المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالإمامة والجواب عنها
أثار المعاصرون المناوئون لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في باب الإمامة عدة دعاوى، وعند تأملها نجد أنها متكررة عن أسلافهم، ومنها:
-فرية أن الوهابيين خوارج (١).
-وفرية أن نجْدَ قَرْن الشيطان (٢).
-وفرية خروج الإمام على دولة الخلافة العثمانية (٣).
-والغلو في السمع والطاعة لولاة الأمر (٤).
-والعلاقة مع الحكومة البريطانية (٥).
وأضافوا عليها ما يلي:
стр. 247
المطلب الأول: دعوى أن دعوة الإمام هي أصل دعوة الخوارج المعاصرين
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن دعوة الإمام هي أصل الخوارج المعاصرين الذين خروجوا على الأئمة والحكام.
يقول فؤاد إبراهيم: " كل الحركات التي تدعو إلى إمارات إسلامية اليوم هي بالأصل تعود بجذورها إلى المذهب الوهابي" (١).
ويقول ستيفن شوارتز: " «القاعدة» تمثل الوهابية في شكلها الأشد وضوحاً" (٢).
ويقول سمير حمادي: "الفرضية التي تتبناها هذه الورقة تتلخص في أن السلفية الجهادية، في جوهرها: أي في بنية الخطاب، ليست سوى تعبيراً معاصراً عن التصورات والمعايير والمسالك (الأرثوذكسية (٣) التي طرحتها الوهابية في صورتها النقية الصافية الخالصة: الوهابية الأصلية كما تتبدى في نصوصها التأسيسية، في صياغات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وفي شروحات أولاده وأحفاده ونحوهم من أئمة الدعوة النجدية، فالسلفيون الجهاديون يبدون ملتزمين، بشكل كامل، وعلى جميع المستويات، بأساسيات/ مسلمات الدعوة الوهابية، التي تمثل، بحواملها الفقهية، الجناح الأكثر تشدداً في المنظومة السلفية السنية …
стр. 248
بعبارة أخرى: السلفية الجهادية هي في الأساس، تكثيف عنفي لتعاليم/ معتقدات السلفية الوهابية. إنها استدعاء/ استنفار للمخزون الراديكالي (١) (المسكوت عنه) في الوهابية، في بعديه الرمزي والمادي، أو لنقل إنها استقطار (٢) / اعتصار لثمالة الوهابية، وانعكاس لها على الصعيد التاريخي، فهي تتكئ على تصورات جهازها المفاهيمي، وعلى عوالم نسقها الاعتقادي، في صياغة خطابها الاعتراضي، وتحاول تمثلها وإعادة إنتاج أفكارها وتثبيتها حرفياً في فراغات اللحظة الراهنة، على اعتبار أنها وحدها تجسد الإسلام الحق: الإسلام الخالص المطلق في بساطته الأولى كما يتجلى في نصوص الكتاب والسنة" (٣).
ويقول مروان شحادة: "خط سلفي طويل يشكل أدبيات تنظيم الدولة يمتد من أهل الحديث وصولا إلى الحنابلة مرورا بالوهابية، وانتهاء بمنظرين معاصرين أعادوا تبسيط وشرح ما جاء على لسان علماء الدعوة النجدية وعلى رأسهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ ابن عثيمين وابن باز" (٤).
وفي صحيفة "عربي ٢١" ذكر خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية أن تنظيم الدولة والوهابية "وجهان لعملة واحدة" مع "الاختلاف في الاستراتيجيات ومنهج التغيير وأولويات
стр. 249
العمل" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
نسبة دعوة الخوارج (٢) لدعوة الإمام دعوى قديمة وذلك للتنفير منها، فقد نسبت دعوة الإمام إلى فرقة الوهابية المنسوبة إلى عبد الوهاب رستم التي ظهرت في القرن الثاني الهجري، وهي فرقة إباضية خارجية ومؤسسها الأصلي عبد الله بن وهب الراسبي، وبعضهم يسميها الراسبية أو الرستمية (٣).
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أن مجرد الانتساب إلى أي دعوة أو النسبة إليها لا عبرة به، وإنما العبرة بالحقائق؛ فالمنافقون يدعون الإسلام وهو في الدرك الأسفل من النار، وعلى هذا من انتسب لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أو نسب إليها فلابد من النظر في أقواله وأعماله ومنهجه، فإن كانت كما يقول الإمام فهي نسبة حق، وإلا فهي نسبة باطلة.
وكتب الإمام ومؤلفاته موجودة يمكن الرجوع إليها لمعرفة أقواله، فانتساب أو نسبة هذه الجماعات الخارجية المنحرفة إلى دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أو إلى السلف الصالح باطل، ولا صحة له (٤).
ثانيا: مما يدل على بطلان هذه الدعوى استغلالها من طائفتين متضادتين:
стр. 250
الطائفة الأولى: من يطعنون في دعوة الإمام والمتاثرين بالإرجاء الذين لا يعرفون الفرق بين عقيدة أهل السنة وعقيدة الخوارج، فيثيرونها على جهة الذم للخوارج، ولدعوة الإمام التي هم امتداد لها على حسب زعمهم، وجعلوا ذلك - أي ما يقوم به الخوارج المعاصرون- طعن في دعوة الإمام، حيث إن هؤلاء الخوارج يدّعون أنهم من أتباع الدعوة.
الطائفة الثانية: الخوارج أنفسهم واعتبروا اتهامهم بالوهابية تزكية لهم؛ فإنهم يقولون: إن خصوم الدعوة ينسبونهم إلى دعوة الإمام، ودعوة الإمام على منهج السلف، فإذا هم
على الحق (١).
ثالثا: وجود الفروقات بين دعوة الإمام ودعوة الخوارج الضالة، ومن تلك الفروق:
١ - أن دعوة الإمام محمد ﵀ قامت على الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، فجاء ليدعو الناس إلى امتثال أمر الله في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقوله ﷺ : «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً» (٢).
فالإمام محمد ﵀ دعا إلى هذا الأصل الذي جاء في الكتاب والسنة، وهو التمسك بالتوحيد وإفراد الله بالعبادة، ونهى عن الشرك الذي حذر الله منه في كتابه، وحذر منه رسولنا ﷺ في سنته، ولذا عاداه أهل الباطل في زمانه.
وأما خوارج العصر فلا يعرف عنهم الاهتمام بهذا الأصل، بل همهم وشغلهم الشاغل تكفير المسلمين، وقتل الآمنين! فأين تأثرهم بدعوة الإمام محمد ﵀؟.
٢ - أن دعوة الإمام ﵀ ليس فيها خروجاً على الحكام، وعدم السمع والطاعة لهم بخلاف هؤلاء الخوارج الذين دعوتهم قائمة على ذلك.
٣ - أن دعوة الإمام قامت على العلم، والخوارج الغلاة أساسهم الجهل والعاطفة.
٤ - أن ثمرات دعوة الإمام إرجاع الأمة لدينها، وبناء دولة إسلامية قوية، وهذه الثمرات
стр. 251
ظاهرة -ولله الحمد- ولا تزال، أما ثمرات الخوارج فهو: الغلو والفتن والفوضى.
٥ - أنه لا يوجد في كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ تكفير للمسلمين بغير حق، ولا حث على استباحة دمائهم، بل فيها النهي عن ذلك، وكتبه موجودة اليوم ومطبوعة، ونصوصه في ذلك كثيرة جدا، ومما قاله ﵀: " أما التكفير: فإني أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبّه، ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك، وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكناً، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة، وجزاء سيئة سيئةٌ مثلها، وكذلك من جاهر بسبّ دين الرسول بعد ما عرفه" (١).
فقارن بين منهجه هذا وبين منهج خوارج العصر الذين يكفرون عموم المسلمين، ويقتلونهم لمجرد مخالفتهم على أدنى المسائل.
وتأمل قوله ﵀: "وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك"، فهو يرى أن أكثر الأمة على الإسلام، وأما خوارج العصر فيرون أكثر الأمة على الكفر. فأين تأثرهم بدعوة الإمام محمد ﵀؟
٦ - أن زعماء خوارج العصر لا يُعرف عن أحد منهم اهتمامه بدعوة الإمام محمد ﵀، أو نصرته لها، أو تتلمذه على كتبه ومؤلفاته من خلال دراستها على العلماء، فلماذا يُنسب شرهم وضلالهم إلى دعوته ﵀؟ وإن ادعوا أنهم قراءوا كتب الإمام، وأنهم يدرسونها، فهم وإن درسوها فهم يدرسونها بأنفسهم دون فهم لها ولا لمعانيها (٢)، فكم من مدع أنه متبع للقرآن ولا يتبع هديه، ومدع موافقة الرسول ﷺ ولا يهتدي بهديه؛ والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ [النمل: ٦٤].
