المطلب العشرون: دعوى عدم وصف الله بالأحد.
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى عدم وصف الله سبحانه بالأحد، وأن الإمام محمد بن عبدلوهاب لم يذكر سورة الإخلاص في كتاب التوحيد.
يقول أحمد راسم النفيس في بيان الفرق بين الوحدانية والأحدية، وأن هذه الدعوة السلفية -حسب زعمه- لم تصف الله بالأحد ومعناه عنده الشيء الذي لا ينقسم في نفسه أو معنى صفته.
"الغريب أن الشيخ عبد الوهاب [كذا] في كتابه المسمى بالتوحيد لم يستشهد ولو لمرة واحدة بسورة الإخلاص وهي السورة التي تعدل ثلث القرآن كما هو مشهور ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
إنها تعدل ثلث القرآن لأنها جمعت في سطر واحد منظومة العقيدة الإسلامية حيث يفسرها الشيخ الطوسي في كتابه (التبيان في تفسير القرآن):
وهذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لجميع المكلفين (هو الله) الذي تحق له العبادة، (أحد) ومعناه واحد فقوله: (هو) كناية عن اسم الرب لأنهم قالوا ما ربك؟ قال هو الله أحد (١)، وقوله (الله) ابتداء وخبره (أحد)، وأصل (أحد) وحد فقلبت الواو همزة، وقد جاء وحد على الأصل، وحقيقة الوحد شيء لا ينقسم في نفسه أو معنى صفته، فإذا أطلق أحد من غير تقدم موصوف فهو واحد نفسه، فإذا جرى على موصوف فهو أحد في معنى صفته، فإذا قيل الجزء الذي لا يتجزأ واحد فهو واحد في معنى صفته، وإذا وصف تعالى بأنه
стр. 212
أحد فمعناه أنه المختص بصفات لا يشاركه فيها غيره من كونه قديما وقادرا لنفسه وعالما وحيا وموجودا كذلك وأنه تحق له العبادة لا تجوز لأحد سواه ولا يجوز أن يكون (أحد) هذه هي التي تقع في النفي لأنها أعم العام على الجملة أحد والتفصيل فلا يصلح ذلك في الإيجاب كقولك ما في الدار أحد أي ما فيها واحد فقط ولا أكثر، ويستحيل هذا في الإيجاب وفى قوله (الله أحد) دليل فساد مذهب المجسمة لان الجسم ليس بأحد إذ هو أجزاء كثيرة وقد دل الله بهذا القول على أنه أحد فصح أنه ليس بجسم.
والمعنى الذي نستخلصه من هذه السورة العظيمة التي اشتملت على التوحيد الإلهي الحقيقي هو أن الله ﵎ واحد أحد إذ أن كل أحد واحد وليس كل واحد أحد.
إنها أحدية الذات والصفات فالله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وبينما يثبت الوهابيون للخالق صفات جسدية تنافي الأحدية الإلهية، حيث يقول في معرض تفسيره لحديث رسول الله ص [كذا] (من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله - إثبات الصفات، خلافاً للأشعرية)!، أي أنه يثبت لله سبحانه صفة الوجه " face (١) .
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى مبنية على تعريف المعتزلة والأشاعرة للتوحيد، وبأنه واحد في ذاته لا قسيم له (٢).
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: ورد اسم الله الأحد والواحد في القرآن الكريم، فاسم الله (الأحد) ورد في موضع واحد من القرآن في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، وهي السورة العظيمة التي ورد في السنة عن النبي ﷺ أنها تعدل ثلث القرآن لكونها أخلصت لبيان أسماء الرب الحسنى
стр. 213
وصفاته العظيمة العليا، وورد في الحديث القدسي: «وأنا الله الأحد الصمد» (١).
وأما اسمه (الواحد) فقد تكرر مجيئه في مواضع من القرآن منها قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
وقد أفاد هذان الاسمان: (الواحد) (الأحد) توحُّد الرب سبحانه بجميع الكمالات بحيث لا يشاركه فيها مشارك، وأن الواجب على العباد توحيده عقداً وقولاً وعملاً، بأن يعترفوا بكماله المطلق، وتفرده بالوحدانية ويفردوه بأنواع العبادة (٢).
ثانيا: قول الكاتب في حقيقة الواحد: أنه شيء لا ينقسم في نفسه أو معنى صفته، فهذا لم يذكره أهل اللغة في كتبهم، ويريد به التوصل إلى مذهبه في تعريف التوحيد، وأن الله واحد في ذاته لا قسيم له، قال ابن فارس ﵀ في كلمة (أحد): " الهمزة والحاء والدال فرع والأصل الواو: وحد" (٣)، وقال أيضا في كلمة (واحد): "الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد. من ذلك الوحدة. وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله … والواحد المنفرد" (٤). "والله: الواحد الأحد، ذو الوحدانية والتوحد … ، ومن صفاته: الواحد الأحد .... وتقول: أحّدْتُ الله تعالى ووحّدْتُه. وهو الواحد الأحد" (٥).
وقال أبو إسحاق الزجاج ﵀ في معنى الواحد والأحد: "هو المتفرد بوحدانيته في ذاته وصفاته، وقد فرق بعضهم بين الواحد والأحد: أن الواحد يفيد وحدة الذات فقط والأحد يفيده بالذات والمعاني" (٦).
стр. 214
فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد بني على الانفراد، فالواحد منفرد بالذات، والأحد بالمعنى، والأحد من صفات الله التي استخلصها لنفسه، ولا يشركه فيها شيء (١).
وقال الزجاجي ﵀: " الله الواحد الأحد الذي لا ثاني له، ولا شريك له ولا مثل ولا نظير، وهو سبحانه الواحد الذي يعتمده عباده، ويقصدونه، ولا يتكلون إلا عليه " (٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي ﵀: " فالله سبحانه هو الذي توحد بجميع الكمالات بحيث لا يشاركه فيها مشارك ويجب على العبيد توحيده عقداً وقولاً وعملاً بأن يعترفوا بكماله المطلق وتفرده بالوحدانية ويفردوه بانواع العبادة" (٣).
فهما اسمان دالان على أحدية الله ووحدانيته، أي: أنه سبحانه هو المتفرد بصفات المجد والجلال، المتوحد بنعوت العظمة والكبرياء والجمال، فهو واحد في ذاته لا شبيه له، وواحد في صفاته لا مثيل له، وواحد في أفعاله لا شريك له ولا ظهير، وواحد في ألوهيته فليس له ند في المحبة والتعظيم والذل والخضوع، وهو الواحد الذي عظمت صفاته حتى تفرد بكل كمال، وتعذر على جميع الخلق أن يحيطوا بشيء من صفاته أو يدركوا شيئاً من نعوته، فضلا عن أن يماثله أحد في شيء منها.
ثالثا: أنه مع تكرر ورود اسم الله الواحد في القرآن الكريم في مقامات متعددة، وفي سياقات مختلفة؛ لم يأت في أي سياق منها ما يدل على ما يقوله الكاتب بأنه: واحد في ذاته لا قسيم له؛ بل كلها في تقرير التوحيد وإبطال الشرك والتنديد.
