← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14528

الأسهم - حكمها وآثارها

صالح السلطان

Полный текст (131 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الثالث تصرفات المضاربين في سوق الأسهم

стр. 72

المبحث الثالث تصرفات المضاربين في سوق الأسهم الإسلام بشرائعه وتعاليمه وآدابه جاء مهتما اهتماما بالغا بالجوانب الأخلاقية في حياة الناس وتعاملاتهم وعلاقاتهم. وكانت الآيات القرآنية وكذلك الأحاديث النبوية نبراسا في إظهار هذه الجوانب، والحث على التخلق والالتزام بها؛ مراعاة لسمو الفرد، وتحقيقا للعدل بين أفراد المجتمع، ودفعا للضرر عن الجميع، وتطهيرا للأمة عن الوقوع في المحرم والمشتبه، وظهر هذا الاهتمام والتوجه في ملامح كثيرة منها: ١ - الإيمان وحسن الخلق: أو ما يطلق عليه البعض (١) "الرقابة الذاتية" ... لاسيما فيما يتعلق بالمعاملات؛ فالمسلم يعلم علم اليقين أن الله معه، مطلع على تصرفاته، ولا يخفى عليه شيء من أمره: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]. وقرن الإيمان بالعمل الصالح في آيات كثيرة؛ تجسيدا لمؤشرات

стр. 73

القيم والجوانب الروحية (١)؛ حيث ربطت بين العمل الصالح والإيمان والحياة الطيبة في الدنيا ودخول الجنة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]؛ كما بيَّنت العلاقة بين العمل الصالح والكسب الطيب وأكل الحلال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. والأعمال الصالحة إنما تنشأ عن التقوى - وهي خشية الله ومراقبته، ومن ثم فالمسلم المتعامل في السوق وفي غيره حريص أشد الحرص على تحقيق المصلحة لنفسه ولغيره، وحذر كل الحذر من أن يلحق الضرر بالآخرين؛ فلا غش ولا خداع ولا غبن ولا نجش، بل صدق ونصيحة وأمانة وثقة ووضوح وشفافية. ٢ - المحافظة على الشعائر: فلا ينشغل بتعامله عن أداء الشعائر المكتوبة من صلاة وغيرها: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]. بل يقدم هذه الشعائر، ويجعلها حاضرة في قلبه، منيرة له طريقه في دنياه وأخراه.

стр. 74

٣ - العدل والإحسان: والعدل: هو التسوية في الحقوق بين الناس، وترك الظلم، وإيصال كل ذي حق إلى حقه. والإحسان: تجاوز العدل إلى الفضل (١)؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. قال ابن مسعود: "هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل ولشر يجتنب" (٢). وقال العز بن عبد السلام: (.... أجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها والزجر عن المفاسد بأسرها) (٣). وقال شيخ الإسلام: (فمن العدل فيها ما هو ظاهر يعرفه كل أحد بعقله ... كتحريم تطفيف المكيال والميزان ووجوب الصدق والبيان وتحريم الكذب والخيانة والغش ....) (٤). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (.... ومن العدل في المعاملات أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات بإيفاء ما عليك؛ فلا تبخس لهم حقا، ولا تغشهم، ولا تخدعهم وتظلمهم؛ فالعدل واجب والإحسان فضيلة؛ كنفع الناس بالمال والبدن والعلم وغير ذلك من أنواع النفع) (٥).

стр. 75

٤ - الأمانة: في اللغة ضد الخيانة (١)، وذهب الجمهور إلى أن الأمانة كل شيء يؤتمن الإنسان عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا (٢). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]؛ فالآية ظاهرة في أداء الأمانة عموما، وبمفهومها نهي عن الخيانة؛ أي: خيانة قولية أو فعلية. ٥ - الصدق نقيض الكذب: وقد أمر الشارع بالصدق ورغب فيه وذم الكذب وحذر من عاقبته، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. قال القرطبي: (حق من فهم عن الله وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال؛ فمن كان كذلك لحق بالأبرار، ووصل إلى رضا الغفار؛ قال ﷺ : «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا». والكذب على الضد من ذلك؛ قال ﷺ : «إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» (٣).

стр. 76

وفي مجال المعاملات خاصة حذر الرسول ﷺ من الكذب فقال: «إن التجار هم الفجار»، قيل: يا رسول الله، أوليس قد أحل الله البيع؟ قال: «بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون ويحلفون ويأثمون» (١). وخرج رسول الله ﷺ فرأى الناس يتبايعون فقال: «يا معشر التجار»، فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٢). هذه أبرز ملامح اهتمام الإسلام بأفراده وما ينبغي أن يتصفوا به من الصفات والسمات في شؤون حياتهم في صفاء الفرد ونقائه وتأثيره في تعاملاته مع الآخرين، ومن ثم تحقق السعادة والرخاء والأمن والطمأنينة بين المتعاملين وغيرهم من أفراد المجتمع. وفقدانها أو بعضها يؤثر سلبا بلا شك، ويؤدي إلى التفكك والتشاحن والتناحر والاستئثار وربما الإقصاء والإنهاء، فهل هذه الصفات والسمات التي جاءت بها الشريعة وجعلتها نبراسا للمتعاملين في كل زمان ومكان ومع كل طائفة توجد في سوق التعامل بالأسهم؟! إن المتأمل في حال السوق وفي حال بعض المضاربين يجدها مفقودة أو نادرة، وقد حل محلها ضدها، من الظلم وأكل المال بالباطل والنجش ونشر الأخبار الكاذبة والدعايات المغرضة ... وبيانها كالآتي:

стр. 77

١ - النجش (١): وهذا يحدث كثيرا، وبصورة متعددة ومنظمة تبرز عبر عروض يقدمها من محافظه ومحافظ أخرى يديرها أو يشرف عليها، ويتم تدوير الأسهم فيها موهما غيره من المضاربين بتحرك هذا السهم وقوة الطلب عليه، حتى يرتفع السهم ويقبل صغار المستثمرين بالتهافت عليه فيقوم ببيع أسهمه الكثيرة، وقد يهوى السوق فيقوم بشرائها ... وقد يكون العكس وعبر بث إشاعات مغرضة وكاذبة مخيفة عن سهم معين فيتدافع الناس ببيعه فيقوم بشرائه، أو تكون الإشاعات الكاذبة عن أسباب تؤدي إلى ارتفاعه حتى يقوم ببيع ما يملكه من أسهم ... وصور النجش كثيرة، جماعها رفع السعر أو خفضه من أجل التغرير بالآخرين، حتى يتمكن من البيع أو الشراء، وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «لا تناجشوا» (٢)، وفي حديث ابن عمر ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ عن النجش» (٣). وقال ابن أبي أوفى: الناجش آكل ربا خائن. قال البخاري: وهو خداع باطل، لا يحل. قال النبي ﷺ : «الخديعة في النار، ومن عمل

стр. 78

عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١). ومعنى قول ابن أبي أوفى (الناجش آكل ربا خائن): أي: كآكل الربا في كونه عاصيا، مع علمه بالنهي عن فعله، وخيانته: غشه وخداعه (٢). قال الغزالي: (فهذه المناهي تدل على أنه لا يجوز أن يلبس على البائع والمشتري في سعر الوقت، ويكتم منه أمرا لو علمه لما أقدم على العقد (٣)، ففعل هذا من الغش الحرام المضاد للنصح الواجب) (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : أنه نهى عن النجش وقال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض». وهذا كله دليل على وجوب مراعاة حق المسلم، وترك إضراره بكل، إلا أن يصدر منه أذى، وعلى المنع من نيل الغرض بخديعة المسلم" (٥). وفي صحة العقد مع النجش خلاف، ومذهب الإمام أحمد وطائفة من أهل الحديث بطلانه ورده. وصحح ابن رجب أنه يصح، ويقف على إجازة من حصل له ظلم بذلك، وقاسه على إثبات النبي ﷺ الخيار في المصراة وتلقي الركبان (٦)، وهو مذهب مالك (٧)، وهو قول وجيه، ويتأكد في صور

