← Общие книги

Общие книги · id 1452

الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (740 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

رسول الله ﷺ في أول حديث بصحيح الإمام البخاري". ثم قال في الاستدلال على ما ذهب إليه: "والبرهان الساطع على ما قلناه أن محمد بن عبد الوهاب -أصل الحركة الوهابية- لم يذكر في كتابه "الكبائر" التصوير من بينها! بينما ذكرها الإمام الذهبي في كتاب "الكبائر": الكبيرة الثامنة والأربعون، ليؤكد صدق ما قلناه، حيث إنه ذكر قبلها الكبر والظلم والكذب والنميمة والرياء وكتمان العلم وغيرها من مساوئ الأخلاق، أي أن مساوئ الأخلاق أعظم في نظره من التصوير، وأن التصوير ليس بهذه الدرجة من الخطورة التي يصدح ويصيح بها السلفية الوثنية" (١). حقيقة هذه الدعوى: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يجيز تصوير التماثيل، وأن من جاء بعده من أتباعه يحرمونه، وبناء على ذلك فإن تصوير التماثيل جائز. الجواب عن هذه الدعوى: أولا: التصوير في اللغة: صنع الصورة. وصورة الشيء هي هيئته الخاصة التي يتميز بها عن غيره. وفي أسمائه تعالى: المصور، ومعناه: الذي صور جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورته الخاصة وهيئته المفردة، على اختلافها وكثرتها (٢). وورد في حديث ابن عمر ﵄ تسمية الوجه صورة، قال ﵁: «نهى النبي ﷺ أن تضرب الصورة» (٣). أي: أن يضرب الوجه أو يوسم الحيوان في وجهه. والتصوير أيضًا: ذكر صورة الشيء، أي: صفته، يقال: صورت لفلان الأمر، أي: وصفته له.

стр. 142

والتصوير أيضاً: صنع الصورة التي هي تمثال الشيء، أي: ما يماثل الشيء ويحكي هيئته التي هو عليها، سواء أكانت الصورة مجسمة أو غير مجسمة، أو كما يعبر بعض الفقهاء: ذات ظل أو غير ذات ظل. والمراد بالصورة المجسمة أو ذات الظل ما كانت ذات ثلاثة أبعاد، أي لها حجم، بحيث تكون أعضاؤها نافرة يمكن أن تتميز باللمس، بالإضافة إلى تميزها بالنظر. وأما غير المجسمة، أو التي ليس لها ظل، فهي المسطحة، أو ذات البعدين، وتتميز أعضاؤها بالنظر فقط، دون اللمس؛ لأنها ليست نافرة، كالصور التي على الورق، أو القماش، أو السطوح الملساء. والتصوير والصورة في اصطلاح الفقهاء يجري على ما جرى عليه في اللغة (١). أما التماثيل في اللغة: فهي جمع تمثال " بكسر التاء "، وتمثال الشيء: صورته في شيء آخر. وهو من المماثلة، وهي المساواة بين الشيئين. والتمثيل: التصوير. يقال: مثل له الشيء إذا صوره له كأنه ينظر إليه، ومثلت له كذا: إذا صورت له مثاله بكتابة أو غيرها، وفي الحديث: «أشد الناس عذابًا ممثل من الممثلين» (٢). أي مصور. وظل كل شيء تمثاله (٣). والفرق بين التمثال وبين الصورة: أن صورة الشيء قد يراد بها الشيء نفسه، وقد يراد به غيره مما يحكي هيئة الأصل، أما التمثال فهو الصورة التي تحكي الشيء وتماثله، ولا يقال لصورة الشيء في نفسه: إنها تمثاله. "أما في عرف الفقهاء، فإنه باستقراء كلامهم تبين أن أكثرهم لا يفرقون في الاستعمال بين لفظي (الصورة) (والتمثال)، إلا أن بعضهم خص التمثال بصورة ما كان ذا روح، أي صورة الإنسان أو الحيوان، سواء أكان مجسما أو مسطحا، دون صورة شمس أو قمر أو بيت، وأما الصورة فهي أعم من ذلك" (٤).

стр. 143

وعلى تحريم تصوير التماثيل بهذا التعريف -وهو الصورة التي تحكي الشيء وتماثله من ذوات الأورح - جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، قال النووي ﵀: " ولا فرق فى هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له هذا تلخيص مذهبنا في المسألة وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم وقال بعض السلف إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل؛ فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة، وقال الزهري النهي في الصورة على العموم وكذلك استعمال ما هى فيه ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رقما فى ثوب أو غير رقم وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملا بظاهر الأحاديث لاسيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم وهذا مذهب قوى" (١). ونقل الكاتب أن الذهبي ﵀ عده ضمن الكبائر في كتابه الكبائر: الكبيرة الثامنة الأربعون، وكذلك ابن حجر الهيتمي في كتابه: الزواجر عن اقتراف الكبائر، الكبيرة الثامنة والستون بعد المائتين. فكيف يقول بعد ذلك: " وأن التصوير ليس بهذه الدرجة من الخطورة التي يصدح ويصيح بها السلفية الوثنية"؛ إلا إن كانت الكبائر ليست بخطيرة عنده!. ثانيا: ما نقله الكاتب من فتاوى اللجنة الدائمة وبعض أهل العلم من أتباع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في تحريم التماثيل بناء على ما تبين لهم من نصوص الكتاب والسنة، وزعمه أنهم خالفوا الإمام في ذلك؛ فهذه شهادة تزكية لهم بأن أتباع الإمام ﵀ إنما يعظمون النصوص؛ وإن كانت تخالف قول إمامهم، وهم في ذلك مقتدون بإمهم في تقديم النصوص على قول كل أحد كائنا من كان حاشا رسول الله ﷺ ، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: " بل أقول ولله الحمد والمنة وبه القوة: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم

стр. 144

ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، ولست -ولله الحمد- أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، أو غيرهم. بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو ألا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقَبِلنّها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله ﷺ فإنه لا يقول إلا الحق" (١). ثالثا: ذكر صاحب الكتاب أن الشيخ ﵀ لم يذكر التصوير في كتاب الكبائر، والجواب أن الأصل والمرجع في التحليل والتحريم الكتاب والسنة سواء ذكره الشيخ أو لم يذكره، وأن كل أمر أختلف فيه فمرده الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣]، وغيرها من الآيات كثير. علما بأن الشيخ ﵀ ذكر التصوير في باب مفرد في كتابه (كتاب التوحيد) فقال ﵀ باب ما جاء في المصورين-: "أي: من الوعيد الشديد والتهديد الأكيد؛ للمضاهاة بخلق الله، بل هو منشأ الوثنية، وما دخل على القرون قبلنا إنما هو من هذا الباب؛ لأن صورة المألوف تعظيم، وإذا ارتسمت في الحافظة وبقي ذكرها يمر على البصر الناظر إليها من رسمها لابد أن تستولي على قلبه، وتحل فيه حلول التعبد له" (٢). رابعا: ما نقله عن الموسوعة الفقهية الكويتية في اختلاف العلماء في التصوير، فهو كعادة بعض أهل الأهواء، من عدم نقل الكلام كاملاً؛ فإن الموسوعة نصَّت على أن الكلام في هذا البحث عن

стр. 145

التمثال في استعماله عند الفقهاء. "والتصوير والصورة في اصطلاح الفقهاء يجري على ما جرى عليه في اللغة" (١). "وهذا البحث جار على الاصطلاح الأغلب عند الفقهاء، وهو أن الصورة التي تحكي الشيء، والتمثال بمعنى واحد" (٢). خامسا: أن الحديثَ الذي استدل به وهو «أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون»، وحصرَه في منْ أرادَ أن يعبد من دون الله؛ فليس في الحديث ما يدل على أن العذاب فيمن أراد أن تعبدمن دون الله. وقد جاء في الحديث عن ابن عباس ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مصور في النار، يجعل له، بكل صورة صورها، نفسا فتعذبه في جهنم» (٣). "أي: تعذبه نفس الصورة بأن يجعل فيها روحاً، والباء بمعنى "في" أو يجعل له بكل صورة شخص يعذب به" (٤). وعن عائشة ﵂: أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فقام النبي ﷺ بالباب فلم يدخل، فقلت: أتوب إلى الله مما أذنبت، قال: «ما هذه النمرقة؟ قلت: لتجلس عليها وتوسدها. قال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه الصور» (٥). فهي ﵂ لم تذكر أنها اتخذت هذه النمرقة من أجل أن تعبد من دون الله - وحاشاها من ذلك-، ولكن قالت ﵂: لتجلس عليها وتوسد عليها، وفهي مهانة أيضًا. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قدم الجملة الأولى - إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم

стр. 146

القيامة - اهتماماً بالزجر عن اتخاذ الصور؛ لأن الوعيد إذا حصل لصانعها فهو حاصل لمستعملها؛ لأنها لا تصنع إلا لتستعمل، فالصانع متسبب، والمستعمل مباشر، فيكون أولى بالوعيد، ويستفاد منه أنه لا فرق في تحريم التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا، وبين أن تكون مدهونة أو منقوشة أو منقورة أو منسوجة" (١).