فقال سبحانه في تقرير الوحدانية ووجوب إخلاص الدين له: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ [ص: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ
стр. 215
الْمَشَارِقِ (٥)﴾ [الصافات: ٤ - ٥]، وقال سبحانه في بيان أن هذه الوحدانية هي خلاصة دعوة الرسل وزبدة رسالتهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾ [فصلت: ٦].
وقال تعالى في سياق الدعوة إلى الإسلام لله والاستسلام لعظمته والخضوع لجنابه: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ [الأنبياء: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال تعالى في تنزيه نفسه عما أدعى في حقه من اتخاذ الولد وأنه ثالث ثلاثة تنزه وتقدس عن ذلك فقال: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال تعالى في إبطال عقائد المشركين: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١]، وقال تعالى في مقام بيان عظمته وكمال ملكه وخضوع الخلائق له يوم القيامة: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم: ٤٨].
رابعا: أن أهل العلم يفرقون بين الواحد والأحد من عدة وجوه، وليس منها ما ذكره الكاتب بأنه إذا وصف بالوحدانية فهو مختص بمعنى الصفة، وإذا وصف بالأحدية فهو مختص بصفات لا يشاركه فيها غيره.
ومن الفروق التي ذكرها أهل العلم بين الأحد والواحد: " أنّ الأحد يشمل الواحد لأنه أعمّ منه، فيطلق على الواحد والواحدة والاثنين والجمع بنوعيهما، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، وتقول: ما رأيتُ أحدًا منهنّ، ولا يكون الواحد إلاّ للفرد المذكر.
الثاني: الواحد له مؤنث من لفظه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، والأحد لا مؤنث له من لفظه إلاّ مع التركيب.
стр. 216
الثالث: الواحد يطلق على من يعقل ومن لا يعقل، فهو أعمّ من هذا الوجه، والأحد لا يكون إلا فيمن يعقل، فلا يقال: لا أملك أحدًا من الكتب.
الرابع: الواحد يجوز أن يكون معه ثانٍ، فيقال: ليس عندي واحدٌ بل اثنان، ولا يجوز: ليس عندي أحد بل اثنان.
الخامس: الواحد لا جمع له من لفظه، وجمعه آحاد، والأحد لا يجمع أصلا، وسئل المبرّد عن (الآحاد) أهو جمع لأحد؟ قال: معاذ الله، إنه ليس للأحد جمعٌ.
السادس: الأحد وصفٌ خاصّ بالله تعالى.
السابع: الواحد يدخل في الحساب والعدد والقسمة، والأحد ليس كذلك، ولذلك كان الواحد أول العدد، وقيل: يجوز أن يقال: أحد، اثنان …
الثامن: وهو من الفروق اللّفظية أن (أحد) يختصّ بتركيبه في (أحد عشر)، ولا يقال: واحد عشر.
التاسع: زعم بعضهم أن الأحد لا يستعمل إلا في النفي، وهو مردودٌ بالآية المذكورة في الوجه الأول.
العاشر: أن (الأحد) يستعمل اسمًا بمعنى إنسان في خصوص النفي، كالآية المتقدمة.
الحادي عشر: الأصل في (أحد) وَحَد، و (أحد) فرعٌ.
وأمّا من حيث معناهما اسمين من أسماء الله، فمن العلماء من لا يرى الفرق بينهما، والصحيح التفريق، وأقرب ما قيل في ذلك: أنّه إذا قيل: الله أحد، فمعناه: المنفرد بالإلهية، وإذا قيل: الله واحدٌ، فمعناه: الذي لا ثاني له" (١).
خامسا: قول الكاتب بأن الإمام ﵀ لم يذكر سورة الإخلاص في كتاب التوحيد.
فهل يلزم أن يذكر سورة الإخلاص في كل كتاب له؟! فالإمام محمد ﵀ لم يذكرها ولم
стр. 217
يذكر كثيرا غيرها من سور القرآن في كتاب التوحيد.
ولا يعني هذا أن الإمام لم يذكرها في جميع كتبه؛ بل هو ﵀ ذكرها واستشهد بها في مواضع كثيرة (١). وله تفسير لها ضمن مؤلفاته (٢)، قرر فيه التوحيد والتنديد بالشرك.
قال ﵀: "فمن أحسن الاقتران: أن الله قرن بين الإيمان به والكفر بالطاغوت؛ فبدأ بالكفر به على الإيمان بالله، وقرن الأنبياء بين الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، مع أن في الوصية بلا إله إلا الله ملازمة الذكر بهذه اللفظة والإكثار منها. ويتبين عظم قدرها، كما بيَّن ﷺ فضل سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] على غيرها من السور، ذكر أنها تعدل ثلث القرآن مع قصرها. وكذلك حديث موسى ﵇، فإن في ذكره ما يقتضي كثرة الذكر بهذه الكلمة، كما في الحديث: «أفضل الذكر: لا إله إلا الله» (٣) " (٤).
وقال ﵀: " الأصل الثالث: وهو توحيد الذات والأسماء والصفات كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] " (٥).
وقال أيضاً -رحمه الله تعالى--: "تفسير سورة الإخلاص عن عبد الله بن حبيب قال: «خرجنا في ليلة ممطرة وظلمة، فطلبت النبي ﷺ ليصلي لنا فأدركناه، فقال: قل، فلم أقل شيئا، قال: قلتُ يا رسول الله، ما أقول؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء» قال الترمذي (٦): حديث حسن صحيح.
стр. 218
والأحد: الذي لا نظير له، والصمد: الذي تصمد الخلائق كلها إليه في جميع الحاجات، وهو الكامل في صفات السؤدد; فقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ نفي النظير والأمثال، وقوله: ﴿الصَّمَدُ﴾ إثبات صفات الكمال، وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] نفي الصاحبة والعيال، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] نفي الشركاء لذي الجلال" (١).
سادسا: قول الكاتب: " وبينما يثبت الوهابيون للخالق صفات جسدية تنافي الأحدية الإلهية " وذكر منها صفة الوجه لله تعالى.
وهذا مبني عنده على تعريفه للواحد بأنه الشيء الذي لا ينقسم في نفسه أو في معنى صفته، كما مر في الفقرة ثانيا.
أما أهل السنة فيقولون، أنه واحد في ربوبيته، وواحد في ألوهيته، وواحد أسمائه وصفات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
أما إثبات الوجه لله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. قال الإمام ابن خزيمة ﵀: بعد أن أورد جملة من الآيات تثبت صفة الوجه لله تعالى: "فنحن وجميع علمائنا … مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا؛ من غير أن نشبه وجه الله خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، عز ربنا أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين" (٢).
стр. 219
المطلب الحادي والعشرون: دعوى اعتقاد حلول الحوادث بالله تعالى
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى اعتقاد حلول الحوادث بالله تعالى، وأن القول عن صفات الله الفعلية: قديمة النوع حادثة الأحاد؛ قول شاذ.
