قال ابن القيم ﵀: "فأحمد ذكر ذلك على وجه المعارضة والإلزام لخصومه بما يعتقدونه في نظير ما احتجوا به عليه، لا أنه يعتقد ذلك، والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ما عارض به" (١).
الوجه الثالث: أن يقال: إن ذلك وقع من أحمد ثم رجع عنه؛ لأن أكثر النقول عن أحمد ﵀ مصرحة بعدم التأويل في جميع الصفات، بل كان ينكر على من يتأول شيئا من آيات أو أحاديث الصفات، ويزجر من يفعل ذلك، وربما هجره وهجر مجلسه.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية، ويبين أنه لا يقول: إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره، بل هو ينكر على من يقول ذلك" (٢).
وقال ابن القيم ﵀ على رواية حنبل-: " وهذه رواية: إما شاذة، أو أنه رجع عنها؛ كما هو صريح عنه في أكثر الروايات، وإما أنها إلزام منه ومعارضة لا مذهب، وهذا الاختلاف وقع نظيره في مذهب مالك؛ فإن المشهور عنه وعن أئمة السلف إقرار نصوص الصفات والمنع من تأويلها، وقد روي عنه أنه تأول قوله: (ينزل ربنا)؛ بمعنى: نزول أمره، وهذه الرواية لها إسنادان:
أحدهما: من طريق حبيب كاتبه، وحبيب هذا غير حبيب، بل هو كذاب وضاع باتفاق أهل الجرح والتعديل، ولم يعتمد أحد من العلماء على نقله.
والإسناد الثاني: فيه مجهول لا يعرف حاله.
فمن أصحابه من أثبت هذه الرواية، ومنهم من لم يثبتها؛ لأن المشاهير من أصحابه لم ينقلوا عنه شيئاً من ذلك" (٣).
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على الحكاية المنقولة عن مالك في تأويل النزول؛ قال ﵀: " وكذلك ذكرت هذه رواية عن مالك رويت من طريق كاتبه حبيب بن أبي حبيب، لكن هذا كذاب باتفاق أهل العلم بالنقل، لا يقبل أحد منهم
стр. 177
نقله عن مالك، ورويت من طريق أخرى ذكرها ابن عبد البر، وفي إسنادها من لا نعرفه" (١).
سادسا: أن الحجة والعبرة بالدليل، قال ابن القيم ﵀: " فصل: وها هنا قاعدة يجب التنبيه عليها، وهي أنه إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما تأويل شيء في موارد النزاع لم يكن فيه أكثر من أنه وقع بينهم نزاع في معنى الآية أو الحديث، وهو نظير اختلافهم في تفسير آيات أو أحاديث؛ مثل تنازع ابن عباس وعائشة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]؛ فقال ابن عباس: رأى ربه، وقالت عائشة: بل رأى جبرائيل. وكتنازع ابن مسعود وابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠]؛ فقال ابن مسعود: هو ما أصاب قريشاً من الجوع، حتى كان أحدهم يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان. وقال ابن عباس: هو دخان يجيء قبل يوم القيامة. وهذا هو الصحيح … ونظائر ذلك؛ فالحجة هي التي تفصل بين الناس" (٢).
وعلى ذلك دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؛ فمن جاء بالحجة؛ قبل قوله، ومن لم يأت بها؛ رد قوله، وإن كان عالماً جليلاً؛ فالحجة في كلام الله وكلام رسوله ﷺ وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ١٥٩]، والرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ الرد إلى سنته والتحاكم إليها.
سابعا: تناقض أهل البدع في الأخذ عن الأئمة، فالعجيب أن هؤلاء المعطلة يعظم عندهم مثل هذين النقلين- مع ما فيهما من كلام - وأما النصوص المتواترة المشتهرة عن الإمام أحمد وعن الإمام مالك في إثبات الصفات، والرد على الجهمية وأتباعهم، والتحذير من الخوض في علم الكلام وتأويل الصفات؛ فهذه لا حجة فيها عندهم على مذهب هذا الإمام الموافق لمذهب السلف (٣).
стр. 178
المطلب الخامس عشر: دعوى أن قاعدة: "الإثبات المفصل والنفي المجمل" ليست علمية
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن قاعدة "الإثبات المفصل والنفي المجمل" في صفات الله ليست علمية، ولا يوجد في القرآن ما يمنع من النفي المفصل والإثبات المجمل.
يقول عمر عبد الله كامل في نقد قاعدة الإثبات المفصل والنفي المجمل التي يستدل بها أتباع دعوة الإمام: "لقد صرح ابن تيمية بأن الله بعث رسله بإثبات مفصَّل ونفي مجمل، ومن هنا أثبت السلف له سبحانه الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل - يقصد إجمالاً- انتهى بمعناه (١).
رداً على ذلك هاك قول الإمام أحمد بن حنبل في نفيه المفصل، فمن أين أتوا بهذه القاعدة التي خالفوا فيها إمام أهل السنة حينما نفوا نفياً تفصيلياً الأخذ بالمشابهة في الجوارح!
وورد في ذكر عقيدة الإمام أحمد بن حنبل ﵀:
"كان الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: لله تعالى يدان وهما صفة له، ليستا بجارحتين وليستا بمركبتين، ولا جسم ولا من جنس الأجسام، ولا من جنس الحدود والتركيب والأبعاض والجوارح، ولا يقاس على ذلك ولا له مرفق ولا عضد، لا فيما يقتضي ذلك من إطلاق قولهم يد إلا ما نطق به القرآن الكريم .. " (٢). ا. هـ.
فهذه القاعدة - الإثبات المفصل والنفي المجمل - قاعدة غائية وليست علمية، أي وضعت لغاية من أجل تحقيق مراد، فلا يوجد في القرآن الكريم ما يمنع النفي التفصيلي عند الحاجة لذلك، كما لا يوجد فيه ما يمنع الإثبات الإجمالي.
فأنت تعلم أن الله تعالى نفى بعض النقائص عن ذاته الشريفة تفصيلاً، فقال جل شأنه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ [الإخلاص: ٣].
стр. 179
كما نفى إجمالاً، فقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]، وأثبت لنفسه الكمال الكلي العام في قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، كما نزه تفصيلاً فقال: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
ولما نسب اليهود البخل لله تعالى، رد عليهم تفصيلاً فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
وما معنى نفي الزوجة والولد عن الله تعالى! أليس هذا نفياً تفصيلياً ليُدفع به زعمهم القائل بإثباتهما له! تنزه وتعالى عن ذلك.
إذن، فطريقة النفي المجمل غير مسلَّم بها على الإطلاق، وهذا الذي فهمه السلف كما رأيت في قول الإمام أحمد.
وزيادة في التوضيح، فإن ثمة قاعدة أصولية غفلوا عنها، فكلمة "الإجمال" مصطلح معروف عند علماء الأصول، وحاصلها أنه لا يمكن العمل بها لاحتياجها إلى بيان، ولكون المجمل غير مبين، وغير المبين لا يُعمل به لعدم وضوح المعنى.
فالغافلون عن هذه القاعدة لا يجدون حرجاً عندما يثبتون تفصيلاً ما ينافي هذه الآيات الكريمة، فيقولون: الله له حد، وهو في جهة وفي حيز، وتَحُلُّ الحوادث في ذاته، وغير ذلك مما يناقض ظاهر الآيات الكريمة، وما ذلك إلا بسبب قاعدتهم الباطلة: "الإثبات التفصيلي والنفي الإجمالي" مع أنه لو لم يكن في القرآن إلا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] لكفى في نفي المشابهة والمماثلة، فالمولى لم يقل: ليس مثله شيء، وإنما جاءت الآية بكاف التشبيه، أي ليس من شبيه لمثله، فإذا كان المثل ممتنعاً فشبهه أشد امتناعاً، وهذا فهم أئمة السلف كالإمام أحمد ﵀.
فالنفي في الآيات نفي كلي أو عام، وهذا النفي قاطع ويجب العمل به، وليس مجملاً ولا يتوقف على بيان؛ لأن العموم مبين والنفي الكلي قاطع في محله، فهذه الآيات مُحكمة غير متشابهة، واضحة وبينة لا تتوقف على بيان، لذا فهي الحَكَم عندنا" (١).
