الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أن دعوة الإمام ﵀ دعوة سلفية دينية وليست حركة سياسية، فإن الباعث على دعوة الإمام ﵀ هو ما رآه من مخالفات ووقوع في الشرك في بلده، فقام امتثالا لأمر الله ونصرة للتوحيد.
فهي دعوة سلفية ليست ذات مذهب خاص بها، وإنما هي الدعوة إلى الإسلام بكل مبادئه وتعاليمه الخالصة من شوائب الشرك والوثنية والبدع، وهي تهدف إلى تصحيح العقيدة الإسلامية في نفوس أتباعها وتطهيرها مما علق بها من أدران الشرك والبدع والخرافات (١).
كما تهدف إلى تطبيق أحكام الإسلام وشعائره وحدوده وإقامة مجتمع إسلامي يؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة.
ثانيا: أن حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب أنها دعوة إصلاحية جامعة للأمور الدينية والسياسية معاً؛ لأن الإسلام بطبيعته دين ودولة (٢). فالدعوة اهتمت وركزت على الإصلاح الديني، وذلك أن الانحراف الديني في العالم الإسلامي في ذلك الوقت يفوق تدهوره السياسي، ثم إن إصلاح العقيدة الإسلامية في نفوس المجتمع الإسلامي أساس كل إصلاح (٣).
يقول أكرم حجازي: "إن الوهابية هي دعوة سلفية خالصة لها قواعدها وأصولها، ومن مهماتها إحياء علوم الدين وتصحيح الانحرافات وتفكيك الأساطير والخرافات ومظاهر الشرك وإعادة الناس إلى الفطرة الدينية السليمة باعتماد "الدليل الشرعي" الذي أكسبها لاحقاً صفة "سلفية الدليل".
وبما أنها دعوة دينية فمن المستبعد أن تقدم السلفية نفسها أو تكون انعكاساً لتكوينات
стр. 352
اجتماعية أو طائفة دينية أو سياسية، ولعل سر ديمومتها واتساعها هو فيما تدعو إليه من العودة إلى الفطرة والتمسك بسيرة السلف في فهمهم للدين والعمل به وليس بسبب توجيهات سياسية من السلطة ولا بسبب امتلاكها الإمكانات المادية كما يروج البعض وهو ما كانت تفتقده أصلاً حين النشأة، فضلاً عن أن مؤسسها، وإن كان والده قاضياً، إلا أنه كان من عائلة نجدية صغيرة وفقيرة.
ولأنها سلفية فهذا يعني أنها تفكر في العقيدة من أجل العقيدة ومن أجل المعتقدين بها" (١).
ثالثا: أن قيام الإمام محمد بن عبد الوهاب بهذه الدعوة وبحثه عن من ينصر دعوته - وهو ما حصل من الإمام محمد بن سعود-، لا يعتبر هذا أمر سياسيا - وإن كانت السياسة لا تخرج عن الدين-؛ لأن الحق لابد له من ينصره، وهذا هو فعل النبي ﷺ ، فقد كان النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل يبحث عن من ينصر دعوته، وخرج إلى المدينة لما تعهد له أهلها بنصرته (٢).
رابعا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب اعتمد في دعوته على ثلاثة مصادر (٣):
أولها: القرآن الكريم: المصدر الأول للتشريع الإسلامي.
ثانيها: السنة النبوية: وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي.
ثالثها: آثار السلف الصالح: من الصحابة والتابعين وتابعيهم وخاصة الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل. كما أنه تأثر بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم حيث اهتم بمؤلفاتهم، وتأثر بآرائهم وأفكارهم.
ومن يطلع على مؤلفات الإمام ورسائله يدرك اهتمامه وعنايته بكتاب الله تعالى وسنة
стр. 353
رسوله ﷺ ، ولا يمكن لمن يعتمد على هذه المصادر أن يكون تكفيره سياسيا.
خامسا: قول أحمد النفيس: "متى كان الإقرار بالشهادتين وإعلان الدخول في الإسلام بحاجة لاعتراف أو قبول من أحد من البشر كائناً من كان؟! ".
هذا لم يقله أحد من أهل العلم! وأين هذا الكلام في كتب الإمام وأتباعه؟
سادسا: قوله: "ومتى كان القبول والإقرار بشهادة لا إله إلا الله متوقفاً على شرط أو شروط كما زعم ويزعم الخوارج القدامى والمعاصرون؟! ".
قد نص أهل العلم على أن قول لا إله إلا الله يوجب اسم الإسلام ويحرّم مال قائلها ودمه، وقد بوب الإمام ابن مندة ﵀ في كتابه الإيمان (١): "ذكر ما يدل على أن قول لا إله إلا الله يوجب اسم الإسلام ويحرم مال قائلها ودمه، وذكر فيه حديث المقداد ﵁، قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين ضربتين فقطع يدي، فلما هويت إليه لأضربه قال: لا إله إلا الله، أأقتله؟ أم أدعه؟ قال: "بل دعه" (٢).
وقال ابن المنذر (٣) ﵀: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأن كل ما جاء به محمد حق، وأتبرأ من كل دين خالف دين الإِسلام، وهو بالغ صحيح يعقل: أنه مسلم. فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتداً يجب عليه ما يجب على المرتد" (٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول، أن كل كافر فإنه يدعى إلى
стр. 354
الشهادتين، سواء كان معطلاً، أو مشركاً، أو كتابياً، وبذلك يصير الكافر مسلماً، ولا يصير مسلماً بدون ذلك" (١).
ويقول الحافظ ابن حجر ﵀ " وفي حديث ابن عباس من الفوائد -حديث بعث معاذ إلى اليمن- الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين" (٢).
فهذه بعض النصوص عن الأئمة واضحة في تقرير هذا الأصل - وهو الدخول في الإسلام بالشهادة-، فإذا نطق بالشهادتين حكم بإسلامه.
فإذا أقر بهذه الشهادة؛ فلا بد من العمل بمقتضاها، ولا تُقبل من قائلها ولا ينتفع بها إلا إذا أدى حقها وفرضها واستوفى شروطها الواردة في الكتاب والسنة (٣)، وليس "المراد من ذلك عد ألفاظها وحفظها؛ فكم من عامي اجتمعت فيه والتزمها ولو قيل له أعددها لم يحسن ذلك، وكم حافظٍ لألفاظها يجري فيها كالسهم وتراه يقع كثيراً فيما يناقضها، والتوفيق بيد الله" (٤).
فكلمة التوحيد "لا إله إلا الله" سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتض لذلك؛ ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع، فالمنافقون يقولون: لا إله إلا الله وهم في الدرك الأسفل من النار.
روى ابن جرير ﵀ بسنده عن قتادة ﵀ أنه قال في قول الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] "وإن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له في الدنيا فناكح بها المسلمين وغازى بها المسلمين ووارث بها المسلمين وحقن بها دمه وماله. فلما كان عند الموت سلبها المنافق لأنه لم يكن لها
стр. 355
أصل في قلبه ولا حقيقة في علمه" (١).
فقوله: "لم يكن لها أصل في قلبه" إشارة إلى الشروط القلبية، وقوله: " ولا حقيقة في عمله" إشارة إلى الشروط العملية.
وجاء عن الحسن البصري ﵀ أنه قيل له: إن ناساً يقولون: من قال " لا إله إلا الله" دخل الجنة؛ فقال: " من قال " لا إله إلا الله" فأدَّى حقها وفرضها دخل الجنة" (٢).
وقيل لوهب بن منبه ﵀: "أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك" (٣).
سابعا: قول الحسن بن علي الكتاني عن النجديين: " إنهم حاربوا العثمانيين لكنهم لم يحاربوا العراق ولا الشام بعدما احتلها الإنجليز والفرنسيون، وكذلك الحال في اليمن وفي سائر إمارات الخليج … "
فقد سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل بيان منهج الإمام ﵀ حيث يقول: "وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا؛ ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعدما عرفه" (٤).
ويذكر في رسالة أخرى أن علماء المسلمين أجمعوا على أن من صدق الرسول في شيء وكذبه في شيء آخر فهو كافر حلال الدم والمال، وإخلاص التوحيد لله تعالى أهم ما جاء به الرسول ﷺ ، فكيف نقاتل من ينكر الصلاة والزكاة ولا نقاتل من ينكر إخلاص التوحيد لله (٥)، وهذا منهج الإمام ﵀ في القتال.