يقول محمد باسم دهمان في بيان شذوذ ابن تيمية - حسب زعمه - ومن تبعه من السلفية وأتباع دعوة الإمام ﵀ في اعتقادهم حلول الحوادث بالله واعتقاد أن الصفات الفعلية: قديمة النوع حادثة الآحاد:
"يقوم اعتقاد ابن تيمية والسلفية والوهابية على أن لفظ حلول الحوادث مجمل فإن أريد به المخلوقات فنقول لا تحل فيه الحوادث، وأن أريد بالحادث المتجدد فنقول بحلول الحوادث في ذات الله!! وعليه بنوا قولهم في كلام الله بأنه (قديم النوع حادث الآحاد) أي: متعدد الآحاد، فالكلام يحصل شيئاً بعد شيء، وكذلك قالوا في الصفات الفعلية الاختيارية بأنها (قديمة النوع حادثة الآحاد) والمراد بالصفات الفعلية عند الحنابلة: هي ما عدا الصفات الذاتية والخبرية" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
هو إنكار المتكلمين للصفات الفعلية الاختيارية لله المتعلقة بمشيئته وإرادته، منعًا -بزعمهم- لحلول الحوادث بذات الله تعالى، والله منزه عن حلول الحوادث، وأن الله لا يتجدد له عند وجود الموجودات نعتا ولا صفة، لذلك اضطروا إلى تأويل هذه الصفات (٢).
الجوب عن هذه الدعوى:
стр. 220
أولا: الحلول: هو عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفاً للآخر، كحلول الماء في الكوز (١).
والحوادث: جمع حادث، وهو الشيء المخلوق المسبوق بالعدم، ويسمى حدوثاً زمانياً. وقد يعبر عن الحدوث بالحاجة إلى الغير، ويسمى حدوثاً ذاتياً.
والحدوث الذاتي: هو كون الشيء مفتقراً في وجوده إلى الغير.
والحدوث الزماني: هو كون الشيء مسبوقاً بالعدم سبقاً زمانياً (٢).
ومعنى حلول الحوادث: أي قيامها بالله، ووجودها فيه تعالى.
ولفظ حلول الحوادث بالله تعالى من إطلاقات أهل الكلام، ومقصودهم بنفي حلول الحوادث: نفي اتصاف الله بالصفات الاختيارية الفعلية التي "يتصف بها الرب فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته: مثل كلامه، وسمعه، وبصره، وإرادته، ومجيئه، ورضاه، ورحمته، وغضبه، وسخطه، ومثل خلقه وإحسانه، وعدله ومثل استوائه، ومجيئه، وإتيانه، ونزوله، ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز والسنة" (٣)، فينفون جميع الصفات الفعلية الاختيارية.
وحجتهم في ذلك أن قيام تلك الصفات بالله يعني قيام الحوادث أي الأشياء المخلوقة الموجودة بالله.
وإذا قامت به أصبح حادثاً بعد أن لم يكن، كما تكون المخلوقات حالَّة فيه، وهذا ممتنع؛ لذلك اضطروا إلى تأويل ما جاء في النصوص من هذه الصفات.
ثانيا: يؤمن أهل السنة والجماعة بأسماء الله وصفاته وأفعاله على الوجه اللائق به، وأن الله يفعل ما يشاء، على الوجه الذي يشاء، متى ما شاء (٤)، ومن خالفهم فقد سلك سبيل التعطيل
стр. 221
والتشبيه.
قال يحيى بن معين (١) ﵀: " إذا سمعت الجهمي، يقول: أنا كفرت برب ينزل، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يريد" (٢).
وقال أبو عثمان بن عبد الرحمن الصابوني (٣) ﵀ في وجوب الإيمان بصفات الله على الوجه اللائق به: "قرأت لأبي عبد الله بن أبي حفص البخاري - وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني - قال أبو عبد الله- أعني ابن أبي حفص هذا -: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة قلنا لهؤلاء - يعني الجهمية-: أرأيتم قول الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عني بذلك؟ ولا ندري كيف مجيئه؟ فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته؟.
ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيتم من أنكر أن الملك يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب، قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه يجيء فهو كافر مكذب" (٤).
وقال أيضا: "إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم ﵎ بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله، وشهد له بها رسوله على ما وردت به الأخبار الصحاح ونقله العدول الثقات، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكيف المشبهة، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية، وقد أعاذ الله أهل السنة من
стр. 222
التحريف والتكييف، بأن منَّ عليهم بالتفهيم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قوله عز من قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. قلت نعم هذا هو الحق، ولهذا فأصحاب الحديث بل الأئمة منهم كانوا يؤمنون بجميع أفعال الله وصفاته وكانوا يمرونها على ظاهرها ولا يخوضون فيها ولا يسألون عن كيفيتها، فهذا مالك إمام أهل الحجاز وهذا الثوري إمام أهل العراق، وهذا الأوزاعي إمام أهل الشام، وهذا الليث بن سعد إمام أهل مصر والمغرب، ثبت عنهم وعن غيرهم خلق كثير أنهم كانوا يؤمنون بها ويمرونها على ظاهرها ولا يؤولون فيها ولا يكيفون فيها" (١).
بل قد قال بعض متقدمي الأشاعرة بإثبات الصفات الفعلية لله ، قال الذهبي ﵀ في كتابه العلو، نقلاً عن أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب (مشكل الآيات) له في باب قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]: "اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي، فالقديم (٢) ﷻ عال على عرشه، يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي﴾ [الملك: ١٦]، وقوله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] … " (٣).
وقال أبو بكر الباقلاني ﵀: "في كتاب الذب عن أبي الحسن الأشعري ﵀، كذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله ﷺ في صفات الله إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وإنه ينزل إلى السماء الدنيا كما في
стр. 223
الحديث، وإنه مستو على عرشه"، إلى أن قال: "وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، ولا تجنيس، ولا تصوير" (١).
ثالثا: أن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية نصت بأدلة صريحة واضحة -لمن أراد الحق- على إثبات الصفات الفعلية الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤]، وفي هذه الآية أثبت الله تعالى لنفسه الأفعال التالية: خلق، استوى، يعلم، يبصر.
وقال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)﴾ [الحديد: ٢]، وفي هذه الآية أثبت الله تعالى لنفسه: فعل الحياة، والموت، والقدرة على فعل كل شيء.
وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة: ١]، ففي هذه الآية أثبت الله تعالى لنفسه: فعل سمع ويسمع.
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥]، وفي هذه الآية أثبت الله تعالى لنفسه: فعل الدعوة والهداية.
أما الأحاديث النبوية فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٢)، فأثبت هذا الحديث الأفعال التالية: يخفض، يرفع، كشف، لا ينام.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض» (٣) "، فأثبت الحديث الأفعال التالية:
стр. 224
يقبض، يطوي، يقول.
وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد، فيضع فيها رب العالمين قدمه فيزوى بعضها إلى بعض وتقول قط قط، بعزتك وكرمك، ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ الله لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة» (١). أثبت الحديث الأفعال التالية: يضع، يزوي، يُنشئ، يُسكن.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (٢). أثبت الحديث الفعل التالي: يبسط يده.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : «لله أفرح بتوبة عبده من احدكم سقط من بعيره وقد أضله في أرض فلاة»، وفي رواية: «لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه … إلخ» الحديث (٣). أثبت الحديث: فرح الله بتوبة عبده.
هذه بعض الأدلة الصريحة على أفعال الله تعالى التي وردت في الكتاب والسنة النبوية، وهي تمثل أدلة صريحة وظاهرة على صحة إثبات الأفعال الإلهية الاختيارية، فهل يقول عاقل بعد ذلك بنفيها؟.
خامسا: أن لفظ: حلول الحوادث من الألفاظ المجملة، وليس معروفاً عند سلف الأمة، ولم يرد في كتاب ولا سنة، لا نفياً ولا إثباتا؛ بل هو عين دعوى الفلاسفة في أن الله: "لا يتغير ولا يتحرك" أخذها المتكلمون وسموها: نفي حلول الحوادث، وهي دعوى باطلة شرعاً كما أنها باطلة عقلاً، إذ لازمها أن الله جماد أو ميت فإن الجماد والميت هو الذي لا يتأتى منه
стр. 225
الفعل أو الحركة (١).
ولذلك فإن السلف لا يطلقون هذا اللفظ، ويستفصلون ممن اطلقه، فإن أرد بنفي حلول الحوادث بالله أن لا يحل بذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل فهذا النفي صحيح، فالله ليس محالاً لمخوقاته وليست موجودة فيه، ولا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل.
وإن أرد بنفي حلول الحوادث: نفي أفعاله الاختيارية التي يفعلها متى شاء كيف شاء كالنزول، والاستواء، والرضا، والغضب، والمجيء لفصل القضاء ونحو ذلك فهذا النفي باطل مردود.
وقد اعتراف الرازي ﵀ في المطالب العالية بأن قول من قال: "أنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلاً وعقلاً" (٢).
قال الإمام أحمد ﵀ في صفات الله: "لا يُتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه ولا يُتعدَّى ذلك" (٣).
وقال ابن أبي العز ﵀ في شرح الطحاوية في تعليقه على كلام الطحاوي: "تعالى ربنا عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات"، قال: "أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ ﵀ مقدمة، وهي: أن الناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا بين ما أثبت بها فهو ثابت، وما نفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي. ولهذا كان النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً، ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل فيها معنى باطلاً، مخالفاً لقول السلف، ولما دل عليه
стр. 226
الكتاب والميزان. ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها، وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ نوعان: نوع جاء به الكتاب والسنة فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله، وينفي ما نفاه الله ورسوله، فاللفظ الذي أثبته الله أو نفاه حق، فإن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والألفاظ الشرعية لها حرمة …
وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره" (٢).
وقال أيضاً: "وما تنازع فيه المتأخرون، نفياً وإثباتاً، فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحداً على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقاً قبل، وإن أراد باطلاً رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً، ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى" (٣).
стр. 227
المطلب الثاني والعشرون: دعوى مخالفة الإمام وأتباعه لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في إثبات الكرامة والتصرف للولي بعد وفاته
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى مخالفة الإمام وأتباعه لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في إثبات الكرامة والتصرف للولي بعد وفاته.
يقول عثمان النابلسي إن: "ابن تيمية وابن القيم يثبتان الكرامة والتصرف للولي بعد وفاته، والوهابية يكفرون القائلين بذلك.
قال ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص ٣٧٣):
(وكذلك أيضاً ما يروى: أن رجلاً جاء إلى قبر النبي ﷺ ، فشكا إليه الجدب في عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس، فإن هذا ليس من هذا الباب، ومثل هذا يقع كثيراً لمن هو دون النبي ﷺ ، وأعرف من هذا وقائع.
وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ ، أو لغيره من أمته حاجة فتقضى له، فإن هذا قد وقع كثيراً، وليس هو مما نحن فيه.
فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أن يدل على حسن حال السائل، فلا فرق بين هذا وهذا).
في هذا النص وغيره مما نقلته سابقاً، يرى ابن تيمية أن للأولياء كرامات بعد موتهم، وذهب إلى مثله ابن القيم في الروح فقال (ص ١٠٣):
(فإذا كان هذا وهي - الروح- محبوسة في بدنها -أي في الحياة- فكيف إذا تجردت وفارقته واجتمعت فيها قواها، وكانت في أصل شأنها روحاً علية زكية كبيرة ذات همة عالية؟ فهذه لها بعد مفارقة البدن -بالموت- شأن آخر وفعل آخر، وقد تواترت الرؤيا في أصناف بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها ما لا تقدر على مثله -حال اتصالها بالبدن- من هزيمة الجيوش الكثيرة بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك، وكم قد رُئى -في النوم- النبي ومعه
стр. 228
أبو بكر وعمر، قد هزمت أرواحهم عساكر الكفر والظلم، فإذا بجيشوهم مغلوبة مكسورة مع كثرة عَددهم وعُددهم وضعف المؤمنين وقلتهم).
فابن تيمية وابن القيم يُثبتان تصرفات الأرواح بعد الممات على سبيل الكرامة، إلا أن الوهابية يعتبرون ذلك شركاً محققاً!، فقد قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن من مشايخ الوهابية عن معتقدات طائفته، في رسالة أملاها على لسان راشد بن عبيد الله الغزي "الدرر السنية في الأجوبة النجدية": (١/ ٥٠٢):
(وكذلك: ينكرون ويكفّرون -أي الوهابية- من قال بأن لأرواح المشايخ تصرفات بعد الممات وأن ذلك لهم على سبيل الكرامات، فإن هذا من أشنع الأقوال المكفرة، وأضلها لمصادمة الكتاب المصدق، ولما فيه من الشرك المحقق!!) " (١).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى: بأن للولي التصرف بعد وفاته على سبيل الكرامة دعوى قديمة (٢)، لكنهم أضافوا عليها أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم يقولان بهذا القول، وأن الإمام وأتباعه يخالفونهم في ذلك، ويقولون بتكفير من يقول بهذا القول.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: الكرامة لغة: مصدر (كَرُم)، أو اسم مصدر من (كرّم) أو (أكرم).
و "الكاف والراء والميم: أصل صحيح، له بابان؛ أحدهما: شرف الشيء في نفسه، أو شرف في خلق من الأخلاق" (٣).
стр. 229
والكرامة من الكرم، وهو: ضد اللؤم ونقيضه (١)، والكرامة: اسم يوضع للإكرام، كما وضعت الطاعة في موضع الإطاعة (٢).