стр. 79

النجش الحديثة؛ حيث يحدث النجش من العاقد نفسه الذي هو أشد ضررا وأقبح شكلا؛ حيث الكذب والغدر وحصول الضرر المؤكد الذي نتائجه مؤكدة لا تخفى، لكن هل يمكن إثبات هذا الخيار في مثل هذه المعاملات؟ سيما مع عدم وضوح من يمارس النجش، وأنه نجش جماعي في أكثر صوره؛ فالقول ببطلان هذه العقود من باب السياسة الشرعية قول متوجه؛ بل ويتأكد تغريم من يمارس هذا العمل بقدر ما حصل من ضرر للآخرين بسببه؛ قال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (١). ومن القواعد الشرعية: (الضرر يزال)، وإزالة الضرر تكون بتغريمه ما سببه من ضرر مع إيقافه عن التعامل في السوق بيعا وشراء، وبهذا يمكن حماية جميع المتعاملين في السوق، وحفظ حقوقهم وردع المتجاوزين والمتلاعبين. ٢ - الغبن والتغرير والاحتكار: ومن أبرز صوره في المضاربة على الأسهم أن ينفرد بعض المضاربين ببعض الأخبار عن بعض الشركات عن طريق خاص في الشركة، وربما دفع مالا مقابل هذه الأخبار، وهذه الأخبار من قرارات أو أرباح أو خسائر يترتب عليها ارتفاع السهم أو هبوطه، فيشتري أو يبيع بما يتناسب مع هذه الأخبار قبل بلوغها لسائر المتعاملين؛ فيترتب على ذلك أضرار كبيرة بهم، إما غبنا وتغريرا وظلما في حال بيعه ثم هبوط الأسعار؛ بل هذا نوع عيب في المبيع، وقد قال ﷺ :

стр. 80

«المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بينه له» (١). ومن يبيع سهما على غيره وهو يعلم خبرا سيئا أو سلبيا ولا يبينه لمشتري السهم إلا كان كاتما للعيب ... أو يترتب على ذلك غبن وتغرير واحتكار في حال شرائه بثمن بخس، ثم ترتفع الأسعار بعد ظهور هذه الأخبار وانتشارها ... ٣ - وكل ما سبق هو نوع من أنواع الغش والتدليس التي نهى عنها النبي ﷺ ، وحذر منها بقوله: «من غش فليس منا» (٢). ويترتب عليها ظلم الناس، وأكل أموالهم بالباطل؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. قال ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٣). وعقود وجد فيها بعض هذه العيوب: (الغش والنجش، الغبن والتغرير وأكل المال بالباطل ....)، أو وجدت فيها مجتمعة - لاشك في حرمتها؛ بدلالة الكتاب والسنة والإجماع (٤)، فكيف إذا اجتمع معها الربا أو شبهته، وكيف يطيب لمسلم يرجو ما عند الله والدار الآخرة

стр. 81

وينتظر لقاء ربه أن يأكل مالا اكتسبه بهذه الطرق، ويؤكله غيره ممن تحت ولايته. قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾». ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» (١). إن المنهج الإسلامي للاستثمار يقوم على استعمال الأموال فيما يحقق مصالح الناس، ويزيد من تمتعهم بالطيبات كمًّا ونوعا، ولا يقوم على مجرد الاسترباح مهما كان هدفه وأيا كان موضوعه (٢). وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]. * * * * *

стр. 82

المبحث الرابع حقيقة المضاربة في سوق الأسهم

стр. 83

المبحث الرابع حقيقة المضاربة في سوق الأسهم المتابع للتعاملات التي تجري في سوق الأسهم يتبادر إليه مجموعة من الاستفسارات والإيرادات منها: الأول: هل يوجد بالفعل تلك السيولة ـ التي أرقامها فلكية ـ تريليونات تغطي هذه الأسهم؟ أم هي مجرد أرقام، وكأنه بيع لأسهم في الهواء لا حقيقة لها؟ وهل توجد هذه الأموال في البنوك التي يتم عن طريقها تداول الأسهم؟ فلو طلب باعة هذه الأسهم تحويل هذه القيمة الكبيرة إلى حساباتهم فهل هذا ممكن؟ أم أنه مجرد تدوير بأموال لا وجود لها؟ وإذا كانت هذه الأموال لا وجود لها، فما حكم تبايع تلك الأسهم التي هي محل العقد بأموال لا وجود لها؟! الثاني: الأسهم التي تتم عليها عمليات المضاربة (١)، هل هي تمثل بالفعل جزءا من موجودات الشركة، أم هي ورقة مستقلة منسوبة لتلك الشركة؟ فما هو رصيد هذه الورقة في الواقع؟ لابد من التفريق بين أسهم الاستثمار - فهي تمثل جزءا من موجودات الشركة وأصولها - وبين أسهم المضاربة التي هي محل خلاف قوي، ويقوي القول بأنها ورقة مالية مستقلة (٢) ما يلي:

стр. 84

١ - واقع المضاربة عليها؛ فالمضارب قد لا يعرف شيئا عن الشركة، ولا عن ميزانياتها وأرباحها وخسائرها ومركزها المالي. ٢ - ما يحدث من مضاربات حادة وبأسعار مرتفعة على أسهم شركات تظهر ميزانياتها بطء في تقدمها، وقد تظهر خسائر متكررة، وقد يكون العكس؛ فتجد ضعفا في التداول، وكسادا على أسهم شركات قوية في نشاطاتها وميزانياتها، وتحقق أرباحا متكررة وبنسب جيدة، وقد ينعكس الحال فجأة في التداول، وقد يكون خلال لحظات، وواقع التداول في سوق الأسهم شاهد قوي على ذلك. وإذا كان التخريج على أنها ورقة مالية قوي، فهل لهذه الورقة حقيقة؛ بمعنى: هل المعقود عليه له مالية محسوسة؟ أليس هذا يشبه إلى حد كبير البيع على المؤشر المجمع على تحريمه؟ ٣ - أن المضارب على هذه الأسهم لا تعنيه الشركة لا من قريب ولا من بعيد؛ وإنما يعنيه المضاربة على السهم بعيدا عن كل شيء. وإذا كان كذلك، فإنه قد يقوي قول من يقول أن التعامل حقيقة إنما هو بقيمة هذه الورقة وثمنها ليس إلا، وأن العملية لا تعدو أن تكون متاجرة بأثمانها، وهذه الورقة مجرد غطاء لهذه العملية، والعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني. وإذا كان كذلك فهل شروط تبادل الأثمان متحققة؟ الثالث: السوق بدأ بطريقة غير نزيهة يغلب عليها الخداع في رفع المؤشرات وهبوطها (١)؛ فالارتفاع ليس لعوامل طبيعية ـ كما يحدث في سائر المبادلات التجارية المبنية على العرض والطلب غالبا ـ بل لعوامل