стр. 356
كما أن الإمام ﵀ ومن بعده أتباعه سلكوا عدة أساليب في دعوة المخالفين من إرسال العلماء، وكتابة الرسائل (١)، ثم يأتي القتال في أخرها. ولم يتغير منهجهم في ذلك؛ وإنما هو حسب القدرة والإمكانية. وللذك كان لهذه الدعوة الأثر - ولا يزال ولله الحمد- سواء داخل الجزيرة أو خارجها (٢).
أما عن سبب عدم محاربتهم للعراق والشام بعدما احتلها الإنجليز والفرنسيون؛ فإن دولة الدعوة مرت بمراحل ما بين قوة وضعف، فكان لها انتصارات عظيمة وانتشار في جميع بلاد الإسلام، حتى وصل الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀ في الدولة السعودية الأولى- إلى كربلاء بالعراق في عام (١٢١٦ هـ) (٣)، ثم مرت بها مراحل ضعف سقطت فيه الدولة السعودية الأولى (١٢٣٣ هـ)، ثم عادت الدولة السعودية مرة ثانية ثم سقطت (١٣٠٩ هـ)، ثم عادت الدولة السعودية مرة ثالثة، ولا تزال بحمد الله قائمة - حرسها الله من كل مكروه- (٤)، فالقتال عندهم لمن بدل دين الله وعظم القبور والأوثان مرتبط بالقدرة والإمكانية.
стр. 357
المطلب الخامس: دعوى تقسيم الدول إلى دار إسلام ودار كفر بحسب اتباع الإمام
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى تقسيم الدول إلى دار إسلام ودار كفر، فمن كان مع الإمام وتابعه فهي دار إسلام، وإلا فدار كفر.
يقول فؤاد إبراهيم: "قسم الشيخ ابن عبد الوهاب العالم إلى دارين: دار إيمان أو إسلام، ودار كفر أو حرب. ومثّلت الدرعية دار الإسلام، التي تحولت إلى أول إمارة إسلامية تقام في الجزيرة العربية، تمهيداً لإقامة الخلافة الإسلامية، إن أمكن ذلك.
وأملى تأسيس الإمارة الإسلامية في الدرعية قطع السبيل على أشكال التحالف القائمة بين الدرعية وما جاورها، فقد فرضت الإمارة قواعد جديدة صارمة لا تقوم على مبدأ التسويات السلمية، أو العلاقات المتكافئة، أو المصالح المتبادلة، بل كانت تملي تنازل الآخر ورضوخه الطوعي أو القهري للكيان الجديد. وقد تم تطبيق هذه القواعد منذ أول احتكاك خارجي بين الدرعية والإمارات المجاورة، وبدأ مشروع الغزو يكتسح المجال الجغرافي الحيوي للجزيرة العربية ويقضمها لتكون جزءاً من الإمارة الإسلامية" (١).
ويقول سعيد الكثيري: "أما الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فلم ترفع راية الجهاد داخل دار الإسلام منذ عهد الخوارج إلا في عهده. ومع تسليمنا واعترافنا بأن دعوته أحدثت أعظم حركة تصحيح عقائدي في القرون الأخيرة، إلا أن أفكاره التكفيرية والجهادية كانت شديدة الغلو، وما زالت تثير الفتنة وتغذيها، وتنتج أهل الغلو حتى لحظتنا الراهنة.
لم تنتقل دار الحرب إلى الديار الإسلامية إلا في عهد الخوارج وفي عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب!.
لم تُرفع راية الجهاد والفتح والغزو والغنائم داخل موطن العروبة ومهد الإسلام إلا في عهد الخوارج وفي عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب!.
стр. 358
لم ينظر أي عالم إلى الجزيرة ومصر والشام والعراق على أنها دار حرب وديار خروج من الملة، وذلك منذ عهد الخوارج إلى عهد الشيخ محمد! " (١).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى مبنية على اعتقاد المناوئين بأن تكفير الإمام محمد بن عبد الوهاب للمخالفين من عباد القبور والمشركين غير صحيح، وأن هذا التكفير مبني على مخالفة عقيدة الإمام- حسب زعمهم-، فمن وافق دعوة الإمام فهي دار إسلام، ومن خالفها فهي دار كفر.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قسم الدور إلى: دار إسلام ودار كفر بناء على حال أهلها، يقول ﵀ عن بني عبيد القداح (٢): " فإنهم ظهروا على رأس المائة الثالثة، فادعى عبيد الله أنه من آل علي بن أبي طالب، ومن ذرية فاطمة، وتزيَّ بزي أهل الطاعة والجهاد في سبيل الله، فتبعه أقوام من أهل المغرب وصار له دولة كبيرة من المغرب ولأولاده من بعده، ثم ملكوا مصر والشام، وأظهروا شرائع الإسلام، وإقامة الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة والمفتين، لكن أظهروا الشرك ومخالفة الشريعة، وظهر منهم ما يدل على نفاقهم وشدة كفرهم، فأجمع أهل العلم: أنهم كفار وأن دارهم دار حرب مع إظهار شعائر الإسلام وشرائعه، وفي مصر من العلماء والعباد أناس كثير، وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدثوه، مع ذلك أجمع العلماء على ما ذكرنا، حتى إن بعض أهل العلم المعروفين بالصلاح (٣) قال: لو أن معي عشرة أسهم لرميت بواحد منها النصارى المحاربين، ورميت بالتسعة بني عبيد" (٤).
فأوضح الإمام ﵀ إجماع أهل العلم على أن بني عبيد القداح كفار، وأن دارهم دار حرب مع إظهارهم شعائر الإسلام، أما أهل مصر فذكر منهم العلماء والعباد، وأن أكثرهم لم
стр. 359
يدخل معهم؛ بل أنكر عليهم.
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "إذا كان في البلدة وثن يدعى من دون الله، ولم ينكر، هل يقال هذه بلدة كفر؟ أو بلدة إسلام؟
فأجاب: لا ينبغي الجزم بأحد الأمرين، لاحتمال أن يكون في البلد جماعة على الإسلام مظهرين ذلك، فإن هذه الدعوة التي ظهرت بنجد، ومكنها الله بالجزيرة، قد قبلها أناس، كما بلغنا عن الأفغان، والصومال، أن في كل منهما طائفة تدين بالتوحيد، وتظهره، وقد يكون غيرهم كذلك، لأن هذه الدعوة قد شاعت في كل بلاد، وقرؤوا مصنفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، -رحمه الله تعالى-، فيما أجاب من عارضه، وقد بلغنا من ذلك عن بعض أهل الأقاليم، ما يوجب التوقف" (١).
فهذا هو منهج الإمام ﵀ وأتباعه في تحديد دار الإسلام من دار الكفر، وهو في ذلك لم يخرج عن كلام أهل العلم.
ثانيا: ما سبق ذكره من منهج الإمام في تحديد دار الإسلام ودار الكفر لم يخرج فيه ﵀ عن أقوال أهل العلم، فقد قسم العلماء الدور التي يسكنها المسلم إلى قسمين (٢):
١ - دار إسلام: وهي التي يغلب عليها ظهور شرائع الإسلام، ويحكم فيها المسلمون بحكم الإسلام وتعاليمه، ولو كان غالب سكان تلك البلاد من الكفار.
٢ - دار كفر: وهي الدار التي لا يحكم فيها المسلمون، ولا يظهر فيها تطبيق لتعاليم الإسلام.
وفي فتاوى اللجنة الدائمة: "كل بلاد أو ديار يقيم حكامها وذوو السلطان فيها حدود الله، ويحكمون رعيتها بشريعة الإسلام، وتستطيع فيها الرعية أن تقوم بما أوجبته الشريعة الإسلامية عليها، فهي دار إسلام …
стр. 360
وكل بلاد أو ديار، لا يقيم حكامها وذوو السلطان فيها حدود الله، ولا يحكمون في الرعية بحكم الإسلام، ولا يقوى المسلم فيها على القيام بما وجب عليه من شعائر الإسلام، فهي دار كفر" (١).
ثالثا: وصف الدور بالإسلام أو الكفر أوصاف عارضة؛ ولذلك فلا توجد أوصاف لازمة لذات الدور، إلا ما ورد فيما يستثنى من ذلك، كما في الصحيح من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» (٢).
