وقال خالد بن عبد الله المصلح (الدرس الثالث من دروس الطحاوية):
وإذا نظرنا إلى نصوص الكتاب والسنة لم نجد فيهما ما يدل على نفي المشابهة، إنما الذي في الكتاب والسنة هو نفي المثلية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ولذلك ذهب جماعة من المحققين من أهل العلم إلى أن الذي ينفى عن الله هو المثل لا الشبه.
ثم هو منقوض بما أثبتوه من الصفات - مع زعمهم- عدم المشابهة".
وهذا الكلام موافق لما قاله أهل السنة والجماعة، يقول أبو عمر الطلمنكي (١) ﵀: "قال قوم من المعتزلة والجهمية: لا يجوز أن يسمى الله بهذه الأسماء على الحقيقة، ويسمى بها المخلوق. فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه وأثبتوها لخلقه.
فإذا سئلوا: ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه.
قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها، لأن المعقول في اللغة أن الاشتباه في اللغة لا يحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها، كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب اشتباهاً لاشتبهت الأشياء كلها لشمول اسم الشيء لها وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم: أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبهاً للموجودين. وإن قالوا: موجود ولا يوجب وجود الاشتباه بينه وبين الموجودات.
قلنا: فكذلك هو حي، عالم، قادر، مريد، سميع، بصير، متكلم، يعني ولا يلزم "من ذلك" اشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات. " (٢).
ثالثا: أن أهل السنة والجماعة لا يقولون أبداً بأن حقيقة صفات الله كحقيقة صفات المخلوق - كما زعم الكاتب- فالحقائق مختلفة، والله ليس كمثله شيء، وله ذات -سبحانه- لا كالذوات، فحقائق صفات الله ليست معلومة؛ بل بعض حقائق مخلوقات
стр. 107
الله غير معلومة، فالجنة وما فيها من النعيم نعرف معانيها ولا نعرف حقائقها.
وهم لما كان عندهم أن إثبات الصفات ومعانيها يلزم منه مشابهة المخلوقات فروا من ذلك بنفي حقائق الصفات (١).
يقول الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ (٣١٠ هـ) في إثبات الصفات لله على الحقيقة مع نفي المماثلة للمخلوق: " فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله ﷺ ؟ قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " إلى أن قال: "فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه" (٢).
وقال الإمام أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (٣) ﵀ (٣٦٠ هـ) في الاعتقاد القادري الذي كتبه لأمير المؤمنين القادر بأمر الله سنة ٤٣٣ هـ ووقَّع على التصديق على ما فيه علماء ذلك الوقت، وأرسلت هذه الرسالة القادرية إلى البلدان. قال: " لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل، علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بيّن " (٤).
وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده ﵀ (٣٩٥ هـ) في إثبات صفة
стр. 108
اليدين لله تعالى: " باب ذكر قول الله : ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وذكر ما يُستدل به من كلام النبي ﷺ على أن الله جل وعز خلق آدم ﵇ بيدين حقيقة.
وقال في إثبات الوجه لله تعالى: " باب قول الله جل وعز: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]، وذكر ما ثبت عن النبي ﷺ مما يدل على حقيقة ذلك " (١).
وقال الإمام الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي ﵀ (٤٦٣ هـ) (٢): " ومن حق الكلام أن يُحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز؛ إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجلَّ الله عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه" (٣).
رابعا: أن أهل السنة والجماعة مجمعون على إثبات الصفات لله على الحقيقة مع نفي المماثلة للمخلوق، قال الإمام الحافظ ابن عبد البر ﵀: " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله
стр. 109
وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله " (١).
خامسا: أن القدر المشترك في الصفات بين الخالق والمخلوق هو المعنى الكلي الذي لا يوجد إلا في الذهن. فإن القدر المشترك بين الأسماء والصفات المقولة على الرب وعلى غيره، هو المعنى اللغوي الذي نفهمه من لغة التخاطب، اللغة العربية التي نزل بها الوحي، وهو المشترك المعنوي الذي تتفاضل أفراده، وهو المشكك أحد أقسام المتواطئ (٢) وهو شبه بين هذه الأسماء والصفات من هذا الوجه مع التفاضل والتباين من وجه آخر (٣).
"فالحياة -مثلاً- وصف مشترك بين الخالق والمخلوق، قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]، لكن حياة الخالق تختص به فهي حياة كاملة من جميع الوجوه لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء، بخلاف حياة المخلوق فإنها حياة ناقصة مسبوقة بعدم متلوة بفناء، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
فالقدر المشترك -وهو مطلق الحياة- كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، لكن ما يختص به كل واحد ويتميز به لم يقع في اشتراك، وحينئذ لا محذور من الاشتراك في هذا المعنى الكلي، وإنما المحذور أن يجعل أحدهما مشاركاً للآخر فيما يختص به" (٤).
قال ابن أبي العز ﵀: "واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا
стр. 110
يكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط.
فالرسول ﷺ لما بيّن لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها وأتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني وجعلها أسماء لها، فيكون بينها قدر مشترك كالصلاة والزكاة والصوم والإيمان والكفر.
وقد يكون الذي يخبر به الرسول ﷺ لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه، لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه، كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلا بد أن يعلموا معنى مشتركاً وشبهاً بين مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات ألفاظ ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم. فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد، ويريد أن يجعلهم يشهدونه مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب، أشهدهم إياه، وأشار لهم إليه، وفعل فعلاً يكون حكاية له وشبهاً به، يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة، فينبغي أن تعرف هذه الدرجات:
أولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة.
ثانيها: عقله لمعانيها الكلية.
ثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية المعقولة.
فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة، فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة، ثم إن كانت مثلها، لم يحتج إلى ذكر الفارق، كما تقدم في قصص الأمم، وإن لم يكن مثلها، بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا، ونحو ذلك، وإذا تقدر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء التساوي لا يمنع منه وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة، ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط" (١).
سادسا: من الأمثلة على القدر المشترك: نعيم الآخرة، فإن الله تعالى أخبرنا بما وعدنا في الدار
стр. 111
الآخرة من النعيم، وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك، فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك في الدينا لم نفهم ما وعدنا به، ونحن نعلم من ذلك أن تلك الحقائق ليست مثل هذه، فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة واشتراك من بعض الوجوه، وبه فهمنا المراد، وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرهما في الدنيا، وهذا من التأويل الذي لا نعلمه نحن، بل يعلمه الله …
فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق، بينهما من التفاضل والتباين ما لا نعلمه في الدنيا بل هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ﵎، وصفات الخالق أولى أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل ما لا يعلمه إلا الله ﵎، وأن يكون هذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله" (١).
سابعا: ضرورة وجود هذا المعنى الكلي المشترك حتى تفهم معاني الألفاظ؛ وإلا كان كلام الله لا معنى له. يقول شيخ الإسلام ﵀: "ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي يقتضي من المواطأة والموافقة والمشابهة ما به نفهم ونثبت هذه المعاني لله؛ لم نكن قد عرفنا عن الله شيئاً ولا صار في قلوبنا إيمان به ولا علم ولا معرفة ولا محبة ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه. فإن جميع هذه الأمور لا تكون إلا مع العلم، ولا يمكن للعلم إلا بإثبات تلك المعاني التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا" (٢).
وهذا القدر المشترك الضروري هو وجه الشبه بين ما يقال على الله تعالى من الأسماء وعلى المخلوق "وكون الله شبيهاً بخلقه من بعض الوجوه متفق عليه بين سائر المسلمين لاتفاقهم على أن الله تعالى موجود وشيء وعالم وقادر، فما من موجود إلا وله شبيه من بعض الوجوه، لاشتراكهما في الوجود" (٣). وهذا الشبه هو المعنى اللغوي، ولا يقتضي أبداً مماثلة في كيفية ولا قدر بل هو موجود مع المفاضلة والمباينة.
стр. 112
المطلب الثامن: دعوى الفرار من إثبات الأْبعَاض لله، وتسميتُها بالأعيان
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى إثبات الأبعاض لله ، وأن الصفة مرادفة للبعض والعضو، وأنهم فروا من لفظ الأبعاض إلى استخدام لفظ الأعيان، لما يترتب على إثبات الأبعض من فساد.