стр. 180
حقيقة هذه الدعوى:
هو ظن المناوئ أن دعوة الإمام تقول في صفات الله ب "قاعدة الإثبات المفصل والنفي المجمل" على الاطلاق، وأنه لا يوجد إثبات مجمل ونفي مفصل، وأن عدم النفي التفصيلي يلزم منه النقص في تنزيه الله تعالى (١).
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: سلك المتكلمون في باب الصفات مسلكا مغايرا لما جاء في الكتاب والسنة، وهو أنهم يفصلون في النفي، ويجملون في الإثبات، فيقولون: إن الله لا فوق ولا تحت، ولا جوهر ولا عرض، ولا جسم ولا صورة، ولا ساكن ولا متحرك، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا يحب ولا يرضى، وهكذا (٢).
بينما جاء القرآن الكريم والسنة النبوية بخلاف ذلك، حيث جاء بالإثبات المفصل والنفي المجمل، وعلى هذا جاءت طريقة السلف، وعلى هذه الطريقة سار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فلا ينكر على من سار على طريقة القرآن والسنة وسلك سبيل المؤمنين.
وهم لا يريدون بذلك أنه لا يقع في القرآن إثبات مجمل ولا نفي مفصل، وإنما يريدون بيان أصل القاعدة عند أهل السنة المخالفة لقاعدة المخالفين لهم، وإلا فإنه قد جاء في القرآن إثبات مجمل في أسماء الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] فهذا إثبات مجمل، حيث لم تذكر الأسماء في هذا السياق، نحو: السميع، أو البصير، أو العزيز، أو ما إلى ذلك.
стр. 181
وقد جاء الإثبات المجمل في الصفات في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] أي: الوصف الأعلى، فهذا مجمل، حيث لم يذكر الله في الآية صفة الرضا، أو المحبة، أو العلم، أو القدرة، أو ما إلى ذلك من الصفات، إنما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
ويأتي النفي مفصلاً في القرآن أحياناً؛ كقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فهذا نفي لصفة السِّنَة، وصفة النوم، وصفة الظلم، وهو نفي مفصل.
ويأتي النفي مجملاً في القرآن أحياناً؛ كقول الله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
فقول أهل السنة بإثبات مفصل ونفي مجمل هذا من حيث الأصل والقاعدة، فإن الغالب في كلام الله وكلام نبيه ﷺ هو ذكر التفصيل في مقام الإثبات، وذكر الإجمال في مقام النفي، وإلا فإن هذا يقع وهذا يقع.
ثانيا: أن كل نفي مفصل في القرآن فإنه يتضمن أمراً ثبوتياً (١)؛ فلما نفى الله عن نفسه الظلم في قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] دل ذلك على إثبات العدل، فكان نفي الظلم يتضمن كمال العدل، ولذلك هذا النفي المفصل يقال: إنه يتضمن أمراً ثبوتياً وهو كمال الضد، ولما نفى عن نفسه السِنة والنوم في قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] دل ذلك على كمال حياته وقيوميته؛ والله تعالى لا يبتدئ بذكر النفي المفصل في أوائل الآيات في كتابه الكريم، إنما الذي يُبتدأ به هي صفات الإثبات، ولذلك لما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ من باب تحقيق كمال حياته وقيوميته (٢).
ومن الأمثلة كذلك على تضمن النفي لإثبات صفات الكمال قول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لكمال غناه وملكه وربوبيته، وقوله تعالى: ﴿لَا
стр. 182
يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣] لكمال علمه، وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] لكمال عدله علمه وغناه ورحمته.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] لكمال صمديته، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] لتفرده بالكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه غيره، وقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] لعظمته وإحاطته بما سواه، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه واسع فيرى ولكن لا يحاط به إدراكاً، كما لا يعلم ولا يُحاط، فيرى ولا يحاط به رؤية (١). إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب مع ثبوت كمال ضدها الواجب الثابت لله تعالى الذي هو من لوازم ذاته .
ثالثا: أن هذه الطريقة التي سلكها أهل السنة في الإثبات والتنزيه موافقة لصريح المعقول الموافق لصحيح المنقول، فإن العقل السليم ينكر عكسها، وذلك لأن النفي المفصل عند العقلاء مسبة وإساءة ادب حتى في المخلوق، فإنه لو قال أحد لسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح، ولا حجام، ولا حائك، ولا كناس، لأدبه على هذا الوصف وإن كان صادقاً وإنما يكون مادحاً إذا أجمل النفي، فقال: أنت ليست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف، ومن أجمل في النفي أجمل في الأدب (٢).
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ "واعلم أن الصفات الثبوتية التي وصف الله بها نفسه كلها صفات كمال، والغالب فيها التفصيل لأنه كلما كثر الإخبار عنها وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها وعُلم ما لم يكن معلوماً من قبل، ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي
стр. 183
أخبر الله بها عن نفسه أكثر من الصفات التي نفاها عن نفسه.
وأما الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه فكلها صفات نقص ولا تليق به تعالى كالعجز واللغوب والظلم، ومماثلة المخلوقين، والغالب فيها الإجمال؛ لأن ذلك أبلغ في تعظيم الموصوف، وأكمل في التنزيه، فإن تفصيلها لغير سبب يقتضيه المقام فيه سخرية وتنقص بالموصوف، ولهذا جاء النفي المفصل في تنزيه الله تعالى عما نسبه إليه المشركون من الولد، والصاحبة، فقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤] فهذا نفي اقتضاه المقام وهو قليل جداً (١).
رابعا: أن الصفات المنفية في القرآن والسنة تذكر غالبا في خمسة أحوال:
الأولى: النفي المجمل للدلالة على عموم كمال الرب بسلب جميع النقائص والعيوب عنه على سبيل العموم والشمول لكل فرد من أفراد ما يضاد الكمال من النقائص، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].
الثانية: نفى ما ادعاه في حقه الكاذبون كما في قوله: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩١ - ٩٢].
الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين كما في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
الرابعة: تهديد الكافرين في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥].
الخامسة: توسيع دائرة الإثبات بإثبات أضدادها من صفات الكمال فنفى السنة والنوم إثبات لكمال حياته وإحاطة علمه وكمال قدرته، ونفي الصاحبة والولد إثبات لصمديته وعظمته (٢).
стр. 184
خامسا: ما نقله الكاتب منسوبا للإمام أحمد ﵀: "كان الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: لله تعالى يدان وهما صفة له، ليستا بجارحتين وليستا بمركبتين، ولا جسم ولا من جنس الأجسام، ولا من جنس الحدود والتركيب والأبعاض والجوارح، ولا يقاس على ذلك ولا له مرفق ولا عضد، لا فيما يقتضي ذلك من إطلاق قولهم يد إلا ما نطق به القرآن الكريم .. ". ا. هـ.
فهذا النقل ليس موجودا كما ذكر أنه في ذيل طبقات الحنابلة: ٢/ ٣٩١، بل هو موجود في طبقات الحنابلة: ٢/ ٢٩٤ بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي. وهي من الرسائل التي أضافها المحقق في أخر الكتاب وليست من الكتاب (١).
وهذا النقل جزء من رسالة صنفها أبي الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التيمي (٢) لبيان عقيدة الإمام أحمد على هيئة الاختصار؛ ولكنه سردها بألفاظ نفسه، ولم يلتزم ألفاظ الإمام أحمد ﵀ ولم يفهما " وجعل يقول: (وكان أبو عبد الله). وهو بمنزلة من يصنف كتابا في الفقه على رأي بعض الأئمة ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده؛ فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة. ومن المعلوم: أن أحدهم يقول: حكم الله كذا أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب الشريعة؛ بحسب ما بلغه وفهمه وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهم لمراده" (٣).
ثم إن الإمام أحمد ﵀ حسب ما نقل عنه - في نفس هذا الموضع من الرسالة أثبت لله صفة اليد ونفى عنها التأويل، حيث يقول: " وكان يقول إن لله تعالى يدين، وهما صفة له في ذاته ليستا بجارحتين وليستا بمركبتين ولا جسم ولا من جنس الأجسام ولا من جنس
стр. 185
المحدود والتركيب ولا الأبعاض والجوارح، ولا يقاس على ذلك، ولا له مرفق ولا عضد ولا فيما يقتضي ذلك من إطلاق قولهم يد إلا ما نطق القرآن به أو صحت عن رسول الله ﷺ السنة فيه، قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال رسول الله ﷺ : «كلتا يديه يمين» وقال الله : ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقال: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، ويفسد أن تكون يده القوة والنعمة والتفضل؛ لأن جمع "يد" "أيد"، وجمع تلك "أياد" ولو كانت اليد عنده القوة لسقطت فضيلة آدم وثبتت حجة إبليس".