стр. 147

المطلب الثاني عشر: دعوى التناقض في عدد أسماء الله الحسنى من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى التناقض في عدد أسماء الله الحسنى، وأن ذلك غاية الإلحاد في أسمائه. يقول محمد يوسف بلال عن تناقض أتباع دعوة الإمام - حسب زعمه- في إحصاء أسماء الله الحسنى، وأن نتائج هذا الإحصاء قمة في التناقض "وغاية في الإلحاد في أسماء الله الحسنى، وبالتالي يتناقض التوحيد لدى من أطلقوا على أنفسهم (حراس التوحيد وحماة العقيدة)، فأي أسماء لله سوف تكون في باب توحيد الأسماء والصفات خصوصاً وأن ذلك من ركائز الإيمان وثوابت العقيدة بل جماع التوحيد وأصله" (١). ثم ذكر ذلك التناقض فقال: "فأي أسماء حسنى لله يجب على السلفية الوثنية إثباتها في مؤلفاتهم في باب توحيد الأسماء وتجسيم الصفات عندهم! ١ - هل هي الأسماء الحسنى التي ذكرها شيخهم عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتابه (فتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق والأحكام المستنبطة من القرآن) والذي ذكر به ثمانين اسماً من الأسماء الحسنى فقط، علماً بأنه قد خالف ابن عثيمين في إثبات مجموعة من الأسماء الحسنى، وهي (النور والهادي والرشيد وذو الجلال والإكرام والمغني والرب ورب العالمين والجليل والكافي والعدل والفعال لما يريد والبديع)، حيث أثبتها الشيخ السعدي ولم يثبتها ابن عثيمين؟! ٢ - أم هي الأسماء التي ذكرها ابن عثمين في كتابه (القواعد المثلى في صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى) طبعة دار المنهاج، والتي ذكر فيها أنه قد جمع تسعة وتسعين اسماً ظهر له من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ (٢). ٣ - أم أسماء الله الحسنى التي ذكرها محمود عبد الرزاق الرضواني في كتابه (أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة)، حيث أثبت لله تسعة وتسعين اسماً ليس من بينها لفظ الجلالة

стр. 148

(الله)، بالإضافة إلى استبعاده تسعة وعشرين اسماً من رواية الإمام الترمذي، بينما استبعد من رواية ابن ماجه تسعة وثلاثين اسماً، ومن رواية الحاكم في مستدركه استبعد سبعة وعشرين اسماً (١). ٤ - أم هي الأسماء التي قدم لها المدعو مصطفى العدوي لأخيه محمد عبد الباقي والتي بلغت مائة وتسعة اسماً من الأسماء الحسنى خالف فيها جميع من تقدم. ٥ - أم هي الأسماء الحسنى التي أثبتها غريب بن محمد علي أبو عارف في كتابه (الطريقة المثلى لإحصاء أسماء الله الحسنى من الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة) [المجسمة الوثنية]، والذي أثبت ما استبعده ابن العثيمين والرضواني من أسماء (٢). ٦ - أم أسماء الله الحسنى للإمام ابن القيم والتي جمعها وأعدها وحققها عماد زكي البارودي، والتي أورد فيها مائة وأربعين اسماً لله (٣) أثبت فيها كل ما استبعده ابن العثيمين والرضواني وغيرهم؟ ٧ - أم هي الأسماء التي جمعها سعيد بن وهف القحطاني في كتابه (شرح أسماء الله الحسنى)، والتي أثبت فيها تسعة وتسعين اسماً خالف فيها الملاحدة المجسمة السابقين في مجموعة كبيرة من الأسماء (٤). ٨ - أم هي الأسماء التي جمعها محمد الحمود النجدي في كتابه (المنهج الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)، والتي جمع فيها مائة وخمسة عشر اسماً خالف فيها جميع من تقدم من الحشوية السلفية السابقين في عدد كبير من الأسماء الحسنى (٥) " (٦).

стр. 149

حقيقة هذه الدعوى: لم أجد - حسب بحثي- من قال بهذه الدعوى في التناقض في عدد الأسماء الحسنى، إلا أني وجدت في موقع للنصارى مقالا بعنوان" أسماء الله الحسنى - الله إله المسلمين وليس الله الحي الحقيقي- " ذكر فيه: " من خلال دراستي للعديد من كتب الأحاديث والتفّاسير والمراجع الإسلامية، حصلت حتى اليوم على ستة قوائم لأسماء الله الحُسنى في الإسلام، ولاحظت عدم انطباق أية قائمة مع غيرها من القوائم، علماً بأنها جميعاً تشترك بعددٍ كبير من الأسماء فيما بينها، وخصوصاً أول عشرين اسماً من كل قائمة، بعد ذلك تبدأ الاختلافات في الظهور، لدرجة أن إحدى هذه القوائم تحتوي على عشرين اسماً من أسماء الله الحسنى لم يرد لها ذكرٌ في أية قائمة أُخرى" (١). الجواب عن هذه الدعوى: أولا: أنه لا يوجد دليل صحيح على حصر أسماء الله في عدد معين، ولذا اجتهد العلماء في عدها، معتمدين في ذلك على ما جاء في الكتاب والسنة. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضي في حكمك، عدل في قضاؤك، أسئلك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا»، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال: «بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» (٢).

стр. 150

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض رده على من زعم أنه لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين اسماً: " … وهذا القائل الذي حصر أسماء الله في تسعة وتسعين لم يمكنه استخراجها من القرآن، وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال: هي التي يجوز الدعاء بها دون غيرها، لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور، فكل اسم يجهل حاله يمكن أن يكون من المأمور، ويمكن أن يكون من المحظور، وإن قيل: لا تدعو إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين" (١). فالذين جمعوا الأسماء الحسنى اعتقدوا هم وغيرهم أن الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ليست شيئاً معيناً، بل من أحصى تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله دخل الجنة، أو أنها وإن كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه، كالأحد والواحد، والمعطي والمغني (٢). وقد جاء في القرآن أسماء، وفي السنة أسماء أخرى، فيكون العدد أكثر من تسعة وتسعين، كما هو ظاهر، ومن ذلك يتضح أن أكثر أهل العلم يقولون بأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسماً (٣). ثانيا: أن الحديث المشهور عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة» (٤) قد شرحه العلماء بما يدل على أن من أسماء الله الحسنى تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وليس فيه حصر في هذا العدد. قال النووي (٥) ﵀: "قوله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسماً»، اتفق العلماء على أن

стр. 151

هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء في الحديث الآخر: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (١)، وقد ذكر الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي عن بعضهم أنه قال لله تعالى ألف اسم، قال ابن العربي: وهذا قليل فيها، والله أعلم" (٢). ثالثا: أسماء الله تعالى كلها توقيفية أي " أنه يجب الوقوف فيها على ما جاء في الكتاب والسنة فلا يزاد فيها ولا ينقص، وعليه فلا يصح أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو أطلقه عليه رسوله ﷺ فيما صح عنه من الأحاديث، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء فوجب الوقوف على النص لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. ولأن تسميته تعالى بما لم يُسم به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النص. وأما ما ورد في القرآن والسنة على سبيل الوصف أو الخبر فقط، بحيث لم يرد تسمية الله به، فلا يصح أن نسميه به، وذلك لأن من صفات الله ما يتعلق بأفعاله، وأفعال الله لا منتهى لها كما أن أقواله لا منتهى لها" (٣). رابعا: "أن عددا من العلماء قديما وحديثا جمعوا أسماء الله مستمدين لها من الآيات والأحاديث، وشرحوها، وذكروا قواعد تتعلق بعددها ومعانيها وأحكامها؛ فمنهم من يعتمد في