يقول عثمان النابلسي: "إذا نفى أحد الوهابية كون (عين) الله - تعالى وتقدس عن ترهاتهم - عضواً أو بعضاً أو درجة، فهو إنما ينفي كونها عضواً مشابهاً لأعضاء المخلوقين في الكيفيات، وينفي كونها عضواً بمعنى ما سبق تفرّقه أو أمكن تفريقه، وهو في الحقيقة ينفي لفظ العضو مع إثباته معناه، ولك أن تتعجب من عدم إثباتهم الأجزاء والأبعاض لله تعالى عندما تعرف معنى الأجزاء والأبعاض عندهم، فقال ابن عثيمين في فتاواه (٨/ ٩٥):
(لا نقول إنها أجزاء وأبعاض، بل نتحاشا هذا اللفظ، لكن مسماها لنا أجزاء وأبعاض، لأن الجزء والبعض: ما جاز انفصاله عن الكل! فالرب لا يتصور أن شيئًا من هذه الصفات التي وصف بها نفسه -كاليد- أن تزول أبداً، لأنه موصوف بها أزلاً وأبداً، ولهذا لا نقول: إنه أبعاض وأجزاء) …
فانظر فهمهم للفظ الجزء والبعض والعضو لتعرف معناها المنفي عندهم عن الله تعالى، فيرون أن الجزء ما جاز انفصاله عن الكل، مع أن هذا المعنى ليس مدلولاً للفظ الجزء أو البعض أو العضو لا لغة ولا شرعاً، وهذا القيد الذي جعلوه شرطاً لمعنى الجزء ليس معروفاً عند أهل اللسان العربي، أما معنى الجزء المعروف فهم يثبتونه مع تحاشيهم لفظه، فيرون أن ذات الله تعالى مجتمعة من أجزاء مع رفضهم إطلاق لفظ (الأجزاء) واستبدالهم مكانه لفظ (الأعيان)، لكن هذه الأعيان لم تكن متفرقة ثم اجتمعت ويستحيل أيضاً أن تتفرق وتنفصل بعد كونها مجتمعة، بل ذات الباري -سبحانه- مجتمعة من تلك الأعيان منذ الأزل إلى الأبد، وهذه الأعيان من الصفات الذاتية الواجبة لله تعالى عندهم! وهذا في الحقيقة هو التجسيم بعينه …
فذات الله تعالى عند التيمية الوهابية مجتمعة وجامعة لأعيان، وهم وإن كانوا يعترفون بأن الجسم هو الشيء المجتمع المؤلف، لكنهم -ليفروا من التجسيم- أضافوا قيداً لم يعرفه أهل اللغة،
стр. 113
وهذا القيد هو التفرق السابق أو إمكان التفريق اللاحق، فما كان متفرقاً فاجتمع أو ما كان مجتمعاً وأمكن تفريقه فهو الجسم، أما ما كان مجتمعاً دون سبق تفرق أو إمكان تفريق فليس بجسم!؛ لأن ذات الله -سبحانه- عندهم تجمع وتضم أعياناً لم تكن متفرقة ويستحيل عليها التفريق، والإشارة الحسية إلى كل واحدة من هذه الأعيان غير الإشارة إلى الأخرى، فالإشارة إلى اليد غير الإشارة إلى القدم والإشارتان غير الإشارة إلى الوجه، والجسم والمكان الذي يشغله هذا الجانب غير الحيز والمكان الذي يشغله الجانب الآخر وإن كان لا يفارقه في الزمان والوجود، ومفهوم كلامهم أن النسبة بين هذه الأعيان بعضها إلى بعض هي نسبة الجزء إلى الجزء، والنسبة بين هذه الأعيان والذات هي نسبة الجزء إلى الكل، وإن كانوا يتوقفون في لفظ (الجزء) كما سبق" (١).
وقال أيضا: "لا يخفى على مطلع أن التيمية الوهابية يفضلون استخدام مصطلح (الأعيان) بدلاً من (الأبعاض والأدوات) ويجيدون التعبير ب (تميز شيء منه عن شيء) عن التعبير ب (التبعيض والتركيب) بحجة أن تلك الألفاظ التي لا يحبون استخدامها ألفاظ محدثة لم ترد في كتاب وسنة، وكأن الألفاظ التي اختاروها وردت في الكتاب والسنة! وهذا التميز الذي يقولون به هو في ذات الله تعالى بحيث يتميز شيء من ذاته تعالى عن شيء آخر، فيكون في ذاته سبحانه أعيان متمايزة مخالفة لبعضها بالجهة والإشارة الحسية، وتقع الإشارة الحسية على شيء من هذه الأعيان دون شيء، وهذا في حقيقته تبعيض لذات الله -تعالى وتقدس- وإثبات بأنه سبحانه مجتمع من أشياء وأبعاض متمايزة، ويستلزم بالضرورة الامتداد في الأبعاد الذي هو حقيقة التجسيم عند أهل اللغة والاصطلاح" (٢).
ثم قال: "من المعلوم أن (المعاني) لا تقوم بنفسها بل لابد من ذات تقوم بها، وتقابلها (الأعيان) والتي قيامها بنفسها، والتيمية يقسمون صفات الله تعالى إلى صفات معان وصفات أعيان!، وجقيقة دليلهم على هذا التقسيم هو قياس الخالق تعالى على المخلوق" (٣).
стр. 114
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى قديمة، وهي مبنية على نفي بعض الصفات الذاتية الثابتة لله ، كاليد، والوجه، والساق، والقدم، والعين، والذي دعاهم إلى نفي تلك الصفات هو اعتقادهم أنها بالنسبة للمخلوق أبعاض، وأعضاء، وأركان، وأجزاء، وجوارح وأدوات ونحو ذلك؛ فيرون -بزعمهم- أن إثبات تلك الصفات لله يقتضي قياس الخالق بالمخلوق، كما يقتضي التجسيم؛ فوجب عندهم نفيها فراراً من ذلك (١).
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أجمع السلف على أن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، قال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه ولا تتعدى القرآن والحديث" (٢).
وقال الآجري ﵀: "إن أهل الحق يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ وبما وصفه به الصحابة ﵃، وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع" (٣).
وقال ابن عبد البر ﵀: " … ما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله تعالى إلا ما وصف نفسه به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، فلا تتعدى ذلك إلى تشبيه أو تمثيل أو تنظير فإنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:
стр. 115
١١] " (١).
ثانيا: أن طرق دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة لله تعالى ثلاثة (٢):
الأول: التصريح بالصفة، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ففي هاتين الآيتين إثبات الرحمة واليدين صفتين له.
الثاني: تضمن الاسم للصفة، فاسم الرحمن يتضمن صفة الرحمة، واسم القوي يتضمن صفة القوة، وهكذا.
الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها، فالفعل كقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، والوصف الدال عليها كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
ثالثا: أن صفات الله قد تشترك مع صفات خلقه في اللفظ، وفي المعنى العام المطلق قبل أن تضاف.
وبمجرد إضافتها تختص صفات الخالق بالخالق، وصفات المخلوق بالمخلوق، فصفات الخالق تليق بجلاله، وعظمته، وربوبيته، وقيوميته. وصفات المخلوق تليق بحدوثه وضعفه ومخلوقيته (٣).
رابعا: أن الأبعاض جمع لكلمة بَعْض، يقال: بعض الشيء أي جزؤه، وبعّضْتُ كذا أي جعلته أبعاضاً (٤).
ولفظ الأبعاض من الألفاظ المجملة، وأهل السنة والجماعة يمسكون عنها ويعرضون عنها إعراضاً جملياً، وقد يستفصلون قائلها عن مراده، فإن أراد بها معنى صحيحاً قبلوا المعنى وطالبوه
стр. 116
بالاعتصام بالكتاب والسنة، وإن أراد بها معنى باطلاً ردوه، وإن اشتمل على الحق والباطل أوقف اللفظ وفسر المعنى الصحيح (١).
فإذا تبين لنا معنى الأبعاض، وموقف السلف من اطلاقه على الله وأنهم يستفصلون في هذا اللفظ وأن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه على منهج السلف؛ فإنه لا حجة للمناوئين في قولهم أن أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يثبون هذا اللفظ أو ينفونه.
خامسا: أنه يقال لمن ينفي تلك الألفاظ المجملة: إن أردت أن تنفى عن الله أن يكون جسماً كالأجسام، وجثة، وأعضاءاً، فالكلام الصحيح.
وإن أردت بذلك نفي الصفات الثابتة له التي ظننت أن إثباتها يقتضي التجسيم، ونحو ذلك من اللوازم الباطلة، فإن الكلام غير صحيح. هذا بالنسبة للمعنى.