رابعا: من أدلة المناوئين لانتساب وتأثر الخوارج بدعوة الإمام وجود صور لبعض الخوارج يظهر فيها صورة غلاف كتاب التوحيد، وغيره!!
стр. 252
فهل وجود صورة لكتاب الإمام ﵀ تدل على انتسابهم لدعوته؟! وهل يوجد في كتاب التوحيد نص واحد يؤيد ما يقوم به خوارج العصر من التفجير والتدمير والخروج على الأئمة؟!
ثم هؤلاء الخوارج عندهم الكتاب والسنة، ويوزعون المصاحف وكتب الحديث؟ فهل هذا يعني أن الكتاب والسنة يأمران بما يقومون به من الإرهاب واستباحة الدماء المعصومة؟
فالعبرة بالحقائق والمعاني لا بالانتساب والدعايات والشعارات، فهل الخوارج يقولون بما يقوله أئمة الدعوة في كتبهم، قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ بعد أن ذكر النصوص في وجوب السمع والطاعة للأئمة: "إذا فهم ما تقدم من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، وكلام العلماء المحققين، في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر، وتحريم منازعته والخروج عليه، وأن المصالح الدينية والدنيوية لا انتظام لها إلا بالإمامة والجماعة، تبين أن الخروج عن طاعة ولي الأمر، والافتيات عليه، بغزو أو غيره، معصية ومشاقة لله ورسوله، ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة" (١).
خامسا: أن قولهم بأن زعماء الخوارج يعتمدون على كتب أئمة الدعوة في الفتيا، -على فرض التسليم به- فإنه منهج غير صحيح للفتيا، وطريق غير مستقيم للعلم؟ وبذلك ضلو وأضلوا؛ فإن الفتيا تختلف باختلاف الزمان والمكان. فعلماء وأئمة الدعوة لم يشاهدوا واقعنا؟ وهل هم على علمٍ بنا وباعدائنا؟ وهل المؤثرات على الفتيا عندنا وفي عهدنا هي المؤثرات نفسها على الفتيا عندهم وفي عهدهم؟.
يوضح ذلك أمران:
الأول: أن العلماء السالفين مهما علت أقدارهم لا يقومون مقام العلماء الأحياء، مصداق ذلك فيما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال ولكن ينتزع العلم بقبض العلماء حتى إذا لم
стр. 253
يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهّالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلَّوا» (١).
"وهذا الحديث واضح الدلالة في أهمية العلماء الأحياء لأن الرسول ﷺ جعل قبض العلم هو موت العلماء فمعناه أن كُتب العلماء الأموات لا تغني عن وجود العلماء.
الأمر الثاني: أن العلماء السالفين وكتبهم يستفاد منهم في العلم والتعلم، أما الإفتاء فلا يفتون وهم أموات؛ لأن الفتيا غير التعليم والعلم، إذ أن حقيقتها هي تنزيل العلم على الواقع المعاش، فهل العلماء الأموات واقعهم مثل واقعنا في كل شيء أو في أكثر الأشياء" (٢).
سادسا: أن أشهر من ردّ على خوارج العصر هم الأئمة السائرون على طريقة الإمام محمد بن عبد الوهاب في الدعوة إلى التمسك بالسنة، والذين يلقبهم أعداء السنة بالوهابية، كأئمة العصر: الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ الألباني، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد الله بن جبرين، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ عبد الرحمن البراك، والشيخ عبد العزيز الراجحي، وغيرهم من العلماء، فقد حذروا منهم، فكيف يُنسب الخوارج الإرهابيون إلى دعوته، وعلماء هذه الدعوة هم أشهر من حذر منهم؟
سابعا: أن هذه الدولة المملكة العربية السعودية وأتباع هذه الدعوة محل استهداف من خوراج العصر، فكيف يكون الخوارج متأثرين بدعوة الإمام محمد وهم يحاربون الدولة التي قامت على هذه الدعوة؟ ويكفرون علماءها الذين هم على منهج الإمام محمد.
ثامنا: أن انتساب الغلاة كداعش والقاعدة وغيرهما لدعوة الإمام كانتساب الفرق الضالة للإسلام، فكما أن هذه الفرق الضالة لا تحسب على الإسلام؛ فكذلك هذه الفرق المنتسبة لدعوة الإمام لا تحسب على دعوته.
стр. 254
المطلب الثاني: دعوى المبالغة والتعظيم لمسائل الإمامة والسمع والطاعة
من الدعاوى التي أثيرت ضد دعوة الإمام دعوى المبالغة والتعظيم لمسائل الإمامة والسمع والطاعة حتى أصبح العلماء تحت سيطرة الدولة.
يقول محمد العطاونة، عند كلامه عن الحكام والعلماء، وأنهما: " يعتمدان على بعضهما ولا يمكن أحدهما البقاء من دون الآخر. وهذا واضح في الفكر السياسي الوهابي الذي يمثل اندماجاً كلياً للدين والسياسة. فبحسب المبادئ الوهابية، الإسلام ليس ديناً فقط وإنما هو نظام شامل، الشؤون العامة والاجتماعية والسياسية، بينما الشريعة الإسلامية قانون أخلاق شامل يحكم في كل الأمور بما فيها إدارة الحكم.
يمكن القول إن إعادة ترتيب مؤسسات الإفتاء في عام ١٩٧١ م، التي جرت من خلال قيام إدارة الدولة بلم شمل عدد غير مسبوق من كبار العلماء، مؤشر على الصلات القوية بين العلماء والدولة. ومع ذلك فإن دمج العلماء في إطار إدارة الدولة أحدث تغييرات في العلاقة التقليدية بين الدين والدولة. وتظهر هذه التغييرات في استحداث طريقة جديدة بين العلماء والحكومة، أصبح العلماء مندمجين فيها وتابعين بشكل مباشر للملك وتحت سيطرته" (١).
وقال أيضا: " تعتمد النظرية السياسية الوهابية التقليدية على افتراض أن هدف الحكومة في الإسلام صون الشريعة وإنفاذ تعاليمها. ولصيانة الشريعة وإنفاذها، هناك حاجة إلى حاكم زمني، وطاعته واجب ديني، ولكن مع ذلك يتوجب على هذا الحاكم أن يستشير العلماء المكلفين والمشهورين بتوضيح مبادئ الشريعة. ولقد قسم الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت: ١٧٩٢ م) هيمنة الدولة بين العلماء الذين يشكلون المرجعيات في أمور الفقه وبين الأمراء الحاكمين الذين يملكون السلطة والذين يفترض أنهم يستشيرون العلماء. وفي هذه العلاقة الثنائية إنفاذ الشريعة يتطلب حاكماً ملتزماً بمبادئها وتحتاج الدولة إلى دعم وشرعية مستمرين" (٢).
стр. 255
ثم نقل عن الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ المراد من "أولي الأمر" في الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]؟ فهل هم العلماء أم الأمراء، على الرغم من أن هؤلاء القادة يستغلون شعوبهم؟
وأجاب الشيخ ابن باز: بأنهم: العلماء والأمراء (١).
ثم قال: "وكيْ نلخّص ما سبق، فقد حاول هذا الفصل أن يبرز السياق الاجتماعي - السياسي لدار الإفتاء والطريقة التي يعرّف بها الوهابيون المعاصرون العلاقة بين الدين والدولة وبين سلطة الحاكم ودور دار الإفتاء في هذا السياق، ومن حيث المبدأ حافظ المفتون الرسميون على الموقف التقليدي الذي يكون فيه الدين والدولة مترابطين بشكل لا انفصام فيه. بعبارة أخرى: من دون شوكة الدولة يكون الدين في خطر، ومن دون الشريعة، تصبح الدولة منظمة استبدادية. ولهذا فإن الحالة المثالية هي أن يتعاون العلماء والأمراء مع بعضهم بعضاً، فيفسر العلماء أوامر الله عن طريق تحليل كلامه وتفسيره، بينما يطبق الأمراء هذه التفسيرات. وبالتالي كانت السلطة مقسمة بين العلماء والأمراء والطرفان يقدمان على أنهما ولاة الأمر في المعتقد الوهابي" (٢).
بل إنهم زعموا أن دعوة الإمام تقصر السمع والطاعة وعدم الخروج على الإمام محمد بن سعود والإمام محمد بن عبد الوهاب.