قال الكاساني (٣) الحنفي ﵀: "وجه قولهما - أبو يوسف ومحمد- أن قولنا دار الإسلام ودار الكفر إضافة دار إلى الإسلام وإلى الكفر، وإنما تضاف الدار إلى الإسلام أو إلى الكفر لظهور الإسلام أو الكفر فيها، كما تسمى الجنة دار السلام، والنار دار البوار؛ لوجود السلامة في الجنة، والبوار في النار وظهور الإسلام والكفر بظهور أحكامهما، فإذا ظهر أحكام الكفر في دار فقد صارت دار كفر فصحت الإضافة، ولهذا صارت الدار دار الإسلام بظهور أحكام الإسلام فيها من غير شريطة أخرى، فكذا تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها، والله أعلم" (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فإن كون الأرض دار كفر، أو دار إسلام، أو إيمان، أو دار سلم، أو حرب، أو دار طاعة، أو معصية، أو دار المؤمنين، أو الفاسقين أوصاف عارضة؛ لا لازمة. فقد تنتقل من وصف إلى وصف كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم وكذلك بالعكس. وأما الفضيلة الدائمة في كل وقت ومكان ففي الإيمان والعمل
стр. 361
الصالح" (١).
وقال ﵀ أيضًا: " وكون البقعة ثغرا للمسلمين أو غير ثغر هو من الصفات العارضة لها لا اللازمة لها؛ بمنزلة كونها دار إسلام أو دار كفر أو دار حرب أو دار سلم أو دار علم وإيمان أو دار جهل ونفاق. فذلك يختلف باختلاف سكانها وصفاتهم؛ بخلاف المساجد الثلاثة فإن مزيتها صفة لازمة لها؛ لا يمكن إخراجها عن ذلك" (٢).
رابعا: قول سعيد الكثيري: "أما الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فلم ترفع راية الجهاد داخل دار الإسلام منذ عهد الخوارج إلا في عهده".
فإن راية الجهاد الصحيح لم ترفع من المسلمين ضد المسلمين داخل دار الإسلام مطلقا، لا من الخوارج ولا غيرهم، لأن ما يفعله الخوارج وما يرفعونه من راية ليست براية صحيحة ولا جهاد صحيح؛ وإن زعموا أنهم بذلك يجاهدون؛ ولا يمكن أن ترفع راية جهاد صحيحة من المسلمين ضد المسلمين داخل دار الإسلام ولا خارجه.
خامسا: قوله عن دعوة الإمام: " ومع تسليمنا واعترافنا بأن دعوته أحدثت أعظم حركة تصحيح عقائدي في القرون الأخيرة، إلا أن أفكاره التكفيرية والجهادية كانت شديدة الغلو، وما زالت تثير الفتنة وتغذيها، وتنتج أهل الغلو حتى لحظتنا الراهنة".
فهذا تناقض، فكيف تكون دعوته أحدثت أعظم حركة تصحيح عقائدي، ثم تكون أفكاره التكفيرية والجهادية شديدة الغلو؟!.
سادسا: قوله: " لم تنتقل دار الحرب إلى الديار الإسلامية إلا في عهد الخوارج وفي عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب! ".
فقد سبق في الفصل الثاني في الدعوى الأولى، وفي المبحث الثاني، والدعوى الثالثة من هذا الفصل بيان عقيدة الشيخ ﵀ في التكفير والقتال، ومخالفة منهج الشيخ لمنهج الخوارج، وبيان الفرق بين دعوة الشيخ وبين دعوة الخوارج، وأن دعوة الشيخ هي دعوة السلف الصالح،
стр. 362
ولا يمكن أن تكون دعوة السلف تنقل دار الحرب إلى الديار الإسلامية؛ إلا إن كان يقصد بالديار الإسلامية، البلاد التي يظهر فيها الشرك الأكبر، ولا تحكم بشرع الله، فقد قال الشيخ ﵀: "نقاتل عبّاد الأوثان كما قاتلهم ﷺ ، ونقاتلهم على ترك الصلاة، وعلى منع الزكاة، كما قاتل مانعها صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁؛ ولكن ما هو إلا كما قال ورقة بن نوفل: ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا عودي وأوذي وأُخرج" (١).
ثم إن الحكم على بلد بكونه بلاد حرب أو بلاد إسلام، أمرٌ يحتاج إلى علم وفقه ومعرفة بالواقع، ولا يصدر إلا من الراسخين في العلم، وليست المسألة متروكة لكل أحد (٢).
قال الصنعاني ﵀ في بلاد عدن وما والاها، لما استولى عليها الإفرنج، وكذلك نظائرها من بلاد الهند: "وأما الأقطار التي استولى عليها المسلمون، وغلبوا عليها منذ الفتوحات الإسلاميّة، أيّام الدولتين الأموية والعباسية، وهلمّ جرا، فبعد ظهور كلمة الإسلام بهذا المعنى هي دار الإسلام، إذ الأصل في كل قطر من أقطار الإسلام بعد ظهور كلمة الإسلام؛ أن يكون إسلام أهله من البقاء على يقين فلا يرتفع عنه إلا بيقين، فمتى علمنا يقيناً ضرورياً بالمشاهدة أو السماع تواتر أنّ الكفار استولوا على بلد من بلاد الإسلام التي تليهم وغلبوا عليها وقهروا أهلها بحيث لا يتم لهم إبراز كلمة الإسلام إلا بجوار من الكفار صارت دار حرب، وإن أقيمت فيه الصلاة … وبما حررناه تبين لك أنّ عدن وما والاها إن ظهرت فيها الشهادتان والصلوات ولو ظهرت فيها الخصال الكفريّة بغير جوار فهي دار إسلام، وإلا فدار حرب، وكذا سائر بلاد الهند، وما والاها الحكم عليها بهذا الاعتبار" (٣).
стр. 363
المطلب السادس: دعوى المراوغة في التكفير
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى المراوغة في التكفير، فمرة يكفر، ومرة يرجع عنه وينفي ذلك.
يقول أحمد النفيس: "يعرف كل من له اطلاع على كتب الوهابية ومن بينها (كتاب التوحيد) الذي ذكرنا نبذاً منه من قبل أن الوهابية يكفرون من يتوسل بالصالحين ويكفرون البوصيري في قصيدته بردة المديح في حين أن الشيخ اضطر لإصدار البيانات التي تنفي مثل هذه الافتراءات، فنراه يقول في رسالته إلى أهل القصيم ص ٣ من كتاب الرسائل: (بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم والله يعلم أن الرجل افترى عليَّ أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي. منها: قوله: … وإني أكفر من توسل بالصالحين، وإني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق، .... وإني أكفر من حلف بغير الله، وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي، .... ).
ثم يعود الشيخ نفسه في رسائله ليعلن عن تكفيره لابن عربي فيقول ص ٨٧ من كتاب الرسائل: (وقولكم أننا نكفر المسلمين كيف تفعلون كذا كيف تفعلون كذا، فإنا لم نكفر المسلمين بل ما كفرنا إلا المشركين … ، وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية وهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى فكل من لم يدخل في دين محمد ﷺ ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر بريء من الإسلام ولا تصح الصلاة خلفه، ولا تقبل شهادته، وصاحب الإقناع قد ذكر أن من شك في كفر هؤلاء السادة والمشائخ فهو كافر) " (١).
ويقول عثمان النابلسي: " تكفيره ابن عربي وابن الفارض، ثم إنكاره أنه كفّرهم بشدة!
(الدرر السنية: ١/ ١١٣): (ولهذا آل هذا القول ببعضهم إلى إنكار الرب ﵎ كما هو مذهب ابن عربي، وابن الفارض، وفئام من الناس، لا يحصيهم إلا الله).
وقال (الدرر: ١٠/ ٢٥): (وهذا اشتهر عنه أنه على دين ابن عربي، الذي ذكر العلماء
стр. 364
أنه أكفر من فرعون).
وقال (الدرر: ١٠/ ٥٤): (وقد ذكر أهل العلم: أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية، وهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى) ".
ثم نقل بعض النقول عنه وعن بعض الآخذين عنه في تكفير ابن عربي وابن الفارض (١)، ثم قال: "وفي هذه النصوص الكثيرة لابن عبد الوهاب والآخذين عنه تكفير صريح لابن عربي وابن الفارض! لكنه في رسالته أهل القصيم ينكر أنه كفّر ابن عربي وابن الفارض، ويزعم أن ذلك افتراء عليه وبهتان عظيم".
ونقل كلام الإمام السابق في رسالته لأهل القصيم، ثم قال: "انظر كيف استعمل التقية وأنكر أنه يكفر ابن عربي وابن الفارض!! مع أنني نقلت عنه نصوصاً متعددة في تكفيره إياهم، وما زال أتباعه حتى اليوم يكفرونهما، فما هذا التمسكن إلا من أجل التمكن، والمراوغة سياسة لا ديانة، وهذا أحد نماذج مراوغته، والتي سبق أن نقلت أحدها.
وهذا يدل على أن ما نسبه إليه علماء عصره حق وصدق، وأن ما يأتي به أتباعه المعاصرون لتكذيب كلام أولئك العلماء، ما هو إلا من هذا الباب .. باب المراوغة والتقية، فلا تغتر" (٢).