أما بالنسبة للفظ فيجب ألا تعْدِل عن الألفاظ الشرعية في النفي أو الإثبات؛ لسلامتها من الاحتمالات الفاسدة.
يقول شارح الطحاوية ابن أبي العز ﵀: "ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء، أو جوارح، أو أدوات، أو أركان، لأن الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد، الصمد، لا يتجزأ ، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية (٢) - تعالى الله عن ذلك- ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ [الحجر: ٩١].
والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع، وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة.
وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى، فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمة من الاحتمالات الفاسدة، فكذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفياً ولا إثباتاً، لئلا يثبت معنى فاسد، وأن ينفي معنى صحيح. وكل هذه
стр. 117
الألفاظ المجملة عُرضه للمحق والمبطل" (١).
سادسا: أن من أثبت صفات المعاني أو الصفات المعنوية، وهي المعبر عنها بقولهم: كونه قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً ومتكلماً.
ومعنى الكون هنا: الثبوت. وحقيقة الصفات المعنوية هي: أنها لا توصف بكونها موجودة ولا معدومة (٢)؛ فإنه يلزمه في إثباتها ما ألزم به غيره في إثبات الصفات الخبرية كاليد والوجه وغيرها.
وقد اختلف الأشاعرة في الصفات المعنوية (٣)، وهي "عندهم سبع صفات فقط وينكرون سواها من المعاني، وصفة المعنى عندهم في الاصطلاح ضابطها: أنها ما دل على معنى وجودي قائم بالذات، والذي اعترفوا به منها سبع صفات، هي: القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، ونفوا غير هذه الصفات من صفات" (٤).
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: " والتحقيق: أن عدد الصفات السبع المعنوية التي هي كونه تعالى قادرًا ومريدًا وعالمًا وحيًا وسميعًا وبصيرًا ومتكلمًا لا وجه له؛ لأنها في الحقيقة إنما هي كيفية الاتصاف بالمعاني السبع التي ذكرنا ومن عدها من المتكلمين عدوها بناء على ثبوت ما يسمونه الحال المعنوية التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية لا معدومة ولا موجودة. والتحقيق إن هذه خرافة وخيال. وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشيء ونقيضه واسطة البتة فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعا وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعًا ولا واسطة البتة كما هو معروف عند العقلاء. فإذا كنا قد مثلنا لكونه قادرًا وحيًا ومريدًا وسميعًا وبصيرًا ومتكلمًا، ولما جاء في القرآن من وصف الخالق بذلك وما جاء في القرآن من وصف المخلوق بذلك، وبينا أن صفة الخالق لائقة بكماله وجلاله، وأن صفة المخلوق مناسبة لحاله وفنائه وعجزه وافتقاره، فلا داعي لأن ننفي وصف رب السموات والأرض عنه لئلا نشبهها بصفات
стр. 118
المخلوقين، بل يلزم أن نقر بوصف الله ونؤمن به في حال كوننا منزهين له عن مشابهة صفة المخلوق، وهذه صفات الأفعال جاء في القرآن بكثرة وصف الخالق بها ووصف المخلوق ولاشك أن ما وصف به الخالق منها مخالف لما وصف به المخلوق كالمخالفة التي بين ذات الخالق وذات المخلوق، ومن ذلك أنه وصف نفسه جل وعلا بصفة الفعل التي هي أنه يرزق خلقه قال جل وعلا: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٧ - ٥٨]، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١].
ووصف بعض المخلوقين بصفة الرزق قال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]، ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: ٥]، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ولا شك أن ما وصف الله به من هذا الفعل مخالف لما وصف به منه المخلوق كمخالفة ذات الله لذات المخلوق. ووصف نفسه جل وعلا بصفة الفعل الذي هو العمل قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ [يس: ٧١]. ووصف المخلوقين بصفة الفعل التي هي العمل قال: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦].
ولا شك أن ما وصف الله به من هذا الفعل مناف لما وصف به المخلوق مخالف له كمخالفة ذات الخالق لذات المخلوق.
ووصف نفسه بأنه يُعَلِّم خلقه: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤]، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، ووصف بعض خلقه بصفة الفعل التي هي التعليم أيضا، قال ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]، وجمع المثالين في قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] " (١).
стр. 119
سابعا: أن من عقيدة أهل السنة أنهم لايشبهون الله بخلقه ولا يقيسون صفاته بصفاتهم ولا ذاته بذواتهم، بخلاف المبتدعة الذين شبهوا الله بخلقه وقاسوه عليهم، ثم عطلوا صفاته.
فهم يقولون: إنه اذا كانت الصفة مشابهة في الاسم يلزم من هذا أنها تشبهها من كل وجه!! وهذا لا يقول به عاقل إذ أن تشابه الشيئين في الاسم لا يلزم منه تشابههما في المعنى والصفة.
فمن يثبت لله ذاتا على الحقيقة لا تماثل الذوات وجب عليه أن يثبت له صفاتا على الحقيقة على أنها لاتماثل الصفات.
فمن يقول أن إثبات الصفات الخبرية أعيانا يلزم منها التجسيم والتبعيض؛ لأنه قاس ذات الله وصفاته بصفات خلقه فحكم بجسميتها وتبعيضها وأنها أجزاء بناء على ذات المخلوق وصفاته، وإنما الصفة تليق بالموصوف وبذاته.
ثامنا: أن من الصفات ما هو معاني وأعراض، ومنها ما هو أعيان، فمن من أهل السنة من يقول أن هذه الصفات المعنوية أعيان قائمة بذاتها؟
تاسعا: أنه يوجد فرق بين الأعيان القائمة بذاتها والأوصاف غير القائمة بذاتها. فالعلم والحياة والقدرة صفات معنوية ليست قائمة بذاتها، كما أن الصفات الخبرية كاليد والوجه والعين هي أوصاف ليست قائمة بذاتها بل هي صفات خبرية ذاتية قائمة بذات الله.
عاشرا: أن الله لما وصف نفسه بالعلم والحياة والقدرة من الصفات المعنوية لم يقل أحد من المسلمين إن علمه وحياته وقدرته كعلمنا وحياتنا وقدرتنا، وكذلك لما وصف الله نفسه بأن له يدا ووجها من الصفات الذاتية الخبرية فيجب أن نقول إن له يدا ووجها لا تماثل يد المخلوق ولا وجهه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وبيان ذلك: أن من صفاتنا ما هو معان وأعراض قائمة بنا كالحياة والعلم والقدرة، ومنها ما هو أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا كالوجه واليدين. ومن المعلوم أن الله وصف نفسه بأنه حي، عليم، قدير، ولم يقل المسلمون إن المفهوم من حياته وعلمه وقدرته كالمفهوم من حياتنا وعلمنا وقدرتنا، فكذلك لما وصف نفسه بأن له وجهاً ويدين
стр. 120
لم يكن المفهوم من وجهه ويديه كالمفهوم من وجوهنا وأيدينا. وإنما قال المسلمون إن المفهوم من صفات الله في هذا وهذا لا يماثل المفهوم منها في صفاتنا، بل كل صفة تناسب الموصوف وتليق به، فلما كانت ذات الخالق لا تماثل ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تماثل صفات المخلوقين. وقد سبق أن القول في الصفات كالقول في الذات" (١).
وقال أيضا: " الصفات الخبرية: وهي التي نعتمد فيها على مجرد الخبر، وليست من المعاني المعقولة، بل هي من الأمور المدركة بالسمع المجرد فقط، ونظيرها أو نظير مسماها بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء، مثل اليد، والوجه، والعين، والقدم، والإصبع، فهذه نسميها الصفات الخبرية، لأنها ليست معنى من المعاني، فاليد غير القوة، القوة معنى، واليد صفة من نوع آخر. مسماها بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء، فاليد بعضٌ منْ أو جزءٌ منا، والوجه كذلك والعين كذلك.