حيث يقول سعود السبعاني: "لطالما ردد الوهابيون مقولة وجوب طاعة أولي الأمر، وقد شددوا على حرمة الخروج على السلطان، وهم من أكثر المذاهب - هذا إذا ما صنفوا أصلاً كمذهب- هم أكثر من نادى ويطالب بضرورة طاعة ولي الأمر ووجوب البيعة له حتى لا يموت المرء ميتة جاهلية، وهم من فرض على اتباعهم وعلى جميع المسلمين ضرورة السمع والطاعة لولي الأمر، حتى وإن فعل هذا الحاكم الأفاعيل واقترف المجازر والموبقات وأتى بالكبائر!.
стр. 256
ولا يخفى على الجميع فهم كانوا بذلك يعنون عدم الخروج على دعوة محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود ليس إلا، وإلا فمسألة الخروج فهم يدركون جيداً أنها ليست محرمة بالقطع، والدليل هو خروجهم عن طاعة الخلافة الإسلامية في اسطنبول" (١).
ثم قال: "ولذلك كثيراً ما نراهم الآن يرددون الآية الكريمة المجتزأة من سورة النساء التي قال الله تعالى فيها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
ثم يبترون آخرها متعمدين! فهم لا يكملون سياق الآية الكريمة خوفاً من أن يجدوا عذراً لخصومهم، أو يفتحوا على أنفسهم باب الخلاف، ولهذا فهم مستعدون دائماً للعبث بالقرآن الكريم واجتزاء آياته ومن ثم تسخيرها لما يخدم أهدافهم وتوجهاتهم، وكذلك يحرّفون الأحاديث ويسقطونها على الوقائع حسب مزاجهم في سبيل أن لا يبينوا الحقيقة ويضللوا اتباعهم!. " (٢).
ويقول محمد العطاونة: " يشكل مبدأ طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه جوهر السياسة عند السلفيين الذين يعتقدون أن طاعة الأئمة من أصول أهل السنة والجماعة التي أوجبها الله على عباده وألزمهم بها وشدد فيها، فلا يجوز الخروج على الأئمة وإن عصوا (٣)، ويُنسب للإمام أحمد بن حنبل قوله: (والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر) (٤). وباستثناء السلفية الجهادية التي تتبنى خيار العنف لإسقاط من تصفهم بالأنظمة الكافرة، فإن السلفيات الأخرى ترى في الدفاع عن مبدأ طاعة الحاكم امتثالاً لأوامر الله وإبقاء لكلمة المسلمين موحدة.
стр. 257
يشير مفهوم "الطاعة السياسية" إلى الانقياد ل "ولي الأمر" سواء كان خليفة أو ملكاً أو أميراً أو رئيساً، وتنفذ أوامره ونواهيه، شريطة أن لا يُرى منه كفر بواح. ويقترح السلفيون الصبر على الحاكم الظالم وعدم الخروج عليه إلا إذا كان النصر مُحققاً، خوفاً من الوقوع في الفتنة" (١).
بل أغرب من هذا أنهم جعلوا دوافع الإمام في السمع والطاعة من أجل أن يحافظ على مذهبه.
يقول محمد شحرور: " ونجده في الجهة المقابلة يحرص على حثّ متبعيه على طاعة أولي الأمر طاعة خضوعٍ وخنوعٍ في قوله العجيب عند وضعه مقارنة بين ما كان عليه أهل الجاهلية وما جاء به الرسول ﷺ موضحاً: (أنهم -يقصد أهل الجاهلية- كانوا يرون أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له فضيلة، والسمع والطاعة له ذل ومهانة، فخالفهم رسول الله ﷺ وأمر بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذلك وأبدى فيه وأعاد) (٢).
يبدو التناقض ظاهراً في هذا المذهب الوهابي الذي يشدد من جهة على التوحيد والإخلاص لله وحده، والبراء من كل من حكم عليهم بالكفر أو النفاق ومعاداتهم بالقلب واللسان والفعل، غير أنه من ناحية أخرى، هي الناحية السياسية المؤسسة لأي جماعة في أي زمان ومكان، نجده يتراخى في إظهار الرفض والتمرد على الحكام، بل يوصي بالصبر على جورهم واتباع أوامرهم وتقديم فروض الولاء والطاعة لهم؟؟؟
قد نستغرب هذا التناقض للوهلة الأولى ولكننا نعي تماماً دوافع محمد بن عبد الوهاب لقول ذلك ونفهمها جيداً، فقد وافق على أنه يتم تبني مذهبه تحت راية السيف لبناء مملكة تتخذ هذا المذهب كأيدولوجيا تؤسس كل سياسية المملكة وتشريعاتها، وبالمقابل اشترط أن تضمن هذه السلطة استمرارية هذا المذهب وبقائه. وعلى هذا الأساس تم الاتفاق بين الطرفين لتشكيل المملكة السعودية، فمنحت السلطة التنفيذية في المملكة الحديثة للمذهب الوهابي كامل السلطة التشريعية، فصار بديهياً أن يأمر هذا المذهب بطاعة السلطة الحامية له، لأن
стр. 258
سلامته قائمة على سلامتها، وبقاءه مرتبط ببقائها" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى قديمة، فالإتهام بالمبالغة في السمع والطاعة لولاة الأمر قديم (٢)، ولذا أدرج أئمة السنة وعلماؤها هذه المسألة " السمع والطاعة لولاة الأمر في عقائدهم" لرد هذه التهمة، وسيأتي شيء من النقول عنهم في ذلك - بإذن الله-.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: إن عقيدة السمع والطاعة لولاة الأمر ما لم يأمروا بمعصية قد وردت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وذكرها السلف الصالح من أهل العلم في كتب العقائد.
قال سفيان الثوري (٣) ﵀: "يا شعيب: لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل" (٤).
وذكر الإمام أحمد ﵀ اعتقاده، ومنه: "السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر ممن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن خرج عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمّي أمير المؤمنين" (٥).
стр. 259
وقال إسماعيل بن يحيى المُزني (١) ﵀: "والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله مرضياً، واجتناب ما كان مسخطاً، وترك الخروج عند تعدّيهم وجورهم، والتوبة إلى الله كيما يعطف بهم على رعيّيتهم" (٢).
وفي اعتقاد البخاري (٣) ﵀ الذي تلقّاه عن أكثر من ألف رجل من أهل العلم، أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر: "وأن لا ننازع الأمر أهله لقول النبي ﷺ : «ثلاث لا يُغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم» فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، ثم أكد في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]» " (٤). وبوّب في صحيحه بباب السمع والطاعة للإمام، وباب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٥).
وقال أبو جعفر الطحاوي ﵀: "ولا ننزع يداً من طاعة، ونرى طاعتهم -أي الأئمة- من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية" (٦).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد؛ وطاعة ولاة الأمر واجبة لأمر الله بطاعتهم فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم، فما له في الآخرة من خلاق" (٧).
стр. 260
وقال ابن أبي العز الحنفي ﵀: "دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة ولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] كيف قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؛ لأن أولي الأمر لا يفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله. وأعاد الفعل مع الرسول لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول ﷺ لا يامر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما أولي الأمر، فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله. وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور" (١).
ثانيا: أن المصنفين في اعتقاد أهل السنة والجماعة نقلوا هذه العقيدة (٢)، وبوبوا عليها في كتبهم، يقول اللالكائي ﵀ في: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، بباب قال عنه: "سياق ما روي عن النبي ﷺ في طاعة الأئمة والأمراء ومنع الخروج عليهم" (٣)، وذكر فيه عشرين رواية ما بين حديث وأثر في السمع والطاعة لولاة الأمر وعد الخروج عليهم.
ثالثا: أن عقيدة الشيخ ﵀ في السمع والطاعة لا تخالف عقيدة السلف فقد بينها بقوله في رسالته لأهل القصيم:
"وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، فمن تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبداً حبشياً، وقد أمر رسول الله ﷺ بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذاك، وأبدى فيه وأعاد. ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه والأئمة مجمعون من كل مذهب، على أن من تغلب على بلد أو
стр. 261
بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا، ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرف أن أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم" (١).
ويقول أيضاً:
"الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمّر علينا ولو كان عبداً حبشياً" (٢).
رابعا: أن محمد العطاونة، نقل عن الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ هذه العقيدة: السمع والطاعة لولاة الأمر -والحمد لله-، وهي موافقة لعقيدة السلف، وفي هذا رد من العطاونة على نفسه بأن الشيخ ابن باز لم يخالف عقيدة السلف ﵏.
