← Общие книги

Общие книги · id 1452

الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (740 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إلا الله هو أن الشهادة مشتملة على جزئين في المعنى: ١ - النفي في قوله: "لا إله". ٢ - والإثبات في قوله: "إلا الله". وهذان المعنيان موجودان في الآية بحيث يمكن أن نفسر معنى (الإله) عندما نطابق بين المعنيين: فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ موافق لقوله: "لا إله"؛ لأن كليهما نفي في المعنى، ويلاحظ أن الآية تشتمل على (العبادة) الموافقة لمعنى (الإله). وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ موافق لقوله: "إلا الله". خامسا: أنه حصل الخلط عند المناوئين في تعريف توحيد الألوهية، حيث عرف كثير من الأشاعرة (١) كلمة (إله) بأنه القادر على الاختراع، فمن ذلك ما نسبه البغدادي (٢) إلى أبي الحسن الأشعري (٣) فقال: "واختلف أصحابنا في معنى الإله: فمنهم من قال إنه مشتق من الإلهية، وهي: قدرته على اختراع الأعيان، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري" (٤)، ثم اختار البغدادي القول بأنه غير مشتق!

стр. 72

وقد حكى الرازي هذا القول ذاكراً دليله دون أن يسمى قائله، فقال في صدد حكاية مذاهب الناس في أصل اشتقاق اسم الله تعالى (الله) قال: "القول السابع: الإله من له الإلهية، وهي القدرة على الاختراع، والدليل عليه أن فرعون لما قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، قال موسى في الجواب: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشعراء: ٢٤]، فذكر في الجواب عن السؤال الطالب لماهية الإله: القدرة على الاختراع، ولولا أن حقيقة الإلهية هي القدرة على الاختراع لم يكن هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال" (١). والجواب عن هذا الكلام من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إن فرعون كان متظاهراً بإنكار وجود رب العالمين، بل كان يدّعي أنه رب العالمين بقوله: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤]، وقال: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧]. ولذلك كان سؤاله بقوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، سؤالاً عن وصف الرب تعالى وليس سؤالاً عن الماهية، إذ السؤال عن ماهية الشيء فرع الإقرار به، وهو لا يقر بالله متظاهراً، فمن لم يقر بشيء لا يسأل عن ماهيته (٢)، فمن سأل عن ماهية الإنسان فقال: ما الإنسان؟ فإن ذلك فرع إقراره بوجوده، وكذلك هنا (٣). ويوضح هذا - أن السؤال عن الوصف وليس الماهية- آية أخرى وهي: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٩]، ومعلوم أن (من) لا يسأل بها عن ماهية الشيء وحقيقته، وإنما حقيقة معنى الإلهية هي: استحقاق الله للعبادة بما له من صفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص. الوجه الثاني: إنه لو كان معنى إله: القادر على الاختراع كان معنى لا إله إلا الله أي: لا خالق إلا الله ولا قادر على الاختراع إلا هو، وهذا المعنى كان يقول به المشركون، ولذلك يحتج الله عليهم بمعرفتهم هذه بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، أي

стр. 73

تعلمون أنه لا رب لكم غيره، كما نُقل ذلك عن جمع من المفسرين (١). فلو كان المعنى ما ذكره هؤلاء المتكلمون لما استقام الإنكار على المشركين الذين يقرون بأن الله هو خالقهم وخالق كل شيء، وإنما كان شركهم في الألوهية (٢). الوجه الثالث: إن هذا القول غير معروف عند أهل اللغة، ولذلك لم يحتج من قال بهذا القول بشاهد من شواهد لغة العرب، ولا بنقل إمام معتبر من أئمة اللغة (٣). والإلهية: مصدر صناعي من اسم الإله، يراد به اتصاف الرب بكونه إلهًا في نفسه، والمعنى استحقاق الرب جل وعلا أن يُعبد وتُصرف إليه وجوه القربة، واتصافه بما يوجب إفراده بالعبادة من الربوبية وصفات الكمال. والألوهية: العبادة وصرف أنواعها لله ، وهي بمعنى الإلهة. فالإلهية صفة من صفات ربوبية الله ، والألوهية هي صرف أفعال العباد التي يستحقها الله جل وعلا إليه وحده، فالأولى صفة الخالق والثانية القصد إليه بأفعال المخلوقين. وعلى هذا فتوحيد الإلهية داخل في توحيد المعرفة والإثبات لا في توحيد الطلب والقصد، ومن فسر لا إله إلا الله بمعنى الإلهية فقد قصرها على المعرفة والإثبات ولم يدخل فيها توحيد الطلب والقصد، وكان مفسرًا لكلمة التوحيد بالربوبية حقيقة. ومعنى لا إله إلا الله يشمل المعرفة والطلب، فمن المعرفة معرفة أن الله منفرد باستحقاق العبادة، ومن اعتقد هذا الاعتقاد لم يكن موحدًا لله توحيدًا حقيقيا حتى يجمع إلى ذلك عمله به وقصده إليه بأن يُفرد الله وحده بالعبادة ويجتنب عبادة غيره. سادسا: الفهم الخاطئ للتعريف المشهور لكلمة التوحيد: لا معبود بحق إلا الله، فظنوا أن معنى الإله في كلمة التوحيد متعلّقٌ بكلمة: "بحق"، والحق أن معنى الإله هو في كلمة "معبود"، أما كلمة "بحق" فهي قيد لإخراج المألوهات من دون الله، وهذا ظاهر إذا تأملت أن كلمة الإله

стр. 74

التي تعني المعبود ليس فيها تخصيص ذلك بالمعبود بحق ولا دون حق؛ بل متعلق بالعابد فمن عبد شيئًا فهو إلههُ، أما قولهم "بحق" في شرح لا إله إلا الله فإنما هو إظهار للجواب المقدر بعد لا النافية للجنس؛ لأن التقدير "لا إله (حقٌّ) إلا الله"، وليس داخلاً في لفظ الإله؛ بل هو مقدر في سياق الجملة. ومعنى لا إله إلا الله مفسر في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]؛ فتبرأ إبراهيم ﵇ من الآلهة المعبودة من دون الله ولم يتولَّ إلا الله، وجعل هذا الأمر كلمةً باقيةً في عقبه وهي كلمة التوحيد، فليست مجرد التكذيب بالآلهة أو اعتقاد استحقاق الله للعبادة، بل هي البراءة الفعلية من كل ما يُعبد من دون الله وعبادة الله وحده، فهذه هي الكلمة التي عليها مدار الدين وهي أصل الإيمان واليقين (١). سابعًا: ما يترتب على هذا القول والغلط من لوازم فاسدة، فإنه لو اقتصر على تفسير "لا إله إلا الله" بمعنى الإلهية للزم كون إبليس مؤمنًا؛ فإنه يعتقد ويوقن بأن الله سبحانه هو وحده المستحق للعبادة، ويعلم أن ما يفعله ويدعو إليه ضلال مبين وغواية، ومع ذلك فإنه كافر بالله غير موحد، ولا يقول أحد من أهل الإسلام إن إبليس ممن يشهد ألا إله إلا الله فضلاً عن كونه من الموحدين، فكذلك كل من أقر باستحقاق الله للعبادة ثم أعرض أو استكبر أو عبد غير الله معه ولو معتقدًا بطلان ما يفعل؛ فإنه يكون على كلامهم موحدا. ثامنًا: أن دعوة الرسل والأنبياء جميعا إلى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وقد فسروا هذه الكلمة بفعل الأمر الذي يقتضي الامتثال والعمل، فليس الأمر مجرد استحقاق الله أن يعبد؛ بل الألوهية حقيقة عبادته كما دعا إليه الأنبياء والرسل جميعًا. ولهذا يقول الرسل والأنبياء فيما أخبرنا الله من دعواتهم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وأخبر عن عيسى ﵇: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]، وفي آخر المائدة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾

стр. 75

[المائدة: ١١٧]، وعن نوح ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣]، وعن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]، وعن صالح ﵇: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وعن شعيب ﵇: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]، ومثله عن غيرهم من الرسل والأنبياء، وكانت هذه دعوة خاتم النبيين محمد ﷺ . وبهذا يتبين صحة إطلاق توحيد الألوهية بمعنى العبادة.