стр. 85

غائبة مجهولة لدى الكثير، ولاسيما الصغار، وهي في غاية الخطورة (١)، ودائما أيدي صغار المساهمين على قلوبهم - كما يقال ـ من أي هبوط حاد لا يتمكنون معه من إجراء أي عملية بيع؛ فهو على مخاطرة كبيرة قد تذهب بأمواله أو جُلِّها في أي لحظة (٢). وهذا فيه جمع بين الغرر، وفيه شبه كبير جدا بالقمار؛ نظرا لعظم المخاطرة فيه، والتي يبقى فيها دائما على خطر أن يغنم أو يغرم غرامة كبيرة (٣). ولهذه المحاذير وغيرها مال بعض فقهاء العصر فيها إلى المنع، منهم الدكتور الصديق الضرير (٤) عضو مجمع الفقه الإسلامي بجدة؛ بل إن الشيخ عبد الله بن منيع كتب مقالا في موقع الإسلام اليوم بتاريخ ١٠/ ٣/١٤٢٧هـ يقطر أسى ومرارة من واقع المضاربة وتأثيره على الأفراد والاقتصاد يوحي بأنه يميل إلى المنع منها. قد يكون الكثير غافلًا في خضم هذا التداول المحموم على الأسهم عن مثل هذه الطروحات، وأحيانا قد لا يريد أن يسمعها، ولا يريد أن يسمع إلا من يقول افعل ولا حرج، ولو غير هذا الذي أفتاه رأيه لتنكر عليه وعلى آرائه، واستمر على قوله الذي تركه، أو بحث وتعلق بأي شيء قد يدل على الجواز.

стр. 86

(والسؤال الذي ينبغي الإجابة عليه هو: هل تتفق المجازفة على أسعار الأسهم مع المنهج الإسلامي في الاستثمار؟ وهل يقبل الشرع الحنيف الاسترباح بهذا النوع من العمل غير المنتج؟ وهل ينبغي التمييز بين الاستثمار الصحيح في الأسهم وبين استعمال المال عبثا في المجازفة على أسعارها؟ وبالتالي هل ينبغي وضع قيود على أسواق الأسهم بحيث تقتصر المبايعات على أولئك الذي يرغبون في الاستثمار بالمعنى الذي يؤدي إلى إنتاج الطيبات والمنافع ....) (١) اهـ. إن معاملة تشوبها هذه الشوائب وتحيط بها من كل جانب، حريٌّ بكل مسلم اجتنابها (٢)، وباقتصادنا التطهر منها، أو ضبطها بضوابط الشرع وأصوله، وعلى جهات البحث العلمي من مراكز ومجامع فقهية أن تقوم بواجبها في دراسة هذه النازلة، وإبداء الرأي الجماعي فيها بدلا من آراء فردية قد يعتريها ما يعتريها من القصور، وقد تكون مثل هذه الطروحات بداية لتفكير جاد في دراسة جماعية متكاملة. * * * * *

стр. 87

المبحث الخامس آثار المضاربة على الأسهم

стр. 88

المبحث الخامس آثار المضاربة على الأسهم سوق الأسهم السعودية يعتبر من الأسواق التي نمت نموا سريعا خلال فترات متقاربة، حتى صار في مصاف الأسواق العالمية من حيث المبالغ العالية والصفقات التي تم ويتم إبرامها في تداولات السوق. وبالرغم من هذا النمو الكبير إلا أن هذا الصعود المتسارع أثَّر سلبا في مجالات متعددة كان تأثيرها كبيرا وخطيرا؛ فعلى الجانب الاقتصادي ظهرت آثاره السلبية في عدة جوانب، منها: تقليص حجم الأموال الموجَّهة للاستثمارات المباشرة: وهذا ظاهر في ركود النشاط الصناعي والزراعي بل والتجاري، والتوسع فيه؛ فقبل فترة كنت تطالع عبر وسائل الإعلام ودوريات وزارة التجارة والغرف التجارية والصناعية الكثير من المشاريع الجديدة، أو التوسع في مشاريع قائمة يكون إنتاجها مؤثرا في زيادة الناتج القومي للبلد والمنافسة الخارجية في المنتجات والاستغناء عن الاستيراد، أو التقليل منه عبر مشاريع صناعية وزراعية وتجارية صغيرة وكبيرة؛ فأين هذه المشاريع الآن؟! وأين ما كنا نرجو من أن تستوعب هذه المشاريع الأيدي العاملة التي تعاني من بطالة مقنعة، وكنا نرجو أن توفر هذه المشاريع آلاف الفرص الوظيفية للباحثين عنها من كوادرنا الوظيفية القادرة، والتي أصيبت بخيبة أمل مع هذا التوجه الجامح للمضاربة على الأسهم، في

стр. 89

ظل صمت من الجميع عن التوعية بهذه المخاطر التي لم يفق الناس من هولها وصدمتها إلا بعد حلولها. حينها بدأ التفكير في معالجة آثارها والتوعية بها! بل وأين المشاريع الرائدة المرجو التوسع فيها في مجال العقار في تشييد المساكن في أرجاء الوطن التي صار قلتها وشُحُّها ظاهرة بعد أن وجهت أموال كل هذه المشاريع للمضاربة في الأسهم طمعا في معدلات ربحية عالية في أوقات قصيرة. وهذا كله ـ بلا شك ـ أثَّر على حيوية ونمو الاقتصاد الوطني حين تعطلت المسارات المنتجة التي لها قيمة مضافة للناتج المحلي. متطلبات التنمية المختلفة وأثر المضاربة: المتابع للتداولات اليومية يشاهد مليارات الريالات يتم تداولها يوميا، والغرض من هذه التداولات جني أرباح آنية ليس إلا، وليس لهذه التداولات أي مردود إيجابي أو قيمة مضافة للناتج المحلي؛ بل هي معوِّق من معوقاته كما تقدم. تمويل الأغراض التنموية: إن اتجاه شريحة من المضاربين وأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة للمضاربة في بورصة الأسهم المحلية ذات المردود المضطرب أضعف بشكل ظاهر وبيِّن من توفير التمويلات اللازمة لإنشاء الشركات، أو النهوض بها وتطوير خططها الإنتاجية واستراتيجياتها بعيدة المدى التي تخدم حقيقة أغراض التنمية بكل أشكالها ومظاهرها، وتحقَّق ـ في نفس الوقت ـ التصحيح المطلوب في السوق؛ وذلك بالتوازن في المنتجات بين العرض والطلب؛ مما يحدُّ قطعا من التضخم الذي هو أحد عوامل الضعف الاقتصادي والهيمنة من الآخرين.

стр. 90

من واقع نتائج مؤشرات سوق المال السعودي - بل والخليجي - وتسارع مواطني هذه الدول في دخول السوق بعيدا عن الخبرة في التداول، ومع الهزات المتكررة التي حصلت في هذه الأسواق - ظهرت صور وأرقام مخيفة بل ومدمرة (١) في سقوط الكثير من صغار المستثمرين والقضاء على أموالهم، وتكدُّس الأموال في أيدي قلة من المستثمرين، وهذا ـ بلا شك ـ خلاف المنهج الرباني؛ وهو أن المال دولة بين الناس، وليس بين شريحة معينة؛ كما قال تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. قال ابن الجوزي في تفسيره (٢): (والمعنى: لئلا يتداوله الأغنياء بينهم، فيغلبوا الفقراء عليه). وقال أبو السعود (٣): (كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم يتكاثرون به ...). وتجمُّع الأموال وتكدُّسها في يد قلَّة يؤدي إلى خلل في التركيبة الاقتصادية، يكون وَقْعُها وأثرُها سيئًا على التركيبة الاجتماعية؛ حيث تتجلَّى الطبقية في أسوء صورها؛ حيث يشعر أولئك الذين خسروا أموالهم أن هؤلاء هم سبب مصيبتهم، وما آل إليه حالهم، وهذا مما يولد الكره تجاه الآخر وظهور التفكك في المجتمع. في ظل غياب مفهوم الوعي لدى الشركات عن الهدف الأسمى من إنشائها؛ وهو النهوض بواجباتها في تدفق إنتاجها إلى الأسواق، والحرص على التنافس في الجودة وكب سوق محلية وعالمية في هذا المنتج.