أما اصطلاحاً: فلم ترد الكرامة بهذا اللفظ في الكتاب ولا السنة ولا كلام الصحابة، وقد سماها الله آية، فقال بعد ذكر كرامة أهل الكهف: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف: ١٧]، فهي آيات وبراهين على قدرة الله، ودالة على كرامة صاحبها وإنما سميت بهذا تمييزاً لها عن المعجزة، وهذا التفريق في اللفظ إنما قال به كثير من المتأخرين (٣)، ثم شاع، وصار هو المقول به في عامة أقوال العلماء.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره - ويسمونها: الآيات - لكن كثيرا من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما فيجعل المعجزة للنبي والكرامة للولي وجماعهما الأمر الخارق للعادة " (٤).
وعرفها الشيخ ابن عثيمين ﵀ بقوله: "الكرامة: أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد ولي، تأييدا له، أو إعانة، أو تثبيتا، أو نصرا للدين" (٥).
ويقول محمود شكري الألوسي ﵀: " كل من يذكر تعريف الكرامة وحدها يقول: هي خرق الله العادة لوليه لحكمة ومصلحة تعود عليه أو على غيره" (٦).
وهي بهذا التعريف لا ينكره أحد من أئمة السلف، فأهل أهل السنة والجماعة يؤمنون بكرامات الأولياء وأنها حق، " باتفاق أئمة الإسلام والسنة والجماعة، وقد دل عليها القرآن في غير موضوع، والأحاديث الصحيحة والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم؛ وإنما أنكرها
стр. 230
أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم" (١).
يقول الطحاوي ﵀ في عقيدته: " ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم" (٢).
ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأقر بكرامات الأولياء، وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئاً، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله" (٣).
ويذكر الإمام ﵀ الواجب في حق أولياء الله الصالحين فيقول: " الواجب عليهم حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين" (٤).
ويؤكد أتباع الدعوة - من بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - هذا الاعتقاد ويقررونه. يقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: "ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئاً من أنواع العبادات، لا حال الحياة، ولا بعد الممات بل يطلب من أحدهم الدعاء في حالة حياته، بل ومن كل مسلم" (٥).
وقد سئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن كرامات الأولياء، فأجاب عن ذلك فكان مما قاله: "مسألة: كرامات الأولياء حق، فهل تنتهي إلى إحياء الموتى وغيرها من المعجزات؟.
الجواب: كرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة، والولي أعطي الكرامة ببركة اتباعه للنبي ﷺ ، فلا تظهر حقيقة الكرامة عليه، إلا إذا كان داعياً لاتباع النبي ﷺ بريئاً من كل بدعة وانحراف عن شريعته ﷺ ، فببركة اتباعه يؤيده الله تعالى بملائكته وبروح منه" (٦).
стр. 231
وقد صنف أهل السنة والجماعة الكتب في كرامات الأولياء وأخبارهم، مثل ما في كتاب (الزهد) للإمام أحمد و (حلية الأولياء) لأبي نعيم الأصبهاني، و (كرامات الأولياء) للالكائي (١).
ثانيا: أن نسبة هذا القول - عدم تكفير القائل بإثبات الكرامة والتصرف للولي بعد وفاته- لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لا تصح؛ فشيخ الإسلام وابن القيم يثبتون الكرامة للأولياء؛ ولكن ينكرون الاعتقادات الباطلة، ويدل عليه كلام ابن تيمية نفسه في نفس الموضع الذي نقل منه الكاتب؛ لكن عادة بعض أهل البدع بتر النصوص وعدم النقل الصحيح، وسأنقل كلام ابن تيمية ﵀، والجواب عن هذه الشبهة من كلامه، حيث يقول:
"ولا يدخل في هذا الباب -أي استجابة الدعاء عند القبر- ما يروى من أن قوماً سمعوا رد السلام من قبر النبي ﷺ ، أو قبور غيره من الصالحين. وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة (٢)، ونحو ذلك. فهذا كله حق ليس مما نحن فيه، والأمر أجل من ذلك وأعظم.
وكذلك أيضاً ما يروى: «أن رجلاً جاء إلى قبر النبي ﷺ ، فشكا إليه الجدب عام الرمادة (٣)، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس» (٤). فإن هذا ليس من هذا الباب. ومثل هذا يقع كثيراً لمن هو دون النبي ﷺ ، وأعرف من هذا وقائع (٥).
وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ ، أو لغيره من أمته حاجة فتقضى له، فإن هذا قد وقع كثيراً، وليس هو مما نحن فيه.
وعليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ أو غيره لهؤلاء السائلين، ليس مما يدل على استحباب
стр. 232
السؤال، فإنه هو القائل ﷺ : «إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج بها يتأبطها ناراً، فقالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل» (١).
وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال، لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين به في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة.
فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أن يدل على حسن حال السائل، فلا فرق بين هذا وهذا، فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد استهانة بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الفتنة، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها، فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهى الناس عن ذلك.
وكذلك ما يذكر من الكرامات، وخوارق العادات، التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن أهانها، فجنس هذا حق، ليس مما نحن فيه.
وما في قبور الأنبياء والصالحين، من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك. وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة، أو قصد الدعاء أو النسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع … فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمناه، وليس كذلك" (٢).
فهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يبين فيه الكرامة للولي أو صاحب القبر، ثم ذكر بعدها أن هذه الكرامة لا تستوجب المخالفة الشرعية والاعتقاد الباطل في هؤلاء الأولياء (٣). وهو موافق لما ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀.
стр. 233
وقال شيخ الإسلام أيضًا أما " المهتدون، فهم لا ينكرون ما خلقه الله من القوى والطبائع في جميع الأجسام والأرواح، إذ الجميع خلق الله، لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير، ومن أنه كل يوم هو في شأن، ومن أن إجابته لعبده المؤمن خارجة عن قوة نفسه، وتصرف جسمه وروحه، وبأن الله يخرق العادات لأنبيائه، لإظهار صدقهم ولإكرامهم بذلك. ونحو ذلك من حكمه، وكذلك يخرقها لأوليائه: تارة لتأييد دينه بذلك، وتارة تعجيلاً لبعض ثوابهم في الدنيا، وتارة إنعاماً عليهم بجلب نعمة أو دفع نقمة، ولغير ذلك، ويؤمنون بأن الله يرد بما أمرهم به من الأعمال الصالحة والدعوات المشروعة ما جعله في قوى الأجسام والأنفس، ولا يلتفتون إلى الأوهام التي دلت الأدلة العقلية أو الشرعية على فسادها، ولا يعملون بما حرمته الشريعة، وإن ظن أن له تأثيراً.