стр. 76

المطلب الرابع: دعوى عدم صحة تعريف العبادة عند الإمام من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن تعريفهم للعبادة غير صحيح، وأن العبادة لا تكون عبادة إلا بقيود، منها: اعتقاد شيء من خواص الربوبية في المخضوع له، واعتقاد الإلهية في المخضوع له. يقول عثمان النابلسي -في رده تعريف العبادة عند الإمام- "إن من قيود العبادة حتى تسمى عبادة: الأول: اعتقاد شيء من خواص الربوبية في المخضوع له. والثاني: اعتقاد الإلهية في المخضوع له" (١)، "وأن المشركين خضعوا لأصنامهم باعتقاد أنها آلهة، وقد كانوا يصرحون بأنهم اتخذوها آلهة لهم، والخضوع لمخلوق باعتقاد أنه إله عبادة له، فقد قال تعالى عنهم: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾ [يس: ٧٤]. وأخبر القرآن الكريم أن المشركين اعتقدوا الإلهية في أصنامهم، فقال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] ". وأنهم استنكروا وحدانية الإله، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥] " (٢). ثم ذكر أن هذا الخضوع لا يتحقق إلا بنيتين: "الأولى: نية العبد، وتتعلق بجميع الأفعال الخضوعية حتى تعتبر عبادة. الثانية: النية الجزئية المتعلقة بأخص وصف الخضوع، ككونه سجوداً أو طوافاً .. الخ،

стр. 77

فلابد أن ينوي الفاعل صورة الخضوع المعيّنة" (١). وبهذه القيود أخرجوا بعض الأعمال عن كونها عبادة لعدم توفرها، ومن تلك العبادات التي أخرجوها عن كونها عبادة: السجود (٢)، والطواف بغير الكعبة (٣)، والذبح والنذر لغير الله (٤)، والاستغاثة والطلب من المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله (٥). كما أنكر تعريف العبادة بأنها: كل ما يتقرب به العبد إلى الله جل وعلا ممتثلاً به الأمر والنهي، أو أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة (٦). ثم قال "ويرد على هذين التعريفين ما يلي: أولاً: أن هذين التعريفين لا ينطبقان على كل مصاديق العبادة. أ- فهناك أقوام يعبدون أصنامهم بالجلوس أمامها على هيئة التربع لساعات طوال دون حراك، وهناك من يعبد إلهه بالتلطخ ببوله والجلوس تحته، وهناك من يعبد صنمه بالتدلي قبالته جاعلاً رأسه في الأسفل وقدميه في الأعلى، وكل هذه الأفعال عبادة، لكنها لا يحبها الله ويرضاها، ولا تقرب إلى الله بامتثال أمره ونهيه. ب- وقد يعبد المسلم الله تعالى بفعل لم يرد في الشرع، فيكون فعله عبادة لكنها عبادة فاسدة غير مقبولة لأنها بغير ما شرع. ثانياً: يريد الوهابية بهذين التعريفين أن ما صح أن يحبه ويرضاه الله أو أن يُتقرب به إليه بامتثال الأمر والنهي، إذا صرف لله تعالى فهو عبادة له، وإذا صُرف لغير الله فهو شرك بالله تعالى وعبادة لغيره" (٧). حقيقة هذه الدعوى:

стр. 78

هذه الدعوى قديمة (١)، وهي الاشتباه في معنى العبادة الصحيح (٢)، وبسبب ذلك حصل الإنحرف في شأن الاستعانة بالصالحين الموتى، وتعظيم القبور والمشاهد … ووقع الشرك. والجواب عن هذه الدعوى: أولا: تعريف العبادة في اللغة: مصدر عَبَدَ يعبد عبادة. يقول ابن فارس ﵀: "العين والباء والدال أصلان صحيحان، كأنهما متضادان: والأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل. والآخر على شدة وغلظ … فالأول العبد، وهو المملوك … والأصل الآخر العَبَدَة، وهي القوة والصلابة" (٣). والعبادة تطلق في اللغة على معان متعددة منها: الخضوع والذلة، والقوة والصلابة، والأنفة والكراهة، والطاعة والتنسك والمملوكية (٤). والمتأمل في هذه المعاني يراها ترجع إلى الأصلين اللذين ذكرهما ابن فارس، ولا تخرج عنهما. ثانيا: تعريف العبادة في الشرع: إن معاني العبادة في الشرع تتنوع بحسب اعتبارات سياقاتها، فالعبادة باعتبار أصلها هي مصدر بمعنى التّعبّد، وهي بهذا المعنى التذلل لله والخضوع له بفعل أوامره واجتناب نواهيه، مع المحبة والتعظيم. والعبادة باعتبار أفرادها هي اسم بمعنى المُتَعبَد به، وهي بهذا المعنى اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة (٥). ثالثا: لا بد من التفريق بين تعريف العبادة من حيث هي مطلقة دون الإضافة إلى أحد،

стр. 79

وبين تعريفها باعتبارها العبادة الحقة المأمور بها شرعا، وهي المضافة إلى الله . فهي من حيث الإطلاق يدخل فيها العبادة الحقة والعبادة الباطلة، أما من حيث المأمور بها شرعا فالعبادة لا تكون عبادة إلا بشروطها، من الإخلاص لله والمتابعة لرسوله ﷺ . كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا بشروطها. فمن عرفها بأنها غاية المحبة والخضوع، فهذا باعتبار معناها المطلق. ومن عرفها بأنها الخضوع لله بالطاعة، أو بأنها محبة الله، أو بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه ونحو ذلك، فهذا باعتبار العبادة المأمور بها شرعا. رابعا: أن العبادة تطلق ويراد بها التّعبد: وهو فعل العبد. وتطلق ويراد بها المتعّبد به: وهو صور العبادة التي يقوم بها العبد من صلاة وصيام ونحوهما (١). فعلى الإطلاق الأول - التعبد-، تكون العبادة: كل ما يتقرب به العبد إلى الله جل وعلا ممتثلاً به الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ [المائدة: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]، وغيرها من الآيات. وعلى الإطلاق الثاني - المتعبد به-، تكون العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، قيدت بما يحبه الله ويرضاه، والله يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ويقول تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾ [آل

стр. 80

عمران: ٥٧]، ويقول : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾ [النحل: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ [آل عمران: ٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩]. خامسا: ما ذكروه من أمثلة على بعض الأعمال التي يحبها الله ويرضاها وتقرب إليه، لكنها إذا أديت لغير الله لا تكون شركا بالله وعبادة لغيره. فإن الأعمال على نوعين، منها ما هو عبادة محضة كالصلاة والصيام، فهذه لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦]. ومنها ما ليس من العبادات المحضة؛ مثل إطعام الطعام، وإماطة الأذى عن الطريق ونحو ذلك، فهذه إن أريد بها وجه الله أجر عليها وكانت عبادة، وإلا ليس له منها إلا ما نوى ولم تكن عبادة، قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩]. وقد وضح ذلك النبي ﷺ بضرب مثال بالهجرة، فقال: «الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١). وأما ما ذكره في المثال الثاني من السجود، وأنه من الأعمال التي يحبها الله ؛ ومع ذلك فإن سجود الملائكة لآدم ﵇، وسجود إخوة يوسف ﵇ لم يكن شركاً.

стр. 81

فهذا صحيح؛ فإن السجود لله عبادة؛ لكن سجود الملائكة لآدم ليس سجود عبادة لأدم بالاتفاق؛ وإنما هو طاعة وامتثال لأمر الله تعالى، وسجود تحية وكرامة عظيمة (١). وكذلك سجود إخوة يوسف له ﵇، فهو سجود تحية وسلام إكرام، وكانت تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف، والصغير للكبير، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود على أي وجه كان فإنما كان تحية لا عبادة، وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا (٢).

