية في مقابل الأصحَّ (٤)، والحنابلة في الوجه الثاني (٥). قالوا: لأنه بمنزلته في أحكامه (٦). القول الثاني: أنَّ النفاس يقطع التتابع: ذهب إليه الحنفية، والشافعية في مقابل الأصحّ، والحنابلة في الوجه الثاني (٧). قالوا: لأنه فطر أمكن التحرز منه، ولا يتكرَّر في العام، أشبه الفطر لغير عذر. قالوا: ولا يصح قياسه على الحيض؛ لأنه أندر منه (٨).

стр. 246

وقد أضاف إليها بعض الحنفية: أنَّ النفاس لا حدَّ لأقلِّه، بخلاف الحيض، وأنَّ النفاس أكثره أربعون، وأنه لا يحصل به الفصل بين طلاق السنة والبدعة (١).

стр. 247

الفصل الثالث في الأحكام المترتبة على الاستحاضة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في أنَّ حُكمها حُكم الطاهرات. المبحث الثاني: في كيفية تطهُّرها للصلاة. المبحث الثالث: في وطء المستحاضة.

стр. 248

المبحث الأول في أن حُكمها حكم الطاهرات ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ المستحاضة فيما يلزمها من العبادات وتستبيحه من القرب حكم النساء الطاهرات، وأنه لا يثبت لها شيء من أحكام الحيض. وقد نقل ابن جرير وغيره الإجماع على أنها تقرأ القرآن، وأنَّ عليها جميع الفرائض التي على الطاهر (١). وقد رُوي عن إبراهيم النخعي أنها لا تمسُّ مُصحفًا (٢)، ولم أعثر على دليلٍ لِما ذهب إليه إبراهيم. وهو محجوج بالقياس على الصلاة والقراءة (٣).

стр. 249

المبحث الثاني تطهر المستحاضة للصلاة وفيه مطلبان: المطلب الأول: في عمل ما يمنع خروج الدم . المطلب الثاني: فيما يلزمها من التطهر بالماء. المطلب الأول في عمل ما يمنع خروج الدم إذا أرادت المستحاضة التطهُّر للصلاة فإنه يلزمها غسل محلِّ الحدث، ثم شدِّه والتحرُّز من خروج الدم بما يمكنها، فتحشوه بقطنة أو ما أشبهه ليردَّ الدم، لقول النبيِّ ﷺ لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: «.. أنعت لك الكرسف (١)، فإنه يُذهِب الدَّم» (٢). فإن لم يرتد الدم بالقطن ونحوه، استثفرت (٣)، بخرقة، لما في حديث أم سلمة: «لستثفر بثوب» (٤)، وقال لحمنة:

стр. 250

«تلجَّمي» (١) لما قالت: إنه أكثر من ذلك. قال أهل العلم: فإن فعلت ذلك، ثم خرج الدم، فإن كان لرخاوة الشد فعليها إعادة الشدِّ والطهارة (٢)، وإن كان لغلبة الخارج وقوته وكونه لا يمكن شدُّة أكثر من ذلك، لم تبطل الطهارة؛ لأنه لا يمكن التحرُّز منه، فتصلِّي ولو قطَرَ الدم (٣). قالت عائشة: اعتكفتْ مع رسول الله امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة، والطست تحتها وهي تصلِّي (٤). المطلب الثاني فيما يلزم المستحاضة من التطهر بالماء القول الأول: أنَّ عليها أن تغتسل لكلِّ صلاة: إلاَّ أن تؤخِّر الظهر إلى العصر فتصلِّيهما معًا، وكذا المغرب مع العشاء، ثم تغتسل لفجرٍ غُسلاً ثالثًا. ذهب إليه ابن حزم (٥).
следующие страницы →