стр. 152

إحصائها عددا على تتبع ما جاء في الكتاب والسنة، ومنهم من اعتمد رواية سرد الأسماء الحسنى، كما رواها الترمذي وضعفها، وفيها اختلاف، ومنهم من اقتصر على جمع تسعة وتسعين، ومنهم من زاد على ذلك. والغالب على من جمع أسماء الله الاقتصار على الأسماء المفردة، مما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ ؛ مثل العزيز والحكيم والرفيق والجميل، دون الأسماء المضافة؛ كأرحم الراحمين وأسرع الحاسبين. ولا ريب أن أكثر الأسماء المضافة أدل على الله وأخص به من أكثر الأسماء المفردة، وعمدة جميع العلماء في عد الأسماء الحسنى ذكرها في الكتاب والسنة، ولا يكادون يتفقون على ضابط فيما يعد من أسماء الله الحسنى، وأحسن ما يقال في ضابط الأسماء الحسنى -والله أعلم- أن كل ما يدعى الله به وقد تمدح الله به فهو من أسماء الله الحسنى، ويشمل ذلك الأسماء المفردة كالغفور والرحيم والفتاح العليم، والأسماء المركبة كأحسن الخالقين وخير الرازقين، ومن ذلك ذو الجلال والإكرام ونحوها (١) … وبمراعاة هذا الضابط يتبين أن أسماء الله الحسنى لا تنحصر في تسعة وتسعين، فلا ينكر على من بلغ بها المئات إذا التزم هذا الضابط، وتتضح هذه الكثرة إذا اعتبرنا الأسماء المتقاربة في لفظها ومعناها، مثل: الملك والمليك ومالك يوم الدين وملك يوم الدين وملك الناس، ومن هذا الكبير والأكبر والكريم والأكرم، والعلي والمتعال، والقدير والمقتدر، والعليم وعالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب، واعتبرنا اختلاف المضاف إليه اسمُ الرب: كرب العالمين ورب الفلق ورب الناس ورب العرش العظيم ورب السماوات والأرض، واختلاف المضاف إليه أفعلُ التفضيل صفة لله تعالى: كخير الناصرين وخير الغافرين وخير الراحمين، وكل هذه ونحوها ينطبق عليها الضابط المتقدم" (٢). خامسا: أن من العلماء المتقدمين - قبل أن يوجد الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه-

стр. 153

من اجتهد في عدّ أسماء الله الحسنى، واختلفوا في العدد، ومن هم: - ابن منده ﵀ في كتابه التوحيد أثبت (١٤٨) اسماً. - البيهقي ﵀ (١) في كتابه الأسماء والصفات أثبت (١٥٤) اسماً. - ابن العربي ﵀ (٢) في كتابه أحكام القرآن أثبت (١٤١) اسماً (٣). فهل يقول الكاتب عنهم ما قاله عن أتباع دعوة الإمام؟!. سادسا: إذا كان الاختلاف في عدّ الأسماء الحسنى وقع عند المتقدمين من أئمة العلم الكبار - ولم يثبت فيه دليل يرجع إليه-، فهل يعتبر الاختلاف في عد الأسماء الحسنى عند المتأخرين إلحادا وتناقضا؟ وهل قال بهذا أحد من أهل العلم؟ سابعا: كيف اعتبر الكاتب ما جمعه الشيخ سعيد بن وهف والشيخ محمد الحمود مخالف لغيرهم - حسب زعمه- من الملاحدة المجسمة الحشوية؟ فهل هو يواقفهم في جمعهم؟ أو تناقض يدل على جهله وعدم معرفته بأن ما كتبه الشيخان سيعد بن وهف ومحمد الحمود لا يخالف من قبلهم من المشايخ الذين ذكرهم. ثامنا: من عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة التوسل لله بأسمائه الحسنى؛ فكيف سيجيب الكاتب إذا قيل له هل عُدّ هذا الاسم من أسماء الله الحسنى أما لا؟.

стр. 154

المطلب الثالث عشر: دعوى أن إثبات العلو لله يلزم منه التحيز والتجسيم من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن إثبات العلو لله يلزم منه التحيز والتجسيم، مع أن الله منزه عن ذلك تعالى وتقدس. يقول عبد الرحمن حجازي: "ومن أعجب العجائب أن الوهابية وأئمتهم في التجسيم والتشبيه، كابن تيمية في كتابه المسمى "مجموع الفتاوى" وابن قيم الجوزية في كتابه المسمى "القصيدة النونية" وابن باز في "موقعه الإلكتروني" وابن عثيمين في كتابه المسمى "فتاوى في العقيدة"، وابن جبرين في كتابه المسمى "التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية" وعلى بن يحيى بن حضرم وأحمد بن يحيى النجمي في رسالة لهما اسمها "الاعتقاد أن الله تعالى في كل مكان من أفسد المعتقدات وأخبثها" ومحمد خليل هرّاس في "شرحه على نونية ابن قيم" وعبد الرحمن دمشقية في "كثير من كتاباته" وعبد الهادي وهبي في كتابه المسمى "غاية البيان في إثبات علو الرحمن" وأضرابهم من الذين أنكروا قيمة البرهان النقلي والعقلي ولجأوا لإثبات عقيدتهم الفاسدة المكذبة للقرآن التي هي نسبة الحيز والمكان إلى الله، وتعالى الله وتقدس عن ذلك لأنه سبحانه قال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]، وقال ﵊: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء» [رواه مسلم] … ومن كان كذلك كان موجوداً بلا مكان" (١). ثم قال بعد أن ذكر بعض الأدلة على كلامه: "وبعد هذه الأدلة القرآنية والحديثية لم يستح هؤلاء الوهابية لا من الله ولا من الناس، ولجأوا إلى فرعون الكذاب المفتري الذي ادعى الألوهية لنفسه واحتجوا به في عقيدتهم التي هي أوهى من بيت العنكبوت، فقال داعية فسادهم المدعو عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين في كتابه المسمى "التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية" ما نصه: (الآية الرابعة: وهي قصة فرعون، حكى الله عنه أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦]، الصرح هو

стр. 155

البناء الرفيع والأسباب هي الحبال، ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٧]، أي حبال السماء فأصعد فيها حتى أصل إلى السماء فأطلع إلى إله موسى الذي يقول إنه في السماء هل هو صادق أم لا ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧]. هكذا ذكره الله تعالى في سورة مؤمن وغافر، وقال في سورة القصص: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨]. لعلي أتخذ بناء رفيعاً أصعد إليه حتى أصل إلى السماء لأنظر: هل في السماء إله كما يقول موسى أم لا، فأنا أظن أنه من الكاذبين ليس في السماء إله، هذا دليل على أن موسى أخبر فرعون أن إلهه في السماء … إلى آخره) " (١). ثم استدل بقول ابن كثير ﵀ على معنى الآية التي ذكرها، ورد على الشيخ ابن جبرين فيها، وأن كلام ابن كثير يخالف ما ذكره الشيخ ﵀ إلى آخر كلامه. فقال: "انظروا أيها الوهابية إلى تفسير حبيبكم ابن كثير لقول فرعون ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، قال ابن كثير في تفسيره ما نصه: يقول تعالى مخبراً عن كفر فرعون وطغيانه وجحوده في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]؟ وذلك أنه كان يقول لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤]، وكانوا يجحدون الصانع - تعالى- ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون، فلما قال موسى ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦]، قال له: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي هذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠]. ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط؛ فإنه لم يكن مقرا بالصانع حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحداً له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه فعند ذلك قال موسى عندما سأله عن رب العالمين: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ

стр. 156

وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٤]، أي خالق جميع هذا ومالكه … إلى آخره" (١). حقيقة هذه الدعوى: هذه الدعوى قديمة (٢)، فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أموراً مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي رؤية الله؛ لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته. وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسماً متحيزاً، والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلماً. ويقولون: لو كان فوق العرش لكان جسماً متحيزاً، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلماً فوق العرش. ويقولون: لو كان في العلو لكان جسماً متحيزاً، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون في العلو وأمثال ذلك (٣). الجواب عن هذه الدعوى: أولا: قول الكاتب عن شيخ الإسلام ابن تيمية " في كتابه المسمى مجموع الفتاوى"، يدل على عدم معرفته بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ فإن شيخ الإسلام ﵀ ليس له كتاب بهذا الإسم؛ وإنما مجموع الفتاوى للشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ جمع فيه بعض رسائل وفتاوى شيخ الإسلام ﵀.