حقيقة هذه الدعوى:
هو إتهام دعوة الإمام بالتكفير والمرواغة فيه لأجل مصالح سياسية.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أنه لا بد عند نقل كلام أحد من العلماء أو الرد عليه من أمور، منها:
١ - الأمانة في النقل.
٢ - جمع كلام العالم في المسألة.
٣ - معرفة الواقع التي قيلت فيه.
стр. 365
٤ - الصدق والنصح في معرفة الحق، وعدم اتباع الهوى.
٥ - رد الكلام المتشابه إلى المحكم في كلام العالم (١).
ثانيا: أن القراءة في كتب أئمة أي دعوة، ومنها الدعوة السلفية النجدية تحتاج إلى أمور أربعة:
الأمر الأول: معرفة تاريخ الدعوة والأحداث التي جرت في وقتها.
الأمر الثاني: معرفة تراجم أئمة الدعوة.
الأمر الثالث: معرفة خصوم الدعوة.
الأمر الرابع: الإلمام بكتب أئمة الدعوة.
وجمع المواضع من كلام الأئمة وأتباعهم، التي قد يظهر منها التعارض، وبيان وجه الكلام فيه وسببه وحاله (٢).
لأن من عادة بعض المخالفين عدم الالتزام بالمنهج الصحيح في النقد والرد، فمنهجهم يقوم على بتر الكلام، مع عدم الأمانة في النقل، ولا تنزيله مواقعه، ولا جمع كلام العالم في المسألة، بالإضافة إلى اتباع الهوى، وكل ذلك للتنفير من الدعوة وتشويهها.
ثالثا: أن الإمام ﵀ ذكر في رسالته لأهل القصيم - التي استشهد بها المناوئ- مما افتري عليه ولم يقله، بل ولم يأت على باله، ومنها قوله:
"١ - إني مبطل كتب المذاهب الأربعة.
٢ - وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.
٣ - وإني أدعي الاجتهاد.
٤ - وإني خارج عن التقليد.
٥ - وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.
стр. 366
٦ - وإني أكفر من توسل بالصالحين.
٧ - وإني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق.
٨ - وإني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول الله ﷺ لهدمتها.
٩ - ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب.
١٠ - وإني أحرم زيارة قبر النبي ﷺ .
١١ - وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما.
١٢ - وإني أكفر من حلف بغير الله.
١٣ - وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي.
١٤ - وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميه روض الشياطين.
جوابي عن هذه المسائل، أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! وقبله من بهت محمداً ﷺ أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور" (١).
فهذه المسائل التي نفاها الشيخ عن نفسه مما نسبه إليه مطوع الرياض حينها: سليمان ابن محمد بن سحيم (٢)، جاءت في موضعين من رسائله باختلاف بينهما في تعدادها، فالأولى هي السابقة في رسالته لأهل القصيم، وفيها أربع عشرة مسألة نفاها الشيخ عن نفسه.
وظاهر النص فيها أنه لا يكفرهما -ابن الفارض وابن عربي-، وهذا يحتمل أحد أمرين:
الأول: أنه لم يكن يعلم بما في كتبهما من الكفريات، وأنه كان يحسن الظن بهما، وأنهما من جملة المبتدعة الذين لم يكفروا ببدعتهم.
والثاني: أنه قال ﵀ أن ما ذكره سليمان ابن سحيم لم يقله ولم يأت على باله، ولا
стр. 367
يلزم من ذلك أنه لا يكفرهما، إنما مراده أنه لم يقل هذا ولم يعلنه ويصرح به، وأنه ما جاء على باله، لأنه صرح بكفرهما في مواضع أخرى (١).
أما في الرسالة الثانية وهي رسالته لعبد الله ابن سحيم (٢) مطوع المجمعة، فقد حصر المسائل التي قال إن سليمان ابن سحيم مطوع الرياض نسبها له في ثنتي عشرة مسألة: " وهي قوله:
١ - إني مبطل كتب المذاهب.
٢ - وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.
٣ - وإني أدعي الاجتهاد.
٤ - وإني خارج عن التقليد.
٥ - وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.
٦ - وإني أكفّر من توسل بالصالحين.
٧ - وإني أكفّر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق.
٨ - وإني أقول: لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها.
٩ - ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب.
١٠ - وإني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ .
١١ - وقوله: إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم.
١٢ - وإني أكفّر من يحلف بغير الله ..
فهذه اثنتا عشرة مسألة، جوابي فيها أن أقول: "سبحانك هذا بهتان عظيم! ولكن قبله من بهت النبي محمداً ﷺ أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين. تشابهت قلوبهم. وبهتوه
стр. 368
بأنه يزعم أن الملائكة، وعيسى، وعزيراً في النار، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] " (١).
ففي هذا الموضع لم يذكر الثالثة عشرة والرابعة عشرة - التي فيها: وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي- المعدودة في الرسالة الأولى لأهل القصيم. وهذا يحتمل عدة احتمالات:
١ - لا بد من الوقوف على رسالة ابن سحيم، والنظر فيها، هل ذكر فيها أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يقول بتكفير ابن الفارض وابن عربي أم لا؟
٢ - أن الإمام لم يكن يجزم فيهما بشيء عند كتابة رسالته لأهل القصيم، كما سبق.
٣ - أن الإمام ذكر ذلك في الرسالة إلى أهل القصيم استطرادا، لأنه حينما حصر المسائل في الرسالة إلى مطوع المجمعة لم يذكرهما من ضمن ما قال إنه افتراه عليه.
٤ - أن الإمام كان يرى كفرهما؛ ولكنه لم يذكر ذلك من باب المدارة، أو لعدم المصلحة في ذلك.
٥ - أنها أدخلت في رسالة الإمام من النساخ.
٦ - أن يكون معنى كلامه لا أكفر ابن عربي وابن الفارض يعني بالهوى والتشهي، وإنما أكفرهما بما ظهر لي بالدليل، وأن التكفير لهما مبني على تكفير العلماء لهما.
هذه بعض الاحتمالات لإنكار الإمام لتكفيره لابن عربي وابن الفارض في رسالته لأهل القصيم، وقد يكون لدى الإمام اعتبارات ومصالح أخرى.
رابعا: أن الإمام نقل تكفير ابن الفارض وابن عربي في مواضع من كتبه عن العلماء. ويمكن الجمع بينهما بأن يقال: إن الإمام يفرق بين تكفيرهما وإنفاذ حكم التكفير فيهما، فيكون قوله بتكفيرهما بناء على ما صدر منهما من أقوال في مؤلفاتهما، أما إنفاذ الحكم فيهما وما يترتب عليه؛ فإنه لا بد من توفر شروط وانتفاء موانع، ويدل لهذا قوله في رسالته لمطوع المجمعة: " ولا يخفاك أني عثرت على أوراق عند ابن عزاز، فيها إجازات له من عند مشايخه، وشيخ مشايخه رجل يقال له عبد الغني، ويثنون عليه في أوراقهم، ويسمونه العارف بالله؛ وهذا
стр. 369
اشتهر عنه أنه على دين ابن عربي الذي ذكر العلماء أنه أكفر من فرعون، حتى قال ابن المقري الشافعي: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر. فإذا كان إمام دين ابن عربي والداعي إليه هو شيخهم، ويثنون عليه أنه العارف بالله، فكيف يكون الأمر؟ " (١).
وقال في رسالته لأهل الرياض ومنفوحه، وقولكم: "إننا نكفر المسلمين، كيف تفعلون كذا؟ كيف تفعلون كذا؟ فإنا لم نكفر المسلمين، بل ما كفرنا إلا المشركين.
وكذلك أيضاً، من أعظم الناس ضلالاً: متصوفة في معكال وغيره، مثل ولد موسى بن جوعان، وسلامة بن مانع، وغيرهما، يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض. وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية، وهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى. فكل من لم يدخل في دين محمد ﷺ ويتبرأ من دين الاتحادية، فهو كافر بريء من الإسلام، ولا تصح الصلاة خلفه، ولا تقبل شهادته" (٢).
خامسا: أن الحجة على الجميع كتابُ الله وسنة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
وأما ما قد يوجد في كلام الأئمة من متشابه أو محتمل أو زلة؛ فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ ، قال الإمام البخاري ﵀: " اذا ثبت الخبر عن النبي ﷺ وأصحابه فليس في الأسود ونحوه حجة، قال ابن عباس ﵄ ومجاهد ﵀: ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ " (٣).
وقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ (٤) ﵀: "المرجع في مسائل أصول
стр. 370
الدين إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة المعتبر وهو ما كان عليه الصحابة، وليس المرجع إلى عالم بعينه في ذلك، فمن تقرر عنده هذا الأصل تقريرا لا يدفعه شبهة وأخذ بشراشير قلبه، هان عليه ما قد يراه من الكلام المشتبه في بعض مصنفات أئمته، إذ لا معصوم إلا النبي ﷺ " (١).
стр. 371
المطلب السابع: دعوى اختلاف أقوال الإمام في مسألة العذر بالجهل، وأنه خالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١)
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى اختلاف أقوال الإمام في مسألة العذر بالجهل، وأنه خالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، حتى أن أصحابه بعده اختلفوا في هذه المسألة على قولين.
يقول الحسن بن علي الكتاني: "اعلم، رحمك الله، أن كلام إمام الدعوة النجدية في هذه المسألة - أي العذر بالجهل- قد اختلف من موضع لآخر، فإن له كلاماً صريحاً في العذر بالجهل في الأصول، كما أن له كلاماً آخر صريحاً في عدم العذر بالجهل إلا في المسائل الخفية كالصرف والعطف، وهو نوع من أنواع السحر يقصد به تحبيب المرأة لزوجها. وهذا هو الغالب المنتشر من كلامه. وقد اختلف كلام أصحابه بعده في ذلك على مذهبين:
الأول: من يرى العذر بالجهل في الأصول ويحتج بالشيخ وأنه في ذلك موافق لأئمة السنة الكبار. وهذه طريقة بعض المتقدمين وغالب المعاصرين ممن يقتدي بابن عبد الوهاب، ﵀، ويصوب كلامه.
الثاني: من لا يرى العذر بالجهل في الأصول ويرد على الأولين كما فعل إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، ﵀، في رسالته في "تكفير المعين"، وكما هو مذهب جماعة من المتقدمين من النجديين، وعليه جملة المتأخرين المعاصرين، وهو الذي ينصره ويتمسك به من قصدنا من هذه الرسالة الرد عليهم من الغلاة".
ثم قال: "والذي تبين لي بعد طول نظر، وتقلبي في كلام الشيخ المرة تلو الأخرى، ومطالعة كلام أصحابه ﵏، هو أنه يرى العذر بالجهل في أصل الدين لكنه يضيقه جداً حتى يكاد أن يصبح كلا عذر، وهو يفرق بين بلوغ الحجة وبين فهمها. وسبب ذلك قياسه أهل زمانه على المشركين الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، وحمله كلام كثير من العلماء عن
стр. 372
الكفار الأصليين على المسلمين المتلبسين بشيء من الشركيات، وشتان بين الأمرين" (١).
ويقول رعد النعيمي البغدادي بعد أن نقل كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في توضيح كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التفريق في تكفير المعين بين المسائل الظاهرة والباطنة وأن المراد من الامتناع من تكفير المعين قبل بلوغ الحجة: " رحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أما قوله (وأن المراد من الامتناع عن تكفير المعين فذلك قبل بلوغ الحجة) أقول وإذا أضفنا إلى ذلك عدم اشتراط فهم الحجة، فإن مثل هذا الفهم عن شيخ الإسلام ابن تيمية يعارض كل النصوص المعلومة عن شيخ الإسلام والتي سبق تفصيلها، وأن مثل هذا الفهم لا يعضده أي نص من نصوصه في كل كتبه، وأن تفريق شيخ الإسلام بين المسائل الخفية والمسائل الظاهرة لا يختص بالمعينين إطلاقاً، بل هو تفريق عام لا يؤثر على تطبيق قاعدة إثبات الشروط وانتفاء الموانع إلا من حيث ضيق وسعة الموانع فقط. ولو كان هذا الفهم عن شيخ الإسلام صحيحاً لبيّنه في معرض إعذار المعينين من الجاهل والمخطئ والمتأول والمجتهد والمقلد، ولأكَّد هذا الاستثناء، ولكنه لم يفعل إطلاقاً، فدلَّ على عدمه، بل فعل العكس تماماً من إعذار من يفعل الشرك الظاهر ممن هو جاهل أو متأول أو مقلد ونحو ذلك" (٢).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى - وهي: المسلم المرتكب للشرك الأكبر هل هو معذور بالجهل أو غير معذور- وقع فيها خلط كثير، وأصلها له تعلق بأمور:
١ - حقيقة الكفر الذي يكّفر به المسلم، وما يترتب على هذا التكفير.
٢ - الغلو في التكفير بالشبهات والظن والتأويل والاحتمال.
٣ - عدم التكفير لمن قام به المكفر إلا بالاعتقاد والجحود (٣).
الجواب عن هذه الدعوى:
стр. 373
أولا: أن أصل هذه المسألة - العذر بالجهل- لم يكن في منهج أئمة الدعوة، وإنما كان عندهم أصل شرعي أخر، وهو: هل بلغته الحجة؟ أو لم تبلغه الحجة؟ والحجة المناسبة وغير المناسبة؟.
قال الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله-: "وهنا خاض قوم من المعاصرين خوضاً سيئاً في منهج الدعوة، هل كان منهج دعوة الشيخ محمد وأئمة الدعوة هل كانوا يعذرون بالجهل أو لا يعذرون بالجهل؟ ونحو ذلك من الألفاظ، وهذه لم تكن أصلاً عندهم بهذا اللفظ؛ نعذره بالجهل أو لا نعذره، وإنما كانت المسألة مرتبطة بأصل شرعي آخر وهي: هل بلغته الحجة؟ أو لم تبلغه الحجة؟ والحجة المناسبة وغير المناسبة" (١).
قال الإمام الشافعي ﵀: "لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه، فقد كفر. وأما قبل قيام الحجة، فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية ولا الفكر، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه، كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] " (٢).
ثانيا: أن هذه المسألة "العذر بالجهل" بهذا اللفظ لم يكن معروفا عند المتقدمين (٣)، ولا عند أئمة الدعوة (٤).
ثالثا: أن هذه المسألة من أعظم المسائل، قال الشيخ محمد ابن عثيمين ﵀: " وهذه المسألة - أعني مسألة العذر بالجهل - مسألة عظيمة شائكة، وهي من أعظم المسائل تحقيقاً وتصويراً" (٥).
رابعا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يفرق بين المسائل الظاهرة والخفية في تكفير
стр. 374
المعين (١)، وهذا يخالف ما قاله رعد النعيمي من أنه لا يوجد لشيخ الإسلام ابن تيمية ولا قول واحد في التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية.
قال ﵀ في معرض ذمه لأهل الكلام وما يقعون فيه من أعمال أو أقوال كفرية: " وهذا إذا كان في المقالات الخفية؛ فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تَعلمُ العامة والخاصة من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمداً ﷺ بُعث بها وكفر مخالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، وإيجابه لها، وتعظيم شأنها، ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين، والصابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك (٢). ثم تجد كثيراً من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور فكانوا مرتدين؛ وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون إلى الإسلام" (٣).
فهذا النص من أوضح نصوص شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة يستفاد منه، تفريقه بين من وقع منه كفر في المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في التكفير، ووصفه لمن وقع منه كفر في المسائل الخفية قبل قيام الحجة بأنه مخطئ ضال، ووصفه لمن وقع في الكفر في المسائل الظاهرة بالردة والخروج عن الإسلام.
وقال أيضا لما تكلم عن كفر تارك الصلاة: "وفي الحقيقة فكل رد لخبر الله، أو أمره، فهو كفر، دق، أو جل، لكن قد يُعفى عمّا خفيت فيه طرق العلم، وكان أمراً يسيراً في الفروع بخلاف ما ظهر أمره، وكان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر" (٤).
وقال أيضا عند كلامه عن مسألة التوسل وأنواعه: "ولفظ التوسل قد يراد به ثلاثة أمور،
стр. 375
يراد به أمران متفق عليهما بين المسلمين، أحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته، والثاني: دعاؤه، وشفاعته، وهذا أيضاً نافع يتوسل به من دعا له وشفع فيه باتفاق المسلمين، فمن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين، فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل مرتداً، ولكن التوسل بالإيمان به، وبطاعته هو أصل الدين، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام للخاصة والعامة، فمن أنكر ذلك فكفره ظاهر، للخاصة والعامة، وأما دعاؤه وشفاعته، وانتفاع المسلمين بذلك، فمن أنكره فهو أيضاً كافر لكن هذا أخفى من الأول، فمن أنكره عن جهل عُرّف ذلك، فإن أصر على إنكاره، فهو مرتد .... والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته؛ فهذا هو الذي لم تكن الصحابة تفعله" (١).