стр. 82

المطلب الخامس: دعوى عدم صحة تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام مبتدع (١)، وأوردوا على ذلك بعض الشبه (٢)، وأضافوا عليها شبه جديدة. يقول عثمان النابلسي: "يمثل الوهابية لتقسيمهم التوحيد، بتقسيم اللغويين الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، إلا أن هذا الضرب من التقسيم لا ينطبق على تقسيمهم للتوحيد، لأن كل قسم من أقسامه يحمل أحكام المقْسم والجنس الجامع لها، فالاسم يحمل أحكام الكلمة، والفعل يحمل أحكامها، والحرف يحمل أحكامها، فكل من الاسم والفعل والحرف كلمة ويحمل أحكام الكلمة، أي أنّه يصح حمل القِسْم على المقْسم، ومعلوم أن التوحيد هو الإكسير الأعظم، ولو وضعت ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبتها حسنات، وينجي صاحبه من الخلود في جهنم، ويوصله إلى الخلود في الجنة، فلو كان تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية من هذا النوع من التقسيم، لكان لكل قسم من أقسام التوحيد أحكام التوحيد الكامل، فيكون الموحد في الربوبية مؤمناً ناجياً، ويكون الموحد في الألوهية مؤمناً ناجياً، إلا أن الوهابية ينكرون أن يكون كل قسم من أقسام التوحيد، يحمل أحكام التوحيد الكامل، من نجاة صاحبه من النار، وخلوده في الجنة، فتمثيلهم تقسيمَهم هذا بتقسيم اللغويين للكلمة باطل. ولو قال وهابي: إن تقسيمنا للتوحيد هو من باب تقسيم البيت الشعري إلى صدر وعجز، وهكذا ينقسم التوحيد إلى ربوبية وألوهية. قلت: وهذا باطل أيضاً، لأن كل قسم في هذا النوع لا يحمل أحكام المقْسم، فلا نقول بأن صدرَ البيتِ بيتٌ شعري، ولا نقول أن عجزَ البيت بيتٌ شعري، ولا يوجد اشتراك بين

стр. 83

الأقسام كالاشتراك في تقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، والوهابية يقولون بأن الموحد في الربوبية قد لا يكون موحداً في الألوهية، أما الموحد في الألوهية فيجب أن يكون موحداً في الربوبية، لأن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، فيكون على هذا توحيد الربوبية قسماً مغايراً لتوحيد الألوهية، وقسماً منه في نفس الوقت [كذا]، وهذا تناقض، فليس تقسيمهم التوحيد كتقسيم البيت الشعري إلى صدر وعجز. وعلى هذا، فإن التوحيد إما أن يوجد كله بقسميه وإما أن يعدم بقسميه" (١). فالتوحيد عندهم قسم واحد لا يتبعض وهو من المعلوم من الدين بالضرورة (٢). ثم رتبوا على هذا - جعل التوحيد قسما واحد- الأخطاء التي وقع فيها من قسم التوحيد (٣). حقيقة هذه الدعوى: سبق في المبحث الثاني والدعوى الأولى والثانية من هذا الفصل بيان قول أهل السنة والجماعة وأئمة الدعوة في تعريف التوحيد وأقسامه وما بينهما من العلاقة. وأن من لم يؤمن بهذه الأقسام الثلاثة المستمدة من نصوص الشرع فليس بموحد، إذ التوحيد المطلوب شرعاً هو الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ومن لم يأت بهذا جميعه فليس موحداً. وهذه الدعوى قديمة، وهي من قول الأشاعرة، وهي مبنية عندهم على تعريف التوحيد وكلمة لا إله إلا الله، فمن فسرها بأنه لا خالق إلا الله، وبأنه القادر على الاختراع (٤)، فقد أنكر توحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة، فأنكر هذا التقسيم.

стр. 84

الجواب عن هذه الدعوى أولا: تقسيم التوحيد هو استقراء لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد سبق ذكرها في مقدمة هذا الفصل. ثانيا: أن تقسيم التوحيد ليس مما أحدثه الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ بل دلت الآثار الواردة عن السلف على هذا التقسيم (١): يقول ابن بطة (٢) ﵀ في كتابه "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة" ما نصه: " … وذلك أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء: أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مبايناً لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعاً. والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مبايناً بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره. والثالث: أن يعتقد موصوفاً بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفاً بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه. إذ قد علمنا أن كثيراً ممن يقر به ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته فيكون إلحاده في صفاته قادحاً في توحيده. ولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث والإيمان بها" (٣).

стр. 85

وقال ابن مندة (١) ﵀ في كتابه "كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد" ذكر أقسام التوحيد واستعرض كثيراً من أدلتها في الكتاب والسنة بشرح وبسط لا مزيد عليه (٢). ونقل ابن مندة عن أبي يوسف القاضي (٣) -صاحب أبي حنيفة- أنه قال: "ليس التوحيد بالقياس ألم تسمع إلى قول الله في الآيات التي يصف بها نفسه أنه عالم قادر قوي مالك، ولم يقل: إني عالم قادر لعلة كذا أقدر، بسبب كذا أعلم، وبهذا المعنى أملك، فلذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف إلا بأسمائه، ولا يوصف إلا بصفاته، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤]. قال أبو يوسف: لم يقل الله: انظر كيف أنا العالم وكيف أنا القادر وكيف أنا الخالق، ولكن قال: انظر كيف خلقت ثم قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [النحل: ٧٠]، وقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]، أي: تعلم أن هذه الأشياء لها رب يقلبها ويبديها ويعيدها وأنك مُكوّن ولك من كوّنك. وإنما دل الله خلقه بخلقه ليعرفوا أن لهم رباً يعبدوه ويطيعوه، وأنا القادر، أي: هذا الذي كونكم يسمى المالك القادر الله الرحمن الرحيم بما يوصف. ثم قال أبو يوسف ﵀: إن الله خلقك وجعل فيك آلات وجوارح عجز بعض جوارحك عن بعض وهو ينقلك من حال إلى حال لتعرف أن لك رباً وجعل فيك نفسك

стр. 86

عليك حجة بمعرفته تتعرف بخلقه، ثم وصف نفسه فقال: أنا الرب وأنا الرحمن وأنا الله وأنا القادر وأنا المالك فهو يوصف بصفاته ويسمى بأسمائه. قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]، فقد أمرنا الله أن نوحده، وليس التوحيد بالقياس؛ لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبه له ولا مثل له تبارك الله أحسن الخالقين. ثم قال: وكيف يدرك التوحيد بالقياس وهو خالق الخلق بخلاف الخلق ليس كمثله شيء ﵎. وقد أمرك الله أن تؤمن بكل ما أتى به نبيه ﷺ فقال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]، فقد أمرك الله بأن تكون تابعاً سامعاً مطيعاً ولو يوسع على الأمة التماس التوحيد وابتغاء الإيمان برأيه وقياسه وهواه إذاً لضلوا، ألم تسمع إلى قول الله : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]، فافهم ما فسر به ذلك" (١). وهذا الأثر عظيم القدر مشتمل على أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية و توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات. وذكر الطحاوي (٢) ﵀ في مقدمة متن عقيدته المشهور - العقيدة الطحاوية- أنه مشتمل على: "بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن

стр. 87

الشيباني (١)، رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصل الدين، ويدينون به رب العالمين". ثم قال: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره … " (٢). فقوله: "إن الله واحد لا شريك له" شامل لأقسام التوحيد الثلاثة، فهو سبحانه واحد لا شريك له في ربوبيته، وواحد لا شريك له في ألوهيته، وواحد لا شريك له في أسمائه وصفاته. وقوله: "ولا شيء مثله" هذا من توحيد الأسماء والصفات. وقوله: " ولا شيء يعجزه" هذا من توحيد الربوبية. ثالثا: أن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وكذلك تقسيم النحاة الكلام إلى اسم وفعل وحرف، وتقسيم البيت الشعري إلى صدر وعجز، دل عليه الاستقراء، والاستقراء دليل مسلم عند أهل العلوم العقلية والنقلية (٣). لكنَّ الفَرْق بين الاستقراء في تقسيم التوحيد، والاستقراء في تقسيم النحاة للكلمة هو أن الاستقراء في تقسيم التوحيد هو استقراءٌ دلت عليه النصوص الشرعية ودلَّ عليه أيضاً كلام السلف، فهو حقيقةٌ شرعية بخلاف تقسيم النُحاة فهو تقسيم اصطلاحي. قال الشيخ محمد الأمين الشينقيطي ﵀: "وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام" وذكر الأقسام الثلاثة المعروفة (٤). قال الشيخ بكر أبو زيد (٥): "هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار

стр. 88

إليه ابن مندة وابن جرير الطبري وغيرهما، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان في آخرين -رحم الله الجميع-، وهو استقراء تامٌ لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كل فن، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء" (١). رابعا: أن الأشاعرة يقسمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وهي ترجع عندهم إلى توحيد المعرفة والإثبات، ولا يذكرون منها توحيد العبادة. فيقولون في التوحيد، بأنه يشتمل ثلاثة أمور: ١ - واحد في ذاته لا قسيم له. ٢ - وواحد في صفاته لا شبيه له. ٣ - وواحد في أفعاله لا شريك له (٢). "وأشهرها عندهم وأقواها دلالة على التوحيد النوع الثالث، وبه يفسرون معنى "لا إله إلا الله". والألوهية- عندهم- هي القدرة على الاختراع والخلق، فمعنى لا إله إلا الله: لا خالق الا الله" (٣). فمن أين لهم هذا التقسيم؟ وإذا كان تقسيم أهل السنة بدعة، فماذ يكون تقسيمهم؟ خامسا: أن قول عثمان النابلسي: "وعلى هذا فإن التوحيد إما أن يوجد بقسميه وإما أن يُعدم بقسميه" (٤).

стр. 89

فالجواب عنه: أن التوحيد الكامل يشمل توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وأن النقص في أحدها نقص في الآخر، وأن هذا النقص إما أن يكون مذهباً لأصل التوحيد؛ كمن دعا غير الله أو صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله. أو يكون منقصاً للتوحيد ولكن لا يذهب بأصل التوحيد، ومن ذلك من اعتقد في شيء أنه سبب ولم يجعله الله سبباً؛ كمن أشرك بالله الشرك الأصغر فاعتقد في النجوم أنها سبب لنزول الأمطار مثلاً، فهذا الأمر يخل بتوحيده في الربوبية والألوهية للتلازم بينهما ولكن لا يذهب عنه أصل التوحيد (١). وقد سبق في الدعوى الأولى من هذا الفصل في الفقرة أولا، أن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية ويشركون في الألوهية، وأن هذ أمر قد أثبته الله في كتابه في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]. وسبق كذلك ذكر الآثار في ذلك، وهذا يدل على أنه قد يذهب التوحيد بقسميه، وقد يوجد بقسميه، وقد يوجد بأحدهما دون الآخر. قال الشيخ ابن باز (٢) ﵀: "والشرك شركان: أكبر وأصغر: "فالشرك الأكبر ينافي توحيد الله، وينافي الإسلام، ويحبط الأعمال، والمشركون في النار، وكل عمل أو قول دلت الأدلة على أنه كفر بالله: كالاستغاثة بالأموات أو الأصنام، أو اعتقاد

стр. 90

حل ما حرم الله، أو تحريم ما أحله الله، أو تكذيب بعض رسله، فهذه الأشياء تحبط الأعمال، وتوجب الردة عن الإسلام". ثم قال: " الشرك الأصغر مثل الرياء، والسمعة في بعض العمل أو القول، ومثل أن يقول الإنسان ما شاء الله وشاء فلان، والحلف بغير الله، كالحلف بالأمانة والكعبة والنبي وأشياء من ذلك، فهذه وأشباهها من الشرك الأصغر، فلابد من الحذر من ذلك" (١).

стр. 91

المطلب السادس: دعوى تحريف أتباع دعوة الإمام لعقيدة الأشاعرة وإتهامهم بأنهم لا يعرفون معنى "لا إله إلا الله" من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى تحريف أتباع دعوة الإمام لعقيدة الأشاعرة، وإتهامهم بأنهم لا يعرفون معنى "لا إله إلا الله"، وأنهم يقتصرون على توحيد الربوبية. يقول محمد باسم دهمان بعد أن نقل عن بعض أئمة الأشاعرة أقوالهم في توحيد الألوهية: "أنكرَ ابنُ تيمية على المتكلمين اقتصارهم على توحيد الربوبية وأنهم خَلطوا بينه وبين توحيد الألوهية، فذكر أنَّ أول هذه المضار هي أن المتكلمين - ولا سيما الأشاعرة والماتريدية - أخطؤوا وضلوا في تفسير كلمة التوحيد وهي (لا إله إلا الله)، حيث فسروا (الإله) فيها بالرب الخالق، ففهموا أن معناها: (لا خالق إلا الله)، ولم يفسروا (الإله) بالمعبود الحق، ولا فهموا أن معناها هو (لا معبود بحق إلا الله) (١). وتابع السلفية المعاصرين [كذا] ابن تيمية على هذا الإنكار على عادتهم بالانتصار لابن تيمية دون بيان أو دراسة أو تحقق: إنما هو الهوى فحسب، رغم تيسير وتسهيل آلات البحث اليوم بحيث يمكنك أن تتحقق من أية مسألة بعشرة دقائق على البرامج الإلكترونية والشبكة العنكبوتية" (٢). ثم ذكر بعض المعاصرين من الذين نهجوا نهج ابن تيمية (٣)، ومن رد على الأشاعرة المعاصرين (٤). ثم قال: " إذا نحن أمام ادعائين:

стр. 92

الأول: أن الأشاعرة ومن معهم جهلوا أن الإله بمعنى المعبود، وبالتالي جهلوا أن معنى لا إله إلا الله هو لا معبود بحق إلا الله. الثاني: أن تفسير الإله بالخالق خطأ وضلال، وبالتالي يكون تفسير الأشاعرة لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) أي: لا خالق إلا الله، هو تفسير باطل، بل هذا التفسير ضلال يؤدي إلى الشرك في توحيد الألوهية. وإليك الجواب عن هذين الادعائين فيما يلي: أولاً: الجواب عن الادعاء الأول، وهو أن الأشاعرة فسروا كلمة التوحيد وهي (لا إله إلا الله) بأن معناها: لا خالق إلا الله، وجهلوا أن معنى كلمة التوحيد وهي (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق إلا الله. فأقول: إن هذا الكلام لا يساوي سماعه، وإنما هو ادعاء فارغ ينادي على صاحبه إما بالجهل السحيق وإما بالهوى البشع الذي اتخذ إلهاً من دون الله؛ فالأشاعرة نصوا على أن الإله هنا هو المعبود، وقالوا: إن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) تعني: لا معبود بحق إلا الله، وهذا نص عليه رؤوس الأشاعرة كالباقلاني والرازي والسنوسي وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، وهذه بعض نصوصهم، فنبدأ بكبيرهم وهو القاضي أبو بكر الباقلاني (١) "، ثم ذكر بعض النقول عنهم في ذلك (٢). ثم ذكر اتهام السلفية وأتباع هذه الدعوة للأشاعرة: أنهم لم يذكروا الشرك في كتبهم، فقال: "ثانياً: اتهام السلفية للأشاعرة أنهم لم يذكروا الشرك في كتبهم! هكذا ادعى ابن تيمية وأتباعه السلفية اليوم ومنهم (د. سفر الحوالي) حيث قال في كتابه (منهج الأشاعرة): (أما التوحيد الحقيقي وما يقابله من الشرك ومعرفته والتحذير منه فلا ذكر له في كتب عقيدتهم إطلاقاً، ولا أدري أين يضمونه؟! في كتب الفروع؟ فليس فيها، أم يتركونه