خامسا: أن السمع والطاعة لولاة الأمر ليس مطلقا، بل مقيد "بما لم يأمروا بمعصية" كما سبق في النقول عن الأئمة، وعن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعا؛ بل إن أئمة الدعوة يحذرون من السمع والطاعة في غير طاعة الله، يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وأما طاعة الأمراء ومتابعتهم فيما يخالف ما شرعه الله ورسوله فقد عمت بها البلوى قديما وحديثا في أكثر الولاة بعد الخلفاء الراشدين وهلم جرا. وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] " (٣)؛ بل إن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله بوب في كتابه التوحيد بابا للتحذير من طاعة العلماء والأمر في معصية الله، فقال: باب: " من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله" (٤).
سادسا: قول محمد العطاونة في ملخص كلامه عن العلاقة بين العلماء والأمراء: "فإن الحالة المثالية هي أن يتعاون العلماء والأمراء مع بعضهم بعضاً، فيفسر العلماء أوامر الله عن
стр. 262
طريق تحليل كلامه وتفسيره، بينما يطبق الأمراء هذه التفسيرات. وبالتالي كانت السلطة مقسمة بين العلماء والأمراء والطرفان يقدمان على أنهما ولاة الأمر في المعتقد الوهابي".
فإن هذه الحالة المثالية هي امتثال لأمر الله ، يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]، قال ابن جرير ﵀: " يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدًا ﷺ ، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته" (١).
ثم ذكر الأقوال في المراد بولاة الأمر، ثم قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هم الأمراء والولاة لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعةً، وللمسلمين مصلحة، " (٢).
ثم قال: " القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
يعني بذلك جل ثناؤه: فإن اختلفتم، أيها المؤمنون، في شيء من أمر دينكم: أنتم فيما بينكم، أو أنتم وولاة أمركم، فاشتجرتم فيه ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾، يعني بذلك: فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم أنتم بينكم، أو أنتم وأولو أمركم فيه من عند الله، يعني بذلك: من كتاب الله، فاتبعوا ما وجدتم، وأما قوله: ﴿وَالرَّسُولِ﴾، فإنه يقول: فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا فارتادوا معرفة ذلك أيضًا من عند الرسول إن كان حيًا، وإن كان ميتًا فمن سنته ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، يقول: افعلوا ذلك إن كنتم تصدقون بالله، واليوم الآخر، يعني: بالمعاد الذي فيه الثواب والعقاب، فإنكم إن فعلتم ما أمرتم به من ذلك. فلكم من الله الجزيل من الثواب، وإن لم تفعلوا ذلك فلكم الأليم من العقاب" (٣).
стр. 263
فهذه الحالة المثالية التي ينتقدها على أئمة الدعوة هي الحالة المثالية كما جاءت عند ابن جرير الطبري ﵀.
فماذا يريد العطاونة، وما الحال المثالية عنده؟
سابعا: قول سعود السبعاني عن أئمة الدعوة وأتباعها أنههم يبترون قوله تعالى:: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ولا يكملون الآية: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
فهذ قول باطل، فإن أئمة الدعوة وأتباعها يتكلمون على هذه الآية وغيرها دون بتر أو اجتزاء، وهذه بعض النقول عنهم في ذلك:
يقول: الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ: "ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ " (١).
وقال الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ على هذه الآية: "فأمر سبحانه في هذه الآية العظيمة بطاعته، وطاعة رسوله ﷺ وأولي الأمر، وأمر عند التنازع بالرد إليه سبحانه وإلى رسوله ﷺ ، وقد بين أهل العلم أن الرد إليه سبحانه هو الرد إلى كتابه الكريم، وأن الرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته ﷺ بعد وفاته. وأخبر أن هذا الرد خير للعباد في دنياهم وأخراهم، وأحسن تأويلا أي عاقبة، وبهذا يعلم أن الواجب على جميع أهل الإسلام: أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في كل أمورهم، وأن يردوا ما تنازعوا فيه إليهما، وأن ذلك خير لهم وأحسن عاقبة في العاجل والآجل" (٢).
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "فإن على العبد أن يتقي الله ما استطاع ويعمل جهده في تحري معرفة الحق من الكتاب والسنة، فإذا ظهر له الحق منهما وجب عليه العمل به، وأن لا يقدم عليهما قول أحد من الناس كائناً من كان، ولا قياساً من الأقيسة أي قياس كان، وعند التنازع يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة فإنهما الصراط المستقيم، والميزان العدل القويم،
стр. 264
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته وهديه حيًّا وميتاً" (١).
والنقول في هذا كثيرة جدا، يصعب حصرها.
ثامنا: قول سعود السبعاني: " ولا يخفى على الجميع فهم - أي أئمة الدعوة- كانوا بذلك يعنون عدم الخروج على دعوة محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود ليس إلا، وإلا فمسألة الخروج فهم يدركون جيداً أنها ليست محرمة بالقطع".
فنقول إن كلام أئمة الدعوة عام في النهي عن الخروج على ولاة الأمور، كما سبق بيان عقيدة الشيخ في ذلك.
ثم أين هذا في كتبهم ومؤلفاتهم- المطبوعة والمنتشرة- أنهم يعنون بعدم الخروج على ولاة الأمر عدمَ الخروج على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود ليس إلا؟!
تاسعا: قول محمد شحرور عن التناقض - حسب زعمه- في تشدد المذهب الوهابي "من جهةٍ على التوحيد والإخلاص لله وحده، والبراء من كل من حكم عليهم بالكفر أو النفاق ومعاداتهم بالقلب واللسان والفعل، غير أنه من ناحية أخرى، هي الناحية السياسية المؤسسة لأي جماعة في أي زمان ومكان، نجده يتراخى في إظهار الرفض والتمرد على الحكام، بل يوصي بالصبر على جورهم واتباع أوامرهم وتقديم فروض الولاء والطاعة لهم؟؟؟ … ".
فإن ما يتعلق بالعلاقة بين العلماء والأمراء قد سبق بيانه في الفقرة السادسة، وهي علاقة مبنية على امتثال أمر الله ؛ أما التناقض الذي زعمه الكاتب بين التوحيد والإخلاص والبراءة من الكفار من جهة وبين السمع والطاعة لولاة الأمر من جهة أخرى فلقلة علمه، فإن الإلتزام بالتوحيد والإخلاص لله والبراء من الكفار والمنافقين لا يتعارض مع السمع والطاعة لأئمة
стр. 265
الجور، وهذا ما نص عليه أئمة السلف؛ لكن إذا ظهر من الحاكم ما يوجب كفره، ووجدت القدرة على تغييره دون حصول مفسدة في ذلك؛ فإن عبادة بن الصامت ﵁ قال: دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا: «أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله»، قال: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» (١).
قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ﵀: "قوله: (أن لا ننازع الأمر أهله) دليل على المنع من قتال الأئمة، (إلا أن يروا كفرا بواحا)، وهو الظاهر الذي قد باح به صاحبه، فطاعة ولي الأمر، وترك منازعته، طريقة أهل السنة والجماعة، وهذا هو فصل النّزاع بين أهل السنة، وبين الخوارج والرافضة" (٢).
وقال الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀: "ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور وشق العصا إلا إذا وجد منهم كفر بواح عند الخارجين عليه من الله برهان، ويستطيعون بخروجهم أن ينفعوا المسلمين وأن يزيلوا الظلم وأن يقيموا دولة صالحة. أما إذا كانوا لا يستطيعون فليس لهم الخروج ولو رأوا كفرا بواحا؛ لأن خروجهم يضر الناس ويفسد الأمة ويوجب الفتنة والقتل بغير الحق ولكن إذا كانت عندهم القدرة والقوة على أن يزيلوا هذا الوالي الكافر فليزيلوه وليضعوا مكانه واليا صالحا ينفذ أمر الله فعليهم ذلك إذا وجدوا كفرا بواحا عندهم من الله فيه برهان وعندهم قدرة على نصر الحق وإيجاد البديل الصالح وتنفيذ الحق" (٣).
ويقول الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ على قوله ﷺ : «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان»: "ثم إن القيود التي ذكرها النبي ﷺ قيودٌ صعبة، من يتحقق من هذا الحاكم، مثلاً علمنا أنه كافر علم اليقين، نراه كما نرى الشمس أمامنا، ثم علمنا أن الكفر بواح، لا
стр. 266
يحتمل التأويل وليس فيه أي أدنى لبس، ثم عندنا دليل من الله برهان قاطع، هذه قيود صعبة، أما مجرد أن يظن الإنسان أن الحاكم قد كفر، فهذا ليس بصحيح، لابدَّ من إقامة الحجة" (١).