فهذه النصوص واضحة أن شيخ الإسلام يفرق في مسألة تكفير المعين بين مسائل يسميها ظاهرة، وصاحبها كفره معلوم للعامة والخاصة، وبين مسائل خفية مثل لها شيخ الإسلام بأمثلة، وصاحبها قد يكون مخطئاً ضالاً لا يكفر لخفاء المسألة، وأن ما خفيت فيه طرق العلم من المسائل، فقد يعفى عنه بخلاف ما كان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر.
خامسا: أن أئمة الدعوة ﵏ بينوا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة بيانا واضحا، يقول الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ مبيناً أن شيخ الإسلام ابن تيمية يفرق في مسألة تكفير المعين بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية، وأن المراد من الامتناع من تكفير المعين قبل بلوغه الحجة: "وهذا صفة كلامه في المسائل في كل موضع وقفنا عليه من كلامه، لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الاشكال، وأن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته الحجة حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير، أو تفسيق أو معصية، وصرح ﵁ أن كلامه في غير المسائل الظاهرة، فقال في الرد على المتكلمين، لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيراً، قال: وهذا إن كان في المقالات الخفية، فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر عنهم في أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين، أن رسول الله ﷺ بعث بها، وكفر من خالفها" (٢).
стр. 376
ثم نقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب نص شيخ الإسلام ابن تيمية في التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية، ثم قال ﵀: "فتآمل هذا وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة" (١).
ثم نقل كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية في تكفير المعين إذا وقع في الكفر أو الشرك في المسائل الظاهرة وعلق عليه قائلاً: "فتأمل كلامه في تكفر المعين، والشهادة عليه إذا قتل بالنار وسبي حريمه وأولاده عند منع الزكاة، فهذا الذي ينسب عنه أعداء الدين، عدم تكفير المعين" (٢).
وقال أيضا موافقاً لمذهب ابن تيمية في مسألة تكفير المعين والتفريق فيها بين المسائل الظاهرة والخفية: "إن الشخص المعيّن إذا قال ما يوجِب الكفر، فإنه لا يُحكم بكفره حتى تُقومَ عليه الحُجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أو ما يُعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله" (٣).
سادسا: أن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد رد على من استدل بنصوص شيخ الإسلام في عدم تكفير المعين - مثبتًا تفريق شيخ الإسلام بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في مسائل تكفير المعين -، مما يدل على معرفة الإمام بكلام شيخ الإسلام، فقال ﵀ بعد أن نقل قول شيخ الإسلام في التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في معرض رده على المتكلمين: "فانظر كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية وبين ما نحن فيه، في كفر المعين وتأمل تكفيره رؤوسهم فلاناً وفلاناً بأعيانهم وردّتهم ردة صريحة" (٤).
سابعا: أن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀، وهو من تلامذه الإمام المجدد، قال في رسالة له راداً على من نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يكفر المعين، وقد نقل نصه في شرحه العمدة، وكذلك نصه في ذم المتكلمين، والفرق بين المسائل الظاهرة والخفية، قال
стр. 377
معلقاً على النصين: "وقولك: إن الشيخ (يعني ابن تيمية) يقول، إن من فعل شيئاً من هذه الأمور الشركية، لا يطلق عليه أنه مشرك كافر، حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر، وعبادة غير الله، ونحوه من الكفر، وإنما قال ذلك في المقالات الخفية كما قدمنا من قوله: وهذا إن كان في المقالات الخفية" (١).
وقال الشيخ حمد بن عتيق (٢) ﵀ مقرراً مذهب ابن تيمية في التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في مسألة تكفير المعين: "مسألة تكفير المعين مسألة معروفة اذا قال قولاً يكون القول به كفراً، فيقال: من قال بهذا القول، فهو كافر لكن الشخص المعين، إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حق تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي يخفى دليلها على بعض الناس، كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك، فإن بعض أقوالهم تتضمن أموراً كفرية من رد أدلة الكتاب والسنة المتواترة فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفراً، ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل، وعدم العلم بنفس النص أو بدلالته فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في كثير من كتبه، وذكر أيضاً تكفير أناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسألة، قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يقال بعدم التكفير، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله" (٣).
وقال الشيخ العلامة محمد بن ابراهيم آل الشيخ (٤) ﵀ مثبتاً التفريق بين المسائل
стр. 378
الظاهرة والخفية في مسألة تكفير العين: "مسألة تكفير المعين من الناس من يقول لا يكفر المعين أبداً ويستدل هؤلاء بأشياء من كلام ابن تيمية غلطوا في فهمها، وأظنهم لا يكفرون إلا من نص القرآن على كفره، كفرعون، والنصوص لا تجيء بتعيين كل أحد، ثم إن الذين توقفوا في تكفير المعين في الأشياء التي يخفى دليلها، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية من حيث الثبوت والدلالة، فإذا أوضحت له بالبيان الكافي كفر، سواءٌ فهم، أو أنكر، ليس كفر الكفار كله عن عناد (١)، أما ما عُلم بالضرورة أن الرسول جاء به فهذا يكفر بمجرد ذلك، ولا يحتاج إلى تعريف سواء في الأصول أو الفروع ما لم يكن حديث عهد بإسلام (٢).
والقسم الثالث أشياء تكون غامضة فهذا لا يكفر الشخص فيها ولو بعدما أقيمت عليه الأدلة، وسواء كانت في الفروع أو الأصول، ومن أمثلة ذلك الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه إذا مات " (٣).
ثامنا: أن مسألة العذر بالجهل عند الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد اضطرب فيها بعض الناس (٤):
أ- فبعضهم رأى عبارات صريحة للإمام في عدم الإعذار بالجهل في الشرك فتمسك بها في تكفير المعين قبل النظر في حالهم وتنبيههم وإقامة الحجة عليهم.
ومنها قوله ﵀ عند كلامه عن حقيقة التوحيد والشرك: "إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه. وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين … إلى أن قال: وأفادك أيضاً الخوف العظيم. فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة
стр. 379
يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل" (١).
وقال ﵀: " … إذا عرفت هذا عرفت لا إله إلا الله، وعرفت أن من نخا (٢) نبياً أو ملكاً أو ندبه أو استغاث به فقد خرج من الإسلام. وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله ﷺ " (٣).
ومن ذلك أيضاً قوله ﵀ في شرح حديث عمران بن حصين ﵁ وفيه: «أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: «ما هذه؟ قال: من الواهنة. فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً» (٤).
ويقول في شرح الحديث: "فيه مسائل: … الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة" (٥).
ب - وبعضهم رأى عبارات صريحة أيضاً للإمام في أن التكفير مشروط بالتعريف وإقامة الحجة فتمسكوا بها في القول بأن الإمام يعذر بالجهل في الشرك.
ومن ذلك قوله ﵀: "ما ذُكر عني أني اكفر بالعموم فهذا بهتان العداء". وقال بعد رده على من يقول بأنه يشترط الهجرة إليه لثبوت وصف الإسلام: "إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت، ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه. وكذلك من عبد الأوثان بعد ما عرف أنها دين للمشركين وزيَّنة للناس، فهذا الذي أكفره، وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلا رجلاً معانداً أو جاهلاً" (٦).
ويقول في رده على من اتهمه بأنه يقول من لم يدخل تحت طاعتي فهو كافر: " وكذلك تمويهه على الطغام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر. ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نُشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان. وإنما نكفّر من أشرك بالله في إلهيته بعد
стр. 380
ما نبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسنه للناس أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها" (١).
ويقول أيضاً في التكفير وضابطه: "وأما التكفير فأنا أكفر من عرف الرسول ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك" (٢).
ويقول أيضاً ﵀: "وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن والموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله" (٣).
ج - وآخرون ظنوا أن الإمام متناقض في هذه المسألة وأنه لا يمكن القول بكلا القولين، وأن القول بأحدهما يقتضي بطلان الآخر.
د - وآخرون ظنوا أن منهجه في هذه القضية هو عدم الإعذار بالجهل مطلقاً، لكنه قال ما قال لمصلحة الدعوة.
وهو ﵀ على مذهب أهل السنة في مسألة العذر بالجهل في الأمور الخفية، وعدم الخلط بين عدم الإعذار بالجهل في الشرك وبين إعذار المعين الذي تلبس ببعض الأعمال الشركية في الظاهر. ولو فسرنا كلامه على أن المراد به الحكم على الباطن مطلقاً، أو على الظاهر مطلقاً لتناقض واضطرب، وهذا ما دعا أصحاب كل منهج مخالف في هذه القضية أن يأخذ بما يناسبه من كلام الإمام ويتغافل عن كلامه الآخر.