стр. 157

ثانيا: أجمع السلف ﵏ أن الله فوق سمواته، على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وقد قال مالك بن أنس: "إن الله فوق السماء، وعلمه في كل مكان" (١) … قال الإمام الأوزاعي ﵀ (١٥٧ هـ): "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" (٢). وقال الامام قتيبة بن سعيد ﵀ (٢٤٠ هـ): "هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال ﷻ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] " (٣). قال الذهبي ﵀: فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، وقد لقي مالكا والليث وحماد بن زيد، والكبار وعمر دهرا وازدحم الحفاظ على بابه" (٤). وقال الإمام زكريا الساجي ﵀ (٣٠٧ هـ): "القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم أن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء. انتهى. قال الذهبي ﵀: وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها وعنه اخذ أبو الحسن الاشعري علم الحديث ومقالات أهل السنة" (٥). والله قد فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم إذا دعوا الله توجهت قلوبهم إلى العلو، ولا يقصدونه تحت أرجلهم. ولهذا قال بعض العارفين: ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد في قلبه قبل أن يتحرك لسانه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة …

стр. 158

فالأدلة الشرعية والعقلية والفطرية كلها متفقة على أن الله فوق مخلوقاته، عال عليها، قد فطر الله على ذلك العجائز والصبيان والأعراب في الكتاب، كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جَمعَاء هل تُحِسُّون فيها من جَدْعَاء؟» ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] (١) (٢). وقال الشيخ ابن باز ﵀: " قال جماعة من المفسرين في هاتين الآيتين: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٧] إن (في) للظرفية، وأن السماء المراد بها: العلو، واحتجوا بذلك على أن الله سبحانه في جهة العلو فوق العرش" (٣). ثالثا: أجمع السلف على أنه لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، قال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه ولا تتعدى القرآن والحديث (٤). وقال الآجري ﵀: "إن أهل الحق يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ وبما وصفه به الصحابة ﵃، وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع" (٥). وقال ابن عبد البر ﵀: " … ما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا

стр. 159

خبر في صفات الله تعالى إلا ما وصف نفسه به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، فلا تتعدى ذلك إلى تشبيه أو تمثيل أو تنظير فإنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١). رابعا: أن أصل لفظ الحيز: " (حوز) الحاء والواو والزاء أصل واحد، وهو الجمع والتجمع، يقال لكل مجمع وناحية حوز وحوزة. وحمى فلان الحوزة، أي المجمع والناحية" (٢). وحيّز الدار ما أنظم إليها من المرافق والمنافع، وكل ناحية على حدة حيّز (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما الحيز فإنه فيعل من حازه يحوزه إذا جمعه وضمه، وتحيز وتفيعل، كما أن يحوز يفعل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، فالمقاتل الذي يترك مكاناً وينتقل إلى آخر لطائفة تفيء إلى العدو، فاجتمع إليها وانضم إليها فقد تحيز إليها" (٤). وأما عند المتكلمين فهم "يجعلون كل جسم متحيزاً، والجسم عندهم: ما يشار إليه، فتكون السموات والأرض وما بينهما متحيزاً على اصطلاحهم، وإن لم يسم ذلك متحيزاً في اللغة" (٥) وهو من الألفاظ المجملة، وأهل السنة والجماعة يمسكون عنها ويعرضون عنها إعراضاً جملياً، وقد يستفصلون قائلها عن مراده، فإن أراد بها معنى صحيحاً قبلوا المعنى وطالبوه بالاعتصام بالكتاب والسنة، وإن أراد بها معنى باطلاً ردوه، وإن اشتمل على الحق والباطل أوقف اللفظ وفسر المعنى الصحيح (٦). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الله: "وأصل ضلالتهم تكلمهم بكلمات مجملة، لا

стр. 160

أصل لها في كتابه، ولا سنة رسوله، ولا قالها أحد من أئمة المسلمين، كلفظ التحيز والجسم، والجهة ونحو ذلك" (١). فإطلاق الحيز والمكان على الله تعالى نفياً أو إثباتاً، إن عنى به أن الله يحويه شيء من مخلوقاته فهذا لا يجوز إطلاقه على الله تعالى وقد وسع كرسيه السموات والأرض، وإن عنى به إثبات صفة العلو لله تعالى، والاستواء على العرش، فهذا إثباته صريح في نصوص الكتاب والسنة لا يجوز للمسلم بحال إلا اعتقادُ ذلك، وإثباتُه على الوجه اللائق به تعالى (٢). فإذا تبين لنا معنى الحيز والمكان، وموقف السلف من اطلاقه على الله وأنهم يستفصلون في هذا اللفظ وأن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه على منهج السلف؛ فإنه لا حجة للمناوئين في قولهم أن أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يثبون هذا اللفظ أو ينفونه. خامسا: أنه يقال لمن ينفي تلك الألفاظ المجملة: إن أردت أن تنفى عن الله أن يكون جسماً كالأجسام، وجثة، وأعضاءاً، فالكلام الصحيح. وإن أردت بذلك نفي الصفات الثابتة له التي ظننت أن إثباتها يقتضي التجسيم، ونحو ذلك من اللوازم الباطلة، فإن الكلام غير صحيح. هذا بالنسبة للمعنى. أما بالنسبة للفظ فيجب ألا تعْدِل عن الألفاظ الشرعية في النفي أو الإثبات؛ لسلامتها من الاحتمالات الفاسدة (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهؤلاء يتكلمون بلفظ الجهة والحيز والمكان ويعنون بها تارة أمراً معلوماً وتارة أمراً موجوداً. ولهذا كان أهل الإثبات من أهل الحديث والسلفية من جميع الطوائف منهم من يطلق لفظ (الجهة) ومنهم من لا يطلقه، وهما قولان لأصحاب أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة

стр. 161

وغيرهم من أهل الحديث والرأي. وكذلك لفظ (المكان) منهم من يطلقه، ومنهم من يمنع منه. وأما لفظ (المتحيز) فمنهم من ينفيه وأكثرهم لا يطلقه ولا ينفيه؛ لأن هذه ألفاظ مجملة تحتمل حقاً وباطلاً، وإذا كان كذلك فيقال: قول القائل (إن الله في جهة أو حيز أو مكان) إن أراد به شيئا موجودا غير الله فذلك من جملة مخلوقاته ومصنوعاته فإذا قالوا: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه امتنع أن يكون محصورا أو محاطا بشيء موجود غيره سواء سمى مكانا أو جهة أو حيزا أو غير ذلك. ويمتنع أيضاً أن يكون محتاجا إلى شيء من مخلوقاته: لا عرش ولا غيره بل هو بقدرته الحامل للعرش ولحملته فإن البائن عن المخلوقات العالي عليها يمتنع أن يكون في جوف شيء منها، وإذا قيل: إنه في السماء كان المعنى إنه في العلو وهو مع ذلك فوق كل شيء ليس في جوف السماوات فإن السماء هو العلو وكل ما علا فهو سماء … فإذا قيل: فليمدد بسبب إلى السماء فقد يراد به السقف وإذا قيل: نزل المطر من السماء كان نزوله من السحاب. وإذا قيل: العرش في السماء فالمراد به ما فوق الأفلاك وإذا قيل: الله في السماء فالمراد بالسماء ما فوق المخلوقات كلها أو يراد: أنه فوق السماء وعليها فأما أن يكون في جوف السماوات فليس هذا قول أهل الإثبات أهل العلم والسنة. وإن أراد بمسمي الجهة والحيز والمكان أمراً معدوماً؛ فالمعدوم ليس شيئا فإذا سمى المسمى ما فوق المخلوقات كلها حيزاً وجهة ومكانا كان المعنى: أن الله وحده هناك ليس هناك غيره من الموجودات: لا جهة ولا حيز ولا مكان بل هو فوق كل موجود من الأحياز والجهات والأمكنة وغيرها . وهؤلاء النفاة كثيرا ما يتكلمون بالأوهام والخيالات الفاسدة ويصفون الله بالنقائص والآفات ويمثلونه بالمخلوقات بل بالناقصات بل بالمعدومات بل بالممتنعات. فكل ما يضيفونه إلى أهل الإثبات الذين يصفونه بصفات الكمال وينزهونه عن النقائص