ولكن بالنسبة لله لا نقول أنها جزء أو بعض؛ لأن البعضية والجزئية لم ترد بالنسبة إلى الله لا نفيا ولا إثباتا، ولهذا نقول لمن قال: إن الله واحد لا يتجزأ ولا ينقسم وما أشبه ذلك، نقول: هذه ألفاظ بدعية. فليس هناك دليل على أن تصف الله بهذا النفي، وما أنت أعلم بالله من الله، ولا أعلم بالله من رسول الله ﷺ ولا أعلم بالله من أصحاب رسول الله ﷺ ، فما قال واحد منهم قط: إنه لا يتبعض ولا يتجزأ، فاحبس لسانك عما حبسوا ألسنتهم عنه … ، وإنما ينفى مثل هذا الكلام لو أن أحداً قاله، أما ولم يقله أحد فليس له داع، بل يقال: لله يد، وله وجه، وله عين، … قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] …
وما لم يرد فالأدب مع الله ورسوله أن نمسك عنه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١]، فلو نفيت ما لم ينفه الله عن نفسه فقد تقدمت بين يدي الله
стр. 121
ورسوله، ولو أثبت ما لم يثبته فقد تقدمت بين يدي الله ورسوله" (١).
الحادي عشر: أن المضاف إلى الله سبحانه "نوعان: الأول: صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر فهذه إضافة صفة إلى موصوف بها فالعلم والقدرة … الخ صفات له تعالى غير مخلوقة، وكذا وجهه ويده ونحو ذلك من الصفات الخبرية والذاتية وكذا الفعلية من التكوين والمحبة والرضا ونحوها، في مذهب السلف.
الثاني: إضافة أعيان منفصلة كبيت الله، وناقة الله، وعبد الله، ورسول الله، وكذلك روح الله، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، ومصنوع إلى صانعه لكنها تقتضي تخصيصاً أو تشريفاً يتميز به المضاف إليه عن غيره "كبيت الله" وإن كانت كل البيوت لله ملكاً له، وكذلك "ناقة الله" والنوق كلها ملكه وخلقه، ولكن هذه إضافة إلى إلهيته تقتضي محبته لها وتكريمه وتشريفه، بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيته، حيث تقتضي خلقه وإيجاده.
فالإضافة العامة تقتضي الخلق والإيجاد، والخاصة تقتضي الاختيار ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، فإضافة الروح إليه تعالى من هذه الإضافة الخاصة لا من العامة، ولا من باب إضافة الصفات، فتأمل هذا الموضع فإنه نفيس ويخلصك من ضلالات كثيرة وقع فيها من شاء الله من الناس" (٢).
قال الشيخ محمد بن عثيمين: "واعلم أن ما أضافه الله إلى نفسه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: العين القائمة بنفسها، وإضافتها إليه من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وهذه الإضافة قد تكون على سبيل عموم الخلق، كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦].
وقد تكون على سبيل الخصوص لشرفه، كقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وكقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، وهذا القسم مخلوق.
стр. 122
الثاني: أن يكون شيئاً مضافاً إلى عين مخلوقة يقوم بها، مثاله: قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، فإضافة هذه الروح إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفاً؛ فهي روح من الأرواح التي خلقها الله، وليست جزء أو روحاً من الله؛ إذ أن هذه الروح حلت في عيسى ﵇، وهو عين منفصلة عن الله، وهذا القسم مخلوق أيضاً.
الثالث: أن يكون وصفاً غير مضاف إلى عين مخلوقة، مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، فالرسالة والكلام أضيفا إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فإذا أضاف الله لنفسه صفة، فهذه الصفة غير مخلوقة، وبهذا يتبين أن هذه الأقسام الثلاثة: قسمان منها مخلوقان، وقسم غير مخلوق.
فالأعيان القائمة بنفسها والمتصل بهذه الأعيان مخلوقة، والوصف الذي لم يذكر له عين يقوم بها غير مخلوق؛ لأنه يكون من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة.
وقد اجتمع القسمان في قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ و ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، فكلمته هذه وصف مضاف إلى الله، وعلى هذا، فتكون كلمته صفة من صفات الله.
﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾: هذه أضيفت إلى عين؛ لأن الروح حلت في عيسى، فهي مخلوقة" (١).
стр. 123
المطلب التاسع: دعوى أن إثبات الصورة لله فيه تشبيه للخالق بالمخلوق.
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن إثبات الصورة لله بمعنى الهيئة والشكل، وفيه تشبيه للخالق بالمخلوق.
يقول عثمان النابلسي في زعمه أن أتباع الإمام يثبتون الصورة لله ، وأن هذا الإثبات فيه تشبيه للخالق بالمخلوق: "جاء في قسم الدراسة لبيان تلبيس الجهمية والذي أعده محققو الكتاب (ص ٤٥٥): (الصورة هي هيئة الشيء القائم بنفسه وشكله، وأن كل موجود قائم بنفسه تصح رؤيته ومشاهدته، تكون له صورة وشكل يتميز به عن غيره، والله أعظم موجود).
وجاء في فتاوى عبد الرزاق عفيفي (ص ٣٥٣): (سئل الشيخ عن حديث «خلق الله آدم على صورته». فقال الشيخ ﵀: أي على صورة الرحمن كما ثبت في الرواية الأخرى … والصورة ثابتة لله في الصحيحين أنه تعالى يأتي على صورته وعلى غير صورته) " (١).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى قديمة، فإنكار إثبات الصورة لله قد قال به الجهمية وغيرهم (٢)، وأن إثبات صورة لله فيه مشابهة للخالق بالمخلوق.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أنه قد دلت الأحاديث على إثبات الصورة لله ، ومنها: ما وردد في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: «فيأتيهم الجبار في
стр. 124
صورته التي رأوه فيها أوَّل مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا … » (١)، وقوله ﷺ : «خلق الله آدم على صورته» (٢)، والقول الصواب في مرجع الضمير أنه يعود إلى "الله"، وهو ما شهدت له الأدلة، وذهب إليه السلف لقول النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» (٣).
فهذه الأحاديث قد تضافرت في إثبات الصورة لله -تعالى- على ما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهي صفة ذاتية لله، خلافاً لمن أنكرها من الجهمية ومن تابعهم، فبهذه الأحاديث قد أثبت أهل السنة والجماعة صفة الصورة.
قال أبو يعلى الفراء (٤) في التعليق على حديث «رأيت ربي في أحسن صورة» (٥): "اعلم أن الكلام في هذا الخبر يتعلق به فصول: أحدها: جواز إطلاق الصورة عليه" (٦).
ويقول ابن قتيبة ﵀ (٧): "والذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك؛ لمجيئها في القرآن، ووقفت الوحشة من هذه؛ لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا
стр. 125
حد" (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك" (٢).
ثانيا: أن الصورة كالصفات الأخرى التي قد يتصف بها المخلوق على وجه التقييد وإذا أطلقت على الله اختصت به، مثل العليم والرحيم والبصير، وأن له ذاتاً ونفساً … ونحو ذلك.
فكما أن له أسماء وصفات وللمخلوق أسماء وصفات وليس بينها تماثل، فكذلك له صورة على ما يليق به .
قال شيخ الإسلام ﵀: "لفظ الصورة في الحديث كسائر ما ورد من الأسماء والصفات التي قد يسمى المخلوق بها على وجه التقييد، وإذا أطلقت على الله اختصت به، مثل العليم، والقدير، والرحيم، والسميع، والبصير، ومثل خلقه بيديه، واستوائه على العرش، ونحو ذلك" (٣).
ثالثا: أنه يمتنع أن يكون في الوجود قائم بنفسه ليس له صورة يكون عليها ويتميز بها عن غيره. فصورة الشيء هي هيئته الخاصة التي يتميز بها عن غيره. وفي أسمائه تعالى: المصور، ومعناه: الذي صور جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورته الخاصة وهيئته المفردة، على اختلافها وكثرتها (٤).
وترد الصورة "في كلام العرب على ظاهرها، وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته، وعلى
стр. 126
معنى صفته" (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أن الأدلة الشرعية والعقلية التي تثبت بها تلك الصفات تثبت بنظيرها هذه الصورة فإن وجود ذات ليس لها صفات ممتنع في العقل وثبوت الصفات الكمالية معلوم بالشرع والعقل، كذلك ثبوت ذات لا تشبه الموجودات بوجه من الوجوه ممتنع في العقل، وثبوت المشابهة من بعض الوجوه في الأمور الكمالية معلوم بالشرع والعقل، وكما أنه لا بد لكل موجود من صفات تقوم به، فلا بد لكل موجود قائم بنفسه من صورة يكون عليها، ويمتنع أن يكون في الوجود قائم بنفسه ليس له صورة يقوم عليها" (٢).
رابعا: أنه ليس في الحديث ما يدل على أن صورة آدم ﵇ مماثلة لصورة الله تعالى، فالمضاف لله تعالى على ما يليق به، والمضاف لآدم ﵇ على ما يناسبه.