стр. 93

بالمرة؟ فهذا الذي أجزم به). وقال السلفي الوهابي (د. عبد الرحمن المحمود) في كتابه (موقف ابن تيمية من الأشاعرة) (١): (وهذا المنهج الخطير الذي سلكه الأشاعرة أثر في كتاباتهم العقدية، فقلما نجد لعالم من علمائهم كتاباً أو رسالة في بيان توحيد العبادة، وأنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله، أو في بيان الشرك وأنواعه، أو حكم السفر لزيارة القبور والدعاء والنذر لها، بل على العكس من ذلك تجد الكثير منهم يميل إلى مثل هذه الشركيات أو ما هو من وسائله). قلت: نعم لم يذكر كل علماء الأمة قبل ابن تيمية وعلى مدى سبعة قرون الشرك في كتبهم لأنه لا وجود له إلا في مخيلة مرضى القلوب والنفوس (السلفية) الذين يفسرونه تفسيراً خاصاً به ابتدعوه حين قسم لهم ابن تيمية التوحيد إلى قسمين كما سبق بيانه؛ فالسلف جميعاً لا يرون بأساً بزيارة قبور الصالحين والتبرك بها والتوسل بأهلها بل يعدون ذلك من علامة صحة الاعتقاد ومن المندوب لا كابن تيمية الذي يعده شركاً وكفراً، فكيف يذكرون هذه المسائل في كتبهم وهي أصلاً - مسألة زيارة القبور والتوسل بها - مسائل فقهية ليست عقدية وقد ذكروها في كتب الفقه يعني في محلها" (٢). ثم قال: "وارجع إلى كتب التفسير التي كتبها الأشاعرة لتجد أنهم ينصون على انفراد الله ﵎ باستحقاق العبادة، والتحذير من أصناف الشرك، وخاصة اتخاذ الشريك مع الله تعالى في العبادة- ثم ذكر بعض أقوالهم (٣) " (٤). ثم ذكر إحصاء ومقارنة حول كلمة (القبور) ومشتقاتها بين كتاب سلفي وسائر كتب السلف الصالح: "قال د. وليد الزير: إن الأشاعرة لم يدرجوا مسائل القبور في كتب العقائد ولم يجعلوها من الشرك، وقد أصابوا في ذلك؛ لأن هذه المسائل هي مسائل فقهية فموضعها كتب الفقه التي

стр. 94

تبين الحلال من الحرام، فهناك ذكر الفقهاء أحكامها، بل أجازوا معظمها على تفصيل في ذلك، وربما ندبوا إلى بعضها لأدلة ناهضة استدلوا بها من الكتاب والسنة مقررة في موضعها. إن أول من حظر هذه المسائل وغلا فيها فجعلها من مسائل العقيدة، واعتبرها شركاً أو ذريعة إليه هو ابن تيمية المتوفى سنة (٧٢٨ هـ) الذي انطوى مذهبه بعد وفاته ووفاة من تأثر به من تلامذته، كابن القيم المتوفى سنة (٧٥١ هـ)، ومن بعده ابن أبي العز الحنفي المتوفى (٧٩٢ هـ)، ثم اندثر مذهب ابن تيمية ما يقارب خمسة قرون، إلى أن جاء ابن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري فأحيا مذهب ابن تيمية من جديد، وراح يكفّر المسلمين من أجل مسائل القبور، بل ذهب أبعد من ذلك، إذ حمل السلاح هو وشيعته وراح يذبّح المسلمين ويمعن في استحلال دمائهم وأموالهم واعراضهم تطبيقاً لفتاوى ابن تيمية في مسائل القبور التي أعجب بها ابن عبد الوهاب" (١). ثم قال: " ثم إن تشنيعكم على الأشاعرة لأنهم لم يدرجوا مسائل القبور في كتبهم ولم يعتبروها شركاً، أقول: إن هذا التشنيع والنكير لا يلزم الأشاعرة فحسب، إذ ليسوا هم وحدهم من تفرد بذلك، ولا وافقهم على ذلك الماتريدية والصوفية وغيرهم من الفرق فحسب، بل معهم أيضاً السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم من أهل القرون الثلاثة المفضلة، فهؤلاء لم يعتبروا مسائل القبور شركاً (٢)، ولا فهموا ذلك من الآيات والأحاديث التي يستدل ابن تيمية بها على ذلك، وقد بسطت ذلك في الكلام على الاستغاثة، وبينت أن كل الآيات التي استدل بها ابن تيمية على هذه المسألة لم يفهم أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أتباعهم ما فهمه؛ من أنها دالة على حرمة وشرك من يدعو الغائبين والأموات" (٣). حقيقة هذه الدعوى:

стр. 95

هذه الدعوى مبنية على تعريف التوحيد، والاقتصار فيه على الربوبية، وأن تعريف كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" بأنها لا قادر على الاختراع إلا الله، أو لا خالق إلا الله، وأن الله واحد في أفعاله لا شريك له (١). الجواب عن هذه الدعوى: أولا: أن المشهور عن الأشاعرة أنهم يقسمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وهي ترجع عندهم إلى توحيد المعرفة والإثبات، ولا يذكرون منها توحيد العبادة. فيقولون في التوحيد، بأنه يشتمل ثلاثة أمور: ١ - واحد في ذاته لا قسيم له. ٢ - وواحد في صفاته لا شبيه له. ٣ - وواحد في أفعاله لا شريك له (٢). وأشهرها عندهم وأقواها دلالة على التوحيد النوع الثالث، وبه يفسرون معنى "لا إله إلا الله". والألوهية- عندهم- هي القدرة على الاختراع والخلق، فمعنى لا إله إلا الله لا خالق الا الله (٣). ثانيا: أن أول واجب عندهم على المكلف، هو النظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك (٤)، وهذا مما يدل على عنايتهم به والتركيز عليه، وإلا فالإقرار بالله مركوزاً في الفطر ولا

стр. 96

يحتاج إلى استدلال (١). ثالثا: أن تعريف كلمه (إله) عند الأشاعرة مختلف فيه؛ فإنه قد عرف كثير من الأشاعرة كلمة (إله) بأنه القادر على الاختراع، فمن ذلك ما نسبه البغدادي إلى أبي الحسن الأشعري فقال: "واختلف أصحابنا في معنى الإله: فمنهم من قال إنه مشتق من الإلهية، وهي: قدرته على اختراع الأعيان، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري" (٢)، ثم اختار البغدادي القول بأنه غير مشتق!. وقد حكى الرازي هذا القول ذاكراً دليله دون أن يُسمّي قائله، فقال في صدد حكاية مذاهب الناس في أصل اشتقاق اسم الله تعالى (الله) قال: "القول السابع: الإله من له الإلهية، وهي القدرة على الاختراع، والدليل عليه أن فرعون لما قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، قال موسى في الجواب: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشعراء: ٢٤]، فذكر في الجواب عن السؤال الطالب لماهية الإله: القدرة على الاختراع، ولولا أن حقيقة الإلهية هي القدرة على الاختراع لم يكن هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال (٣). رابعا: أن "المتتبع لما صنفه علماء الأشاعرة في التوحيد، يجد كتبهم خالية من ذكر توحيد الألوهية، إلا ما ذكره بعض المتقدمين في تعريف التوحيد المتضمن لتوحيد الألوهية، وإنكار بعضهم بعض أنواع الشرك التي حدثت في أزمانهم. فعدم تفصيل القول فيه من المتقدمين والمتاخرين وعدم إفراده بالبحث له أسباب، وهذه الأسباب -والله أعلم- تختلف عند المتقدمين منها عند المتأخرين، ولذلك يمكن القول بأن بعض مسائل توحيد الألوهية غير الواضحة في المنهج الأشعري، وكذلك هذه المسائل تختلف عند المتقدمين منها عند المتأخرين. السبب الأول: والذي يظهر -والله أعلم- أن المتقدمين منهم لم يصنفوا تصانيف مستقلة بالبحث في حقيقة توحيد الألوهية وما يضاده من الشرك ومظاهره؛ لأنه لم يظهر ما ظهر عند