стр. 162

والعيوب وأن يكون له في شيء من صفاته كفوا أو سمي فما يضيفونه إلى هؤلاء من زعمهم أنهم يحكمون بموجب الوهم والخيال الفاسد أو أنهم يصفون الله بالنقائص والعيوب أو أنهم يشبهونه بالمخلوقات هو بهم أخلق وهو بهم أعلق وهم به أحق فإنك لا تجد أحدا سلب الله ما وصف به نفسه من صفات الكمال إلا وقوله يتضمن لوصفه بما يستلزم ذلك من النقائص والعيوب ولمثيله بالمخلوقات وتجده قد توهم وتخيل أوهاما وخيالات فاسدة غير مطابقة بنى عليها قوله من جنس هذا الوهم والخيال وأنهم يتوهمون ويتخيلون أنه إذا كان فوق العرش كان محتاجا إلى العرش كما أن الملك إذا كان فوق كرسيه كان محتاجا إلى كرسيه. وهذا عين التشبيه الباطل والقياس الفاسد ووصف الله بالعجز والفقر إلى الخلق وتوهم أن استواءه مثل استواء المخلوق أو لا يعلمون أن الله يجب أن نثبت له صفات الكمال وننفي عنه مماثلة المخلوقات؟ وأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله؟ فلا بد من تنزيهه عن النقائص والآفات ومماثلة شيء من المخلوقات. وذلك يستلزم إثبات صفات الكمال والتمام التي ليس فيها كفو لذي الجلال والإكرام" (١). سادسا: قول الكاتب عن أتباع دعوة الإمام ﵀ أنهم "لجأوا إلى فرعون الكذاب المفتري الذي ادعى الألوهية لنفسه واحتجوا به في عقيدتهم التي هي أوهى من بيت العنكبوت … "، وطعنه على الشيخ عبد الله بن جبرين ﵀، فهذا من فهمه السقيم؛ فإن الشيخ ﵀ لم يستدل بقول فرعون، وإنما استدل بقول موسى ﵇ بأن ربه في السماء، ولذلك قال الشيخ عن فرعون أنه قال: " لأنظر: هل في السماء إله كما يقول موسى أم لا، فأنا أظن أنه من الكاذبين ليس في السماء إله، هذا دليل على أن موسى أخبر فرعون أن إلهه في السماء … إلى آخره". فمن أثبت العلو فهو على طريقة موسى ﵇، ومن نفى العلو فهو على طريقة فرعون لعنه الله، فليختر العاقل لنفسه ما يشاء! ثم إن الشيخ بين أن "المعتزلة والأشعرية ونحوهم قالوا: إن هذا ظن من فرعون، وإن من

стр. 163

اعتقد أن الله في السماء فقد تشبه بفرعون فهم عكسوا القضية، وقالوا: أنتم أيها المشبهة يا من تقولون: إن ربكم في السماء قدوتكم فرعون الذي قال: إن إله موسى في السماء" (١). وهو الذي وقع فيه الكاتب من عكس القضية، وبتر الكلام. سابعا: ما نقله الكاتب عن ابن كثير ﵀ وأن فرعون كان يجحد الصانع عند قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]: الخ. فإن ما نقله عن ابن كثير ﵀ موافق لما ذكر الشيخ ابن جبرين ﵀، حيث يقول الشيخ في الجواب عن عكسهم للقضية وأنهم يقولون أن قدوتنا فرعون: " فكيف نجيب، وكيف نرد عليهم هذا القول؟ نقول لهم: فرعون جاحد منكر أن يكون هناك إله، بل يدعي أنه هو فقط فيقول: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. و ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. فهو جاحد لا يقر بأن له إلها ولا ربا لا في السماء ولا في الأرض، فلما جاءه موسى وأخبره بأن هنالك إله، فلا بد أنه قد سأله أين هذا الإله الذي تزعم يا موسى ولا بد أن موسى أخبره بأن إلهه في السماء، ولو كان الله تعالى ليس في السماء بل في كل مكان كما تقوله المعتزلة، أو ليس في جهة؛ لما تكلف فرعون، ولما بنى ذلك الصرح، ولقال له موسى إن إلهي الذي أدعوك إليه ليس في السماء بل اطلبه في الأرض، واطلبه تحتك وعن يمينك وعن يسارك إلى آخره. فهذا ونحوه دليل واضح على أنه تلقى هذا القول من موسى وإلا لم يتكلف بناء الصرح" (٢). وأيضا فرعون لم ينكر وجود الرب سبحانه، وإنما يكابر بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:

стр. 164

١٢٧]، أي ويذرك وما تعبد؛ فإذا فرعون متعبد لآلهة غير ذاته (١). ثامنا: أن معرفته وقراءته لكتب أهل السنة وجوابهم عن الشبه حجة عليه، فليعد للسؤال -عند وقوفه بين يدي الله - جوابا، وللجواب صوابا.

стр. 165

المطلب الرابع عشر: دعوى التحكم في تأويل بعض آيات الصفات دون بعض من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى التحكم في تأويل بعض الصفات دون بعض، وأن هذا التأويل قول بلا دليل، ولم يقل به أحد من السلف. يقول عبد الرحمن حجازي: "وأما قول بعض الوهابية إن الآيات المتشابهات التي ظواهرها أن الله في السماء لا تؤول وأما الآيات التي ظواهرها أن الله في الأرض أو أنه في جسم الإنسان كآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وآية: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] فتؤول، فهذا تحكم منهم وقول بلا دليل، لم يقل هذا أحد من السلف إلا الوهابية وسلفهم من المشبهة" (١). وقال أيضاً: "أهل السنة يقولون: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي: ظهرت عجائب قدرة الله، لا يقولون: جاء الله من فوق إلى تحت، لا، هذا كفر. الوهابية يقولون: الله يأتي من فوق إلى الأرض المبدلة ليُحاسب الخَلق جعلوا الله كالمليك الذي يُقابل الرعية. الذي يظن أن الوقوف بين يدي الله يوم القيامة القرب منه بالمسافة هذا ما عرف الله. الوهابية يُفسرون آيات القرآن على الظاهر وهذا لا يجوز، الذي يفسر كل آيات القرآن على الظاهر يكفر كما قال سيدنا أحمد الرفاعي ﵁: صونوا عقائدكم من التمسك بظواهر ما تشابه من الكتاب والسنة فإن ذلك من أصول الكفر. أ. هـ. أي أوقع كثيراً من الناس في الكفر" (٢). ثم قال: "أحمد بن حنبل يُجوّز التأويل الذي هو موافق لكتاب الله وسنة رسوله ولغة العرب لذلك أوّل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، قال: (جاء أمره)، وفي رواية: (جاءت قدرته)، معناه الله يُظهر يوم القيامة أهوالاً عظيمة، هي آثار قدرة الله، ولو

стр. 166

كان الإمام أحمد مجسماً كأدعياء السلفية في هذا الزمان لما أوّل الآية ولكان أخذ بظاهرها. أما المجسمة أدعياء السلفية فيقولون: "التأويل تعطيل"أ. هـ. والتعطيل هو نفي وجود الله تعالى أو صفاته فيكونون بذلك حكموا على أحمد بالكفر لأنهم جعلوه معطلاً، فكيف بعد ذلك يدّعون الانتساب إليه" (١). حقيقة هذه الدعوى: هذه الدعوى قديمة (٢)، وهي محاولة نسبة التأويل للسلف، حتى يكون ذلك مدخلا ومستمسكا للمؤولة في تأويل الصفات (٣). الجواب عن هذه الدعوى: أولاً: التأويل، جاء في لسان العرب: " الأوْل: الرجوع: آل الشيء يؤول أولاً ومآلاً: رجع، وأول إليه الشيء: رجعه، وآلت عن الشيء: ارتددت … والإيل والأيل: من الوحش، وقيل هو الوعل، قال الفارسي: سمي بذلك لمآله إلى الجبل يتحصن فيه … وقال أبو عبيد في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، قال: التأويل المرجع والمصير، مأخوذ من آل يؤول إلى كذا أي صار إليه، وأولته: صيرته إليه" (٤). والتأويل: "تفعيل من أول يؤول تأويلاً، وثلاثيه آل يؤول: أي رجع وعاد" (٥). وقال ابن فارس ﵀: "أول الحكم إلى أهله: أي أرجعه ورده إليهم … وآل الجسم إذا نحف، أي رجع إلى تلك الحالة، ومن هذا الباب تأويل الكلام وهو عاقبته وما يؤول إليه،