فالحديث يثبت أن الله تعالى له صورة، وأن آدم ﵇ خلقه الله تعالى على صورته؛ ولكن ليس فيه ما يدل على أن صورة آدم ﵇ مماثلة لصورة الله تعالى، بل هذا المعنى باطل قطعاً، ولم يرده الرسول ﷺ ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ولا يلزم من تشبيه شيء بشيء أن يكون مثله مطابقاً له من كل وجه، بل تحصل المشابهة بالاشتراك في بعض الصفات ولا يشترط تطابق كل الصفات وتماثلها.
ودليل هذا قول النبي ﷺ : «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر» (٣). فليس معنى هذا الحديث أنهم دخلوا الجنة وصورتهم مطابقة لصورة القمر من كل وجه، وإلا لزم من ذلك أنهم دخلوا الجنة وليس لهم أعين ولا أفواه، وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار!.
"وإنما معنى الحديث أنهم على صورة القمر في الحسن والوضاءة والجمال واستنارة الوجه، وما أشبه لك …
فإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله ويكون آدم عليها؟
стр. 127
قلنا: إن الله له وجه وله عين وله يد وله رجل ، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان فهناك شيء من الشبه، لكن ليس على سبيل المماثلة، كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة فيها شبه بالقمر، ولكن بدون مماثلة. وهذا يصدق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، من أن جميع صفات الله ليست مماثلة لصفات المخلوقين من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل" (١).
стр. 128
المطلب العاشر: دعوى أن إثبات الحركة لله يلزم منه قيام الحوادث بالله تعالى
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى إثبات الحركة والانتقال لله ، وأن هذا ينافي تنزيه الله عن الحركة والزوال من مكان والانتقال إلى مكان أخر.
يقول عثمان النابلسي: "اتفق السلف الصالح وأهل السنة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الحركة والزوال من مكان والانتقال إلى آخر، وقد صح عن الإمام التابعي الكبير المفسر قتادة السدوسي (٦٠ - ١١٧ هـ) أنه نزّه الله تعالى عن التغير والانتقال، حيث روى الإمام الطبري (١١/ ٤٨٠) في تفسيره: (حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦]، علم أن ربه دائم لا يزول). وقد حسن هذا الإسناد الشيخ شاكر أربع مرات في تحقيق تفسير الطبري.
والزوال هو الانتقال من مكان إلى آخر، قال ابن فارس في مقاييس اللغة (٣/ ٣٨): (زول: الزاء والواو واللام أصل واحد يدل على تنحي الشيء عن مكانه. يقولون: زال الشيء زوال، وزالت الشمس عن كبد السماء تزول. ويقال أزلته عن المكان وزولته عنه).
وقد ذهب الإمام السلفي أبو إسحاق الزجاج الحنبلي (٢٤١ - ٣١١ هـ) إلى أن المنتقل من مكان إلى مكان .. محدث لا يصلح للإلهية، فقال في معاني القرآن (٢/ ٢٨٨): " ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، أي: لا أحب من كانت حالته، أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث، منتقل من مكان إلى مكان" (١).
ثم قال: " لكن إذا رجعنا إلى عقيدة التيمية وجدناهم يثبتون لله تعالى الحركة والانتقال خلافاً لأئمة السلف والخلف من أهل السنة.
جاء في فتاوى ابن باز (٥/ ٥٤):
стр. 129
(فقد وصلني كتابكم الكريم الذي ذكرتم فيه أنكم أثناء تحقيقكم لكتاب: فضائل الأوقات، للبيهقي، مر عليكم هذا النص:
(سمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزي يقول حديث النزول قد ثبت عن رسول الله ﷺ من وجوه صحيحة، وورد في النزول ما يصدقه وهو قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله بلا تشبيه جل عما يقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علواً كبيراً) أ. هـ.
ولا شك أن هذا القول باطل مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة!).
وقد علق على كلام ابن باز هذا عدنان البخاري المدرس بدار الحديث بمكة المكرمة قائلاً:
(الباطل في كلام البيهقي ﵀: نفيه للحركة والانتقال من حال إلى حال مع إثبات النزول والمجيء، وهذا فيه تناقض لمن أثبت المعنى الظاهر الحقيقي لهما (النزول والمجيء)، فإن قيل: فهل نثبت لله الحركة والانتقال من حال إلى حال فهذا موضع تفصيل.
فأما اللفظان فمردودان لعدم ثبوتهما في حقه تعالى.
وأما المعنى: فإن كان المقصود بالحركة: النزول والمجيء فنحن نثبته ولا يلزم منه التشبيه، خلافاً لما يوهمه كلام البيهقي.
وإن كان المقصود بالانتقال من حال إلى حال إثبات الصفات الفعلية، وأنه تعالى يفعل الشيء في وقت دون وقت فنحن نثبته ولا يلزم منه التشبيه أيضاً.
لكن لا نعبر عن ذلك بلفظ الحركة والانتقال لعدم ورودهما، ولئلا يوهما التشبيه، بل نقول: النزول والمجيء والإتيان) ".
ثم نقل تعليق الشيخ عبد الرحمن البراك على قول الحافظ ابن حجر ﵀: "فمعتقد سلف الأمة وعلماء السنة من الخلف أن الله تعالى منزه عن الحركة والتحول والحلول" (١).
"فما كان من الوهابي عبد الرحمن البراك إلا أن يعلق على كلام ابن حجر بقوله: (فإن
стр. 130
أهل السنة متفقون على إثبات ما هو من جنس الحركة كالمجيء والنزول) " (١).
حقيقة هذه الدعوى:
هو ما يسمونه: حلول الحوادث (٢)، فأي صفة تتضمن في المعنى العام ما هو بمعنى الحركة كالإتيان والمجاء فلا يكون عندهم صفة ثابتة. ومقصودهم بذلك نفي اتصاف الله بالصفات الاختيارية الفعلية، وهي التي يفعلها متى شاء، كيف شاء، مثل الإتيان لفصل القضاء، والضحك، والعجب، والفرح؛ فينفون جميع الصفات الاختيارية. وحجتهم في ذلك أن قيام تلك الصفات بالله يعني قيام الحوادث -أي الأشياء المخلوقة الموجودة بالله-، وإذا قامت به أصبح هو حادثاً بعد أن لم يكن، كما يعني ذلك أن تكون المخلوقات حالة فيه، وهذا ممتنع. كما أن الحركة من مكان لمكان يلزم منها التحيز والله ليس بمتحيز.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أن عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تكييف، ولا تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل. وصفات الله التي أخبر بها عن نفسه حق على حقيقتها، ولا يشبه شيء منها صفات المخلوقين، لأن الرب لا تشبه ذاته ذوات المخلوقين، فهو سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
فعقيدة أهل السنة تنزيه الله تعالى عن مماثلة الحوادث في صفاته عموماً، وفي تلك الصفات خصوصاً، فلا يرون أن مجيئه ونزوله واستواءه كمجيء ونزول واستواء المخلوقين، بحيث يلزم من تلك الصفات ما يلزم منها في المخلوقين.
قال الإمام ابن بطة (٣٨٤ هـ) ﵀ في الرد على مؤولة صفة النزول لله تعالى-: "فيقول -أي المعطل-: إن قلنا ينزل، فقد قلنا إنه يزول، والله لا يزول، ولو كان ينزل لزال لأن كل نازل زائل. فقلنا: أو لستم تزعمون أنكم تنفون التشبيه عن رب العالمين؟ فقد صرتم بهذه
стр. 131
المقالة إلى أقبح التشبيه، وأشد الخلاف، لأنكم إن جحدتم الآثار وكذبتم بالحديث رددتم على رسول الله ﷺ قوله، وكذبتم خبره.
وإن قلتم لا ينزل إلا بزوال، فقد شبهتموه بخلقه، وزعمتم أنه لا يقدر أن ينزل إلا بزواله على وصف المخلوق الذي إذا كان بمكان خلا منه مكان.
لكن نصدق نبينا كما قال: (ينزل ربنا ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله" (١)
قال شيخ الإسلام ﵀: " والذي يجب القطع به: أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما يصف به نفسه.
فمن وصفه بمثل صفات المخلوقين في شيء من الأشياء فهو مخطئ قطعًا، كمن قال: إنه ينزل فيتحرك وينتقل، كما ينزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار، كقول من يقول: إنه يخلو منه العرش، فيكون نزوله تفريغًا لمكان وشغلا لآخر، فهذا باطل يجب تنزيه الرب عنه" (٢).