وأما العلم بغلبة السبب: فله طرق في الأمور الشرعية، كما له طرق في الأمور الطبيعية منها: الاضطرار، فإن الناس لما عطشوا وجاءوا على عهد رسول الله ﷺ ، فأخذ غير مرة ماء قليلاً، فوضع يده الكريمة فيه حتى فار الماء من بين أصابعه (١) ووضع يده الكريمة في الطعام، وبرك فيه حتى كثرَ كثرةً خارجة عن العادة (٢)، فإن العلم بهذا الاقتران المعين، يوجب العلم بأن كثرة الماء والطعام كانت بسببه ﷺ ، علمًا ضروريًّا، كما يعلم أن الرجل إذا ضُرب بالسيف ضربة شديدة صرعته فمات، أن الموت كان منها، بل أوكد، فإن العلم بأن كثرة الماء والطعام ليس له سبب معتاد في مثل ذلك أصلًا، مع أن العلم بهذه المقارنة يوجب علمًا ضروريًا بذلك".
ثم قال: "وبالجملة: فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب أو شرط السبب، في هذا الأمر الحادث، قد يعلم كثيراً وقد يظن كثيراً وقد يتوهم كثيراً وهما ليس له مستند صحيح إلا ضعف العقل.
ويكفيك أن كل ما يظن أنه سبب لحصول المطالب مما حرمته الشريعة من دعاء أو غيره لابد فيه من أحد أمرين:
стр. 234
إما أن لا يكون سبباً صحيحاً، كدعاء من لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئاً. وإما أن يكون ضرره أكثر من نفعه.
فأما ما كان سبباً صحيحاً منفعته أكثر من مضرته، فلا ينهى عنه الشرع بحال. وكل ما لم يشرع من العبادات مع قيام المقتضى لفعله من غير مانع فإنه من باب المنهي عنه (١).
ثالثا: أن القصة التي ذكرها: «أن رجلاً جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكا إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس»، فقوله: "فرآه" هذه رؤيا منامية وليست أمرا نبويًا، والرؤيا لا يؤخذ منها أحكامًا.
رابعا: أما النقل عن ابن القيم "فإذا كان هذا وهي - الروح- محبوسة في بدنها -أي في الحياة- فكيف إذا تجردت وفارقته … "؛ فإن كلام ابن القيم ﵀ عن الروح وأحكامها، وليس في كلامه دعوى لسؤال الأموات والمقبورين من الصالحين بل إنه ﵀ يحارب ذلك بشدة وينتقده ويصف فاعله بالشرك في الألوهية (٢).
ثم هو يقول: "وقد تواترت الرؤيا"، و"كم قد رئي- في النوم-" وكل هذا يدخل في باب الرؤيا الصالحة والمبشرات، وهذا كما يرى البعض رؤيا كثيرة يرى فيها النبي ﷺ أو بعض الصالحين ويسئله عن أشياء ويرشده النبي إلى الصواب ويرشده الشيخ الصالح إلى الخير. وهي رؤيا منامية ولا يترتب عليها أحكام شرعية، وإنما يستأنس بها.
خامسا: أن احتجاجكم بكلام شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله-، يحتاج إلى أمرين: أحدهما: ثبوت ذلك عنهما. والثاني: معرفة معنى كلامهما (٣).
ثم إذا كنتم تستدلون بكلام ابن تيمية وابن القيم في هذه المسألة، فلماذا لا تستدلون ببقية كلامهم في مسائل التوحيد والشرك؟.
سادسا: أن مراد القوم من نقل هذا الكلام لابن تيمية وغيره هو الخلط بين إنكار
стр. 235
الشركيات وإنكار الكرامة ليلبسوا على الناس (١):
وقد نبه العلامة محمود الألوسي (٢) على أن الغلاة تعمدوا الخلط في هذا الموضوع، ليربطوا ما بين إنكار الشركيات وإنكار الكرامة، فقال ﵀: "من الأمور التي يجب التنبيه عليها أن من مكايد الغلاة التي كادوا بها العوام أنهم يقولون: إن الاستغاثة بالأموات ونداءهم في المهمات وشد الرحال لزيارة قبورهم، وتقديم قرابينهم إليها ونذورهم هو من علامات محبتهم والتقرب بقربتهم، ومن أنكر ذلك وأبى ما هنالك، ونهى عن زخرفتها … وقصد أهلها في طلب الحاجات والالتجاء إليها في المهمات فهو من المبغضين للصالحين، والمنكرين لكرامات الأولياء والصديقين" (٣).
стр. 236
الفصل الثاني
الدعاوى المتعلقة بالإمامة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: المراد بالإمامة.
المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الإمامة.
المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالإمامة والجواب عنها.
стр. 237
المبحث الأول: المراد بالإمامة
الإمامة في اللغة:
مصدر من الفعل (أم)، تقول: أمهم، وأم بهم: تقدمهم، وهي الإمامة، والإمام: كل ما ائتم به من رئيس أو غيره (١).
والإمام: " كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين .. والجمع: أئمة، وإمام كل شيء قيمه والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، وسيدنا محمد رسول الله ﷺ إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، وأممت القوم في الصلاة إمامة، وائتم به: اقتدي به" (٢).
والإمام: " الطريق الواسع، وبه فسر قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، أي: بطريق يؤم، أي: يقصد فيتميز".
قال: "والخليفة إمام الرعية، قال أبو بكر: يقال فلان إمام القوم معناه: هو المتقدم عليهم، ويكون الإمام رئيسا كقولك: إمام المسلمين" (٣).
وفي الاصطلاح:
تطلق الإمامة في الاصطلاح على معان ثلاثة وهي:
١ - الإمامة الكبرى، وهي الخلافة أو الملك أو رئاسة الدولة.
٢ - الإمامة الصغرى، وهي: إمامة الصلاة.
٣ - يوصف بالإمامة: العالم الذي تفوق على غيره في اختصاصه (٤)، والمقصود هنا من هذه المعاني الثلاثة المعنى الأول.
وقد عرفت الإمامة في الاصطلاح بعدة تعريفات، منها:
стр. 238
فقيل: "الإمامة رياسة تامة، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا متضمنة حفظ الحوزة ورعاية الرعية وإقامة الدعوة" (١).
وعرفتها الموسوعة الفقهية الكويتية: "استحقاق تصرف عام على الأنام (أي الناس)، وهي رئاسة عامة في الدين والدنيا خلافة عن النبي ﷺ " (٢).
و"الخلافة، والإمامة العظمى، وإمارة المؤمنين ثلاث كلمات معناها واحد، وهو رئاسة الحكومة الإسلامية الجامعة لمصالح الدين والدنيا" (٣).
стр. 239
المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الإمامة
إن من مسائل العقيدة التي اعتنى بها أهل السنة والجماعة في عقائدهم وبينوها بيانا شافيا -لمن أراد الحق- ووردت فيها الآيات والأحاديث والآثار المتكاثرة مسألة الإمامة والسمع والطاعة لولاة الأمور في غير معصية الله، قال الشوكاني ﵀: " وقد وردت الأدلة البالغة عدد التواتر الثابتة عن رسول الله ﷺ ثبوتا لا يخفى على من له أدنى تمسك بالسنة المطهرة بوجوب طاعة الأئمة والسلاطين والأمراء .... وورد وجوب طاعتهم ما أقاموا الصلاة، وما لم يظهر منهم الكفر البواح، وما لم يأمروا بمعصية الله" (١).