стр. 167

وذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، ويقول: ما يؤول إليه في وقت بعثهم ونشورهم" (١). إذا التأويل هو ما أول إليه أو يؤول إليه، أو تأول إليه، والكلام إنما يرجع ويعود ويستقر ويؤول إلى حقيقته التي هي عين المقصود به (٢). وفي اصطلاح العلماء، له ثلاثة معان: الأول: أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] ومنه قول عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد: اللهم اغفر لي، يتأول القرآن» (٣). الثاني: يراد بلفظ التأويل: (التفسير) وهو اصطلاح كثير من المفسرين، ومنهم ابن جرير الطبري ﵀. الثالث: أن يراد بلفظ (التأويل): صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ظاهره إلى ما يخالف ذلك، لدليل منفصل يوجب ذلك، وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفاً لما يدل عليه اللفظ ويبينه، وتسمية هذا تأويلاً لم يكن في عرف السلف، وإنما سمي هذا وحده تأويلاً طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام، وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، ورموا في آثارهم بالشهب … (٤). وهذا التأويل

стр. 168

الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في مسألة الصفات والقدر ونحوها. فالتأويل بالمعنى الأول والثاني هو الوارد في الشرع وعلى ألسنة أهل اللغة المتقدمين ولا شك في صحته ووضوحه، وأما التأويل بالمعنى الثالث الذي يذكر في اصطلاح المتأخرين فهو الذي يحتاج إلى العرض على القرآن والسنة وعرف السلف الصالح، فما كان عليه دليل شرعي صحيح صريح فهو التأويل الصحيح، وإلا فهو تأويل فاسد (١). قال ابن حزم ﵀: "التأويل نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره، وعما وضع له في اللغة إلى معنى آخر؛ فإن كان نقله قد صح ببرهان، وكان ناقِلُه واجبَ الطاعة فهو حق. وإن كان نقله بخلاف ذلك اطُّرح، ولم يلتفت إليه، وحُكم لذلك النقل بأنه باطل" (٢). يقول السبكي (٣) ﵀: التأويل هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل لدليل فصحيح، أو ما يظن دليلاً ففاسد، أو لا لشيء فعبث لا تأويل" (٤). وذكر ابن النجار (٥) ﵀ أنه: "حمل ظاهر على محتمل مرجوح بلا دليل محقق لشبه يخيل للسامع أنه دليل، وعند التحقيق تضمحل" (٦). وقال ابن القيم ﵀: "والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص، وما جاءت به السنة، هو التأويل الفاسد"، ثم بيّن أنه يطلق عليه التحريف المعنوي فقال: "والتحريف هو

стр. 169

العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره، وهو نوعان: تحريف لفظه، وتحريف معناه … إلى أن قال: والمقصود أن التأويل يتجاذبه أصلان: التفسير، والتحريف، فتأويل التفسير هو الحق، وتأويل التحريف هو الباطل" (١). وعليه فمن قال: التأويل الصحيح هو حمل ظاهر الفظ على المحتمل المرجوح بدليل يصيره راجحاً (٢)، تعريف صحيح إن أراد القائل بالدليل دليل الكتاب والسنة، قال ابن القيم ﵀: "وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح" (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ويجوز باتفاق المسلمين أن نفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره؛ إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة، وإن سمي تأويلاً وصرفاً عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه، ولموافقة السنة والسلف عليه؛ لأنه تفسير للقرآن بالقرآن، ليس تفسيراً له بالرأي، والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين" (٤). و يقول ابن القيم ﵀: "فنحن لا ننكر التأويل، بل حقيقة العلم هو التأويل، والراسخون في العلم هم أهل التأويل، ولكن أي التأويلين؟ فنحن أسعد بتأويل التفسير من غيرنا وغيرنا أشقى بتأويل التحريف منا" (٥). ثانيا: أنه لا بد من توافر بعض الضوابط حتى يكون التأويل صحيحاً وبه يتميز التأويل الصحيح من غيره، ومن هذه الضوابط: الضابط الأول: أن يكون التأويل في إطاره ومجاله المحدد: فالنصوص الشرعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث قبول التأويل وعدمه:

стр. 170

١ - ما هو نص في مراد المتكلم لا يحتمل غيره، فهذا يمتنع دخول التأويل فيه أو تطرقه إليه، وهذا شأن عامة النصوص الشرعية الصريحة في معناها، كنصوص الصفات، والتوحيد والمعاد (١). ٢ - ما هو ظاهر في مراد المتكلم وقد احتفت به قرائن تقويه، قال ابن القيم ﵀: " فهذا ينظر في وروده فإن اطرد استعماله على وجه واحد استحال تأويله بما يخالف ظاهره؛ لأن التأويل إنما يكون لموضع جاء نادراً خارجاً عن نظائره منفرداً عنها، فيؤول حتى يرد إلى نظائره، وتأويل هذا غير ممتنع لأنه إذا عرف من عادة المتكلم باطراد كلامه في توارد استعماله معنى ألفه المخاطب، فإذا جاء موضع يخالفه رده السامع بما عهد من عرف المخاطب إلى عادة المتكلم المطّردة … وقد صرح أئمة العربية بأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه قد استعمل فيه ثبوته أكثر من حقه" … ثم مثَّل ﵀ لهذه القاعدة العظيمة بأمثلة منها، قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] حيث اطرد في جميع موارده في القرآن على هذا اللفظ، فتأويله باستولى باطل، وإنما كان يصح لو كان أكثر مجيئه بلفظ "استولى" ثم يخرج موضع عن نظائره، ويرد بلفظ "استوى"، فمثل هذا كان يصح تأويله باستولى، ثم قال: "فتفطن لهذا الموضع واجعله قاعدة فيما يمتنع تأويله من كلام المتكلم، وما يجوز تأويله" (٢). ٣ - ما ليس بنص ولا ظاهر في المراد، بل هو مجمل يحتاج إلى بيان، وهذا القسم دائر بين ثلاثة أحوال: أ- أن يكون مع هذا النص بيانه، ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] فرفع توهم صرف معنى "كلَّم" إلى أي معنى آخر بالمصدر المؤكد الذي لا يشك عربي اللسان أن المراد به إثبات تلك الحقيقة. ب- أن يكون بيانه منفصلاً عنه في نص آخر، ومثاله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾

стр. 171

[الدخان: ٣] فبقي الإجمال في ماهية هذه الليلة، ومقدار بركتها، فجاء البيان في سورة أخرى، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [القدر: ١ - ٣]. ج- أن يكون له عدة معان وليس معه ما يبين مراد المتكلم، يقول ابن القيم ﵀: "فهذا الأخير للتأويل فيه مجال واسع، وليس في كلام الله ورسوله من هذا النوع شيء من الجمل المركبة، وإن وقع في الحروف المقطعة المفتتح بها السور" (١). فظهر بهذا: ١ - أنه لا تأويل في المنصوص وهو المسمى بواضح الدلالة. ٢ - أن الظاهر يمتنع تأويله إلا بما يوافق عرف المتكلم وعادته المطردة. ٣ - أن المجمل لابد أن يكون له مبين ويتعين المصير إليه. ٤ - أنه لا يوجد في النصوص المتضمنة للمطالب الشرعية نص مجمل غير مبين. الضابط الثاني: أن يحتمل اللفظ المؤول المعنى المصروف إليه عن ظاهره في ذلك التركيب الذي وقع فيه، وإلا كان تحريفاً وكذباً على اللغة، فإن اللفظ قد لا يحتمل ذلك المعنى لغة، وقد يحتمله لغة ولا يحتمله في ذلك التركيب الخاص، ولصحة التأويل لابد من اجتماع الأمرين معاً. الضابط الثالث: أن يقوم دليل على أن المتكلم أراد المعنى المصروف إليه اللفظ عن ظاهره؛ ذلك لأن الأصل في الكلام هو الحقيقة والظاهر فلا يجوز العدول به عن حقيقته وظاهره إلا بدليل أقوى يسوغ إخراج الكلام عن أصله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ موضحاً هذا الضابط والذي قبله: "والمتأول عليه وظيفتان: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادعاه، وبيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر" (٢). وقال ابن القيم: "فمن عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق

стр. 172

كان عمل بمقتضاه" (١). الضابط الرابع: ألا يعود التأويل على أصل النص الشرعي بالإبطال، وذلك كتأويلهم قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] بقولهم: وجاء أمر ربك، فإن هذا خبر صريح من الله بمجيئه هو مجيئاً يليق بجلاله، فتأويله بمجيء غيره بلا دليل إبطال لهذا النص الشرعي. الضابط الخامس: أن يكون المعنى المصروف إليه عن ظاهره بما تجوز نسبته إلى الشارع، لأن المتأول يخبر عن مراد الشارع، ولذا يقول بعض العلماء: "التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وبعدها تحتمله الآية غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط" (٢). الضابط السادس: الجواب عن المعارض؛ لكي يكون التأويل صحيحاً لابد من الجواب عن المعارض، فإن مدعي الحقيقة والظاهر قد أقام الدليل العقلي والسمعي على إرادة الحقيقة والظاهر، أما العقلي فمن وجهين عام وخاص: فالعام هو الدليل الدال على كمال علم المتكلم، وكمال بيانه، وكمال نصحه، والدليل الدال على ذلك أقوى بكثير من الشبه الخيالية التي يستدل بها المؤولة. وأما الخاص فإن كل صفة -مثلاً- وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ فهي صفة كمال قطعاً فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يبطل حقائقها، وذلك يقال في جميع النصوص الطلبية والخبرية، وأما الأدلة السمعية القاضية بأصالة الحقيقة والظاهر فتقارب ألف دليل كما يقول ابن القيم (٣) فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله وهيهات. هذه الضوابط إذا تحققت ساغ التأويل وكان صحيحاً، وإلا فلا، قال الآمدي: "وإذا عرف معنى التأويل فهو مقبول معمول به بشروطه، ولم يزل علماء الأمصار في كل عصر من عهد الصحابة إلى زمننا عاملين به من غير نكير" (٤). ثالثا: قول الكاتب "وأما قول بعض الوهابية إن الآيات المتشابهات التي ظواهرها أن الله

стр. 173

في السماء لا تؤول وأما الآيات التي ظواهرها أن الله في الأرض أو أنه في جسم الإنسان كآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وآية: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] فتؤول فهذا تحكم منهم قول بلا دليل، لم يقل هذا أحد من السلف إلا الوهابية وسلفهم من المشبهة". أين قال أتباع هذه الدعوة المباركة أن ظواهر هذه الآيات أن الله في الأرض أو أنه في جسم الإنسان؟! بل يقولون أن الله معنا بعلمه - كما يقوله السلف-، وهو مستوى على عرشه، قال الشيخ حمد بن معمر ﵀: " وكل ما في الكتاب والسنة، من الأدلة الدالة على قربه ومعيته، لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته; فإنه سبحانه علي في دنوه، قريب في علوه; وقد أجمع سلف الأمة، على أن الله فوق سماواته، على عرشه، وهو مع خلقه بعلمه أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون" (١). يقول ابن جرير الطبري ﵀: " وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سمواته السبع" (٢). وقد نقل ابن عبد البر ﵀ إجماع الصحابة والتابعين على أنهم قالوا في معناها: هو على العرش، وعلمه في كل مكان (٣). وبهذا قالت اللجنة الدائمة بالمملكة: " قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] معناه عند أهل السنة والجماعة: أنه معهم بعلمه واطلاعه على أحوالهم" (٤). فابن جرير ﵀ يصرح بأن معنى الآية أن الله على عرشه ويعلم أعمالنا؛ بل ينقل ابن عبد البر إجماع الصحابة والتابعين على ذلك قبل أن يولد شيح الإسلام ابن تيمية ﵀، وقبل أن يخلق الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. وبهذا يتبين أن المناوئ إنما يعارض ما تواتر النقل فيه عن السلف؛ بخلاف أتباع دعوة الإمام فإنهم يقولون بما قال به السلف.

стр. 174

ثم لو قال المناوئ إن هذا الذي قلتم به تأويلٌ للآية، قيل: إن التأويل هنا جائز للقرينة الصارفة، ولا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة، وإن سمي تأويلاً وصرفاً عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه، ولموافقة السنة والسلف عليه. بخلاف قولكم بتأويل لا دليل عليه. رابعا: قول الكاتب أن: "أهل السنة يقولون: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي: ظهرت عجائب قدرة الله، لا يقولون: جاء الله من فوق إلى تحت، لا، هذا كفر. الوهابية يقولون: الله يأتي من فوق إلى الأرض المبدلة ليُحاسب الخَلق جعلوا الله كالمليك الذي يُقابل الرعية". هذا القول الذي انتقده على الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يتضمن أمرين: الأول: زعمه أن أهل السنة يقولون في تفسير الآية ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي: ظهرت عجائب قدرة الله. وهذا افتراء على السلف، وأين هذا القول في كتبهم؟ الثاني: قوله إن " الوهابية يقولون: الله يأتي من فوق إلى الأرض المبدلة ليُحاسب الخَلق"، فهذا ليس قولا للإمام ﵀؛ بل هو قول السلف ﵏، يقول ابن جرير ﵀ في تفسير قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ " يقول تعالى ذكره: وإذا جاء ربك يا محمد وأملاكه صفوفا صفا بعد صفّ" (١). أما الإتيان إلى الأرض المبدلة فروى ابن جرير بسنده عن أنس بن مالك ﵁، أنه تلا هذه الآية ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾، قال: يبدّلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم يُعمل عليها الخطايا، ينزلها الجبَّار تبارك تعالى (٢). فأتباع هذه الدعوة السلفية المباركة يقولون كما قال السلف ﵏ ولا يخرجون عن أقوالهم. وأما الزيادة في قول أتباع هذه الدعوة المباركة أنهم يقولون في مجيء الله: " كالمليك الذي

стр. 175

يُقابل الرعية "، فهذا افتراء عليهم أيضا، وأين هذا في كتبهم؟! خامسا: استدل المناوئ بقول منسوب للإمام أحمد ﵀ في تأويل المجيء والإتيان؛ في قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] بمعنى: جاء ثوابه (١)، وترك غالب ما نقل عنه مما يخالف هوى المناوئ. ومذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم لا يتأولون مجيء الرب بمجيء ثوابه؛ كما أنهم لا يتأولون الرحمة بإرادة الإنعام، ولا المحبة بالرضى أو علامة القبول، ولا الساق بالشدة (٢)، وما نقل عن الإمام أحمد ﵀ فيما يخالف ذلك؛ كالذي نقله البيهقي وابن كثير (٣)، يجاب عنه من وجوه: الوجه الأول: قيل: إن ذلك من رواية حنبل عنه، وحنبل ينقل عن أحمد ﵀ ما لا ينقل غيره، بل ينقلون خلافه (٤). قال ابن القيم ﵀: "إن حنبلاً تفرد بها عنه، وهو كثير المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه، و إذا تفرد بما خالف المشهور عنه؛ فالخلال وصاحبه عبد العزيز لا يثبتون ذلك رواية، وأبو عبد الله بن حامد وغيره يثبتون ذلك رواية، والتحقيق أنها رواية شاذة مخالفة لجادة مذهبه، هذا إذا كان ذلك من مسائل الفروع؟ فكيف في هذه المسألة؟ " (٥). الوجه الثاني: قيل: إن الإمام أحمد ﵀ قال ذلك على وجه الإلزام لخصومه. قال شيخ الإسلام ﵀: " إنما قال ذلك إلزاما للمنازعين له؛ فإنهم يتأولون مجيء الرب بمجيء أمره، قال: فكذلك قولوا: يجيء كلامه مجيء ثوابه! وهذا قريب" (٦).

стр. 176

قال ابن القيم ﵀: "فأحمد ذكر ذلك على وجه المعارضة والإلزام لخصومه بما يعتقدونه في نظير ما احتجوا به عليه، لا أنه يعتقد ذلك، والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ما عارض به" (١). الوجه الثالث: أن يقال: إن ذلك وقع من أحمد ثم رجع عنه؛ لأن أكثر النقول عن أحمد ﵀ مصرحة بعدم التأويل في جميع الصفات، بل كان ينكر على من يتأول شيئا من آيات أو أحاديث الصفات، ويزجر من يفعل ذلك، وربما هجره وهجر مجلسه. قال شيخ الإسلام ﵀: "ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية، ويبين أنه لا يقول: إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره، بل هو ينكر على من يقول ذلك" (٢). وقال ابن القيم ﵀ على رواية حنبل-: " وهذه رواية: إما شاذة، أو أنه رجع عنها؛ كما هو صريح عنه في أكثر الروايات، وإما أنها إلزام منه ومعارضة لا مذهب، وهذا الاختلاف وقع نظيره في مذهب مالك؛ فإن المشهور عنه وعن أئمة السلف إقرار نصوص الصفات والمنع من تأويلها، وقد روي عنه أنه تأول قوله: (ينزل ربنا)؛ بمعنى: نزول أمره، وهذه الرواية لها إسنادان: أحدهما: من طريق حبيب كاتبه، وحبيب هذا غير حبيب، بل هو كذاب وضاع باتفاق أهل الجرح والتعديل، ولم يعتمد أحد من العلماء على نقله. والإسناد الثاني: فيه مجهول لا يعرف حاله. فمن أصحابه من أثبت هذه الرواية، ومنهم من لم يثبتها؛ لأن المشاهير من أصحابه لم ينقلوا عنه شيئاً من ذلك" (٣). وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على الحكاية المنقولة عن مالك في تأويل النزول؛ قال ﵀: " وكذلك ذكرت هذه رواية عن مالك رويت من طريق كاتبه حبيب بن أبي حبيب، لكن هذا كذاب باتفاق أهل العلم بالنقل، لا يقبل أحد منهم