فنحن نعلم أن " المجيء والإتيان والصعود والنزول توصف به روح الإنسان التي تفارقه بالموت، وتسمى النفس، وتوصف به الملائكة، وليس نزول الروح وصعودها من جنس نزول البدن وصعوده؛ فإن روح المؤمن تصعد إلى فوق السموات، ثم تهبط إلى الأرض، فيما بين قبضها ووضع الميت في قبره. وهذا زمن يسير، لا يصعد البدن إلى ما فوق السموات، ثم ينزل إلى الأرض في مثل هذا الزمان" (٣).
فدل ذلك أن تلك الصفات في بعض المخلوقين لا يلزم فيها ما يلزم بعض المخلوقين، فلأن يكون ذلك غير لازم في حق الله ﵎ أولى وأظهر.
ثانيا: أن من ينفون بعض الصفات لاستلزامها ما يزعمون أنها لوازم باطلة، فإن الجواب عنهم يكون بنفي اللزوم، فنقول: لا نسلم أن هذه اللوازم تلزم من أثبت هذه الصفات، ثم نقول: على فرض لزومها فهي ليست لازمة لنا، وإنما تلزم من تكلم بهذه الصفة ونطق بها، فإن
стр. 132
كان لازم هذه الصفة ما ذكر حقاً فنحن نلتزمه، لأن لازم الحق حق (١).
قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (٢) ﵀: " اعرف -رحمك الله- غناك عن تكلفِ صفةِ ما لم يصفْ الربُ من نفسه بعجزِكَ عن معرفته قدْرَ ما وصفَ منها، إذا لم تعرفْ قدرَ ما وصفَ فما كلّفَك عِلْمِ ما لم يِصف، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تتزحزحُ عن شيء من معصيته؟ فأما الذي جحد ما وصفِ الربُ من نفسه تعمُّقا وتكلّفا قد ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: ٧١]، فصارِ أحدِها، ومنها يَستدلُ من زعمَ على جحدِ ما وصفُ الربُ وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعُمِّي عن البيّنِ بالخفي، بجحد ما سمى الربُ من نفسه، فصمتَ الربُ (٣) عما لم يُسم منها" (٤).
ثالثا: أن مفهوم الحركة في اللغة مفهوم واسع، يطلق ويراد به جنس العمل مطلقاً، ولو نفسياً، فيقال: تحرك غضبه، وسكن، ولو لم يكن للجسم، فيقال: جاء الحر، وذهب الشتاء.
وبناء على ذلك، يكون مطلق الصفات الفعلية التي تقوم بالحق تعالى، كالغضب والرضا، والحب والبغض، والإرادة، وغير ذلك من جنس الحركة العامة (٥).
ومنه قوله ﷺ في تعليمه للأعرابي أن يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (٦).
قال شيخ الإسلام: "لفظ الحول يتناول كل تحول من حال إلى حال، والقوة هي القدرة
стр. 133
على ذلك التحول، فدلت هذه الكلمة العظيمة على أنه ليس للعالم العلوي والسفلي حركة وتحول من حال إلى حال، ولا قدرة على ذلك إلا بالله" (١).
ثم من الصفات الفعلية التي تقوم بالحق تعالى ما هو من جنس الحركة الخاصة، كالمجيء، والإتيان، والنزول، والاستواء، والقرب، والدنو.
رابعا: أن لفظ الحركة - ومثله الانتقال - لفظ مجمل، ومثل تلك الألفاظ فمن "أثبتها مطلقاً، فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقاً، فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله وما يجب إثباته له.
فإن الانتقال يراد به: انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباته للرب تعالى.
وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى، امتنع إثباتها لله تعالى.
ويراد بالحركة والانتقال: حركة الفاعل من كونه فاعلاً وانتقاله أيضاً من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلاً.
فهذا المعنى حق في نفسه، لا يعقل كون الفاعل إلا به، فنفيه عن الفاعل، نفي لحقيقة الفعل وتعطيل له.
وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك، وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له، وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه، وقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة، وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة.
فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين؛ فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به.
فما كان من لوازم أفعاله؛ لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق؛ لم يجز إثباته له.
стр. 134
وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور، فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة" (١).
خامسا: أن تسمية تلك الأفعال حركة مما لم يرد في الكتاب والسنة إثباته أو نفيه عن الحق تعالى، والقاعدة في مثل ذلك أن يستفصل في معناه، فإن كان مراد مطلقه إثبات الصفات الفعلية الواردة في الكتاب والسنة من غير تأويلها أو تشبيهها بصفات المخلوقين كان صوابا، وإن أراد غير ذلك كان خطأ.
قال الشيخ عبد الرحمن البراك - حفظه الله-: "لفظ الحركة والتحول مما لم يرد في كتاب ولا سنة، فلا يجوز الجزم بنفيه، ونسبه نفيه إلى السلف والأئمة من أهل السنة والجماعة لا تصح، بل منهم من يجوز ذلك ويثبت معناه ويمسك عن إطلاق لفظه، ومنهم من يثبت لفظ الحركة، ولا منافاة بين القولين؛ فإن أهل السنة والجماعة متفقون على إثبات ما هو من جنس الحركة، كالمجيء، والنزول، والدنو، والصعود، مما جاء في الكتاب والسنة، والأولى: الوقوف مع ألفاظ النصوص" (٢).
قال شيخ الإسلام: " ما تنازع فيه المتأخرون، نفيًا وإثباتًا؛ فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًا؛ قُبل، وإن أراد باطلا؛ رُدّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل؛ لم يُقبل مطلقًا ولم يُرد جميع معناه، بل يُوقف اللفظ ويُفسّر المعنى " (٣).
والأصل ألا يطلق ذلك اللفظ المجمل؛ لورود الاحتمال على معناه.
سادسا: أن أهل السنة قد اختلفوا في تسمية تلك الأفعال حركة، على ثلاثة أقوال
١ - فمنهم من نفاه مع إثبات الألفاظ والمعاني الصحيحة الواردة في الكتاب والسنة.
٢ - ومنهم من أطلقه.
стр. 135
٣ - ومنهم من توقف في الإطلاق أو النفي (١).
قال ابن القيم ﵀ "أما الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص، وسكتوا عما سكت عنه، وتظهر صحة هذه الطريقة ظهورا تاما فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت النص عنها مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وفاسد، كلفظ الحركة والانتقال والجسم والحيز" (٢).
على أنه يمكن التأليف بين أقوال أهل السنة، وأن إطلاق الألفاظ المجملة يجوز للحاجة، أو المصلحة، كأن يكون تفهيما لمن يتكلم بهذا اللسان، وبه يعقل المعاني، أو على سبيل النقض على من ينفيه نفيا مطلقا بما فيه من المعنى الصحيح الموافق للكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام ﵀: " لم يذكر هو ولا رسوله ولا أهل العلم والإيمان به: أنه ليس بجسم، ولا جوهر، ولا متحيز، ولا في جهة، ولا أن صفاته ليست بعرض، ولا قائمة بالغير، ولا نحو ذلك.
وكذلك في الإثبات له الأسماء الحسنى التي يدعى بها، وليس في تلك الأسماء أنه جسم، ولا جوهر ونحو ذلك، ولا أن صفاته تسمى أعراضاً، ونحو ذلك.
فلم يكن واحد من هذين مشروعاً على الإطلاق، ولا هو أيضاً منهياً عنه على الإطلاق.
بل إذا أثبت الرجل معنى حقاً، ونفى معنى باطلاً، واحتاج إلى التعبير عن ذلك بعبارة لأجل إفهام المخاطب؛ لأنها من لغة المخاطب ونحو ذلك = لم يكن ذلك منهياً عنه؛ لأن ذلك يكون من باب ترجمة أسمائه وآياته بلغة أخرى ليفهم أهل تلك اللغة معاني كلامه وأسمائه، وهذا جائز، بل مستحب أحياناً، بل واجب أحياناً، وإن لم يكن ذلك مشروعاً على الإطلاق، كمخاطبة أهل هذه الاصطلاحات الخاصة في أسماء الله وصفاته وأصول الدين باصطلاحهم الخاص، إذا كانت المعاني التي تبين لهم هي معاني القرآن والسنة " (٣).
стр. 136
وقال: " السلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ الجوهر، والعرض، والجسم، وغير ذلك؛ بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معاني مجملة في النفي والإثبات.
كما قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع فقال: هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه.
فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة، بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة؛ كان ذلك هو الحق؛ بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه الألفاظ: نفيا وإثباتا في الوسائل والمسائل؛ من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو الصراط المستقيم. وهذا من مثارات الشبهة" (١).
سابعا: قول الكاتب: "اتفق السلف الصالح وأهل السنة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الحركة والزوال من مكان والانتقال إلى آخر … "، لم يذكر مصدر هذا الكلام، والسلف كما سبق يثبتون لله ما أثبته لنفسه من غير تمثييل ولا تكييف ولا تحريف ولا تعطيل. وإثبات السلف للصفة كما وردت في الكتاب والسنة لا يقتضي هذه المعاني التي يلزم بها المناوئون للسلف.
ثامنا: قول الكاتب أنه "قد صح عن الإمام التابعي الكبير المفسر قتادة السدوسي (٦٠ - ١١٧ هـ) أنه نزّه الله تعالى عن التغير والانتقال، حيث روى الإمام الطبري (١١/ ٤٨٠) في تفسيره: (حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦]، علم أن ربه دائم لا يزول".
فنحن نقول بما قال به قتادة ﵀، وأن الله دائم لا يزول، فهو الأول ليس قبله شيء، والأخر فليس بعده شيء، وهو سبحانه في العلو، ولكن الكاتب لم يفهم كلام قتادة ﵀،
стр. 137
فقتادة لم يقل أنه لا ينزل ولا يأتي، ولم يستخدم هذه المصطلحات الحادثة: التغيير والانتقال.
تاسعا: قول الكاتب " وقد ذهب الإمام السلفي أبو إسحاق الزجاج الحنبلي (٢٤١ - ٣١١ هـ) إلى أن المنتقل من مكان إلى مكان .. محدث لا يصلح للإلهية، فقال في معاني القرآن (٢/ ٢٨٨): " ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، أي: لا أحب من كانت حالته، أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث، منتقل من مكان إلى مكان".
وكذلك نحن نقول بقول أبي إسحاق الزجاج ﵀، ولكن الكاتب لم يفهم كلامه، فهو يقول: " لا أحب من كانت حالته، أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث "، فقيد كلامه بقوله: "على هيئة يتبين معها أنه محدث"، فإذا تبين معها أنه محدث فهو مخلوق، أما الله فهو يأتي وينزل متى شاء، وكيف شاء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
عاشرا: أما استدلاله على نفي تلك الصفات من الشرع بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٧٦]، أي لا أحب من حالته أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث، وينتقل من مكان إلى مكان، فإبراهيم أنكر ربوبية الكوكب لكونه آفلاً: أي: متحركاً (١).
فهذا استدلال باطل، يبطله تفسير الزجاجي للآية، حيث يقول ﵀: " (فَلَمَّا أَفَلَ). أي فلما غاب، يقال أفل النجم يأفل أفولا، إذا غاب: (أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ).
أي لا أحب من كانت حالته أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث منتقل من مكان إلى مكان، كما يفعل سائر الأشياء التي أجمعتم معي على أنها ليست بآلهة، أي لا أتخذ ما هذه حاله إلها، كما أنكم لا تتخذون كل ما جرى مجرى هذا من سائر الأشياء آلهة، ليس أنه جعل الحجة عليهم أن ما غاب ليس بإله، لأن السماء والأرض ظاهرتان غير غائبتين وليس يدعى فيهما هذه الدعوى.
стр. 138
وإنما أراد التبيين لهم القريب، لأن غيبوبته أقرب ما الناظرون به فيما يظهر لهم" (١).
وقال الدارمي ﵀: " واحتججت أيضا أيها المريسي في نفي التحريك، عن الله والزوال بحجج الصبيان، فزعمت أن إبراهيم ﵇ حين رأى كوكبا وشمسا وقمرا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ثم قلت: فنفى إبراهيم المحبة من كل إله زائل، يعني أن الله إذا نزل من سماء إلى سماء أو نزل يوم القيامة لمحاسبة العباد فقد أفل زوال (٢) كما أفل الشمس والقمر، فتنصل من ربوبيتهما إبراهيم، فلو قاس هذا القياس تركي طمطماني (٣) أو رومي أعجمي ما زاد على ما قست قبحا وسماجة، ويلك! ومن قال من خلق الله تعالى: إن الله تعالى إذا نزل أو تحرك، أو نزل ليوم الحساب أفل في شيء، كما تأفل الشمس في عين حمئة؟.
إن الله يأفل في خلق سواه (٤) إذا نزل أو ارتفع كما تأفل الشمس والقمر والكواكب، بل هو العالي على كل شيء، المحيط بكل شيء في جيمع أحواله من نزوله وارتفاعه.
وهو الفعال لما يريد ٥ لا يأفل في شيء، بل الأشياء كلها تخشع له والمواضع والشمس والقمر والكواكب خلائق مخلوقة، إذا أفلت أفلت في مخلوق، في عين حمئة، كما قال الله، والله أعلى وأجل لا يحيط به شيء، ولا يحتوي عليه شيء" (٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رد هذا الاستدلال: "ولو تدبروا لعلموا أن قصة إبراهيم هي على نقيض مطلوبهم من الأفول.
أما أولا: فإن إبراهيم إنما قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، والأفول هو المغيب والاختفاء، بالعلم القائم المتواتر الضروري في النفس واللغة، ولم ينقل أحد أن الأفول مجرد الحركة.
وأما ثانيا: فإنه قد قال: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ
стр. 139
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ [الأنعام: ٧٧ - ٧٨].
ومعلوم أنه من حين البزوغ ظهرت فيه الحركة، فلو كانت هي الدليل على الحدوث؛ لم يستمر على ما كان عليه إلى حين المغيب، بل هذا يدل على أن الحركة لم يستدل بها، أو لم تكن تدل عنده على نفس مطلوبه.
وأما ثالثاً: فإنما قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ فنفى محبته فقط، ولم يتعرض لما ذكروه.
وأما رابعاً: فمن المعلوم أن أحدا من العقلاء لم يكن يظن أن كوكبا من الكواكب دون غيره من الكواكب هو رب كل شيء حتى يكون رب سائر الكواكب والأفلاك والشمس والقمر" (١).
стр. 140
المطلب الحادي عشر: دعوى تجويز تصوير التماثيل
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن من الأدلة على جواز تصوير التماثيل أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يذكرها في كتابه الكبائر، وهذا يدل على أنها جائزة
ذكر محمد يوسف بلال: جواز تصوير التماثيل، واستدلَ على ذلك بحديث النبي ﷺ : «أشدُّ الناسِ عذاباً يومِ القيامة المصورّون» (١)، وحصرَ الحديث في منْ أرادَ بهذه التماثيل أن تعبد من دون الله، وفي جملة من استدل بهم من العلماء على جواز تصوير التماثيل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأنه لم يذكره ضمن كتابه الكبائر.
وبعد أن نقل فتاوى اللجنة الدائمة وبعض أهل العلم في تحريم تصوير التماثيل قال: "والحق أن العلماء قد اختلفوا في حكم تصوير ذوات الأرواح من الإنسان أو الحيوان، سواء كان ذلك تصويراً بالتماثيل أو الصور إلى ثلاثة أقوال، الأول: أنه غير محرم. الثاني: التحريم إذا توافرت ثلاث شروط. والثالث: التحريم مطلقاً (٢).
وذلك وفق الثابت بالموسوعة الفقهية الكويتية ببحث مكون من أربعة وسبعين صفحة، بينما السلفية تنقل الإجماع كذباً وبشكل دائم وبلا خجل! " (٣).
ثم قال: " إذا كانت النظرة محرمة لأنها من وسائل الزنا إلا أن الزنا أعظم في عقوبته من النظرة، فالزنا أحد الحدود، بينما النظرة ليست كذلك، وكذلك تصوير التماثيل محرم لأنه من وسائل الشرك، إلا أن الشرك أعظم في عقوبته، فالردة عن الإسلام أحد الحدود، بينما تصوير التماثيل ليس كذلك، وبالتالي فقول النبي ﷺ : «إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون» يُحمل على صناعة التماثيل لكي تُعبد من دون الله رب العالمين أو يقصد التحدي لله وأنه يخلق خلقاً كما يخلق الله رب العالمين، فإن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى كما أخبر
стр. 141
رسول الله ﷺ في أول حديث بصحيح الإمام البخاري".
