يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الكفر حكم شرعي متلقى عن صاحب الشريعة، والعقل قد يُعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأً في العقل، يكون كفراً في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صواباً في العقل، تجب في الشرع معرفته" (١).
ويقول أيضا ﵀: "إذا تبين ذلك، فاعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان" (٢).
ويقول أيضًا عن أهل العلم والسنة أنهم: "لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله، فلا يُكفر إلا من كفّره الله ورسوله" (٣).
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (٤) ﵀: "وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه، واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام، أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين" (٥).
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة التفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين، فتكفير "غير
стр. 317
المعين مشروع بأن يقال: من استغاث بغير الله فيما دفعه من اختصاص الله كافر، كمن استغاث بنبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء أن يشفيه أو يشفي ولده مثلا" (١).
ومن أصول عقيدة السلف الصالح؛ أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرون أحدا بعينه من المسلمين ارتكب مكفرا إلا بعد إقامة الحجة التي يكفر بموجبها؛ فتتوافر الشروط، وتنتفي الموانع، وتزول الشبهة عن الجاهل والمتأول.
فكل من "ثبت له عقد الإسلام، فإنه لا يزول عنه إلابنص أو إجماع، وأما بالدعوى والافتراء فلا.
فوجب أن لا يكفر أحد بقول قاله إلا بأن يخالف ما قد صح عنده أن الله تعالى قاله، أو أن رسول الله ﷺ قاله، فيستجيز خلاف الله تعالى وخلاف رسوله ﵊، وسواء كان ذلك في عقد دين أو في نحلة أو في فتيا، وسواء كان ما صح من ذلك عن رسول الله ﷺ منقولاً نقل إجماع تواتراً أو نقل آحاد" (٢).
يقول ابن عبد البر ﵀: "ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له، أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنىً يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة، وهم أهل الفقه والأثر على أن أحداً لا يخرجه ذنبه - وإن عظم - من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفَّر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة" (٣).
كما أنهم لا يكفرون المكره إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان، ولا يكفرون أحدا من المسلمين بكل ذنب، ولو كان من كبائر الذنوب التي هي دون الشرك؛ فإنهم لا يحكمون على مرتكبها
стр. 318
بالكفر، وإنما يحكمون عليه بالفسق ونقص الإيمان، ما لم يستحل ذنبه؛ لأن الله- ﵎ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
ويقول سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
جاء في بيان هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ عن التكفير: " ..... وقد يرد في الكتاب والسنة ما يفهم منه أن هذا القول أو العمل أو الاعتقاد كفر، ولا يكفر من اتصف به لوجود مانع يمنع من كفره، وهذا الحكم كغيره من الأحكام التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها وانتفاء موانعها، كما في الإرث سببه القرابة مثلاً، وقد لا يرث بها لوجود مانع كاختلاف الدين، وهكذا الكفر يكره عليه المؤمن فلا يكفر به، وقد ينطق المسلم بالكفر لغلبة فرح أو غضب أو نحوهما، فلا يكفر بها لعدم القصد، كما في قصة الذي قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» (١) أخطأ من شدة الفرح.
وإذا مات العبد على ذنب- دون الشرك- لم يستحله؛ فأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له؛ خلافًا للفرق الضالة التي تحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر، أو بالمنزلة بين المنزلتين (٢).
فتكفير المعين إذا أنكر معلوما من الدين بالضرورة؛ كالصلاة، أو الزكاة أو الصوم بعد البلاغ واجب، وينصح، فإن تاب وإلا وجب على ولي الأمر قتله كفرا، ولو لم يشرع تكفير المعين عندما يوجد منه ما يوجب كفره ما أقيم حد على مرتد عن الإسلام" (٣).
فمذهب أهل السنة وسط بين من يقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدا، وبين من يكفر المسلم بكل ذنب دون النظر إلى توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه، فهم يطلقون التكفير على العموم، ولكن تحقق التكفير على المعين لا بد له من توفر شروط، وانتفاء موانع، أما تكفير غير
стр. 319
المعين فمشروع.
قال شيخ الإسلام ﵀: " وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولا يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية … ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه … " (١).
ويقول أيضا: "فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزال إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة" (٢)
ويقول الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في الأصل فيمن ينتسب للإسلام، والتحذير فيمن يتساهل في تكفيره: "الأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه، حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره، لأن في ذلك محذورين، أحدهما إفتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نُبِزَ به … ".
ثم قال: "وحري به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما» (٣). وفي رواية «ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه» (٤) …
وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر عليه، إن كان أخوه بريئا منه، وهو محظور عظيم يوشك أن يقع به؛ لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجبا بعمله محتقرا لغيره فيكون جامعا بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله تعالى في النار …
فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين، الأمر الأول، دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفراً لئلا يفتري على الله الكذب.
стр. 320
الأمر الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه وتنتفي الموانع … " (١).
ولذا فإن التسرع في التكفير يتيرتب عليه أمور خطيرة، من استحلال الدم والمال ومنع التوارث وفسخ النكاح وغيرها مما يترتب على الردة، فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم عليه لأدنى شبهة، وإذا كان هذا في ولاة الأمور كان أشدَّ لما يترتب عليه من التمرد عليهم وحمل السلاح عليهم وإشاعة الفوضى، وسفك الدماء وفساد العباد والبلاد، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣] " (٢).
وعلى هذه العقيدة في مسألة التكفير كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وكذا أتباعه من بعده وأنصار دعوته، واعتنوا بها عناية فائقة، ووضحوا ما أشكل فيها، وبينوها، وفصلوها تفصيلا شافياً كافياً.
فكان الإمام ﵀ يحذر من نواقض الإيمان ومبطلاته، ويبينها، ويبعدها عن المسلمين، ويبعد المسلمين عنها (٣)، ويحذر من تكفير المسلمين أشد تحذير، وينهى عنه، ويرد على من نسبه للتكفير، ويبين عقيدة أهل السنة في ذلك.
وهذه بعض النقول عن الإمام ﵀ التي تدل على موافقته لمنهج أهل السنة والجماعة في التكفير:
أولاً: أن التكفير من الأحكام الشرعية، فلا يحل لأحد أن يطلقه على أحد لمجرد الظن والهوى، قال ﵀: " من أظهر الإسلام وظننا أنه أتى بناقض لا نكفره بالظن، لأن اليقين لا يرفعه الظن، وكذلك لا نكفر من لا نعرف منه الكفر بسبب ناقض ذُكر عنه ونحن لم نتحققه" (٤).
стр. 321
ثانياً: عدم التكفير بالعموم، يقول: "وأما القول إنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم" (١).
وقال أيضًا: "فإن قال قائلهم إنهم يكفرون بالعموم فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، الذي نكفر الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين رسوله، وأن دعوة غير الله باطلة ثم بعد هذا يكفر أهل التوحيد، ويسميهم الخوارج ويتبين مع أهل القبب على أهل التوحيد" (٢).
ثالثاً: أن تكفير المعين لا يحل إلا بتوفر الشروط، وانتفاء الموانع، ولهذا يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ما نصه: "إذا قال قولاً يكون القول به كفرا فليقال: من قال بهذا القول فهو كافر. ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يُحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها" (٣).
ويقول أيضا: "تكفير من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله ثم أبغضه ونفر الناس عنه. وجاهد من صدق الرسول فيه ومن عرف الشرك وأن رسول الله ﷺ بُعث بإنكاره وأقر بذلك ليلا ونهاراً ثم مدحه وحسنه للناس وزعم أن أهله لا يخطئون لأنهم السواد الأعظم، وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة؛ فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن الله ورسوله" (٤).