стр. 177

نقله عن مالك، ورويت من طريق أخرى ذكرها ابن عبد البر، وفي إسنادها من لا نعرفه" (١). سادسا: أن الحجة والعبرة بالدليل، قال ابن القيم ﵀: " فصل: وها هنا قاعدة يجب التنبيه عليها، وهي أنه إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما تأويل شيء في موارد النزاع لم يكن فيه أكثر من أنه وقع بينهم نزاع في معنى الآية أو الحديث، وهو نظير اختلافهم في تفسير آيات أو أحاديث؛ مثل تنازع ابن عباس وعائشة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]؛ فقال ابن عباس: رأى ربه، وقالت عائشة: بل رأى جبرائيل. وكتنازع ابن مسعود وابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠]؛ فقال ابن مسعود: هو ما أصاب قريشاً من الجوع، حتى كان أحدهم يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان. وقال ابن عباس: هو دخان يجيء قبل يوم القيامة. وهذا هو الصحيح … ونظائر ذلك؛ فالحجة هي التي تفصل بين الناس" (٢). وعلى ذلك دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؛ فمن جاء بالحجة؛ قبل قوله، ومن لم يأت بها؛ رد قوله، وإن كان عالماً جليلاً؛ فالحجة في كلام الله وكلام رسوله ﷺ وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ١٥٩]، والرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ الرد إلى سنته والتحاكم إليها. سابعا: تناقض أهل البدع في الأخذ عن الأئمة، فالعجيب أن هؤلاء المعطلة يعظم عندهم مثل هذين النقلين- مع ما فيهما من كلام - وأما النصوص المتواترة المشتهرة عن الإمام أحمد وعن الإمام مالك في إثبات الصفات، والرد على الجهمية وأتباعهم، والتحذير من الخوض في علم الكلام وتأويل الصفات؛ فهذه لا حجة فيها عندهم على مذهب هذا الإمام الموافق لمذهب السلف (٣).

стр. 178

المطلب الخامس عشر: دعوى أن قاعدة: "الإثبات المفصل والنفي المجمل" ليست علمية من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن قاعدة "الإثبات المفصل والنفي المجمل" في صفات الله ليست علمية، ولا يوجد في القرآن ما يمنع من النفي المفصل والإثبات المجمل. يقول عمر عبد الله كامل في نقد قاعدة الإثبات المفصل والنفي المجمل التي يستدل بها أتباع دعوة الإمام: "لقد صرح ابن تيمية بأن الله بعث رسله بإثبات مفصَّل ونفي مجمل، ومن هنا أثبت السلف له سبحانه الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل - يقصد إجمالاً- انتهى بمعناه (١). رداً على ذلك هاك قول الإمام أحمد بن حنبل في نفيه المفصل، فمن أين أتوا بهذه القاعدة التي خالفوا فيها إمام أهل السنة حينما نفوا نفياً تفصيلياً الأخذ بالمشابهة في الجوارح! وورد في ذكر عقيدة الإمام أحمد بن حنبل ﵀: "كان الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: لله تعالى يدان وهما صفة له، ليستا بجارحتين وليستا بمركبتين، ولا جسم ولا من جنس الأجسام، ولا من جنس الحدود والتركيب والأبعاض والجوارح، ولا يقاس على ذلك ولا له مرفق ولا عضد، لا فيما يقتضي ذلك من إطلاق قولهم يد إلا ما نطق به القرآن الكريم .. " (٢). ا. هـ. فهذه القاعدة - الإثبات المفصل والنفي المجمل - قاعدة غائية وليست علمية، أي وضعت لغاية من أجل تحقيق مراد، فلا يوجد في القرآن الكريم ما يمنع النفي التفصيلي عند الحاجة لذلك، كما لا يوجد فيه ما يمنع الإثبات الإجمالي. فأنت تعلم أن الله تعالى نفى بعض النقائص عن ذاته الشريفة تفصيلاً، فقال جل شأنه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ [الإخلاص: ٣].

стр. 179

كما نفى إجمالاً، فقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]، وأثبت لنفسه الكمال الكلي العام في قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، كما نزه تفصيلاً فقال: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ولما نسب اليهود البخل لله تعالى، رد عليهم تفصيلاً فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. وما معنى نفي الزوجة والولد عن الله تعالى! أليس هذا نفياً تفصيلياً ليُدفع به زعمهم القائل بإثباتهما له! تنزه وتعالى عن ذلك. إذن، فطريقة النفي المجمل غير مسلَّم بها على الإطلاق، وهذا الذي فهمه السلف كما رأيت في قول الإمام أحمد. وزيادة في التوضيح، فإن ثمة قاعدة أصولية غفلوا عنها، فكلمة "الإجمال" مصطلح معروف عند علماء الأصول، وحاصلها أنه لا يمكن العمل بها لاحتياجها إلى بيان، ولكون المجمل غير مبين، وغير المبين لا يُعمل به لعدم وضوح المعنى. فالغافلون عن هذه القاعدة لا يجدون حرجاً عندما يثبتون تفصيلاً ما ينافي هذه الآيات الكريمة، فيقولون: الله له حد، وهو في جهة وفي حيز، وتَحُلُّ الحوادث في ذاته، وغير ذلك مما يناقض ظاهر الآيات الكريمة، وما ذلك إلا بسبب قاعدتهم الباطلة: "الإثبات التفصيلي والنفي الإجمالي" مع أنه لو لم يكن في القرآن إلا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] لكفى في نفي المشابهة والمماثلة، فالمولى لم يقل: ليس مثله شيء، وإنما جاءت الآية بكاف التشبيه، أي ليس من شبيه لمثله، فإذا كان المثل ممتنعاً فشبهه أشد امتناعاً، وهذا فهم أئمة السلف كالإمام أحمد ﵀. فالنفي في الآيات نفي كلي أو عام، وهذا النفي قاطع ويجب العمل به، وليس مجملاً ولا يتوقف على بيان؛ لأن العموم مبين والنفي الكلي قاطع في محله، فهذه الآيات مُحكمة غير متشابهة، واضحة وبينة لا تتوقف على بيان، لذا فهي الحَكَم عندنا" (١).

стр. 180

حقيقة هذه الدعوى: هو ظن المناوئ أن دعوة الإمام تقول في صفات الله ب "قاعدة الإثبات المفصل والنفي المجمل" على الاطلاق، وأنه لا يوجد إثبات مجمل ونفي مفصل، وأن عدم النفي التفصيلي يلزم منه النقص في تنزيه الله تعالى (١). الجواب عن هذه الدعوى: أولا: سلك المتكلمون في باب الصفات مسلكا مغايرا لما جاء في الكتاب والسنة، وهو أنهم يفصلون في النفي، ويجملون في الإثبات، فيقولون: إن الله لا فوق ولا تحت، ولا جوهر ولا عرض، ولا جسم ولا صورة، ولا ساكن ولا متحرك، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا يحب ولا يرضى، وهكذا (٢). بينما جاء القرآن الكريم والسنة النبوية بخلاف ذلك، حيث جاء بالإثبات المفصل والنفي المجمل، وعلى هذا جاءت طريقة السلف، وعلى هذه الطريقة سار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فلا ينكر على من سار على طريقة القرآن والسنة وسلك سبيل المؤمنين. وهم لا يريدون بذلك أنه لا يقع في القرآن إثبات مجمل ولا نفي مفصل، وإنما يريدون بيان أصل القاعدة عند أهل السنة المخالفة لقاعدة المخالفين لهم، وإلا فإنه قد جاء في القرآن إثبات مجمل في أسماء الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] فهذا إثبات مجمل، حيث لم تذكر الأسماء في هذا السياق، نحو: السميع، أو البصير، أو العزيز، أو ما إلى ذلك.
следующие страницы →