стр. 91

وفي ظل غياب الرقابة المسؤولة عن هذه المتابعة والمحاسبة على ذلك عمد كثير من الشركات إلى إيقاف نشاطها الرئيس أو تقليله أو إيقاف مشاريع توسعية واستثمار أموال الشركة ـ المعدة للإنتاج أصلا ـ في سوق الأسهم؛ نتيجة انبهار بمكاسب خيالية في السوق ربما تعادل مكاسب سنين - بل عقود ـ لو استثمرت في نشاط الشركة الأصلي، وهذا كان له تأثيره السيئ من جهة ضعف أو تباطؤ نشاط الشركة الأصلي صناعيا كان أو زراعيا أو غير ذلك، وهذا طبعا يؤدي إلى اختلال الميزان التجاري للدولة عموما بين صادراتها ووارداتها، وهو تأثير سلبي بلا شك. وهذا مع الأسف عَكْسُ ما يحدث عند غيرنا حينما تستخدم الأسواق لتوفير السيولة النقدية لبناء شركات إنتاجية ومشاريع مثمرة؛ فضلًا عن إلغاء لوظائف يمكن أن تساهم في حل مشكلة البطالة لو كانت هذه الوظائف موجودة، ومن جهة أخرى أدى إلى تدفقات نقدية هائلة سَبَّبَتْ ضغطا في مضاربات السوق كان ضحيتها في الغالب صغار المستثمرين. وكذلك حينما استثمرت الفائض من أموالها، أو جزءا من المُعدِّ للاستثمار في شراء أو تأسيس شركات أخرى؛ فأدى ذلك إلى حرمان المواطنين وتفويت الفرص عليهم في الاستثمار في هذه الشركات. ومن هنا فلابد للجهات المسؤولة من منع هذه الازدواجية في الاستثمار، وقصر استثمار كل شركة في مجال نشاطها حتى تكون النتائج إيجابية للجميع وللسوق المحلية والاقتصاد الوطني. ما حصل من دخول الشركات في سوق الأسهم ـ وهو غير مجال نشاطها ـ ربما يعرضها إلى خسائر كبيرة ـ كما حصل لبعضها ـ وهذا يؤدي إلى فقد الثقة بها، والنتيجة خسارة المساهمين في حال هبوط سعر

стр. 92

السهم، أو عجزها، أو ضعفها في مجال إنتاجها، وربما أدى ذلك إلى تراكم ديون تثقل كاهلها، أو تؤدي إلى إفلاسها. ومع هذه الزيادة الضخمة في حجم التداول وقتا بعد آخر إلا أن هذه الزيادة لا يقابلها زيادة تذكر في عدد الشركات المدرجة في السوق؛ بمعنى أن الأمر لا يعدو أن يكون تدويرا لأسهم هذه الشركات (١) من خلال ضخِّ أموال إضافية تنسحب من قنوات استثمارية أخرى، وهذا خطير جدا؛ فضلا عن إمكانية احتواء المضاربة في السوق من قبل فئة تستطيع التحكم في المضاربة فيه، وهذا شيء طبيعي مع قلة الشركات، والتلاعب بأسعار أسهمها صعودا ونزولا في ظل غيبة رقابة صحيحة واعية صادقة، وفي ظل عدم استراتيجية مدركة لمعنى تعدُّد الشركات وسن تشريعات تزيد في تعقيد إجراءات تسجيلها وعدم تسريعه (٢). ولعل في الأسواق العالمية خير شاهد على ما ذكرنا؛ حيث آلاف الشركات المدرجات في بورصاتها، والتي استقطبت المستثمرين من كل

стр. 93

جهة في ظل رقابة صارمة، وشفافية عالية، وإجراءات مرنة واضحة. هذه جملة من آثار المضاربة الاقتصادية. وأما آثارها الاجتماعية فمن أبرزها: - البطالة - كما تقدم الإشارة إلى شيء من ذلك - نتيجة توجيه الأموال إلى سوق الأسهم؛ فأدى ذلك إلى قلة أو ندرة الأعمال والوظائف في الشركات والمؤسسات؛ نظرا لتوقف التوسع في تأسيسها، أو تأجيل بعض خططها التوسعية التي تستوعب الكثير من الأفراد، أو وقف بعض أنشطتها وضخ الفائض من أموالها في هذا السوق. ووجود البطالة في المجتمع وارتفاع نسبته له آثاره السلبية الخطيرة في حياة أفراده وسلوكياتهم وأمن المجتمع. - الإخلال بالأعمال الوظيفية القائمة في القطاعين العام والخاص؛ نتيجة المتابعة المستمرة لسوق الأسهم من شريحة كبيرة من الموظفين، حتى لا تكاد تراجع دائرة إلا وتجد فيها من يتابع هذا السوق. وهذا أَثَّرَ سلبًا في الأداء الوظيفي، فأدى إلى اهتزازه؛ مع ما يترتب على ذلك من تأخير في إنجاز الأعمال والحقوق المناطة بالموظف، وهذا بلا شك يؤدي إلى خسائر اقتصادية للدولة والمواطن؛ فضلا عما يشعر به المراجع من أسى نفسي من هذا الواقع. ومن حيث كسب الموظف المتابع للسوق فإنه يشوبه ما يشوبه من الإثم والحرمة نتيجة إخلاله وتفريطه، ولا يخفى ما يترتب على الكسب المحرم من بعد وانقطاع للصلة بين العبد وربه، وبالتالي أزمات مختلفة، مع حرمان من سعادة حقيقية ينالها الناصحون البعيدون عن المحرمات والمتشابهات. - سقوط كثير من أفراد المجتمع من صغار المستثمرين وغيرهم؛

стр. 94

نتيجة عدم وعي لحقيقة السوق ومخاطره وطريقة التعامل فيه، مع ما يحصل من مضاربات غير نزيهة مصحوبة بأعمال غير أخلاقية من نجش وإشاعة (١) لأخبار كاذبة موهمة بارتفاع أو هبوط. كل ذلك أدَّى إلى خسائر فادحة لكثيرين (٢)، أو ما يسمى (بانكسارهم) في هذا السوق، ترتب عليه تراكم ديون كبيرة على أسر كثيرة، ساعد على ذلك تمويلات بنكية جشعة غير مدروسة أو عابئة بنتائجها على المجتمع، همُّها تحقيق أرباح مضمونة دون مخاطر. ثم القيام ـ وبسرعة ـ بتسييل هذه المحافظ؛ حفاظا على حقوقهم؛ زعموا فأدى ذلك مع تلك الخسائر إلى هبوط حاد في سوق الأسهم، وتلك مصيبة أخرى؛ ناهيك أن بعض هؤلاء المستثمرين ربما قد باع كلٌّ ما يملك من مسكن أو مركب أو حُلِيٍّ؛ طمعًا فيما يراه من وهج الأسهم وأرباحها العالية، فأصبح بلا شيء بعد أن كان يملك كل شيء؟!