стр. 97

المتأخرين من جماهير الطوائف من مظاهر الشرك وذرائعه ووسائله. والذي يؤكد هذه الحقيقة هو أن علماء أهل السنة والجماعة الذين ردوا على الأشعرية وغيرهم لم يذكروا -فيما أعلم- مسائل توحيد الألوهية فيما خالف فيه أولئك، فلو كان عندهم شيء مخالف لذكروه وردوا عليه، بل إنهم كانوا يذكرون في الرد على المبتدعة من الحجج والبراهين المقدمات التي يسلمون بها ليفحموهم. فمن ذلك: الرد على من زعم أن كلام الله مخلوق، فإن الأئمة ذكروا في مقدمات برهانهم أن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز، وقد وردت أدلة نقلية بالاستعاذة بكلمات الله، فالنتيجة إذن: إن كلام الله غير مخلوق. والأشاعرة ممن يقول إن كلام الله -يعنون النفسي- غير مخلوق، فلو كانت هذه الحجة غير صحيحة لما أقروا بها - كيف وقد وجد منهم من يستدل بها. وبالجملة: فهذا يؤكد أن المتقدمين من الطوائف -وقدماء الأشاعرة منهم- لم يكونوا ينازعون في أن الاستعاذة بغير الله لا تجوز، وكذلك الدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله، والحلف، وغير ذلك من المسائل التي كثر انحراف المتأخرين فيها. السبب الثاني: من أسباب عدم تصنيف الأشاعرة في توحيد الألوهية: أنهم قد اتفقوا على عدم عدّ توحيد الألوهية أول واجب على المكلف، واشتغلوا بأمور اخرى زعموا أنها أول واجب على المكلف كالنظر أو القصد إلى النظر المؤدي إلى معرفة وجود الله ومن ثَمَّ وحدانيته في الذات والأفعال، وسلكوا في ذلك طرقاً مستعصية على الفهم، وانفتحت عليهم أبواب الشكوك والشبهات وصعب حلها، فإذا أضيف إلى هذا السبب ما تقدم في السبب الأول من عدم ظهور الشرك في زمن المتقدمين علم وجه عدم تصنيفهم لهذا النوع من التوحيد. السبب الثالث: وهو خاص بالمتأخرين الذين خالفوا في بعض مسائل توحيد الألوهية فهم فاقدون للعلم الصحيح فيه فأنى لهم إذاً أن يصنفوا فيه، إذ فاقد الشيء لا يعطيه، بل الملاحظ تصننيف كثير منهم كتباً للرد على أهل السنة في هذه المسائل" (١). خامسا: أن ما ذكره عن بعض أئمة الأشاعرة من الكلام عن توحيد الألوهية حق؛ ولكن

стр. 98

هل هذا المناوئ يقول بما يقولون به؟ وهل تابعهم في تعريفهم لهذا التوحيد؟ أما أنه يردد كلامهم ولا يعرف معناه؛ وإلا فقد قال الباقلاني ﵀ في معنى التوحيد: "والتوحيد له هو: الإقرار بأنه ثابت موجود وإله واحد فرد معبود ليس كمثله شيء" (١). وقال أيضاً في مسألة وحدانية الله: "ومعنى ذلك: أنه ليس معه إله سواه ولا من يستحق العبادة إلا إياه" (٢). وممن صرح به من المتأخرين: الباجوري ﵀، حيث قال معرفاً للتوحيد: "وهو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً" (٣). وهذا يؤكد أنهم كانوا يعرفون ما يجهله كثير من الناس في هذا الزمان - ومنهم هذا المناوئ- من أن الدعاء والرغبة والرهبة والرجاء والخوف وغيرها من الأعمال كلها لله تعالى. سادسا: قول الكاتب: "إن الأشاعرة لم يدرجوا مسائل القبور في كتب العقائد ولم يجعلوها من الشرك، وقد أصابوا في ذلك؛ لأن هذه المسائل هي مسائل فقهية فموضعها كتب الفقه التي تبين الحلال من الحرام … ". فإن الحكم الشرعي في المسألة لا يختلف بإختلاف تصنيفها سواء وضعت في الفقه أو العقيدة؛ فالرسول ﷺ قال: «من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال، قال: ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله» (٤). فهذا حكمه ﷺ على الفعل، ولا يتغير الحكم بأن جعلناه في المعاملات أو العقائد أو العبادات. وسيأتي الكلام عنها - إن شاء الله تعالى- في الدعوى الثامنة عشر من هذا الفصل.

стр. 99

المطلب السابع: دعوى أن الاشتراك في المعنى الكلي بين صفات الخالق والمخلوق يقتضي الاشتراك في الحقائق من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن الاشتراك في المعنى الكلي بين صفات الخالق والمخلوق - الذي تقول به دعوة الإمام- يقتضي الاشتراك في الحقائق، وتشبيه الخالق بالمخلوق. يقول عثمان النابلسي في بيان نفي المشابهة مطلقاً بين الخالق والمخلوق: "تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات بأي جهة من الجهات: دلت القواطع النقلية والعقلية على استحالة وقوعه على أي وجه من وجوه الشبه بين الخالق والمخلوقات. فمن النقل، قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١). ثم قال: "فالآية دالة على أن الله تعالى منزه عن مشابهة شيء من المخلوقات من كل جهة، فيكون الاشتراك بين صفات الله تعالى وصفات المخلوق هو اشتراك لفظي لا غير" (٢). ثم قال: "والاشتراك الظاهري بينهما هو مجرد اشتراك لفظي لا حقيقي في معنى وجودي، كقولنا: الله تعالى عليم وفلان من الناس عليم، فهذا ليس أكثر من مجرد اشتراك في الاسم لا في المعنى والمسمى، والمصحح لإطلاق اللفظ الواحد على الخالق وعلى المخلوق هو الاشتراك في اللوازم، والاشتراك في اللوازم لا يستلزم الاشتراك في الحقائق كما هو مقرر معروف" (٣). ثم قال: "إن الاشتراك بين صفات الخالق تعالى وصفات المخلوق هو اشتراك في أحد اللوازم أو الاعتباريات أو التعلقات أو السلوب، وليس اشتراكاً في حقائق تلك الصفات أو في

стр. 100

حقيقة الذات أو في صفة موجودة قائمة بالخالق والمخلوق؛ فلا يعتبر هذا النوع من الاشتراك تشبيهاً؛ إذ التشبيه هو التشريك في الأمور الوجودية وحقيقة الصفات الوجودية أو حقيقة الذات أو حقيقة الأفعال. ولذلك عرّف أهل السنة صفات الله تعالى باللازم لا بالحد والحقيقة، بخلاف التيمية يثبتون تلك الصفات بعد أن يفهموا نظائرها في المخلوقات على حقائقها الثابتة لها في الشاهد" (١). ثم بين - حسب زعمه - وهم أتباع الدعوة المباركة في قولهم بالاشتراك في المعنى الكلي فقال: "رأيت بعض الوهابية يقول بأن الاشتراك بين صفات الرحمن وصفات الأكوان هو اشتراك في المعنى الكلي، والمعنى الكلي ليس له وجود إلا في الأذهان لا في الأعيان، الاشتراك بين صفات الخالق والمخلوق هو اشتراك ذهني وليس بخارجي، فإذا أثبتوا "العين الحقيقية" مثلا لله تعالى وأثبتوها للمخلوقات، فيكون هناك معنى كلي تشترك فيه "عين" الله تعالى و"عين" المخلوق، وهذا المعنى الكلي لا وجود له في الخارج بل لا يوجد إلا في الأذهان، أما الأفراد الخارجية فلكل شيء وجود يخصه، ولذلك يرون أن إثبات الصفات - التي يسمونها بالعينية- على حقيقتها للخالق والمخلوق ليس تشبيها" (٢). ثم قال: " والوهابية يرون أن التشبيه المذموم هو تشبيه الكيفية بالكيفية، كأن تقول: يد كيد إنسان، ووجه كوجه الإنسان، وجهلوا أو تجاهلوا أن التشابه والاشتراك في الحقيقة وأصل المعنى أوضح وأعظم بكثير من التشابه والاشتراك في الكيفيات، وأن التشابه والاشتراك في الكيفيات تشابه ضعيف قليل بالنسبة للتشابه والاشتراك في الحقيقة وأصل المعنى (٣). ثم قال: "ثم إننا نسأل الوهابية عن هذا المعنى الكلي المشترك الذي يقولون به، فنقول مثلاً: ما هو المعنى الكلي المشترك لصفة "العين" فإما أن يبيّنوا هذا المعنى أو يكتموه.