فهو يقول: " إن لله تعالى يدين، وهما صفة له في ذاته "، " ولا يقاس ذلك"، فأثبت الصفة ونفى القياس على المخلوق، ويقول: " إلا ما نطق به القرآن أو صحت عن رسول الله ﷺ " وفيه إثبات ما أثباته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ .
ثم ذكر نفى تأويل اليد بالقدرة والنعمة " ويفسد أن تكون يده القوة والنعمة والتفضل "، فهل يقول الكاتب بإثبات هذه الصفة لله تعالى؟!
سادسا: استدلال الكاتب بمصطلح "الإجمال" عند علماء الأصول، وكون المجمل يحتاج إلى مبين، وهذا يخالف الإجمال في قاعدة " النفي الإجمالي"؛ لأن النفي الوارد في القرآن نفي كلي أو عام وقاطع ويجب العمل به ولا يحتاج إلى مبين.
فنقول: إن المجمل عند علماء الأصول غير المجمل المذكور في هذه القاعدة؛ فإن المجمل عند علماء الأصول يريدون به: ما لم تتضح دلالته، وقيل: ما تردد بين محتملين فأكثر على السواء، أو ما لا يكفي وحده في العمل به (١)، ويتكلمون فيه في باب الأحكام (٢).
أما المجمل في هذه القاعدة فلا يقصد به ما لم تتضح دلالته، أو تردد بين محتملين، وإنما يقصد المجمل الذي يفيد جملة من الأشياء، وهو موافق للغة (٣).
ثم هل قال أحد من علماء المسلمين عن هذه الآية التي ذكرها الكاتب، وهي قوله تعالى:
стр. 186
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أنها ليست محكمة؟! أو من المجمل الذي لم تتضح دلالتة أو مما تردد بين محتملين فأكثر على السواء كما يقول علماء الأصول؟!
بل أهل السنة يقولون إنها من الأدلة القاطعة المحكمة العامة على النفي الكلي والعام لمماثلة أي شيء لله .
стр. 187
المطلب السادس عشر: دعوى أن دعوة الإمام من المذاهب الكلامية
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن دعوة الإمام من المدارس أو المذاهب الكلامية.
يقول أحمد محمود كريمة عن العقيدة وتأثرها بعلم الكلام: "ثم لما حل العصر العباسي بحركته العلمية الواسعة وحصلت الترجمات ومال الناس إلى الافتراضات الجدلية في علوم المنطق والفلسفة وما ماثلها، حل علم الكلام محل العقيدة كمكون أساسي للثقافة الإسلامية وظهرت مدارس أو مذاهب كلامية (الأشعرية)، (الماتريدية)، (المعتزلة) (الوهابية)، … إلخ" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
لم أجد - حسب علمي- من وصف دعوة الإمام بأنها مذهب كلامي أو أنها مدرسة ظهرت ضمن المدارس الكلامية؛ فضلا أن يجعلها قرينة للمعتزلة والماتريدية والأشاعرة، وإن كان وجد من ألحقها بفرقة الوهابية الرستمية (٢) نسبة إلى عبد الوهاب رستم (٣) والتي ظهرت في القرن الثاني الهجري، وهي فرقة إباضية خارجية، وبعضهم يسميها الراسبية نسبة إلى مؤسسها الأصلي عبد الله بن وهب الراسبي (٤).
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: علم الكلام: علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية ودفع الشبه بالأدلة العقلية (٥).
وعرفه الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ بقوله: "هو ما أحدثه المتكلمون في أصول الدين
стр. 188
من إثبات العقائد بالطرق التي ابتكروها، وأعرضوا بها عما جاء بالكتاب والسنة" (١).
وهذا العلم قد ذمه السلف (٢)، ووقفوا منه موقفا صلبا، وذموه بأقبح الذم، واقتفى أثرهم في ذم علم الكلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكذلك الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ فكيف ينسب من سار على منهج السلف إلى علم الكلام، يقول الإمام الشافعي ﵀: " لأن يبتلى المرء بكل ما نهى عنه ما عدا الشرك به، خير من النظر في الكلام، فإني والله اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته قط" (٣).
بل إنه رأى الحكم بضربهم وتعزيرهم، فقال: "حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد، ويجلسوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" (٤).
وعنده أن كتب الكلام لا تدخل في مسمى العلم عند الإطلاق، حيث قال: "لو أن رجلاً أوصى بكتبه من العلم لآخر، وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصية؛ لأنها ليست من العلم" (٥).
وقال الإمام أحمد ﵀: "لا تجالسوا أهل الكلام، وإن ذبوا عن السنة" (٦). وقال: "لا يفلح صاحب كلام أبداً، ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل" (٧). وقال: "علماء الكلام زنادقة" (٨).
стр. 189
وقال البربهاري ﵀ (١): "إياك والنظر والجلوس إلى أصحاب الكلام، وعليك بالآثار وأهل الآثار، وإياهم فسأل، ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس" (٢).
وقال: "اعلم أنه لم تكن زندقة ولا كفر ولا شكوك، ولا بدعة، ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام، وأهل الكلام والجدل والمراء والخصومة والعجب" (٣).
وقال الحافظ ابن رجب (٤) ﵀: "فأما الدخول مع ذلك في كلام المتكلمين، أو الفلاسفة، فشر محض، وقل من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم" (٥).
والآثار عن السلف في ذم الكلام وأهله والتحذير منهم أكثر من أن تحصى (٦).
ومن نظر في كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وجد أنه يعتمد على الكتاب والسنة وأقوال السلف والمعقول الصحيح المستند إليها، وأما علم الكلام المذموم -والذي يعتمد على الألفاظ المنطقية والأقيسة العقلية- فلا أثر لها في كتبه ﵀ ولا أتباعه (٧).
يقول ﵀ في إحدى رساله في الجواب عن أن أول واجب على المكلف هو النظر: " قولك: أول واجب على كل ذكر وأنثى: النظر في الوجود، ثم معرفة العقيدة، ثم علم التوحيد. وهذا خطأ، وهو من علم الكلام الذي أجمع السلف على ذمه" (٨).
стр. 190
كما نقل عن كتب السلف: " الإجماع أن علم الكلام بدعة وضلالة " (١).
ثانيا: أن السلف الذين ذموا علم الكلام، لم يذموا جنس الكلام، ولم يذموه لعجزهم عنه أو عدم معرفتهم به، ولا ذموا الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به ورسوله ﷺ ولا ذموا كلاماً هو حق، بل ذموا الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة والعقل (٢)؛ ولهذا صار مصطلح الكلام عند السلف خاصاً بالكلام المذموم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالسلف ذموا أهل الكلام الذين هم أهل الشبهات والأهواء، لم يذموا أهل الكلام الذين هم أهل كلام صادق، يتضمن الدليل على معرفة الله تعالى، وبيان ما يستحقه وما يمتنع عليه" (٣).
ولهذا يقول الإمام الدارمي (٤) ﵀: "وقد كان من مضى من السلف يكرهون الخوض في هذا وما أشبهه، وقد كانوا رزقوا العافية منهم، وابتلينا بهم عند دروس الإسلام، وذهاب العلماء، فلم نجد بداً من أن نرد ما أتوا به من الباطل بالحق" (٥).
بل يرون أن من لم يناظر أهل البدع، ويدحض شبههم لم يعط الإسلام حقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور، وطمأنينة التقوى، ولا أفاد كلامه العلم واليقين" (٦).