رابعًا: التفريق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، فمن أقر بالشهادتين، وأظهر الإسلام، فهو مسلم، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وتجري عليه أحكام الإسلام في الدنيا، ويستوي في هذا المسلم على الحقيقة، والمسلم نفاقًا خوفًا من القتل، أو طمعًا في مكسب، ولم يُكلف أحدٌ بشق صدور الناس، هذا في حكم الدنيا، وأما في الآخرة، فإن حكم المنافقين هو حكم الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].
خامساً: عدم التكفير إلا بارتكاب المكفّر كسبِّ الدين والنهي عنه، يقول ﵀: "وأما
стр. 322
التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة -ولله الحمد- ليسوا كذلك" (١).
سادسًا: موافقته للعلماء الموثوقين في التكفير، يقول ﵀: "ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم إني أقول من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي فهذا أيضا من البهتان؛ إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت؛ ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه؛ وكذلك من عبد الأوثان بعد ما عرف أنها دين للمشركين وزينه للناس؛ فهذا الذي أكفره وكلُ عالمٍ على وجهِ الأرض يكفّرُ هؤلاءِ إلا رجلاً معانداً أو جاهلاً" (٢).
وقال: "إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف، إذا عرف ثم أنكر" (٣).
سابعًا: عدم تكفير من لم تبلغه الحجة، يقول ﵀: "من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك وكذلك نكفر من حسّنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها " (٤).
ثامنا: أما القتال فقد اتخذ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في سبيل نشر دعوته عدة طرق ووسائل، يأتي الجهاد والقتال في آخرها، فسلك أساليب: الوعظ والتدريس، والخطابة، والرسائل والمناظرات وتأليف الكتب، ثم إذا لم تفد كل هذه الوسائل يأتي دور الجهاد والقتال حماية للدعوة ونشرا لها؛ لأن الدعوة لم تقم أصلا على تكفير المسلمين الذين لا يوافقون على الإيمان بمبادئها - كما يزعم أعداؤها - ولهذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:
стр. 323
"وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا؛ ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعدما عرفه" (١).
ويذكر في رسالة أخرى أن علماء المسلمين أجمعوا على أن من صدق الرسول في شيء وكذبه في شيء آخر فهو كافر حلال الدم والمال، وإخلاص التوحيد لله تعالى أهم ما جاء به الرسول ﷺ ، فكيف نقاتل من ينكر الصلاة والزكاة ولا نقاتل من ينكر إخلاص التوحيد لله (٢).
стр. 324
المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال والجواب عنها
أثار المعاصرون المناوئون لدعوة الإمام عدة دعاوى في باب التفكير والقتال، وعند تأمل أغلبها نجد أنها متكررة مع أسلافهم، منها:
- التكفير بالعموم، واعتقاد حل دماء الخصوم وأموالهم وسبي ذراريهم (١).
- تكفير من قال: لا إله إلا الله، وقتالهم (٢).
- تكفير المخالف بإطلاق، وأنه لا موحد إلا من اتبع الإمام (٣).
- الطلب ممن أراد الدخول في دين الإمام أن يشهد بالكفر على نفسه ووالديه وأن يعيد الحج (٤).
- تكفير أجداده ومشايخه والأئمة والمشايخ (٥).
وأضافو عليها ما يلي:
стр. 325
المطلب الأول: دعوى تخصيص الكفر فيمن لم يفهم التوحيد على طريقة دعوة الإمام
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام دعوى تخصيص الكفر فيمن لم يفهم التوحيد على طريقة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀.
يقول شفيق جرادي ": "أما الأمر الجديد الذي أكد عليه محمد بن عبد الوهاب، فهو ما أورده في كتاب التوحيد، الذي هو حق الله على العبيد .. إذا صاغ الكتاب بمضامين عقدية حادة تحمل طابع التقنين الفقهي حتى تحولت القناعات العقائدية إلى مجرد حرام وحلال وجائز وواجب.
ومن أكثر الإقحامات التي قام بها قوله: (إن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه). فكل من يختلف في أمور وأحكام العبادة سيكون عرضة للخصومة التي قد تصل لحد القتل والتكفير الصريح.
واعتباره أن لا أحد معذور لأن (الرسالة عمت كل أمة).
وهو صاحب تلك الرسالة: كأنما هو نبي جديد …
ثم ذهابه إلى أن التوحيد بما هو عبادة تستقيم بحسب شرح ابن عبد الوهاب لها، لا يكفي مجرد الاعتراف بها؛ بل لابد من التزام المسألة الكبيرة -وهي- أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت … والطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله.
بعد هذا، يأخذ ليبين كيف يكون اتباع الكفر والطاغوت فيصل في كل شيء لدرجة (أن من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه). وليعتبر أن (سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين).
وليفتح المجال أمام القول: إن (من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله).
وهكذا، يصبح كل موقف فقهي إنما يأخذ أصالته من عنوان التوحيد الذي صاغه محمد
стр. 326
بن عبد الوهاب حسب فهمه الخاص .. مما جعل الدارسون له يعتبرون أن كل رأي أو كل مرة يكون الكلام فيها عن الكفر والكافرين فإنما يكون المقصود بهم الذين لم يفهموا التوحيد على الطريقة الوهابية" (١).
ثم قال: "إذ إن ابن عبد الوهاب اعتبر أن الجدال في مثل هذه الأحكام أقل ما يقال في صاحبه أنه (فاسق لا يقبل خطُهُ ولا شهادته، ولا يصلى خلفه، بل لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم) (٢).
وما ذلك إلا لأن أي تركٍ لآراء الوهابية كان يعتبرها، بحسب مفاد رسالة تأنيب أرسلها لأحد تلامذته في الإحساء، أنها:
١ - خروج عن دين الإسلام.
٢ - مداهنة أعداء المسلمين.
٣ - تبرؤ من ملة إبراهيم" (٣).
ويقول الحسن بن علي الكتاني: "وسر المسألة الذي يجعلك تفهم كتب النجديين جيداً وتستوعب مراميها هي أنهم يرون الزمان السابق لابن عبد الوهاب زمان فترة من الرسالة، فلما بعث الله الشيخ أقام به الحجة على العالمين كما أقامها بالنبي ﷺ ، فكل من بلغته دعوته فحاربها أو هاجمها أو لم يهتم بها فقد كفر واستحق الخلود في النار، كما استحق ذلك المشركون زمن الرسالة" (٤).
ويقول أحمد النفيس: "الحركة الوهابية هي حركة تكفيرية تحكم على كل من لا يلتزم بالمانيفستو (٥) الوهابي المسمى كتاب التوحيد بالكفر والخروج من ربقة الإسلام" (٦).
стр. 327
ثم قال: " إلا أن الناظر المدقق سرعان ما يكتشف الخدعة الوهابية الكبرى وأن الأمر كله لا يختلف في قليل ولا كثير عما فعله من خاطبهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
تمثلت الخدعة الوهابية في ذلك التدرج بدءاً من التأكيد على أهمية الاعتقاد بوحدانية الله وكأن التوحيد هو عمل مستقل وقائم بذاته عن منظومة العقيدة الإسلامية أو كأنه اكتشاف جديد يسمع عنه المسلمون لأول مرة ثم النص على أن بعض الأعمال دون بعض هي من الأمور التي يقوم بها المسلم ثم النص على أن بعض الأعمال دون بعض هي من الأمور التي توقع في الشرك ثم اعتبار من يقوم بهذه الأعمال كافراً وخارجاً من الملة وأخيراً إعلان الحرب عليه ثم استباحة دمه تطبيقاً للمانيفستو الوهابي التكفيري المسمى بكتاب التوحيد" (١).
ويقول فؤاد إبراهيم: " من ذلك اعتبار زمن الدعوة التي جاء بها محمد بن عبد الوهاب هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، حتى إن أحفاد مؤسسي المذهب ومن جاء بعده أمثال الشيخ سليمان بن سحمان وصولاً إلى الشيخ ابن باز يعتقدون أن كل من وصلته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولم يؤمن يصبح كافراً …
... إلى حد اعتبار أن الدعوة الوهابية ناسخة لما قبلها وما بعدها، وهي ترسم الخط الفاصل بين الإيمان والكفر. فالشيخ ابن باز يرى بأن ابن عبد الوهاب قد بلّغ الإسلام ولا حجة لمن يشرك بعد ذلك. ولا غرابة أن تصادر الوهابية كل ما سواها من مذاهب إسلامية وترى في نفسها التمثيل الحصري للإسلام" (٢).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى مبنية على الفهم الخاطئ للتوحيد والعبادة، والظن أن كتب الإمام محمد بن
стр. 328
عبد الوهاب مخالفة لعقيدة السلف، وأن الإمام كفر من خالف دعوته.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: سبق في الفصل الأول، في الدعاوى الأربع الأولى منه، تعريف التوحيد والعبادة، وبيان ما يضادها، وبيان عقيدة الشيخ التي يدعو إليها، ومنهجه في التكفير، وموافقته للسلف في ذلك، ومخالفته لما ذكر في هذه الدعوى.
ثانيا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يأمر عموم الناس بالدخول تحت حكمه ولا حكم آل سعود، فضلاً عن أن يكفرهم إذا لم يدخلوا تحت حكمه أو لم يهاجروا إليه، قال
﵀: "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفّر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفّر ويقاتل؟ " (١).
ثالثا: أن علماء الدعوة لم يأتوا بجديد في التوحيد، فهم يطالبون المسلمين بالتمسك بأقوال أئمتهم من علماء الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية في إخلاص التوحيد (٢).
رابعا: أن دعوة الإمام وأتباعه دعوة للحق الذي جاء في الكتاب والسنة، قال الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بيان من يستحق التكفير: "لا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبراً معانداً" (٣).
وكلامه واضح ﵀، فهول يقول: " دعوتنا للحق"، وهل تكون الدعوة حقا وهي ليست على الكتاب والسنة.
وهذه العبارة كما يقول الشخص العادي: هذا ديني، أو نحو ذلك فإنه يقصد دين الإسلام، ولهذا يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في إحدى رسائله: "وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا الذي
стр. 329
أكفره وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك" (١).
وقال أيضاً الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: "ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته وشهر صلاحه، وعُلِمَ ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبالغ في نصح الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم ولا ننكر سعة علمه، ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين" (٢).
فالإمام ﵀ لم يكفر الجاهل إذا لم يوجد من ينبهه؛ فكيف يقال إنه يكفر من لم يعرف التوحيد على طريقة الإمام!.
خامسا: أن المناوئين لما عجزوا عن رد كتاب التوحيد وما فيه من الحق؛ لأنه لم يشتمل إلا على ما قاله الله وقاله رسوله ﷺ ؛ قالوا إنه يدعو إلى دين جديد، وأنه يكفر من يخالفه.
سادسا: ونقول لهم أيضا بينوا لنا ما في كتاب التوحيد من باطل - إن وجد- ونحن معكم في رده، فالحق ضالة المؤمن!.
سابعا: قول شفيق جرادي أن " أكثر الإقحامات التي قام بها - أي الإمام- قوله: (إن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه). فهذا ما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وفهمه الصحابة، قال ابن عباس ﵄: " كل عبادة في القرآن فهي توحيد" (٣).
وهذا يدل على عناية الإمام ﵀ بالتوحيد الذي هو دعوة الرسل، وقد سبق في المبحث الثاني من الفصل الأول بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد وأهميتها وعناية السلف به.
ثامنا: قوله كذلك عن الإمام ﵀: "ثم ذهابه إلى أن التوحيد بما هو عبادة تستقيم بحسب شرح ابن عبد الوهاب لها، لا يكفي مجرد الاعتراف بها؛ بل لابد من التزام المسألة الكبيرة
стр. 330
-وهي- أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت … والطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله".
فهذا القول من الإمام ﵀ هو مقتضى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٥٦]، وقوله ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله، ودمه، وحسابه على الله» (١)، وقوله ﷺ : «بني الإسلام على خمس، على أن يعبد الله، ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (٢)، فالإمام ﵀ لم يأت بشيء من عنده، وإنما التزام ما قاله الله وقاله رسوله ﷺ .
تاسعا: قول الحسن بن علي الكتاني: "وسر المسألة الذي يجعلك تفهم كُتبَ النجديين جيداً وتستوعب مراميها هي أنهم يرون الزمان السابق لابن عبد الوهاب زمان فترة من الرسالة، فلما بعث الله الشيخ أقام به الحجة على العالمين كما أقامها بالنبي ﷺ ، فكل من بلغته دعوته فحاربها أو هاجمها أو لم يهتم بها فقد كفر واستحق الخلود في النار، كما استحق ذلك المشركون زمن الرسالة".
ومثله قول فؤاد إبراهيم: " حتى إن أحفاد مؤسسي المذهب ومن جاء بعده أمثال الشيخ سليمان بن سحمان وصولاً إلى الشيخ ابن باز يعتقدون أن كل من وصلته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولم يؤمن يصبح كافراً … ".
سبحان الله! هل يمكن أن يقول هذا الكلام الإمام ﵀، وكيف يكون حال الناس قبل دعوته؟ بل قبل وجوده؛ لكن، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين!، فأين قال هذا الكلام الإمام ﵀ أو أحد من أتباعه؟!
стр. 331
عاشرا: قول أحمد النفيس: "الحركة الوهابية هي حركة تكفيرية تحكم على كل من لا يلتزم بالمانيفستو الوهابي المسمى كتاب التوحيد بالكفر والخروج من ربقة الإسلام".
أين قال هذا الكلام الإمام ﵀ أو أحد من أتباعه؟!
الحادي عشر: قول أحمد النفيس: " تمثلت الخدعة الوهابية في ذلك التدرج بدءاً من التأكيد على أهمية الاعتقاد بوحدانية الله … ".
فإن العناية والتدرج بالتوحيد هو المنهج النبوي في الدعوة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، ولما بعث رسول الله ﷺ معاذا ﵁ إلى اليمن، قال: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم» (١). فهل تعتبر متابعة النبي ﷺ خدعة؟؛ لكنه الجهل بالتوحيد وقلة العناية به (٢).
الثاني عشر: زعمهم بأن الوهابية تكفر المخالف لها، فالتكفير حكمٌ شرعي من أحكام الدين له أسبابه وضوابطه وشروطه وموانعه وآثاره، شأنه في ذلك شأن سائر الأحكام الشرعية.
قال شيخ الإسلام ﵀: " الكفر حكم شرعي وإنما يثبت بالأدلة الشرعية" (٣).
وقال أيضا: " كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله لأنَّ الكذب والزنا حرامٌ لحق الله.
وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، وأيضاً فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها وإلا فليس كلُّ من
стр. 332
جهل شيئا من الدين يكفر" (١).
وانظر للتطبيق العملي لما يقوله ﵀: "ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاه الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافراً، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم" (٢).
стр. 333
المطلب الثاني: دعوى التسرع في التكفير وسفك الدماء
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى التسرع في التكفير وسفك الدماء.
يقول الحسن بن علي الكتاني فيما أُنكر على الإمام محمد بن عبد الوهاب: "لكن العلماء أنكروا عليه وعلى جنوده التجاري في سفك الدماء، والتسرع في التكفير" (١).
وقال أيضاً: " كثير من المجددين ودعاة التغيير والعمل بالسنة كانوا يوافقون دعوة ابن عبد الوهاب ويرونها إحياء لدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية ومنهاج السلف، لكنهم استنكروا تسارع النجديين في التكفير وسفك دماء الناس واستحلال أموالهم" (٢).
ويقول أحمد سالم في مقدمة المناظرة الثالثة: (التكفير والقتال في الدعوة الوهابية) في سرد نقاط المناظرة:
"رابعاً: هذا التساؤل - التكفير والقتال في الدعوة الوهابية - لم يكن أصلاً ليطرح لولا ثقافة التكفير الواسعة التي شاعت منذ ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد لعبت مدرسته دوراً كبيراً في ترسيخ مبدأ الغلو في قضية التكفير عند أتباع الشيخ ومحبيه … " (٣).
حقيقة هذه الدعوى:
التسرع في التكفير، والتكفير بالذنوب وسفك الدماء من سمات الخوارج؛ فهم يحدثون البدع المخالفة للكتاب والسنة، ثم يكفرون من خالفها؛ ولذلك حاول المناوئون المعاصرون التنفير من دعوة الإمام وتشويها بفرية التسرع في التكفير وسفك الدماء.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أنه سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان موقف الإمام من التكفير ومنهجه
стр. 334
في ذلك: ومن ذلك قوله ﵀: " وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر أحمد البدوي وعبد القادر الجيلاني وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم وجود من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ولم يقاتل. سبحانك هذا بهتان عظيم؟! (١).
ثانيا: الإمام محمد ﵀ من أكثر الناس تحرزا من التكفير، يقول حفيده الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (٢) ﵀ عن موقف جده الإمام محمد من التكفير" والشيخ محمد من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها" (٣).
ويقول الشيخ حسين بن غنام (٤) ﵀: "إن الشيخ كان ملتزماً بالمنهج السوي، ولم يتسرع لسانه بتكفير أناس أُشربت قلوبهم بالمعاصي، وبما كانوا عليه من القبائح الشركية" (٥).
ثالثا: مما يدل على احتراز وتثبت الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسائل التفكير، قوله
﵀: "من أظهر الإسلام، وظننا أنه أتى بناقض، لا نكفره بالظن؛ لأن اليقين لا يرفعه الظن وكذلك لا نكفر من لا نعرف منه الكفر، بسبب ناقض ذكره عنه ونحن لم نتحققه" (٦).
وقال ﵀: "فأول درجات الإنكار معرفتك أن هذا مخالف لأمر الله … إلى أن قال:
стр. 335
فعلى كل حال نبهوهم على مسألتين:
الأولى: عدم العجلة، ولا يتكلمون إلا مع التحقيق، فإن التزوير كثير.
الثانية: أن النبي ﷺ كان يعرف منافقين بأعيانهم، ويقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، فإذا ظهر منهم، وتحقق ما يوجب جهادهم، جاهدهم" (١).
رابعا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يوجب التثبت والكف عمن أظهر التوحيد والإسلام إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك، يقول ﵀ في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤].
"فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه، والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى … إلى أن قال: وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك" (٢).
وهذا الذي ذكره الإمام محمد، قرره جمع من المفسرين.
قال الشوكاني ﵀: " والمراد هنا: لا تقول لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمناً، فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى الإسلام، أي: لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم، فقال السلام عليكم: ليست مؤمناً، والمراد: نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه، ويقول إنه إنما جاء بذلك تعوذاً وتقية" (٣).
وقال ابن سعدي ﵀: "يأمر تعالى عباده المؤمنين، إذا خرجوا جهاداً في سبيله، وابتغاء مرضاته أن يتبينوا في جميع أمورهم المشتبهة، فإن الأمور قسمان: واضحة، وغير واضحة، فالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبت وتبين؛ لأن ذلك تحصيل حاصل.
وأما الأمور المشكلة غير الواضحة، فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف
стр. 336
هل يقدم عليها أم لا؟
فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد، وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها، قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في هذه الآية، لما لم يتثبتوا، وقتلوا من سلّم عليهم، وكان معه غنيمة له، أو مال غيره، ظناً أنه يستكفي بذلك قتلَهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم الله بقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: ٩٤] أي: فلا يحملنكم العرض الفاني القليل، على ارتكاب ما لا يبغي، فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي، فما عند الله خير وأبقى" (١).
وقال الإمام محمد ﵀ في حديث أسامة ﵁ قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة (٢)، فأدركت رجلاً، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح. قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فما زال يكررها عليّ، حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ» (٣)، "فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفاً على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه، حتى يتبين منه ما يخالف ذلك" (٤).
خامسا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب كان شديد التحرز والتثبت في مسائل التكفير، فكان يتوقف عن القول بما لم يتضح عنده، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
стр. 337
قال ﵀: " وأما الذي يدعي الإسلام، وهو يفعل من الشرك الأمور العظام، فإذا تليت عليه آيات الله استكبر عنها، فهذا ليس بالمسلم، وأما الإنسان الذي يفعلها بجهالة، ولم يتيسر له من ينصحه، ولم يطلب العلم الذي أنزله الله على رسوله، بل أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، فلا أدري ما حاله" (١).
وقال ﵀: في حديث «إنما الشؤم في ثلاثة … » (٢)، "فهذا أشكل على من قبلنا، حتى إن عائشة كذبته، وقالت: هذا كلام أهل الجاهلية.
ولكنه صح، وقد تكلموا في تفسيره، ولم يتبين لي معناه، والله أعلم بمراد رسوله" (٣). فمن كان يتوقف في معنى حديث، فهو أشد توقفاً وتحرزاً في مسائل التكفير، التي ينبني عليها أحكام الردة (٤).
سادسا: أن الهوى وعدم معرفة كلام أهل العلم ومواقعه هو الحامل لبعضهم في نسبة التسرع في التكفير للإمام محمد ﵀، وانظر لأحدهم وهو ينسب للإمام التسرع في التكفير، ثم يأت في موضع أخر - يوافق هواه- ينقل عن الإمام عدم التسرع في التكفير، وهذا يدل على الهوى وعدم فهمهم لكلام الإمام ﵀.
يقول د. عمر كامل في كتابه "دائرة الفتنة وسبل الخروج منها" (٥) في قضية التكفير، ناسبًا للشيخ التسرع في التكفير:
"لقد ازداد هذا التيار عنفواناً، وأصبحت هذه النغمة مادة علمية تكتب فيها بعض المؤلفات، أغراضها النيل من المذاهب الإسلامية ذات المناهج العلمية والفقهية، والتي كان لها أثر بارز في نشوء علم أصول الفقه الذي هو علم أصول الفهم، فلا هم لهذه الفرقة إلا تحقير
стр. 338
الآخرين وتبديعهم صغاراً وكباراً من الأقدمين والمعاصرين.
على سبيل المثال أسوق بعض الأمثلة التي يقولها بعض العلماء ممن قد يأخذ كلامه على ظاهره فيكون سبباً للتشدد والغلو، يقول بعضهم: (من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه ولا دخل فيه ولا ترك الشرك فهو كافر) (١).
فليلاحظ أن الذي أظهرناه كأنه هو الذي أظهر التوحيد، وليس محمد بن عبد الله، وكأنه هو الوحيد الذي كتب في التوحيد، ولم يكتب فيه غيره.
ولننظر إلى كتاب آخر، يقول فيه مؤلفه: (التكفير والقتل ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقاً، بل على بلوغها، فلو كان الحكم موقوفاً على فهم الحجة لم نكفر ونقتل إلا من علمنا أنه معاند خاصة وهذا بين البطلان) (٢).
أليس هذا أساس التعصب الذي نتج عنه سفك دماء المسلمين بغير حق؟ أليس هذا هو الإرغام على التسليم لفهمه، وإلا كان جزاءه القتل والحرب؟ أليس هذا ما تعتنقه جماعات المتطرفين في تعميم التكفير للمجتمعات والأنظمة والحكام؟ " (٣).
فهذا النقل السابق للكاتب ينسب فيه التكفيرَ إلى الإمام ﵀، ثم يأت يستدل بكلام للإمام ﵀ في نفي التكفير، ليوافق هوى الكاتب، وليرد به على من يقول بوقع الشرك والوثنية في بلاد الحرمين، فيقول د. عمر كامل في مقالة له بعنوان: "لا خوف على بلاد الحرمين من الشرك والوثنية" (٤): "والآن إليك نبذة من أقوال الشيخ محمد بن عبد الوهاب توضح منهجه في الدعوة، وينفي بها عن نفسه ما نسب إليه زوراً وبهتاناً من تكفير من لا يستحق ذلك.
ويبين الشيخ براءته مما نسب إليه من التكفير بالباطل، فينكر ذلك بأسلوب شديد ويبين صفات من يُحكم عليهم بالكفر، ويؤكد أن أكثر الأمة ليس فيها هذه الصفات ويحمد الله على
стр. 339
ذلك.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى السويدي البغدادي: (وما ذكرت أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة: فيا عجباً، كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟!)
إلى أن قال: (وأما التكفير: فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله وهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك) (١) ا. هـ" (٢).
سابعا: أن من اطلع على رسائل أئمة الدعوة والكتب التي صنفوها يجد أنهم أبعد الناس عن التسرع في التكفير (٣)، ولا يعرف عن مدرسة من المدارس الإسلامية المعاصرة اهتماماً برد فكرة التكفير، واقتلاعها من جذورها كما يوجد في الدعوة السلفية المباركة، ولا أدل على ذلك من عشرات الكتب والرسائل والمحاضرات والفتاوى التي تدحض هذه الشبهة بالأسلوب العلمي الرصين (٤).
стр. 340
المطلب الثالث: دعوى انتساب التكفيريين لدعوة الإمام
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى انتساب التكفيريين لدعوة الإمام، والإتهام بأن أفكار الجماعات التكفرية وأقوالهم مستمدة من كتب أئمة الدعوة ﵏.
يقول فؤاد إبراهيم وهو يتحدث عن نظام الدولة الإسلامية "داعش" وتأثرها بالتكفير بدعوة الإمام:
"رابعاً: الخطاب الجهادي الوهابي الجاذب لجماعات عديدة كانت تبحث عن خطاب تعويضي يرتكز على رؤية دينية مستمدة من مرجعية محددة ينتج فيها هويته، ورؤيته ودوره، إذ ليس هناك من يشكك في إخلاص داعش للعقيدة الوهابية الأصلية وتجسده لتعاليمها، مع اندلاع الخلاف بين القاعدة وداعش وخروجه للعلن، تكشفت حقيقة الجذور الفكرية لكل منهما، وتبين أن داعش هو تنظيم سلفي وهابي خالص على العكس من القاعدة التي تضم بين صفوفها عناصر من تلاوين مذهبية سنية متنوعة.
خامساً: الضرب في الخواصر الضعيفة والرخوة، ففي العراق لعب على الورقة الطائفية، بوصفها ورقة رابحة في مشرق عربي منقسم على ذاته طائفياً وفي ظل انهيار أسس الدولة الوطنية. عليه اختار داعش مقاتلة الشيعة وليس القوات الأمريكية، مما شجع حكومات خليجية وكثيراً من المشايخ الوهابيين على دعمه وتمويله" (١).
ويقول أيضاً عن تأثر هذه الجماعة في التكفير بكتب الإمام: "لا تتمايز داعش عن أي تنظيم سلفي جهادي أو تقليدي من حيث اعتناق الوهابية مذهباً. ويشمل العقيدة والفقه ومنهج التفكير والرؤية الكونية. نظرة سريعة في المكتبة العقدية المثبتة على المواقع الإلكترونية الرسمية للتنظيم كافية لأن يتعرف المتابع بسهولة على الهوية المذهبية للتنظيم. من نافلة القول إن مؤلفات محمد بن عبد الوهاب مثل (كتاب التوحيد) و (كشف الشبهات) و (نواقض الإسلام)
стр. 341
وغيرها يجري توزيعها في المناطق الخاضعة تحت سيطرة داعش في العراق وسوريا ويعلوها ختم "الدولة الإسلامية" وشعارها باللونين الأبيض والأسود ويتم تدريس الكتب وشرحها في الحلقات الدينية الخاصة التي يعقدها الجهاز التربوي في التنظيم" (١).
ثم يقول: "تصفح النشريات والأبحاث المدرجة في المكتبة الإلكترونية في المواقع التابعة لتنظيم "الدولة" أو المقربة منه يوصل إلى حقيقة الدمغة الوهابية الواضحة في أسماء المؤلفين، وعناوين الكتيبات والأبحاث واللغة المستخدمة فيها.
النزعة التنزيهية المفرطة لدى داعش والمستمدة من العقيدة الوهابية تحولت إلى محرض عالي الكفاءة على الاستعمال المفرط للعنف، وتبني عقيدة استئصالية بوصفها مهمة متعالية أوكلت إليه من السماء. وهذه النزعة تكتسي رداءً ثقافياً وعقدياً ويجري تعميمها في هيئة تعاليم دينية، وتصورات عن الجماعة المؤمنة وفق الخصائص الواردة في كتب السلفية التقليدية … " (٢).
ثم يقول: " ما يلفت في خطاب داعش تأكيده على أنه الامتداد التاريخي والشرعي للرعيل الأول من المسلمين، وأن أتباعه من سوف يكتب على أيديهم التغيير في نهاية التاريخ، تماماً كما هي عقيدة الوهابيين الأوائل ومن جاء بعدهم من جماعات تصحيحية داخل المجال الوهابي" (٣).
ويقول كوينتان فيكتور عن (بزوغ تيار إسلاموي جهادي متطرف مستلهم من مبادئ الشيخ محمد بن عبد الوهاب): "إن السعوديين كان لهم حقاً إسهام فعال في تأسيس تيار إسلاموي جهادي مستلهم من مبادئ محمد بن عبد الوهاب، والذي كانت ولا تزال كتاباته مؤثرة للغاية" … ثم قال: " ويستخدم الجهاديون السعوديون ابن عبد الوهاب كرابط مباشر بوصلهم إلى ابن تيمية، بالرغم من أن بعض الدراسات الحديثة تدل الآن على أن تأثير ابن
стр. 342
تيمية على ابن عبد الوهاب أقل مما هو متصور تقليدياً.
وكان عمل ابن عبد الوهاب الأكثر ملاءمة للمتطرفين هو رسالة صغيرة جداً بعنوان (نواقض الإسلام) والذي يحدد فيها ابن عبد الوهاب عشرة أمور تُخرج المسلم من الدين تلقائياً" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
سبق في الفصل الثاني في الدعوى الأولى: دعوى أن دعوة الإمام هي أصل دعوة الخوارج، وأنها دعوى قديمة، وفي هذه الدعوى دعوى انتساب التكفريين لدعوة الإمام.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: سبق في الفصل الثاني في الدعوى الأولى: الجواب عن دعوى إنتساب أو نسبة الخوارج - في خروجهم على الحكام والولاة- لدعوة الإمام، والتفريق بين دعوة الخوارج ودعوة الإمام، وأن دعوة الإمام دعوة سلفية.
ثانيا: أن هذا الانتساب أو النسبة لا تضرُ الإمامَ محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ لأن مشكلتهم هي عدم فهمهم لكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فكما أن التكفريين يزعمون أن أقوالهم وأفكارهم مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهكذا سائر الفرق الضالة، كل يستدل على ضلالته بفهمه لآيات القرآن الكريم والسنة النبوية ولا يقال أن القرآن والسنة هي سبب ضلالهم؛ وإنما سبب ضلالهم هو عدم فهمهم لكلام الله وكلام رسوله ﷺ .
واستشهاد التكفريين بكلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ أو طبع بعض كتبه، فإنه لا يصح أن يكون سبباً لإلحاق هؤلاء التكفريين بدعوة الإمام المجدد لأنه يلزم منه أن يلحقوا بالقرآن؛ لأنهم يستشهدون بآيات من القرآن، ومثل هذا يقال في السنة النبوية.
ثالثا: أن كلام الله، وكلام رسوله ﷺ لا يمكن أن يدل على معنى باطل، ولا يمكن أن
стр. 343
يتعارض مع بعضه، ومن توهم ذلك، فإنما أوتي من سوء فهمه للنصوص الشرعية.
فإذا كان كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قد استدل به أقوام -حسب فهمهم- على فكرهم المنحرف، فكيف بكلام عالم من العلماء، يخطى ويصيب؟ لا شك أن التجني عليه، وتأويل كلامه، من باب أولى.
رابعا: لو فرض وجود خطأ أو تجاوز أو تصرف من بعض من ينتسب إلى الإسلام فإنه لا يحمل على الإسلام؛ فكذلك إذا وجد خطأ أو تجاوز أو تصرف من بعض من ينتسب إلى دعوة الامام؛ فإنه لا يجوز نسبة ذلك إلى دعوة الإمام، ولا أن تتحمل الدعوة خطاءه.
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آ ل الشيخ ﵀ عن الإمام محمد: "وما حدث بعده أو في وقته من خطأ، أو تعد، فلا يجوز نسبته إليه، وأنه أمر به ورضيه، وقد جرى لأسامة بن زيد في دم الجهني، وجرى لخالد بن الوليد في دماء بني جذيمة وأموالهم، ما لا يجهله أهل العلم والإيمان، وذلك في عهده ﷺ ، وقد برئ منه وأنكره، فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» (١). وقال لأسامة: «أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» (٢) … إلى أن قال: وبالجملة، فالواجب أن يتكلم الإنسان بعلم وعدل، ومن فاته العلم فحسبه السكوت إن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر، ومن خلع ربقة الدين من عنقه، فليقل ما شاء الله، والله بما يعملون بصير" (٣).
خامسا: أن سبب نسبتهم للتكفيرين لدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب مع وجود ووضوح الفرق بينهما هو الجهلُ بالأحكام الشرعية، أو الجهل بدعوة الإمام المجدد أو الجهل بحال التكفريين، وذلك أنهم لما رأوا الإمام محمد بن عبد الوهاب كفّر من يستحق ذلك، ورأوا التكفريين كفروا؛ ألحقوا هؤلاء التكفريين بدعوة الإمام، وزاد اللبس أنهم رأواهم طبعوا كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب، بل ويردد جمع منهم بعض كلمات الإمام.
وهذا مردود لأن التكفير بحق لا تمنعه الشريعة، وله أسبابه ودوافعه عند الإمام محمد بن
стр. 344
عبد الوهاب، وهي أسباب ودوافع حقٍ شرعاً بخلاف هؤلاء التكفريين، ويلزم على قولهم أيضا إلحاق هؤلاء التكفريين المكفرين بغير حق بكل من كفر بحق من الصحابة والأئمة وغيرهم.
وهذا ما لا يصح بحال؛ لأن مقتضاه المساواة بين الحق والباطل، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢].
سادسا: أن مطلق الاشتراك بين طائفتين لا يلزم أنهما سواء؛ ما لم يكن الاشتراك فيما هو موجب لتحزب هذه الطائفة أو سبب لتفرقها، ولو كان مطلق الاشتراك كافياً لألحق الرافضة بأهل السنة؛ لأنهما يحبان علي بن أبي طالب وآل البيت.
فعلى هذا لا يصح أن يلحق التكفريون بدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب لمطلق الاشتراك في التكفير، فلا يلحق التكفير بالباطل الذي نهت عنه الشريعة بالتكفير بحق الذي جاءت به الشريعة.
سابعا: أن استدلالهم ببعض كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب قد يكون من الحق الذي عندهم، فليس كل ما عندهم باطل، فبعضهم ينكر الشرك الأكبر وهو صرف العبادة لغير الله وهذا حق، لكن ليس معنى أن عندهم شيئاً من الحق أنهم على الحق، فالنصارى عندهم شيء من الحق كالإقرار بوجود الله لكن عندهم مكفرات كفروا بها، وهكذا يقال في التكفريين عندهم شيء من الحق، لكن عندهم غلو في التكفير مما جعلهم ضلالاً.
ثامنا: أن احتجاج أهل الباطل بأنهم مع أهل الحق لا يلتفت إليه؛ لأنهم لو كانوا معهم لكانوا على الحق؛ لذا قد يخطئون ويظنون هذا كلام أهل الحق وليس كذلك، كما يخطئون في الاستدلال بالأدلة وليست كذلك.
ومن ذلك ما ذكره الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري (١) ﵀، حيث قال في
стр. 345
رسالة له -في بيان من أخطأ في فهم كتاب الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك للشيخ سليمان بن عبد الله ﵀، وكتاب سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك للشيخ حمد بن عتيق ﵀: " وقد بلغنا أن الذي أشكل عليكم أن مجرد مخالطة الكفار، ومعاملتهم بمصالحة ونحوها وقدومهم على ولي الأمر؛ لأجل ذلك أنها هي موالاة المشركين المنهي عنها في الآيات والأحاديث، وربما فهمتم ذلك من الدلائل التي صنف الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ، ومن سبيل النجاة للشيخ حمد بن عتيق".
ثم ذكر سبب التصنيف، ثم قال: "فمعرفة سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام العلماء، فإنه -بحمد الله - ظاهر المعنى، فإن المراد به: موافقة الكفار على كفرهم، وإظهار مودتهم ومعاونتهم على المسلمين، وتحسين أفعالهم، وإظهار الطاعة والانقياد لهم على كفرهم، والإمام -وفقه الله - لم يقع في شيء مما ذكر فإنه إمام المسلمين والناظر في مصالحهم، ولابد له من التحفظ على رعاياه وولايته من الدول الأجانب.
والمشايخ ﵏ كالشيخ سليمان بن عبد الله، والشيخ عبد اللطيف، والشيخ حمد بن عتيق إذا ذكروا موالاة المشركين فسروها بالموافقة والنصرة والمعونة والرضا بأفعالهم، فأنتم -وفقكم الله - راجعوا كلامهم تجدوا ذلك كما ذكرنا" (١).
تاسعا: قد يتعمد التكفريون الانتساب لطائفة زكية ذات مرتبة علية كدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، ليروج مذهبهم على الناس.
عاشرا: بالمقارنة بين دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوة هؤلاء المنتسبين له أو المنسوبون له نجد فروقاً كثيرة بمجرد مطالعة سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب العلمية والعملية ومن بعده من أنصار هذه الدعوة ومطالعة سيرة هؤلاء التكفريين العلمية والعملية، ومن تلك الفروق:
الفرق الأول: في حقيقة الدعوة (٢):
стр. 346
فدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوة للدين كله وأهمه الدعوة إلى التوحيد، وقد ظهر هذا جلياً في مؤلفاته ورسائله وسيرته العلمية والعملية، وهو ظاهر في أبنائه وأنصار دعوته من العلماء والحكام، وهم على هذا المنهج من حماية التوحيد ونشره ومحاربة الشرك ودحره.
وهذا بخلاف التكفيريين الذين دعوتهم دعوة علو في الأرض وفساد فيها: بتكفيرٍ وتفجير وسفك للدماء.
الفرق الثاني: التكفير:
فالإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يكفر إلا بفعل المكفرات، أما الذنوب فلم يكفر بها، وهذا بخلاف التكفيريين الذين يكفرون بالذنوب.
قال ﵀: "قد قدمنا أننا لا نكفر بالذنوب، وإنما نقاتل ونكفر من أشرك بالله، وجعل لله نداً يدعوه كما يدعو الله، ويذبح له كما يذبح لله، وينذر له كما ينذر لله ويخافه كما يخاف الله، ويستغيث به عند الشدائد، وجلب الفوائد، ويقاتل دون الأوثان والقباب المبنية على القبور، التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله" (١).
وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀: "والخوارج كفرت بأمور ظنتها ذنوباً وليست كذلك، وبذنوب محققة دون الشرك والتنديد، وأما الرسل وأتباع الرسل فكفروا من لم يؤمن بالله، أي: بربوبيته، وإلهيته، وتوحيده، وإفراده بالعبادة، ومن جعل له نداً يدعوه ويعبده، ويستغيث به ويتوكل عليه ويعظمه، كما فعلت الجاهلية من العرب، ومشركو أهل الكتاب، فتكفير هؤلاء ومن ضاهاهم وشابههم ممن أتى بقول أو فعل يتضمن العدل بالله، وعدم الإيمان بتوحيده وربوبيته وإلهيته وصفات كماله، والإيمان برسله وملائكته، وكتبه، والإيمان بالبعث بعد الموت، وكل ما شابه هذا من الذنوب المكفرة كما نص عليه علماء الأمة، وبسطوا القول فيه، حتى كفروا من أنكر فرعاً مجمعاً عليه إجماعاً قطعياً، كما مرت حكايته عن الحنابلة.
وأما الخوارج فلم يفصلوا ولم يفقهوا مراد الله ورسوله، فكفروا بكل ذنب ارتكبه المسلم.
стр. 347
فمن جعل التكفير بالشرك الأكبر من هذا الباب، فقد طعن على الرسل وعلى الأمة، ولم يميز بين دينهم ومذهب الخوارج، وقد نبذ نصوص التنزيل واتبع غير سبيل المؤمنين" (١).
الفرق الثالث: القتال:
فالإمام محمد بن عبد الوهاب لم يقاتل ابتداءا، بل كان قتاله قتال دفع، فإن الناس قاتلوهم؛ لأنهم أهل توحيد ينكرون الشرك وعبادة الأولياء وقصد الأضرحة.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم، إلا دون النفس والحرمة; وهم الذين أتونا في ديارنا، ولا أبقوا ممكنا، ولكن قد نقاتل بعضهم، على سبيل المقابلة، وجزاء سيئة سيئة مثلها؛ وكذلك من جاهر بسب دين الرسول، بعد ما عرفه، فإنا نبين لكم أن هذا هو الحق، الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس، وتعليمه النساء، والرجال" (٢).
وهذا بخلاف التكفيريين، فلم يقاتلوا على التوحيد وإفراد الله بالعبادة، وإنما غالب قتالهم للمسلمين لأمرين:
الأول: لأنهم كفروهم وكفروا حكامهم، فجعلوهم مرتدين.
الثاني: أنهم قاتلوا لإدخال الناس تحت حكمهم، ومن لم يوافقهم كفروه وقتلوه.
الفرق الرابع: تكفير المعين:
من توقي الإمام في التكفير أنه لم يكفر معينين تلبسوا بالشرك الأكبر المجمع على أنه كفر لوجود مانع من تكفيرهم وهو جهلهم وعدم من ينبههم، فقال ﵀: "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم" (٣).
وقال: "إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف،
стр. 348
إذا عرف ثم أنكر" (١).
وقال الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: "ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبالغ في نصح الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وإن كان مخطئاً في هذه المسألة أو غيرها " (٢).
وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ في بيان من هو المستحق للتكفير عند الإمام المجدد: "هذا القول الذي قاله شيخنا وقرره في تكفير من عرف أن التوحيد دين الله، وأن الاعتقاد في الشجر والحجر هو الشرك الذي قاتل عليه رسول الله ﷺ ، ومع هذه المعرفة أعرض عنه ولم يقبله تعلماً وعملاً، هو الذي دل عليه الكتاب العزيز والسنة النبوية ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]، ولم يقل فإن لم يعرفوا؛ بل رتب ذلك على نفس الإعراض" (٣).
وهذا يخالف حال التكفريين من كل وجه، فإنهم كفروا حكام المسلمين بلا إقامة حجة، وكفروا رجال الأمن، بل يكفرون كل من لم يوافقهم على أعمالهم وأقوالهم.
وهذه بعض الفروق بين دعوة المجدد محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وبين هؤلا التكفريين، ولا تصح النسبة ولا الانتساب بينهما (٤).
стр. 349
المطلب الرابع: دعوى التكفير السياسي
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى التكفير السياسي، وأن تكفير الإمام لخصوم الدعوة كان سياسياً وليس دينياً، وأنه كان على خطوات، فبدأ دينياً ثم انتهى سياسياً.
يقول أحمد النفيس: "يأتي النهج الوهابي أي التكفير السياسي الذي يستهدف المسلمين الذين لا يؤمنون بالولاية السياسية للسلطة الوهابية.
الخطوة الأولى:
تتمثل في إقناع الناس أن صفة المسلم الموحد لا تنطبق على كل من قال لا إله إلا الله بل إن الاعتراف الوهابي بإسلام غيرهم متوقف على عدة شروط (مراغمة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾، [النساء: ٩٤]،) حيث يقول: (إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» أنه ترك الشرك ليس قولها باللسان بل هناك شروط (أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول: (لا إله إلا الله) وتبين لك خطأ المغرورين) ومن بين هذه الشروط ما جاء في حديث عتبان، ص ٤ التوحيد …
متى كان الإقرار بالشهادتين وإعلان الدخول في الإسلام بحاجة لاعتراف أو قبول من أحد من البشر كائناً من كان؟!
ومتى كان القبول والإقرار بشهادة لا إله إلا الله متوقفاً على شرط أو شروط كما زعم ويزعم الخوارج القدامى والمعاصرون؟!
إنها كارثة بل ومؤامرة بل وفتنة أخلاقية وسياسية ودينية كان من المحتم والضروري على المسلمين أن يستنفروا جهودهم لإجهاضها ورفضها ولكن أين المسلمين (كذا)؟ في زمن عز فيه الرجال أو كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: «يا أشباه الرجال ولا رجال! حُلوم
стр. 350
الأطفال، وعقول ربات الحجال» " (١).
ويقول الحسن بن علي الكتاني: "وهم أنفسهم -أي النجديون- لم يطردوا هذا الأصل - يعني عدم الخروج على الولاة- فإنهم حاربوا العثمانيين لكنهم لم يحاربوا العراق ولا الشام بعدما احتلها الإنجليز والفرنسيون، وكذلك الحال في اليمن وفي سائر إمارات الخليج.
فلو كان الأمر جهاداً لنصرة التوحيد ولتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فقد كان ينبغي عليهم الاستمرار في القتال وتوحيد بلاد الإسلام تحت خلافة راشدة سنية موحدة.
أما التوقف عن القتال، بل قتال كل من رفض التوقف ومحاربته بفتوى أئمة الدعوة فهذا مما لا يستقيم.
وأيضاً، فإن النجديين كفروا أهل الحجاز والشام واليمن والأحساء والعراق ومصر وغيرها لكونهم مشركين وفي بلادهم القباب والشعائر الشركية، فلما استتب لهم الملك وأسسوا دولتهم وأقاموا العلاقات مع تلك البلاد عاملوا من دخل طاعتهم معاملة المسلمين وتركوا كثيراً مما كانوا عليه من قبل، مع بقاء تلك القباب في جميع البلاد التي لم تدخل تحت ملكهم.
فإما أن يكونوا قد أخطأوا سابقاً وأصابوا لاحقاً أو العكس. ولا يتصور غير ذلك" (٢).
حقيقة هذه الدعوى:
سبق في الفصل الثاني، في الدعوى الرابعة فرية أن دعوة الإمام حركة سياسية وليست دعوة دينية، وفي هذه الدعوى تفريع لها أن التكفير كان سياسيا، ولم يكن دينيا (٣).
стр. 351
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أن دعوة الإمام ﵀ دعوة سلفية دينية وليست حركة سياسية، فإن الباعث على دعوة الإمام ﵀ هو ما رآه من مخالفات ووقوع في الشرك في بلده، فقام امتثالا لأمر الله ونصرة للتوحيد.
فهي دعوة سلفية ليست ذات مذهب خاص بها، وإنما هي الدعوة إلى الإسلام بكل مبادئه وتعاليمه الخالصة من شوائب الشرك والوثنية والبدع، وهي تهدف إلى تصحيح العقيدة الإسلامية في نفوس أتباعها وتطهيرها مما علق بها من أدران الشرك والبدع والخرافات (١).
كما تهدف إلى تطبيق أحكام الإسلام وشعائره وحدوده وإقامة مجتمع إسلامي يؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة.
ثانيا: أن حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب أنها دعوة إصلاحية جامعة للأمور الدينية والسياسية معاً؛ لأن الإسلام بطبيعته دين ودولة (٢). فالدعوة اهتمت وركزت على الإصلاح الديني، وذلك أن الانحراف الديني في العالم الإسلامي في ذلك الوقت يفوق تدهوره السياسي، ثم إن إصلاح العقيدة الإسلامية في نفوس المجتمع الإسلامي أساس كل إصلاح (٣).
يقول أكرم حجازي: "إن الوهابية هي دعوة سلفية خالصة لها قواعدها وأصولها، ومن مهماتها إحياء علوم الدين وتصحيح الانحرافات وتفكيك الأساطير والخرافات ومظاهر الشرك وإعادة الناس إلى الفطرة الدينية السليمة باعتماد "الدليل الشرعي" الذي أكسبها لاحقاً صفة "سلفية الدليل".
وبما أنها دعوة دينية فمن المستبعد أن تقدم السلفية نفسها أو تكون انعكاساً لتكوينات
стр. 352
اجتماعية أو طائفة دينية أو سياسية، ولعل سر ديمومتها واتساعها هو فيما تدعو إليه من العودة إلى الفطرة والتمسك بسيرة السلف في فهمهم للدين والعمل به وليس بسبب توجيهات سياسية من السلطة ولا بسبب امتلاكها الإمكانات المادية كما يروج البعض وهو ما كانت تفتقده أصلاً حين النشأة، فضلاً عن أن مؤسسها، وإن كان والده قاضياً، إلا أنه كان من عائلة نجدية صغيرة وفقيرة.
ولأنها سلفية فهذا يعني أنها تفكر في العقيدة من أجل العقيدة ومن أجل المعتقدين بها" (١).
ثالثا: أن قيام الإمام محمد بن عبد الوهاب بهذه الدعوة وبحثه عن من ينصر دعوته - وهو ما حصل من الإمام محمد بن سعود-، لا يعتبر هذا أمر سياسيا - وإن كانت السياسة لا تخرج عن الدين-؛ لأن الحق لابد له من ينصره، وهذا هو فعل النبي ﷺ ، فقد كان النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل يبحث عن من ينصر دعوته، وخرج إلى المدينة لما تعهد له أهلها بنصرته (٢).
رابعا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب اعتمد في دعوته على ثلاثة مصادر (٣):
أولها: القرآن الكريم: المصدر الأول للتشريع الإسلامي.
ثانيها: السنة النبوية: وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي.
ثالثها: آثار السلف الصالح: من الصحابة والتابعين وتابعيهم وخاصة الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل. كما أنه تأثر بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم حيث اهتم بمؤلفاتهم، وتأثر بآرائهم وأفكارهم.
ومن يطلع على مؤلفات الإمام ورسائله يدرك اهتمامه وعنايته بكتاب الله تعالى وسنة
стр. 353
رسوله ﷺ ، ولا يمكن لمن يعتمد على هذه المصادر أن يكون تكفيره سياسيا.
خامسا: قول أحمد النفيس: "متى كان الإقرار بالشهادتين وإعلان الدخول في الإسلام بحاجة لاعتراف أو قبول من أحد من البشر كائناً من كان؟! ".
هذا لم يقله أحد من أهل العلم! وأين هذا الكلام في كتب الإمام وأتباعه؟
سادسا: قوله: "ومتى كان القبول والإقرار بشهادة لا إله إلا الله متوقفاً على شرط أو شروط كما زعم ويزعم الخوارج القدامى والمعاصرون؟! ".
قد نص أهل العلم على أن قول لا إله إلا الله يوجب اسم الإسلام ويحرّم مال قائلها ودمه، وقد بوب الإمام ابن مندة ﵀ في كتابه الإيمان (١): "ذكر ما يدل على أن قول لا إله إلا الله يوجب اسم الإسلام ويحرم مال قائلها ودمه، وذكر فيه حديث المقداد ﵁، قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين ضربتين فقطع يدي، فلما هويت إليه لأضربه قال: لا إله إلا الله، أأقتله؟ أم أدعه؟ قال: "بل دعه" (٢).
وقال ابن المنذر (٣) ﵀: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأن كل ما جاء به محمد حق، وأتبرأ من كل دين خالف دين الإِسلام، وهو بالغ صحيح يعقل: أنه مسلم. فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتداً يجب عليه ما يجب على المرتد" (٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول، أن كل كافر فإنه يدعى إلى
стр. 354
الشهادتين، سواء كان معطلاً، أو مشركاً، أو كتابياً، وبذلك يصير الكافر مسلماً، ولا يصير مسلماً بدون ذلك" (١).
ويقول الحافظ ابن حجر ﵀ " وفي حديث ابن عباس من الفوائد -حديث بعث معاذ إلى اليمن- الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين" (٢).
فهذه بعض النصوص عن الأئمة واضحة في تقرير هذا الأصل - وهو الدخول في الإسلام بالشهادة-، فإذا نطق بالشهادتين حكم بإسلامه.
فإذا أقر بهذه الشهادة؛ فلا بد من العمل بمقتضاها، ولا تُقبل من قائلها ولا ينتفع بها إلا إذا أدى حقها وفرضها واستوفى شروطها الواردة في الكتاب والسنة (٣)، وليس "المراد من ذلك عد ألفاظها وحفظها؛ فكم من عامي اجتمعت فيه والتزمها ولو قيل له أعددها لم يحسن ذلك، وكم حافظٍ لألفاظها يجري فيها كالسهم وتراه يقع كثيراً فيما يناقضها، والتوفيق بيد الله" (٤).
فكلمة التوحيد "لا إله إلا الله" سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتض لذلك؛ ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع، فالمنافقون يقولون: لا إله إلا الله وهم في الدرك الأسفل من النار.
روى ابن جرير ﵀ بسنده عن قتادة ﵀ أنه قال في قول الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] "وإن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له في الدنيا فناكح بها المسلمين وغازى بها المسلمين ووارث بها المسلمين وحقن بها دمه وماله. فلما كان عند الموت سلبها المنافق لأنه لم يكن لها
стр. 355
أصل في قلبه ولا حقيقة في علمه" (١).
فقوله: "لم يكن لها أصل في قلبه" إشارة إلى الشروط القلبية، وقوله: " ولا حقيقة في عمله" إشارة إلى الشروط العملية.
وجاء عن الحسن البصري ﵀ أنه قيل له: إن ناساً يقولون: من قال " لا إله إلا الله" دخل الجنة؛ فقال: " من قال " لا إله إلا الله" فأدَّى حقها وفرضها دخل الجنة" (٢).
وقيل لوهب بن منبه ﵀: "أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك" (٣).
سابعا: قول الحسن بن علي الكتاني عن النجديين: " إنهم حاربوا العثمانيين لكنهم لم يحاربوا العراق ولا الشام بعدما احتلها الإنجليز والفرنسيون، وكذلك الحال في اليمن وفي سائر إمارات الخليج … "
فقد سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان منهج الإمام ﵀ حيث يقول: "وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا؛ ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعدما عرفه" (٤).
ويذكر في رسالة أخرى أن علماء المسلمين أجمعوا على أن من صدق الرسول في شيء وكذبه في شيء آخر فهو كافر حلال الدم والمال، وإخلاص التوحيد لله تعالى أهم ما جاء به الرسول ﷺ ، فكيف نقاتل من ينكر الصلاة والزكاة ولا نقاتل من ينكر إخلاص التوحيد لله (٥)، وهذا منهج الإمام ﵀ في القتال.