стр. 101

فإن بيّنوه فلا يخلو بيانه من أمرين: أ- إما أن يبيّنوه بذكر معناه الوضعي اللغوي وهو عضو الإبصار أو أداته أو الجارحة المعروفة، فيقعون في التشبيه، ولا ينفعهم بعدها إثبات التفاوت في الكيفيات اللاحقة أو التترّس بجهل الكيفية. ب- وإما أن يبيّنوه بغير معناه اللغوي الوضعي، أي بغير معنى الجارحة والعضو فيقعون في التأويل الذي يسمونه تعطيلاً. وإن كتموه فيكون كتمانهم إياه: أ- إما لعدم معرفتهم به، فيقعون في التفويض الذي يسمونه تجهيلاً. ب- وإما لعجزهم وقصورهم عن التعبير عنه، وهذا - فضلاً عن كونه نوعاً من التفويض المذموم عندهم- تقيةً مخالفة لعقيدة الإسلام الواضحة كالشمس في رابعة النهار، والبعيدة عن الألغازو والغموض، ومخالف لتصريحهم بوجوب حمل نصوص الصفات على معانيها الوضعية، ومخالف لإيجابهم على الناس معرفة معاني نصوص تلك الصفات" (١). حقيقة هذه الدعوى: هذه الدعوى قديمة قال بها الفلاسفة والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم، وهي مبنية على توهم أن المشاركة بين الخالق والمخلوق في المعنى الكلي تستلزم المشاركة في الخارج والمشابهة التي نزه الله نفسه عنها بقوله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢).

стр. 102

الجواب عن هذه الدعوى: أولا: أن أهل السنة والجماعة ينفون التمثيل ولا ينفون التشبيه بالمعنى المراد عند أهل الكلام؛ وذلك أن المماثلة مشابهة من كل وجه بخلاف التشبيه فهي مشابهة من بعض الوجوه. قال ابن فارس (١) ﵀: إن الشين والباء والهاء أصل يدل على تشابه الشيء وتشاكله لوناً ووصفاً (٢). وهو مصدر شبّه يشبه تشبيهاً (٣)، وشِبه وشَبه لغتان بمعنى واحد، يقال: هذا شِبْهه بسكون الباء، وبينهما شَبه بتحريكهما أي: شبيهه، وجمعه أشباه، ويجمع على مشابه على وزن محاسن على غير القياس (٤). وتصاريف كلمة "شبه" جميعها تدل على مشابهة الشيء للشيء من بعض الوجوه. يقال في اللغة: فلان فيه شبه من فلان (٥). أي: بينهما تشابه في بعض الصفات. ويقال: فيه شبه من هذا إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفاً له في الحقيقة (٦)، قال تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، وأهل اللغة يقولون في المتشابه المذكور في الآية: يشبه بعضه بعضاً في الجودة والحسن (٧). وأما المثل فهو الذي يدل على مناظرة الشيء للشيء، يقال هذا مثله أي: نظيره (٨). والمماثلة لا تكون إلا في المتفقين يقال: نحوه كنحوه، وفقهه كفقهه، ولونه كلونه، وطعمه

стр. 103

كطعمه، فإذا قيل: هو مثله على الإطلاق بدون تقييد فمعناه أن يسد مسده فإذا قُيّد فقيل: هو مثله في كذا فهو مساوٍ له في هذه الجهة (١). وبناء على ذلك فإن الشبيه يطلق في اللغة مع تقييده بمعنى المثيل ويعرف ذلك من سياق الكلام وذلك لأن المثل في اللغة هو المشابه للشيء من كل الوجوه (٢). وقد يراد بالتمثيل التشبيه وهو قليل (٣)، مثل أن يقال: هذا عبد الله مثلك وهذا رجل مثلك (٤) أي: يشبهك في بعض الصفات، أما إذا أطلق بدون تقييد فالمراد به مشابهة الشيء للشيء ومشاركته له في جميع الصفات. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧]. أي: فإن آمنوا بمثل إيمانكم فقد صاروا مسلمين مثلكم، يعني: أن هؤلاء إن آمنوا بمثل ما آمنتم به أيها المؤمنون من الإيمان بجميع كتب الله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم وأسلموا لله وحده فقد اهتدوا وأصابوا الحق (٥). فأطلق "المثل" في الآية وأريد به المساواة من كل الوجوه في الاتصاف بالصفات التي تحصل بها الهداية التي آمن بها المؤمنون. فبين لفظ الشبه والمثل في اللغة اشتراك في مشابهة الشيء للشيء من بعض الوجوه ويختلف التمثيل بأن تكون فيه المشابهة في جميع الوجوه، فمعناهما يختلف كما ذكر شيخ الإسلام ﵀ عند الإطلاق، وإن كان مع التقييد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر (٦). وأيضاً قد دل القرآن الكريم على نفي التمثيل دلالة صريحة فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. أما التشبيه فلم يتعرض له القرآن الكريم أو السنة النبوية بنفي أو إثبات، وقد ورد في كلام

стр. 104

السلف نفيه وذمه وأرادوا به التمثيل المنفي عن الله . كما أنه لا يصح أن ينفي الشبه بين الله وبين خلقه مطلقاً في أصل اللغة إنما يكتفي بنفي المماثلة فحسب. قال الشيخ محمد بن عثمين ﵀: "وبهذا علم أنه لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه؛ وذلك لوجهين: الأول: أنه إن أريد بالنفي نفي التشابه المطلق أي: نفي التساوي من كل وجه بين الخالق والمخلوق فإن هذا لغو من القول إذ لم يقل أحد بتساوي الخالق والمخلوق من كل وجه، بحيث يثبت لأحدهما من الجائز والممتنع والواجب ما يثبت للآخر، ولا يمكن أن يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه مما يعلم بضرورة العقل وبداهة الحس انتفاؤه، وإذا كان كذلك لم يكن لنفيه فائدة. وإن أريد بالنفي مطلق التشابه أي: نفي التشابه من بعض الوجوه فهذا النفي لا يصح إذ ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك يشتركان فيه، وقدر مختص يتميز به كل واحد عن الآخر، فيشتبهان من وجه، ويفترقان من وجه. الوجه الثاني: أن الناس اختلفوا في تفسير التشبيه، فقد فسره بعضهم بما لا يراه الآخرون تشبيها" (١). ثانيا: أن الكاتب نقل من كلام الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ والشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله، والشيخ خالد المصلح حفظه الله (٢) ما يكفي في الرد عليه في عدم صحة نفي التشبيه على الاطلاق حيث قال: " ففي فتاوى ابن عثيمين (١٠/ ٧٧٠): (نفي التشبيه على الإطلاق لا يصح؛ لأن كل موجودين فلابد أن يكون بينهما قدر مشترك يشتبهان فيه، ويتميز كل واحد بما يختص به. وما يميزه ويختص به هو الكيفية). وقال - يعني الشيخ ابن عثيمين - في"شرح عقيدة أهل السنة والجماعة" ص ٢٢٦: (وإن أردت التشبيه المطلق من كل وجه فهذا لغو، بمعنى أن الله تعالى لا يشابه الخلق في