стр. 191
ثالثا: قول الكاتب لما حل العصر العباسي ظهرت مدارس ومذاهب كلامية، ذكر منها المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، وقرن معها الوهابية، فلا أدري هل يقصد أن هذه المدارس والمذاهب الكلامية كانت في العصر العباسي ومنها الوهابية؛ لأن المعتزلة والأشاعرة والماتريدية كلها كانت في زمن الدولة العباسية؟، فإن كان يقصد ذلك، فهو يدل على عدم معرفته بدعوة الإمام؛ فإن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ولد عام ١١١٥ هـ، أي بعد نشأة الدولة العباسية ونهايتها (١٣٢ - ٦٥٦ هـ) (١)؛ فكيف تكون ظهرت الوهابية!! (٢).
стр. 192
المطلب السابع عشر: دعوى تحريف كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى تحريف كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري ﵀.
يقول علي حامد علي خليفة في ترجمته لأبي الحسن الأشعري ﵀ عند ذكره لمؤلفاته، متهما الدعوة بتحريف كتابه الإبانة:
"كتاب (الإبانة عن أصول الديانة)، وطُبع أخيراً بتحقيق الدكتورة فوقية حسين، وطبع من قبلها طبعة سقيمة بالهند، ثم طبع بالقاهرة طبعات لا تقل منها سقماً كالطبعة المنيرية وطبعات الوهابيين المدّعين للسلفية كذباً وزوراً، وقد اهتم بالكتاب هؤلاء السلفيون الكاذبون اهتماماً كبيراً فأعادوا طباعته مرات، وطبعوه أخيراً في مجلدين ضخمين، ثم منسوخاً على ست مكتوبات خطية كما زعموا. وقد قصدوا أن يبرزوا في طباعة الكتاب أحقادهم تجاه الأشاعرة ويؤكدوا بطلان مذهبهم، وما خدموه ولا حققوه لوجه الله تعالى، بل ليس هناك تحقيق وإنما إغراق في التجسيم والإساءة للأشاعرة.
وأوثق نسخة للإبانة وأصحّها على الإطلاق النسخة التي بداخل كتاب "تبيين كذب المفتري" للحافظ الكبير ابن عساكر، كما أوضحته في "الإبانة وملحقها" لي باسيتفاء منذ عهد بعيد. والكتاب بصفة عامة تلاعبت به أيدي المجسمة فلم ينج منه من الدس والتحريف سوى ما في "التبيين"، وكثير طيب من نسخة (الدكتورة فوقية حسين) الوحيدة المحققة" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
دعوى تحريف الكتب دعوى قديمة، سواء إتهام أهل السنة بتحريف كتب العقائد (٢)، أو
стр. 193
الاتهام بتحريف القرآن والسنة (١).
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أن كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري ﵀، قد اثنى عليه جماعة من المتقدمين منهم:
١ - الحافظ ابن عساكر ﵀ عندما ألف كتابه التبيين الذي أثنى فيه على أبي الحسن الأشعري ﵀، ورد على شانئيه، لم يجد خيراً من الإبانة دليلاً له على ذلك (٢).
٢ - الإمام الصابوني ﵀ حيث ذكر ابن عساكر أن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني النيسابوري ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري، ويظهر الإعجاب به ويقول ما الذي يُنْكر على من هذا الكتاب شرح مذهبه؟ (٣).
٣ - الحافظ ابن الطباخ ﵀، حيث نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أنه كان يعتمد على كتاب الإبانة، وكان يقول: هذا مذهبي وإليه أذهب، وكان يقول لله من صنفه (٤).
٤ - الحافظ أبو بكر السمعاني ﵀، حيث اعتمد كتاب الإبانة وحكى عنه في مواضع من كتابه الاعتقاد (٥).
٥ - نصر الدين المقدسي ﵀، حيث ألَّف كتاباً في الأصول نقل فيه فصولاً من كتاب الإبانة (٦).
стр. 194
٦ - أبو العباس الطرقي ﵀، حيث ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، عنه: أنه استفاد من كتاب الإبانة في مسألة إثبات الاستواء، في الرد على الجهمية (١).
٧ - الحافظ النووي ﵀، حيث نسخه بخطه، نقل ذلك عنه الذهبي (٢).
وهؤلاء الذين اثنوا على الكتاب كلهم قبل أن يولد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقبل أن يولد من سار على نهجه وهو الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه.
كما أن هذا الكتاب أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ومن سار على نهجه:
١ - فشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، نقل من هذا الكتاب في العديد من كتبه، بل نقل عنه في بيان تلبيس الجهمية العديد من الصفحات تجاوزت العشرات، وكذلك نقل منه في الدرء، والتسعينية، والحموية، وغيرها من كتب، وهذا يدل على مكانة الكتاب
عنده ﵀ (٣).
٢ - الإمام ابن القيم ﵀، حيث نقل عنه في كتبه، ومن ذلك ما نقله في (اجتماع الجيوش الإسلامية) حيث نقل عنه عدة صفحات (٤).
٣ - الحافظ الذهبي ﵀، حيث قال: وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف أبي الحسن ثم قال: فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن هذه ولزموها لأحسنوا (٥)، بل نقل منه نصوصاً.
٤ - الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله، حيث قال: هذا المرجع النفيس
стр. 195
الذي يتضمن أصول العقيدة السلفية التي كان عليها أبو الحسن الأشعري ﵀ وهي عقيدة أهل السنة والجماعة (١).
٥ - الدكتور جلال موسى، حيث قال: إن الأشعري فعلاً كان واسع الأفق دقيق النظر، يجيد التأليف، ويشهد بذلك كتابه الإبانة (٢).
٦ - الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود، حيث ذكر بأنه من أهم كتب الأشعري، وأكثرها إثارة للجدل، لأنه يحوي جوانب من العقيدة تخالف ما عليه متأخرو الأشعرية، خاصة في مسائل الصفات الخبرية والعلو والاستواء.
مما يدل على مكانة الكتاب عند أهل السنة والجماعة من المتقدمين والمتأخرين.
ثانيا: أن السبب في الطعن في هذه الطبعات لأهل السنة سببين:
١ - موافقة كتاب الإبانة لعقيدة أهل السنة، ومخالفته للأشاعرة في الجملة (٣).
٢ - التعليقات من محققي الكتاب من أهل السنة، وما فيها من زيادة إيضاح، وكشف مشكل، ورد على المخالف.
تقول د. فوقية حسين محمود -رحمها الله- والتي حققت كتاب الإبانة: "من قال إن الأشعري صاحب موقف وسط فحكمه خاطئ من أساسه؛ بل الأشعري من أهل الاتباع ويدين بديانة السلف الصالح (٤)، وهذا المعيار الجديد الذي تبين بالنسبة للأشعري يسوق إلى إعادة النظر في آرائه على اختلافها، … كما أنه يجب إخضاع المنتمين إلى مدرسة الأشعري لنفس المعيار لتبين صحة صدق انتمائهم إلى هذا الإمام، والفرق بينهما وبين من لم ينتم إليه" (٥).
стр. 196
كما أنها ردّتْ على من شككوا في الكتاب (١)؛ لقوله بالإثبات، وقالت: "إن هذا التشكيك الذي يترتب عليه استبعاد أهم فصول من فصوله، وهو الذي يؤكد فيه انتماءه إلى السلف، بإعلان انتمائه إلى ابن حنبل، هذا الإعلان الذي يتفق تماماً مع تفاصيل موقفه في مختلف المسائل التي عالجها، لأن موقفه يعتمد على نفس الأصول التي يعتمد عليها ابن حنبل: وهي إعطاء مكان الصدارة للنص المتنزل قرآناً أو سنة، وتطبيق أصول التفسير الصحيح التي لا تخرج النص عن تأويله، على نحو ما كان عليه السلف الصالح، على نحو ما هو مبين في الحديث" (٢).
ثالثا: أن أهل السنة والجماعة في تحقيقهم للكتب لا يحرفون ولا يعدلون في الكتب، ويبذلون جهدهم ووقتهم وأموالهم ليخرج الكتاب المحقق على ما تركه المؤلف، ومن ذلك كتاب "الإبانة" لأبي الحسن الأشعري؛ فإنه قد حقق عدة مرات، ومن آخرها أنه حقق في رسالة علمية (دكتوراه) في جامعة أم القرى، من الباحث د. صالح بن مقبل العصيمي، وهذا يدل على العناية بالكتاب.
رابعا: أن مما يدل على عناية المحقق بالكتاب بيانه موافقة ما في كتاب الإبانة لكتبه الأخرى كمقالات الإسلاميين، أو رسالته لأهل الثغر.