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان» (٢).
وقد ذكر اللالكائي ﵀ في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة: "سياق ما روي عن النبي ﷺ في طاعة الأئمة والأمراء ومنع الخروج عليهم" (٣) جملة من الأحاديث والآثار في ما يتعلق بالإمامة.
وقال إسماعيل التيمي الأصبهاني ﵀: " فصل يتعلق باعتقاد أهل السنة ومذهبهم .. وطاعة أولي الأمر واجبة، وهي من أوكد السنن، ورد بها الكتاب والسنة" (٤).
ويقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالة (الأصول الستة): "الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبدا حبشيا، فبين النبي
стр. 240
ﷺ هذا بياناً شائعاً ذائعاً بكل وجه من أنواع البيان شرعا وقدراً، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم؛ فكيف العمل به؟! " (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان المقصود من الولايات والإمامة: "فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم .. فالمقصود أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا" (٢).
فمقاصد الإمامة تتمثل في مقصدين كبيرين هما: إقامة الدين، وسياسة الدنيا بالدين. وجماع هذه المقاصد هو إقامةُ أمر الله في الأرض على الوجه الذي شرع، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمرُ بكل معروف ونشر الخير والرفع من قدره، والنهيُ عن كل منكر والقضاء على كل فساد والحط من شأنه وأهله، وهذا هو الهدف والمقصد الأساسي للإمامة في الإسلام، وقد أوضح الله هذا الهدف في كتابه الكريم حيث قال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤١].
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه يجب نصب إمام للمسلمين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يجب أن يُعرف أن وِلايةَ أمرِ الناس من أعظمِ واجباتِ الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس" (٣).
فوجود جهة حاكمة تقيم الشرع وتضبط الأمن وتمنع العدوان من ضرورات الحياة، فضلا عن كونها من أعظم الواجبات الدينية (٤).
وعلى هذا النهج القويم سار الصحابة ﵃ بعد انتقال النبي ﷺ للرفيق الأعلى؛ حيث اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وبايعوا أبا بكر الصديق ﵁، قبل تجهيز النبي ﷺ .
стр. 241
فلم يبيتوا ليلتهم مع عظم المصيبة إلا وفي أعناقهم بيعة لإمام (١).
واستخلف الصديق عمر ﵄، وجعلها عمر في ستة من أصحاب النبي ﷺ ، فبايعت الأمة عثمان بن عفان، ثم عليا بن أبي طالب ﵃ أجمعين - (٢).
وقد نقل الإجماع على وجوب نصب الإمام ونص عليه غير واحد من أهل العلم، منهم النووي (٣)، والقرطبي، وغيرهم (٤).
قال القرطبي ﵀: "ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة" (٥).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. فدلت الآية أن طاعة ولي الأمر - في غير معصية الله - واجبة بنص القرآن، فإذا لم يوجد خليفة فلمن تكون الطاعة؟
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذه الآية نزلت في الرعية، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر إلا أن يأمروا بمعصية الله (٦).
وبمعنى أخر: أن الله لا يأمر بطاعة من لا وجود له، ولا يفرض طاعة من وجوده مندوب، فالأمر بطاعة ولي الأمر يقتضي الأمر بإيجاده (٧).
وقال ﷺ : «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية» (٨).
فدل هذا الحديث على أن طاعة ولي الأمر - في غير معصية الله - والبيعة له من الواجبات،
стр. 242
ولا يمكن تحقيق مثل هذه الواجبات إلا بوجود إمام.
فإذا كانت طاعة ولي الأمر - في غير معصية الله - واجبة وكذلك البيعة فوجوب نصب الإمام من باب أولى. وهذا من باب القاعدة الفقهية التي تنص على أنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (١).
وقال ﷺ : «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة" (٣).
فإذا كان تأمير الأمير واجباً في عدد قليل وهم ثلاثة، وفي أمر عارض وهو السفر، فهو في حق الأمة ذات العدد الكبير والأمر المستديم أولى وأوجب.
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإمامة تنعقد بالاختيار من أهل الحل والعقد، أو بالاستخلاف، أو بالقوة والغلبة، فإذا انعقدت الإمامة وجب السمع والطاعة لولاة الأمور (٤)، ووجب "على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر، لئلا تفترق كلمة المسلمين" (٥).
وقد قصدت الشريعة تحقيق أعظم المصالح وأسنى المقاصد، بالإمامة، ولو لم يكن للناس إمام مطاع لانثلمت شرائع الإسلام، وتعطلت الأحكام، وفسد أمر الأنام، وضاعت الأيتام، ولم
стр. 243
يحج البيت الحرام (١).
يقول الإمام أحمد ﵀: "الفتنة إذا لم يكن ثم إمام يقوم بأمر الناس" (٢).
وقال الماوردي ﵀: "الإمامة أصل، عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح الأمة، حتى استتبت به الأمور العامة والخاصة" (٣).
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن على الرعية للإمام واجبات ومسؤوليات:
أولاها: السمع والطاعة في غير معصية الله؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، فهذه الآية الكريمة نص في وجوب البيعة، وتحريم نقضها ونكثها.
وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله» (٤).
وقال ﷺ : «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة» (٥).
قال الطحاوي ﵀: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمرنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية" (٦).
وقال الإمام الحافظ أبو زرعة الرازي (٧) ﵀ في الكلام عن مذاهب أهل السنة في
стр. 244
أصول الدين، وما أدرك عليه العلماء في جميع الأمصار، فكان من قوله: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار - حجازاً وعراقاً، شاماً ويمناً -، فكان من مذهبهم: ولا نرى الخروج على الأئمة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ولا ننزع يدا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة" (١).
ثانيها: حفظ هيبة الأئمة ومكانتهم، قال ﷺ : «من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله» (٢).
وقال ﵊: «إن من إجلال الله: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» (٣).
فقاعدة ضبط المصالح العامة واجب، ولا تنضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية، ومتى اختلف عليهم أو أهينوا تعذرت المصلحة (٤).
ثالثها: المناصحة بالضوابط الشرعية دون تشنيع؛ فعن تميم الداري ﵁، أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٥).
ف"ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه، ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد؛ بل يأخذ بيده ويخلو به، ويبذل له النصيحة" (٦).
стр. 245
رابعها: الدعاء لهم. قال الطحاوي ﵀ في حق الأئمة: "وندعو لهم بالصلاح والمعافاة" (١).
خامسها: التعاون معهم، وتأليف القلوب عليهم، وعدم تأليب العامة عليهم؛ لتنتظم مصالح الدين والدنيا.
وعلى ولاة الأمور تجاه شعوبهم ورعاياهم أداء الأمانة، وإقامة العدل، وتحكيم الشرع، وتأمين الثغور، ورفع المظالم، ونصرة المظلوم، ورعاية مصالح المسلمين، ودرء المفاسد والأضرار عنهم (٢).