стр. 267
المطلب الثالث: دعوى جعلُ الإمامةِ من أُسس التوحيد
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن دعوة الإمام جعلت الإمامة من أسس التوحيد.
يقول عبد الغني الماروي: " على أن الخطاب الإسلامي والسلفي على وجه الخصوص يكاد لا يرى الدولة إلا من منظار الإمامة والحكم وحسب، وهذا ما جعله يصوغ مواقفه من الدولة على قاعدتي الطاعة وعدم الخروج على الحاكم، والولاء والبراء، فهناك دولة مسلمة ودولة كافرة، وهناك نظام كافر وآخر مؤمن، وهناك مؤمنون وكفار.
ويمكن القول: إن الخطاب السلفي يرتكز على ثلاثة مفاهيم رئييسة عند مقاربة مسألة الدولة، وهذه المفاهيم هي: التوحيد، والفتنة، ومبدأ الولاء والبراء. فمفهوم التوحيد لا يشير لوحدانية الله وعدم الشرك به وحسب، وإنما يمتد لكل ما له صلة بوحدة المجتمع المسلم والمسلمين بشكل عام. ويلحظ أحمد موصللي هذه الثنائية الدينية/ السياسية فيما يتعلق بالتوحيد الذي يعد أساس العقائد كما يعد أساس النظرية السياسية عند الأصوليين، فالخضوع لله لا يتوقف فقط على الناحية العقائدية بل هو خضوع سياسي في نفس الوقت [كذا] وبالدرجة الأولى، وعليه يصطبغ مفهوم التوحيد بصبغة سياسية مما يؤدي إلى قياس الممارسة السياسية بمقاييس غير تقليدية (١).
ومن هنا، لا تزال تسيطر فكرة الدولة الواحدة وفكرة القائد الواحد على أغلب اجتهادات التيارات السلفية. ويشير الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وهو وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في السعودية لهذا المعنى بوضوح، ففي محاضرة له منشورة بعنوان "أسس بناء الدولة عند الإمام محمد بن عبد الوهاب" اعتبر أن من أسس بناء الدولة الإسلامية وجود قائد، فالولاية في المفهوم الشرعي هو ما فيه مصلحة اجتماع المسلمين عليه،
стр. 268
لأن مصلحة الناس إنما تتم بالاجتماع ولا تتم بالتفرق" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
إتهام دعوة الإمام ﵀ بتعظيم الإمامة والغلو فيها وجعلها من أركان الدين (٢)، وهذا فيه تشبيه لعقيدة الإمام بعقائد الرافضة (٣).
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أن هذه الدعوى مخالفة لما أجمع عليه السلف-رضوان الله عليهم- من وجوب الاجتماع على الإمام والسمع والطاعة له في غير معصية لله، والدعاء له، وتحريم الخروج عليه. وسبق الكلام على هذه المسألة في المبحث الثاني، وفي الدعوى الثانية من هذا الفصل.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، ودلالة هذه الآية ظاهرة، فإن الله تعالى قرن طاعته وطاعة رسوله ﷺ بطاعة أولي الأمر، قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري ﵀ بعد أن ساق الأقوال في المراد بأولي الأمر في الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله بالأمر بطاعة الأئمة والولاة" (٤).
وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
قال القرطبي ﵀ في تفسيرها: "هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة، يُسمع له ويُطاع به الكلمة" (٥).
ثانيا: أن الإجماع منعقد على وجوب نصب إمام، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد
стр. 269
من أهل العلم، منهم النووي (١)، والقرطبي (٢)، وغيرهم (٣)، ولم يقل أحد من العلماء مع انعقاد هذا الإجماع أن الإمامة من أسس التوحيد.
ثالثا: أنه يجب على كل مسلم السمع والطاعة لولاة الأمور في غير معصية الله، وإن بدا ظلم أو تقصير في حقوق الرعية، روى مسلم في صحيحه -باب طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق- أن سلمة بن زيد الجعفي ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس، فقال ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُملوا وعليكم ما حُملتم» (٤).
رابعا: أن أقوال السلف في تقرير هذه المسألة أكثر من أن تحصر، فلا تكاد تخلو كتب السنن والعقائد من آثار أئمة الدين في الأمر بالسمع والطاعة في غير معصية، ولزوم الجماعة، وتحريم الخروج (٥).
خامسا: أن السمع والطاعة لولاة الأمور من عقائد أهل السنة؛ لكن هذا لا يعني أنها أساس التوحيد - ولم يقل بهذا أحد من أهل العلم-، ولا يعني السمع والطاعة لهم مطلقًا، وإنما السمع والطاعة في المعروف، وفي المنشط والمكره، مع بذل النصح لهم عند وجود المعصية.
стр. 270
قال الإمام البربهاري ﵀: "والسمع والطاعة للأئمة فيما يحب الله ويرضى، ومن ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين، لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن ليس عليه إمام براً كان أو فاجراً والحج والغزو مع الإمام ماض، وصلاة الجمعة خلفهم … ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي قد شق عصا المسلمين وخالف الآثار وميتته ميتة جاهلية ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه وإن جار، فإن فيه فساد الدنيا والدين" (١). فقيد السمع والطاعة بقوله: " فيما يحب الله ويرضى".
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام براً كان أو فاجراً، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه" (٢). فقيد السمع والطاعة بقوله: " ما لم يأمروا بمعصية الله ".
وقارن بين كلام الإمام البربهاري المتوفي عام (٣٢٨ هـ) وكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب المتوفى عام (١٢٠٦ هـ)، تجد أنه خرج مشكاة واحدة.
سادسا: أن علماء أهل السنة ذكروا في كتب العقيدة ما يتعلق بالإمامة وأبواب السياسة، وذلك لارتباط كثير من تفاصيلها بالعقيدة، ومن ذلك كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد ﵀، فقد أورد فيه فصولاً عن خلافة أبي بكر وبيعته والخلافة ومدتها (٣)، وكذلك فعل اللالكائي ﵀ (٤) في كتابه المشهور: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، حيث أورد باباً في بيعة
стр. 271
أبي بكر وترتيب الخلافة وكيفية البيعة، وباباً في طاعة الأئمة والأمراء، وباباً في تعامل الحكام مع أهل البدع من القدرية وغيرهم (١).
وابن بطة ﵀ جعل نصف كتابه "الإبانة على أصول السنة والديانة" في فروع المسائل، وذكر مسائل التعامل مع أهل البدع ومنزلة الصحابة، والتعامل مع الأئمة (٢).
وأما الطحاوي ﵀ فقد أورد في عقيدته كثيراً من مسائل الحكم والسياسية مثل: وجوب طاعة ولي الأمر، والحديث عن الخلفاء الأربعة، وأهمية الجماعة والاجتماع في الأمة، والتعامل مع أهل البدع في الأمة وأحكامها، وأولياء الله ومن هم، والحكم بغير ما أنزل الله من الشرائع والقوانين (٣).
ولم يقل أحد من العلماء أن هؤلاء الأئمة بصنيعهم هذا جعلوا السمع والطاعة لولاة الأمر أساسا للتوحيد.
سابعا: أن هذا العمل من هؤلاء العلماء يدل على أهمية مثل هذه الموضوعات وعلاقتها بالعقيدة، حتى مع القول بأنها سيقت في كتب العقيدة لأجل الرد على المخالفين في هذه المسائل، وحيث إن المخالفين في سائر المسائل كثر وفي مسائل مختلفة من الفروع، ومع ذلك يؤكد هؤلاء العلماء على هذه المسائل دون غيرها لأهميتها.
وهو من أدلة كمال الشريعة الإسلامية، وشمولها لما يصلح الناس في أمور دينهم ودنياهم، فلا فصل بين هذا وذاك ولا فصل بين الدين والسياسة في حياة المسلمين (٤).
ثامنا: أن الصحابة ﵃ لكمال علمهم ونصحهم ومعرفتهم بأهمية الإمامة وشدة
стр. 272
الحاجة إليها لم يبيتوا بعد انتقال النبي ﷺ للرفيق الأعلى وقبل تجهيزه ومع عظم المصيبة إلا وفي أعناقهم بيعة لإمام؛ حيث اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وبايعوا أبا بكر الصديق ﵁ (١).
стр. 273
المطلب الرابع: دعوى أن دعوة الإمام حركة سياسية
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن دعوة الإمام حركة سياسية وليست دينية، وأن أصل الدعوة كان دينياً، وبعد الاتصال بالإمام محمد ابن سعود صارت سياسية، وهذا أدى إلى التصالح بين الحركة الدينية والحركة السياسية ودعم بعضها لبعض.
يقول عبد الله المالكي: "عندما تتأسس الدولة على حلف واتفاق بين الحاكم السياسي والفقيه الداعية، ويتم بموجبه تبني دعوة ذلك الفقيه ومناصرتها ونشرها بين الناس، في مقابل أن يمنح الفقيه الشرعية الدينية لتلك السلطة وسياسة الحاكم، فإننا حينئذ نتحدث عن مفهوم (دولة الأمير والشيخ).
دولة (الأمير والشيخ) هي دولة تقوم على طرفين في إدارة الحكم: طرف يتولى إدارة الشأن السياسي داخلياً وخارجياً، وطرف آخر يتولى إدارة الشأن الديني في المجال العام، وهذا التقسيم الثنائي لا يعني الانفصال المطلق بين المجال السياسي والمجال الديني، بل بينهما اتصال من جهة وانفصال من جهة أخرى كما سيأتي، كما لا يعني خروج المجال الديني عن سلطة الدولة، وإنما يعني أن السلطة قد انقسمت بين الأمير والشيخ .. بعبارة أخرى نحن أمام حالة تعاقدية تبادلية (معنوية ومادية) بين سلطة زمنية وسلطة روحية، بحيث تمنح السلطة الروحية الشرعية والطاعة للسلطة الزمنية في مقابل أن تقوم السلطة الزمنية بدعم وتمكين السلطة الروحية" (١).
ثم ذكر ما يترتب على هذا التحالف، فقال: "هذا التحالف والتوافق (الحصري) بين طرفي الحكم يترتب عليه عادة أثران سياسيان:
الأثر الأول: تبني الحاكم لمذهب الفقيه (الحليف) والانحياز له بشكل مطلق ودعمه ونشر دعوته، ومناصرته في مقابل المذاهب والأفكار الدينية الأخرى التي تختلف مع ذلك الفقيه، الأمر الذي قد يدفع بتلك المذاهب الدينية إلى أن تتخذ موقف المعارض لذلك الواقع السياسي
стр. 274
الجديد الذي أصبح يهدد حريتها ومكاسبها وربما وجودها، ومن الطبيعي أن تصبح تلك المذاهب المخالفة مذاهب مارقة ومنحرفة ومبتدعة إذا اشتد خلافها السياسي مع تلك الدولة الناشئة، كما أن تبني السلطة السياسية لمذهب ذلك الفقيه (الحليف) يمنح هذا الأخير احتكار إدارة الشأن الديني في المجال العام، وفرض رؤيته الفقهية على الواقع الاجتماعي، وتنميط سلوك أفراد المجتمع وفق تلك الرؤية، وهذا وفق تجارب التاريخ، أقصى ما يطمح إليه الفقيه عندما يكون حليفاً للسلطة.
وفي المقابل يكون الأثر الثاني: وهو أن يقوم الفقيه (الحليف) بدعم ذلك الحاكم السياسي، وإصباغ الشرعية الدينية على سلطانه، فتكون طاعته من طاعة الله، ومعارضته ومنازعته في قراراته السياسية معصية لله تعالى وسبب لإثارة الفتن، إضافة إلى بثّ الخطب والكتابات التبريرية لسياسات الحاكم وتهدئة أو تعبئة العوام نحوها " (١).
ثم ذكر ما جرى بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود من التحالف، فقال: " بحسب خلاصة رواية ابن غنام وابن بشر أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ عندما انتقل إلى الدرعية في عام ١١٥٧ هـ التقى بأميرها محمد بن سعود آل مقرن، فرحب به الأمير وقال له: (أبشر ببلاد خير من بلادك وبالعز والمنعة، فقال له الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين، وهذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم، فمن تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد وأنت ترى نجداً كلها وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة والاختلاف والقتال لبعضهم البعض، فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك) (٢).
نلاحظ هنا المضامين السياسية الواضحة في خطاب الشيخ ﵀، فهو ليس مجرد داعية في هذا الحوار، وإنما داعية يخطط لقيام كيان سياسي لنصرة دعوته وتجسديها في الواقع: (أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين)، (من تمسك وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد)، (فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك). فقبول الدعوة ونصرتها في خطاب
стр. 275
الشيخ يحمل معنى إقامة الدولة، وكأن توحيد نجد في إطار سياسي واحد (= الدولة) هو شرط ضروري لنجاح دعوة الشيخ الإصلاحية، فالهدف هنا لا يقتصر فقط على مجرد الدعوة إلى التوحيد ونشره وتعليمه للناس، وإنما أيضاً لابد من إقامة دولة تتبنى هذه الرسالة أو الأيديولوجيا (١) وتسعى لتحقيقها في الواقع، ويبدو أن الأمير كان يدرك هدف الشيخ جيداً، وسيظهر ذلك في تفاوضه واشتراطاته" (٢).
ثم ذكر الشرطين اللذين شرطهما الإمام محمد بن سعود: "الشرط الأول: وبعبارة الأمير: (يا شيح نحن إذا قمنا في نصرتك، والجهاد في سبيل الله، وفتح الله لنا ولك البلدان، أخاف أن ترحل عنا وتستبدل بنا غيرنا). فكان رد الشيخ بقوله: (ابسط يدك، الدم بالدم، والهدم بالهدم، وإنني لن أرغب عنك إن أظهرك الله).
وأما الشرط الثاني: فقول الأمير: (إن لي على الدرعية قانوناً [أي ضريبة أو إتاوة] آخذه منهم في وقت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئاً). فأجابه الشيخ بقوله: (لعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها) (٣). وفي رواية أخرى أكثر وضوحاً وأقرب للهجة السائدة: (قال الأمير: يا شيخ ما يكون لك قعود عندنا ولا مسكن، فأنا رجل متعود على أكل الحرام، وأنت عالم زاهد، هل عندك أن تفتينا؟ فقال له الشيخ: نعم أنا أبقيك على ما أنت عليه من أكل الحرام، وأنت تتركني أسكن عندك وأقوّم الدين، فرضي ابن سعود بذلك) (٤) " (٥).
стр. 276
ثم ذكر ما ترتب على هذين الشرطين (١)، وسبب موقف الإمام محمد بن عبد الوهاب من الإمام محمد بن سعود وسكوته عن الإنكار عليه - حسب زعمه-، فقال: "هذا الشرط الثاني هو الذي يفسر لنا مواقف الشيخ السلفي الوهابي عبر تاريخ الدولة، حين كان يضطر إلى السكوت عن بعض أخطاء الأمير وتجاوزاته الأخلاقية، وعن ألم وحسرة أحياناً، بل وقد يذهب إلى تبرير بعض مظالمه ومنكراته المتعدية على المال العام وحقوق الناس كما سيأتي، وربما إقرارها إذا لزم الأمر، أو الاكتفاء بالوعظ والنصيحة السرية، مع التشديد على منع الإنكار العلني وتحريمه وتبديع الفاعلين له، كل ذلك في سبيل أن يبقى للشيخ الدعم المعنوي والمادي، وأن تستمر مكاسبه ونفوذه الاجتماعي، لكي يتمكن من نشر رسالته بين الناس وتطبيقها في الواقع عبر أدوات السلطة، أو بتعبير آخر: التأوّل بقبول المفسدة الأخف لتحقيق مصلحة أكبر من وجهة نظر الوهابية" (٢).
ويقول مفتي مصر - علي جمعة- بأن فتوى الوهابية بتحريم الصلاة في المساجد التي فيها قبور كان الغرض منها سياسياً وحجة لتكفير الخليفة العثماني ثم الخروج عليه. حيث قال في جواب له عن حكم الصلاة في المسجد الذي فيه ضريح؟: " الصلاة في هذا المسجد جائزة". ثم أرجع سبب تحريم الصلاة في هذه المساجد إلى الحركة الوهابية، وقال: "إن مبرر الوهابيين في ذلك - أي التحريم- هو الخروج على الخلافة العثمانية" (٣).
ويقول خالد الدخيل في بيان تضخيم البعد الديني وأسبابه في دعوة الإمام: "الوجه الآخر للقصور الذي تعانيه الدراسات عن تاريخ الدولة السعودية، هو هذا الاهتمام المبالغ فيه بالتركيز على الجانب أو البعد الديني، وإقصاء البعدين الاجتماعي والسياسي لتاريخ الدولة،
стр. 277
وذلك بهدف تأكيد جذرها الديني الذي يقال إنها انبثقت منه" (١).
ثم قال: " إن تبني الدولة لدعوة إسلامية هو حقيقة من حقائق تاريخها. تأتي بعد ذلك حقيقة أن الدولة السعودية تتخذ من الشريعة الإسلامية قانوناً أساسياً لها. هذه حقائق تؤكد هوية الدولة، إلا أنها تختلف عن تفسير نشأتها. يبدو أن التركيز المبالغ فيه على البعد الديني المترافق مع تهميش الأبعاد الأخرى لتاريخ الدولة، يفترض أن هوية الدولة الإسلامية تقتضي أن تكون جذورها أو أسباب نشأتها ذات طبيعة دينية أيضاً. وهذا افتراض فاسد وذلك لسبب بسيط وهو أنه يتضمن أن التفسير العلمي لنشأة الدولة والبحث عن عوامل غير دينية (اجتماعية وسياسية) وراء نشأتها يتعارض مع دين الدولة، وبالتالي يتعارض مع هويتها. وهذا أمر لا يستقيم لا مع الحقيقة التاريخية لهوية الدولة ولا مع الدين الإسلامي تحديداً ولا مع المنهج العلمي كذلك" (٢).
ثم نقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجود الشرك في نجد، حيث يقول: " أول من قال بهذا الرأي كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقد أفصح عن هذا الرأي منذ الأيام الأولى لدعوته، ففي لقائه الأول مع محمد بن سعود خاطب الشيخ أمير الدرعية بقوله: (وأنت ترى نجداً كلها وأقطارها أطبقت على الشرك، والجهل، والفرقة، والاختلاف .. ) (٣). كانت هذه أول إشارة أو أنها على الأقل من بين الإشارات الأولى التي ترد في المصادر، ويؤكد فيها الشيخ بشكل مباشر أن الشرك كان منتشراً في نجد مع بداية دعوته" (٤).
ثم قال: " وقد كان من الطبيعي أن تبنّى أنصار الدعوة رأي الشيخ، ومن أبرز هؤلاء تلميذه حسين بن غنام الذي كان أول من صاغ التفسير الديني لظهور الحركة الوهابية على شكل علاقة مباشرة بين سبب سابق ونتيجة لاحقة وطبيعية بل ربما حتمية، كما إن ابن غنام كان أول من قدم شيئاً من التفصيل في الصورة التي رسمها عن الحالة الدينية، وانتشار الشرك في
стр. 278
نجد إبان دعوة الشيخ. يقول في ذلك: (كان الناس في زمانه (أي زمان الشيخ) متضمخين بالأرجاس متلطخين بوضر الأنجاس حتى قد انهمكوا في الشرك بعد حلول السنة المطهرة بالأرماس، … ونبذوا كتاب الله تعالى وراء ظهورهم، … فعدلوا إلى عبادة الأولياء والصالحين، وخلعوا ربقة التوحيد والدين، … وأقبلوا عليهم (الأولياء) في طلب الحاجات وتفريج الشدايد والكربات، من الأحياء منهم والأموات … ) (١) " (٢).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى قديمة، فقد أتهم الخليفة الراشد أبو بكر الصديق ﵁ بأن قتاله للمرتدين كان سياسة (٣)، وكذلك اتهمت الدولة الأموية بأنها حركة سياسية (٤)، وكل دولة قامت على الحق فإن أعداءها يبحثون عن ما ينفر منها، ويرمونها بالتهم ومنها أنها حركة سياسية (٥)؛ بل إن النبي ﷺ لما دعى قريشا للإسلام، قالوا له: "وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا" (٦).
الجواب عن هذه الدعوى:
стр. 279
أولا: أن إتهام دعوة الإمام وغيرها من الدعوات الإصلاحية التي على منهج السلف الصالح بأنها حركة سياسية، من التلبيس على العوام الذين يريدون به صد الناس عن الإسلام الصحيح؛ فإن الدين الإسلامي خاتم الأديان الذي ارتضاه الله لعباده؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قد جاء كاملا شاملا لكل نواحي الحياة: الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية .. الخ.
ولهذا فقد اجتهدوا في الترويج لهذه الفكرة وما يدعمها من شعارات ومصطلحات، كما يقول أحدهم: " أراد الله للإسلام أن يكون دينًا، وأراد به الناس أن يكون سياسة! " (١)، وجعلوها حيلة يحتالون بها على إنكارهم للدين والصد عنه (٢).
ثانيا: أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، دعوة جامعة للأمور الدينية والسياسية معا؛ لأن الإسلام بطبيعته دين ودولة (٣)، والإصلاح الذي نادت به الدعوة لم يكن الغرض منها دينياً محضاً، فحقيقة أن الدعوة اهتمت بالإصلاح الديني - وهو الأصل- أكثر من اهتمامها بالإصلاحات الأخرى؛ لأنه هو الأصل، ولأن الانحراف الديني في العالم الإسلامي في ذلك الوقت يفوق تدهوره السياسي، وفوق هذا وذاك فإن إصلاح العقيدة الإسلامية في نفوس المجتمع الإسلامي أساس كل إصلاح (٤).
فالإمام "محمد بن عبد الوهاب من ناحية العقيدة ليس بمبتدع، فهو من ناحية السياسة مجدد مبدع (٥)، لقد استطاع أن يوقف حركة التاريخ، ويلوي عنق الأحداث التي كانت تدفع العالم الإسلامي دفعاً إلى التغريب" (٦).
стр. 280
ثالثا: أن الاستعانة بقوة السلطان لنجاح الدعوة من منهج النبوة، ومن حكمة الإمام محمد بن عبد الوهاب، " لكي تنجح دعوته في منطقة تعمها الفوضى الدينية والاجتماعية والسياسية.
وكان من الصعب -والحالة هذه من الفوضى- الوصول إلى أي خطوة عملية مؤثرة في التغيير، والإصلاح بالجهد الدعوي المجرد، ومن هنا اتجه الإمام محمد بن عبد الوهاب بعزمه وطموحه؛ ليضع يده في يد أولي الأمر أصحاب السلطة والحكم، الذين آمنوا بالعقيدة والشريعة، وسعوا إلى توحيد الجزيرة العربية كلها تحت راية واحدة، مدركاً كل الإدراك، وواعياً كل الوعي، أنه ليس من السهل نشر الدعوة في البلاد القاصية والدانية في مدة قصيرة أو معقولة، إلا بحماية أمير ذي قوة ونفوذ، بمساعدته ومساعدة رجال دولته.
لقد فطن الشيخ إلى الفروق الكبيرة بين دعوة لا تؤازرها قوة الحكم، مثلما كان حال المسلمين والرسول ﷺ في مكة، ودعوة يعضدها الحكم، ويهيئ لها أسباب حمل الرسالة، ويضع كل إمكانات دولته في خدمة الدعوة، وذلك مثل حال المسلمين في المدينة بعد الهجرة بقيادة رسول الله ﷺ ، فالفرق كبير بين الحالين والجهدين، والنتائج جد مختلفة" (١).
رابعا: يكاد الباحثون يتفقون على ندرة ما كتب عن تاريخ نجد - قبل دعوة الإمام- وقلة المعلومات التاريخية عن أحوال نجد آنذاك (٢). فهي تعيش مرحلة من التاريخ مجهولة، إلا نتفاً ضئيلة من بعض أقوال المؤرخين (٣). وهذا مما يؤكد أن نجدا لم يكن لها أي دور سياسي قبل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب.
يقول أمين سعيد (٤): "ولقد حاولنا كثيراً من خلال دراستنا لتاريخ الدولتين الأموية
стр. 281
والعباسية، وتاريخ الأيوبيين، والمماليك في مصر، ثم تاريخ العثمانيين الذين جاءوا بعدهم وورثوهم أن نعثر على اسم والٍ، أو حاكم أرسله هؤلاء، أو أولئك أو أحدهم إلى نجد فلم نقع على شيء" (١).
فنجد لم تشهد نفوذاً عثمانياً كسائر البلدان، ومن خلال وثيقة تركية سجلت سنة ١٠١٨ هـ، وتحوي أسماء الأقاليم العربية التابعة للدولة العثمانية، إلا أن نجداً ليست منها (٢).
فنجد قبل دعوة الإمام في فتن وحروب، فإنه "لما حلّت سنة ٩٢٣ هـ وظهرت الدولة العثمانية على المسرح السياسي في جزيرة العرب -وإن كانت الجزيرة العربية لم تشمل بالحكم العثماني المباشر- كان كل قطر من أقطار الجزيرة العربية مستقلاً بذاته، ولاسيما نجد فقد كانت العصبيات فيها قائمة على قدم وساق، لكل عشيرة دولة .. " (٣).
فنجد "لم تشهد نفوذاً مباشراً للعثمانيين عليها قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما أنها لم تشهد نفوذاً قويّاً يفرض وجوده على سير الحوادث داخلها لأية جهة كانت" (٤).
بل كانت نجد في فتن وحروب، ونزاعات بين القبائل والبلدان، ونزاعات سياسية، ونقص في المعايش والأرزاق، كما جاء في عنوان المجد: "أما السنون التي سبقت قيامهم - أي دعوة الإمام-، فغلب فيها الضلال والجهل والظلم، وفتن كقطع الليل المظلم، وقتال بين أهل كل بلد عدواناً وحمية جاهلية، وتحالف وتفازع وعصبية، وكل بلد فيها رئيس فأكثر لايزال يقع بينهم الشرّ، تارة يتقاتلون وتارة يتسالمون، فلا يسافر ذو الحاجة فرسخاً أو ميلاً إلا كان أن يرجع
стр. 282
مسلوباً أو قتيلاً" (١).
خامسا: أن حال نجد من الناحية الدينية، قد وقعت فيها الانحرافات العقدية، من خلال أمثلة ظاهرة وحكايات واقعة، مثل اتخاذ القبور مساجدَ كقبر زيد بن الخطاب (٢) وضرار بن الأزور ﵄ ونحوها من قبور أخرى تنسب للصحابة ﵃، والتعلّق بالأشجار والتبرك بها كشجرة الطرفية والفحّال وشجرة الذيب وشجرة أبي دجانة، والتبرك بغار بنت الأمير بالدرعية (٣).
وكذا الافتتان بالطواغيت والغلو في أدعياء الولاية والصلاح (٤)، وكذا استفحال البدع العملية (٥).
وقد حكى الإمام محمد بن عبد الوهاب هذا الواقع المظلم في عدة مواضع من رسائله، فقد ذكر هؤلاء الطواغيت وغلّظ عليهم وحذّر منهم، وساق نماذج من البدع والمحدثات الواقعة في نجد، كما بيّن حال الأعراب آنذاك وأنهم "يكذبون بالبعث وينكرون الشرائع، ويزعمون أن شرعهم الباطل هو حق الله، ولو طلب أحد منهم خصمه أن يخاصمه عند شرع الله لعدوه من أنكر المنكرات، بل من حيث الجملة إنهم يكفرون بالقرآن من أوله وآخره ويكفرون بدين الرسول كله" (٦).
وأن هذا الأمر معلوم عند الخاص والعام، وأن المعاند لا يقدر أن يقول عن ما عليه
стр. 283
البوادي أو أكثرهم " كلهم مشاهيرهم والأتباع إنهم مقرون بالبعث، ولا يشكون فيه، ولا يقدر أن يقول إنهم يقولون إن كتاب الله عند الحضر، وأنهم عايفينه، ومتبعون ما أحدث آباؤهم مما يسمونه الحق، ويفضلونه على شريعة الله، فإن كان للوضوء ثمانية نواقض، ففيهم من نواقض الإسلام أكثر من المائة ناقض .. " (١).
فكان واقع نجد " قبل هذا الشيخ المجدد لم يبق منه إلا الدعوى والاسم، فوقعنا في الشرك، فقد ذبحنا للشياطين، ودعونا الصالحين، ونأتي الكهان، ولا نفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ولا بين توحيد الربوبية الذي أقرّ به مشركوا العرب، وتوحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل، ولا نفرق بين السنة والبدعة … والشرك بالله يخطب به على منابرنا … وكذلك تعطيل الصفات .. " (٢).
فبادية "نجد عموماً كانت تعيش في جاهلية جهلاء، فهي لا تعرف الشعائر الإسلامية من صلاة وزكاة وصيام وحج، وكانت تتحاكم فيما بينها بأعراف وتقاليد لا تمّت إلى الأحكام الإسلامية بصلة، ويتضح فيها الجور من جهة، والتساهل في إحقاق الحق من جهة أخرى" (٣).
بل حتى الشعراء قد صوروا ذلك الواقع، يقول راشد الخلاوي (٤):
فإن سلت قومي يا منيع فلا تسل … أحجار وأشجار يعبدون خايبه
عصاة قساة من حديد قلوبهم … فلو أنهم من صمّ الأحجار ذايبه
فلا عندهم إلا إبليس عقيدهم … فالبعض ابن له والبعض شايبه
تخليت عن قومي محا الله دارهم … واهمي عليهم من نوامي نوايبه
стр. 284
تخليت عنهم يومهم غار دينهم … ومن غار عنه الدين غارت مشاربه (١)
سادسا: أن حال العالم الإسلامي قبل دعوة الإمام محمد مثل حال نجد في ظهور الشرك والبدع؛ بل أشد، ففي بلاد مصر - مثلاً - يذكر علي باشا مبارك (ت: ١٣١١ هـ): أنه كان في زمنه في القاهرة وحدها مائتان وأربعة وتسعون ضريحاً (٢)!!. وقبله ذكر المؤرخ الجبرتي أن أغنى الناس في مصر وأعظمهم ثراءً في وقته هم سدنة القبور والأضرحة (٣)!
أما في بلاد الشام فيذكر عبد الرحمن بك سامي: أن في دمشق وضواحيها فقط مائةً وأربعة وتسعين ضريحاً ومزاراً. وكان ذلك عام (١٨٩٠ م) (٤).
وأما في العراق فقد ذكر محمد رؤوف: أنه في أول القرن الرابع عشر الهجري كان يوجد في بغداد مائة وخمسون جامعاً، قلَّ أن يخلو جامعٌ منها من ضريح! (٥).
وفي بلدة الموصل أكثر من ستة وسبعين ضريحاً مشهوراً!. (٦).
وكان أهل بغدد يتبركون بمدفع قديم من بقايا العثمانيين (٧). و"كانوا يعتقدون في هذا المدفع اعتقاد الجاهلية في اللات والعُزَّى ومناة الثالثة الأخرى"! (٨).
وأما في بلاد المغرب، فإن القبائل هناك قاموا بثورة عارمة ضد المحتلين الأسبان فقط عندما بنوا مركز حراسة قرب ضريح لأحد الأولياء! (٩).
وأما مكة المكرمة، فإن "النجديين بعد دخولهم لمكة هدمُوا فيها ما يزيد على ثمانين قبة
стр. 285
فاخرة مبنية على قبور وأضرحة منسوبة لآل بيت النبوة" (١).
وأما في اليمن فإن كثيراً من العوام بل وبعض الخواص أيضاً غلوا في الصالحين حتى صاروا: "يدعونهم تارةً مع الله وتارةً استقلالاً، ويصرخون بأسمائهم ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع ويخضعون لهم خضوعاً زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي ربهم في الصلاة والدعاء" (٢)؛ وذلك لأن: " كثيراً مما يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركاً قد يخفى على كثيرٍ من أهل العلم؛ وذلك لا لكونه خفياً في نفسه، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر، وكونه قد شاب عليه الكبير، وشبَّ عليه الصغير وهو يرى ذلك ويسمعه، ولا يرى ولا يسمع من ينكره، بل ربما سمع من يُرَغِّب فيه ويندب الناس إليه" (٣).
فهذا واقع العالم الإسلامي - بما فيه نجد-، وهو يبين لك إنتشار الشرك، ويؤكد على أن دعوة الإمام ﵀ كانت لمحاربة الشرك وأهله.
سابعا: قول عبد الله المالكي في أثر التحالف بين الإمام محمد بن سعود والإمام محمد بن عبد الوهاب، وما ترتب عليه -حسب زعمه- من أثريين سياسيين، وهما: تبني الحاكم لمذهب الفقيه (الحليف) والإنحياز له بشكل مطلق ودعمه ونشر دعوته ومناصرته في مقابل المذاهب والأفكار الدينية الأخرى، … والأثر الثاني: وهو أن يقوم الفقيه (الحليف) بدعم ذلك الحاكم السياسي …
فإن تبني الحاكم لمذهب الفقيه ودعمه ونشر دعوته ومناصرته إذا كان موافقا للكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح منقبة ومزية لهذا الحاكم، أما المذاهب الأخرى المخالفة للحق فإنه لا بد من ردها وإنكارها. والشأن كل الشأن في موافقة المذهب للحق.