خامسا: أن مما يدل على عناية المحقق بالكتاب: اعتماده على نسخ أصليه، وسفره عدة مرات للهند ولبنان ومصر والنمسا للحصول عليها، مع ما في المخطوط من صعوبة في قراءة بعض الألفاظ، والعناية بتخريج الأثار حيث إن المؤلف ﵀ لم يعتمد على الكتب المعروفة، وفي بعض الأحيان يورد الحديث أو الأثر بالمعنى (٣).
سادسا: من عناية المحقق بالكتاب أنه رد على من شكك في النسخة المطبوعة وأن بها إضافات، فقال: "هناك من لا ينكر أصل كتاب الإبانة ء ولكن شكك في المطبوع منه، فمثلاً:
стр. 197
محمد زاهد الكوثري علق على كتاب الإبانة في حاشية كتاب التبيين وقال: (والنسخة المطبوعة في الهند من الإبانة، نسخة مصحفة محرفة، تلاعبت بها الأيدي الأثيمة فيجب إعادة طبعها من أصل وثيق) (١). فالكوثري هنا ليست المشكلة عنده ما وقع فيه من أخطاء مطبعية، لكان معه في هذا الحق، وإنما المشكلة عنده أنها على منهج السلف الصالح في الإثبات. وإلا فطبعة الهند مليئة بالأخطاء المطبعية كما قال. ولكن هذه الأخطاء لم تخالف جوهر الموضوع، وهي لا تعدو أخطاء مطبعية لسوء قراءة المخطوطة من قبل ناسخها الأول" (٢). كذلك بيان موافقة كتاب الإبانة لما في كتاب تبين المفتري لابن عساكر، مع وجود فروق غير مؤثرة (٣).
سابعا: من عناية المحقق بالكتاب ذكره لمن اعتنى به من الجامعات، كالجامعة الإسلامية وجامعة الإمام " كذلك قامت جامعة الأزهر - وهي في الجملة تؤيد المذهب الأشعري-بتحقيق هذا الكتاب عن طريق أستاذ من أساتذته. وهذه أدلة قوية عن مدى القيمة العلمية التي استحقها هذا الكتاب. وهو من الكتب القيمة التي يُنصح بشرحها وتوزيعها. وها هي الجامعة العريقة: جامعة أم القرى بمكة المكرمة، تعتني بهذا الكتاب، وتوافق على أن يحقق تحقيقاً علمياً كرسالة دكتوراه في جامعتها" (٤).
ثامنا: من عناية المحقق بالكتاب ذكره لطبعات الكتاب السابقة (٥)، وميزات هذه الطبعات وما فيها من ملاحظات مع ذكر نماذج من هذه الملاحظات.
стр. 198
المطلب الثامن عشر: دعوى إدخال بعض المسائل في العقيدة وهي ليست منها
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن الإمام أدخل في العقيدة من المسائل ما ليس منها.
يقول عبد الله العتِّيق -عند كلامه على بعض المسائل التي أدخلت في العقيدة وليست منها حسب زعمه-: "الدين سعة ورحابة، والشريعة سمحة، راعى الله فيهما أحوال الحياة، فمنح الإنسان فيهما آفاقاً أرحب مما يظن، ليس في الدين ولا في الشريعة شيء من الضيق، وليس في العقائد والإيمان، شيء من الشدة التي تجعل مسار الناس في الحياة صعباً، وإنما فيها من يُمْن الإيمان وأمانه الكثير.
على هذا الشأن كان مسار الدين والشريعة، لم يختلف اختلافاً أخل به فترة الرشد، فكانت الناس على البيضاء التي لم يفسدها شيء إلا جرأة من بعض بدافع غيرة، أو بباع قلّ من العلم، فانتكس حال الناس، فزل الفهم إذ قل العلم واعتل الحلم، فأتي على الناس حين فترة غياب الوعي بالعلم ما أتاهم من إدخال ما لم يكن من أمور عقائدهم إلا في أدق الصور في أمور العقائد، فأصابهم التحوط الخالي من بصيرة العلم، وخفي عنهم إدراك مواطن تلك الأمور في العلم.
وكلما بعد الإنسان عن جوهر العلم أدركته صوره، فتاه في غياهب المباحث، فلا يجد درباً منيراً، ولا يلوي على جادة مستنيرة، فيخوض بطرف "من أثر الرسول" فيرميها في تحرير العلم رمياً يظن الإجادة، فيحسن البيان والفصاحة، فيسري حرفه الخالي من وصف جوهر العلم إلى نفوس تلقت فقبلت.
هذه القضايا، المنثورة، لها طرف يسير دقيق، غير وثيق، في أمور العقائد، لا يشك في ذا، ولكن هذا الطرف لا يأتي في بال فاعل لها، ولا يستقيم حينئذ أن يقال عنها إنها من أمر العقائد، فما صح عدمه في الفاعلين لا يجوز ذكره احتمالاً في مقاصدهم.
هذا الكتاب بيان في عزو بعضها إلى محالها، في مواطنها الأصلية، باحكامها اللصيقة بها، على قانون العلم المزبور في مسطور الكتب، ببرهان قائم، وتوثيق بيّن، بأصيلة العلم وسابلة
стр. 199
الأدب، المرجو بيان العلم ليس إلا، ليغدو الدين نوراً كما هو، وتبقى الحياة جميلة" (١).
ثم ذكر جملة من الأمور -حسب زعمه- التي ليست من العقيدة ومنها حل السحر بسحر مثله (ص ١٤)، وعلم الأبراج (ص ٥٥)، وقول ما شاء الله وشئت (ص ٧٢)، والتوسل بالأشخاص (ص ٧٤)، ولبس القلادة والخيط والحلقة ونحوها للاستشفاء (ص ٨٣)، والطواف بالقبور (ص ٨٥)، والذبح عند القبور (ص ٨٧)، والتبرك بالأشخاص (ص ٨٩)، والحلف بغير الله (ص ٩٧)، إلخ.
يقول: "أصبح كل شيء في الحياة بسبب هذا الفكر فاسداً، فمن ذلك: التشدد في أمور العادات كلها، اللفظية والفعلية، فأصبح الناس يتحاشون كل لفظة وفعل خشية أن يكون ذلك من أمور العقيدة، فأصبحت رقابتهم فيما لا طائل وراءه، وكله بسبب الجهل بسعة العلم في أمور العقائد" (٢).
وقال أيضا "ليس من العقيدة الحلف بغير الله، إذ الأصل فيه أنه جاء من الإنسان في سياق التعظيم والإجلال للمحلوف به تعظيماً وإجلالاً (٣) لا يصلان إلى ما هو لائق بالله، وفي سياق إثبات صدق ما حلف لأجله، فلا يحلف الإنسان بشيء هيّن القيمة ولا محتقر المكانة، فيحلف ب: النبي والولي، والكعبة والقرآن، والشرف والأمانة (٤) والطلاق، والوالدين والأولاد، وغيرهم، وهذا ما جرت به عادات الناس، فلا يرد هنا أن حلف الإنسان بغير الله من صميم العقيدة الموجب كفر الإنسان، بوصمه بالشرك، أو مقاربته منه، إذ محل النهي عنه في حال أن يقصد الحلف تعظيم المحلوف به كتعظيم الله، وعليه تُحمل نصوص النهي" (٥) " (٦).
стр. 200
"وبهذا يُعتبر قصد الإنسان في البحث عن نفسه من خلال علم الأبراج، أو علوم: الأحجار الكريمة، أو الأرقام، أو الحروف، وسائر الأزمنة والأمكنة" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى قديمة، وهي الاشتباه في معنى العبادة الصحيح (٢)، وبسبب ذلك حصل الإنحرف في هذه المسائل التي ذكرها الكاتب من الذبح عند القبور، والتبرك، والحلف بغير الله؛ فجعل هذه العبادات العقدية من المسائل الفقهية.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أن الحامل للكاتب على إخراج هذه المسائل من العقيدة أنه أصل أصولاً للمسائل العقدية وربط هذه الأمور المذكورة بها؛ فلا تكون هذه المسائل ضمن مسائل العقيدة إلا إذا تحققت هذه الأصول: الاعتقاد والنية والتعظيم، وقد سبق الجواب عنها في الدعوى الرابعة من هذا الفصل: دعوى عدم صحة تعريف العبادة عند الإمام، ومتى يكون الفعل أو القول عبادة لله، وأثر النية والقصد في ذلك، وأن هذه المسائل من العقيدة.