ثم قال في الاستدلال على ما ذهب إليه: "والبرهان الساطع على ما قلناه أن محمد بن عبد الوهاب -أصل الحركة الوهابية- لم يذكر في كتابه "الكبائر" التصوير من بينها! بينما ذكرها الإمام الذهبي في كتاب "الكبائر": الكبيرة الثامنة والأربعون، ليؤكد صدق ما قلناه، حيث إنه ذكر قبلها الكبر والظلم والكذب والنميمة والرياء وكتمان العلم وغيرها من مساوئ الأخلاق، أي أن مساوئ الأخلاق أعظم في نظره من التصوير، وأن التصوير ليس بهذه الدرجة من الخطورة التي يصدح ويصيح بها السلفية الوثنية" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يجيز تصوير التماثيل، وأن من جاء بعده من أتباعه يحرمونه، وبناء على ذلك فإن تصوير التماثيل جائز.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: التصوير في اللغة: صنع الصورة. وصورة الشيء هي هيئته الخاصة التي يتميز بها عن غيره. وفي أسمائه تعالى: المصور، ومعناه: الذي صور جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورته الخاصة وهيئته المفردة، على اختلافها وكثرتها (٢).
وورد في حديث ابن عمر ﵄ تسمية الوجه صورة، قال ﵁: «نهى النبي ﷺ أن تضرب الصورة» (٣). أي: أن يضرب الوجه أو يوسم الحيوان في وجهه.
والتصوير أيضًا: ذكر صورة الشيء، أي: صفته، يقال: صورت لفلان الأمر، أي: وصفته له.
стр. 142
والتصوير أيضاً: صنع الصورة التي هي تمثال الشيء، أي: ما يماثل الشيء ويحكي هيئته التي هو عليها، سواء أكانت الصورة مجسمة أو غير مجسمة، أو كما يعبر بعض الفقهاء: ذات ظل أو غير ذات ظل.
والمراد بالصورة المجسمة أو ذات الظل ما كانت ذات ثلاثة أبعاد، أي لها حجم، بحيث تكون أعضاؤها نافرة يمكن أن تتميز باللمس، بالإضافة إلى تميزها بالنظر.
وأما غير المجسمة، أو التي ليس لها ظل، فهي المسطحة، أو ذات البعدين، وتتميز أعضاؤها بالنظر فقط، دون اللمس؛ لأنها ليست نافرة، كالصور التي على الورق، أو القماش، أو السطوح الملساء. والتصوير والصورة في اصطلاح الفقهاء يجري على ما جرى عليه في اللغة (١).
أما التماثيل في اللغة: فهي جمع تمثال " بكسر التاء "، وتمثال الشيء: صورته في شيء آخر. وهو من المماثلة، وهي المساواة بين الشيئين. والتمثيل: التصوير. يقال: مثل له الشيء إذا صوره له كأنه ينظر إليه، ومثلت له كذا: إذا صورت له مثاله بكتابة أو غيرها، وفي الحديث: «أشد الناس عذابًا ممثل من الممثلين» (٢). أي مصور. وظل كل شيء تمثاله (٣).
والفرق بين التمثال وبين الصورة: أن صورة الشيء قد يراد بها الشيء نفسه، وقد يراد به غيره مما يحكي هيئة الأصل، أما التمثال فهو الصورة التي تحكي الشيء وتماثله، ولا يقال لصورة الشيء في نفسه: إنها تمثاله.
"أما في عرف الفقهاء، فإنه باستقراء كلامهم تبين أن أكثرهم لا يفرقون في الاستعمال بين لفظي (الصورة) (والتمثال)، إلا أن بعضهم خص التمثال بصورة ما كان ذا روح، أي صورة الإنسان أو الحيوان، سواء أكان مجسما أو مسطحا، دون صورة شمس أو قمر أو بيت، وأما الصورة فهي أعم من ذلك" (٤).
стр. 143
وعلى تحريم تصوير التماثيل بهذا التعريف -وهو الصورة التي تحكي الشيء وتماثله من ذوات الأورح - جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، قال النووي ﵀: " ولا فرق فى هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له هذا تلخيص مذهبنا في المسألة وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم وقال بعض السلف إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل؛ فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة، وقال الزهري النهي في الصورة على العموم وكذلك استعمال ما هى فيه ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رقما فى ثوب أو غير رقم وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملا بظاهر الأحاديث لاسيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم وهذا مذهب قوى" (١).
ونقل الكاتب أن الذهبي ﵀ عده ضمن الكبائر في كتابه الكبائر: الكبيرة الثامنة الأربعون، وكذلك ابن حجر الهيتمي في كتابه: الزواجر عن اقتراف الكبائر، الكبيرة الثامنة والستون بعد المائتين.
فكيف يقول بعد ذلك: " وأن التصوير ليس بهذه الدرجة من الخطورة التي يصدح ويصيح بها السلفية الوثنية"؛ إلا إن كانت الكبائر ليست بخطيرة عنده!.
ثانيا: ما نقله الكاتب من فتاوى اللجنة الدائمة وبعض أهل العلم من أتباع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في تحريم التماثيل بناء على ما تبين لهم من نصوص الكتاب والسنة، وزعمه أنهم خالفوا الإمام في ذلك؛ فهذه شهادة تزكية لهم بأن أتباع الإمام ﵀ إنما يعظمون النصوص؛ وإن كانت تخالف قول إمامهم، وهم في ذلك مقتدون بإمهم في تقديم النصوص على قول كل أحد كائنا من كان حاشا رسول الله ﷺ ، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: " بل أقول ولله الحمد والمنة وبه القوة: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم
стр. 144
ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، ولست -ولله الحمد- أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، أو غيرهم.
بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو ألا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقَبِلنّها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله ﷺ فإنه لا يقول إلا الحق" (١).
ثالثا: ذكر صاحب الكتاب أن الشيخ ﵀ لم يذكر التصوير في كتاب الكبائر، والجواب أن الأصل والمرجع في التحليل والتحريم الكتاب والسنة سواء ذكره الشيخ أو لم يذكره، وأن كل أمر أختلف فيه فمرده الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣]، وغيرها من الآيات كثير.
علما بأن الشيخ ﵀ ذكر التصوير في باب مفرد في كتابه (كتاب التوحيد) فقال ﵀ باب ما جاء في المصورين-: "أي: من الوعيد الشديد والتهديد الأكيد؛ للمضاهاة بخلق الله، بل هو منشأ الوثنية، وما دخل على القرون قبلنا إنما هو من هذا الباب؛ لأن صورة المألوف تعظيم، وإذا ارتسمت في الحافظة وبقي ذكرها يمر على البصر الناظر إليها من رسمها لابد أن تستولي على قلبه، وتحل فيه حلول التعبد له" (٢).
رابعا: ما نقله عن الموسوعة الفقهية الكويتية في اختلاف العلماء في التصوير، فهو كعادة بعض أهل الأهواء، من عدم نقل الكلام كاملاً؛ فإن الموسوعة نصَّت على أن الكلام في هذا البحث عن
стр. 145
التمثال في استعماله عند الفقهاء.
"والتصوير والصورة في اصطلاح الفقهاء يجري على ما جرى عليه في اللغة" (١).
"وهذا البحث جار على الاصطلاح الأغلب عند الفقهاء، وهو أن الصورة التي تحكي الشيء، والتمثال بمعنى واحد" (٢).
خامسا: أن الحديثَ الذي استدل به وهو «أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون»، وحصرَه في منْ أرادَ أن يعبد من دون الله؛ فليس في الحديث ما يدل على أن العذاب فيمن أراد أن تعبدمن دون الله.
وقد جاء في الحديث عن ابن عباس ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مصور في النار، يجعل له، بكل صورة صورها، نفسا فتعذبه في جهنم» (٣).
"أي: تعذبه نفس الصورة بأن يجعل فيها روحاً، والباء بمعنى "في" أو يجعل له بكل صورة شخص يعذب به" (٤).
وعن عائشة ﵂: أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فقام النبي ﷺ بالباب فلم يدخل، فقلت: أتوب إلى الله مما أذنبت، قال: «ما هذه النمرقة؟ قلت: لتجلس عليها وتوسدها. قال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه الصور» (٥).
فهي ﵂ لم تذكر أنها اتخذت هذه النمرقة من أجل أن تعبد من دون الله - وحاشاها من ذلك-، ولكن قالت ﵂: لتجلس عليها وتوسد عليها، وفهي مهانة أيضًا.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قدم الجملة الأولى - إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم