والعباسية، وتاريخ الأيوبيين، والمماليك في مصر، ثم تاريخ العثمانيين الذين جاءوا بعدهم وورثوهم أن نعثر على اسم والٍ، أو حاكم أرسله هؤلاء، أو أولئك أو أحدهم إلى نجد فلم نقع على شيء" (١).
فنجد لم تشهد نفوذاً عثمانياً كسائر البلدان، ومن خلال وثيقة تركية سجلت سنة ١٠١٨ هـ، وتحوي أسماء الأقاليم العربية التابعة للدولة العثمانية، إلا أن نجداً ليست منها (٢).
فنجد قبل دعوة الإمام في فتن وحروب، فإنه "لما حلّت سنة ٩٢٣ هـ وظهرت الدولة العثمانية على المسرح السياسي في جزيرة العرب -وإن كانت الجزيرة العربية لم تشمل بالحكم العثماني المباشر- كان كل قطر من أقطار الجزيرة العربية مستقلاً بذاته، ولاسيما نجد فقد كانت العصبيات فيها قائمة على قدم وساق، لكل عشيرة دولة .. " (٣).
فنجد "لم تشهد نفوذاً مباشراً للعثمانيين عليها قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما أنها لم تشهد نفوذاً قويّاً يفرض وجوده على سير الحوادث داخلها لأية جهة كانت" (٤).
بل كانت نجد في فتن وحروب، ونزاعات بين القبائل والبلدان، ونزاعات سياسية، ونقص في المعايش والأرزاق، كما جاء في عنوان المجد: "أما السنون التي سبقت قيامهم - أي دعوة الإمام-، فغلب فيها الضلال والجهل والظلم، وفتن كقطع الليل المظلم، وقتال بين أهل كل بلد عدواناً وحمية جاهلية، وتحالف وتفازع وعصبية، وكل بلد فيها رئيس فأكثر لايزال يقع بينهم الشرّ، تارة يتقاتلون وتارة يتسالمون، فلا يسافر ذو الحاجة فرسخاً أو ميلاً إلا كان أن يرجع
стр. 282
مسلوباً أو قتيلاً" (١).
خامسا: أن حال نجد من الناحية الدينية، قد وقعت فيها الانحرافات العقدية، من خلال أمثلة ظاهرة وحكايات واقعة، مثل اتخاذ القبور مساجدَ كقبر زيد بن الخطاب (٢) وضرار بن الأزور ﵄ ونحوها من قبور أخرى تنسب للصحابة ﵃، والتعلّق بالأشجار والتبرك بها كشجرة الطرفية والفحّال وشجرة الذيب وشجرة أبي دجانة، والتبرك بغار بنت الأمير بالدرعية (٣).
وكذا الافتتان بالطواغيت والغلو في أدعياء الولاية والصلاح (٤)، وكذا استفحال البدع العملية (٥).
وقد حكى الإمام محمد بن عبد الوهاب هذا الواقع المظلم في عدة مواضع من رسائله، فقد ذكر هؤلاء الطواغيت وغلّظ عليهم وحذّر منهم، وساق نماذج من البدع والمحدثات الواقعة في نجد، كما بيّن حال الأعراب آنذاك وأنهم "يكذبون بالبعث وينكرون الشرائع، ويزعمون أن شرعهم الباطل هو حق الله، ولو طلب أحد منهم خصمه أن يخاصمه عند شرع الله لعدوه من أنكر المنكرات، بل من حيث الجملة إنهم يكفرون بالقرآن من أوله وآخره ويكفرون بدين الرسول كله" (٦).
وأن هذا الأمر معلوم عند الخاص والعام، وأن المعاند لا يقدر أن يقول عن ما عليه
стр. 283
البوادي أو أكثرهم " كلهم مشاهيرهم والأتباع إنهم مقرون بالبعث، ولا يشكون فيه، ولا يقدر أن يقول إنهم يقولون إن كتاب الله عند الحضر، وأنهم عايفينه، ومتبعون ما أحدث آباؤهم مما يسمونه الحق، ويفضلونه على شريعة الله، فإن كان للوضوء ثمانية نواقض، ففيهم من نواقض الإسلام أكثر من المائة ناقض .. " (١).
فكان واقع نجد " قبل هذا الشيخ المجدد لم يبق منه إلا الدعوى والاسم، فوقعنا في الشرك، فقد ذبحنا للشياطين، ودعونا الصالحين، ونأتي الكهان، ولا نفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ولا بين توحيد الربوبية الذي أقرّ به مشركوا العرب، وتوحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل، ولا نفرق بين السنة والبدعة … والشرك بالله يخطب به على منابرنا … وكذلك تعطيل الصفات .. " (٢).
فبادية "نجد عموماً كانت تعيش في جاهلية جهلاء، فهي لا تعرف الشعائر الإسلامية من صلاة وزكاة وصيام وحج، وكانت تتحاكم فيما بينها بأعراف وتقاليد لا تمّت إلى الأحكام الإسلامية بصلة، ويتضح فيها الجور من جهة، والتساهل في إحقاق الحق من جهة أخرى" (٣).
بل حتى الشعراء قد صوروا ذلك الواقع، يقول راشد الخلاوي (٤):
فإن سلت قومي يا منيع فلا تسل … أحجار وأشجار يعبدون خايبه
عصاة قساة من حديد قلوبهم … فلو أنهم من صمّ الأحجار ذايبه
فلا عندهم إلا إبليس عقيدهم … فالبعض ابن له والبعض شايبه
تخليت عن قومي محا الله دارهم … واهمي عليهم من نوامي نوايبه
стр. 284
تخليت عنهم يومهم غار دينهم … ومن غار عنه الدين غارت مشاربه (١)
سادسا: أن حال العالم الإسلامي قبل دعوة الإمام محمد مثل حال نجد في ظهور الشرك والبدع؛ بل أشد، ففي بلاد مصر - مثلاً - يذكر علي باشا مبارك (ت: ١٣١١ هـ): أنه كان في زمنه في القاهرة وحدها مائتان وأربعة وتسعون ضريحاً (٢)!!. وقبله ذكر المؤرخ الجبرتي أن أغنى الناس في مصر وأعظمهم ثراءً في وقته هم سدنة القبور والأضرحة (٣)!
أما في بلاد الشام فيذكر عبد الرحمن بك سامي: أن في دمشق وضواحيها فقط مائةً وأربعة وتسعين ضريحاً ومزاراً. وكان ذلك عام (١٨٩٠ م) (٤).
وأما في العراق فقد ذكر محمد رؤوف: أنه في أول القرن الرابع عشر الهجري كان يوجد في بغداد مائة وخمسون جامعاً، قلَّ أن يخلو جامعٌ منها من ضريح! (٥).
وفي بلدة الموصل أكثر من ستة وسبعين ضريحاً مشهوراً!. (٦).
وكان أهل بغدد يتبركون بمدفع قديم من بقايا العثمانيين (٧). و"كانوا يعتقدون في هذا المدفع اعتقاد الجاهلية في اللات والعُزَّى ومناة الثالثة الأخرى"! (٨).
وأما في بلاد المغرب، فإن القبائل هناك قاموا بثورة عارمة ضد المحتلين الأسبان فقط عندما بنوا مركز حراسة قرب ضريح لأحد الأولياء! (٩).
وأما مكة المكرمة، فإن "النجديين بعد دخولهم لمكة هدمُوا فيها ما يزيد على ثمانين قبة
стр. 285
فاخرة مبنية على قبور وأضرحة منسوبة لآل بيت النبوة" (١).
وأما في اليمن فإن كثيراً من العوام بل وبعض الخواص أيضاً غلوا في الصالحين حتى صاروا: "يدعونهم تارةً مع الله وتارةً استقلالاً، ويصرخون بأسمائهم ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع ويخضعون لهم خضوعاً زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي ربهم في الصلاة والدعاء" (٢)؛ وذلك لأن: " كثيراً مما يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركاً قد يخفى على كثيرٍ من أهل العلم؛ وذلك لا لكونه خفياً في نفسه، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر، وكونه قد شاب عليه الكبير، وشبَّ عليه الصغير وهو يرى ذلك ويسمعه، ولا يرى ولا يسمع من ينكره، بل ربما سمع من يُرَغِّب فيه ويندب الناس إليه" (٣).
فهذا واقع العالم الإسلامي - بما فيه نجد-، وهو يبين لك إنتشار الشرك، ويؤكد على أن دعوة الإمام ﵀ كانت لمحاربة الشرك وأهله.
سابعا: قول عبد الله المالكي في أثر التحالف بين الإمام محمد بن سعود والإمام محمد بن عبد الوهاب، وما ترتب عليه -حسب زعمه- من أثريين سياسيين، وهما: تبني الحاكم لمذهب الفقيه (الحليف) والإنحياز له بشكل مطلق ودعمه ونشر دعوته ومناصرته في مقابل المذاهب والأفكار الدينية الأخرى، … والأثر الثاني: وهو أن يقوم الفقيه (الحليف) بدعم ذلك الحاكم السياسي …
فإن تبني الحاكم لمذهب الفقيه ودعمه ونشر دعوته ومناصرته إذا كان موافقا للكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح منقبة ومزية لهذا الحاكم، أما المذاهب الأخرى المخالفة للحق فإنه لا بد من ردها وإنكارها. والشأن كل الشأن في موافقة المذهب للحق.
стр. 286
وكذا مناصرة الفقيه للحاكم والسمع والطاعة له وعدم الخروج عليه ومساندته من عقيدة السلف الصالح، كما سبق بيانه في المبحث الثاني، وفي الدعوى الثانية من هذا الفصل.
ثم قول الكاتب: " في مقابل المذاهب والأفكار الدينية الأخرى "، ليت الكاتب بين لنا مراده بالمذاهب والأفكار الدينية الأخرى؛ لأن الكلام المجمل يحتمل معاني كثيرة؛ فهل يقصد المذاهب الفقهية الأربعة المعروفة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، وهي موجودة -ولله الحمد- في هذا البلاد، وتدرس في الحرمين، ومن أعضاء هيئة كبار العلماء من ينتسب لها. أو يقصد مذاهب الخوارج والرافضة أو الأفكار الليبرالية وغير ذلك. فالإجمال والإطلاق هو سلاح أهل الأهواء ومنهجهم، والبيان والتفصيل والتصريح هو سبيل أهل السنة والحق. فأهل الأهواء يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين (١).
قال ابن حزم (٢) ﵀: "والكلام إذا أُجمل اندرج فيه تحسين القبيح وتقبيح الحسن، ألا ترى لو أن قائلاً قال: إن فلاناً يطأ أخته! لفحش ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فُسّر فقال: هي أخته في الإسلام ظهر فُحش هذا الإجمال وقبحه" (٣).
فلم يقل ابن حزم: حتى إذا فسّر زال الحرج والملام؛ بل قال: حتى إذا فسّر ظهر فحش هذا الإجمال وقبحه.
ثامنا: استدلال عبد الله المالكي على أن دعوة الإمام ﵀ حركة سياسية بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب كان يبشر الإمام محمد بن سعود بالعز والتمكين إذا عمل بالدعوة: "أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين"، "من تمسك وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد"،
стр. 287
"فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك".
فإن الله قد وعد بالعز والتمكين لمن وحده سبحانه، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥]؛ بل إن الرسول ﷺ قال لقريش: قولوا: لا إله إلا الله، تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم، وعاقد الأنصار (١) كما عاقد الإمام محمد بن عبد الوهاب الإمام محمد بن سعود.
وكان النبي ﷺ يبشر أصحابه بالعز والتمكين والنصر في أحاديث كثيرة، فعن تميم الداري ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله»، وكان تميم الداري ﵁، يقول: " قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية" (٢). فهل كانت دعوة النبي ﷺ حركة سياسية.
تاسعا: قول عبد الله المالكي بعد ذكره للشرط الثاني للإمام محمد بن سعود على الإمام محمد بن عبد الوهاب بأخذ الأتاوه على أهل الدرعية، وموافقة الإمام محمد بن عبد الوهاب له-- حسب زعمه-، وأن هذا الشرط هو الذي جعل الإمام محمد بن عبد الوهاب يسكت عن " عن بعض أخطاء الأمير وتجاوزاته الأخلاقية … ".
فإن الكاتب ذكر قول الإمام محمد بن عبد الوهاب: " فأجابه الشيخ بقوله: "لعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها" (٣).
стр. 288
وهذا يدل على أن الإمام محمد بن عبد الوهاب لم يوافقه على طلبه؛ بل صرفه عنه، وذكر له أن الله سيعوضه ما هو خير منه.
أما الرواية الأخرى، والتي فيها أن الإمام قال للأمير: "نعم أنا أبقيك على ما أنت عليه من أكل الحرام، وأنت تتركني أسكن عندك وأقوّم الدين، فرضي ابن سعود بذلك" (١).
فهذا النقل -كما قال الكاتب- عن مؤلف مجهول، وهذا الكتاب " كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب" لم يعرف كاتبه حتى الآن (٢).
قال د. عبد الله العثيمين ﵀: " لم يذكر في المخطوطة اسم مؤلفها. ولم يذكر فيها ما إذا كانت بخط المؤلف أم بخط أحد النساخ. بل لم يذكر فيها القطر الذي ينتمي إليه ذلك المؤلف، ولا المصادر التي اعتمد عليها في كتابة ما كتب. ودراسة المخطوط لا تمكن الدارس من معرفة مؤلفها" (٣).
ثم إن هذا الأسلوب ليس من أسلوب الإمام ﵀، ولم ينقله عنه أحد غير هذا المؤلف المجهول، وعند وجود أي إشكل في كلام الإمام فينبغي الرجوع فيه إلى أقواله الأخرى، وكلام أئمة الدعوة، الذين هم أعلم الناس بكلام الإمام ﵀؛ فإذا لم ينقلوا عنه هذا الكلام تبين بطلانه.
стр. 289
المطلب الخامس: دعوى مبايعة أتباع دعوة الإمام لداعش
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوى مبايعة أتباع دعوة الإمام بالخلافة لداعش.
يقول فؤاد إبراهيم: "وفي يوم الإعلان عن (الدولة الإسلامية) أو (الخلافة) وتتويج أبي بكر البغدادي، إبراهيم بن عواد البدري خليفة على المسلمين، بادر بعض أتباع المذهب الوهابي في المملكة السعودية إلى مبايعته، على الأقل في العالم الافتراضي، وهنا يكمن السؤال المفتاحي لفهم علاقة (داعش) بالمملكة السعودية، وباتباع المذهب الرسمي فيها" (١).
ويقول في بيان إخلاص "داعش" للعقيدة الوهابية: "إذ ليس هناك من يشكك في إخلاص (داعش) للعقيدة الوهابية الأصلية وتجسيده لتعاليمها، مع اندلاع الخلاف بين (القاعدة) و (داعش) وخروجه للعلن، تكشفت حقيقة الجذور الفكرية لكل منهما، وتبين أن (داعش) هو تنظيم سلفي وهابي خالص، على العكس من (القاعدة) التي تضم بين صفوفها عناصر من تلاوين مذهبية سنية متنوعة" (٢).
ثم ذكر أن (داعش) تقيم الخلافة تحقيقاً للوعد الوهابي، فقال: "إن مرحلة إدارة التوحش تكون تمهيدية لمرحلة التمكين، وأن إدخال السعودية ضمن استراتيجية التغيير يعني أن (داعش) تستعد لتحقيق الوعد الوهابي المؤجل بإقامة الخلافة أو (الإمامة الكبرى)، بحسب تعبير ابن تيمية". ثم ذكر بعض الكتابات والمقالات التي تأيد التفجيرات وترد على من انتقدها …
ثم قال: "إذن، نحن أمام فصل من التجاذب داخل النطاق العقدي الواحد، حيث تنجب الجماعة مولوداً يحمل سماتها الوراثية، ويعتنق المبادئ المؤسسة لخطابها وهويتها ورؤيتها. فأولئك الذين يحاجّون العلماء إنما يصدرون عن ذات فتاوى الجهاد التي جرى تعميمها وتطبيقها خلال عقدين من الزمان" (٣).
стр. 290
ثم ذكر عن بعض كتابات الصحافة السعودية التي تذكر أن داعش نبتة محلية، فقال: "سلسلة مقالات لأكاديميين وإعلاميين حول (داعش) نشرت في الصحف السعودية (١)، تكاد تجمع على حقيقة أنه وبناء على الأيديولوجية المسؤولة عن إنتاج هذا التنظيم يجعله نبتة محلية، وأن الاختلاف يدور حول مدى تغلغله في طبقات المجتمع، وفي أحسن الأحوال إلى أي مدى تجعل من اختراق (داعش) للمجتمع إمكانية راجحة .. ونتوقف هنا عند أبرز ما كتب في هذا الشان" (٢).
ثم نقل بعض النقول عنهم، ثم قال: " إن الدولة الجديدة التي ينتمي إليها المقاتلون السعودية تحمل (رسالة)، وهي نفس الرسالة التي جاء بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعلى أساسها قام حكم آل سعود، مع فارق أن (داعش) تلتزم حرفياً بتلك الرسالة وتطبقها على الأرض، بينما يستغل الحكام السعوديون تلك الرسالة لمآربهم السياسية الخاصة، بحسب رؤية الأشد التصاقاً بالتعاليم الوهابية الأصلية، الأمر الذي يجعل خيار التصادم بين الدولتين راجحا" (٣).
حقيقة هذه الدعوى:
نسبة الخوارج - ومنهم داعش- إلى دعوة الإمام سبقت في الدعوى الأولى من هذا الفصل، لكن في هذه الدعوى الاتهام بمبايعة أتباع دعوة الإمام لجماعة لداعش، ولخطورة هذا الدعوى أفردت بمطلب.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: سبق في الدعوى الأولى أن مجرد دعوى الانتساب لدعوة الإمام أو النسبة إليها لا يكفي في ثبوت الانتساب والانتماء، وإنما لا يتحقق ذلك إلا باتباع منهج الإمام في أقواله
стр. 291
وأعماله والرجوع إلى كتبه وفهمها حسب ما أراد مؤلفها والرجوع إلى العلماء الراسخين في ذلك.
ثانيا: أن فتاوى علماء أهل السنة من أتباع دعوة الإمام في داعش أكثر من أن تحصر، وقد صدرت البيانات في التحذير منهم، وبمجرد أن تكتب في محركات البحث أقوال أو فتاوى أهل العلم في "داعش" تخرج لك هذه الفتاوى من علماء أهل السنة، وخصوصًا علماء هذه البلد - المملكة العربية السعودية-، بل إن الفتاوى كانت تصدر للتحذير من مثل هذه الجماعات وأفكارها وتحديد العقوبات لها قبل ظهورها وبروزها.
ثالثا: أن قرارات أهل العلم وأقوالهم من أتباع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في التحذير من الفكر الضال والتشديد في العقوبة إلى درجة القتل كانت قبل إعلان (داعش)، فإن إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) كان في عام ٢٠١٣ م (١)، وكانت القرارت تصدر قبل ذلك، ومن ذلك قرار هيئة كبار العلماء، رقم ١٤٨، وتاريخ ١٢/ ١/ ١٤٠٩ هـ - وفيه-:
"فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:
أولاً: من ثبت شرعاً أنه قام بعمل من أعمال التخريب والإفساد في الأرض التي تزعزع الأمن بالاعتداء على الأنفس والممتلكات الخاصة أو العامة: كنسف المساكن أو المساجد أو المدارس أو المستشفيات والمصانع والجسور ومخازن الأسلحة والمياه والموارد العامة لبيت المال كأنابيب البترول، ونسف الطائرات أو خطفها ونحو ذلك؛ فإن عقوبته القتل لدلالة الآيات المتقدمة على أن مثل هذا الإفساد في الأرض يقتضي إهدار دم المفسد؛ ولأن خطر هؤلاء الذين يقومون بالأعمال التخريبية وضررهم أشد من خطر وضرر الذي يقطع الطريق فيعتدي على شخص فيقتله أو يأخذ ماله، وقد حكم الله عليه بما ذكر في آية الحرابة.
ثانياً: أنه لا بد قبل إيقاع العقوبة المشار إليها في الفقرة السابقة من استكمال الإجراءات
стр. 292
الثبوتية اللازمة من جهة المحاكم الشرعية وهيئات التمييز ومجلس القضاء الأعلى براءة للذمة واحتياطاً للأنفس، وإشعاراً بما عليه هذه البلاد من التقيد بكافة الإجراءت اللازمة شرعاً لثبوت الجرائم وتقرير عقابها.
ثالثاً: يرى المجلس إعلان هذه العقوبة عن طريق وسائل الإعلام، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه" (١).
كما صدر لها بيان خاص في داعش وغيرها من التنظيمات الارهابية، وجاء فيه: " الإرهاب باعتباره: جريمة تستهدف الإفساد بزعزعة الأمن والجناية على الأنفس والممتلكات الخاصة والعامة …
والإرهاب بهذا التوصيف على النقيض من مقاصد هذا الدين العظيم الذي جاء رحمة للعالمين، ولما فيه صلاح البشر في العاجل والآجل؛ حيث جاءت شريعته بعمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها …
وأن التطرف والإرهاب -الذي يُفسد في الأرض ويُهلك الحرث والنسل- ليس من الإسلام في شيء ...... هذا وإن الإرهاب يُعرّض مصالح الأمة لأعظم الأخطار، ومن زعم أنه من الجهاد فهو جاهل ضال؛ فليس من الجهاد في سبيل الله في شيء …
وبالنظر إلى أعمال الإرهاب، الصادرة عن بعض الجماعات مثل: "داعش" و"القاعدة"، وما يسمى ب"عصائب أهل الحق" و"حزب الله" و"الحوثيين"، أو جرائم الإرهاب التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي، أو الأعمال المجرمة التي تمارسها بعض الفرق والجماعات المنتسبة إلى الإسلام؛ فكلها محرمة ومجرمة؛ لما فيها من هتك للحرمات المعلومة بالضرورة …
فعلى شباب الإسلام التبصر في الأمور، وعدم الانسياق وراء عبارات وشعارات فاسدة، تُرفع لتفريق الأمة وحملها على الفساد، وليست في حقيقتها من الدين؛ وإنما هي من تلبيس الجاهلين والمغرضين … " (٢).
стр. 293
رابعا: أن من أعظم الناس مواجهة لفكر الخوارج والجماعات التكفيرية الداعشية وغيرها في عصرنا الحاضر هم علماؤنا أتباع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ كالإمام عبد العزيز بن باز والعلامة محمد العثيمين -رحمهما الله-، وكذلك المفتي عبد العزيز آل الشيخ والشيخ العلامة صالح الفوزان، والشيخ العلامة عبد الرحمن البراك وغيرهم؛ فكيف يقال بعد ذلك أتباع دعوة الإمام يبايعون داعشا.
قال سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ في بيان نشرته الصحف بعنوان - تبصرة وذكرى - جاء فيه بيان حقيقة داعش والتحذير منها: " أن أفكار التطرف والتشدد والإرهاب الذي يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل ليس من الإسلام في شيء، بل هو عدو الإسلام الأول، والمسلمون هم أول ضحاياه، كما هو مشاهد في جرائم ما يسمّى ب "داعش" و"القاعدة" وما تفرع عنهما من جماعات، وفيهم يصدق قوله ﷺ : «سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة» (١).
وهذه الجماعات الخارجية لا تحسب على الإسلام، ولا على أهله المتمسكين بهديه، بل هي امتداد للخوارج الذين هم أول فرقة مرقت من الدين بسبب تكفيرها المسلمين بالذنوب، فاستحلت دماءهم وأموالهم" (٢).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد - المدرس في المسجد النبوي الشريف - حفظه الله في التحذير من داعش: "فقد ولد في العراق قبل عدة سنوات فرقة أطلقت على نفسها دولة الإسلام بالعراق والشام، واشتهر ذكرها بأربعة حروف هي الحروف الأوائل لهذه الدولة المزعومة فيقال لها: (داعش) "، ثم ذكر شيئا من حالهم، ثم قال: " ومن الخير لهذه الفرقة أن تراجع
стр. 294
نفسها وتؤوب إلى رشدها قبل أن تكون دولتها في مهب الرياح كشأن مثيلاتها التي سبقتها في مختلف العصور". ثم ذكر الواجب على الشباب بأن "يربأوا بأنفسهم عن الانسياق وراء نعيق كل ناعق، وأن يكون الرجوع في كل التصرفات إلى ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ؛ لأن في ذلك العصمة والسلامة والنجاة في الدنيا والآخرة، وأن يرجعوا إلى العلماء الناصحين لهم وللمسلمين … (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان - عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء- حفظه الله، في جواب عن سؤال: " ما قولكم - بارك الله فيكم - فيما يُسمى اليوم بجماعة داعش؟ وكيف أُميز بين الجهاد الشرعي من غيره؟
الجواب: جماعة داعش وغيرهم كل من ضل عن الصراط المستقيم فإنهم من حزب الشيطان؛ إما من الخوارج، وإما من غيرهم من دعاة الضلال، ولا يُقاومون إلا بالعلم النافع.
هؤلاء من الذين قال الله فيهم ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩] هؤلاء يكونون في صف المنافقين، لأنهم يدّعون الإسلام ويعملون ببعض الشعائر الدينية، ولكنهم دُعاة ضلال ولا يقاومون إلا بالعلم النافع والرد على شُبهاتهم وأباطيلهم ودرئها عن المسلمين. ولن تقوم لهم قائمة بإذن الله إذا قام المسلمون بجهادهم وبيان شُبهاتهم وأغاليطهم وردوا عليها، وهذا لا يكون بالهوية وبالحميّة؛ وإنما يكون بالكتاب والسنة والعلم النافع الذي يدمغ الله به الباطل" (٢).
وقال الشيخ الدكتور سعد الشثري - عضو هيئة كبار العلماء - حفظه الله- في لقاء مطول في برنامج - الجواب الكافي في قناة المجد- عن داعش:
"هذا التنظيم لا يمت للإسلام بصلة، وليس لتنظيم الدولة الإسلامية أي تنظير شرعي تأسيسي يبين منهجه العقدي وما صدر عنه؛ إنما يمثل تبريرات جدلية أو تلبيساً على الناس
стр. 295
باستخدام مصطلحات شرعية ليروِّج على السذج الممارسات الهمجية التي يقوم بها حزب البعث المسمّى بالدولة الإسلامية" (١).
خامسا: أن ما يحصل من بعض الأفراد من تصرفات خاطئة، لا تنسب لدعوة الإمام ولا لأتباعها، وإنما تمثل أشخاصها، مع عدم الإقرار بها.
سادسا: أن الكتابات الصحفية التي تقول: إن داعشا نبتة سلفية، كتابات باطلة، ليس عليها دليل، وقد سبق في الدعوى الأولى من هذا الفصل ذكر الفروق بين دعوة الإمام ودعوة الخوارج ومنهم داعش (٢).
وفي هذا خطورة المقالات والكتابات الصحفية التي تلقي الكلام بلا زمام أو خطام، وتتهم هذه الدولة ومنهجها وعلماءها بالدعشنة، وما يترتب على ذلك من استغلال الأعداء لهذا المقالات والكتابات.
стр. 296
المطلب السادس: دعوى أن القول بإمامة المتغلب خروج على الإمام
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوى أن القول بإمامة المتغلب خروج على الإمام، وأن هذا القول من الإمام ﵀ مخالف لقوله بعدم الخروج على الأئمة، وأنه غلو في السمع والطاعة لولى الأمر.
يقول أحمد الكاتب: " وإذا عدنا إلى مرجع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو ابن تيمية فسوف نجد أنه يفتح نافذة واسعة على الثورة والخروج والتمرد على الإمام، أي إمام، ويعطي لصاحب كل قوة أن يتمرد على الإمام؛ لأنه أساساً يعقد الإمامة لمن غلب، بغض النظر عن توفر الشروط الشرعية فيه أو اختياره عبر أهل الحل والعقد، خاصة إذا التزم الخارجي المتغلب بالشريعة الإسلامية أو أخذ على الإمام القائم عدم التزامه بالشريعة، وذلك لأن ابن تيمية اعتبر الخروج الحقيقي هو الخروج على الشريعة لا على الإمام، وبذل قصارى جهده لتحويل الأنظار من شخص (الإمام) إلى (الشريعة). ولم يكن (الإمام) في نظره يشكل مركز الشرعية، وإنما الشريعة هي المعيار لشرعية أي نظام. وقد اختلف بذلك مع عامة الفقهاء السنة السابقين الذين كانوا يضفون على الحاكم نوعاً من القدسية والشرعية ويحرّمون الخروج عليه" (١).
ثم يقول: " وإذا كان ابن تيمية قد توصل إلى جواز الخروج ووجوب الثورة واستعمال القوة ضد من يمتنع عن الالتزام بالشريعة الإسلامية، رغم عدم قوله بكفر الأمة، فقد كان من الأولى بمحمد بن عبد الوهاب الذي قال بارتداد الأمة جمعاء، أن يرفض أي التزام بوحدتها القائمة أو الخضوع لإمام (الأمة الكافرة)، وأن يقوم بالخروج على الدولة الإسلامية، وأن لا يجد بالطبع في أحاديث وجوب الطاعة للإمام، أي معنى. ولذلك لم يعد لديه أي التزام بالطاعة للدولة العثمانية، أو المحافظة على الجماعة، إذ أن الجماعة في مفهومه هي (جماعة التوحيد) الوهابية فقط، وهم وحدهم: (أهل الحق والمسلمون)، الذين يجب أن يدخل الآخرون في طاعتهم وجماعتهم.
стр. 297
وفي الوقت الذي كان يفترض أن يتصدى الشيخ محمد بن عبد الوهاب بنفسه لقيادة الحركة أو الدولة الوهابية أو (الأمة الإسلامية الجديدة) التي كان يبنيها بيديه، كما يفعل أي ثائر يجمع أنصاره ويقود الثورة ليؤسس النظام الجديد الذي يريد، ويجعل نفسه قائداً لذلك النظام الثوري .. لكن الشيخ لسبب أو لآخر، فضَّل الاتفاق مع بعض الأمراء المحليين في نجد، ومبايعتهم بشرط النصرة" (١).
ويقول أيضًا في الدعوة إلى طاعة الإمام في ظل الدعوة الوهابية وتحريم الخروج عليه: "وإضافة إلى إيمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب بشرعية الحاكم المتغلب والقاهر، ورفضه للشورى، كان يدعو الناس إلى طاعة الإمام في ظل الدولة الوهابية والتسليم له، ويحرم الثورة عليه، بغض النظر عن طبيعة سياسته وسلوكه، إذ يقول: (أرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله) (٢)، و (إن من تمام الاجتماع: السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبداً حبشياً) (٣). ويقول: (من ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة، وجبت طاعته وحرم الخروج عليه) (٤)، وذلك ضمن السياق العام للموقف السني المدعوم بروايات كثيرة حول الموضوع.
وعلى رغم وجود رأي لابن تيمية يجيز الخروج على أي حاكم، بشرط الالتزام بالشريعة الإسلامية، وعدم إدانته للخروج بصورة عامة إلا إذا كان خروجاً على الشريعة، فإن الفكر السياسي الوهابي، بعد إقامة الدولة السعودية، غض الطرف عن ذلك الرأي وعاد ليتمسك بالرأي السني القديم الذي يحرم الخروج على الحاكم بصورة مطلقة.
وكانت فكرة الطاعة المطلقة للإمام قد ارتبطت من قبل، في الفكر السياسي السلفي (السني)، بنظرية شرعية إمامة المتغلب بغض النظر عن تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة أو الالتزام بالقانون، وتهميش دور الأمة في عملية الإصلاح الاجتماعي أو المعارضة السياسية،
стр. 298
وترك المجال السياسي للأمراء والحكام يتصارعون فيه فيما بينهم حتى يغلب أحدهم على الآخر. وقد أضاف الفكر الوهابي إلى ذلك وجوب التسليم والخضوع لأئمة الدعوة الوهابية من قبل أبناء الحركة، فضلاً عن عامة الناس" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى لها تعلق بدعوى الخروج على الأئمة، والقول بأن إمامة المتغلب يعتبر خروجا على الإمام، وعليه فإن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب تعتبر خروجا على الأئمة، كما أن فيها غلوا في السمع والطاعة لولاة الأمر.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: سبق الكلام على مسألة الخروج على الأئمة والغلو في السمع والطاعة لولاة الأمور في المبحث الثاني في عقيدة أهل السنة والجماعة في الإمامة، وفي الدعوى الثالثة من هذا الفصل.
ثانيا: أن عقيدة أهل السنة والجماعة في إمامة المتغلب بالاستيلاء ولو كان فاسقًا، فإنه يعتبر إماماً؛ لينتظم شمل المسلمين (٢). ولا يجوز الخروج عليه؛ لما في الخروج على من ثبتت إمامته بالقهر من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وإذهاب أموالهم (٣).
قال علي بن أبي طالب ﵁: «لا بد للناس من إِمارة؛ برة كانت أو فاجرة، قيل له: هذه البرة عرفناها فما بال الفاجرة؟! قال: يُؤَمَّن بها السبل، وتقام بها الحدود، ويجاهَد بها العدو، ويقسَّم بها الفيء» (٤).
وحكى الإجماع على ذلك أبو الحسن الأشعري ﵀ حيث قال: "وأجمعوا على السمع
стр. 299
والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل من ولي شيئًا من أمورهم عن رضىً أو غلبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل، وعلى أن يغزوا معهم العدو، ويحج معهم البيت، وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها ويصلى خلفهم الجمع والأعياد" (١).
وكذلك نقل الإجماع الحافظ ابن حجر الشافعي (٢) ﵀ فقال: "وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء" (٣).
قال الامام الشافعي ﵀: "كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجمع الناس عليه فهو خليفة" (٤).
وقال الإمام أحمد ﵀: "ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين" (٥).
وقال ابن عابدين (٦) الحنفي ﵀: "الإمام يصير إماما بالمبايعة أو بالاستخلاف ممن قبله. قوله: (يصير إماما بالمبايعة) وكذا باستخلاف إمام قبله، وكذا بالتغلب والقهر كما في شرح المقاصد" (٧).
стр. 300
وقال ابن أبي زيد القيرواني (١) المالكي ﵀ ": فمما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة، ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة … ثم قال: والسمع والطاعة لأئمة المسلمين، وكل من ولي من أمر المسلمين عن رضا أو عن غلبة، فاشتدت وطأته من بر أو فاجر، فلا يخرج عليه جار أم عدل … ثم قال: وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول الإمام مالك، فمنه منصوص من قوله ومن معلوم من مذهبه" (٢).
وقال ابن حجر الهيتمي (٣) الشافعي ﵀: " المتغلب يصير كالحاكم لدفع المفاسد المتولدة بالفتن لمخالفته" (٤).
وقال موفق الدين ابن قدامة الحنبلي (٥) ﵀: "ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بالسيف حتى صار الخليفة وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين" (٦).
وقال أيضا: " ولو خرج رجل على الإمام فقهره وغلب الناس بسيفه حى أقروا له وأذعنوا بطاعته وتابعوه صار إمامًا يحرم قتاله، والخروج عليه، … وذلك لما فِي الخروج عليه من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم … فمن خرج على من ثبتت إمامته بأحد هذه الوجوه
стр. 301
باغيًا وجب قتاله" (١).
وعقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه في الإمامة هي عقيدة أهل السنة والجماعة، يقول ﵀: "الأئمة مجمعون من كل مذهب، على أن من تغلب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا، ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرف أن أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم" (٢).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (٣) ﵀: "وأهل العلم .. متفقون على طاعة من تغلب عليهم في المعروف، يرون نفوذ أحكامه، وصحة إمامته، لا يختلف في ذلك اثنان، ويرون المنع من الخروج عليهم بالسيف وتفريق الأمة، وإن كان الأئمة فسقة ما لم يروا كفراً بواحاً ونصوصهم في ذلك موجودة عن الأئمة الأربعة وغيرهم وأمثالهم ونظرائهم" (٤).
ثالثا: أن مقصود الإمامة الشرعية لا يتغير مهما تغيرت طرق تنصيب الإمام، فالإمامة تثبت بالاختيار والاستخلاف والتغلب، لكن مقصود الإمامة الذي هو الغاية من وجود الإمام نص عليه العلماء نصوصًا واضحة تثبت أن المقصود ليس شخص الإمام، وإنما ما يُناط به من أحكام ولذلك ذكروا أن "الإمامة خلافة عن النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" (٥).
قال الجويني ﵀ عن الإمامة بأنها: " رياسة تامة، وزِعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، مهمتُها حفظ الحَوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف،
стр. 302
وكفُّ الحنف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحِقين" (١).
وقال النووي ﵀: "لابد للأمة من إمام يقيم الدين وينصر السنة وينتصف للمظلومين ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها" (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالمقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم" (٣).
فالراعي "ليس مطلوبًا لذاته، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك؛ فينبغي أن لا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه" (٤).
وقال الشوكاني (٥) ﵀: "والحاصل أن الغرض المقصود للشارع من تنصيب الأئمة هو أمران: أولهما: وأهمهما إقامة منار الدين وتثبيت العباد على صراطه المستقيم ودفعهم عن مخالفته والوقوع في مناهيه طوعًا وكرهًا، وثانيهما: تدبير المسلمين في جلب مصالحهم ودفع المفاسد عنهم … " (٦).
رابعا: أن التغلب مقيد بهذا المقصود - وهو رعاية الأمة وحفظ الدين- وإلا لم يكن لوجود الإمام معنى إلا وجود صورته دون الغاية التي أمر الشرع بالقيام بها، قال الماوردي (٧) ﵀: "وأما إمارة الاستيلاء التي تُعقد عن اضطرار؛ فهي أن يستولي الأمير بالقوة
стр. 303
على بلاد يُقلده الخليفة إمارتَها، ويفوض إليه تدبيرها وسياستها، فيكون الأمير باستيلائه مستبدًّا بالسياسة والتدبير، والخليفة بإذنه منفذًا لأحكام الدين؛ ليخرج من الفساد إلى الصحة ومن الحظر إلى الإباحة، وهذا وإن خرج عن عرف التقليد المطلق في شروطه وأحكامه؛ ففيه من حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يُترك مختلاً مخذولاً، ولا فاسدًا معلولاً … ". ثم ذكر ما يجب على المستولي، ثم قال: "فهذه سبع قواعد في قوانين الشرع يحفظ بها حقوق الإمامة وأحكام الأمة، فلأجلها وجب تقليد المستولي" (١).
وقال الجويني ﵀ في كلامه عن المتغلب: "فلا وجه لتعطيل الزمان عن وال يذب عن بيضة الإسلام، ويحمي الحوزة".
وقال: "فإن تأخير ما يتعلق بالأمر الكلي في حفظ خطة الإسلام تحريمه واضح بيّن".
وقال: "يجب على الناس اتباعُه لتعينه لهذا المنصب، ومسيس الحاجة إلى وَزَرٍ (٢) قوّام يرمق في أمر الدين والدنيا".
وقال: "فيجب العقد له؛ لما فيه من تقرير غرض الإمامة وإقامة حقوقها، وتسكين الفتنة الثائرة وتطفية النائرة (٣) " (٤).
خامسا: أن قول الإمام ﵀ بوجوب طاعة المتغلب ليس فيه ما يدل على أن الإمام يوجب طاعته في كل ما يأمر به، بل نصوص الإمام واضحة في عدم الطاعة في معصية الله، -كما سبق بيانه في الدعوى الثانية والثالثة من هذا الفصل- وذلك أن الإمام ﵀ رأى أن في استقامة أمور المسلمين وانتظام حالهم من المصالح الكبرى ما تُحتمل معه هذه المفسدة.
وهو يدل على فقه الإمام ﵀ من امتثال أمر الرسول ﷺ ومراعاة مصالح الناس
стр. 304
وانتظام أحوالهم، وإعمال قاعدة المصالح والمفاسد، وتطبيق للسياسة الشرعية، وموافقة لكلام ومنهج السلف الصالح (١).
سادسا: قول أحمد الكاتب بأن مرجعية الإمام محمد بن عبد الوهاب هو شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن ابن تيمية ﵀: " يفتح نافذة واسعة على الثورة والخروج والتمرد على الإمام، أي إمام، ويعطي لصاحب كل قوة أن يتمرد على الإمام؛ لأنه أساساً يعقد الإمامة لمن غلب … "
ثم قوله بأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " قد توصل إلى جواز الخروج ووجوب الثورة واستعمال القوة ضد من يمتنع عن الالتزام بالشريعة الإسلامية … ".
فمتى كان هذا الكاتب الشيعي (٢) يقبل اجتهاد أئمة الإسلام، وهو يرفض أقوال الصحابة ﵃!
ثم ما ذكره عن شيخ الإسلام ﵀ كلام باطل، ولم يذكر نقلا واحدا يؤيد ذلك (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لا يخالف عقيدة السلف ﵏ في السمع والطاعة لولاة الأمر وعدم الخروج عليهم، حيث قال: "فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال" (٤).
وقال أيضا: " إن الحاكم إذا ولاه ذو الشوكة لا يمكن عزله إلا بفتنة، ومتى كان السعي في عزله مفسدة أعظم من مفسدة بقائه لم يجز الإتيان بأعظم الفسادين لدفع أدناهما، وكذلك الإمام الأعظم، ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة
стр. 305
وقتالهم بالسيف؛ وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ ؛ لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته" (١).
وقال أيضا: " الصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة" (٢).
وقال أيضا: "وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرف من عادات أهل السنة والدين قديماً وحديثاً، ومن سيرة غيرهم" (٣). وغيرها من النقول الكثيرة.
سابعا: أن الكاتب قد نقل كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب في السمع والطاعة لولاة الأمر وتحريم الخروج عليهم، ثم أعقبه بقوله: " وذلك ضمن السياق العام للموقف السني المدعوم بروايات كثيرة حول الموضوع".
وهذا يدل على أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لا يخالف الموقف السني المدعوم بروايات كثيرة حول الموضوع.
ويدل كذلك على معرفة الكاتب بالموقف السني المدعوم بروايات كثيرة حول الموضوع؛ فلماذا لا يلتزم به، ويدعو إليه؟!
стр. 306
الفصل الثالث
الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: المراد بالتكفير والقتال.
المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التكفير والقتال.
المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال والجواب عنها.
стр. 307
المبحث الأول: المراد بالتكفير والقتال
تعريف الكفر:
الكفر لغة: مصدر كَفَر يكْفُر كُفُوراً وكُفْراناً (١)، يقول ابن فارس ﵀: " الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية … والكفر: ضد الإيمان، سمي لأنه تغطية الحق" (٢).
والكَفر: بالفتح: الستر والتغطية، يقال: كَفَر الزارع البذر في الأرض: إذا غطاه بالتراب. وبالضم: ضد الإيمان، وكفر نعمة الله وبها كُفُوراً وكفراناً: جحدها، وسترها، وكافرَه حقَه: جحده، والمكفَّرُ كَمُعَظَّم: المجحود النعمة مع إحسانه، وكافرٌ جاحدٌ لأنْعُم الله تعالى (٣).
قال الراغب الأصبهاني ﵀: "الكفر في اللغة ستر الشي" (٤).
وأما في الشرع: فالكفر ضد الإيمان (٥)، وعن الليث ﵀ أنه "نقض الايمان" (٦)، وقيل: " جحد ما لا يتم الإسلام بدونه" (٧).
وقال الراغب الأصبهاني ﵀: "والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة أو ثلاثتها" (٨).
قال ابن حزم ﵀ في تعريف الكفر: "جحد الربوبية أو جحد نبوة نبي من الأنبياء
стр. 308
صحت نبوته في القرآن أو جحد شيئا مما أتى به رسول الله ﷺ مما صح عند جاحده بنقل الكافة، أو عمل شيء قام البرهان بأن العمل به كفر" (١).
وقال القرافي ﵀: "أصل الكفر إنما هو: إنتهاك خاص لحرمة الربوبية، إما بالجهل بوجود الصانع أو صفاته العلا، ويكون الكفر بالفعل كرمي المصحف في القاذورات، أو السجود للصنم، أو التردد للكنائس في أعيادهم بزي النصارى، ومباشرة أحوالهم، أو جحد ما علم من الدين بالضروره" (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين سواء اعتقد نقيضه وتكلم به أو لم يعتقد شيئا ولم يتكلم، ولا فرق فى ذلك" (٣).
وقال أيضاً: " الكفر عدم الايمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب؛ بل شك وريب أو إعراض عن هذا كله، حسدا أو كبرا أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة" (٤).
وقال ابن القيم ﵀: "الكفر جحد ما علم أن الرسول جاء به سواء كان من المسائل التي تسمونها علمية أو عملية، فمن جحد ما جاء به الرسول صلى الله علية وسلم بعد معرفتة بأنه جاء به كافر في دق الدين وجله " (٥).
وقال السبكي ﵀: "جحد الربوبية أو الوحدانية أو الرسالة أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يك جحداً" (٦).
وقال الشيخ حافظ الحكمي (٧) ﵀: "فالكفر أصله الجحود والعناد المستلزم
стр. 309
للاستكبار والعصيان" (١).
فالكفر: هو الستر وجحود الحق وإنكاره، والكافر: ضد المسلم، والمرتد: هو الذي كفر بعد إسلامه؛ بقول، أو فعل، أو اعتقاد، أو شك، وحد الكفر الجامع لجميع أجناسه وأنواعه وأفراده: هو جحد ما جاء به الرسول ﷺ ، أو جحد بعضه، كما أن الإيمان: اعتقاد ما جاء به الرسول ﷺ والتزامه، والعمل به جملة وتفصيلاً (٢).
وهذه التعريفات، وإن اختلفت في بعض ألفاظها، فهي متقاربة في المعنى، ومدارها على معنيين: إما تعريف الكفر باعتبار مضادته للإيمان، وإما تعريف الكفر بذكر بعض أفراده.
وعلى هذا فالكفر يكون بقول الكفر أو عمله أوعتقاده، أو الشك في دين الله، ويكون بالجحود والإعراض والإباء والاستكبار.
والعلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي للكفر، أن المعنى الشرعي للكفر مستقًى من المعنى اللغوي للفظة الكفر، قال الليث ﵀: "إنما سمى الكافر كافراً لأن الكفر غطى قلبه" (٣).
قال الازهري ﵀ في تعليقه على كلام الليث " قيل له كافر لأن الكفر غطى قلبه، يحتاج إلى بيان يدل عليه، وإيضاحه أن الكفر في اللغة معناه التغطية، والكافر ذو كفر أي ذو تغطية لقلبه بكفره كما يقال للابس السلاح: كافر وهو الذي غطاه السلاح …
وفيه قول آخر أحسن مما ذهب إليه الليث، وذلك أن الكافر لما دعاه الله جل وعلا إلى توحيده فقد دعاه إلى نعمة ينعم بها عليه إذا قبلها، فلما رد ما دعاه إليه من توحيده كان كافراً نعمة الله أي مغطياً لها بإبائه حاجبا لها عنه" (٤).
стр. 310
وقال ابن فارس ﵀: "والكفر ضد الإيمان، سمي لأنه تغطية الحق" (١).
والكفر أصغر وأكبر، فالأكبر الكفر بأصل الإيمان، والأصغر مادون ذلك مما لا يخرج به عن أصل الإيمان، "وقيل: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار: بألا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، وكفر حجود، ككفر إبليس يعرف الله بقلبه ولا يعترف بلسانه وكفر عناد، وهو أن يعترف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به حسدا وبغيا ككفر أبي جهل وأضرابه، وكفر نفاق، وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه.
وعن ابن عباس ﵄ أن الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم إلى بعض بالسيوف فأنزل الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١]. ولم يكن ذلك على الكفر بالله ولكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الألفة والمودة (٢).
ومنه حديث ابن مسعود ﵁: «إذا قال الرجل للرجل: أنت لي عدو، فقد كفر أحدهما بالإسلام» (٣)، أراد كفر نعمته؛ لأن الله أَلَّف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانًا، فمن لم يعرفها فقد كفره.
ومنه قوله ﷺ : «فرأيت أكثر أهلها النساء لكفرهن»، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: «لا، ولكن يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير» (٤)، أي: يجحدن إحسان أزواجهن.
وأحاديث من هذا النوع كثيرة، وأصل الكفر تغطية الشيء تغطية تستهلكه" (٥).
стр. 311
والكفر ينقسم باعتبارات مختلفة إلى عدة أقسام (١):
فبالنظر إلى حكمه ينقسم: إلى أكبر وأصغر.
وبالنظر إلى حدوثه وطروه ينقسم: إلى كفر أصلي وكفر بعد إسلام وهو الردة.
وبالنظر إلى محله ينقسم إلى: كفر قولي، وكفر عملي، وكفر اعتقادي.
وبالنظر إلى سببه ينقسم إلى: كفر تكذيب، وكفر إباء واستكبار، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق.
وبالنظر إلى مُتعلَّقه أي من يقع عليه التكفير ينقسم إلى: تكفيرٍ مطلق، وتكفيرٍ لمعين.
وبين هذه الأقسام بهذه الاعتبارات تداخل، فمن الكفر القولي أو العملي أو الاعتقادي ما يكون أصغر، ومنها ما يكون أكبر، ومن النفاق ما يكون أكبر، ومنه ما يكون أصغر، ومنه ما يكون باللسان أو الجوارح أو القلب أصغر، ومنه ما يكون بها أكبر، وكذلك الإعراض والإباء بعض ذلك أو اليسيرُ منه قد لا يصل إلى الكفر الأكبر أو النفاق الأكبر فيكون كفرا أو نفاقا أصغر كالإعراض عن العمل ببعض الشرائع أو ترك العمل بها لا لعدم الاعتقاد وعدم القبول لتشريعها أصلاً، ولا لعدم الإقرار بها أصلا، ولكن لغلبة الهوى وضعف الإيمان.
أما التكفير: تفعيل من الكُفْر، وهو مصدر كَفَّر، يقال: كفَّره (بالتّشديد) تكفيرا: نَسَبَه إلى الكفر (٢). فالتكفير الحكم على أحد من الناس بأنه قد خرج من الإسلام، ووصفه بوصف الكفر، لإتيانه بما يوجب كفره (٣).
وأما القِتَال فهو: مَصْدَرُ قَاتَل، ومصدر الثلاثي منه قَتْلٌ، وأصل القتل: الإماتة، وهي إزالة الروح عن الجسد، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي ذلك يقال: قتل، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موت.
стр. 312
والقتال من المقاتلة والمحاربة بين اثنين، والمقاتلة - بفتح التاء وكسرها - الذين يشتركون في القتال، لأن الفعل واقع من كل واحد (١).
стр. 313
المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التكفير والقتال
حذر النبي ﷺ من التكفير دون برهان، لما يترتب على هذا القول من خطورة عظيمة على قائلها فقال ﷺ : «أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما. إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه» (١).
وقال ﷺ : «لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر؛ إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك» (٢).
فمن كفّر من لا يستحق التكفير أو فسّقه رجع تكفيره وتفسيقه عليه، وفي هذا من التحذير ما يردُ المؤمن العاقل على التجرؤ على هذا الفعل، قال ابن عبد البر ﵀: " فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم، واحتمله بقوله ذلك، وهذا غاية في التحذير من هذا القول والنهي عن أن يقال لأحد من أهل القبلة: يا كافر" (٣).
وقال الشوكاني ﵀: " اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن «من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما» (٤) … ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير" (٥).
وهذ الأمر وقع فيه خلق كثير من المتكلمين وبعض المنسوبين للسنة والحديث مما يوجب الحذر منه التسرع فيه، قال ابن دقيق العيد (٦) ﵀: "وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحداً من
стр. 314
المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم " (١).
وفي حديث آخر يشبه النبي ﷺ تكفير المسلم بأعظم ذنب بعد الشرك بالله، وهو تعمد قتل المؤمن، فيقول: «ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله» (٢).
ورمي المسلمين بالكفر باب لشرور عظيمة، لعل أهونها أنه من التنابز بالألقاب الذي نهى الله عنه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١].
قال ابن عبد البر ﵀: "هو قول الرجل لأخيه: يا كافر يا فاسق، وهذا موافق لهذا الحديث، فالقرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره إلا ببيان لا إشكال فيه" (٣).
والتكفير استباحة لما حرمه الله من عرض المسلم، الذي أكد النبي ﷺ على حرمته في خطبته العظيمة في حجة الوداع، فقال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب» (٤)، والقول بكفر المسلم من أعظم ما يقدح في عرضه، وهو مستتبع لهتك ماله ودمه.
فالأصل في المسلم سلامة معتقده، وبراءة ذمته، فلا يجوز تكفيره ولا تبديعه ولا اتهامه إلا بأن يكون مستحقا لذلك التكفير أو الابتداع أو الاتهام، وبشروط وضوابط محددة في الشرع (٥)؛ ولأن في التكفير تقرير لأمور خطيرة، منها: إسقاط العبادات عنهم إذا تابوا، وإسقاط جميع حقوق المخلوقين من الأموال والدماء وغيرهما، وإباحة فروج نسائهم إذا لم يتوبوا، وسفك دمائهم .... (٦).
стр. 315
ولذا جاءت النصوص الشرعية بالنهي عن تكفير المسلم والتغليظُ في إخراجه من الإسلام، وخاصة مع إظهاره لشعائر الإسلام وقيامه بها؛ ولو حصل منه ما يظن أنه مكفّرٌ أو مبدعٌ؛ فإنه لا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع عند تكفير المعين أو تبديعه (١).
ولغلظ أمر التكفير وشدة خطورته كان أصحاب النبي ﷺ يمتنعون عن إطلاق التكفير والتفسيق على أهل القبلة، روى ابن عبد البر عن أبي سفيان قال: "قلت لجابر ﵁: أكنتم تقولون لأحد من أهل القبلة: كافر؟ قال: لا. قلت: فمشرك؟ قال: معاذ الله. وفزع" (٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «ما من مسلمين إلا وبينهما وبين الله ﵎ ستر، فإذا قال أحدهما للآخر كلمة هَجْر (٣)، خرق ستر الله، وما من رجل يقول للآخر: أنت كافر، إلا كفر أحدهما» " (٤).
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يعتمدون في الحكم بالكفر من عدمه إلى نصوص الشرع؛ لأن الحكم بالكفر حق لله وحده، وكذلك ما يترتب عليه من التكفير لأن التكفير إخراج من الدين، والدين لله، فالله وحده هو الذي يحكم بقبول العبد أو طرده وإبعاده، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠].
فالتكفير حكم شرعي يترتب عليه إباحة دم شخص قد ظهر إسلامه (٥)، ونطق بالشهادتين، فيدرك إما بنص، وإما بقياس على منصوص "ولا مجال للعقل فيه" (٦)، فهو لا يكون إلا سمعيا قطعيا محضا (٧)؛ لقول النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (٨).
стр. 316
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الكفر حكم شرعي متلقى عن صاحب الشريعة، والعقل قد يُعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأً في العقل، يكون كفراً في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صواباً في العقل، تجب في الشرع معرفته" (١).
ويقول أيضا ﵀: "إذا تبين ذلك، فاعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان" (٢).
ويقول أيضًا عن أهل العلم والسنة أنهم: "لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله، فلا يُكفر إلا من كفّره الله ورسوله" (٣).
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (٤) ﵀: "وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه، واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام، أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين" (٥).
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة التفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين، فتكفير "غير
стр. 317
المعين مشروع بأن يقال: من استغاث بغير الله فيما دفعه من اختصاص الله كافر، كمن استغاث بنبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء أن يشفيه أو يشفي ولده مثلا" (١).
ومن أصول عقيدة السلف الصالح؛ أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرون أحدا بعينه من المسلمين ارتكب مكفرا إلا بعد إقامة الحجة التي يكفر بموجبها؛ فتتوافر الشروط، وتنتفي الموانع، وتزول الشبهة عن الجاهل والمتأول.
فكل من "ثبت له عقد الإسلام، فإنه لا يزول عنه إلابنص أو إجماع، وأما بالدعوى والافتراء فلا.
فوجب أن لا يكفر أحد بقول قاله إلا بأن يخالف ما قد صح عنده أن الله تعالى قاله، أو أن رسول الله ﷺ قاله، فيستجيز خلاف الله تعالى وخلاف رسوله ﵊، وسواء كان ذلك في عقد دين أو في نحلة أو في فتيا، وسواء كان ما صح من ذلك عن رسول الله ﷺ منقولاً نقل إجماع تواتراً أو نقل آحاد" (٢).
يقول ابن عبد البر ﵀: "ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له، أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنىً يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة، وهم أهل الفقه والأثر على أن أحداً لا يخرجه ذنبه - وإن عظم - من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفَّر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة" (٣).
كما أنهم لا يكفرون المكره إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان، ولا يكفرون أحدا من المسلمين بكل ذنب، ولو كان من كبائر الذنوب التي هي دون الشرك؛ فإنهم لا يحكمون على مرتكبها
стр. 318
بالكفر، وإنما يحكمون عليه بالفسق ونقص الإيمان، ما لم يستحل ذنبه؛ لأن الله- ﵎ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
ويقول سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
جاء في بيان هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ عن التكفير: " ..... وقد يرد في الكتاب والسنة ما يفهم منه أن هذا القول أو العمل أو الاعتقاد كفر، ولا يكفر من اتصف به لوجود مانع يمنع من كفره، وهذا الحكم كغيره من الأحكام التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها وانتفاء موانعها، كما في الإرث سببه القرابة مثلاً، وقد لا يرث بها لوجود مانع كاختلاف الدين، وهكذا الكفر يكره عليه المؤمن فلا يكفر به، وقد ينطق المسلم بالكفر لغلبة فرح أو غضب أو نحوهما، فلا يكفر بها لعدم القصد، كما في قصة الذي قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» (١) أخطأ من شدة الفرح.
وإذا مات العبد على ذنب- دون الشرك- لم يستحله؛ فأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له؛ خلافًا للفرق الضالة التي تحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر، أو بالمنزلة بين المنزلتين (٢).
فتكفير المعين إذا أنكر معلوما من الدين بالضرورة؛ كالصلاة، أو الزكاة أو الصوم بعد البلاغ واجب، وينصح، فإن تاب وإلا وجب على ولي الأمر قتله كفرا، ولو لم يشرع تكفير المعين عندما يوجد منه ما يوجب كفره ما أقيم حد على مرتد عن الإسلام" (٣).
فمذهب أهل السنة وسط بين من يقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدا، وبين من يكفر المسلم بكل ذنب دون النظر إلى توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه، فهم يطلقون التكفير على العموم، ولكن تحقق التكفير على المعين لا بد له من توفر شروط، وانتفاء موانع، أما تكفير غير
стр. 319
المعين فمشروع.
قال شيخ الإسلام ﵀: " وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولا يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية … ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه … " (١).
ويقول أيضا: "فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزال إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة" (٢)
ويقول الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في الأصل فيمن ينتسب للإسلام، والتحذير فيمن يتساهل في تكفيره: "الأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه، حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره، لأن في ذلك محذورين، أحدهما إفتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نُبِزَ به … ".
ثم قال: "وحري به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما» (٣). وفي رواية «ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه» (٤) …
وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر عليه، إن كان أخوه بريئا منه، وهو محظور عظيم يوشك أن يقع به؛ لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجبا بعمله محتقرا لغيره فيكون جامعا بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله تعالى في النار …
فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين، الأمر الأول، دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفراً لئلا يفتري على الله الكذب.
стр. 320
الأمر الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه وتنتفي الموانع … " (١).
ولذا فإن التسرع في التكفير يتيرتب عليه أمور خطيرة، من استحلال الدم والمال ومنع التوارث وفسخ النكاح وغيرها مما يترتب على الردة، فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم عليه لأدنى شبهة، وإذا كان هذا في ولاة الأمور كان أشدَّ لما يترتب عليه من التمرد عليهم وحمل السلاح عليهم وإشاعة الفوضى، وسفك الدماء وفساد العباد والبلاد، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣] " (٢).
وعلى هذه العقيدة في مسألة التكفير كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وكذا أتباعه من بعده وأنصار دعوته، واعتنوا بها عناية فائقة، ووضحوا ما أشكل فيها، وبينوها، وفصلوها تفصيلا شافياً كافياً.
فكان الإمام ﵀ يحذر من نواقض الإيمان ومبطلاته، ويبينها، ويبعدها عن المسلمين، ويبعد المسلمين عنها (٣)، ويحذر من تكفير المسلمين أشد تحذير، وينهى عنه، ويرد على من نسبه للتكفير، ويبين عقيدة أهل السنة في ذلك.
وهذه بعض النقول عن الإمام ﵀ التي تدل على موافقته لمنهج أهل السنة والجماعة في التكفير:
أولاً: أن التكفير من الأحكام الشرعية، فلا يحل لأحد أن يطلقه على أحد لمجرد الظن والهوى، قال ﵀: " من أظهر الإسلام وظننا أنه أتى بناقض لا نكفره بالظن، لأن اليقين لا يرفعه الظن، وكذلك لا نكفر من لا نعرف منه الكفر بسبب ناقض ذُكر عنه ونحن لم نتحققه" (٤).