ثانيا: أن كل مسألة تعبدية ففيها جانب عقدي، فالإيمان قول وعمل، والأعمال التعبدية من الإيمان، وهي أيضا من الإيمان بأن الله أمر بها وأنزل بها كتبه وأرسل بها رسله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانا (٣).
ثالثا: أن الحكم الشرعي في المسألة لا يختلف باختلاف التصنيف الموضوعي لها سواء وضعت في أبواب الفقه أو العقيدة أو السلوك؛ فالرسول ﷺ قال: «من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال، قال: ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن
стр. 201
رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله» (١)، وقال لمن سأله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» (٢).
فهذا حكمه ﷺ على الفعل، ولا يتغير الحكم بأن جعلناه في المعاملات أو العقائد أو العبادات.
رابعا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يستقل بهذا الصنيع، ولم يكن بدعا من العلماء، فالعلماء السابقون ذكروا هذه المسائل في أبواب الاعتقاد (٣)، ومن ذلك:
في صحيح البخاري: كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم.
وفي صحيح مسلم: كتاب الأيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى.
وفيه: كتاب الأيمان، باب من حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله.
وفي كتاب الشريعة للآجري ﵀: باب ذكر ما أخبر الله تعالى أنه أرسل الشياطين على الكافرين يضلونهم ولا يضلون إلا من سبق في علمه أنه لا يؤمن ولا يضرون أحدا إلا بإذن الله وكذلك السحرة لا يضرون أحدا إلا بإذن الله.
خامسا: جرت عادة المتقدمين من السلف أنهم يذكرون بعض مسائل العقيدة في كتب الفقه، كما يذكرون بعض مسائل الفقه في كتب العقيدة، ومن ذلك ذكر بعض مسائل العقيدة في كتب الفقه، في باب أحكام المرتد أو كتاب الردة، أو كتاب الحدود، ولا يعني ذكرها في كتب الفقه أنها مسائل فقهية، وإنما ذكرت لبيان ما يترتب عليها من أحكام، ولذلك ذكروا من المسائل في أحكام المرتد - وهو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر- سب الله وإدعاء النبوة (٤)، فهل الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر مسألة فقهية؟ وهل سب الله مسألة
стр. 202
فقهية؟ وهل إدعاء النبوة مسألة فقهية؟.
ومن مسائل الفقه التي ذكرت في كتب العقيدة، المسح على الخفين وقصر الصلاة في السفر وغيرها، ولا يعني ذكرها في كتب العقيدة أنها عقدية، وإنما ذكرت إما لبيان كمال الشريعة وترابط العلوم مع بعضها البعض، وإما لمخالفة بعض الفرق فيها؛ فذكرت تقريرا لها وللرد على المخالف فيها، أو لغير ذلك (١).
سادسا: أن هذه المسائل هي بالعقيدة ألصق، فالسحر من عمل الشياطين ويخل بالعقيدة، والتعلق بالنجوم ولبس القلادة والخيط والحلقة ونحوها للاستشفء تعلق بغير الله ومخل بالعقيدة.
سابعا: أن هذه الدعوى تدل على إفلاس المناوئ لدعوة الإمام ﵀ حيث لم يجد ما يدعيه إلا أمرا سار عليه العلماء ولم يختلفوا فيه؛ بل لم يتطرقوا إليه، وهذا يدل كذلك على تكلف هذا المناوئ للبيان والفصاحة ليلبس باطله؛ ولكن - ولله الحمد- لم تنهض دعواه لمواجهة الحق الذي جاء به الإمام المجدد ﵀.
стр. 203
المطلب التاسع عشر: دعوى عدم صحة تقسيم الشفاعة إلى: مثبتة، ومنفية، وأن طلب الشفاعة شرك مطلقًا
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أنه لا يوجد شفاعة منفية، وأن طلب الشفاعة عند الإمام محمد بن عبد الوهاب شرك مطلقا.
يقول أبو هشام الشريف في جوابه عن سؤال عن الشفاعة، وهل هناك شفاعة منفية وأخرى مثبتة؟: "ولا توجد شفاعة منفية، لأننا لو قلنا بشفاعة منفية لكان معناه أن يشفع من لا تجوز شفاعته فترد تلك الشفاعة، ويستحيل حدوث ذلك في الآخرة.
ولكن الشفاعة لا تكون إلا بشروط:
١ - أن يكون الشافع ممن يستحق أن يشفع من الأنبياء أو الشهداء أو قراء القرآن … إلخ.
٢ - أن يؤذن له في الشفاعة.
س: فما معنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤]؟.
ج- يوم القيامة لا شفاعة، وإنما الشفاعة العظمى للنبي الكريم ﷺ تُنهي الموقف يوم القيامة ويبدأ الحساب، ثم بعد ذلك تكون الشفاعات الأخرى" (١).
ويقول عثمان النابلسي بعد أن ذكر حديث الشفاعة (٢): "ففي هذا الحديث أراد المؤمنون أن يستشفعوا إلى ربهم ﵎، فيجعلوا أحد الأنبياء وسيطاً وشفيعاً لهم إلى الله تعالى ليرتاحوا من مكانهم، فطلبوا الشفاعة من سيدنا آدم ثم من سيدنا نوح فسيدنا إبراهيم فسيدنا موسى فسيدنا عيسى ﵈، ولم يقل لهم أحد الأنبياء لقد أشركتم بطلبكم الشفاعة منّا، بل كل واحد من الأنبياء وجّههم لطلب الشفاعة من غيره ممن هو أقرب عند الله تعالى، ثم
стр. 204
طلبوا الشفاعة من سيّد الأولين والآخرين ﷺ ، فلم يقل لهم: أيها المشركون .. إن الله تعالى أعطاني الشفاعة ونهاكم عن هذا فقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، كما قال ابن عبد الوهاب! " (١).
ثم قال: " فإن قال مخالف: إن هؤلاء المؤمنين طلبوا من النبي ﷺ الشفاعة في الآخرة وليس في الدنيا، فطلب الشفاعة في الآخرة ليس شركاً بخلاف طلبها في الدنيا.
قلت: إن كلام ابن عبد الوهاب يدلّ على أنّ طلب الشفاعة من الشفيع شرك مطلقاً، لأن الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى يأذن الله فيه، ويرى أنّ الواجب هو أن تطلب الشفاعة من الله تعالى وليس من الشفيع، وما كان شركاً في الدنيا فهو شرك في الآخرة، وما لم يكن شركاً في الدنيا فليس بشرك في الآخرة.
مع أن النبي ﷺ حي في قبره يصلي، وتعرض عليه أعمال أمته، وقد ثبت أن أحد الصحابة طلب الشفاعة من النبي ﷺ في الدنيا، فقد روى الترمذي عن أنس ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: " أنا فاعل". فقد طلب شفاعة النبي ﷺ وهو في الدنيا لا في الآخرة، وهذه الشفاعة رحمة من الله تعالى وكرامة للشفيع، وليس جهلاً ولا عجزاً منه ﵎" (٢).
حقيقة هذه الدعوى:
لم أجد - حسب بحثي- من قال بأنه لا توجد شفاعة منفية وإنما هي شفاعة بشروط؛ حتى إن المعتزلة أنكروا الشفاعة لأصحاب الكبائر اعتمادا على الآيات التي ورد فيها نفي الشفاعة (٣)، بل نُقل الإجماع على الشفاعة المنفية عن الكافرين (٤).
الجواب عن هذه الدعوى:
стр. 205
أولا: الشفاعة: هي سؤال الغير أن ينفع غيره، أو أن يدفع عنه مضره، ولا بد من شافع ومشفوع له، ومشفوع فيه، ومشفوع إليه، أو هي: "السؤال في التجاوز عن الذنوب من الذي وقع الجناية في حقه" (١). أي هي التوسط في جلب الخير أو دفع الضر، فتكون الشفاعة دائرة على أمرين: جلب المنفعة ودفع البلاء (٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والشفاعة عند الله: سؤال الله التجاوز عن الذنوب والآثام للغير" (٣).
وهذه الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩]. وقوله : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].
وأما السنة: فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في إثبات الشفاعة (٤). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده" (٥).
وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الشفاعة، وعدها من معاقد العقائد التي يجب الإيمان بها، والرد على من أنكرها (٦).
стр. 206
لكن هذه الشفاعة لا تكون إلا بشروط وانتفاء موانع (١). يقول ابن القيم ﵀: "الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله … وهو لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول. فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها" (٢).
ثانيا: أنكر المناوئ الشفاعة المنفية، والحق أن الشفاعة منها ما هو مثبت، ومنها ما هو منفي. فالشفاعة المثبتة: وهي التي تُطلب من الله، ولها شرطان:
الشرط الأول: إذن الله للشّافع أن يشفع؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
الشرط الثاني: رضا الله عن الشّافع والمشفوع له؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]؛ ولقوله جلَّ وعلا: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦].
أما الشفاعة المنفية: فهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والشفاعة بغير إذنه ورضاه، والشفاعة للكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨].
وقال الله عن المشركين: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].
قال الإمام ابن جرير ﵀: " يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك يا محمد صفتهم من دون الله الذي لا يضرهم شيئا ولا ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني أنهم
стр. 207
كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله، قال الله لنبيه محمد ﷺ : قل لهم: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، يقول: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض؛ وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السماوات ولا في الأرض، وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله فقال الله لنبيه ﷺ : قل لهم أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما؛ وذلك باطل لا تعلم حقيقته وصحته؛ بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون وأنها لا تشفع لأحد ولا تنفع ولا تضر " (١).
وأخبر الله عن أهل النار من الكفار أنهم يقولون: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر: ١٨].
وهذه الآيات تحكي قول المشركين وهم في النار خالدون، كيف يتحسرون ويتمنون، فلا إيمان ينجيهم، ولا عمل يخلصهم، ولا شافع يشفع لهم، ولا صديق ينقذهم، فتقطعت بهم السبل، وضرب اليأس أعماقهم، فزادهم عذاباً فوق العذاب (٢).
ثالثا: استدل المناوئ على إنكار الشفاعة المنفية على أنه لو قيل بالشفاعة المنفية لكان معناه أن يشفع من لا تجوز شفاعته فترد تلك الشفاعة …
فيقال: إن طلب الشفاعة من الحي الحاضر على قسمين:
القسم الأول: إن كان مما يقدر عليه فهي على نوعين:
١ - إن كان المطلوب أمرا حسنا فهي مشروعة: لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. وقال ﷺ : «اشفعوا تؤجروا» (٣).
٢ - إن كان المطلوب أمراً سيئاً فهي محرمة: لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥].
стр. 208
القسم الثاني: إن كان مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى: فهذا من الشرك الأكبر وهذا ما يفعله المشركون الأولون والآخرون كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. أي ما نعبد تلك الآلهة مع الله إلا لتشفع لنا عند الله، وتقربنا عنده منزلة، فكفروا بذلك؛ لأن الشفاعة لله وحده قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] (١).
فتبين مما سبق أن الشفاعة منها ما هو مثبت، ومنها ما هو منفي، وأن طلبها من الحي الحاضر فيما يقدر عليه جائزة.
ثم قول الكاتب: "ولا توجد شفاعة منفية، لأننا لو قلنا بشفاعة منفية لكان معناه أن يشفع من لا تجوز شفاعته فترد تلك الشفاعة، ويستحيل حدوث ذلك في الآخرة. ولكن الشفاعة لا تكون إلا بشروط".
فهذا تناقض من الكاتب؛ فإنه إذا قلنا لا يشفع أحد إلا بعد أن يؤذن له في الشفاعة كما ذكر ذلك في شروط الشفاعة، فإنه لن يشفع من لا تجوز شفاعته.
وإذا قلنا أنه لا تصح الشفاعة إلا بشروط؛ فماذا نسمي الشفاعة التي لم تتحقق فيها هذه الشروط؛ أليست تسمى شفاعة منفية؟!.
أما تفسير الكاتب لقوله تعالى: ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾، بأنه يوم القيامة لا شفاعة، فهذا صحيح؛ لأنه لا شفاعة للكفار ولا في الكفار (٢)، وهذا دليل على طلب الشفاعة من الكفار؛ لكنها لا تكون لهم لعدم توفر شروطها، وهذه هي الشفاعة المنفية.
رابعا: أن طلب الشفاعة من النبي ﷺ في الآخرة، من الشفاعة الجائزة من الحي الحاضر، وقد أذن الله له أن يشفع، وهي كرامة له. وحقيقة هذه الشفاعة هي أنه ﷺ يشفع لجميع الخلق حين يؤخر الله الحساب فيطول بهم الانتظار في أرض المحشر يوم القيامة فيبلغ بهم من الغم
стр. 209
والكرب ما لا يطيقون، فيقولون: من يشفع لنا إلى ربنا حتى يفصل بين العباد، يتمنون التحول من هذا المكان، فيأتي الناس إلى الأنبياء فيقول كل واحد منهم: لست لها، حتى إذا أتوا إلى نبينا ﷺ فيقول: «أنا لها، فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن، يلهمنيه الله، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل: يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع» (١). فيشفع لهم في فصل القضاء، فهذه الشفاعة العظمى، وهي من خصائص النبي ﷺ ، وهي من أعظم الكرامات له ﷺ .
خامسا: قول الكاتب: " مع أن النبي ﷺ حي في قبره يصلي، وتعرض عليه أعمال أمته".
أما حياة النبي ﷺ في قبره وصلاته فهي ثابتة، قال ﷺ : «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» (٢)، وهي حياة برزخية الله أعلم بكيفيتها.
أما عرض أعمال أمته عليه فلم يثبت بذلك دليل لا من الكتاب ولا من السنة، إلا الصلاة عليه ﷺ . وحديث عرض الأعمال عليه ضعيف بجميع طرقه (٣)، ومعارض بحديث: «ليردن علي ناس من أصحابي الحوض، حتى عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك» (٤). ولو كانت الأعمال تعرض عليه، لم يُقال له: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».
سادسا: قول الكاتب: "قد ثبت أن أحد الصحابة طلب الشفاعة من النبي ﷺ في الدنيا، فقد روى الترمذي عن أنس ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: «أنا فاعل» (٥) … ".
стр. 210
فالحديث حجة عليه لا له، فهو كما قال: " فقد طلب شفاعة النبي ﷺ وهو في الدنيا لا في الآخرة "، فهو طلب الشفاعة من النبي ﷺ وهو حي حاضر، ولم يطلبها من ميت ولا غائب.
سابعا: قول الكاتب: "إن كلام ابن عبد الوهاب وأتباعه يدل على أن طلب الشفاعة من الشفيع شرك مطلقاً … ".
لم يبين الكاتب مراده بقوله: "مطلقا"، هل يقصد في الدنيا والآخرة، وفيما يقدر عليه وفيما لا يقدر عليه، ومن الحي الحاضر ومن الميت؟ …
فهذا القول بهذا الإطلاق لا أعلم - حسب بحثي- أحدا قال به من أهل العلم، ولا من أئمة الدعوة، ثم هو لم يذكر موضعه من كلام الإمام ﵀؛ بل إن الإمام أفراد لموضوع الشفاعة بابا في كتابه " كتاب التوحيد"، وذكر فيه الأدلة على الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية، ثم ذكر من المسائل: "الثانية: صفة الشفاعة المنفية. الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة. الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود. الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ ، وأنه لا يبدأ بالشفاعة أولا، بل يسجد، فإذا أذن الله له شفع. السادسة: من أسعد الناس بها؟. السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله. الثامنة: بيان حقيقتها. وتتابع أئمة الدعوة على شرحه (١).
стр. 211
المطلب العشرون: دعوى عدم وصف الله بالأحد.
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى عدم وصف الله سبحانه بالأحد، وأن الإمام محمد بن عبدلوهاب لم يذكر سورة الإخلاص في كتاب التوحيد.
يقول أحمد راسم النفيس في بيان الفرق بين الوحدانية والأحدية، وأن هذه الدعوة السلفية -حسب زعمه- لم تصف الله بالأحد ومعناه عنده الشيء الذي لا ينقسم في نفسه أو معنى صفته.
"الغريب أن الشيخ عبد الوهاب [كذا] في كتابه المسمى بالتوحيد لم يستشهد ولو لمرة واحدة بسورة الإخلاص وهي السورة التي تعدل ثلث القرآن كما هو مشهور ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
إنها تعدل ثلث القرآن لأنها جمعت في سطر واحد منظومة العقيدة الإسلامية حيث يفسرها الشيخ الطوسي في كتابه (التبيان في تفسير القرآن):
وهذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لجميع المكلفين (هو الله) الذي تحق له العبادة، (أحد) ومعناه واحد فقوله: (هو) كناية عن اسم الرب لأنهم قالوا ما ربك؟ قال هو الله أحد (١)، وقوله (الله) ابتداء وخبره (أحد)، وأصل (أحد) وحد فقلبت الواو همزة، وقد جاء وحد على الأصل، وحقيقة الوحد شيء لا ينقسم في نفسه أو معنى صفته، فإذا أطلق أحد من غير تقدم موصوف فهو واحد نفسه، فإذا جرى على موصوف فهو أحد في معنى صفته، فإذا قيل الجزء الذي لا يتجزأ واحد فهو واحد في معنى صفته، وإذا وصف تعالى بأنه
стр. 212
أحد فمعناه أنه المختص بصفات لا يشاركه فيها غيره من كونه قديما وقادرا لنفسه وعالما وحيا وموجودا كذلك وأنه تحق له العبادة لا تجوز لأحد سواه ولا يجوز أن يكون (أحد) هذه هي التي تقع في النفي لأنها أعم العام على الجملة أحد والتفصيل فلا يصلح ذلك في الإيجاب كقولك ما في الدار أحد أي ما فيها واحد فقط ولا أكثر، ويستحيل هذا في الإيجاب وفى قوله (الله أحد) دليل فساد مذهب المجسمة لان الجسم ليس بأحد إذ هو أجزاء كثيرة وقد دل الله بهذا القول على أنه أحد فصح أنه ليس بجسم.
والمعنى الذي نستخلصه من هذه السورة العظيمة التي اشتملت على التوحيد الإلهي الحقيقي هو أن الله ﵎ واحد أحد إذ أن كل أحد واحد وليس كل واحد أحد.
إنها أحدية الذات والصفات فالله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وبينما يثبت الوهابيون للخالق صفات جسدية تنافي الأحدية الإلهية، حيث يقول في معرض تفسيره لحديث رسول الله ص [كذا] (من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله - إثبات الصفات، خلافاً للأشعرية)!، أي أنه يثبت لله سبحانه صفة الوجه " face (١) .
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى مبنية على تعريف المعتزلة والأشاعرة للتوحيد، وبأنه واحد في ذاته لا قسيم له (٢).
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: ورد اسم الله الأحد والواحد في القرآن الكريم، فاسم الله (الأحد) ورد في موضع واحد من القرآن في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، وهي السورة العظيمة التي ورد في السنة عن النبي ﷺ أنها تعدل ثلث القرآن لكونها أخلصت لبيان أسماء الرب الحسنى
стр. 213
وصفاته العظيمة العليا، وورد في الحديث القدسي: «وأنا الله الأحد الصمد» (١).
وأما اسمه (الواحد) فقد تكرر مجيئه في مواضع من القرآن منها قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
وقد أفاد هذان الاسمان: (الواحد) (الأحد) توحُّد الرب سبحانه بجميع الكمالات بحيث لا يشاركه فيها مشارك، وأن الواجب على العباد توحيده عقداً وقولاً وعملاً، بأن يعترفوا بكماله المطلق، وتفرده بالوحدانية ويفردوه بأنواع العبادة (٢).
ثانيا: قول الكاتب في حقيقة الواحد: أنه شيء لا ينقسم في نفسه أو معنى صفته، فهذا لم يذكره أهل اللغة في كتبهم، ويريد به التوصل إلى مذهبه في تعريف التوحيد، وأن الله واحد في ذاته لا قسيم له، قال ابن فارس ﵀ في كلمة (أحد): " الهمزة والحاء والدال فرع والأصل الواو: وحد" (٣)، وقال أيضا في كلمة (واحد): "الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد. من ذلك الوحدة. وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله … والواحد المنفرد" (٤). "والله: الواحد الأحد، ذو الوحدانية والتوحد … ، ومن صفاته: الواحد الأحد .... وتقول: أحّدْتُ الله تعالى ووحّدْتُه. وهو الواحد الأحد" (٥).
وقال أبو إسحاق الزجاج ﵀ في معنى الواحد والأحد: "هو المتفرد بوحدانيته في ذاته وصفاته، وقد فرق بعضهم بين الواحد والأحد: أن الواحد يفيد وحدة الذات فقط والأحد يفيده بالذات والمعاني" (٦).
стр. 214
فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد بني على الانفراد، فالواحد منفرد بالذات، والأحد بالمعنى، والأحد من صفات الله التي استخلصها لنفسه، ولا يشركه فيها شيء (١).
وقال الزجاجي ﵀: " الله الواحد الأحد الذي لا ثاني له، ولا شريك له ولا مثل ولا نظير، وهو سبحانه الواحد الذي يعتمده عباده، ويقصدونه، ولا يتكلون إلا عليه " (٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي ﵀: " فالله سبحانه هو الذي توحد بجميع الكمالات بحيث لا يشاركه فيها مشارك ويجب على العبيد توحيده عقداً وقولاً وعملاً بأن يعترفوا بكماله المطلق وتفرده بالوحدانية ويفردوه بانواع العبادة" (٣).
فهما اسمان دالان على أحدية الله ووحدانيته، أي: أنه سبحانه هو المتفرد بصفات المجد والجلال، المتوحد بنعوت العظمة والكبرياء والجمال، فهو واحد في ذاته لا شبيه له، وواحد في صفاته لا مثيل له، وواحد في أفعاله لا شريك له ولا ظهير، وواحد في ألوهيته فليس له ند في المحبة والتعظيم والذل والخضوع، وهو الواحد الذي عظمت صفاته حتى تفرد بكل كمال، وتعذر على جميع الخلق أن يحيطوا بشيء من صفاته أو يدركوا شيئاً من نعوته، فضلا عن أن يماثله أحد في شيء منها.
ثالثا: أنه مع تكرر ورود اسم الله الواحد في القرآن الكريم في مقامات متعددة، وفي سياقات مختلفة؛ لم يأت في أي سياق منها ما يدل على ما يقوله الكاتب بأنه: واحد في ذاته لا قسيم له؛ بل كلها في تقرير التوحيد وإبطال الشرك والتنديد.
فقال سبحانه في تقرير الوحدانية ووجوب إخلاص الدين له: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ [ص: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ
стр. 215
الْمَشَارِقِ (٥)﴾ [الصافات: ٤ - ٥]، وقال سبحانه في بيان أن هذه الوحدانية هي خلاصة دعوة الرسل وزبدة رسالتهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾ [فصلت: ٦].
وقال تعالى في سياق الدعوة إلى الإسلام لله والاستسلام لعظمته والخضوع لجنابه: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ [الأنبياء: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال تعالى في تنزيه نفسه عما أدعى في حقه من اتخاذ الولد وأنه ثالث ثلاثة تنزه وتقدس عن ذلك فقال: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال تعالى في إبطال عقائد المشركين: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١]، وقال تعالى في مقام بيان عظمته وكمال ملكه وخضوع الخلائق له يوم القيامة: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم: ٤٨].
رابعا: أن أهل العلم يفرقون بين الواحد والأحد من عدة وجوه، وليس منها ما ذكره الكاتب بأنه إذا وصف بالوحدانية فهو مختص بمعنى الصفة، وإذا وصف بالأحدية فهو مختص بصفات لا يشاركه فيها غيره.
ومن الفروق التي ذكرها أهل العلم بين الأحد والواحد: " أنّ الأحد يشمل الواحد لأنه أعمّ منه، فيطلق على الواحد والواحدة والاثنين والجمع بنوعيهما، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، وتقول: ما رأيتُ أحدًا منهنّ، ولا يكون الواحد إلاّ للفرد المذكر.
الثاني: الواحد له مؤنث من لفظه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، والأحد لا مؤنث له من لفظه إلاّ مع التركيب.