стр. 246
المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالإمامة والجواب عنها
أثار المعاصرون المناوئون لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في باب الإمامة عدة دعاوى، وعند تأملها نجد أنها متكررة عن أسلافهم، ومنها:
-فرية أن الوهابيين خوارج (١).
-وفرية أن نجْدَ قَرْن الشيطان (٢).
-وفرية خروج الإمام على دولة الخلافة العثمانية (٣).
-والغلو في السمع والطاعة لولاة الأمر (٤).
-والعلاقة مع الحكومة البريطانية (٥).
وأضافوا عليها ما يلي:
стр. 247
المطلب الأول: دعوى أن دعوة الإمام هي أصل دعوة الخوارج المعاصرين
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الخوارج المعاصرين الذين خروجوا على الأئمة والحكام.
يقول فؤاد إبراهيم: " كل الحركات التي تدعو إلى إمارات إسلامية اليوم هي بالأصل تعود بجذورها إلى المذهب الوهابي" (١).
ويقول ستيفن شوارتز: " «القاعدة» تمثل الوهابية في شكلها الأشد وضوحاً" (٢).
ويقول سمير حمادي: "الفرضية التي تتبناها هذه الورقة تتلخص في أن السلفية الجهادية، في جوهرها: أي في بنية الخطاب، ليست سوى تعبيراً معاصراً عن التصورات والمعايير والمسالك (الأرثوذكسية (٣) التي طرحتها الوهابية في صورتها النقية الصافية الخالصة: الوهابية الأصلية كما تتبدى في نصوصها التأسيسية، في صياغات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وفي شروحات أولاده وأحفاده ونحوهم من أئمة الدعوة النجدية، فالسلفيون الجهاديون يبدون ملتزمين، بشكل كامل، وعلى جميع المستويات، بأساسيات/ مسلمات الدعوة الوهابية، التي تمثل، بحواملها الفقهية، الجناح الأكثر تشدداً في المنظومة السلفية السنية …
стр. 248
بعبارة أخرى: السلفية الجهادية هي في الأساس، تكثيف عنفي لتعاليم/ معتقدات السلفية الوهابية. إنها استدعاء/ استنفار للمخزون الراديكالي (١) (المسكوت عنه) في الوهابية، في بعديه الرمزي والمادي، أو لنقل إنها استقطار (٢) / اعتصار لثمالة الوهابية، وانعكاس لها على الصعيد التاريخي، فهي تتكئ على تصورات جهازها المفاهيمي، وعلى عوالم نسقها الاعتقادي، في صياغة خطابها الاعتراضي، وتحاول تمثلها وإعادة إنتاج أفكارها وتثبيتها حرفياً في فراغات اللحظة الراهنة، على اعتبار أنها وحدها تجسد الإسلام الحق: الإسلام الخالص المطلق في بساطته الأولى كما يتجلى في نصوص الكتاب والسنة" (٣).
ويقول مروان شحادة: "خط سلفي طويل يشكل أدبيات تنظيم الدولة يمتد من أهل الحديث وصولا إلى الحنابلة مرورا بالوهابية، وانتهاء بمنظرين معاصرين أعادوا تبسيط وشرح ما جاء على لسان علماء الدعوة النجدية وعلى رأسهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ ابن عثيمين وابن باز" (٤).
وفي صحيفة "عربي ٢١" ذكر خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية أن تنظيم الدولة والوهابية "وجهان لعملة واحدة" مع "الاختلاف في الاستراتيجيات ومنهج التغيير وأولويات
стр. 249
العمل" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
نسبة دعوة الخوارج (٢) لدعوة الإمام دعوى قديمة وذلك للتنفير منها، فقد نسبت دعوة الإمام إلى فرقة الوهابية المنسوبة إلى عبد الوهاب رستم التي ظهرت في القرن الثاني الهجري، وهي فرقة إباضية خارجية ومؤسسها الأصلي عبد الله بن وهب الراسبي، وبعضهم يسميها الراسبية أو الرستمية (٣).
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أن مجرد الانتساب إلى أي دعوة أو النسبة إليها لا عبرة به، وإنما العبرة بالحقائق؛ فالمنافقون يدعون الإسلام وهو في الدرك الأسفل من النار، وعلى هذا من انتسب لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أو نسب إليها فلابد من النظر في أقواله وأعماله ومنهجه، فإن كانت كما يقول الإمام فهي نسبة حق، وإلا فهي نسبة باطلة.
وكتب الإمام ومؤلفاته موجودة يمكن الرجوع إليها لمعرفة أقواله، فانتساب أو نسبة هذه الجماعات الخارجية المنحرفة إلى دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أو إلى السلف الصالح باطل، ولا صحة له (٤).
ثانيا: مما يدل على بطلان هذه الدعوى استغلالها من طائفتين متضادتين:
стр. 250
الطائفة الأولى: من يطعنون في دعوة الإمام والمتاثرين بالإرجاء الذين لا يعرفون الفرق بين عقيدة أهل السنة وعقيدة الخوارج، فيثيرونها على جهة الذم للخوارج، ولدعوة الإمام التي هم امتداد لها على حسب زعمهم، وجعلوا ذلك - أي ما يقوم به الخوارج المعاصرون- طعن في دعوة الإمام، حيث إن هؤلاء الخوارج يدّعون أنهم من أتباع الدعوة.
الطائفة الثانية: الخوارج أنفسهم واعتبروا اتهامهم بالوهابية تزكية لهم؛ فإنهم يقولون: إن خصوم الدعوة ينسبونهم إلى دعوة الإمام، ودعوة الإمام على منهج السلف، فإذا هم
على الحق (١).
ثالثا: وجود الفروقات بين دعوة الإمام ودعوة الخوارج الضالة، ومن تلك الفروق:
١ - أن دعوة الإمام محمد ﵀ قامت على الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، فجاء ليدعو الناس إلى امتثال أمر الله في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقوله ﷺ : «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً» (٢).
فالإمام محمد ﵀ دعا إلى هذا الأصل الذي جاء في الكتاب والسنة، وهو التمسك بالتوحيد وإفراد الله بالعبادة، ونهى عن الشرك الذي حذر الله منه في كتابه، وحذر منه رسولنا ﷺ في سنته، ولذا عاداه أهل الباطل في زمانه.
وأما خوارج العصر فلا يعرف عنهم الاهتمام بهذا الأصل، بل همهم وشغلهم الشاغل تكفير المسلمين، وقتل الآمنين! فأين تأثرهم بدعوة الإمام محمد ﵀؟.
٢ - أن دعوة الإمام ﵀ ليس فيها خروجاً على الحكام، وعدم السمع والطاعة لهم بخلاف هؤلاء الخوارج الذين دعوتهم قائمة على ذلك.
٣ - أن دعوة الإمام قامت على العلم، والخوارج الغلاة أساسهم الجهل والعاطفة.
٤ - أن ثمرات دعوة الإمام إرجاع الأمة لدينها، وبناء دولة إسلامية قوية، وهذه الثمرات