стр. 95

وأصبح أسير ديون استحوذت على حيز كبير من مدخلاته بعد أن أجهزت على أملاكه ومدخراته (١) (٢)، وإن كانوا يتحملون جزءا مما حصل لهم نتيجة قراراتهم الخاطئة وغير المدروسة.

стр. 96

- ونتيجة طبيعية لهذه الخسائر والديون: أزمات صحية خطيرة ونفسية؛ نتج عن بعضها وفيات وأمراض وعاهات مستديمة، وقد يصاحبها ضعف للإيمان وعدم علم ووعي بحقائق القدر والابتلاء وهنا يعظم المصاب. وهذا كله له أثره السيئ على الفرد وأسرته، وينعكس سلبا على المجتمع الذي يعيش فيه، وربما صار عالة متسوِّلًا بعد أن كان باذلا منتجًا. - الظهور السريع للبعض أدَّى إلى اختلال في النظرة للحياة وكيفية التعامل مع الغير القريب والبعيد، وظهور النظرة الاستعلائية تجاه الآخر، وربما الطبقية. في جريدة الرياض (١) في تقرير للكاتب محمود المهيني: " ... أصدقاؤك الذين قضوا أعواما طويلة وهم يبحثون عمن يقرضهم ... آخر الشهر أصبحت أرصدتهم تضم خمسة أو ستة أرقام، هذا ليس بالشيء القليل، وعلى الأقل أنهم لم يعودوا يتعاملون معك، أو لن تتعامل معهم كما في السابق، دائرتك الصغيرة ستختض وتنقلب على رأسها، وهذا ما بدا يشعر به الكثير من الناس؛ سواء مع أصدقائهم أو حتى مع أنفسهم". وأما آثارها الشرعية: - فقد ظهرت جلية في تغير سلوكيات البعض، وفي التفريط في أداء العبادات وفقدان الخشوع وحضور القلب؛ حيث اشتغل بالأسهم، وهذا أمر خطير والوسيلة إلى الحرام حرام. - التساهل في الحلال والحرام، وهذا ظاهر في المضاربة في أسهم شركات محرمة مجمع على تحريمها، أو مختلطة، وأين الورع والبعد عن

стр. 97

المتشابهات، فضلا عما يحدث من البعض من نجش وغبن وإشاعات كاذبة ترتب عليها أضرار فادحة كما تقدم، وقد قال ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (١)، «من غش فليس منا» (٢). الإخلال بالأعمال الواجبة من وظائف خاصة وعامة كما تقدم، وما يترتب على ذلك من كسب حرام .. هذه بعض آثار المضاربة في سوق الأسهم، وهي بلا شك آثار سلبية على الفرد والمجتمع؛ بل وعلى اقتصاد البلد ككل، وهذا ضررٌ بَيِّنٌ وظاهرٌ ومفاسده غالبةٌ جليةٌ .. ومن القواعد العامة "أن الضررَ يُزالُ"، فكيف إذا كان متعلقا بمصلحة الأمة، ويتعلق باقتصادها الذي هو عصب حياتها بعد إيمانها (٣). ومن ثَمَّ فلابدَّ من وقفة مع هذه المخرَجات التي أفرزتها هذه المضاربات، وتقييمها وفق مبادئ عامة مبنيَّةٍ على درء المفاسد وجلب المصالح شرعيا واقتصاديا واجتماعيا .. وهل يصح بالأمة ويليق بها أن تسير في اتجاه يؤدي إلى تدويل المال في فئة قليلة على حساب الكثرة الكاثرة منها بعيدا عن الضوابط الشرعية والأخلاق المرعية! وعلى الجهات الرسمية أن تقوم بواجبها في ضبط هذه المضاربات وتقويمها وتحديدها بما لا يتعارض مع المصالح العامة للفرد وللوطن، والعمل على تنمية الموارد الاستثمارية الأخرى وتشجيعها وزيادة الحوافز

стр. 98

على الإنتاج والاستثمار (١). إن ترك الأمر على ما هو عليه مع ظهور هذه السلبيات الكثيرة يقوي قول من قال من علماء العصر بالمنع من هذه المضاربات؛ إعمالا لقواعد الضرر ودرء المفاسد. ومن ثم فلابد لعلماء الأمة ومجامعها الفقهية من دراسة لكافة جوانبها، واستكتاب المختصين من علماء الشريعة والاقتصاد والقانون، وعقد الندوات المستمرة، والخروج بنتيجة مؤصلة ظاهرة لا لبس فيها. وقد صدرت قرارات من مجمع الفقه الإسلامي ـ بجدة ـ بعد بحوث ودراسات كتبها وناقشها جمع من علماء العصر في الفقه والاقتصاد من دول إسلامية عدة بعنوان (الأسواق المالية الإسلامية)؛ فلابد من تفعيل هذه القرارات وغيرها، وجعلها منطلقا لهذا الغرض، وتطوير ما يحتاج إلى تطوير في ضوء ما يستجد من معاملات وأحداث. وليس بالضرورة إذا أردنا أن نتطور أن نكون نسخة من الغرب أو الشرق في تشريعاتنا وتنظيماتنا؛ فلنا تميزنا في أصولنا وقيمنا، وهي الضمان بإذن الله لتطورنا وتقدمنا، وتحقيق العدالة والشفافية في أسواقنا. * * * * *

стр. 99

ملحق خاص .. في بحث للأستاذ إبراهيم السكران بعنوان (الأسهم المختلطة) ذكر قسما نَقَدَ فيه نظريةَ الأسهم النقية، وأعتقد أنه وُفِّقَ فيه كثيرا. ثم انتقل إلى الأسهم المختلطة وبَيَّنَ فيها أقوال المعاصرين فيها. ثم ذكر أنه لا يمكن الفصل فيها إلا بتحرير أصل شرعي؛ وهو العلاقة بين أصحاب الأموال المختلطة مثل التاجر الكافر ... وذكر أنه قد حصل خلط بين ثلاث مراتب متفاوتة الأحكام والآثار، وهي مرتبة (عموم المعاملة) ومرتبة (المشاركة بالحصة) ومرتبة (المشاركة بالتصرف)، وهذا أدى إلى عدم تصور دقيق لأصل الخلاف في المسألة، ثم أفاض في أقوال الفقهاء في هذه المراتب. وقد أجاد في مرتبة (عموم المعاملة)، وكذلك في مرتبة (المشاركة في الحصة)، وذكر أنه لا يلزم من الجواز فيهما الجواز في المساهمة في الشركات المختلطة؛ لأن مركز مناطات الفريق الذي يرى التحريم مرتبطٌ أساسًا بمرتبة (المشاركة بالتصرف)، وليس المشاركة بالحصة ولا عموم المعاملة. وقد أجاد في هاتين المرتبتين: وفي مرتبة (المشاركة بالتصرف) نقل نصوصًا عن الفقهاء تدل على جواز المشاركة في الأصل أو المنع منها وجوازها إذا وقعت، ثم ذكر أن الشركات المختلطة في هذا العصر تنتمي إلى هذه المرتبة وتدخل تحت قول هؤلاء المجيزين.

стр. 100

وهنا بعض الملاحظات على ما ذكره في هذه المرتبة: ١ - كل النصوص التي ذكرها ليس فيها أن الشريك الذمي ونحوه يرابي بأموال الشركة ويأخذ عليها ربا (فائدة)، أو يقترض على الشركة ويدفع فائدة؛ بل ليس فيها أنه يجوز الدخول معه إن كان يعلم أنه يرابي بأموال الشركة. ففي الاستشهاد بها تحميل لها بما لا تحتمله ولا يقوله أولئك الفقهاء أصلا، وهم الذين يسدون كل الذرائع الموصلة للربا كما هو المشهور عن المالكية والحنابلة. - ويقول: ويلاحظ المتابع لبعض الدراسات الفقهية في هذا الموضوع أنها تسوق أدلة القول الذي رأى الإباحة والقواعد الفقهية التي اتكأ عليها ثم تناقشها ... وفي تقديري أن المفترض كان يجب أن يكون عكس ذلك تماما ... بمعنى أن تكون المناقشة أساسا لأدلة الفريق الذي رأى المنع، فإذا صحت أدلته ثبت التحريم، وإن ضعفت أدلته بقيت الإباحة على ما كانت عليه؛ لعدم وجود الدليل الذي يطيق رفعها عن الأصل. والمستند الجوهري الذي تنطلق منه هذه الرؤية المنهجية هي أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة؛ وهذا يعني أن من رأى إباحة معاملة من المعاملات فإنه لا يطالب بالدليل؛ لأنه باق على الأصل، وإنما يطالب فقط الإجابة الصحيحة على أدلة التحريم؛ لأنها الناقلة عن الأصل. وأقول: إن هذا غريب منه من وجهين: ١ - هل يعتقد أن ما انتبه له خفي على كل أولئك الفقهاء المعاصرين في تلك الهيئات والمجامع؟ ٢ - أن ذلك الأصل الذي ذكره لا خلاف فيه؛ ولكنه عند الجميع في المعاملات المباحة. وأما المعاملات الربوية فالأصل فيها التحريم ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، والعقود

стр. 101

الربوية التي تجري في تلك الشركات لاشك أن الأصل فيها التحريم وأنها عقود فاسدة كما تقدم في أدلة القول الأول، وهي عقود أثَّرت في مالية تلك الشركات، ونصوص المنع من الربا مطلقا قليله وكثيره صريحة قطعية في الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ فمن قال بالتحريم فقد مشى على هذا الأصل. ومن ثم فإن تلك المنهجية التي سلكها الفقهاء المعاصرون هي المنهجية الصحيحة ... فأعتقد أن الباحث التبس عليه الأمر، وهذا الالتباس ناشئ من الالتباس الذي وقع فيه في فهمه لنصوص الفقهاء المتقدمة، والتي تقدم الجواب على عدم دلالتها على ما ذكره من الجواز، وإلا فما فائدة ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ إذا قلنا أن الأصل في المعاملات الحل، ولو كان فيها عقود ربوية مقصودة ومتأصلة فيها؟! ومن هذا المنطلق رأى أن قولَ من يقول بالإباحة في القسم المختلط من الشركات ليس في حاجة إلى استدلال؛ لأن معهم الأصل، وإنما الذي يحتاج إلى الاستدلال من يقول بالتحريم؛ لأنه مخالف للأصل، ثم ذكر عشرة اعتراضات للمحرمين وأجاب عليها: ١ - الاعتراض الأول: أنه تجوز المعاملة دون المشاركة؛ لأن المشاركة من الإعانة على الإثم؛ أما عموم المعاملة كالمبايعة والمؤاجرة والمهاداة فليس فيها إعانة على الإثم والعدوان. ٢ - الاعتراض الثاني: أن مُدَرَاءَ الشركة المختلطة قد ثبت أنهم ممن لا يتحرز عن المعاملات المحرمة تمويلا أو استثمارا أو نشاطا، وعليه فلا يجوز مشاركتهم طالما كانوا بهذه الصفة؛ لأن مشاركتهم ذريعة غالبة للمال المحرم. ٣ - الاعتراض الثالث: أنه حتى لو قلنا بمشروعية مشاركة غير المسلمين، فإن ذلك عائد إلى أن المعاملات المحظورة التي يمارسونها

стр. 102

هي مما يجوز لهم في شرعهم، ولذلك فلا بأس بمشاركتهم فيها؛ كما أباح لنا الشارع ذبائح أهل الكتاب بالرغم من أنه يغلب عليهم ترك التسمية الشرعية، ولذلك فلا يجوز قياس المسلم المقصر على الكتابي. ٤ - الاعتراض الرابع: أن المساهم شريكٌ، وعليه فإنه يكون موكَّلًا، وتكون إدارة الشركة وكيلًا عنه؛ لأن مبنى المشاركة على الوكالة، وبالتالي فإن الأموال المحظورة اليسيرة التي تسربت إلى الشركة تنسب شرعا وفقها إلى المساهم ويعتبر مقرا لها وراضيا بها؛ لأنها من تصرفات وكيله، حتى ولو تخلص من نسبتها. ٥ - الاعتراض الخامس: أن الشريعة لا تفرِّق في المال الحرام بين الكثير والقليل، ولا بين المستقبل والتابع؛ بل إذا اختلط الحلال بالحرام فإنه يجب اجتنابه كله، كما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه» (١). ٦ - الاعتراض السادس: أنَّ النصوصَ المنقولة عن الفقهاء في التفريق بين الكثير والقليل، أو بين المستقل والتابع، إنما يعنون بها ما مضى من الأموال السابقة لا فيما يستقبل منها، أو بمعنى آخر: إنما يفرق الفقهاء بين الكثير والقليل في (المعاملات السالفة) وليس (المعاملات المستأنفة). ٧ - الاعتراض السابع: أن المال الحرام غالبٌ على قيمة السهم؛ لأن قيمة السهم تعتمد بشكل أساسي على إيراداته، وإيراداته تعتمد بشكل أساسي على التمويلات الربوية، وعليه فإن قيمة السهم مرتبطة ارتباطا تامًّا بالمال المحرم، ومنعكسة عنه وصادرة منه. ٨ - الاعتراض الثامن: أن الأرباح المحرمة شائعة في أموال

стр. 103

الشركة، وعلى ذلك فلا يستطيع الإنسان أن يتخلص من العنصر المحرم في الإيرادات أصلا إذ لا يمكن إخراج نظيرها من كل وجه. ٩ - الاعتراض التاسع: أنه حتى لو تخلص الإنسان من النسبة اليسيرة المحرمة في آخر قائمة مالية، فإنه لا يستطيع أن يتخلص من النسبة المحرمة في القوائم المالية السابقة. ١٠ - الاعتراض العاشر: أن المصلحة المفترضة في المشاركة في هذه الشركات المساهمة هي مصلحة ملغاة وغير مرعية؛ لأنه لم يشهد الشارع لجنسها بالاعتبار؛ فلم يُعهد من الشارع أن تسامح في يسير من المال الحرام رعاية لمصلحة أخرى. وسنحاول فيما يلي تحليل ومناقشة هذه الاعتراضات العشرة فيما يلي: مناقشة الاعتراض الأول هذا الاعتراض الذي مضمونه التفريق بين المعاملة والمشاركة؛ بحيث يجوز مثلا معاوضة صاحب المال المختلط بثمن البيع، وأجرة المنفعة، وعمولة الوكالة، أو قبول الهدايا والهبات، دون مشاركته في مال الشركة؛ لأنه من الإعانة على الإثم والمساعدة على المعصية - في تقديري أنه اجتهاد غير دقيق؛ لعدم اطراد مناطه؛ ذلك أن مطلق المعاملة يتضمن معنى المعاونة أيضا ... ويجاب: بأنه ليس هذا مناط التفريق؛ بل مناط التفريق أنه في المشاركة مالك الأسهم وكيل عن صاحبه، فكل تصرف في الشركة من عقود جائزة أو محرمة فهي منسوبة إليه؛ كما قال ابن قدامة: وهذا النص عنه قد استدللت به؛ فيلزم الاستدلال بجميع ما فيه. قال: (فأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو

стр. 104

المضاربة، فإنه يقع فاسدا، وعليه الضمان؛ لأن عقدَ الوكيل يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير، فأشبه ما لو اشترى به ميتة أو عامل بالربا). مناقشة الاعتراض الثاني أما الاعتراض الثاني الذي مضمونه أن مُدَرَاءَ الشركة لا يتحرزون عن المعاملات المحرمة - وعليه فإنه لا يجوز مشاركتهم - فهو اعتراض غير دقيق؛ ذلك أنه من المستقر في نصوص الشريعة أن اليهود من أكثر الناس استحلالا للربا وأكل المال بغير طرقه الشرعية كالقمار والخمور والرشوة والغش والاحتيال وغيرها، وقد عاملهم النبي ﷺ وشاركهم في خيبر ... فهذا دليل على جواز المشاركة، وقد تقدم الجواب عن هذه المشاركة وأنه لا دلالة فيها من ثلاثة وجوه (١). مناقشة الاعتراض الثالث أما الاعتراض الثالث الذي مضمونه أنه إنما جازت مشاركة اليهودي لأنه يستحل هذه الأموال المحرمة ويتأول جوازها، فالشريك اليهودي يرى أن أموال الربا والقمار ونحوها أموال مباحة، وهذا بخلاف الشريك المسلم المنتهك لهذه الأموال؛ لأنه يعتبرها حراما، وعليه فلا يجوز قياس الشريك المسلم المرابي المحرم عليه الربا على الشريك اليهودي المرابي الذي يستبيح الربا؛ ففي تقديري أن هذا اعتراض فاسد من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن الربا لم يبح لليهود أصلا؛ بل هم منهيون عنه، كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾.

стр. 105

ويجاب بأنه لم يذكر من قال بهذا الاعتراض، وأظنه اعتراضا افتراضيا؛ فإنه لا يقول به أحد، بل هو مبني على ما فهمه من صحة مشاركة اليهودي المرابي، وهو فهم غير دقيق ـ كما تقدم؛ فإنه ليس في تلك النصوص جواز مشاركة من يرابي بأموال الشركة ـ يهوديا أو غير يهودي - بل فيها الدلالة على فساد تلك العقود؟! قال ابن القيم (١): "وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم جاز لهم شركتهم في ثمنه، وثمنه حلال؛ لاعتقادهم حله، وما باعوه واشتروه بمال الشركة؛ فالعقد فيه فاسد؛ فإن الشريك وكيل والعقد يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير". فهل العقود الربوية التي تجريها هذه الشركات المختلطة عقود فاسدة وملغاة أم أنها صحيحة عنده ومعتبرة، مع ملاحظة أن النصوص المنقولة عن الفقهاء فيما إذا كانت الشركة قائمة وطرأت عليها مثل هذه المعاملات المحرمة، وليست في الدخول في شركات يعلم أنها تمارس عقودا محرمة - مجمع على تحريمها؛ فإنه لم يرد عن الفقهاء نص بجواز الدخول فيها؟ ثم قال: الوجه الثاني: أنه إن كان قد جاز التسامح مع الشريك الكتابي لأنه يتأول في دينه جواز فوائد الربا وإيرادات الخمور وصفقات القمار وأثمان الخنازير، فإنه من باب أولى أن يجوز التسامح مع المسلمين المتأولين للأموال المحظورة، مثل بعض مؤسسات المسلمين الربوية؛ لأن كثيرا من روَّادها يتأول جواز الفوائد البنكية أصلا باعتبار التفريق بين الربا الإنتاجي والربا الاستهلاكي، وأن ربا القرآن القطعي هو ربا الديون لا ربا القروض. ويجاب بأن هذا قول ضعيف مخالف لإجماع المتقدمين

стр. 106

والمعاصرين، ونصوص تحريم الربا القطعية الدلالة والثبوت؛ فكيف يقال بالتسامح مع المتأولين للأموال المحظورة بناء على قول ساقط مخالف لإجماع المجامع الفقهية؟! وهل التأويل يرد النص الصريح المجمع على مدلوله؟ وهل كل من يُجري هذه العقود يتأول جوازها كما ذكرت؟! ثم يقول: الوجه الثالث: أن النظر والاعتبار في مآلات هذا القول يكشف ما يرد عليه من اللوازم الفاسدة، وما يترتب عليه من النتائج الوخيمة؛ ذلك أنه لو كان يجوز المشاركة مع الشريك الكتابي حتى ولو تعامل بالأموال المحرمة لأنه يستبيحها ويتأولها، بينما لا يجوز المشاركة مع الشريك المسلم المتعامل بيسير الأموال المحرمة لأنها محرمة عليه - لآل الأمر إلى أنه لا يجوز المساهمة إلا في الشركات الأجنبية التي يملكها غير المسلمين، أما شركات المسلمين فلا يجوز المساهمة فيها! يجاب عليه بما أجيب به على الوجه الأول من أنه مبني على فهمه الخاطئ بجواز تلك المشاركة ... مناقشة الاعتراض الرابع أما الاعتراض الرابع الذي مضمونه أن المساهم شريك، وبالتالي فإن العلاقة بين (المساهم) و (مجلس الإدارة) هي (علاقة نيابية)؛ لأن مبنى الشركة على الوكالة والنيابة كما نص الفقهاء، وعليه فإن القروض والاستثمارات الربوية التي يتخذها مجلس الإدارة تنسب شرعا للمساهم؛ لأنها تصرفات وكيله ونائبه: فالحقيقة أن هذا الاعتراض مبنيٌّ على ركيزتين أو مبدأين فقهيين بحيث لا يمكن استخلاص الجواب عنه إلا من خلال تحليلها بشكل منفرد. وذكر مرتبتين: مرتبة أطلق عليها (النيابة المحضة) وهي التي تسري فيها التصرفات إلى المنوب عنه الموكل.

стр. 107

والثانية: المشوبة أو القاصرة، وهي التي قام بها مانع يمنع من ترتب آثار النيابة الأصلية عليها، ونتيجة لهذا المانع فإن المنوب عنه قد يعفى من سراية تبعة التصرفات .. ومثَّل لذلك بالوصي على اليتيم وناظر الوقف؛ حيث لا تسري كل تصرفاتهم على اليتيم أو الواقف، واستدل ببعض نصوص للفقهاء. ويلاحظ أن جميع النصوص التي استشهد بها ليس فيها ذكر للشريك ودخوله في هذا القسم لا من قريب ولا من بعيد؛ فكيف يستدل بهذه النصوص العامة ويترك نصوصهم الخاصة في هذا الموضوع التي تدل على أن الشريك وكيل عن شريكه في تصرفاته، كما ذكر ابن قدامة الذي استدل بنصه، وكذلك ابن القيم. ثم يقول: (ولو انتقلنا إلى الشق الثاني أو المبدأ الثاني الذي يتكون منه هذا الاعتراض وهو أن المساهم شريك تام، فالحقيقة أن تحليل طبيعة علاقة المساهم بمجلس الإدارة في الشركات المساهمة الحديثة يكشف أن هناك تبدلات جوهرية في طبيعة الشريك في هذه الشركات المساهمة وتحولات مضمونية في مفهوم المشاركة - حَوَّلَت المساهم من كونه شريكا مطلقا مكافئا في شركة حرة ومحدودة إلى كونه مجرد مشترك في مؤسسة تجارية عامة، أو مجرد عضو في منظمة ذات شخصية اعتبارية خاصة وذمة مالية منفردة، ونظام مسبق، وإدارة مستقلة خارجة عن هيمنة الإرادة الفردية للمساهم. وقد أكد فقهاء القانون المدني بشكل عام، وفقهاء القانون التجاري بشكل خاص، على هذه الطبيعة الجديدة للشركة المساهمة، والتي حولت الشركة من (عقد) يتفق عليه جميع الأطراف، ويحقق به العاقدون صفتهم كشركاء إلى (نظام قانوني) يسري على كل من يرغب الانضمام، ولا يمتلك المساهم العادي أية سلطة في تغيير سياساته أو صياغة قراراته الاستثمارية، وإنما ليس له إلا الإفصاح عن الرغبة في الانخراط في هذه المنظومة وتحمل آثارها التبعية أو الخروج منها بلا غنم ولا غرم فقط.

стр. 108

الجواب عليه: هو هل طبيعة الشركة وتغير شكلها القانوني وتغير العلاقة بين أعضائها، هل يغير في الأحكام الشرعية فيحل الحرام بحيث يجوز له الإقدام على المحرم بدخوله باختياره في منظومة شركة تمارس أعظم الأعمال حرمة بماله وهو الربا، وهو يعلم عدم قدرته على المنع من التصرفات المحرمة. ثم هناك إيرادات واستفسارات على القول بتغيير الطبيعة القانونية للشركة على النحو التالي: أنه لابد من تحديد علاقة المساهم بالشركة؛ فهو شريك فيها قطعا، وإذا كان شريكا فما هي علاقتها هي هل هي علاقة منقطة؟ هل المديرون يتصرفون بإداراتهم فقط، إذ لا يصح أن يطلق عليه شريك؟ لو تصرفوا تصرفا فيه تعد أو تفريط، أليس من حق المساهمين محاسبتهم؟ إذًا فالمساهمون مفوضون لهم بإدارة الشركة من غير تعد ولا تفريط، وهذه هي حقيقة الوكالة، ولا نزاع بين الفقهاء فيها، فلماذا يحاول تطويع الأحكام بما يتلاءم مع النظريات الاقتصادية الأخرى؟! أليس الأجدر إلزام الشركات بقواعد الشرعية وأصولها؟! ثم يقول: فإذا كنا لا نستطيع أن نقول للمساهم: التزم بالدخول مع إدارة سالمة من المآخذ الشرعية من جميع الوجوه. تعيَّن القول بجواز المساهمة في الشركات المختلطة إذا كان المخالِطُ مغمورا. فطالما أن المساهم لا يمتلك سلطة إدارة الشركة، وليست له الحقوق التقليدية المعروفة للشريك في الفقه الإسلامي، فعليه فإنه لا يجوز إسقاط كامل الالتزامات والمسؤوليات التقليدية للشريك عليه؛ لأن

стр. 109

الالتزامات فرع عن الحقوق، والمسؤولية تبع للسلطة؛ وبالتالي فهو غير مسؤول عن أصل الانحرافات الجزئية التي تتخذها إدارة الشركة بغير رضاه؛ لأنه مسلوب الحق في إدارتها، وإنما يكون مسؤولا عن أمرين: لو غلبت الانحرافات على إدارة الشركة وبقي فيها، ولو علم بالانحرافات الجزئية ولم يتخلص من آثارها. والجواب عليه كالآتي: ١ - أنه لا يلزم من عدم القدرة على الدخول مع إدارة سالمة من المآخذ الشرعية أن يتعين القول بجواز المساهمة في الشركات المختلطة إذا كان المخالط مغمورا؛ للآتي: أ- لعدم الدليل على هذا التلازم؛ بل الدليل بخلافه وهو حرمة الإقدام على الربا مطلقا ـ قليلا كان أو كثيرا ـ كما دلت على ذلك النصوص المتقدمة من الكتابين .. ب- أن الاستثمار للأموال ليس مقصورا في أسهم هذه الشركات فقط؛ بل مجالات الاستثمار أكثر وأوسع من أن تحصر، وهذا أمر مسلم وواقع مشاهد. ج- أن التحديد بالجواز ـ إذا كان المخالط مغمورا - يتناقض مع ما ذكرته في ص٢٥ من أن "الشركات المساهمة ستبقى على هذه السياسة المالية في الفترة القادمة؛ بل المعلوم بالظن في الغالب عكس ذلك؛ وهو أنه لو ارتفع سعر الفائدة لعادت وأودعت بالفائدة الربوية ... وهذا يعني أنها قد تودع الكثير. ٢ - وأما القول بأن المساهم طالما أنه لا يمتلك سلطة إدارة الشركة فإنه لا يجوز إسقاط كامل الالتزامات والمسؤوليات التقليدية عليه .... فالجواب: بأنه لا تلازم بينهما، ولا يلزم من عدم الإسقاط جواز الدخول؛ لأن الدخول حصل برضاه واختياره، ويترتب عليه إقدام على

стр. 110

الدخول في الربا المحرم، حتى ولو زعم أن ما يحصل بغير اختياره؛ لأن أصل الدخول فيها إنما كان باختياره هو ولم يلزمه أحد، وكان بإمكانه البحث عن استثمار آخر لا يخالطه المحرم. ٣ - وأما القول بأنه يكون مسؤولا لو غلبت الانحرافات على إدارة الشركة وبقي فيها .... فالجواب: بأن هذا يتناقض مع المبدأ الذي قررته (ص٦٤ - ٦٦) وهو ما ذكره علماء القانون من طبيعة هذه الشركة وأنها أقرب إلى (نظام قانوني) يسري على كل من يرغب الانضمام، ولا يمتلك المساهم العادي أي سلطة في تغيير سياساته أو صياغة قراراته الاستثمارية .... فإن هذا المبدأ الذي قررته ورضيته لا فرق فيه ولا يفرق بين الانحرافات الكثيرة أو القليلة؛ فإذا كنت قيَّدته بالقليل والمغمور بناء على قاعدة اليسير والتابع، وهي القاعدة التي سبق الجواب عليها ـ فلماذا تلزم غيرك من المانعين من هذه المساهمات بمضمونه وطبيعته القانونية التي تلغي دور الشريك وتسلبه حقوقه؟! أليست هذه انتقائية لما تريده ـ دون غيرك ـ من هذه الطبيعة القانونية، فإما أن تعمل بمنظومة هذه الطبيعة القانونية مطلقا من غير تقييد ولا تفريق بين قليل وكثير، أو تترك لغيرك نقد هذه الطبيعة وعدم الأخذ بها مع أنك أجزت تقييدها؟! وقد تقول: إن الكثير محرم. فيقول لك: إن الإقدام على الدخول مع العلم بوجود الربا محرم أيضا. ثم قال: وخلاصة الجواب على هذا الاعتراض ـ والله أعلم ـ أن تقول: أن الأصل في النيابة أن تسري تبعة التصرفات إلى المنوب عنه، إلا إذا شاب النيابة مانع ترتب عليه تخلف آثار النيابة التقليدية،
следующие страницы →