стр. 105

أي شيء فهذا غلط؛ لأنه لابد من الاشتراك في أصل المعنى) (١). وقال صالح آل الشيخ في شرح الطحاوية (١/ ٥٣ ط ١، دار المودة): الفرق ما بين المماثلة والمثلية، وبين التشبيه. ولتقرير ذلك تنتبه إلى أن الذي جاء نفيه في الكتاب والسنة إنما هو نفي المماثلة. أما نفي المشابهة - مشابهة الله لخلقه- فإنها لم تنف في الكتاب والسنة؛ لأن المشابهة يحتمل أن تكون مشابهة تامة، ويحتمل أن تكون مشابهة ناقصة. فإذا كان المراد المشابهة التامة فإن هذه المشابهة هي التمثيل وهي المماثلة، وذلك منفي لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. فإذا لفظ المشابهة ينقسم: - إلى موافق للمماثلة، الشبيه موافق للمثيل وللمثل. - وإلى غير موافق. يعني قد يشترك معنى الشبيه والمثيل ويكون المعنى واحداً، إذا أريد بالمشابهة: المشابهة التامة في الكيفية وفي تمام معنى الصفة. وأما إذا كان المراد بالمشابهة: المشابهة الناقصة وهي الاشتراك في أصل معنى الاتصاف، فإن هذا ليس هو التمثيل المنفي، فلا ينفى هذا المعنى الثاني، وهو أن يكون ثَمّ مشابهة بمعنى أن يكون ثَمَّ اشتراك في أصل المعنى. وإذا كان كذلك فإن لفظ الشبيه والمثيل بينهما فرق -كما قررت لك- ولفظ المشابهة لفظ مجمل لا ينفى ولا يثبت. وأهل السنة والجماعة إذا قالوا: إن الله لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء يعنون بالمشابهة المماثلة. أما المشابهة التي هي الاشتراك في المعنى فنعلم قطعاً أن الله لم ينفها.

стр. 106

وقال خالد بن عبد الله المصلح (الدرس الثالث من دروس الطحاوية): وإذا نظرنا إلى نصوص الكتاب والسنة لم نجد فيهما ما يدل على نفي المشابهة، إنما الذي في الكتاب والسنة هو نفي المثلية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ولذلك ذهب جماعة من المحققين من أهل العلم إلى أن الذي ينفى عن الله هو المثل لا الشبه. ثم هو منقوض بما أثبتوه من الصفات - مع زعمهم- عدم المشابهة". وهذا الكلام موافق لما قاله أهل السنة والجماعة، يقول أبو عمر الطلمنكي (١) ﵀: "قال قوم من المعتزلة والجهمية: لا يجوز أن يسمى الله بهذه الأسماء على الحقيقة، ويسمى بها المخلوق. فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه وأثبتوها لخلقه. فإذا سئلوا: ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه. قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها، لأن المعقول في اللغة أن الاشتباه في اللغة لا يحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها، كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب اشتباهاً لاشتبهت الأشياء كلها لشمول اسم الشيء لها وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم: أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبهاً للموجودين. وإن قالوا: موجود ولا يوجب وجود الاشتباه بينه وبين الموجودات. قلنا: فكذلك هو حي، عالم، قادر، مريد، سميع، بصير، متكلم، يعني ولا يلزم "من ذلك" اشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات. " (٢). ثالثا: أن أهل السنة والجماعة لا يقولون أبداً بأن حقيقة صفات الله كحقيقة صفات المخلوق - كما زعم الكاتب- فالحقائق مختلفة، والله ليس كمثله شيء، وله ذات -سبحانه- لا كالذوات، فحقائق صفات الله ليست معلومة؛ بل بعض حقائق مخلوقات

стр. 107

الله غير معلومة، فالجنة وما فيها من النعيم نعرف معانيها ولا نعرف حقائقها. وهم لما كان عندهم أن إثبات الصفات ومعانيها يلزم منه مشابهة المخلوقات فروا من ذلك بنفي حقائق الصفات (١). يقول الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ (٣١٠ هـ) في إثبات الصفات لله على الحقيقة مع نفي المماثلة للمخلوق: " فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله ﷺ ؟ قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " إلى أن قال: "فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه" (٢). وقال الإمام أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (٣) ﵀ (٣٦٠ هـ) في الاعتقاد القادري الذي كتبه لأمير المؤمنين القادر بأمر الله سنة ٤٣٣ هـ ووقَّع على التصديق على ما فيه علماء ذلك الوقت، وأرسلت هذه الرسالة القادرية إلى البلدان. قال: " لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل، علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بيّن " (٤). وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده ﵀ (٣٩٥ هـ) في إثبات صفة

стр. 108

اليدين لله تعالى: " باب ذكر قول الله : ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وذكر ما يُستدل به من كلام النبي ﷺ على أن الله جل وعز خلق آدم ﵇ بيدين حقيقة. وقال في إثبات الوجه لله تعالى: " باب قول الله جل وعز: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]، وذكر ما ثبت عن النبي ﷺ مما يدل على حقيقة ذلك " (١). وقال الإمام الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي ﵀ (٤٦٣ هـ) (٢): " ومن حق الكلام أن يُحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز؛ إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجلَّ الله عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه" (٣). رابعا: أن أهل السنة والجماعة مجمعون على إثبات الصفات لله على الحقيقة مع نفي المماثلة للمخلوق، قال الإمام الحافظ ابن عبد البر ﵀: " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله

стр. 109

وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله " (١). خامسا: أن القدر المشترك في الصفات بين الخالق والمخلوق هو المعنى الكلي الذي لا يوجد إلا في الذهن. فإن القدر المشترك بين الأسماء والصفات المقولة على الرب وعلى غيره، هو المعنى اللغوي الذي نفهمه من لغة التخاطب، اللغة العربية التي نزل بها الوحي، وهو المشترك المعنوي الذي تتفاضل أفراده، وهو المشكك أحد أقسام المتواطئ (٢) وهو شبه بين هذه الأسماء والصفات من هذا الوجه مع التفاضل والتباين من وجه آخر (٣). "فالحياة -مثلاً- وصف مشترك بين الخالق والمخلوق، قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]، لكن حياة الخالق تختص به فهي حياة كاملة من جميع الوجوه لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء، بخلاف حياة المخلوق فإنها حياة ناقصة مسبوقة بعدم متلوة بفناء، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. فالقدر المشترك -وهو مطلق الحياة- كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، لكن ما يختص به كل واحد ويتميز به لم يقع في اشتراك، وحينئذ لا محذور من الاشتراك في هذا المعنى الكلي، وإنما المحذور أن يجعل أحدهما مشاركاً للآخر فيما يختص به" (٤). قال ابن أبي العز ﵀: "واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا

стр. 110

يكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط. فالرسول ﷺ لما بيّن لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها وأتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني وجعلها أسماء لها، فيكون بينها قدر مشترك كالصلاة والزكاة والصوم والإيمان والكفر. وقد يكون الذي يخبر به الرسول ﷺ لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه، لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه، كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلا بد أن يعلموا معنى مشتركاً وشبهاً بين مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات ألفاظ ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم. فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد، ويريد أن يجعلهم يشهدونه مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب، أشهدهم إياه، وأشار لهم إليه، وفعل فعلاً يكون حكاية له وشبهاً به، يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة، فينبغي أن تعرف هذه الدرجات: أولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة. ثانيها: عقله لمعانيها الكلية. ثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية المعقولة. فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة، فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة، ثم إن كانت مثلها، لم يحتج إلى ذكر الفارق، كما تقدم في قصص الأمم، وإن لم يكن مثلها، بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا، ونحو ذلك، وإذا تقدر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء التساوي لا يمنع منه وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة، ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط" (١). سادسا: من الأمثلة على القدر المشترك: نعيم الآخرة، فإن الله تعالى أخبرنا بما وعدنا في الدار
следующие страницы →