تاسعا: قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قد ذكر في رسائله أنه لا يكفر أحداً مع الجهل، واذا كان قد ذكر في "كشف الشبهات" أنه لا عذر بالجهل، فيحمل على أن المراد بذلك الجهل الذي كان من صاحبه تفريط في عدم التعلم،
стр. 381
مثل أن يعرف أن هناك شيئاً يخالف ما هو عليه، ولكن يفرِّط، ويتهاون: فحينئذ لا يُعذر بالجهل" (١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ﵀: " الجاهل والمتأول لا يعذر إلا مع العجز؛ ولذلك قيده الشيخ ابن القيم بقوله: "تأويلاً يعذر صاحبه"، فليس كل تأويل وكل جهل يعذر صاحبه، وليس كل ذنب يجرى التأويل فيه، ويعذر الجاهل به وقد تقدم أن عامة الكفار والمشركين من عهد نوح إلى وقتنا هذا جهلوا وتأولوا" (٢).
عاشرا: أن أئمة الدعوة من أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب - والذين هم أعرف بكلامه- قد بينوا هذا الأمر، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ﵀: "من بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله.
وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة، والشيخ
- يعني ابن تيمية- وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا، وشيخنا - يعني الإمام محمد ﵀ قد قرر هذا وبينه وفاقاً لعلماء الأمة واقتداء بهم. ولم يكفر إلاّ بعد قيام الحجة وظهور الدليل حتى إنه ﵀ توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه" (٣).
ويقول الشيخ سليمان بن سحمان (٤) ﵀ في بيان حقيقة منهج الشيح الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذه القضية والرد على من ادعى أن الشيخ لا يشترط في التكفير قيام الحجة على المعين: "اعلم أن مشايخ أهل الإسلام وإخوانهم من طلبة العلم الذين هم على طريقتهم هم الذين ساروا على منهاج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأخذوا بجميع أقواله في حاضرة
стр. 382
أهل نجد وبواديهم الذي كانوا في زمانه. فأخذوا بقوله في الموضع السادس الذي نقله من السيرة في بوادي أهل نجد، حيث قام بهم الوصف المكفر لهم بعد دعوتهم إلى توحيد الله وإقامة الحجة عليهم والإعذار والإنذار منهم. وأخذوا بقوله في رسالته التي كتبها للشريف لما سأله عما يكفر به الناس ويقاتلهم عليه. وكذلك ما ذكره في رسالته إلى السويدي وأنه يكفر الناس بالعموم، وكذلك ما ذكره أولاده من بعده في هذه المسائل، ونحن نسوق ما ذكروه.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالته إلى الشريف بعد أن ذكر ما يكفر الناس به ويقاتلهم عليه مما هو معلوم عنه مشهور. قال: "وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر أن يظهر دينه في بلده، أو إنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل، وأمثال هذا وأضعافه فكل هذا من الكذب والبهتان، والذين يصدون الناس به عن دين الله ورسوله.
وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر أحمد البدوي لأجل جهلهم وعدم وجود من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ولم يقاتل. سبحانك هذا بهتان عظيم. بل نكفر الأنواع الأربعة (١) لأجل محادتهم لله ورسوله. وهذا بخلاف ما عليه هؤلاء الجهال فإنهم يكفرون الناس بالعموم ويكفرون من لم يهاجر كما هو معلوم مشهور عنهم" (٢).
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ﵀: " وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرر في مجالسه ورسائله أنه لا يكفر إلا من عرف دين الرسول وبعد معرفته تبين في عداوته ومسبته. وتارة يقول: وإذا كنا لا نكفر من يعبد قبة الكواز ونحوه ونقاتلهم حتى نبين لهم وندعوهم فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا؟ ويقول في بعضها: وأما من أخلد إلى الأرض واتبع
стр. 383
هواه فلا أدري ما حاله. وإذا كان هذا كلام شيخنا وهذه طريقته، فكيف يلزمه العراقي (١) وينسب إليه التفكير بالعموم؟ " (٢).
وقال الشيخان عبد الله وأخوه إبراهيم ابنا عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان ﵏: عن قول الإمام محمد ﵀ أنه لا يكفر من كان على قبة الكواز، ونحوه، ولا يكفر الوثني حتى يدعوه، وتبلغه الحجة: "فيقال: نعم، فإن الشيخ محمداً لم يكفر الناس ابتداء، إلا بعد قيام الحجة والدعوة؛ لأنهم إذ ذاك في زمن فترة، وعدم علم بآثار الرسالة؛ ولذلك قال: لجهلهم وعدم من ينبههم، فأما إذا قامت الحجة فلا مانع من تكفيرهم وإن لم يفهموها. وفي هذه الأزمان - خصوصاً في جهتكم -قد قامت الحجة على من هناك، واتضحت لهم المحجة، ولم يزل في تلك البلاد من يدعو إلى توحيد الله، ويقرره، ويناضل عنه، ويقرر مذهب السلف، وما دلت عليه النصوص من الصفات العلية، والأسماء القدسية، ويرد ما يشبه به بعض أتباع الجهمية، ومن على طريقتهم، حتى صار الأمر في هذه المسائل في تلك البلاد أظهر منه في غيرها، ولا تخفى النصوص والأدلة حتى على العوام، فلا إشكال - والحالة هذه- في قيام الحجة وبلوغها على من في جهتكم من المبتدعة، والزنادقة الضلال" (٣).
ويقول أيضًا: "والشيخ محمد -رحمه الله تعالى- من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها" (٤).
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين ﵀: " ما سألت عنه، من أنه هل يجوز تعيين إنسان بعينه بالكفر، إذا ارتكب شيئاً من المكفرات، فالأمر الذي دل عليه الكتاب والسنَّة وإجماع العلماء على أنه كفر، مثل الشرك بعبادة غير الله - سبحانه -، فمن ارتكب شيئاً من هذا النوع أو جنسه، فهذا لا شك في كفره.
стр. 384
ولا بأس بمن تحققت منه شيئاً من ذلك، أن تقول: كفر فلان بهذا الفعل، .... ولا مانع من تكفير من اتصف بذلك، كما أن من زنى قيل: فلان زان، ومن رابى: قيل: فلان مراب" (١).
الحادي عشر: أن أئمة الدعوة يفصلون التأصيل ما بين الكفر الظاهر والكفر الباطن، ومن جهة الواقع يفرقون في التطبيق على المعين، فإذا أتى للتأصيل قالوا لمن وقع في الكفر: هو كافر سواء كان كفره عن إعراض وجهل، أو كان كفره عن إباء واستكبار، وإذا أتى التطبيق على المعين أطلقوا الكفر على من أقيمت عليه الحجة الرسالية البينة الواضحة، وأما من لم تقم عليه الحجة فتارة يطلقون عليه الكفر، وتارة لا يطلقون عليه.
قال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله: "فإن المتلبس بالشرك يُقال له مشرك سواءً أكان عالما أم كان جاهلاً، والحكم عليه بالكفر يتنوع:
فإن أقيمت عليه الحجة؛ الحجة الرسالية من خبير بها ليزيل عنه الشبهة وليُفهمه بحدود ما أنزل الله على رسوله التوحيد وبيان الشرك فتَرَك ذلك مع إقامة الحجة عليه فإنه يُعدّ كافراً ظاهراً وباطناً.
وأما المعرض فهنا يعامل في الظاهر معاملة الكافر، وأما باطنه فإنه لا نحكم عليه بالكفر الباطن إلا بعد قيام الحجة عليه؛ لأنه من المتقرر عند العلماء أن من تلبس بالزنا فهو زان، وقد يؤاخذ وقد لا يؤاخذ، إذا كان عالماً بحرمة الزنا فزنى فهو مؤاخذ، وإذا كان أسلم للتو وزنى غير عالم أنه محرم فالاسم باق عليه؛ لكن -يعني اسم الزنا باق أنه زانٍ واسم الزنا عليه باق- لكن لا يؤاخذ بذلك لعدم علمه. وهذا هو الجمع بين ما ورد في هذا الباب من أقوال مختلفة.
فإذن يفرق في هذا الباب بين الكفر الظاهر والباطن، والأصل أنه لا يُكَفَّر أحد إلا بعد قيام الحجة عليه لقول الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، والعذاب هنا إنما يكون بعد إقامة الحجة على العبد في الدنيا أو في الآخرة، قد يُعامل معاملة الكافر استبراء للدين وحفظاً له، من جهة عدم الاستغفار له، ومن جهة عدم التضحية له، وألاّ يزوج
стр. 385
وأشباه ذلك من الأحكام.
فإذا كلام أئمة الدعوة في هذه المسألة فيه تفصيل ما بين الكفر الظاهر والكفر الباطن، ومن جهة التطبيق في الواقع يفرقون، فإذا أتى للتأصيل قالوا هو كفر سواء أكان كفره عن إعراض وجهل أو كان كفره عن إباء واستكبار، وإذا أتى للتطبيق على المعين أطلقوا على من أقيمت عليه الحجة الرّسالية البينة الواضحة أطلقوا عليه الكفر، وأما من لم تقم عليه الحجة فتارة لا يطلقون عليه الكفر كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في موضع: وإن كنا لا نكفر من عند قبة الكوّاز وقبة البدوي لأجل عدم وجود من ينبههم. الشيخ ما كفر أهل الجبيلة ونحوهم ممن عندهم بعض الأوثان في أول الأمر لأجل عدم بلوغ الحجة الكافية لهم، وقد يطلق بعضهم على هؤلاء الكفر ويراد به أن يعاملوا معاملة أهل الكفر حرزا ومحافظة لأمر الشريعة والإتباع، حتى لا يستغفر لمشرك، وحتى لا يضحي عن مشرك، أو أن يتولى مشركا ونحو ذلك من الأحكام" (١).
وقال الشيخ محمد ابن عثيمين ﵀ في جواب له عن العذر بالجهل فيما يتعلق بالعقيدة؟: " الاختلاف في مسألة العذر بالجهل كغيره من الاختلافات الفقهية الاجتهادية (٢)، وربما يكون اختلافًا لفظيًا في بعض الأحيان من أجل تطبيق الحكم على الشخص المعين أي إن الجميع يتفقون على أن هذا القول كفر، أو هذا الفعل كفر، أو هذا الترك كفر، ولكن هل يصدق الحكم على هذا الشخص المعين لقيام المقتضى في حقه وانتفاء المانع أو لا ينطبق لفوات بعض المقتضيات، أو وجود بعض الموانع" (٣).
الثاني عشر: أن الله لا يعذب إلا من قامت عليه الحجة، وكون فلان قامت عليه الحجة أم لا؛ فذلك ما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، أما في الدنيا فيعامل بالظاهر منه، قال ابن القيم ﵀: "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو
стр. 386
كافر جاهل، فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً أو جهلاً وتقليداً لأهل العناد … إلى أن قال:
الله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا؛ فذلك ما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم، وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة" (١).
стр. 387
المطلب الثامن: دعوى تناقض الإمام في شرط قيام الحجة وفهمها (١)
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى تناقض الإمام في الأمر الذي يكفر به الجاهل، وهل يشترط قيام الحجة أو فهمها.
يقول الحسن بن علي الكتاني بعد أن نقل عن الشيخ بعض أقواله في العذر بالجهل: "فهذه أهم نقول الشيخ في العذر بالجهل، وهي واضحة في أنه يقول بالعذر في أصل الدين.
أما كيفية هذه الحجة التي تقوم على الجاهل فكلامه فيها يبين أنه ضيق جداً فيها، ومع أنه واضح الاختلاف عن مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه يحاول أن يبين أنه موافق له. ولكن هيهات. فإن كلام ابن تيمية صريح غير مختلف، كما أن قرائن واقع الحال تدل على أنه يكاد يجعل هذه المسائل مما يعذر فيها بالتأويل وهو عنده فرع عن الجهل.
قال ابن عبد الوهاب: (وأصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها نوع آخر. فإذا أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله ﷺ في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم» (٢)، مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها) (٣) …
ثم قال: " ويقول ابن عبد الوهاب كذلك: (من المعلوم أن قيام الحجة ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ
стр. 388
أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]) (١).
وأوضح من هذا وأشد ما جاء في رسالة ابن عبد الوهاب لبعض أصحابه لما وقفوا على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فرأوه يخالف ما هم عليه من التسرع في التكفير وتضييق العذر بالجهل، فقال لهم: (ما ذكرتموه من كلام الشيخ (كل من جحد كذا وكذا) وأنكم تسألون عن هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة؟ أم لا؟ فهذا من العجب العجاب، كيف تشكون في هذا وقد وضحت لكم مراراً أن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام أو الذي نشأ ببادية بعيدة أو يكون ذلك في مسائل خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف. وأما أصول الدين التي وضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة) (٢) " (٣).
ويقول أيضاً: "وعند النجديين كلام كثير في التفريق بين بلوغ الحجة وفهمها، فعندهم مجرد بلوغ الحجة كافية لإقامتها على الواقع في الكفر، بل منهم من يعد مجرد بلوغ آيات القرآن كافية في ذلك.
وهم يُقِيمون عامة المسلمين الجهال أو علماءهم المتأولين من الأشاعرة والمتصوفين فضلاً عن غيرهم، مقام العرب الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، فإن النبي صلوات ربي وسلامه عليه يقول: «والله لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كبّه الله في النار» (٤) ".
ثم قال: "والمشركون وغيرهم من سائر طوائف الكفر إنما قامت عليهم الحجة برسول الله ﷺ ومن قبله من الأنبياء أنهم كانوا مؤيدين بالمعجزات والبراهين القاطعة، كما قال النبي ﷺ : «ما من نبي إلا قد أوتي ما على مثله آمن الناس، ولقد كان ما أوتيته وحياً يتلى» (٥). وليس
стр. 389
كذلك حال مسلم متلبس بأمور شركية قد شاب عليها الصغير وهرم عليها الكبير، وجماهير علماء القرون المتأخرة لا يشددون فيها، ثم يأتي عالم أو طالب علم فينصح الناس فينكرون عليه إما لأنه لم يحسن أسلوب النصح أو لم يحسن في توضيحه حجته، أو أن مقابله له حجج وشبه لم تُحل، أو يقلد عالماً كبيراً على خطئه، أو عنده غباء وبلادة لم يفهم معها الحجة.
فكيف يقال مع هذا إن مجرد قراءة القرآن كافية في إقامة الحجة؟! هذا ما قاله أحد من قبل، فإنه لا يوجد أحد من المسلمين ينكر القرآن، إنما الشأن في فهم حجته ودلالته على المطلوب" (١).
ويقول رعد النعيمي البغدادي - بعد أن نقل كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب في بيان أن قيام الحجة نوع، وبلوغها نوع، وأن الإشكال عندهم في عدم التفريق بين قيام الحجة وفهم الحجة -: "القول بأن قيام الحجة لا يتضمن فهمها، بل هو مجرد بلوغها قول غير صحيح من وجوه:
الأول: فهم الحجة نوعان:
الأول: هو فهم معناها ومقصودها وهو فهم التبيين، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. ولا شك أن عدم الفهم ينافي المقصود من التبيين الذي أرسلت به الرسل.
والنوع الثاني: هو فهم الهداية والتوفيق، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإراء: ٤٥]، وقوله تعالى:
стр. 390
﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] " (١).
ثم قال: "وأحسب أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه من المشايخ الكرام ممن لم يعتبروا هذه القاعدة صحيحة التطبيق على من يقع من المسلمين في أفعال الشرك، أقول هم لم يطلعوا على أقوال شيخ الإسلام في ذلك وأحسب أنهم لو اطلعوا عليها لذهبوا مذهب شيخ الإسلام حيث إنهم جميعاً يقررون أن مرجعيتهم العلمية في فهم عقيدة السلف الصالح هي القواعد التي قررها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ " (٢).
وقال في موضع أخر: "ومن الملاحظ أن كل الأقوال التي نقلها الكاتب - يعني كتاب ضوابط تكفير المعين- عن علماء الدعوة تخلط بين الفهم في النوعين، وتجعل فهم الهداية هو فهم التبيين، وهذا خطأ بيّن لا جدال فيه، وإلا لما كان هناك حاجة لا إلى اشتراط العقل في التكليف، ولا إلى اشتراط اللغة في الرسالة" (٣).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى متعلقة بتكفير المعين، فإن قيام الحجة أحد شروط تكفير المعين، ولا بد من معرفة حدود هذه الحجة التي يكفر من قامت عليه، هل هو بلوغها؟ أو لابد من فهمها؟؛ لئلا يكفر من لم يكفره الله ورسوله، أو يعذر بفعل الكفر من لم يعذره الله ورسوله.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: معنى إقامة الحجة: تبليغ الدليل لمن لم يبلغه أو خفى عليه، وتوضيحه وتفهيمه لمن